Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٦ الى ٢٨]
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)
المعنى واذكر إِذْ بَوَّأْنا، و «بوأ» هي تعدية باء بالتضعيف، و «باء» معناه رجع فكأن المبوّئ يرد المبوأ إلى المكان، واستعملت اللفظة بمعنى سكن، ومنه قوله تعالى: نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزمر: ٧٤] وقال الشاعر:
كم من أخ لي صالح ... بوأته بيديّ لحدا
واللام في قوله تعالى: لِإِبْراهِيمَ قالت فرقة هي زائدة، وقالت فرقة بَوَّأْنا نازلة منزلة فعل يتعدى باللام كنحو جعلنا ع والأظهر أن يكون المفعول الأول ب بَوَّأْنا محذوفا تقديره الناس أو العالمين، ثم قال لِإِبْراهِيمَ بمعنى له كانت هذه الكرامة وعلى يديه بوؤا، والْبَيْتِ هو الكعبة، وكان فيما روي قد جعله الله تعالى متعبدا لآدم ﵇، ثم درس بالطوفان، وغيره فلما جاءت مدة إبراهيم أمره الله تعالى ببنائه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا، فبعث الله ريحا فكشف له عن أساس آدم، فرفع قواعده عليه. وقوله أَنْ لا تُشْرِكْ هي مخاطبة لإبراهيم ﵇، في قول الجمهور حكيت لنا بمعنى قيل له لا تشرك، وقرأ عكرمة «ألا يشرك» بالياء على نقل معنى القول الذي قيل له، قال أبو حاتم: ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة بمعنى لأن لا يشرك ع يحتمل أن تكون «أن» في قراءة الجمهور مفسرة، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة، وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت، أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعد، وأنتم لم تفوا بل أشركتم، وقالت فرقة: الخطاب من قوله أَنْ لا تُشْرِكْ لمحمد ﷺ وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج ع والجمهور على أن ذلك لإبراهيم وهو الأصح. وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء وغير ذلك، و «القائمون» ، هم المصلون، وذكر تعالى من أركان الصلاة: أعظمها. وهي القيام والركوع والسجود، وقرأ جمهور الناس «وأذّن» بشد الذال، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن محيصن «وآذن» بمدة وتخفيف الذال وتصحف هذا على ابن جني، فإنه حكى عنها «وأذن» فعل ماض وأعرب عن ذلك بأن جعله عطفا على بَوَّأْنا، وروي أن إبراهيم ﵇ لما أمر بالأذان بالحج قال يا رب وإذا ناديت فمن يسمعني؟ فقيل له ناد يا إبراهيم فعليك النداء وعلينا البلاغ فصعد على أبي قبيس وقيل على حجر المقام ونادى: أيها الناس، إن الله قد أمركم بحج هذا البيت فحجوا واختلفت الروايات في ألفاظه ﵇ واللازم أن يكون فيها ذكر البيت والحج، وروي أنه يوم نادى أسمع كل من يحج إلى يوم القيامة في أصلاب الرجال وأجابه كل شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره لبيك اللهم لبيك، فجرت التلبية على ذلك، قاله ابن عباس وابن جبير، وقرأ جمهور الناس «بالحج» بفتح الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها، ورِجالًا، جمع راجل كتاجر وتجار، وقرأ عكرمة وابن عباس وأبو مجلز وجعفر بن محمد «رجّالا» بضم الراء وشد الجيم، ككاتب وكتاب، وقرأ عكرمة أيضا وابن أبي إسحاق «رجالا» بضم الراء وتخفيف الجيم، وهو قليل في أبنية
стр. 1787
الجمع ورويت عن مجاهد، وقرأ مجاهد «رجالى» على وزن فعالى فهو كمثل كسالى، و «الضامر» ، قالت فرقة أراد بها الناقة ع وذلك أنه يقال ناقة ضامر.
ومنه قول الأعشى:
عهدي بها في الحي قد ذرعت ... هيفاء مثل المهرة الضامر
فيجيء قوله يَأْتِينَ مستقيما على هذا التأويل، وقالت فرقة «الضامر» هو كل ما اتصف بذلك من جمل أو ناقة وغير ذلك ع وهذا هو الأظهر لكنه يتضمن معنى الجماعات أو الرفاق فيحسن لذلك قوله يَأْتِينَ وقرأ أصحاب ابن مسعود «يأتون» وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك، وفي تقديم رِجالًا تفضيل للمشاة في الحج، قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني إلا أن أكون حججت ما شيا فإني سمعت الله تعالى يقول: «يأتونك رجالا» وقال ابن أبي نجيح: حج إبراهيم وإسماعيل ماشيين، واستدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط ع قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرا ع وهذا تأسيس لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه، وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس بالسفن ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامِرٍ فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا القوي، فأما إذا اقترن به عدو أو خوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصا ما، فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع، وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاما ظاهره أن الوجوب لا يسقطه شيء من هذه الأعذار ع وهذا ضعيف و «الفج» الطريق الواسعة، و «العميق» معناه البعيد. وقال الشاعر: [الطويل]
إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة ... يمد بها في السير أشعث شاحب
و «المنافع» في هذه الآية التجارة في قول أكثر المتأولين ابن عباس وغيره، وقال أبو جعفر محمد بن علي: أراد الأجر ومَنافِعَ الآخرة، وقال مجاهد بعموم الوجهين وقوله تعالى: اسْمَ اللَّهِ، يصح أن يريد بالاسم هاهنا المسمى بمعنى ويذكروا الله على تجوز في هذه العبارة إلا أن يقصد ذكر القلوب، ويحتمل أن يريد بالاسم التسميات وذكر الله تعالى إنما هو بذكر أسمائه ثم بذكر القلب السلطان والصفات، وهذا كله على أن يكون الذكر بمعنى حمده وتقديسه شكرا على نعمته في الرزق ويؤيده قوله ﵇ «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى» ، وذهب قوم إلى أن المراد ذكر اسم الله تعالى على النحر والذبح، وقالوا إن في ذكر «الأيام» دليلا على أن الذبح في الليل لا يجوز، وهو مذهب مالك وأصحاب الرأي، وقال ابن عباس «الأيام المعلومات» هي أيام العشر ويوم النحر وأيام التشريق، وقال ابن سيرين: بل أيام العشر فقط، وقالت فرقة: أيام التشريق، ذكره القتبي، وقالت فرقة فيها مالك وأصحابه: بل المعلومات يوم النحر ويومان بعده وأيام التشريق الثلاثة هي معدودات فيكون يوم النحر معلوما لا معدودا واليومان بعده معلومان معدودان والرابع معدود لا معلوم ع وحمل هؤلاء على هذا التفصيل أنهم أخذوا ذكر اسْمَ اللَّهِ هنا على الذبح للأضاحي والهدي وغيره، فاليوم الرابع لا يضحى فيه عند مالك وجماعة وأخذوا التعجل والتأخر بالنفر في
стр. 1788
الأيام المعدودات فتأمل هذا، يبين لك قصدهم، ويظهر أن تكون المعدودات والمعلومات بمعنى أن تلك الأيام الفاضلة كلها ويبقى أمر الذبح وأمر الاستعجال لا يتعلق بمعدود ولا بمعلوم وتكون فائدة قوله مَعْلُوماتٍ ومَعْدُوداتٍ [البقرة: ١٨٤، آل عمران: ٢٤] التحريض على هذه الأيام وعلى اغتنام فضلها أي ليست كغيرها فكأنه قال: هي مخصوصات فلتغتنم. وقوله، فَكُلُوا ندب، واستحب أهل العلم للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بأكثرها مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل الكل، والْبائِسَ الذي قد مسه ضر الفاقة وبؤسها، يقال: بأس الرجل يبؤس وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم تكن فقرا، ومنه قوله ﵇، «لكن البائس سعد بن خولة» ، والمراد في هذه الآية أهل الحاجة.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٩ الى ٣١]
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١)
اختلفت القراءة في سكون اللام في قوله تعالى: لْيَقْضُوا وَلْيُوفُوا وَلْيَطَّوَّفُوا وفي تحريك جميع ذلك بالكسر وفي تحريك «ليقضوا» وتسكين الاثنين وقد تقدم في قوله: فَلْيَمْدُدْ [الحج: ١٥، مريم: ٧٥] بسبب توجيه جميع ذلك، و «التفث» ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر وحلقه وإزالة شعث ونحوه من إقامة الخمس من الفطرة حسب الحديث وفي ضمن ذلك قضاء جميع مناسكه إذ لا يقضى التفث إلا بعد ذلك، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر «وليوفّوا» بفتح الواو وشد الفاء، ووفى وأوفى لغتان مستعملتان في كتاب الله تعالى، وأوفى أكثر. و «النذور» ما معهم من هدي وغيره، والطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج، قال الطبري لا خلاف بين المتأولين في ذلك، قال مالك: هو واجب يرجع تاركه من وطنه إلا أن يطوف طواف وداع فإنه يجزئه منه.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل بحسب الترتيب أن تكون الإشارة إلى طواف الوداع إذ المستحسن أن يكون ولا بد، وقد أسند الطبري عن عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيرا عن قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فقال: هو طواف الوداع، وقال مالك في الموطأ واختلف المتألون في وجه صفة البيت ب الْعَتِيقِ، فقال مجاهد والحسن الْعَتِيقِ القديم يقال سيف عتيق وقد عتق الشيء، قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول يعضده النظر إذ هو أول بيت وضع للناس إلا أن ابن الزبير قال: سمي عتيقا لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة بمنعه إياه منهم وروي في هذا حديث عن النبي ﷺ ولا نظر مع الحديث، وقالت فرقة: سمي عتيقا لأنه لم يملك موضعه قط، وقالت فرقة: سمي عتيقا لأن الله تعالى يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب، قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا يرده التصريف، وقيل: سمي عتيقا لأنه أعتق من غرق الطوفان، قاله ابن جبير، ويحتمل أن يكون الْعَتِيقِ صفة مدح تقتضي جودة الشيء كما قال
стр. 1789
عمر بن الخطاب ﵁ «حملت على فرس عتيق» الحديث ونحوه قولهم كلام حر وطين حر، وقوله تعالى: ذلِكَ يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير فرضكم ذلك أو الواجب ذلك، ويحتمل أن يكون في موضع نصب بتقدير امتثلوا ذلك ونحو هذا الإضمار، وأحسن الأشياء مضمرا أحسنها مظهرا ونحو هذه الإشارة البليغة قول زهير: [البسيط]
هذا وليس كمن يعطي بخطته ... وسط الندى إذا ما قائل نطقا
والحرمات المقصودة هاهنا في أفعال الحج المشار إليها في قوله ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، قاله ابن زيد وغيره، ووعد على تعظيمها بعد ذلك تحريضا، وتحريصا، ثم لفظ الآية بعد ذلك يتناول كل حرمة لله تعالى في جميع الشرع. وقوله تعالى: فَهُوَ خَيْرٌ، ظاهره أنها ليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير، ويحتمل أن يجعل خَيْرٌ للتفضيل على تجوز في هذا الموضع، وقوله تعالى: أُحِلَّتْ إشارة إلى ما كانت العرب تفعله من تحريم أشياء برأيها كالبحيرة والسائبة فأذهب الله تعالى ذلك وأحل لهم جميع الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عليهم في كتاب الله تعالى. في غير موضع ثم أمرهم باجتناب الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ والكلام يحتمل معنيين أحدهما أن تكون مَنْ لبيان الجنس فيقع نهيه عن رجس الأوثان فيقع نهيها في غير هذا الموضع، والمعنى الثاني أن تكون مَنْ لابتداء الغاية فكأنه نهاهم عن الرجس عاما ثم عين لهم مبدأ الذي منه يلحقهم إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس، ويظهر أن الإشارة إلى الذبائح التي كانت للأوثان فيكون هذا مما يتلى عليهم، ومن قال مَنْ للتبعيض قلب معنى الآية ويفسده، والمروي عن ابن عباس وابن جريج أن الآية نهي عن عبادة الأوثان، والزُّورِ، عام في الكذب والكفر وذلك أن كل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور، وقال ابن مسعود وابن جريج: إن رسول الله ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور بالشرك» ، وتلا هذه الآية، والزُّورِ مشتق من الزور وهو الميل ومنه في جانب فلان زور ويظهر أن الإشارة في زور أقوالهم في تحريم وتحليل مما كانوا قد شرعوه في الأنعام، وحُنَفاءَ، معناه مستقيمين أو مائلين إلى الحق بحسب أن لفظة الحنف من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل، وحُنَفاءَ نصب على الحال، وقال قوم حُنَفاءَ معناه حجاجا ع وهذا تخصيص لا حجة معه، وغَيْرَ مُشْرِكِينَ، يجوز أن يكون حالا أخرى، ويجوز أن يكون صفة لقول حُنَفاءَ ثم ضرب تعالى مثلا للمشرك بالله أظهره في غاية السقوط وتحمل والانبتات من النجاة بخلاف ما ضرب للمؤمن في قوله فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [البقرة: ٢٥٦] ومنه قول علي ﵁: إذا حدثتكم عن رسول الله فلأن أخر من السماء إلى الأرض أهون علي من أن أكذب عليه، الحديث. وقرأ نافع وحده «فتخطّفه الطير» بفتح الخاء وشد الطاء على حذف تاء التفعل وقرأ الباقون «فتخطفه» بسكون الخاء وتخفيف الطاء، وقرأ الحسن فيما روي عنه «فتخطّفه» بكسر التاء والخاء وفتح الطاء مشددة، وقرأ أيضا الحسن وأبو رجاء بفتح التاء وكسر الخاء والطاء وشدها، وقرأ الأعمش
«من السماء تخطفه» بغير فاء وعلى نحو قراءة الجماعة وعطف المستقبل على الماضي لأنه بتقدير فهو تخطفه الطير، وقرأ أبو جعفر، «الرياح» ، و «السحيق» البعيد ومنه قولهم أسحقه الله ومنه قوله ﵇ «فسحقا فسحقا» ومنه نخلة سحوق للبعيدة في السماء.
стр. 1790
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٢ الى ٣٥]
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)
التقدير في هذا الموضع الأمر ذلك، و «الشعائر» جمع شعيرة وهي كل شيء لله تعالى، فيه أمر أشعر به وأعلم، قالت فرقة: قصد ب «الشعائر» في هذه الآية الهدي والأنعام المشعرة، ومعنى تعظيمها تسميتها والاهتبال بأمرها والمغالاة بها قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة، وعود الضمير في «إنها» على التعظمة والفعلة التي يتضمنها الكلام، وقرأ «القلوب» بالرفع على أنها فاعلة بالمصدر الذي هو تَقْوَى، ثم اختلف المتألون في قوله لَكُمْ فِيها مَنافِعُ الآية، فقال مجاهد وقتادة: أراد أن للناس في أنعامهم منافع من الصوف واللبن وغير ذلك ما لم يبعثها ربها هديا فإذا بعثها فهو «الأجل المسمى» ، وقال عطاء بن أبي رباح: أراد في الهدي المبعوث منافع من الركوب والاحتلاب لمن اضطر، و «الأجل» نحرها وتكون ثُمَّ لترتيب الجمل، لأن المحل قبل الأجل ومعنى الكلام عند هاتين الفرقتين ثُمَّ مَحِلُّها إلى موضع النحر فذكر الْبَيْتِ لأنه أشرف الحرم وهو المقصود بالهدي وغيره، وقال ابن زيد وابن عمر والحسن ومالك:
«الشعائر» في هذه الآية مواضع الحج كلها ومعالمه بمنى وعرفة والمزدلفة والصفا والمروة والبيت وغير ذلك، وفي الآية التي تأتي أن البدن من الشعائر، و «المنافع» التجارة وطلب الرزق، ويحتمل أن يريد كسب الأجر والمغفرة، وبكل احتمال قالت فرقة و «الأجل» الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة وقوله، مَحِلُّها مأخوذ من إحلال المحرم ومعناه ثم أخر هذا كله إلى طواف الإفاضة ب الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، ف الْبَيْتِ على هذا التأويل مراد بنفسه، قاله مالك في الموطأ، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل أمة من الأمم المؤمنة مَنْسَكاً أي موضع نسك وعبادة وهذا على أن المنسك ظرف كالمذبح ونحوه، ويحتمل أن يريد به المصدر، كأنه قال عبادة ونحو هذا، والناسك العابد، وقال مجاهد: سنة في هراقة دماء الذبائح، وقرأ معظم القراء «منسكا» بفتح السين وهو من نسك ينسك بضم السين في المستقبل، وقرأ حمزة والكسائي «منسكا» بكسر السين قال أبو علي: الفتح أولى لأنه إما المصدر وإما المكان وكلاهما مفتوح والكسر في هذا من الشاذ في اسم المكان أن يكون مفعل من فعل يفعل مثل مسجد من سجد يسجد، ولا يسوغ فيه القياس، ويشبه أن الكسائي سمعه من العرب. وقوله لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر الله وأن يكون الذبح له لأنه رازق ذلك، ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه فالإله واحد لجميعكم بالأمر كذلك في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له، وأَسْلِمُوا معناه لحقه ولوجهه ولإنعامه آمنوا وأسلموا، ويحتمل أن يريد الاستسلام ثم أمر تعالى نبيه ﷺ أن يبشر بشارة على الإطلاق وهي أبلغ من المفسرة لأنها مرسلة مع نهاية التخيل،
стр. 1791
والْمُخْبِتِينَ المتواضعين الخاشعين من المؤمنين، والخبت ما انخفض من الأرض والمخبت المتواضع الذي مشيه متطامن كأنه في حدود من الأرض وقال عمرو بن أوس المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.
قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال شريف من خلق المؤمن الهين اللين، وقال مجاهد: هم المطمئنون بأمر الله، ووصفهم تعالى بالخوف والوجل عند ذكر الله، وذلك لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، ووصفهم بالصبر وبإقامة الصلاة وإدامتها، وقرأ الجمهور «الصلاة» بالخفض، وقرأ ابن أبي إسحاق «الصلاة» بالنصب على توهم النون وأن حذفها للتخفيف، ورويت عن أبي عمرو، وقرأ الأعمش «والمقيمين الصلاة» بالنون والنصب في «الصلاة» ، وقرأ الضحاك «والمقيم الصلاة» ، وروي أن هذه الآية، قوله وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٦ الى ٣٧]
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)
البدن جمع بدنة وهي ما أشعر من ناقة أو بقرة، قاله عطاء وغيره وسميت بذلك لأنها تبدن أي تسمن، وقيل بل هذا الاسم خاص بالإبل، وقالت فرقة الْبُدْنَ جمع بدن بفتح الدال والباء ثم اختلفت، فقال بعضها الْبُدْنَ مفرد اسم جنس يراد به العظيم السمين من الإبل والبقر، ويقال للمسلمين من الرجال بدن، وقال بعضها الْبُدْنَ جمع بدنة كثمرة وثمر، وقرأ الجمهور «والبدن» ساكنة الدال، وقرأ أبو جعفر وشيبة والحسن وابن أبي إسحاق «البدن» بضم الدال، فيحتمل أن يكون جمع بدنة كثمر، وعدد الله تعالى في هذه الآية نعمته على الناس في هذه الْبُدْنَ، وقد تقدم القول في «الشعائر» ، و «الخير» قيل فيه ما قيل في المنافع التي تقدم ذكرها والصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة، وقوله، عَلَيْها يريد عند نحرها، وقرأ جمهور الناس «صوافّ» بفتح الفاء وشدها جمع صافّة أي مصطفة في قيامها، وقرأ الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري وشقيق وسليمان التيمي والأعرج «صوافي» جمع صافية أي خالصة لوجه الله تعالى لا شركة فيها لشيء كما كانت الجاهلية تشرك، وقرأ الحسن أيضا «صواف» بكسر الفاء وتنوينها مخففة وهي بمعنى التي قبلها لكن حدفت الياء تخفيفا على غير قياس وفي هذا نظر، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو جعفر محمد بن علي «صوافن» بالنون جمع صافنة وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب، والصافن من الخيل الرافع لفراهيته إحدى يديه وقيل إحدى رجنيه ومنه قوله تعالى: الصَّافِناتُ الْجِيادُ [ص: ٣١] .
وقال عمرو بن كلثوم:
تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا
стр. 1792
ووَجَبَتْ، معناه سقطت بعد نحرها، ومنه وجبت الشمس، ومنه قول أوس بن حجر: ألم تكسف الشمس والبدر والكواكب للجبل الواجب، وقوله «كلوا» ندب، وكل العلماء يستحب أن يأكل الإنسان من هديه وفيه أجر وامتثال إذ كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم، وقال مجاهد وإبراهيم والطبري: هي إباحة، والْقانِعَ، السائل يقال قنع الرجل يقنع قنوعا إذا سأل، بفتح النون في الماضي، وقنع بكسر النون يقنع قناعة فهو قنع إذا تعفف واستغنى، قاله الخليل ومن الأول قول الشماخ:
لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع
فمحرور القول من أهل العلم قالوا الْقانِعَ السائل وَالْمُعْتَرَّ المتعرض من غير سؤال، قاله محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن بن أبي الحسن، وعكست فرقة هذا القول، حكى الطبري عن ابن عباس أنه قال الْقانِعَ المستغني بما أعطيه وَالْمُعْتَرَّ المتعرض، وحكي عنه أنه قال الْقانِعَ المتعفف وَالْمُعْتَرَّ السائل، وحكي عن مجاهد أنه قال الْقانِعَ الجار وإن كان غنيا، وقرأ أبو رجاء «القنع» فعلى هذا التأويل معنى الآية أطعموا المتعفف الذي لا يأتي متعرضا والمتعرض، وذهب أبو الفتح بن جني إلى أنه أراد القانع فحذف الألف تخفيفا وهذا بعيد لأن توجيه على ما ذكرته آنفا أحسن وإنما يلجأ إلى هذا إذا لم توجد مندوحة، وقرأ أبو رجاء وعمرو بن عبيد «المعتري» والمعنى واحد، وروي عن أبي رجاء «والمعتر» بتخفيف الراء وقال الشاعر: [الطويل]
لعمرك ما المعتر يغشى بلادنا ... لنمنعه بالضائع المتهضم
وذهب ابن مسعود إلى أن الهدي أثلاث، وقال جعفر بن محمد عن أبيه: أطعم الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ثلثا، والبائس الفقير ثلثا، وأهلي ثلثا، وقال ابن المسيب: ليس لصاحب الهدي منه إلا الربع وهذا كله على جهة الاستحسان لا على الفرض، ثم قال كَذلِكَ أي كما أمرناكم فيها بهذا كله سَخَّرْناها لَكُمْ، ولَعَلَّكُمْ، ترجّ في حقنا وبالإضافة إلى نظرنا، وقوله، يَنالَ عبارة مبالغة وتوكيد وهي بمعنى لن يرتفع عنده ويتحصل سبب ثواب، وقال ابن عباس إن أهل الجاهلية كانوا يضرجون البيت بالدماء فأراد المؤمنون فعل ذلك فنهى الله عن ذلك ونزلت هذه الآية، والمعنى ولكن ينال الرفعة عنده والتحصيل حسنة لديه، التَّقْوى، أي الإخلاص والطاعات، وقرأ مالك بن دينار والأعرج وابن يعمر والزهري، «تنال وتناله» ، بتاء فيهما، والتسمية والتكبير على الهدي والأضحية هو أن يقول الذابح باسم الله والله أكبر، وروي أن قوله وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ، نزلت في الخلفاء الأربعة حسبما تقدم في التي قبلها فأما ظاهر اللفظ فيقتضي العموم.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)
стр. 1793
روي أن هذه الآية نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ويغتال ويغدر فنزلت هذه الآية إلى قوله كَفُورٍ، ووكد فيها بالمدافعة ونهى أفصح نهي عن الخيانة والغدر، وقرأ نافع والحسن وأبو جعفر «يدافع» «ولولا دفاع» ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير «يدفع» «ولولا دفع» ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «يدافع» «ولولا دفع» ، قال أبو علي أجريت «دافع» في هذه القراءة مجرى «دفع» كعاقبت اللص وطابقت النعل فجاء المصدر دفعا، قال أبو الحسن والأخفش: أكثر الكلام أن الله «يدفع» ويقولون دافع الله عنك إلا أن دفع أكثر.
قال القاضي أبو محمد: فحسن في الآية يُدافِعُ لأنه قد عن للمؤمنين من يدفعهم ويؤذيهم فتجيء معارضته ودفعه مدافعة عنهم، وحكى الزهراوي أن دفاعا مصدر دفع كحسبت حسابا، ثم أذن الله تعالى في قتال المؤمنين لمن قاتلهم من الكفار بقوله أُذِنَ وصورة الإذن مختلفة بحسب القراءات فبعضها أقوى من بعض، فقرأ نافع وحفص عن عاصم «أذن» بضم الألف «يقاتلون» بفتح التاء، أي في أن يقاتلهم فالإذن في هذه القراءة ظاهر أنه في مجازات، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم والحسن والزهري «أذن» بفتح الألف «يقاتلون» بكسر التاء، فالإذن في هذه القراءة في ابتداء القتال، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «أذن» بفتح الألف «يقاتلون» بكسر التاء، وقرأ ابن عامر بفتح الألف والتاء جميعا، وهي في مصحف ابن مسعود «أذن للذين يقاتلون في سبيل الله» بكسر التاء، وفي مصحف أبي «أذن» بضم الهمزة «للذين قاتلوا» ، وكذلك قرأ طلحة والأعمش إلا أنهما فتحا همزة «أذن» وقوله بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا معناه كان الإذن بسبب أنهم ظلموا، قال ابن جريج: وهذه الآية أول ما نقض الموادعة، قال ابن عباس وابن جبير: نزلت عند هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، وقال أبو بكر الصديق لما سمعتها علمت أنه سيكون قتال، وقال مجاهد الآية في مؤمنين بمكة أرادوا الهجرة إلى المدينة فمنعوا وما بعد هذا في الآية يرد هذا القول لأن هؤلاء منعوا الخروج لا أخرجوا، ثم وعد تعالى بالنصر في قوله وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، وقوله الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ يريد كل من نبت به مكة وآذاه أهلها حتى أخرجوا بإذايتهم طائفة إلى الحبشة وطائفة إلى المدينة، ونسب الإخراج إلى الكفار لأن الكلام في معرض تقرير الذنب وإلزامه، وقوله إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ استثناء منقطع ليس من الأول هذا قول سيبويه ولا يجوز عنده فيه البدل وجوزه أبو إسحاق، والأول أصوب، وقوله وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ الآية تقوية للأمر بالقتال وذكر الحجة بالمصلحة فيه وذكر أنه متقدم في الاسم وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال أذن في القتال فليقاتل المؤمنون ولولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة، هذا أصوب تأويلات الآية، ثم ما قيل بعد من مثل الدفاع تبع للجهاد، وقال مجاهد وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ ظلم قوم بشهادات العدول ونحو هذا، ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة، وقال علي بن أبي طالب ﵁: المعنى ولولا دفع الله بأصحاب محمد الكفار عن التابعين فمن بعدهم وهذا كله فيه دفع قوم بقوم إلا أن معنى القتال أليق بما تقدم من الآية، وقالت فرقة
стр. 1794
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ العذاب بدعاء الفضلاء ونحوه وهذا وما شاكله مفسد لمعنى الآية وذلك أن الآية تقتضي ولا بد مدفوعا من الناس ومدفوعا عنه فتأمله، وقرأ نافع وابن كثير «لهدمت» مخففة الدال، وقرأ الباقون «لهدّمت» مشددة وهذه تحسن من حيث هي صوامع كثيرة ففي هدمها تكرار وكثرة كما قال بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: ٧٨] فثقل الياء وقال قَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج: ٤٥] فخفف لكونه فردا وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ [يوسف: ٤٣] ومُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ [ص: ٥٠] و «الصومعة» موضع العبادة وزنها فوعلة وهي بناء مرتفع منفرد حديد الأعلى، والأصمع من الرجال الحديد القول وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين، قاله قتادة، ثم استعمل في مئذنة المسلمين والبيع كنائس النصارى واحدتها بيعة قال الطبري: وقيل هي كنائس اليهود ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك، و «الصلوات» مشتركة لكل ملة واستعير الهدم للصلوات من حيث تعطل، أو أراد وموضع صلوات، وذهبت فرقة إلى أن الصلوات اسم لشنائع اليهود وأن اللفظة عبرانية عربت وليست بجمع صلاة، وقال أبو العالية الصلوات مساجد الصابئين، واختلفت القراءة فيها فقرأ جمهور الناس «صلوات» بفتح الصاد واللام وبالتاء بنقطتين وذلك إما بتقدير ومواضع صلوات وإما على أن تعطيل الصلاة هدمها، وقرأ جعفر بن محمد «صلوات» بفتح الصاد وسكون اللام، وقرأت فرقة بكسر الصاد وسكون اللام حكاها ابن جني، وقرأ الجحدري فيما روي عنه «وصلوات» بتاء بنقطتين من فوق وبضم الصاد واللام على وزن فعول قال وهي مساجد
النصارى، وقرأ الجحدري والحجاج بن يوسف «وصلوب» بضم الصاد واللام وبالباء على أنه جمع صليب، وقرأ الضحاك والكلبي «وصلوث» بضم الصاد واللام وبالثاء منقوطة ثلاثا قالوا وهي مساجد اليهود، وقرأت فرقة «صلوات» بفتح الصاد وسكون اللام، وقرأت فرقة «صلوات» بضم الصاد واللام حكاها ابن جني، وقرأت فرقة «صلوثا» بضم الصاد واللام وقصر الألف بعد الثاء، وحكى ابن جني أن خارج باب الموصل بيوتا يدفن فيها النصارى يقال لها «صلوت» ، وقرأ عكرمة ومجاهد «صلويثا» بكسر الصاد وسكون اللام وكسر الواو وقصر الألف بعد الثاء قال القاضي: وذهب خصيف إلى أن هذه الأسماء قصد بها متعبدات الأمم، و «الصوامع» للرهبان ع وقيل للصابئين، و «البيع» للنصارى، و «الصلوات» لليهود و «المساجد» للمسلمين والأظهر أنها قصد بها المبالغة بذكر المتعبدات وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها إلا البيعة فإنها مختصة بانصارى في عرف لغة العرب، ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لها كتاب على قديم الدهر ولم يذكر في هذه المجوس ولا أهل الاشتراك لأن هؤلاء ليس لهم ما تجب حمايته ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع، وقوله يُذْكَرُ فِيهَا الضمير عائد على جميع ما تقدم ثم وعد الله تعالى بنصره نصرة دينه وشرعه، وفي ذلك حض على القتال والجد فيه ثم الآية تعم كل من نصر حقا إلى يوم القيامة.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤)
стр. 1795
قالت فرقة: هذه الآية في الخلفاء الأربعة ومعنى هذا التخصيص أن هؤلاء خاصة مكنوا في الأرض من جملة الذين يقاتلون المذكورين في صدر الآية، والعموم في هذا كله أبين وبه يتجه الأمر في جميع الناس، وإنما الآية آخذة عهدا على كل من مكنه الله، كل على قدر ما مكن، فأما الصَّلاةَ والزَّكاةَ فكل مأخوذ بإقامتها وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكل بحسب قوته والآية أمكن ما هي في الملوك، و «المعروف» والْمُنْكَرِ يعمان الإيمان والكفر فما دونهما، وقالت فرقة: نزلت هذه الآية في أصحاب محمد ﷺ خاصة من الناس وهذا على أن الَّذِينَ بدل من قوله يُقاتَلُونَ [الحج: ٣٩] أو على أن الَّذِينَ تابع ل مِنْ في قوله مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج: ٤٠] ، وقوله وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ توعد للمخالف عن هذه الأوامر التي تقتضيها الآية لمن مكن، وقوله وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يعني قريشا وهذه آية تسلية للنبي ﵇ ووعيد لقريش، وذلك أنه مثلهم بالأمم المكذبة المعذبة وأسند فعلا فيه علامة التأنيث إلى قوم من حيث أراد الأمة والقبيلة ليطرد القول في عادٌ وَثَمُودُ وقَوْمُ نُوحٍ هم أول أمة كذبت نبيها ثم أسند التكذيب في موسى ﵇ إلى من لم يسم من حيث لم يكذبه قومه بل كذبه القبط وقومه به مؤمنون، و «أمليت» ، معناه فأمهلت وكأن الإمهال أن تمهل من تنوي فيه المعاقبة، وأنت في حين إمهالك عالم بفعله. و «النكير» ، مصدر كالعذير بمعنى الإنكار والإعذار وهو في هذه المصادر بناء مبالغة فمعنى هذه الآية فكما فعلت بهذه الأمم كذلك أفعل بقومك.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٥ الى ٤٨]
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)
«كأين» هي كاف التشبيه دخلت على «أي» قاله سيبويه وقد أوعبت القول في هذه اللفظة وقراءتها في سورة آل عمران في قوله وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ [آل عمران: ١٤٦] ، وهي لفظة إخبار وقد تجيء استفهاما، وحكى الفراء «كأين مالك» ، وقرأت فرقة «أهلكناها» ، وقرأت فرقة «أهلكتها» ، بالإفراد والمراد أهل القرية وظالِمَةٌ معناه بالكفر، وخاوِيَةٌ، معناه خالية ومنه خوى النجم إذا خلا من النور، ونحوه ساقطة عَلى عُرُوشِها، والعروش السقوف والمعنى أن السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها فهي
стр. 1796
على العروش، وَبِئْرٍ، قيل هو معطوف على «العروش» وقيل على «القرية» وهو أصوب، وقرأت فرقة «وبيئر» بهمزة وسهلها الجمهور، وقرأت فرقة «معطلة» بفتح الميم وسكون العين وفتح الطاء وتخفيفها، والجمهور على «معطّلة» بضم الميم وفتح العين وشد الطاء، و «المشيد» المبني بالشيد وهو الجص، وقيل «المشيد» المعلى بالآجر ونحو. فمن الشيد قول عدي بن زيد:
شاده مرمرا وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكور
شاد، بنى، بالشيد والأظهر في البيت أنه أراد علاه بالمرمر. وقالت فرقة في هذه الآية إن مَشِيدٍ معناه معلى محصنا، وجملة معنى الآية تقتضي أنه كان كذلك قبل خرابه ثم وبخهم على الغفلة وترك الاعتبار بقوله، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي في البلاد فينظروا في أحوال الأمم المكذبة المعذبة، وهذه الآية تقتضي أن العقل في القلب وذلك هو الحق ولا ينكر أن للدماغ اتصالا بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ، فَتَكُونَ، نصب بالفاء في جواب الاستفهام صرف الفعل من الجزم إلى النصب، وقوله فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، لفظ مبالغة كأنه قال: ليس العمى عمى العين وإنما العمى حق العمى عمى القلب، ومعلوم أن الأبصار تعمى ولكن المقصد ما ذكرناه، وهذا كقوله ﵇، «ليس الشديد بالصرعة وليس المسكين بهذا الطواف» . والضمير في فَإِنَّها للقصة ونحوها من التقدير وقوله الَّتِي فِي الصُّدُورِ، مبالغة كقوله يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ [آل عمران: ١٦٧] كما تقول: نظرت إليه بعيني ونحو هذا، والضمير في يَسْتَعْجِلُونَكَ لقريش، وقوله وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وعد ووعيد وإخبار بأن كل شيء إلى وقت محدود، و «الوعد» هنا مقيد بالعذاب فلذلك ورد في مكروه، وقوله وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ، قالت فرقة: معناه وَإِنَّ يَوْماً من أيام عذاب الله كَأَلْفِ سَنَةٍ مما تعدون من هذه لطول العذاب وبؤسه، فكأن المعنى فما أجهل من يستعجل هذا وقالت فرقة معناه وَإِنَّ يَوْماً عند الله لإحاطته فيه وعلمه وإنفاذه قدرته كَأَلْفِ سَنَةٍ عندكم ع وهذا التأويل يقتضي أن عشرة آلاف سنة وإلى ما لا نهاية له من العدد في حكم الألف ولكنهم قالوا ذكر الألف لأنه منتهى العدد دون تكرار فاقتصر عليه ع وهذا التأويل لا يناسب الآية، وقالت فرقة: إن المعنى أن اليوم عند الله كألف سنة من هذا العدد، من ذلك قول النبي ﷺ «إني لأرجو أن تؤخر أمتي نصف يوم» ، وقوله «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم» ذلك خمسمائة سنة، ومنه قول ابن عباس: مقدار الحساب يوم القيامة ألف سنة فكأن المعنى وإن طال الإمهال فإنه في بعض يوم من أيام الله وكرر قوله وَكَأَيِّنْ لأنه جلب معنى آخر ذكر أولا القرى المهلكة دون إملاء بل بعقب التكذيب ثم ثنى بالمهملة لئلا يفرح هؤلاء بتأخير العذاب عنهم، وقرأت فرقة «تعدون» بالتاء، وقرأت فرقة «يعدون» بالياء على الغائب.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٩ الى ٥٤]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)
стр. 1797
المعنى قُلْ يا محمد إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ عذاب ليس إلي أن أعجل عذابا ولا أن أؤخره عن وقته، ثم قسم حالة المؤمنين والكافرين بأن للمؤمنين سترة ذنوبهم ورزقه إياهم في الجنة، و «الكريم» صفة نفي المذام، كما تقول ثوب كريم، وأن للكافرين المعاجزين عذاب الْجَحِيمِ وهذا كله مما أمره أن يقوله، أي هذا معنى رسالتي لا ما تتمنون أنتم، وقوله سَعَوْا معناه تحيلوا وكادوا من السعاية، و «الآيات» :
القرآن، أو كادوه بالتكذيب وسائر أقوالهم، وقرأت فرقة، «معاجزين» ، ومعناه مغالبين كأنهم طلبوا عجز صاحب الآيات والآيات تقتضي تعجيزهم فصارت مفاعلة، وعبر بعض الناس في تفسير مُعاجِزِينَ بظانين أنهم يفلتون الله وهذا تفسير خارج عن اللفظة، وقرأت فرقة «معجّزين» بغير ألف وبشد الجيم ومعناه معجزين الناس أي جاعلوهم بالتثبيط عجزة عن الإيمان وقال أبو علي: «معجزين» ناسبين أصحاب النبي إلى العجز كما تقول فسّقت فلانا وزنيته إذا نسبته إلى ذلك، وقوله وَما أَرْسَلْنا الآية تسلية للنبي ﵇ عن النازلة التي ألقى الشيطان فيها في أمنية النبي ﵇، وتَمَنَّى معناه المشهور أراد وأحب، وقالت فرقة هو معناها في الآية، والمراد أن الشيطان ألقى ألفاظه بسبب ما تمناه رسول الله ﷺ من مقاربة قومه وكونهم متبعين له قالوا: فلما تمنى رسول الله من ذلك ما لم يقضه الله وجد الشيطان السبيل، فحين قرأ رسول الله ﷺ النجم في مسجد مكة وقد حضر المسلمون والمشركون بلغ إلى قوله أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: ٢٠] ألقى الشيطان تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترجى قال الكفار هذا محمد يذكر آلهتنا بما نريد وفرحوا بذلك، فلما انتهى إلى السجدة سجد الناس أجمعون إلا أمية بن خلف فإنه أخذ قبضة من تراب ثم رفعها إلى جبهته وقال يكفيني هذا، قال البخاري: هو أمية بن خلف، وقال بعض الناس: هو الوليد بن المغيرة، وقال بعض الناس: هو أبو أحيحة سعيد بن العاصي ثم اتصل بمهاجرة الحبشة أن أهل مكة اتبعوا محمدا ففرحوا بذلك وأقبل بعضهم فوجد ألقية الشيطان قد نسخت وأهل مكة قد ارتبكوا وافتتنوا، وقالت فرقة تَمَنَّى معناه تلا والأمنية التلاوة ومنه قول الشاعر: [الطويل]
تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر
ومنه قول الآخر: [الطويل] «تمنى داود الزبور على رسل» وتأولوا قوله تعالى «إلا أماني» أي إلا تلاوة، وقالت هذه الفرقة في معنى سبب «إلقاء الشيطان» في تلاوة النبي ﵇ ما تقدم آنفا من ذكر الله.
стр. 1798
قال القاضي أبو محمد: وهذا الحديث الذي فيه هن الغرانقة وقع في كتب التفسير ونحوها ولم يدخله البخاري ولا مسلم ولا ذكره في علمي مصنف مشهور بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن «الشيطان ألقى» ولا يعينون هذا السبب ولا غيره، ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة بها وقعت الفتنة، ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء فالذي في التفاسير وهو مشهور القول أن النبي ﷺ تكلم بتلك الألفاظ وأن الشيطان أوهمه ووسوس في قلبه حتى خرجت تلك الألفاظ على لسانه، ورووا أنه نزل إليه جبريل بعد ذلك فدراسه سورة النجم فلما قالها رسول الله ﷺ قال له جبريل لم آتك بهذا، فقال رسول الله ﷺ «افتريت على الله وقلت ما لم يقل لي» وجعل يتفجع ويغتم فنزلت هذه الآية وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ، ع وحدثني أبي ﵁ أنه لقي بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال: هذا لا يجوز على النبي ﷺ وهو المعصوم في التبليغ وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي ﷺ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: ٢٠] وصوب صوته من صوت النبي ﷺ حتى التبس الأمر على المشركين وقالوا محمد قرأها ع وتَمَنَّى على هذا التأويل بمعنى تلا ولا بد، وقد روي نحو هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي ع و «الرسول» أخص من النبي وكثير من الأنبياء لم يرسلوا وكل رسول نبي، و «النسخ» في هذه الآية الإذهاب، كما تقول نسخت الشمس الظل وليس يرفع ما استقر من الحكم، ع وطرق الطبري وأشبع الإسناد في أن إلقاء الشيطان كان على لسان النبي ﵇ واختلفت الروايات في الألفاظ ففي بعضها تلك الغرانقة، وفي بعضها تلك الغرانيق، وفي بعضها وإن شفاعتهن وفي بعضها منها الشفاعة ترتجى ع والغرانيق معناه السادة العظام الأقدار، ومنه قول الشاعر:
«أهلا بصائدة الغرانق» وقوله لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ الآية، اللام في قوله لِيَجْعَلَ متعلقة بقوله فَيَنْسَخُ اللَّهُ و «الفتنة» الامتحان والاختبار، والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هم، عامة الكفار، والقاسية قلوبهم خواص منهم عتاة كأبي جهل والنضر وعقبة، و «الشقاق» ، البعد عن الخير، والضلال والكون في شق الصلاح، وبَعِيدٍ، معناه أنه انتهى بهم وتعمق فرجعتهم منه غير مرجوة، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ هم أصحاب محمد رسول الله ﵇، والضمير في أَنَّهُ عائد على القرآن و «تخبت» معناه تتطامن وتخضع وهو مأخوذ من الخبت وهو المطمئن من الأرض، وقرأت فرقة «لهاد» بغير ياء بعد الدال، وقرأت فرقة: «لهادي» بياء، وقرأت فرقة «لهاد» بالتنوين وترك الإضافة وهذه الآية معادلة لقوله، قبل وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٥ الى ٦٢]
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)
ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)
стр. 1799
«المرية» الشك، والضمير في قوله مِنْهُ قالت فرقة هو عائد على القرآن، وقالت فرقة: على محمد ﵇، وقالت فرقة: على ما أَلْقَى الشَّيْطانُ [الحج: ٥٢] ، وقال سعيد بن جبير أيضا على سجود النبي ﷺ في سورة النجم، والسَّاعَةُ، قالت فرقة: أراد يوم القيامة، «واليوم العقيم» ، يوم بدر، وقالت فرقة: السَّاعَةُ، موتهم أو قتلهم في الدنيا كيوم بدر ونحوه، و «اليوم العقيم» ، يوم القيامة، ع وهذان القولان جيدان لأنهما أحرزا التقسيم ب أَوْ ومن جعل السَّاعَةُ و «اليوم العقيم» ، يوم القيامة، فقد أفسد رتبة أَوْ، وسمي يوم القيامة أو يوم الاستئصال عقيما لأنه لا ليلة بعده ولا يوم، والأيام كأنها نتائج لمجيء واحد إثر واحد، فكأن آخر يوم قد عقم وهذه استعارة، وجملة هذه الآية توعد، وقوله الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ، السابق منه أنه في يوم القيامة من حيث لا ملك فيه لأحد من ملوك الدنيا، ويجوز أن يريد به يوم بدر ونحوه من حيث ينفذ فيه قضاء الله وحده ويبطل ما سواه ويمضي حكمه فيمن أراد تعذيبه، فأما من تأوله في يوم القيامة فاتسق له قوله فَالَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله مُهِينٌ، ومن تأوله في يوم بدر ونحوه جعل قوله «فالذين آمنوا» ، ابتداء خبر عن حالهم المتركبة على حالهم في ذلك اليوم العقيم من الإيمان والكفر. وقوله وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية ابتداء معنى آخر وذلك أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: من قتل من المهاجرين أفضل ممن مات حتف أنفه فنزلت هذه الآية مسوية بينهم في أن الله تعالى يرزق جميعهم رِزْقاً حَسَناً وليس هذا بقاض بتساويهم في الفضل، وظاهر الشريعة أن المقتول أفضل، وقال بعض الناس: المقتول والميت في سبيل الله شهيدان، ولكن للمقتول مزية ما أصابه في ذات الله، و «الرزق الحسن» ، يحتمل أن يريد به رزق الشهداء عند ربهم في البرزخ ويحتمل أن يريد بعد يوم القيامة في الجنة، وقرأت فرقة، «مدخلا» ، بضم الميم من أدخل فهو محمول على الفعل المذكور، وقرأت فرقة «مدخلا» بفتح الميم من دخل فهو محمول على فعل مقدر تقديره فيدخلون مدخلا، وأسند الطبري عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع فخرج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر متوفى فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل، فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه فو الذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اقرؤوا قول الله تعالى وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية، إلى قوله حَلِيمٌ وقوله تعالى: ذلِكَ، إلى قوله الْكَبِيرُ المعنى الأمر ذلك، ثم أخبر تعالى عمن عاقب من المؤمنين من ظلمه من الكفرة ووعد المبغي
стр. 1800
عليه بأنه ينصره وسمى الذنب في هذه الآية باسم العقوبة كما تسمى العقوبة كثيرا باسم الذنب وهذا كله تجوز واتساع، وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين لقيهم كفار في أشهر الحرم فأبى المؤمنون من قتالهم وأبى المشركون إلا القتال فلما اقتتلوا جد المؤمنون ونصرهم الله، فنزلت هذه الآية فيهم، وقوله ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، معناها نصر الله أولياءه ومن بغي عليه بأنه القادر على العظائم الذي لا تضاهى قدرته فأوجزت العبارة بأن أشار ب ذلِكَ إلى النصر وعبر عن القدرة بتفصيلها فذكر منها مثلا لا يدعى لغير الله تعالى، وجعل تقصير الليل وزيادة النهار وعكسهما إيلاجا تجوزا وتشبيها، وقوله ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ معناه نحو ما ذكرناه، وقرأت فرقة «وأن» بفتح الألف، وقرأت فرقة «وإن» بكسر الألف، وقرأت فرقة «تدعون» بالتاء من فوق، وقرأت فرقة «يدعون» ، والإشارة بما يدعى من دونه، قالت فرقة هي إلى الشيطان، وقالت فرقة هي إلى الأصنام والعموم هنا حسن.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٣ الى ٦٥]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥)
أَلَمْ تَرَ تنبيه وبعده خبر أَنَّ اللَّهَ تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فظلت الْأَرْضُ تخضر عنه، وقوله فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ بمنزلة قوله فتضحي أو فتصير عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء واستمرارها كذلك عادة، ورفع قوله فَتُصْبِحُ من حيث الآية خبر والفاء عاطفة وليست بجواب لأن كونها جوابا لقوله أَلَمْ تَرَ فاسد المعنى، وروي عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكون إلا بمكة وتهامة ومعنى هذا أنه أخذ قوله فَتُصْبِحُ مقصودا به صباح ليلة المطر وذهب إلى أن ذلك الاخضرار في سائر البلاد يتأخر.
قال القاضي أبو محمد: وقد شاهدت هذا في السوس الأقصى نزل المطر بعد قحط وأصبحت تلك الأرض التي تسقيها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف دقيق، وقرأ الجمهور «مخضرة» ، و «اللطيف» المحكم للأمور برفق، واللام في لَهُ ما فِي السَّماواتِ لام الملك والمعنى الذي لا حاجة به إلى شيء هكذا هو على الإطلاق، وقوله سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ يريد من الحيوان والمعادن وسائر المرافق، وقرأ الجمهور «والفلك» بالنصب، وذلك يحتمل وجهين من الإعراب أحدهما أن يكون عطفا على ما بتقدير وسخر الفلك، والآخر أن يكون عطفا على المكتوبة بتقدير وإن الفلك وقوله، تَجْرِي على الإعراب الأول. في موضع الحال، وعلى الإعراب الثاني في موضع الخبر. وقرأت فرقة «والفلك» بالرفع فتجري خبر على هذه القراءة. قوله: بِإِذْنِهِ يحتمل أن يريد يوم القيامة كأن طيّ السماء ونقض هذه الهيئة كوقوعها، ويحتمل أن يريد بذلك الوعيد لهم في أنه إن أذن في سقوط لكسفها عليهم سقطت، ويحتمل أن
стр. 1801
يعود قوله إِلَّا بِإِذْنِهِ على «الإمساك» لأن الكلام يقتضي بغير عمد ونحوه، فكأنه أراد إلا بإذنه فيه يمسكها، وباقي الآية بين.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٦ الى ٦٩]
وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)
الإحياء والإماتة في هذه الآية ثلاث مراتب وسقط منها الموت الأول الذي نص عليه في غيرها إلا أنه بالمعنى في هذه، و «المنسك» المصدر فهو بمعنى العبادة والشرعة، وهو أيضا موضع النسك، وقرأت فرقة بفتح السين وفرقة بكسرها وقد تقدم القول فيه في هذه السورة وقوله هُمْ ناسِكُوهُ يعطي أن المنسك المصدر ولو كان الموضع لقيل هم ناسكون فيه، وروت فرقة أن هذه الآية نزلت بسبب جدال الكفار في أمر الذبائح، وقولهم للمؤمنين تأكلون ما ذبحتم فهو من قتلكم ولا تأكلون ما قتل الله من الميتة فنزلت الآية بسبب هذه المنازعة، وقوله فَلا يُنازِعُنَّكَ هذه البينة من الفعل والنهي تحتمل معنى التخويف، وتحتمل معنى احتقار الفاعل وأنه أقل من أن يفاعل وهذا هو المعنى في هذه الآية، وقال أبو إسحاق: المعنى فلا تنازعهم فينازعوك ع وهذا التقدير الذي قدر إنما يحسن مع معنى التخويف، وإنما يحسن أن يقدر هنا فلا يد لهم بمنازعتك، فالنهي إنما يراد به معنى من غير اللفظ، كما يراد في قولهم لا أرينك هاهنا أي لا تكن هاهنا، وقرأت فرقة «فلا ينزعنّك» ، وقوله فِي الْأَمْرِ معناه على التأويل أن المنسك الشرعة لا ينازعنك في الدين والكتاب ونحوه، وعلى أن المنسك موضع الذبح على ما روت الفرقة المذكورة من أن الآية نزلت في الذبائح يكون الأمر الذبح، و «الهدى» في هذه الآية الإرشاد، وقوله وَإِنْ جادَلُوكَ الآية موادعة محضة نسختها آية السيف، وباقي الآية وعيد.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٠ الى ٧٢]
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)
لما أخبر تعالى في الآية قبلها أنه يحكم بين الناس يوم القيامة فيما اختلفوا فيه أتبع ذلك الخبر بأن
стр. 1802
عنده علم كل شيء ليقع الحكم في معلوم، فخرجت العبارة على طريق التنبيه على علم الله تعالى وإحاطته وإِنَّ ذلِكَ كله فِي كِتابٍ وهو اللوح المحفوظ وقوله: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، يحتمل أن تكون الإشارة إلى كون ذلك في كتاب وكونه معلوما، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الحكم في الاختلاف. ثم ذكر تعالى على جهة التوبيخ فعل الكفرة في أنهم يَعْبُدُونَ من الأصنام مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ الله فيه حجة ولا برهانا. و «السلطان» ، الحجة حيث وقع في القرآن، وقوله وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ، توعد، والضمير في عَلَيْهِمْ عائد على كفار قريش، والمعنى أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن من النبي ﵇ أو من أحد من أصحابه وسمعوا ما فيه من رفض آلهتهم والدعاء إلى التوحيد عرفت المساءة في وجوههم والمنكر من معتقدهم وعداوتهم وأنهم يريدون ويتسرعون إلى السطوة بالتالي، والمعنى أنهم يَكادُونَ يَسْطُونَ دهرهم أجمع، وأما في الشاذ من الأوقات فقد سطا بالتالين نحو ما فعل بعبد الله بن مسعود وبالنبي ﵇ حين أغاثه، وحل الأمر أبو بكر، وبعمر حين أجاره العاصي بن وائل وأبي ذر وغير ذلك، والسطو إيقاع بمباطشة أو أمر بها، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم على جهة الوعيد والتقريع أَفَأُنَبِّئُكُمْ أي أخبركم بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ والإشارة ب ذلِكُمُ إلى السطو ثم ابتدأ ينبىء كأن قائلا قال له وما هو قال النَّارُ أي نار جهنم، وقوله وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يحتمل أن يكون أراد أن الله تعالى وعدهم بالنار فيكون الوعد في الشر ونحو ذلك لما نص عليه، ولم يجىء مطلقا، ويحتمل أن يكون أراد أن الله تعالى وعد النار بأن يطعمها الكفار فيكون الوعد على بابه إذ الذي يقتضيه تسرعها إلى الكفار وقولها هل من مزيد ونحوه أن ذلك من مسارها، والْمَصِيرُ مفعل من صار إذا تحول من حال إلى حال ع، ويقتضي كلام الطبري في هذه الآية أن الإشارة ب ذلِكُمُ هي إلى أصحاب محمد التالين ثم قال: ألا أخبركم بأكره إليكم من هؤلاء أنتم الذين وعدتم النار وأسند نحو هذا القول إلى قائل لم يسمه وهذا كله ضعيف.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٣ الى ٧٤]
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)
الخطاب بقوله يا أَيُّهَا النَّاسُ قيل هو خطاب يعم العالم، وقيل هو خطاب للمؤمنين حينئذ الذين أراد الله تعالى أن يبين عندهم خطأ الكافرين ولا شك أن المخاطب هم ولكنه خطاب يعم جميع الناس.
متى نظره أحد في عبادة الأوثان توجه له الخطاب واختلف المتأولون في فاعل، ضُرِبَ، من هو فقالت فرقة: المعنى ضُرِبَ أهل الكفر مثلا لله أصنامهم وأوثانهم فاستمعوا أنتم أيها الناس لأمر هذه الآلهة، وقالت فرقة: ضُرِبَ الله مثلا لهذه الأصنام وهو كذا وكذا، فالمثال والمثل في القول الأول هي الأصنام والذي جعل له المثال الله تعالى، والمثال في التأويل الثاني هو في الذباب وأمره والذي جعل له هي الأصنام، ومعنى ضُرِبَ أثبت وألزم وهذا كقوله ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [آل عمران: ١١٢] ،
стр. 1803
وكقولك ضربت الجزية، وضرب البعث، ويحتمل أن يكون «ضرب المثل» من الضريب الذي هو المثل ومن قولك هذا ضرب هذا فكأنه قال مثل مثل، وقرأت فرقة «يدعون» بالياء من تحت والضمير للكفار، وقرأت فرقة «يدعون» بالياء على ما لم يسم فاعله والضمير للأصنام، وبدأ تعالى ينفي الخلق والاختراع عنهم من حيث هي صفة ثابتة له مختصة به، فكأنه قال ليس لهم صفتي ثم ثنى بالأمر الذي بلغ بهم غاية التعجيز، وذكر تعالى أمر سلب الذباب لأنه كان كثيرا محسوسا عند العرب، وذلك أنهم كانوا يضمخون أوثانهم بأنواع الطيب فكان الذباب يذهب بذلك وكانوا متألمين من هذه الجهة فجعلت مثلا، و «الذباب» جمعه أذبة في القليل وذبان في الكثير كغراب وأغربة وغربان ولا يقال ذبابات إلا في الديون لا في الحيوان، واختلف المتأولون في قوله تعالى، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، فقالت فرقة أراد ب الطَّالِبُ الأصنام وب الْمَطْلُوبُ الذباب، أي أنهم ينبغي أن يكونوا طالبين لما يسلب من طيبهم على معهود الأنفة من الحيوان، وقالت فرقة معناه ضعف الكفار في طلبهم الصواب والفضيلة من جهة الأصنام، وضعف الأصنام في إعطاء ذلك وإنالته ع ويحتمل أن يريد ضَعُفَ الطَّالِبُ وهو الذباب في استلابه ما على الأصنام وضعف الأصنام في أن لا منفعة لهم وعلى كل قول، فدل ضعف الذباب الذي هو محسوس مجمع عليه وضعف الأصنام عن هذا المجمع على ضعفه على أن الأصنام في أحط رتبة وأخس منزلة، وقوله ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، خطاب للناس المذكورين، والضمير في قَدَرُوا للكفار والمعنى ما وفوه حقه من التعظيم والتوحيد ثم أخبر بقوة الله وعزته وهما صفتان مناقضتان لعجز الأصنام.
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٥ الى ٧٧]
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)
روي أن هذه الآية إلى قوله الْأُمُورُ نزلت بسبب قول الوليد بن المغيرة أأنزل عليه الذكر من بيننا الآية فأخبر اللَّهُ تعالى أنه يَصْطَفِي أي يختار مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا إلى الأنبياء وغيرهم حسبما ورد في الأحاديث وَمِنَ النَّاسِ وهم الأنبياء المبعثون لإصلاح الخلق الذين اجتمعت لهم النبوءة والرسالة.
وقوله ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ عبارة عن إحاطة علمه بهم وحقيقتها ما قبلهم من الحوادث وما بعدهم، والْأُمُورُ، جمع أمر ليس يراد به المصدر ثم أمر الله تعالى المؤمنين بعبادته وخص «الركوع والسجود» بالذكر تشريفا للصلاة، واختلف الناس هل في هذه الآية سجدة؟ ومذهب مالك أنه لا يسجد هنا، وقوله وَافْعَلُوا الْخَيْرَ، ندب، فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها من غير هذا الموضع، وقوله لَعَلَّكُمْ ترجّ في حق المؤمنين كقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طه: ٤٤] و «الفلاح» في هذه الآية نيل البغية وبلوغ الأمل.
стр. 1804
قوله :
[سورة الحج (٢٢) : آية ٧٨]
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)
قالت فرقة: هذه آية أمر الله تعالى فيها بالجهاد في سبيله وهو قتال الكفار، وقالت فرقة: بل هي أعم من هذا وهو جهاد النفس وجهاد الكافرين وجهاد الظلمة وغير ذلك، أمر الله تعالى عباده بأن يفعلوا ذلك في ذات الله حق فعله ع والعموم حسن وبين أن عرف اللفظة تقتضي القتال في سبيل الله، وقال هبة الله وغيره:
إن قوله حَقَّ جِهادِهِ وقوله في الأخرى، حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] ، منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة ع ومعنى الاستطاعة في هذه الأوامر هو المراد من أول الأمر فلم يستقر تكليف بلوغ الغاية شرعا ثابتا فيقال إنه نسخ بالتخفيف، وإطلاقهم النسخ في هذا غير محدق، واجْتَباكُمْ معناه تخيركم، وقوله وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ معناه من تضييق يريد في شرعة الملة، وذلك أنها حنيفية سمحة ليست كشدائد بني إسرائيل وغيرهم بل فيها التوبة والكفارات والرخص ونحو هذا مما كثر عده، والحرجة الشجر الملتف المتضايق، ورفع الحرج لجمهور هذه الأمة ولمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة والسرّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين، وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج، وقوله مِلَّةَ، نصب بفعل مضمر تقديره بل جعلها أو نحوه من أفعال الإغراء، وقال الفراء هو نصب على تقدير حذف الكاف كأنه قال كملة وقيل هو كما ينصب المصدر، وقوله هُوَ سَمَّاكُمُ، قال ابن زيد الضمير ل إِبْراهِيمَ والإشارة إلى قوله وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: ١٢٨] ، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد الضمير لله تعالى، ومِنْ قَبْلُ، معناه في الكتب القديمة وَفِي هذا، في القرآن، وهذه اللفظة تضعف قول من قال: الضمير، ل إِبْراهِيمَ ولا يتوجه إلا على تقدير محذوف من الكلام مستأنف، وقوله لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ أي بالتبليغ، وقوله وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ أي بتبليغ رسلهم إليهم على ما أخبركم نبيكم، وأسند الطبري إلى قتادة أنه قال: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي، كان يقال للنبي أنت شهيد على أمتك وقيل لهذه وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، وكان يقال للنبي ليس عليك حرج وقيل لهذه وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وكان يقال للنبي سل تعط وقيل لهذه ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] ثم أمر تعالى ب الصَّلاةَ المفروضة أن تقام ويدام عليها بجميع حدودها، وب الزَّكاةَ أن تؤدى كما أنعم عليكم، فافعلوا كذا ثم أمر ب «الاعتصام بالله» أي بالتعلق به والخلوص له وطلب النجاة منه، ورفض التوكل على سواه، والْمَوْلى في هذه الآية الذي يليكم نصره وحفظه، وباقي الآية بين.
стр. 1805
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المؤمنون
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧)
أخبر الله تعالى عن فلاح المؤمنين وأنهم نالوا البغية وأحرزوا البقاء الدائم، وروي عن كعب الأحبار أن الله تعالى لما خلق جنة عدن قال لها تكلمي فقالت قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، وروي عن مجاهد أن الله تعالى لما خلق الجنة وأتقن حسنها قال قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، وقرأ طلحة بن مصرف «قد أفلح المؤمنون» بضم الحاء يريد قد أفلحوا، وهي قراءة مردودة، وروي عنه «قد أفلح» بضم الهمزة وكسر اللام، ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين فقال الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ والخشوع التطامن وسكون الأعضاء والوقار، وهذا إنما يظهر ممن في قلبه خوف واستكانة، وروي عن بعض العلماء أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع هذا خشعت جوارحه، وروي أن سبب هذه الآية أن المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يمنة ويسرة فنزلت هذه الآية وأمروا أن يكون بصر المصلي حذاء قبلته أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة، وروي عن ابن سيرين وغيره أن رسول الله ﷺ كان يلتفت في صلاته إلى السماء فنزلت الآية في ذلك، واللَّغْوِ سقط القول وهذا يعم جميع ما لا خير فيه ويجمع آداب الشرع، وكذلك كان النبي ﷺ وأصحابه وكأن الآية فيها موادعة، وقوله وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ذهب الطبري وغيره إلى أنها الزكاة المفروضة في الأموال، وهذا بين، ويحتمل اللفظ أن يريد ب «الزكاة» الفضائل كأنه أراد الأزكى من كل فعل، كما قال تعالى خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف: ٨١] وقوله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ صفة العفة، وقوله إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ الآية، يقتضي تحريم الزنا والاستمناء ومواقعة البهائم وكل ذلك في قوله، وَراءَ ذلِكَ ويريد وراء هذا الحد الذي حد، ومعنى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من النساء ولما كان حافِظُونَ بمعنى محجزون حسن استعمال عَلى، و «العادي» الظالم.
стр. 1806
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨ الى ١١]
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
قرأ جمهور الناس «لأماناتهم» بالجمع، وقرأ ابن كثير «لأمانتهم» بالإفراد، والأمانة العهد تجمع كل ما تحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا، وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، ورعاية ذلك حفظه والقيام به، والأمانة أعم من العهد، إذ كل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد، وقد تعن أمانة فيما لم يعهد فيه تقدم، وهذا إذا أخذناهما بنسبتهما إلى العبد، فإن أخذناهما من حيث هما عهد الله إلى عباده وأمانته التي حملهم كانا في رتبة واحدة وقرأ الجمهور «صلواتهم» ، وقرأ حمزة والكسائي «صلاتهم» بالإفراد، وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجمع، والمحافظة على الصلاة رقب أوقاتها والمبادرة إلى وقت الفضل فيها، والْوارِثُونَ يريد الجنة، وروي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار، فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويحصل الكفار في مساكنهم في النار، ويحتمل أن يسمي تعالى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصلوها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين، والْفِرْدَوْسَ، مدينة الجنة وهي جنة الأعناب، واللفظة، فيما قال مجاهد، رومية عربت، والعرب تقول للكروم فراديس، وقال رسول الله ﷺ لأم حارثة: إنها جنان كثيرة وإن ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٢ الى ١٤]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)
هذا ابتداء كلام والواو في أوله عاطفة جملة الكلام على جملة وإن تباينت في المعاني، واختلف المفسرون في قوله الْإِنْسانَ فقال قتادة وغيره: أراد آدم ﵇ لأنه استل من الطين ع ويجيء الضمير في قوله ثُمَّ جَعَلْناهُ عائدا على ابن آدم وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر وأن المعنى لا يصلح إلا له، نظير ذلك حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] وغيره، وقال ابن عباس وغيره المراد بقوله الْإِنْسانَ ابن آدم، وسُلالَةٍ مِنْ طِينٍ صفوة الماء ع وهذا على أنه اسم الجنس ويترتب فيه أنه سلالة من حيث كان الكل عن آدم أو عن أبويه المتغذيين بما يكون من الماء والطين وذلك السبع الذي جعل الله رزق ابن آدم فيها، وسيجيء قول ابن عباس فيها إن شاء الله، وعلى هذا يجيء قول ابن عباس: إن «السلالة» هي صفوة الماء يعني المني، وقال مجاهد سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ: مني آدم ع وهذا نبيل إذ آدم طين
стр. 1807
وذريته من سلالة، وما يكون عن الشيء فهو سلالته، وتختلف وجوه ذلك الكون فمنه قولهم للخمر سلالة لأنها سلالة العنب ومنه قول الشاعر: [الطويل]
إذا أنتجت منها المهار تشابهت ... على العود إلا بالأنوف سلائله
ومن اللفظ قول هند بنت النعمان بن بشير:
سليلة أفراس تجللها بغل ومنه قول الآخر [حسان بن ثابت] : [الطويل]
فجاءت به عضب الأديم غضنفرا ... سلالة فرج كان غير حصين
وهذه الفرقة يترتب مع قولها عود الضمير في «جعلنا وأنشأنا» ، والنُّطْفَةَ تقع في اللغة على قليل الماء وعلى كثيره، وهي هنا لمني ابن آدم، و «القرار المكين» من المرأة هو موضع الولد، و «المكين» المتمكن فكأن القرار هو المتمكن في الرحم، والْعَلَقَةَ الدم الغريض، والْمُضْغَةَ بضعة اللحم قدر ما يمضغ، وقرأ الجمهور عِظاماً في الموضعين، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر «عظما» بالإفراد في الموضعين، وقرأ السلمي وقتادة والأعرج والأعمش بالإفراد أولا وبالجمع في الثاني، وقرأ مجاهد وأبو رجاء وإبراهيم بن أبي بكير بعكس ذلك، وفي قراءة ابن مسعود، «ثم جعلنا المضغة عظاما وعصبا فكسوناه لحما» ، واختلف الناس في «الخلق الآخر» ، فقال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك وابن زيد: هو نفخ الروح فيه، وقال ابن عباس أيضا: خروجه إلى الدنيا، وقال قتادة عن فرقة:
نبات شعره، وقال مجاهد: كمال شبابه وقال ابن عباس أيضا: تصرفه في أمور الدنيا.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التخصيص كله لا وجه له وإنما هو عام في هذا وغيره من وجوه من النطق والإدراك وحسن المحاولة هو بها آخَرَ، وأول رتبة من كونه آخَرَ هي نفخ الروح فيه، والطرف الآخر من كونه آخَرَ تحصيله المعقولات، و «تبارك» مطاوع بارك فكأنها بمنزلة تعالى وتقدس من معنى البركة، وهذه الآية يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله آخَرَ قال فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقال رسول الله ﷺ هكذا أنزلت، ويروى أن قائل ذلك معاذ بن جبل، ويروى أن قائل ذلك هو عبد الله بن أبي سرح وبهذا السبب ارتد، وقال أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد وفيه نزلت:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [الأنعام: ٩٣] ، الآية وقوله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ معناه الصانعين يقال لمن صنع شيئا خلقه ومنه قول الشاعر: [الكامل]
ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس، فقال ابن جريج: إنما قال الْخالِقِينَ لأنه تعالى قد أذن لعيسى في أن يخلق، واضطرب بعضهم في ذلك، ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع وإنما هي منفية الاختراع والإيجاد من العدم، ومن هذه الآية قول ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر فقالوا الله أعلم، فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله خلق
стр. 1808
السماوات سبعا، والأرضين سبعا، وخلق ابن آدم من سبع، وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين، فقال: أعجزكم أن تأتوا بمثل ما أتى به هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة فأراد ابن عباس بقوله خلق ابن آدم من سبع هذه الآية، وبقوله جعل رزقه في سبع قوله فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا [عبس: ٢٧] الآية السبع منها لابن آدم والأب للأنعام والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه النساء هذا قول، وقيل القضب البقول لأنها تقضب فهي رزق ابن آدم، وقيل القضب والأب للأنعام والستة الباقية لابن آدم والسابعة هي الأنعام إذ هي من أعظم رزق ابن آدم.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٥ الى ٢٠]
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)
ذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من هذه الأحوال، وقرأ ابن أبي عبلة «لمايتون» بالألف، وتُبْعَثُونَ معناه من قبوركم أحياء، وهذا خبر بالبعث والنشور، و «الطريق» كل ما كان طبقات بعضه فوق بعض، ومنه طارقت نعلي، ويريد ب «السبع الطرائق» السماوات، ويجوز أن تكون «الطرائق» بمعنى المبسوطات من طرقت الشيء، وقوله تعالى: وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ نفي عام في إتقان خلقهم وعن مصالحهم وعن أعمالهم، وقوله تعالى: ماءً بِقَدَرٍ، قال بعض العلماء أراد المطر، وقال بعضهم إنما أراد الأنهار الأربعة سيحان وجيحان والفرات والنيل، والصواب أن هذا كله داخل تحت الماء الذي أنزله الله تعالى، وقال مجاهد: ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء ويمكن أن يقيد هذا بالعذب وإلا فالأجاج ثابت في الأرض مع القحط والعذب يقل مع القحط، وأيضا فالأحاديث تقتضي الماء الذي كان قبل خلق السماوات والأرض، ولا محالة أن الله قد جعل في الأرض ماء وأنزل من السماء ماء، وقوله، بِقَدَرٍ، أي على مقدار مصلح لأنه لو كثر أهلك، فَأَنْشَأْنا، معناه فأوجدنا وخلقنا، وذكر تعالى «النخيل والأعناب» لأنها ثمرة الحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما قاله الطبري، ولأنهما أيضا أشرف الثمار فذكرها مثالا تشريفا لها وتنبيها عليها، وقوله لَكُمْ فِيها يحتمل أن يعود الضمير على الجنات فيريد حينئذ جميع أنواع الفاكهة، ويحتمل أن يعود على النخيل والأعناب خاصة، إذ فيها مراتب وأنواع والأول أعم لسائر الثمرات، وقوله وَشَجَرَةً عطف على قوله جَنَّاتٍ ويريد بها الزيتونة وهي كثيرة في طُورِ سَيْناءَ من أرض الشام وهو الجبل الذي كلم فيه موسى ﵇ قاله ابن عباس وغيره، و «الطور» الجبل في كلام العرب وقيل هو مما عرب من كلام العجم واختلف في سَيْناءَ فقال قتادة معناه الحسن ويلزم على هذا التأويل أن ينون «الطور» وقال مجاهد معناه مبارك، وقال معمر عن فرقة معناه ذو شجر ع ويلزمهم أن ينون «الطور» ، وقال
стр. 1809
الجمهور هو اسم الجبل كما تقول جبل أحد، وسَيْناءَ، اسم مضاف إليه الجبل، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير «سيناء» بكسر السين، وقرأ الباقون وعمر بن الخطاب «سيناء» بفتح السين، وكلهم بالمد، فعلى فتح السين لا ينصرف الاسم بوجه، وعلى كسر السين فالهمزة كهمزة حرباء ولم يصرف في هذه الآية لأنه جعل اسم بقعة أو أرض، وقرأ الجمهور، «تنبت» بفتح التاء وضم الباء فالتقدير تنبت ومعها الدهن كما تقول خرج زيد بسلاحه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تنبت» بضم التاء واختلف في التقدير على هذه القراءة، فقالت فرقة الباء زائدة وهذا كقوله وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] وهذا المثال عندي معترض وإن كان أبو علي ذكره وكقول الشاعر: [الرجز]
نحن بني جعدة أرباب الفلج ... نضرب بالبيض ونرجو بالفرج
ونحو هذا. وقالت فرقة: التقدير «تنبت» جناها ومعه الدهن فالمفعول محذوف قاله أبو علي الفارسي أيضا وقد قيل نبت وأنبت بمعنى فيكون الفعل كما مضى في قراءة الجمهور والأصمعي ينكر البيت ويتهم قصيدة زهير التي فيها أنبت البقل، وقرأ الزهري والحسن والأعرج «تنبت» برفع التاء ونصب الباء قال أبو الفتح هي باء الحال أي تنبت ومعها دهنها وفي قراءة ابن مسعود تخرج بالدهن وهي أيضا باء الحال وقرأ زر بن حبيش «تنبت» بضم التاء وكسر الباء «الدهن» بحذف الباء ونصبه وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب «بالدهان» بالألف والمراد في هذه الآية تعديد نعمة الزيت على الإنسان وهي من أركان النعم التي لا غنى بالصحة عنها ويدخل في معنى الزيتونة شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأقطار وقرأت فرقة، «وصبغ» ، وقرأت فرقة «وأصباغ» بالجمع، وقرأ عامر بن عبد قيس، «ومتاعا للآكلين» ، قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)
الْأَنْعامِ هي الإبل والبقر والضأن والمعز و «العبرة» في خلقتها وسائر اخبارها، وقرأ الجمهور «نسقيكم» بضم النون من أسقى، ورويت عن عاصم، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر «نسقيكم» بفتح النون من سقى، فمن الناس من قال هما لغتان بمعنى، ومنهم من قال سقيته إذا أعطيته للشفة وأسقيته إذا جعلت له سقيا لأرض أو ثمرة ونحوه، فكأن الله تعالى جعل الأنعام لعبيده سقيا يشربون وينتجعون، وقرأ أبو جعفر «تسقيكم» بالتاء من فوق أي تسقيكم الأنعام، و «المنافع» الحمل عليها وجلودها وأصوافها وأوبارها وغير ذلك مما يطول عده، وْفُلْكِ
، السفن واحدها فلك الحركات في الواحد كحركات قفل والحركات في الجمع كحركات أسد وكتب.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٦]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦)
стр. 1810
هذا ابتداء تمثيل لكفار قريش بأمم كفرت بأنبيائها فأهلكوا، ففي ضمن ذلك الوعيد بأن يحل بهؤلاء نحو ما حل بأولئك، و «نوح» ﵇ أول نبي أرسل إلى الناس وإدريس أول من نبيّ ولم يرسل، والْمَلَأُ الأشراف لأنهم عنهم يصدر الملأ وهو جمع القوم، وفي قوله «هؤلاء» استبعاد بعثة البشر وهم قوم مقرون بالملائكة وذلك لا شك متقرر عندهم من بقايا نبوءة آدم وإدريس وغيرهما. ولم يكن عن علم صحيح ولا معرفة بأخبار نبوءة والجنة الجنون، فَتَرَبَّصُوا معناه فاصبروا وانتظروا هلاكه، وحَتَّى حِينٍ معناه إلى وقت ولم يعينوه وإنما أرادوا إلى وقت يريحكم القدر منه، ثم إن نوحا ﵇ دعا على قومه حين يئس منهم وإن كان دعاؤه في هذه الآية ليس بنص وإنما هو ظاهر من قوله بِما كَذَّبُونِ فهذا يقتضي طلبه العقوبة وأما النصرة بمجردها فكانت تكون بردهم إلى الإيمان، وقرأ أبو جعفر وابن محيصن «ربّ انصرني» برفع الباء وكذلك «ربّ احكم» وشبهه.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٧ الى ٣٠]
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)
قد تقدم القول في صفة السفينة وقدرها في سورة هود، والْفُلْكَ هنا مفرد لا جمع، وقوله تعالى بِأَعْيُنِنا عبارة عن الإدراك، هذا مذهب الحذاق، ووقفت الشريعة على أعين وعين ولا يجوز أن يقال عينان من حيث لم توقف الشريعة على التثنية ووَحْيِنا معناه في كيفية العمل ووجه البيان، وذلك أن جبريل ﵇ نزل إلى نوح فقال له اصنع كذا وكذا لجميع حكم السفينة وما تحتاج إليه واستجن الكفار نوحا لا دعائه النبوءة بزعمهم أنها دعوى وسخروا منه لعمله السفينة على غير مجرى، ولكونها أول سفينة إن صح ذلك، وقوله، أَمْرُنا، يحتمل أن يكون مصدرا بمعنى أن نأمر الماء بالفيض ويحتمل أن يريد واحد الأمور أي هلاكنا للكفرة، وقد تقدم القول في معنى قوله وَفارَ التَّنُّورُ والصحيح من الأقوال فيه أنه تنور الخبز وأنها أمارة كانت بين الله تعالى وبين نوح ﵇ وقوله فَاسْلُكْ معناه فادخل ومنه قول الشاعر: [البسيط]
حتى سلكن الشوى منهن في مسلك ... من نسل جوابة الآفاق مهداج
стр. 1811
وقول الآخر: [الوافر]
وكنت لزاز خصمك لم أعرد ... وقد سلكوك في يوم عصيب
يقال سلك وأسلك بمعنى، وقرأ حفص عن عاصم «من كلّ» بتنوين «كلّ» ، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم بإضافة «كلّ» دون تنوين و «الزوجان» كل ما شأنه الاصطحاب من كل شيء كالذكر والأنثى من الحيوان ونحو النعال وغيرها كل واحد زوج للآخر هذا موقع اللفظة في اللغة، والعدديون يوقعون الزوج على الاثنين وعلى هذا أمر استعمال العامة للزوج، وقوله وَأَهْلَكَ يريد قرابته ثم استثنى مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بأنه كافر وهو ابنه وامرأته، ثم أمر نوح ﵇ أن لا يراجع ربه ولا يخاطبه شافعا في أحد من الظالمين، والإشارة إلى من استثنى إذ العرف من البشر الحنو على الأهل، ثم أمره تعالى بأن يحمد ربه على النجاة من الظلمة عند استوائه وتمكنه في الفلك، ثم أمره بالدعاء في بركة المنزل، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «منزلا» بفتح الميم وكسر الزاي وهو موضع النزول، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم «منزلا» وهو مصدر بمعنى الإنزال بضم الميم وفتح الزاي، ويجوز أن يراد موضع النزول وقوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ، خطاب لمحمد ﷺ أي أن فيما جرى على هذه الأمم لعبرا ودلائل لمن له نظر وعقل، ثم أخبر أنه تعالى يبتلي عباده الزمن بعد الزمن على جهة الوعيد لكفار قريش بهذا الإخبار، وإِنَّ عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة واللام لام تأكيد، والفراء يقول إِنَّ نافية واللام بمعنى إلا ولَمُبْتَلِينَ معناه لمصيبين ببلاء ومختبرين اختبارا يؤدي إلى ذلك.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣١ الى ٣٤]
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤)
قال الطبري ﵀: إن هذا «القرن» هم ثمود و «رسولهم» صالح.
قال القاضي أبو محمد: وفي جل الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدم إلا أنهم لم يهلكوا بصيحة، وفي هذا احتمالات كثيرة والله أعلم، وَأَتْرَفْناهُمْ معناه نعمناهم وبسطنا لهم الآمال والأرزاق، ومقالة هؤلاء أيضا تقتضي استبعاد بعثة البشر وهذه الطائفة وقوم نوح لم يذكر في هذه الآيات أن المعجزة ظهرت لهم وأنهم كذبوا بعد وضوحها ولكن ذلك مقدر معلوم وإن لم تعين لنا المعجزة والعقاب لا يتعلق بأحد إلا بعد تركه الواجب عليه، ووجوب الاتباع إنما هو بعد قيام الحجة على المرء أو على من هو المقصد، والجمهور كالعرب في معجزة القرآن والأطباء لعيسى، والسحرة لموسى، فبقيام الحجة على هؤلاء قامت على جميع من وراءهم.
стр. 1812
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣٥ الى ٣٩]
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩)
قوله أَيَعِدُكُمْ استفهام بمعنى التوقيف على جهة الاستبعاد وبمعنى الهزء بهذا الوعد.
وأَنَّكُمْ الثانية بدل من الأولى عند سيبويه وفيه معنى تأكيد الأولى وكررت لطول الكلام، وكأن المبرد أبى عبارة البدل لكونه من غير مستقل إذ لم يذكر خبر «أن» الأولى والخبر عند سيبويه محذوف تقديره أنكم تبعثون إذا متم، وهذا المقدر هو العامل في إِذا وفي قراءة عبد الله بن مسعود «أيعدكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون» بحذف أَنَّكُمْ الأولى، ويعنون بالإخراج النشور من القبور، وقوله هَيْهاتَ هَيْهاتَ استبعاد، وهذه كلمة لها معنى الفعل، التقدير بعد كذا، فطورا تلي الفاعل دون لام تقول هيهات مجيء زيد أي بعد ذلك، ومنه قول جرير: [الطويل]
فأيهات أيهات العقيق ومن به ... وأيهات خل بالعقيق نواصله
وأحيانا يكون الفاعل محذوفا وذلك عند اللام كهذه الآية، التقدير بعد الوجود لما توعدون، ومن حيث كانت هذه اللفظة بمعنى الفعل أشبهت الحروف مثل صه وغيرها، فلذلك بنيت على الفتح، وهذه قراءة الجماعة بفتح التاء وهي مفرد سمي به الفعل في الخبر، أي بعد، كما أن شتان اسم افترق وعرف تسمية الفعل أن يكون في الأمر كصه وحسن، وقرأ أبو جعفر «هيهات هيهات» بكسر التاء غير منونة، وقرأها عيسى بن عمر وأبو حيوة بخلاف عنه «هيهات هيهات» بتاء مكسورة منونة وهي على هاتين القراءتين عند سيبويه جمع «هيهات» وكان حقها أن تكون هيهاتي» إلا أن ضعفها لم يقتض إظهار الياء فقال سيبويه ﵀ هي مثل بيضات أراد في أنها جمع فظن بعض النحاة أنه أراد في اتفاق المفرد فقال واحد «هيهات» هيهة وليس كما قال، وتنوين عيسى على إرادة التنكير وترك التعريف، وقرأ عيسى الهمداني «هيهات» بتاء ساكنة وهي على هذا جماعة لا مفرد، وقرأها كذلك الأعرج، ورويت عن أبي عمرو وقرأ أبو حيوة «هيهات» بتاء مرفوعة منونة وهذا على أنه اسم معرب مستقل وخبره تُوعَدُونَ أي البعد لوعدكم، كما تقول النجح لسعيكم، وروي عن أبي حيوة «هيهات» بالرفع دون تنوين، وقرأ خالد بن إلياس «هيهاتا هيهاتا» بالنصب والتنوين والوقف على «هيهات» من حيث هي مبنية بالهاء، ومن قرأ بكسر التاء وقف بالتاء، وفي اللفظة لغات «هيها وهيهات وهيهان وأيهات وهيهات وهيهاتا وهيهاء» قال رؤبة، «هيهاه» من منخرق «هيهاوه» ، وقرأ ابن أبي عبلة «هيهات هيهات ما توعدون» بغير لام، وقولهم إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أرادوا أنه لا وجود لنا غير هذا الوجود، وإنما تموت منا طائفة فتذهب وتجيء طائفة جديدة، وهذا كفر الدهرية وبِمُؤْمِنِينَ معناه بمصدقين، ثم دعا عليهم نبيهم وطلب عقوبتهم على تكذيبهم.
стр. 1813
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٠ الى ٤٤]
قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)
المعنى قالَ الله لهذا النبي الداعي عَمَّا قَلِيلٍ يندم قومك على كفرهم حين لا ينفعهم الندم، ومن ذكر الصَّيْحَةُ ذهب الطبري إلى أنهم قوم ثمود، وقوله بِالْحَقِّ معناه بما استحقوا من أفعالهم وبما حق منا في عقوبتهم، و «الغثاء» ما يحمله السيل من زبده ومعتاده الذي لا ينتفع به فيشبه كل هامد وتالف بذلك و «بعدا» منصوب بفعل مضمر متروك إظهاره ثم أخبر تعالى عن أنه «أنشأ» بعد هؤلاء أمما كثيرة كل أمة بأجل في كتاب لا تتعداه في وجودها وعند موتها وتَتْرا مصدر بمنزلة فعلى مثل الدعوى والعدوى ونحوها، وليس تترى بفعل وإنما هو مصدر من تواتر الشيء، وقرأ الجمهور «تترا» كما تقدم ووقفهم بالألف، وحمزة والكسائي يميلانها، قال أبو حاتم هي ألف تأنيث، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تترا» بالتنوين ووقفهما بالألف وهي ألف إلحاق قال ابن سيده يقال جاءو «تترا وتترا» أي متواترين التاء مبدلة من الواو على غير قياس لأن قياس إبدال الواو تاء إنما هو في افتعل وذلك نحو اتزر واتجه، وقوله أتبعنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً أي في الإهلاك، وقوله وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ يريد أحاديث مثل، وقلّما يستعمل الجعل حديثا إلا في الشر.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٥ الى ٤٨]
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)
ثُمَّ هنا على بابها لترتيب الأمور واقتضاء المهلة، و «الآيات» التي جاء بها مُوسى وهارُونَ هي اليد والعصا اللتان اقترن بهما التحدي وهما «السلطان المبين» ، ويدخل في عموم اللفظ سائر آياتهما كالبحر والمرسلات الست، وأما غير ذلك مما جرى بعد الخروج من البحر فليست تلك لفرعون بل هي خاصة ببني إسرائيل. و «الملأ» هنا الجمع يعم الأشراف وغيرهم، و «استكبروا» ، معناه عن الإيمان بموسى وأخيه لأنهم أنفوا من ذلك، وعالِينَ، معناه قاصدين للعلو بالظلم والكبرياء، وقوله عابِدُونَ معناه خامدون متذللون، ومن هنا قيل لعرب الحيرة العباد لأنهم دخلوا من بين العرب في طاعة كسرى، هذا أحد القولين في تسميتهم والطريق المعبد المذلل وعلو هؤلاء هو الذي ذكر الله تعالى في قوله تِلْكَ
стр. 1814
الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
[القصص: ٨٣] ومِنَ الْمُهْلَكِينَ يريد بالغرق.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٩ الى ٥١]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)
الْكِتابَ التوراة، ولَعَلَّهُمْ يريد بني إسرائيل لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون والقبط، والترجي في «لعل» في حيز البشر أي كان من فعلنا معهم ما يرجو معه ابن آدم إيمانهم وهداهم والقضاء قد حتم بما حتم، وابْنَ مَرْيَمَ، عيسى ﵇ وقصتهما كلها آية عظمى بمجموعها وهي آيات مع التفصيل وأخذها من كلا الوجهين متمكن، و «آوى» معناه ضم واستعمل اللفظة في الأماكن أي أقررناهما، و «الربوة» المرتفع من الأرض، وقرأ جمهور الناس «ربوة» بضم الراء، وقرأ عاصم وابن عامر بفتحها وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن، وقرأ ابن عباس ونصر عن عاصم بكسرها، وقرأ محمد بن إسحاق «رباوة» بضم الراء، وقرأ الأشهب العقيلي بفتحها، وقرأت فرقة بكسرها وكلها لغات قرىء بها، و «القرار» ، التمكن فمعنى هذا أنها مستوية بسيطة للحرث والغراسة قاله ابن عباس، وقال قتادة «القرار» هنا الحبوب والثمار، ومعنى الآية أنها من البقاع التي كملت خصالها فهي أهل أن يستقر فيها وقد يمكن أن يستقر على الكمال في البقاع التي ماؤها آبار فبين بعد أن ماء هذه الربوة يرى معينا جاريا على وجه الأرض قاله ابن عباس وهذا كمال الكمال، و «المعين» ، الظاهر الجري للعين فالميم زائدة وهو الذي يعاين جريه لا كالبئر ونحوه، وكذلك أدخل الخليل وغيره هذه اللفظة في باب. ع، ي، ن، وقد يحتمل أن تكون من قولهم معن الماء إذا كثر، ومنه قولهم المعن المعروف والجود، فالميم فاء الفعل، وأنشد الطبري على هذا قول عبيد بن الأبرص:
واهية أو معين ممعن ... وهضبة دونها لهوب
وقد قال رسول الله ﷺ : «يرحم الله هاجر لو تركت زمزم لكانت عينا معينا، وهذا يحتمل الوجهين، وهذه الربوة هي الموضع الذي فرت إليه مريم حين استحيت في قصة عيسى ﵇ وهو الذي قيل لها فيه قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [مريم: ٢٤] هذا قول بعض المفسرين واختلف الناس في موضع الربوة فقال ابن المسيب سعيد: هي الغوطة بدمشق وهذا أشهر الأقوال لأن صفة الغوطة أنها ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ على الكمال، وقال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين وأسنده الطبري عن كريب البهزي عن النبي ﵇، ويعارض هذا القول أن الرملة ليس يجري بها ماء البتة وذكره الطبري وضعف القول به، وقال كعب الأحبار «الربوة» بيت المقدس وزعم أن في التوراة أن بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء وأنه يزيد على أعلى الأرض ثمانية عشر ميلا. ع ويترجح أن «الربوة» بيت لحم من بيت المقدس لأن ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذ كان الإيواء، وقال ابن زيد «الربوة» بأرض مصر وذلك أنها ربا يجيء فيض النيل إليها فيملأ الأرض ولا ينال تلك الربا وفيها القرى وبها نجاتها ع ويضعف هذا القول أنه لم يرو أن عيسى ﵇ ومريم كانا بمصر ولا
стр. 1815
حفظت لهما بهما قصة وقوله يا أَيُّهَا الرُّسُلُ، يحتمل أن يكون معناه وقلنا يا أيها الرسل فتكون هذه بعض القصص التي ذكر وكيفما حول المعنى فلم يخاطبوا قط مجتمعين، وإنما خوطب كل واحد في عصره، وقالت فرقة: الخطاب بقوله يا أَيُّهَا الرُّسُلُ لمحمد ﵇، ثم اختلفت فقال بعضها: أقامه مقام الرسل كما قال: الذين قال لهم الناس، وقيل غير هذا مما لا يثبت مع النظر، والوجه في هذا أن يكون الخطاب لمحمد وخرج بهذه الصيغة ليفهم وجيزا أن هذه المقالة قد خوطب بها كل نبي أو هي طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها وهذا كما تقول لتاجر يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا فأنت تخاطبه بالمعنى، وقد اقترن بذلك أن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه، وقال الطبري: الخطاب بقوله يا أَيُّهَا الرُّسُلُ لعيسى، وروي أنه كان يأكل من غزل أمه، والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل البرية، ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقدير لمحمد ﷺ ، والطَّيِّباتِ هنا الحلال ملذة وغير ذلك، وفي قوله إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تنبيه ما على التحفظ وضرب من الوعيد بالمباحثة صلى الله على جميع رسله وأنبيائه وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٢ الى ٥٦]
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)
قرأ عاصم وحمزة والكسائي «وإنّ» بكسر الألف وشد النون، وقرأ ابن عامر «وأن» بفتح الألف وتخفيف «أن» ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «وأنّ هذه» بفتح الألف وتشديد «أنّ» ، فالقراءة الأولى بينة على القطع، وأما فتح الألف وتشديد النون فمذهب سيبويه أنها متعلقة بقوله، آخرا فَاتَّقُونِ على تقدير ولأن، أي فاتقون لأن أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ وهذا عنده نحو قوله : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجن: ١٨] . و «أن» عنده في موضع خفض وهي عند الخليل في موضع نصب لما زال الخافض، وقد عكس هذا الذي نسبت إليهما بعض الناس، وقال الفراء «أن» متعلقة بفعل مضمر تقديره واعلموا أو واحفظوا، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق «أمة واحدة» بالرفع على البدل، وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو «أمة واحدة» بالنصب على الحال وقيل على البدل من هذِهِ وفي هذا نظر، وهذه الآية تقوي أن قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: ٥١] ، إنما هو مخاطبة لجميعهم وأنه بتقرير حضورهم وتجيء هذه الآية بعد ذلك بتقدير وقلنا للناس، وإذا قدرت أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: ٥١] مخاطبة لمحمد ﵇ قلق اتصال هذه واتصال قوله فَتَقَطَّعُوا، أما أن قوله وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون بالمعنى فيحسن بعد ذلك اتصال فَتَقَطَّعُوا، ومعنى «الأمة» هنا الملة والشريعة والإشارة بهذه إلى الحنيفية السمحة ملة إبراهيم ﵇ وهو دين الإسلام، وقوله فَتَقَطَّعُوا يريد الأمم أي افترقوا وليس بفعل مطاوع كما تقول تقطع الثوب بل هو فعل متعد بمعنى قطعوا
стр. 1816
ومثاله تجهمني الليل وتخوفني السير وتعرقني الزمن، وقرأ نافع «زبرا» بضم الزاي جمع زبور، وقرأ الأعمش وأبو عمرو بخلاف «زبرا» بضم الزاي وفتح الباء، فأما القراءة الأولى فتحتمل معنيين أحدهما أن الأمم تنازعت أمرها كتبا منزلة فاتبعت فرقة الصحف وفرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل ثم حرف الكل وبدل، وهذا قول قتادة، والثاني أنهم تنازعوا أمرهم كتبا وضعوها وضلالات ألفوها وهذا قول ابن زيد، وأما القراءة الثانية فمعناها فرقا كزبر الحديد، ثم ذكر تعالى أن كل فريق منهم معجب برأيه وضلالته وهذه غاية الضلال لأن المرتاب بما عنده ينظر في طلب الحق ومن حيث كان ذكر الأمم في هذه الآية مثالا لقريش خاطب محمدا ﵇ في شأنهم متصلا بقوله فَذَرْهُمْ أي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم و «الغمرة» ، ما عمهم من ضلالهم وفعل بهم فعل الماء الغمر لما حصل فيهم، وقرأ أبو عبد الرحمن «في غمراتهم» ، وحَتَّى حِينٍ أي إلى وقت فتح فيهم غير محدود وفي هذه الآية موادعة منسوخة بآية السيف، ثم وقفهم على خطأ رأيهم في أن نعمة الله عندهم بالمال ونحوه إنما هي لرضاه عن حالهم وبين تعالى أن ذلك إنما هو إملاء واستدراج، وخبر «أن» في قوله نُسارِعُ بنون العظمة، وفي الكلام على هذه القراءة ضمير عائد تقديره لهم به، وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة «يسارع» بالياء من تحت وكسر الراء بمعنى أن إمدادنا يسارع ولا ضمير مع هذه القراءة إلا ما يتضمن الفعل، وروي عن أبي بكرة المذكور «يسارع» بفتح الراء، وقرأ الحر النحوي «نسرع» بالنون وسقوط الألف، والْخَيْراتِ هنا يعم الدنيا، وقوله بَلْ لا يَشْعُرُونَ وعيد وتهديد، والشعور مأخوذ من الشعار وهو ما بلي الإنسان من ثيابه.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٧ الى ٦١]
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١)
لما فرغ ذكر الكفرة وتوعدهم عقب ذلك ذكر المؤمنين ووعدهم وذكرهم بأبلغ صفاتهم، و «الإشفاق» أبلغ التوقع والخوف، ومِنْ، في قوله مِنْ خَشْيَةِ هي لبيان جنس الإشفاق، والإشفاق إنما هو من عذاب الله، و «من» ، في قوله «من عذاب» هي لابتداء غاية و «الآيات» تعم القرآن وتعم العبر والمصنوعات التي لله وغير ذلك مما فيه نظر واعتبار وفي كل شيء له آية، ثم ذكرهم تعالى من الطرف الآخر وهو نفي الإشراك لأن لكفار قريش أن يقولوا ونحن نؤمن بآيات ربنا ويريدون نصدق بأنه المخترع الخالق فذكر تعالى نفي الإشراك الذي لا حظ لهم فيه بسبب أصنامهم، وقوله وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا على قراءة الجمهور، يعطون ما أعطوا وقال الطبري: يريد الزكاة المفروضة وسائر الصدقة، وروي نحوه عن ابن عمر ومجاهد ع وإنما ضمهم إلى هذا التخصيص أن العطاء مستعمل في المال على الأغلب، قال ابن عباس وابن جبير: هو عام في جميع أعمال البر، وهذا أحسن كأنه قال: والذين يعطون من أنفسهم في طاعة الله
стр. 1817
ما بلغه جهدهم، وقرأت عائشة أم المؤمنين وابن عباس وقتادة والأعمش «يأتون ما أتوا» ومعناه يفعلون ما فعلوا ورويت هذه القراءة عن النبي ﷺ وذهبت فرقة إلى أن معناه من المعاصي، وذهبت فرقة إلى أن ذلك في جميع الأعمال طاعتها ومعصيتها وهذا أمدح، وأسند الطبري عن عائشة أنها قالت يا رسول الله قوله تعالى يُؤْتُونَ ما آتَوْا هي في الذي يزني ويسرق قال «لا يا بنت أبي بكر بل هي في الرجل يصوم ويتصدق وقلبه وجل يخاف أن لا يتقبل منه» .
قال القاضي أبو محمد: ولا نظر مع الحديث، و «الوجل» نحو الإشفاق والخوف وصورة هذا الوجل أما المخلط فينبغي أن يكون أبدا تحت خوف من أن يكون ينفذ عليه الوعيد بتخليطه، وأما التقي والتائب فخوفه أمر الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموت، وفي قوله تعالى أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ تنبيه على الخاتمة، وقال الحسن: معناه الذين يفعلون ما يفعلون من البر ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم ع وهذه عبارة حسنة، وروي عن الحسن أيضا أنه قال: المؤمن يجمع إحسانا وشفقة والمنافق يجمع إساءة وأمنا، وقرأ الجمهور «أنهم» بفتح الألف والتقدير بأنهم أو لأنهم أو من أجل أنهم ويحتمل أن يكون قوله وَجِلَةٌ عاملة في «أن» من حيث إنها بمعنى خائفة.
وقرأ الأعمش «إنهم» بالكسر على إخبار مقطوع في ضمنه تخويف، ثم أخبر تعالى عنهم بأنهم يبادرون إلى فعل الخيرات، وقرأ الجمهور «يسارعون» ، وقرأ الحر النحوي «يسرعون وأنهم إليها سابقون» ، وهذا قول بعضهم في قوله لها، وقالت فرقة: معناه وهم من أجلها سابقون، فالسابق على هذا التأويل هو إلى رضوان الله تعالى وعلى الأول هو إلى الخيرات، وقال الطبري عن ابن عباس: المعنى سبقت لهم السعادة في الأزل فهم لها ورجحه الطبري بأن اللام متمكنة في المعنى.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤)
قوله تعالى: وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها نسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف ما لا يطاق على الحقيقة، وتكليف ما لا يطاق أربعة أقسام، ثلاثة حقيقة ورابع مجازي وهو الذي لا يطاق للاشتغال بغيره مثل الإيمان للكافر والطاعة للعاصي وهذا التكليف باق وهو تكليف أكثر الشريعة، وأما الثلاثة فورد الاثنان منها وفيها وقع النسخ المحال عقلا في نازلة أبي لهب والمحال عادة في قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٨٤] ، والثالث لم يرد فيه شيء وهو النوع المهلك لأن الله تعالى لم يكلفه عباده، فأما قتل القاتل ورجم الزاني فعقوبته بما فعل وقد مضى القول مستوعبا موجزا في مسألة تكليف ما لا يطاق في سورة البقرة وفي قولنا ناسخ نظر من جهة التواريخ، وما نزل بالمدينة وما نزل بمكة والله المعين، وقوله تعالى: وَلَدَيْنا كِتابٌ أظهر ما قيل فيه أنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة، وفي الآية على هذا التأويل تهديد وتأنيس من الحيف والظلم، وقالت فرقة الإشارة بقوله وَلَدَيْنا كِتابٌ إلى القرآن.
стр. 1818
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا يحتمل والأول أظهر، وقوله فِي غَمْرَةٍ يريد في ضلال قد غمرها كما يفعل الماء الغمر بما حصل فيه، وقوله مِنْ هذا، يحتمل أن يشير إلى القرآن، ويحتمل أن يشير إلى كتاب الإحصاء، ويحتمل أن يشير إلى الأعمال الصالحة المذكورة قبل، أي هم في غمرة من اطراحها وتركها ويحتمل أن يشير إلى الدين بجملته أو إلى محمد ﷺ ، وكل تأويل من هذه قالته فرقة، وقوله تعالى: وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ الإشارة بذلك إلى الغمرة والضلال المحيط بهم فمعنى الآية بل هم ضالون معرضون عن الحق ولهم مع ذلك سعايات فساد فوسمهم تعالى بحالتي شر، قال هذا المعنى قتادة وأبو العالية، وعلى هذا التأويل فالإخبار عما سلف من أعمالهم وعماهم فيه، وقالت فرقة الإشارة بذلك إلى قوله: مِنْ هذا فكأنه قال: لهم أعمال من دون الحق، وقال الحسن بن أبي الحسن ومجاهد: إنما أخبر بقوله وَلَهُمْ أَعْمالٌ عما يستأنف من أعمالهم أي أنهم لهم أعمال من الفساد يستعملونها، وحَتَّى حرف ابتداء لا غير، وإِذا والثانية التي هي جواب تمنعان من أن تكون حَتَّى غاية ل عامِلُونَ، و «المترف» هو المنعم في الدنيا الذي هو منها في سرف وهذه حال شائعة في رؤساء الكفرة من كل أمة ويَجْأَرُونَ معناه يستغيثون بصياح كصياح البقر وكثر استعمال الجؤار في البشر ومنه قول الأعشى: [المتقارب]
يراوح من صلوات المليك ... فطورا سجودا وطورا جؤارا
وذهب مجاهد وغيره إلى أن هذا العذاب المذكور هو الوعيد بيوم بدر وفيه نفذ على مُتْرَفِيهِمْ والضمير في قوله إِذا هُمْ يحتمل أن يعود على «المترفين» فقط لأنهم صاحوا حين نزل بهم الهزم والقتل يوم بدر، ويحتمل أن يعود على الباقين بعد المعذبين وقد حكى ذلك الطبري عن ابن جريج قال:
المعذبون قتلى بدر والذين يَجْأَرُونَ قتلى مكة لأنهم ناحوا واستغاثوا.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٥ الى ٦٨]
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)
المعنى يقال لهم يوم العذاب وعند حلوله لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ وهذا القول يجوز أن يكون حقيقة، أي تقول ذلك لهم الملائكة ويحتمل أن يكون مجازا أي لسان الحال يقول ذلك، وهذا على أن الذين يجأرون هم المعذبون، وأما على قول ابن جريج فلا يحتمل أن تقول ذلك الملائكة، وقوله قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يريد بها القرآن، وتَنْكِصُونَ معناه ترجعون وراءكم وهذه استعارة للإعراض والإدبار عن الحق، وقرأ علي بن أبي طالب «على أدباركم تنكصون» بضم الكاف وبذكر الإدبار بدل أعقاب، ومُسْتَكْبِرِينَ حال، والضمير في بِهِ قال الجمهور: هو عائد على الحرم والمسجد وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر، والمعنى أنكم تعتقدون في نفوسكم أن لكم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل عند الله فأنتم تستكبرون لذلك وليس الاستكبار من الحق، وقالت فرقة:
стр. 1819
الضمير عائد على القرآن من حيث ذكرت الآيات والمعنى يحدث لكم سماع آياتي كبرا وطغيانا.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول جيد وذكر منذر بن سعيد أن الضمير لمحمد ﷺ ، وهو متعلق بما بعده كأن الكلام ثم في قوله مُسْتَكْبِرِينَ ثم قال لمحمد ﷺ ، سامِراً تَهْجُرُونَ، وقوله سامِراً حال وهو مفرد بمعنى الجمع يقال قوم سمر وسمر وسامر ومعناه سهر الليل مأخوذ من السمر وهو ما يقع على الأشخاص من ضوء القمر فكانت العرب تجلس للسمر تتحدث وهذا أوجب معرفتها بالنجوم لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب، وقرأ الجمهور «سامرا» ، وقرأ أبو رجاء «سمارا» ، وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن محيصن «سمرا» ومن هذه اللفظة قول الشاعر: [الكامل]
من دونهم إن جئتهم سمرا ... عزف القيان ومجلس غمر
فكانت قريش سمر حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها، وقرأ الجمهور «تهجرون» بفتح التاء وضم الجيم واختلف المتأولون في معناها فقال ابن عباس: معناها تهجرون الحق وذكر الله وتقطعونه من الهجر المعروف، وقال ابن زيد: من هجر المريض إذا هذى أي تقولون اللغو من القول وقاله أبو حاتم، وقرأ نافع وحده من السبعة «تهجرون» بضم التاء وكسر الجيم وهي قراءة أهل المدينة وابن محيصن وابن عباس أيضا ومعناه يقولون الفحش والهجر والعضاية من القول وهذه إشارة إلى سبهم لرسول الله ﷺ وأصحابه قاله ابن عباس أيضا وغيره، وفي الحديث «كنت نهيتكم عن زيادة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا» ، وقرأ ابن محيصن وابن أبي نهيك «تهجّرون» بضم التاء وفتح الهاء وشد الجيم مكسورة وهو تضعيف هجر وتكثير الهجر والهجر على المعنيين المتقدمين، وقال ابن جني: لو قيل إن المعنى أنكم تبالغون في المهاجرة حتى أنكم وإن كنتم سمرا بالليل فكأنكم تهجرون في الهاجرة على غاية الافتضاح لكان وجها.
قال القاضي أبو محمد: ولا تكون هذه القراءة تكثير «تهجّرون» بضم التاء، وكسر الجيم لأن أفعل لا يتعدى ولا يكثر بتضعيف إذ التضعيف والهمزة متعاقبان ثم وبخهم على إعراضهم بعد تدبر القول لأنهم بعد التدبر والنظر الفاسد، قال بعضهم شعر وبعضهم سحر وسائر ذلك، وقوله أَمْ جاءَهُمْ كذلك توبيخ أيضا والمعنى أأبدع لهم أمر لم يكن في الناس قبلهم بل قد جاء الرسل قبل كنوح وإبراهيم وإسماعيل وفي هذا التأويل من التجوز أن جعل سالف الأمم «آباء» إذ الناس في الجملة آخرهم من أولهم، ويحتمل اللفظ معنى آخر على أن يراد ب آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ من فرط من سلفهم في العرب فكأنه قال: أفلم يدبروا القول أم جاءهم أمر غريب من عند الله لم يأت آباءَهُمُ فبهر عقولهم ونبت أذهانهم عن أمر من أمور الله غريب في سلفهم والمعنى الأول أبين.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٩ الى ٧١]
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)
стр. 1820
هذا أيضا توبيخ والمعنى ألم يعرفوه صادقا مدة عمره ولم يقع منهم قط إنكار لمعرفة وجه محمد ﷺ وإنما أنكروا صدقه، وقوله أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ توبيخ أيضا لأن الفرق بين الحكمة وفصل الخطاب الذي جاء به وبين كلام ذي الجنة لا يخفى على ذي فطرة، ثم بين تعالى حاله ﵇ في مجيئه بالحق، وقوله تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ قال ابن جريج وأبو صالح الْحَقُّ الله تعالى ع وهذا ليس من نمط الآية، وقال غيرهما الْحَقُّ هنا الصواب والمستقيم ع وهذا هو الأجرى على أن يكون المذكور قبل الذي جاء به محمد ﷺ ، ويستقيم على هذا فساد السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ لو كان بحكم هوى هؤلاء، وذلك أنهم جعلوا لله شركاء وأولادا ولو كان هذا حقا لم تكن لله الصفات العالية، ولو لم تكن له لم تكن الصنعة والقدرة كما هي، وكان فساد السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، ومن قال إن الْحَقُّ في الآية الله تعالى بشعت له لفظة اتَّبَعَ وصعب عليه ترتيب الفساد المذكور في الآية لأن لفظة الاتباع على كلا الوجهين إنما هي استعارة بمعنى أن تكون أهواؤهم يصوبها الحق ويقررها فنحن نجد الله تعالى قد قرر كفر أمم وأهواءهم فليس في ذلك فساد سماوات، وأما الحق نفسه الذي هو الصواب فلو كان طبق أهوائهم لفسد كل شيء فتأمله، وقرأ ابن وثاب «ولو اتبع» بضم الواو وقال أبو الفتح: الضم في هذه الواو قليل والوجه تشبيهها بواو الجمع كقوله اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ [البقرة: ١٦] وقوله بِذِكْرِهِمْ يحتمل أن يريد بوعظهم والبيان لهم قاله ابن عباس، وقرأ قتادة «نذكّرهم» بنون مضمومة وذال مفتوحة وكسر الكاف مشددة ويحتمل أن يريد بشرفهم، وهو مروي، وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق «بل أتيتهم بذكرهم» بضم تاء المتكلم، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا «بل أتيتهم» خطابا لمحمد ﷺ ، وقرأ الجمهور «بل أتينهم بذكرهم» وروي عن أبي عمرو و «آتيناهم» بالمد بمعنى أعطيناهم.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٥]
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)
هذا توبيخ لهم كأنه قال: أم سألتهم مالا فقلقوا بذلك واستثقلوا من أجله، وقرأ حمزة والكسائي «خراجا فخراج» وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم «خرجا فخراج» وقرأ ابن عامر «خرجا فخرج» وهو المال الذي يجيء ويؤتى به لأوقات محدودة، قال الأصمعي: الخرج الجعل مرة واحدة والخراج ما تردد لأوقات ما، ع وهذا فرق استعمالي وإلا فهما في اللغة بمعنى، وقد قرىء «خراجا» في قصة ذي القرنين وقوله
стр. 1821
فَخَراجُ رَبِّكَ يريد ثوابه سماه «خراجا» من حيث كان معادلا للخراج في هذا الكلام، ويحتمل أن يريد فَخَراجُ رَبِّكَ رزق ربك ويؤيد هذا قوله وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، والصِّراطِ المستقيم، دين الإسلام و «ناكبون» معناه عادلون ومعرضون ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لو زال عنهم القحط ومنّ الله عليهم بالخصب ورحمهم بذلك لبقوا على كفرهم ولَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ، وهذه الآية نزلت في المرة التي أصابت قريشا فيها السنون المجدبة والجوع الذي دعا به رسول الله ﷺ في قوله اللهم سبعا كسني يوسف الحديث.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧٦ الى ٧٧]
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)
هذا إخبار من الله تعالى عن استكبارهم وطغيانهم بعد ما نالهم من الجوع، هذا قول روي عن ابن عباس وابن جريج أن «العذاب» هو الجوع والجدب المشهور نزوله بهم حتى أكلوا الجلود وما جرى مجراها والباب والمتوعد به يوم بدر، وهذا القول يرده أن الجدب الذي نالهم إنما كان بعد وقعة بدر وروي أنهم لما بلغهم الجهد جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال ألست تزعم يا محمد أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال بلى قال قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع وقد أكلنا العهن فنزلت الآية، واسْتَكانُوا معناه انخفضوا وتواضعوا، ويحتمل أن يكون من السكون ويلزمه أن يكون «استكنوا» ووجهه أن فتحة الكاف مطلت فتولدت منه الألف ويعطي التصريف أنه من «كان» وأن وزنه استفعل وعلى الأول وزنه افتعل وكونه من «كان» أبين والمعنى فما طلبوا أن يكونوا لربهم أي طاعة وعبيد خير، وروي عن الحسن ﵁ أنه قال: إذا أصاب الناس من قتل السلطان بلاء فإنما هي نقمة فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن استقبلوها بالاستغفار واستكينوا وتضرعوا إلى الله وقرأ هذه الآية وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ و «العذاب الشديد» ، إما يوم بدر بالسيوف كما قال بعضهم وإما توعد بعذاب غير معين وهو الصواب لما ذكرناه من تقدم بدر للمجاعة، وروي عن مجاهد أن العذاب والباب الشديد هو كله مجاعة قريش.
قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن كأن الأخذ كان في صدر الأمر ثم فتح الباب عند تناهيه حيث أبلسوا وجاء أبو سفيان، والملبس: الذي قد نزل به شر ويئس من زواله ونسخه بخير.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧٨ الى ٨٣]
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)
لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)
стр. 1822
ابتدأ تعالى بتعديد نعم في نفس تعديدها استدلال بها على عظيم قدرته وأنها لا يعزب عنها أمر البعث ولا يعظم وأَنْشَأَ بمعنى اخترع والسَّمْعَ مصدر فلذلك وحد وقيل أراد الجنس، والْأَفْئِدَةَ القلوب وهذه إشارة إلى النطق والعقل وقوله قَلِيلًا نعت لمصدر محذوف تقديره شكرا قليلا ما تشكرون وذهبت فرقة إلى أنه أراد قَلِيلًا منكم من يشكر أي يؤمن ويشكر حق الشكر.
قال الفقيه الإمام القاضي: والأول أظهر وذرأ معناه بث وخلق، وقوله وَإِلَيْهِ فيه حذف مضاف أي إلى حكمه وقضائه، وتُحْشَرُونَ يريد البعث، وقوله وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي له القدرة التي عنها ذلك، والاختلاف هنا التعاقب، والكون خلفة، ويحتمل أن يكون الذي هو المغايرة البينة، وقوله بَلْ إضراب والجحد مقدر كأنه قال ليس لهم نظر في هذه الآيات أو نحو هذا، والْأَوَّلُونَ يشير به إلى الأمم الكافرة كعاد وثمود، وقوله لَمَبْعُوثُونَ أي لمعادون أحياء وقولهم وَآباؤُنا أي حكى المقالة عن العرب فمرادهم من سلف من العالم جعلوهم آباء من حيث النوع واحد وإن حكى ذلك عن الأولين فالأمر مستقيم فيهم، و «الأساطير» قيل هي جمع أسطورة كأعجوبة وأعاجيب وأحدوثة وأحاديث وقيل هي جمع سطر وأسطار وأساطير.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨٤ الى ٨٩]
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)
أمر الله تعالى نبيه بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها أن يؤمنوا بباريها ويذعنوا لشرعه ورسالة رسوله، وقرأ الجميع في الأول لِلَّهِ بلا خلاف وفي الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحده «لله» جوابا على اللفظ، وقرأ باقي السبعة، «لله» جوابا على المعنى كأنه قال في السؤال لمن ملك السَّماواتِ السَّبْعِ إذ قولك لمن هذه الدار؟ وقولك من مالك هذه الدار؟ واحد في المعنى ثم جعل التوبيخ مدرجا بحسب وضوح الحجة شيئا شيئا فوقف على الأرض ومن فيها وجعل بإزاء ذلك التذكر، ثم وقف على السَّماواتِ السَّبْعِ، والْعَرْشِ، وجعل بإزاء ذلك التقية وهي أبلغ من التذكر وهذا بحسب وضوح الحجة، وفي قوله تعالى: أَفَلا تَتَّقُونَ وعيد، ثم وقف على مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وفي الإقرار بهذا التزام كل ما تقع به الغلبة في الاحتجاج، فوقع التوبيخ بعد في غاية البلاغة بقوله فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ومعنى «أنى» كيف ومن أين، وفي هذا تقرير سحرهم وهو سؤال عن الهيئة التي سحروا بها، والسحر هنا مستعار لهم وهو تشبيه لما وقع منهم من التخليط ووضع الأفعال والأقوال غير
стр. 1823
مواضعها بما يقع من المسحور عبر عنهم بذلك، وقالت فرقة تُسْحَرُونَ معناه تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لغة، وقرأ ابن محيصن «العظيم» برفع الميم ومَلَكُوتُ مصدر في بناء مبالغة والإجارة المنع من الإنسان والمعنى أن الله إذا منع أحدا فلا يقدر عليه، وإذا أراد أحدا فلا مانع له، وكذلك في سائر قدرته وما نفذ من قضائه لا يعارض ذلك شيء ولا يحيله عن مجراه.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٠ الى ٩٢]
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)
المعنى ليس الأمر كما يقولون من نسبتهم إلى الله تعالى ما لا يليق به بَلْ أَتَيْناهُمْ وقرأ ابن أبي إسحاق «بل آتيناك» على الخطاب لمحمد ﷺ ، ولَكاذِبُونَ يراد فيما ذكروا الله تعالى به من الصاحبة والولد والشريك، وفي قوله تعالى: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ دليل على التمانع وهذا هو الفساد الذي تضمنه قوله ولَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] والجزء المخترع محال أن يتعلق به قدرتان فصاعدا أو يختلف الإلهان في إرادة فمحال نفوذهما ومحال عجزهما فإذا نفذت إرادة الواحد فهو العالي والآخر ليس بإله، فإذا قيل نقدرهما لا يختلفان في إرادة قيل ذلك بفرض، فإذا جوزه الكفار قامت الحجة فإن ما التزم جوازه جرى ما التزم وقوعه، وقوله إِذاً جواب لمحذوف تقديره لو كان معه إله إِذاً لَذَهَبَ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم «عالم» بكسر الميم اتباعا للمكتوبة في قوله سُبْحانَ اللَّهِ، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم «عالم» بالرفع والمعنى هو «عالم» قال الأخفش: الجر أجود ليكون الكلام من وجه واحد قال أبو علي: ووجهه الرفع إن الكلام قد انقطع.
قال الفقيه الإمام القاضي: والابتداء عندي أبرع والفاء في قوله فَتَعالى عاطفة بالمعنى كأنه قال:
علم الغيب والشهادة فَتَعالى وهذا كما تقول زيد شجاع فعظمت منزلته ويحتمل أن يكون المعنى فأقول تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ على إخبار مؤتنف، والْغَيْبِ ما غاب عن الناس والشَّهادَةِ ما شهدوه.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٣ الى ٩٨]
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧)
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)
أمر الله تعالى نبيه ﵇ أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إن كان قضي أن يرى ذلك،
стр. 1824
و «إن» شرط و «ما» زائدة، وتُرِيَنِّي جزم بالشرط لزمت النون الثقيلة وهي لا تفارق «إما» عند المبرد، ويجوز عن سيبويه أن تفارق فيقال إِمَّا تُرِيَنِّي لكن استعمال القرآن لزومها فمن هنالك ألزمها المبرد، وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله ثم نظيره لسائر الأمة دعاء في جودة الخاتمة، وفي هذه الآية بجملتها إعلام بقرب العذاب منهم كما كان في يوم بدر، وقوله ثانيا اعتراض بين الشرط وجوابه، وقوله ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الآية أمر بالصفح ومكارم الأخلاق وما كان منها، لهذا فهو حكم باق في الأمة أبدا وما فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال، وقوله نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ يقتضي أنها آية موادعة، وقال مجاهد «الدفع بالتي هي أحسن» هو السلام يسلم عليه إذا لقيه، وقال الحسن: والله لا يصيبها أحد حتى يكظم غيظه ويصفح عما يكره.
قال الفقيه الإمام القاضي: هذه الطرفان وفي هذه الآية عدة للنبي ﷺ أي اشتغل بهذا وكل تعذيبهم والنقمة منهم إلينا وأمره بالتعوذ من الشيطان في «همزاته» وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه، وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة، فلذلك اتصلت بهذه الآية، وقال ابن زيد: «همز الشيطان» الجنون.
قال الفقيه الإمام القاضي: وفي مصنف أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، همزه ونفخه ونفثه» قال أبو داود همزة الموتة وهي الجنون ونفخه الكبر ونفشه السحر.
قال الفقيه الإمام القاضي: والنزعات وسورات الغضب من الشيطان وهي المتعوذ منها في الآية، والتعوذ من الجنون أيضا وكيد، وفي قراءة أبي بن كعب «رب عائذا بك من همزات الشياطين وعائذا بك رب أن يحضرون» ، وقوله أَنْ يَحْضُرُونِ أن يكونوا معي في أموري فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدين للهمز فإذا لم يكن حضور فلا همز.
قال الفقيه الإمام القاضي: وأصل الهمز الدفع والوخز بيد وغيرها ومنه همز الخيل وهمز الناس باللسان وقيل لبعض العرب أتهمز الفأرة، سئل بذلك عن اللفظة فظن أن المراد شخص الفأرة فقال الهر يهمزها.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٩ الى ١٠٢]
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)
حَتَّى في هذا الموضع حرف ابتداء ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأول أبين لأن ما بعدها هو المعنيّ به المقصود ذكره، والضمير في قوله أَحَدَهُمُ للكفار، وقوله ارْجِعُونِ معناه إلى الحياة الدنيا، وجمع الضمير يتخرج على معنيين إما أن يخاطبه مخاطبة الجمع تعظيما على نحو
стр. 1825
إخباره تعالى عن نفسه بنون الجماعة في غير موضع، وإما أن تكون استغاثة بربه أولا ثم خاطب ملائكة العذاب بقوله ارْجِعُونِ، وقال الضحاك هي في المشرك، وقال النبي ﷺ ، لعائشة «إذا عاين المؤمن قالت الملائكة نرجعك فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدما إلى الله وأما الكافر فيقول ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً، وقرأ الحسن والجمهور «لعلي» بسكون الياء، وقرأ طلحة بن مصرف «لعلي» بفتح الياء، وكَلَّا رد وزجر وهي من كلام الله تعالى، وقوله إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها يحتمل ثلاثة معان: أحدها الإخبار المؤكد بأن هذا الشيء يقع ويقول هذه الكلمة، والآخر أن يكون المعنى إنها كلمة لا تغني أكثر من أن يقولها ولا نفع له فيها ولا غوث، والثالث أن تكون إشارة إلى أنه لو رد لعاد فتكون آية ذم لهم، والضمير في وَرائِهِمْ للكفار أي يأتي بعد موتهم حاجز من المدة و «البرزخ» ، في كلام العرب الحاجز بين المسافتين، ثم يستعار لما عدا ذلك فهو هنا للمدة التي بين موت الإنسان وبين بعثه، هذا إجماع من المفسرين، وقرأ الجمهور «في الصور» وهو القرن، وقرأ ابن عباس «الصور» بفتح الواو جمع صورة، ويَوْمِ مضاف إلى يُبْعَثُونَ وقوله فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ اختلف المتأولون في صفة ارتفاع الأنساب فقال ابن عباس وغيره: هذا في النفخة الأولى وذلك أن الناس بأجمعهم يموتون فلا يكون بينهم نسب في ذلك الوقت وهم أموات.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل يزيل ما في الآية من ذكر هول الحشر، وقال ابن مسعود وغيره: إنما المعنى أنه عند النفخة الثانية وقيام الناس من القبور فهم حينئذ لهول المطلع واشتغال كل امرئ بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائل وزال انتفاع الأنساب فلذلك نفاها فالمعنى فَلا أَنْسابَ وروي عن قتادة أنه قال: ليس أحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم ممن يعرف لأنه يخاف أن تكون له عنده مظلمة وفي ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ويفرح كل أحد يومئذ أن يكون له حق على ابنه وأبيه، وقد ورد بهذا حديث، وكذلك ارتفاع التساؤل والتعارف لهذه الوجوه التي ذكرناها ثم تأتي في القيامة مواطن يكون فيها السؤال والتعارف.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل حسن وهو مروي المعنى عن ابن عباس و «ثقل الموازين» هو الحسنات، والثقل والخفة إنما يتعلق بأجرام يخترع الله فيها ذلك وهي فيما روي براءات.
قوله :
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٨]
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧)
قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)
جمع «الموازين» من حيث الموزون جمع وهي الأعمال ع ومعنى الوزن إقامة الحجة على الناس
следующие страницы →