← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

ومنه قول الآخر: فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطة ... فقلت سمعنا فاسمعي واصمتي ويحتمل قراءة من شدد: «ألّا» أن يجعلها بمعنى التخصيص، ويقدر هذا النداء بعدها ويجيء في الكلام إضمار كثير ولكنه متوجه، وسقطت الألف كما كتبت في يا عيسى ويا قوم، وقرأ الأعمش «هل لا يسجدون» ، وفي حرف عبد الله بن مسعود «ألا هل تسجدون» بالتاء، وفي قراءة أبيّ: «ألا هل تسجدوا» بالتاء أيضا، والْخَبْءَ الخفي من الأمور وهو من خبأت الشيء، و «خبء» السماء مطرها، و «خبء» الأرض كنوزها ونباتها، واللفظة بعد هذا تعم كل خفيّ من الأمور وبه فسر ابن عباس، وقرأ جمهور الناس «الخبء» بسكون الباء والهمز، وقرأ أبي بن كعب «الخب» بفتح الباء وترك الهمز، وقرأ عكرمة «الخبا» بألف مقصورة، وحكى سيبويه أن بعض العرب يقلب الهمزة إذا كانت في مثل هذا مفتوحة وقبلها ساكن يقلبها ألفا، وإذا كانت مضمومة وقبلها ساكن قلبها واوا، وإذا كانت مكسورة قلبها ياء ومثل سيبويه ذلك بالوثا والوثو والوثي، وكذلك يجيء الْخَبْءَ في حال النصب وتقول اطلعت على الخبي وراقني الخبو وقرأ جمهور القراء «يخفون» و «يعلنون» بياء الغائب. قال القاضي أبو محمد: وهذه القراءة تعطي أن الآية من كلام الهدهد، وقرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص «تخفون وما تعلنون» بتاء الخطاب، وهذه القراءة تعطي أن الآية من خطاب الله لأمة محمد ﷺ ، وفي مصحف أبي بن كعب «ألا يسجدوا والله الذي يخرج الخبء من السماوات والأرض ويعلم سركم وما تعلنون» ، وخصص الْعَرْشِ بالذكر في قوله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لأنه أعظم المخلوقات، وما عداه في ضمنه وقبضته، ثم إن سليمان ﵇ أخّر أمر الهدهد إلى أن يبين له حقه من باطله فسوفه بالنظر في ذلك وأمر بكتاب فكتب وحمله إياه وأمره بإلقائه إلى القوم والتولي بعد ذلك، وقال وهب بن منبه أمره بالتولي حسن أدب، ليتنحى حسبما يتأدب به مع الملوك بمعنى وكن قريبا حتى ترى مراجعاتهم، وقال ابن زيد: أمره بالتولي بمعنى الرجوع إليه أي ألقه وارجع، قال وقوله فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ في معنى التقديم على قوله ثُمَّ تَوَلَّ. قال القاضي أبو محمد: واتساق رتبة الكلام أظهر أي «ألقه ثم تول» وفي خلال ذلك فَانْظُرْ وإنما أراد أن يكل الأمر إلى علم ما في الكتاب دون أن تكون للرسول ملازمة ولا إلحاح. وقرأ نافع «فألقه» بكسر الهاء، وفرقة «فألقه» بضمها، وقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي بإشباع ياء بعد الكسرة في الهاء، وروى عنه ورش بياء بعد الهاء في الوصل، وقرأ قوم بإشباع واو بعد الضمة، وقرأ البزي عن أبي عمرو وعاصم وحمزة «فألقه» بسكون الهاء، وروي عن وهب بن منبه في قصص هذه الآية أن الهدهد وصل فألفى دون هذه الملكة حجب جدرات فعمد إلى كوة كانت بلقيس صنعتها لتدخل منها الشمس عند طلوعها لمعنى عبادتها إياها فدخل منها ورمى الكتاب على بلقيس وهي فيما يروى نائمة، فلما انتبهت وجدته فراعها وظنت أنه قد دخل عليها أحد ثم قامت فوجدت حالها كما عهدته فنظرت إلى الكوة

стр. 1927

تهمما بأمر الشمس فرأت الهدهد فعلمت أمره ثم جمعت أهل ملكها وعلية قومها فخاطبتهم بما يأتي بعد. قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٢٩ الى ٣٤] قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) في هذا الموضع اختصار لما يدل ظاهر القول عليه تقديره فألقى الكتاب وقرأته وجمعت له أهل ملكها، والْمَلَأُ أشراف الناس الذين ينوبون مناب الجميع، ووصفت «الكتاب بالكرم» إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظمته إجلالا لسليمان، وهذا قول ابن زيد، وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كرم الكتاب ختمه» وإما إن أرادت أنه بدىء بِسْمِ اللَّهِ ف كَرِيمٌ ضد أجذم كما قال رسول الله ﷺ «كل كلام لم يبدأ باسم الله تعالى فهو أجذم، ثم أخذت تصف لهم ما في الكتاب فيحتمل اللفظ أنه نص الكتاب موجزا بليغا وكذلك كتب الأنبياء وقدم فيه العنوان وهي عادة الناس على وجه الدهر، ثم سمى الله تعالى، ثم أمرهم بأن لا يعلوا عليه طغيانا وكفرا وأن يأتوه مُسْلِمِينَ، ويحتمل أنها قصدت إلى اقتضاب معانيه دون ترتيبه فأعلمتهم إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وأن معنى ما فيه كذا وكذا، وقرأ أبيّ «وأن بسم الله» بفتح الهمز وتخفيف النون وحذف الهاء، وقرأ ابن أبي عبلة «أنه» من «وأنه» بفتح الهمزة فيهما، وفي قراءة عبد الله «وأنه من سليمان» بزيادة، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، استفتاح شريف بارع المعنى معبر عنه بكل لغة وفي كل شرع، و «أن» في قوله تعالى: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ يحتمل أن تكون رفعا على البدل من كِتابٌ، أو نصبا على معنى «بأن لا تعلوا» ، أو مفسرة بمنزلة أي قاله سيبويه، وقرأ وهب بن منبه «أن لا تغلوا» بالغين منقوطة، قال أبو الفتح رواها وهب عن ابن عباس وهي قراءة الأشهب العقيلي ذكرها الثعلبي ثم أخذت في حسن الأدب مع رجالها ومشاورتهم في أمرها وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر فكيف في هذه النازلة الكبرى، فراجعها الملأ بما يقر عينها من إعلامهم إياها ب «القوة والبأس» أي وذلك مبذول إليك فقاتلي إن شئت، ثم سلموا الأمر إلى نظرها وهذه محاورة حسنة من الجميع، وفي قراءة عبد الله «ما كنت قاضية أمرا» بالضاد من القضاء، وذكر مجاهد في عدد أجنادها أنها كان لها اثنا عشر ألفا، قيل تحت يد كل واحد منهم مائة ألف. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، وذكر غيره نحوه فاختصرته لبعد الصحة عنه، ثم أخبرت بلقيس عند ذلك بفعل الْمُلُوكَ بالقرى التي يتغلبون عليها، وفي الكلام خوف على قومها وحيطة لهم واستعظام لأمر سليمان ﵇، وقالت فرقة إن وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ من قول بلقيس تأكيدا منها للمعنى الذي أرادته، وقال ابن عباس: هو من قول الله تعالى معرفا لمحمد ﵇ وأمته ومخبرا به.

стр. 1928

قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٧] وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) روي أن بلقيس قالت لقومها إني أجرب هذا الرجل بِهَدِيَّةٍ أعطيه فيها نفائس الأموال وأغرب عليه بأمور المملكة، فإن كان ملكا دنياويا أرضاه المال فعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبيا لم يرضه المال ولازمنا في أمر الدين فينبغي أن نؤمن به ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بِهَدِيَّةٍ عظيمة أكثر بعض الناس في تفصيلها فرأيت اختصار ذلك لعدم صحته، واختبرت علمه فيما روي بأن بعثت إليه قدحا فقالت املأه لي ماء ليس من الأرض ولا من السماء، وبعثت إليه درة فيها ثقب محلزق وقالت يدخل سلكها دون أن يقربها إنس ولا جان، وبعثت أخرى غير مثقوبة وقالت يثقب هذه غير الإنس والجن، فملأ سليمان القدح من عرق الخيل، وأدخلت السلك دودة. وثقبت الدرة أرضة ماء، وراجع سليمان مع رد الهدية بما في الآية وعبر عن «المرسلين» ب جاءَ وبقوله ارْجِعْ لما أراد به الرسول الذي يقع على الجمع والإفراد والتأنيث والتذكير، وقرأ ابن مسعود «فلما جاؤوا سليمان» وقرأ «ارجعوا» ، ووعيد سليمان لهم مقترن بدوامهم على كفرهم، وذكر مجاهد أنها بعثت في هديتها بعدد كثير من العبيد بين غلام وجارية وجعلت زيهم واحدا وجربته في التفريق بينهم. قال القاضي أبو محمد: وليس هذا بتجربة في مثل هذا الأمر الخطير، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «أتمدونني» بنونين وياء في الوصل، وقرأ ابن عامر وعاصم والكسائي «أتمدونن» بغير ياء في وقف ووصل، وقرأ جمزة «أتمدونّي» بشد النون وإثبات الياء، وقرأ عاصم «فما آتان الله» بكسر النون دون ياء، وقرأ فرقة «آتاني» بياء ساكنة، وقرأ أبو عمرو ونافع «آتاني» بياء مفتوحة، ثم توعدهم بالجنود والغلبة والإخراج أذلاء والمعنى إن لم يسلموا، وقرأ عبد الله «لا قيل لهم بهم» على جمع ضمير الجنود. ولا قِبَلَ معناه لا طاقة ولا مقاومة. قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) القائل سليمان ﵇ والْمَلَؤُا المنادى جمعه من الإنس والجن، واختلف المتأولون في

стр. 1929

غرضه في استدعاء «عرشها» فقال قتادة ذكر له بعظم وجودة فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم، و «الإسلام» على هذا التأويل الدين، وهو قول ابن جريج، وقال ابن زيد استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله وليغرب عليها، ومُسْلِمِينَ في هذا التأويل بمعنى مستسلمين وهو قول ابن عباس وذكره صلة في العبارة لا تأثير لاستسلامهم في غرض سليمان، ويحتمل أن يكون بمعنى الإسلام، وظاهر هذه الآيات أن هذه المقالة من سليمان ﵇ بعد مجيء هديتها ورده إياها، وقد بعث الهدهد بالكتاب وعلى هذا جمهور المفسرين، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال هذه المقالة هي ابتداء النظر في صدق الهدهد من كذبه لما قال له وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] قال سليمان أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها ثم وقع في ترتيب القصص تقديم وتأخير. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أصح وروي أن عرشها كان من ذهب وفضة مرصعا بالياقوت والجوهر وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق، وقرأ الجمهور «قال عفريت» ، وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي «قال عفرية» ، ورويت عن أبي بكر الصديق، وقرأت فرقة «قال عفر» بكسر العين، وكل ذلك لغات فيه وهو من الشياطين القوي المارد والتاء في عِفْرِيتٌ زائدة، وقد قالوا تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الإذاية، قال وهب بن منبه اسم هذا العفريت كودا، وروي عن ابن عباس أنه صخر الجني ومن هذا الاسم قول ذي الرمة: [البسيط] كأنه كوكب في إثر عفرية ... مصوب في سواد الليل منقضب وقوله قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ قال مجاهد وقتادة وابن منبه معناه قبل قيامك من مجلس الحكم، وكان يجلس من الصبح إلى وقت الظهر في كل يوم، وقيل معناه قيل أن تستوي من جلوسك قائما، وقالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال ابن جبير وقتادة قبل أن يصل إليك من يقع طرفك عليه في أبعد ما ترى، وقال مجاهد معناه قبل أن يحتاج إلى التغميض أي مدة ما يمكنك أن تمد بصرك دون تغميض وذلك ارتداد. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان يقابلان قول من قال إن القيام هو من مجلس الحكم، ومن قال إن القيام هو من الجلوس، فيقول في ارتداد الطرف هو أن يطرف أي قبل أن تصلح عينيك وتفتحهما، وذلك أن الثاني تعاطى الأقصر في المدة ولا بد. وقوله لَقَوِيٌّ أَمِينٌ معناه «قوي» على حمله أَمِينٌ على ما فيه، ويروى أن بلقيس لما فصلت من بلدها متوجهة إلى سليمان تركت العرش تحت أقفال وثقاف حصين فلما علم سليمان بانفصالها أراد أن يغرب عليها بأن تجد عرشها عنده ليبين لها أن ملكه لا يضاهى، فاستدعى سوقه فدعا الذي عنده علم من التوراة وهو الْكِتابِ المشار إليه باسم الله الأعظم الذي كانت العادة في ذلك الزمن أن لا يدعو به أحد إلا أجيب، فشقت الأرض بذلك العرش حتى نبع بين يدي سليمان ﵇ وقيل بل جيء به في الهواء. قال مجاهد وكان بين سليمان وبين العرش كما بين الكوفة والحيرة، وحكى الرماني أن العرش حمل من مأرب إلى الشام في قدر رجع البصر. قال القاضي أبو محمد: وهي مسيرة شهرين للمجدّ، وقول مجاهد: أشهر، وروي أن الجن كانت

стр. 1930

تخبر سليمان بمناقل سيرها فلما قربت قال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها، واختلف المفسرون في الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ من هو، فجمهور الناس على أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه «آصف بن برخيا» روي أنه صلى ركعتين ثم قال يا نبي الله أمدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده، وقال قتادة اسمه بليخا، وقال إبراهيم النخعي هو «جبريل ﵇» ، وقال ابن لهيعة هو الخضر وحكى النقاش عن جماعة أنهم سمعوا أنه ضبة بن آد جد بني ضبة من العرب، قالوا وكان رجلا فاضلا يخدم سليمان على قطعة من خيله. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة بل هو سليمان ﵇ والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال هو أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، كأن سليمان ﵇ استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ واستدل قائل هذا القول بقول سليمان. هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي، واستدل أيضا بهذا القول مناقضه إذ في كلا الأمرين على سليمان فضل من الله تعالى، وعلى القول الأول المخاطبة لسليمان، ولفظ، آتِيكَ، يحتمل أن يكون فعلا مستقبلا، ويحتمل أن يكون اسم فاعل، وفي الكلام حذف تقديره فدعا باسم الله فجاء العرش بقدرة الله فلما رآه سليمان مستقرا عنده جعل يشكر نعمة ربه بعبارة فيها تعليم للناس وهي عرضة للاقتداء بها والاقتباس منها، وقال ابن عباس المعنى أَأَشْكُرُ على السرير وسوقه أَمْ أَكْفُرُ إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني وظهر العامل في الظرف من قوله مُسْتَقِرًّا وهذا المقدر أبدا في كل ظرف جاء هنا مظهرا وليس في كتاب الله تعالى مثله. وباقي الآية بين. قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٤١ الى ٤٤] قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤) أراد سليمان ﵇ في هذا «التنكير» تجربة ميزها ونظرها وليزيد في الإغراب عليها، وروت فرقة أن الجن أحست من سليمان أو ظنت به أنه ربما تزوج بلقيس، فكرهوا ذلك وعابوها عنده بأنها غير عاقلة ولا مميزة وبأن رجلها كحافر دابة، فجرب عقلها وميزها بتنكير عرشها، وجرب أمر رجلها بأمر الصرح، لتكشف عن ساقيها عنده، وقرأ أبو حيوة «تنظر» بضم الراء، و «تنكير العرش» تغيير وضعه وستر بعضه، ونحو هذا، وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك تنكيره بأن زيد فيه ونقص منه، ويعترض هذا بأن من حقها على هذا أن تقول ليس به وتكون صادقة، وقولها كَأَنَّهُ هُوَ، تجوز فصيح ونحوه قول الله تعالى: كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤] . وقال الحسن بن الفضل شبهوا عليها فشبهت عليهم ولو قالوا هذا عرشك لقالت نعم، وفي الكلام حذف تقديره كأنه هو، وقال سليمان عند ذلك وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها

стр. 1931

الآية، وهذا منه على جهة تعديد نعم الله، وإنما قال ذلك لما علمت هي وفهمت، ذكر هو نعمة الله عليه وعلى آبائه، وقوله تعالى: وَصَدَّها الآية، يحتمل أن يكون من قول الله تعالى إخبارا لمحمد ﵇ والصاد ما كانت تعبد أي عن الإيمان ونحوه. وقال الرماني عن التفطن للعرش، لأن المؤمن يقظ والكافر خشيب أو يكون الصاد سليمان ﵇ قاله الطبري، أو يكون الصاد الله . ولما كان صَدَّها بمعنى منعها، تجاوز على هذا التأويل بغير حرف جر وإلا فبابه ألا يتعدى إلا ب «عن» ، وقرأ جمهور الناس «إنها بكسر الهمزة، وقرأ سعيد بن جبير وابن أبي عبلة «أنها» بفتح الهمزة وهو على تقدير ذلك أنها، أو على البدل من ما، قال محمد بن كعب القرظي وغيره ولما وصلت بلقيس أمر سليمان الجن فصنعت له صرحا وهو الصحن من غير سقف وجعلته مبنيا كالصهريج وملىء ماء وبث فيه السمك والضفادع وطبق بالزجاج الأبيض الشفاف، وبهذا جاء صرحا، وصَّرْحَ أيضا كل بناء عال، وكل هذا من التصريح وهو الإعلان البالغ، وجعل لسليمان في وسطه كرسي، فلما وصلت إليه بلقيس يلَ لَهَا ادْخُلِي إلى النبي ﷺ فلما رأت اللجة وفزعت وظنت أنها قصد بها الغرق وعجبت من كون كرسيه على الماء ورأت ما هالها ولم يكن لها بد من امتثال الأمر ف «كشفت عن ساقيها» ، فرأى سليمان ساقيها سليمة مما قالت الجن غير أنها كثيرة الشعر، فلما بلغا هذا الحد، قال لها سليمان نَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ ، و «الممرد» المحكوك المملس، ومنه الأمرد والشجرة المرداء التي لا ورق عليها والممرد أيضا المطول، ومنه قيل للحصن مارد، وعند ذلك استسلمت بلقيس وأذعنت وأسلمت وأقرت على نفسها بالظلم، فروي أن سليمان تزوجها عند ذلك وأسكنها الشام قاله الضحاك، وقال سعيد بن عبد العزيز في كتاب النقاش تزوجها وردها إلى ملكها باليمن وكان يأتيها على الريح كل يوم مرة، فولدت له غلاما سماه داوود مات في حياته، وعَ ظرف، وقيل حرف بني على الفتح، وأما إذا أسكنت العين فلا خلاف أنه حرف جاء لمعنى وقرأ ابن كثير وحده في رواية أبي الأخريط «عن سأقيها» بالهمز قال أبو علي وهي ضعيفة وكذلك يضعف الهمز في قراءة قنبل «يكشف عن سأق» فأما همز السؤق وعلى سؤقه فلغة مشهورة في همز الواو التي قبلها ضمة حكى أبو علي أن أبا حيّة النميري كان يهمز كل واو قبلها ضمة وأنشد «لحب المؤقدان إلى موسى» ووجهها أن الضمة تقوم على الواو إذ لا حائل بينهما، وقرأ ابن مسعود «عن رجليها» ، وروي أن سليمان ﵇ لما أراد زوال شعر ساقيها أشفق من حمل الموسى عليها وقيل إنها قالت ما مسني حديد قط فأمر الجن بالتلطف في زواله. فصنعوا النورة ولم تكن قبل الأمم، وهذه الأمور التي فعلها سليمان ﵇ من سوق العرش وعمل الصرح وغير ذلك قصد بذلك معاياتها والإغراب عليها، كما سلكت هي قبل سبيل ملوك الدنيا في ذلك بأن أرسلت الجواري والغلمان واقترحت في أمر القدح والذرتين. قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٤٥ الى ٤٧] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)

стр. 1932

هذه الآية على جهة التمثيل لقريش، وأَنِ من قوله أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، يحتمل أن تكون مفسرة ويحتمل أن تكون في موضع نصب تقديره «بأن اعبدوا الله» ، وفَرِيقانِ يريد بهما من آمن بصالح ومن كفر به، و «اختصاصهم» تنازعهم وجدلهم، وقد ذكره الله تعالى في سورة الأعراف، ثم إن صالِحاً تلطف بقومه وترفق بهم في الخطاب فوقفهم على خطيئتهم في استعجال العذاب قبل الرحمة والمعصية لله تعالى قبل الطاعة وفي أن يكون اقتراحهم وطلبهم يقتضي هلاكهم، ثم حضهم على ما هو أيسر من ذلك وأعود بالخير وهو الإيمان وطلب المغفرة ورجاء الرحمة فخاطبوه عند ذلك بقول سفساف معناه تشاء منا بك، قال المفسرون: وكانوا في قحط فجعلوه لذات صالح وأصل «الطيرة» ما تعارفه أهل الجهل من زجر الطير وشبهت العرب ما عن بما طار حتى سمي ما حصل الإنسان في قرعة طائرا، ومنه قوله تعالى أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء: ١٣] ، وخاطبهم صالح ببيان الحق أي طائِرُكُمْ على زعمكم وتسميتكم وهو حظكم في الحقيقة من تعذيب أو إعفاء هو عِنْدَ اللَّهِ وبقضائه وقدره وإنما أنتم قوم تختبرون، وهذا أحد وجوه الفتنة، ويحتمل أن يريد بل أنتم قوم تولعون بشهواتكم وهذا معنى قد تعورف استعمال لفظ الفتنة فيه ومنه قولك: فتن فلان بفلان، وشاهد ذلك كثير. قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٤٨ الى ٥١] وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) ذكر الله تعالى في هذه الآية تِسْعَةُ رجال كانوا من أوجه القوم وأفتاهم وأغناهم وكانوا أهل كفر ومعاص جمة، جملة أمرهم أنهم يُفْسِدُونَ وَلا يُصْلِحُونَ، قال عطاء بن أبي رباح: بلغني أنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو الأثر المروي: قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض، والْمَدِينَةِ مجتمع ثمود وقريتهم، و «الرهط» من أسماء الجمع القليلة، العشرة فما دونها رهط، ف تِسْعَةُ رَهْطٍ كما تقول تسعة رجال، وهؤلاء المذكورون كانوا أصحاب قدار عاقر الناقة وقد تقدم في غير هذا الموضع ما ذكر في أسمائهم، وقوله تَقاسَمُوا حكى الطبري أنه يجوز أن يكون فعلا ماضيا في موضع الحال كأنه قال متقاسمين أي متحالفين بالله، وكان في قوله لَنُبَيِّتَنَّهُ، ويؤيد هذا التأويل أن في قراءة عبد الله «ولا يصلحون تقاسموا» بسقوط قالُوا، ويحتمل وهو تأويل الجمهور أن يكون تَقاسَمُوا فعل أمر أشار بعضهم على بعض بأن يتحالفوا على هذا الفعل ب «صالح» ، ف تَقاسَمُوا هو قولهم على

стр. 1933

هذا التأويل وهذه الألفاظ الدالة على قسم أو حلف تجاوب باللام وإن لم يتقدم قسم ظاهر فاللام في لَنُبَيِّتَنَّهُ جواب ذلك، وقرأ جمهور القراء «لنبيتنه» بالنون، «ثم لنقولن» بنون وفتح اللام، وقرأ الأعمش وطلحة وابن وثاب «ليبيتنه» بالياء مضمومة فيهما «ثم ليقولن» بالياء وضم اللام، وفي قراءة عبد الله «ثم لتقسمن ما شهدنا» ، وقرأ حمزة والكسائي «لتبيتنه» بالتاء «ثم لتقولن» بالتاء وضم اللام وهي قراءة الحسن وحميد، فهذا ذكر الله فيه المعنى الذي أرادوه، لا بحسب لفظهم، وروي في قصص هذه الآية أن هؤلاء التسعة لما كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة وقد أخبرهم صالح بمجيء العذاب اتفق هؤلاء التسعة فتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ليلا فيقتلوه وأهله المختصين به، قالوا فإن كان كاذبا في وعيده أوقعنا به ما يستحق، وإن كان صادقا كنا قد عجلناه قبلنا وشفينا نفوسنا، قال الداودي. فجاؤوا واختفوا لذلك في غار قريب من داره، فروي أنه انحدرت عليهم صخرة شدختهم جميعا، وروي أنه طبقت عليهم الغار فهلكوا فيه حين هلك قومهم، وكل فريق لا يعلم بما جرى على الآخر، وكانوا قد بنوا على جحود الأمر من قرابة صالح الذين يمكن أن يغضبوا له فهذا كان أمرهم، و «المكر» نحو الخديعة، وسمى الله تعالى عقوبتهم باسم ذنبهم وهذا مهيع ومنه قوله تعالى: يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥] وغير ذلك، وقرأ الجمهور «مهلك» بضم الميم وفتح اللام، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بفتحهما، وروي عنه فتح الميم وكسر اللام، و «العاقبة» حال تقتضيها البدأة وتؤدي إليها بواجب، ويعني بالأهل، كل من آمن معه قاله الحسن، وقرأ جمهور القراء «إنا دمرناهم» بكسر الألف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «أنا دمرناهم» بفتح الهمزة وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق، ف كانَ على قراءة الكسر في الألف تامة، وإن قدرت ناقصة فخبرها محذوف أو يكون الخبر كَيْفَ مقدما لأن صدر الكلام لها ولا يعمل على هذا «انظر» ، في كَيْفَ لكن يعمل في موضع الجملة كلّها، وهي في قراءة الفتح ناقصة وخبرها «أنّا» ويجوز أن يكون الخبر كَيْفَ وتكون «أنّا» بدلا من العاقبة، ويجوز أن تكون كانَ تامة «وأنّا» بدلا من العاقبة، ووقع تقرير السؤال ب كَيْفَ عن جملة قوله كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وليس بمحض سؤال ولكنه حقه أن يسأل عنه، و «التدمير» الهلاك. ويحتمل أن تتقدر كانَ تامة على قراءة الفتح، وغيره أظهر، وقرأ أبي بن كعب «أن دمرناهم» فهذه تؤيد قراءة الفتح في «أنا» . قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥٢ الى ٥٨] فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)

стр. 1934

«إخواء البيوت» وخرابها مما أخبر الله تعالى به في كل الشرائع أنه مما يعاقب به الظلمة وفي التوراة: ابن آدم لا تظلم يخرب بيتك، وخاوِيَةً نصب على الحال التي فيها الفائدة، ومعناها خالية قفرا، قال الزجاج وقرئت «خاوية» بالرفع وذلك على الابتداء المضمر أي «هي خاوية» ، أو على الخبر عن تلك، وبُيُوتُهُمْ بدل أو على خبر ثان، وهذه البيوت المشار إليها هي التي قال فيها رسول الله ﷺ عام تبوك «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين» الحديث، ثم قال تعالى وَلُوطاً تقديرة «واذكر لوطا» ، والْفاحِشَةَ إتيان الرجال في الأدبار، وتُبْصِرُونَ معناه بقلوبكم أنها خطيئة وفاحشة، وقالت فرقة تُبْصِرُونَ بأبصاركم لأنهم كانوا ينكشفون بفعل ذلك ولا يستتر بعضهم من بعض، واختلف القراء في قوله أَإِنَّكُمْ وقد تقدم، وقرأ جمهور الناس «جواب» نصبا، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق «جواب» بالرفع، ونسب ابن جني قراءة النصب إلى الحسن وفسّرها في الشاذ، وأخبر الله تعالى عن قوم لوط أنهم تركوا في جوابهم طريق الحجة وأخبروا بالمبالغة فتأمروا بإخراجه وإخراج من آمن معه ثم ذموهم بمدحه، وهي «التطهر» من هذه الدناءة التي أصفقوا هم عليها قال قتادة هابوهم والله بغير عيب، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «قدرناها» بتخفيف الدال، وقرأ جمهور القراء «قدّرناها» بشدّ الدال، الأولى بمعنى جعلناها وحصلناها والثانية بمعنى قدرناها عليها من القضاء والقدر، و «الغابرون» ، الباقون في العذاب، وغبر بمعنى بقي، وقد يجيء أحيانا في بعض كلام العرب يوهم أنه بمعنى مضى، وإذا تؤمل توجه حمله على معنى البقاء، و «المطر» الذي مطر عليهم هي حجارة السجيل أهلكت جميعهم، وهذه الآية أصل لمن جعل من الفقهاء الرجم في اللوطية، وبها تأنس لأن الله تعالى عذبهم على كفرهم به وأرسل عليهم الحجارة لمعصيتهم ولم يقس هذا القول على الزنا فيعتبر الإحصان. بل قال مالك وغيره يرجمان في اللوطية أحصنا أو لم يحصنا وإنما ورد عن النبي ﷺ «اقتلوا الفاعل والمفعول به» فذهب من ذهب إلى رجمهما بهذه الآية. قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥٩ الى ٦١] قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) قرأ أبو السمال «قل» بفتح اللام وكذلك في آخر السورة وهذا ابتداء تقرير وتنبيه لقريش وهو

стр. 1935

بعد يعم كل مكلف من الناس جميعا، وافتتح ذلك بالقول بحمده وتحميده وبالسلام على عباده الذين اصطفاهم للنبوءة والإيمان، فهذا اللفظ عام لجميعهم من بني آدم، وكان هذا صدر خطبة للتقرير المذكور. وقال ابن عباس العباد المسلم عليهم هم أصحاب النبي ﷺ واصطفاهم لنبيه. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الاختصاص توبيخ للمعاصرين من الكفار، وقال الفراء الأمر بالقول في هذه الآية هو للوط ﵇. قال القاضي أبو محمد: وهذه عجمة من الفراء ﵀، ثم وقف قريشا والعرب على جهة التوبيخ على موضع التباين بين الله وبين الأوثان والأنصاب، وقرأ جمهور الناس «تشركون» بالتاء من فوق، وحكى المهدوي عن أبي عمرو وعاصم «يشركون» بالياء من تحت، وفي هذا التفضيل بلفظة خَيْرٌ أقوال، أحدها أن التفضيل وقع بحسب معتقد المشركين إذ كانت تعتقد أن في آلهتها خيرا بوجه ما، وقالت فرقة في الكلام حذف مضاف في موضعين التقدير أتوحيد الله خير أم عبادة ما تشركون، «فما» في هذه الآية بمعنى الذي، وقالت فرقة «ما» مصدرية وحذف المضاف إنما هو أولا تقديره أتوحيد الله خير أم شرككم، وقيل خَيْرٌ هنا ليست بأفعل إنما هي فعل كما تقول الصلاة خير دون قصد تفضيل. قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم أن هذه الألفاظ التي تعم معاني كثيرة كخير وشر وأحب ونحو ذلك قد يقع التفضيل بها بين أشياء متباينة لأن المتباينات قدر بما اشترك فيها ولو بوجه ضعيف بعيد، وأيضا فهذا تقرير والمجادل يقرر خصمه على قسمين أحدهما فاسد، ليرى وقوعه وقد استوعبنا هذا فيما مضى، وقالت فرقة تقدير هذه الآية «الله ذو خير أما تشركون» . قال القاضي أبو محمد: وهذا النوع من الحذف بعيد تأوله، وقرأ الحسن وقتادة وعاصم «يشركون» بالياء من تحت، وقرأ أهل المدينة ومكة والكوفة بالتاء من فوق وقوله تعالى. أَمَّنْ خَلَقَ وما بعدها من التوقيفات، توبيخ لهم وتقرير على ما لا مندوحة لهم عن الإقرار به، وقرأ الجمهور «أمّن» بشد الميم وهي «أم» دخلت على «من» ، وقرأ الأعمش «أمن» بفتح الميم مسهلة وتحتمل هذه القراءة أن تكون «أمن» استفهاما فتكون في معنى «أم من» المتقدمة، ويحتمل أن تكون الألف للاستفهام ومن ابتداء وتقدير الخير يكفر بنعمته ويشرك به ونحو هذا من المعنى، و «الحدائق» مجتمع الشجر من الأعناب والنخيل وغير ذلك، قال قوم لا يقال حديقة إلا لما عليه جدار قد أحدق به، وقال قوم يقال ذلك كان جدارا أو لم يكن لأن البياض محدق بالأشجار والبهجة الجمال والنضرة، وقرأ ابن أبي عبلة «ذوات بهجة» بجمع «ذات» وفتح الهاء من «بهجة» ، ثم أخبر على جهة التوقيف أنه ما كانَ للبشر أي ما يتهيأ لهم ولا يقع تحت قدرهم أن ينبتوا شجرها، لأن ذلك بإخراج شيء من العدم إلى الوجود، وقد تقدم ترتيب القراءة في الهمزتين من قوله «أإلاه» وأ إذا وأ إنك لأنت يوسف» ، قال أبو حاتم القراءة باجتماع الهمزتين محدثة. لا توجد في كلام العرب ولا قرأ بها قارئ عتيق، ويَعْدِلُونَ يجوز أن يراد به يعدلون عن طريق الحق أن يجورون في فعلهم، ويجوز أن يراد يعدلون بالله غيره أي يجعلون له عديلا ومثيلا، وخِلالَها معناه بينها وأثناءها، و «الرواسي» الجبال، رسا الشيء يرسو إذا ثبت وتأصل، و «البحران» ، الماء العذب بجملته والماء الأجاج بجملته، و «الحاجز» ما جعل الله بينهما من حواجز الأرض وموانعها على رقتها في بعض المواضع ولطافتها

стр. 1936

التي لولا قدرة الله تعالى لغلب الملح العذب وكل ما مضى من القول في تأويل في قوله مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان: ٥٣] فهو مترتب هاهنا وباقي الآية بين. قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٢ الى ٦٦] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وقفهم في هذه الآية على المعاني التي تبين لكل عاقل أنه لا مدخل لصنم ولا لوثن فيها وهي عبر ونعم، فالحجة قائمة بها من الوجهين، وقوله تعالى: يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ معناه بشرط إن شاء على المعتقد في الإجابة، لكن الْمُضْطَرَّ لا يجيبه متى أجيب إلا الله ، والسُّوءَ عام في كل ضر يكشفه الله تعالى عن عباده، وقرأ الحسن «ويجعلكم» بياء على صيغة المستقبل ورويت عنه بنون، وكل قرن خليف للذي قبله. وقرأ جمهور القراء «تذكرون» بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وحده والحسن والأعمش بالياء على الغيب، و «الظلمات» عام لظلمة الليل التي هي الحقيقة في اللغة ولظلمة الجهل والضلال والخوف التي هي مجازات وتشبيهات وهذا كقول الشاعر: «تجلت عمايات الرجال عن الصبا» وكما تقول أظلم الأمر وأنار، وقد تقدم اختلاف القراء في قوله نَشْراً، وقرأ الحسن وغيره، «يشركون» بالياء على الغيبة، وقرأ الجمهور «تشركون» على المخاطبة، و «بدء الخلق» اختراعه وإيجاده، والْخَلْقَ هنا المخلوق من جميع الأشياء لكن المقصود بنو آدم من حيث ذكر الإعادة، و «الإعادة» البعث من القبور ويحتمل أن يريد ب الْخَلْقَ مصدر خلق يخلق ويكون في يَبْدَؤُا وَيُعِيدُ استعارة للإتقان والإحسان كما تقول فلان يبدي ويعيد في أمر كذا وكذا إذا كان يتقنه، والرزق مِنَ السَّماءِ بالمطر ومن الْأَرْضِ بالنبات، هذا مشهور ما يحسه البشر، وكم لله من لطف خفي، ثم أمر نبيه أن يوقفهم على أن الْغَيْبَ مما انفرد الله بعلمه ولذلك سمي غيبا لغيبه عن المخلوقين، ويروى أن هذه الآية من قولهم قُلْ لا يَعْلَمُ، إنما نزلت لأن الكفار سألوا وألحوا عن وقت القيامة التي يعدهم محمد فنزلت هذه الآية فيها التسليم لله تعالى وترك التحديد، فأعلم أنه لا يعلم وقت الساعة سواه فجاء

стр. 1937

بلفظ يعم الساعة وغيرها، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون أَيَّانَ يُبْعَثُونَ وبهذه الآية احتجت عائشة ﵂ على قولها ومن زعم أن محمدا يعلم الغيب فقد أعظم الفرية، والمكتوبة في قوله تعالى: إِلَّا اللَّهُ بدل من مَنْ، وقرأ جمهور الناس «أيان» بفتح الهمزة، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «إيان» بكسرها وهما لغتان، وقرأ جمهور القراء «بل ادارك» أصله تدارك أدغمت التاء في الدال بعد أن أبدلت ثم احتيج إلى ألف الوصل، وقرأ أبي بن كعب فيما روي عنه «تدارك» ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «بل أدرك» على وزن افتعل وهي بمعنى تفاعل، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار «بل ادّرك» بفتح الام ولا همزة تشديد الدال دون الف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر وأهل مكة، «بل أدرك» وقرأ مجاهد «أم أدرك» بدل «بل» ، وفي مصحف أبي بن كعب «أم تدارك علمهم» ، وقرأ ابن عباس «بل أدرك» وقرأ ابن عباس أيضا «بل آدارك» بهمزة ومدة على جهة الاستفهام، وقرأ ابن محيصن «بل آدرك» على الاستفهام ونسبها أبو عمرو الداني إلى ابن عباس والحسن. فأما قراءة الاستفهام فهي على معنى الهزء بالكفرة والتقرير لهم على ما هو في غاية البعد عنهم أي أعلموا أمر الآخرة وأدركها علمهم؟ وأما القراءات المتقدمة فتحتمل معنيين أحدهما «بل أدرك علمهم» أي تناهى كما تقول أدرك النبات وغيره وكما تقول هذا ما أدرك علمي من كذا وكذا فمعناه قد تتابع وتناهى علمهم بالآخرة إلى أن لا يعرفوا لها مقدارا فيؤمنوا، وإنما لهم ظنون كاذبة أو إلى أن لا يعرفوا لها وقتا وكذلك «أدرك وتدارك» وسواها وإن جملت هذه القراءة معنى التوقيف والاستفهام ساغ وجاء إنكارا لأن أدركوا شيئا نافعا، والمعنى الثاني «بل أدرك» بمعنى يدرك أي إنهم في الآخرة يدرك علمهم وقت القيامة، ويرون العذاب والحقائق التي كذبوا بها وأما في الدنيا فلا. وهذا هو تأويل ابن عباس ونحى إليه الزجاج، فقوله فِي الْآخِرَةِ على هذا التأويل ظرف، وعلى التأويل الأول فِي بمعنى الباء، و «العلم» قد يتعدى بحرف الجر تقول علمي يزيد كذا ومنه قول الشاعر: [الطويل] وعلمي بإسدام المياه.... البيت ثم وصفهم بأنهم فِي شَكٍّ مِنْها ثم أردف بصفة هي أبلغ من الشك وهي العمى بالجملة عن أمر الآخرة، وعَمُونَ أصله عميون كحذرون وغيره. قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٧ الى ٧٤] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) استبعد الكفار أن تبعث الأجساد والرمم من القبور واستملحوا ذلك فذكر ذلك عنهم على جهة الرد

стр. 1938

عليهم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير «أ. ذا. أ. نا» مهموز، غير أن أبا عمرو يمد وابن كثير لا يمد، وقرأ عاصم وحمزة «أإذا أإنا» بهمزتين فيهما، وقرأ نافع «إذا» مكسورة الألف «أنا.» ممدوة الألف، وقرأ الباقون «آيذا» ممدودة «إننا» بنونين وكسر الألف، ثم ذكر الكفار أن هذه المقالة مما قد وعد بها قبل وردوا على جميع الأنبياء وجعلوها من الأساطير، ثم وعظهم تعالى بحال من كذب من الأمم فأمر نبيه أن يأمرهم بالسير والتطلع على حال مجرمي الأمم وبالحذر أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك، وهذا التحذير يقتضيه المعنى، ثم سلى نبيه ﵇ عنهم، وهذا بحسب ما كان عنده من الحرص عليهم الاهتمام بأمرهم، وقرأ ابن كثير «في ضيق» بكسر الضاد ورويت عن نافع، وقرأ الباقون بفتحها و «والضّيق» و «الضّيق» مصدران بمعنى واحد، وكره أبو علي أن يكون «ضيق» كهين ولين مسهلة من ضيق قال: لأن ذلك يقتضي أن تقام الصفة مقام الموصوف، ثم ذكر استعجال قريش بأمر الساعة والعذاب بقولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ، على معنى التعجيز للواعد به، فأمر تعالى نبيه أن يتوعدهم بأنه عسى أن يأذن الله في أن يقرب منهم بعض ما استعجلوه من الساعة والعذاب. ورَدِفَ معناه قرب وأزف قاله ابن عباس وغيره، ولكنها عبارة عما يجيء بعد الشيء قريبا منه ولكونه بمعنى هذه الأفعال الواقعة تعدى بحرف وإلا فبابه أن يتجاوز بنفسه، وقرأ الجمهور بكسر الدال، وقرأ الأعرج «ردف» بفتح الدال، وقرأ جمهور الناس، «تكن» من أكن وقرأ ابن محيصن وابن السميفع «تكن» من كن وهما بمعنى. قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧٥ الى ٨٢] وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢) التاء في غائِبَةٍ للمبالغة، أي ما من شيء في غائبة الغيب والخفاء إِلَّا فِي كِتابٍ عند الله وفي مكنون علمه، ثم نبه تعالى على إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ أخبر بَنِي إِسْرائِيلَ بأكثر الأشياء التي كان بينهم الخلاف في صفتها فجاءت في القرآن على وجهها، ثم وصفه تعالى بأنه هدى ورحمة للمؤمنين، كما أنه عمى على الكافرين المحتوم عليهم ومعنى ذلك أن كفرهم استتب مع قيام الحجة ووضوح الطريق فكثر عماهم بهذه الجهة ثم أخبر أن ذلك كله بقضاء من الله وحكم قضاه فيهم وبينهم، ثم أمره بالتوكل عليه والثقة بالله وبأنه عَلَى الْحَقِّ أي إنك الجدير بالنصرة والظهور، ثم سلاه عنهم وشبههم ب الْمَوْتى من

стр. 1939

حيث الفائدة في القول لهؤلاء وهؤلاء معدومة فشبههم مرة ب الْمَوْتى ومرة ب الصُّمَّ، قال العلماء: الميت من الأحياء هو الذي يلقى الله بكفره. قال القاضي أبو محمد ﵁: واحتجت عائشة ﵂ في إنكارها أن النبي ﷺ أسمع موتى بدر بهذه الآية، ونظرت هي في الأمر بقياس عقلي ووقفت مع هذه الآية وقد صح أن النبي ﷺ قال «ما أنتم بأسمع منهم» فيشبه أن قصة بدر هي خرق عادة لمحمد ﵇ في أن رد الله إليهم إدراكا سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله ﷺ بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم. وقد عورضت هذه الآية بالسلام على القبور وبما روي في ذلك من أن الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات قالوا: فلو لم يسمع الميت لم يسلم عليه. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله غير معارض للآية لأن السلام على القبور إنما هو عبادة وعند الله الثواب عليها وهو تذكير للنفس بحالة الموت وبحالة الموتى في حياتهم، وإن جوزنا مع هذا أن الأرواح في وقت على القبور فإن سمع فليس الروح بميت وإنما المراد بقوله إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الأشخاص الموجودة مفارقة لأرواحها، وفيها تقول خرقت العادة لمحمد ﵇ في أهل القليب وذلك كنحو قوله ﷺ في الموتى «إذا دخل عليهم الملكان إنهم يسمعون خفق النعال» ، وقرأ ابن كثير «ولا يسمع» بالياء من تحت «الصمّ» رفعا ومثله في الروم، وقرأ الباقون «تسمع» بالتاء «الصمّ» نصبا، وقرأ جمهور القراء «بهادي العمي» بالإضافة، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة «بهاد العمي» بتنوين الدال ونصب «العمي» ، وقرأ حمزة وحده «وما أنت تهدي العمي» بفعل مستقبل وهي قراءة طلحة وابن وثاب وابن يعمر، وفي مصحف عبد الله «وما أن تهدي العمي» ، ومعنى قوله وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ، إذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله تعالى في ذلك أي حتمه عليهم، وقضاؤه وهذا بمنزلة قوله تعالى: حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ [الزمر: ٧١] فمعنى الآية وإذا أراد الله أن ينفذ في الكافرين سابق علمه لهم من العذاب أخرج لهم دابة من الأرض، وروي أن ذلك حين ينقطع الخير ولا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يبقى منيب ولا تائب، كما أوحى الله إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، ووقع، عبارة عن الثبوت واللزوم وفي الحديث أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الأشراط وإن لم تعين الأولى وكذلك الدجال. قال القاضي أبو محمد: وظاهر الأحاديث والروايات أن الشمس آخرها لأن التوبة تنقطع معها وتعطي الحال أن الإيمان لا يبقى إلا في أفراد وعليهم تهب الريح التي لا تبقي إيمانا وحينئذ ينفخ في الصور، ونحن نروي أن الدابة تسم قوما بالإيمان وتجد أن عيسى ابن مريم يعدل بعد الدجال ويؤمن الناس به وهذه الدابة روي أنها تخرج من جبل الصفا بمكة قاله عبد الله بن عمر، وقال عبد الله بن عمرو نحوه، وقال: لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت، وروي عن قتادة أنها تخرج في تهامة، وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح ﵇، وروى بعضهم عن حذيفة بن اليمان أنها تخرج ثلاث

стр. 1940

خرجات، وروي أنها دابة مزغبة شعراء، وروي عن ابن عمر أنها على خلقة الآدميين وهي في السحاب وقوائمها في الأرض، وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان، وذكر الثعلبي عن أبي الزبير نحوه، وروي أنها دابة مبثوث نوعها في الأرض فهي تخرج في كل بلد وفي كل قوم، فعلى هذا التأويل دَابَّةً إنما هو اسم جنس، وحكى النقاش عن ابن عباس أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة، وقرأ جمهور الناس «تكلمهم» من الكلام، وفي مصحف أبيّ «تنبئهم» ، وفسرها عكرمة بتسمهم قال قتادة: وفي بعض القراءة تحدثهم. وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جريج «تكلمهم» بكسر اللام من الكلم وهو الجرح، قال أبو الفتح: وهي قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري، وقال ابن عباس: كلا والله تفعل تكلمهم وتكلمهم. قال القاضي أبو محمد: وروي في هذا أنها تمر على الناس فتسم الكافر في جبهته وتزجره وتشتمه وربما حطمته وتمسح على وجه المؤمن فتبيضه ويعرف بعد ذلك الإيمان والكفر من أثرها، وقرأ جمهور القراء «إن الناس» بكسر «إن» وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «أن» بفتح الألف، وفي قراءة عبد الله «تكلمهم بأن» وهذا تصديق للفتح، وعلى هذه القراءة يكون قوله أَنَّ النَّاسَ إلى آخر القراءة من تمام كلام الدابة، وروي ذلك عن ابن عباس ويحتمل أن يكون ذلك من كلام الله . قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٣ الى ٨٧] وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) المعنى واذكر يوم، وهذا تذكير بيوم القيامة ونَحْشُرُ نجمع، ومِنْ كُلِّ أُمَّةٍ يريد من كل قرن من الناس متقدم، لأن كل عصر لم يخل من كفرة بالله من لدن تفرق بني آدم، و «الفوج» الجماعة الكثيرة من الناس والمعنى ممن حاله أنه مكذب بآياتنا، ويُوزَعُونَ معناه يكفون في السوق أي يحبس أولهم على آخرهم، قال قتادة وغيره: ومنه وازع الجيش، وفيه يقول عبد الشارق بن عبد العزى: [الوافر] فجاؤوا عارضا بردا وجئنا ... كمثل السيل نركب وازعينا ثم أخبر تعالى عن توقيفه الكفرة يوم القيامة وسؤالهم على جهة التوبيخ أَكَذَّبْتُمْ الآية، ثم قال أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على معنى استيفاء الحجج، أي إن كان لكم عمل أو حجة فهاتوها، وقرأ أبو حيوة «أما ذا كنتم تعملون» بتخفيف الميم، ثم أخبر عن وقوع القول عليهم أي نفوذ العذاب وحتم القضاء وأنهم لا يَنْطِقُونَ بحجة لأنها ليست لهم وهذا في موطن من مواطن القيامة وفي فريق من الناس لأن القرآن يقتضي أنهم يتكلمون بحجج في غير هذا الموطن.

стр. 1941

ثم ذكر تعالى الآية في اللَّيْلَ وكونه وقت سكون واتداع لجميع الحيوان والمهم من ذلك بنو آدم، وكون النَّهارَ مُبْصِراً أي ذا إبصار، وهذا كما تقول ليل قائم ونهار صائم، ومعنى ذلك يقام فيه ويصام، فكذلك هذا، معناه يبصر فيه فهو لذلك ذو إبصار، ثم تجوز بأن قيل مُبْصِراً فهو على النسب كعيشة راضية، و «الآيات» في ذلك هي للمؤمنين والكافرين، هي آية لجميعهم في نفسها، لكن من حيث الانتفاع بها والنظر النافع إنما هو للمؤمنين فلذلك خصوا بالذكر، ثم ذكر تعالى يوم يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وهو القرن في قول جمهور الأمة، وهو مقتضى الأحاديث، وقال مجاهد: هو كهيئة البوق، وقالت فرقة: «الصور» جمع صورة كتمرة وتمر وجمرة وجمر والأول أشهر، وفي الأحاديث المتداولة أن إسرافيل ﵇ هو صاحب «الصور» وأنه قد جثا على ركبته الواحدة وأقام الأخرى وأمال خده والتقم القرن ينتظر متى يؤذن له في النفخ، وهذه النفخة المذكورة في هذه الآية هي نفخة الفزع، وروى أبو هريرة أن الملك له في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع وهو فزع حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخة القيام من القبور، وقالت فرقة إنما هي نفختان كأنهم جعلوا الفزع والصعق في نفخة واحدة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٨] وقالوا: أخرى لا يقال إلا في الثانية. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أصح، وأُخْرى [الزمر: ٦٨] يقال في الثالثة ومنه قول ربيعة بن مكدم: [الكامل] «ولقد شفعتهما بآخر ثالث» ومنه قوله تعالى: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: ٢٠] . وأما قول الشاعر: [مجزوء الكامل] جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه فيحتمل أن يريد به ثانيا وثالثا فلا حجة فيه، وقال تعالى: فَفَزِعَ وهو أمر لم يقع بعد إشعارا بصحة وقوعه وهذا معنى وضع الماضي موضع المستقبل، وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ استثناء فيمن قضى الله تعالى من ملائكته وأنبيائه وشهداء عبيده أن لا ينالهم فزع النفخ في الصور، قال أبو هريرة: هي في الشهداء، وذكر الرماني أنه قول النبي ﷺ ، وقال مقاتل: هي في جبريل ﵇ وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وإذا كان الفزع الأكبر لا ينالهم فهم حريون أن لا ينالهم هذا. قال القاضي أبو محمد: على أن هذا في وقت ترقب وذلك في وقت أمن إذ هو إطباق جهنم على أهلها، وقرأ جمهور القراء «وكل آتوه» على وزن فاعلوه، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم «أتوه» على صيغة الفعل الماضي وهي قراءة ابن مسعود وأهل الكوفة، وقرأ قتادة «أتاه» على الإفراد اتباعا للفظ «كل» وإلى هذه القراءة أشار الزجاج ولم يذكرها، و «الداخر» المتذلل الخاضع، قال ابن زيد وابن عباس: «الداخر» الصاغر، وقرأ الحسن «دخرين» بغير ألف، وتظاهرت الروايات بأن الاستثناء في هذه الآية إنما أريد به الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهم أهل للفزع لأنهم بشر لكن فضلوا بالأمن في ذلك اليوم.

стр. 1942

قوله : [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٨ الى ٩٣] وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣) هذا وصف حال الأشياء يوم القيامة عقب النفخ في الصور، و «الرؤية» هي بالعين وهذه الحال «للجبال» هي في أول الأمر تسير وتموج وأمر الله تعالى ينسفها ويفتها خلال ذلك فتصير كالعهن، ثم تصير في آخر الأمر هباء منبثا، و «الجمود» ، التضام والتلزز في الجوهر، قال ابن عباس جامِدَةً قائمة، ونظيره قول الشاعر [النابغة] : [الطويل] بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج وصُنْعَ اللَّهِ مصدر معرف والعامل فيه فعل مضمر من لفظه، وقيل هو نصب على الإغراء بمعنى انظروا صنع الله، و «الإتقان» الإحسان في المعمولات وأن تكون حسانا وثيقة القوة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «يفعلون» بالياء وقرأ الباقون «تفعلون» بالتاء على الخطاب، و «الحسنة» الإيمان، وقال ابن عباس والنخعي وقتادة: هي لا إله إلا الله، وروي عن علي بن الحسين أنه قال: كنت في بعض خلواتي فرفعت صوتي ب «لا إله إلا الله» فسمعت قائلا يقول إنها الكلمة التي قال الله فيها مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وقوله خَيْرٌ مِنْها يحتمل أن يكون للتفضيل، ويكون في قوله مِنْها حذف مضاف تقديره خير من قدرها واستحقاقها، بمعنى أن الله تعالى تفضل عليه فوق ما تستحق حسنته، قال ابن زيد: يعطى بالواحدة عشرا والداعية إلى هذا التقدير أن الحسنة لا يتصور بينها وبين الثواب تفضيل، ويحتمل أن يكون خبر ليس للتفضيل بل اسم للثواب والنعمة، ويكون قوله تعالى: مِنْها لابتداء الغاية، أي هذا الخير الذي يكون له هو من حسنته وبسببها، وهذا قول الحسن وابن جريج، وقال عكرمة: ليس شيء خيرا من لا إله إلا الله، وإنما له الخير منها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «من فزع» بالإضافة، ثم اختلفوا في فتح الميم وكسرها من يَوْمَئِذٍ فقرأ أكثرهم بفتح الميم على بناء الظرف لما أضيف إلى غير متمكن، وقرأ إسماعيل بن جعفر عن نافع بكسر الميم على إعمال الإضافة، وذلك أن الظروف إذا أضيفت إلى غير متمكن جاز بناؤها وإعمال الإضافة فيها. ومن ذلك قول الشاعر [النابغة الذبياني] : [الطويل] على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألمّا أصح والشيب وازع

стр. 1943

فإنه يروى «على حين» بفتح النون و «على حين» بكسرها، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «من فزع» بالتنوين وترك الإضافة ولا يجوز مع هذه القراءة إلا فتح الميم من «يومئذ» ، و «السيئة» التي هي في هذه الآية هي الكفر والمعاصي فيمن ختم الله تعالى عليه من أهل المشيئة بدخول النار، و «كبت» معناه جعلت تلي النار، وجاء هذا كبا من حيث خلقتها في الدنيا تعطي ارتفاعها، وإذا كبت الوجوه فسائر البدن أدخل في النار إذ الوجه موضع الشرف والحواس، وقوله هَلْ تُجْزَوْنَ بمعنى يقال لهم ذلك وهذا على جهة التوبيخ، وقوله إِنَّما أُمِرْتُ بمعنى قل يا محمد لقومك إِنَّما أُمِرْتُ، والْبَلْدَةِ المشار إليها مكة، وقرأ جمهور الناس «الذي حرمها» ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود «التي حرمها» ، وأضاف في هذه الآية التحريم إلى الله تعالى من حيث ذلك بقضائه وسابق علمه وأضافه النبي ﷺ إلى إبراهيم في قوله «إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة» ، من حيث كان ظهور ذلك بدعائه ورغبته وتبليغه لأمته فليس بين الآية والحديث تعارض، وفي قوله حَرَّمَها تعديد نعمته على قريش في رفع الله تعالى عن بلدهم الغارات والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب، وقوله وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ معناه بالملك والعبودية، وقرأ جمهور الناس «أن أتلو» عطفا على قوله أَنْ أَكُونَ وقرأ ابن مسعود «وأن اتل القرآن» بمعنى وقيل لي اتل القرآن و «اتل» معناه تابع بقراءتك بين آياته واسرده وتلاوة القرآن سبب الاهتداء إلى خير كثير، وقوله فَمَنِ اهْتَدى معناه من تكسب الهدى والإيمان ونظر نظرا ينجيه ف لِنَفْسِهِ سعيه. قال القاضي أبو محمد: فنسبة الهدى والضلال إلى البشر في هذه الآية إنما هي بالتكسب والحرص والحال التي يقع عليها الثواب والعقاب والكل أيضا من الله تعالى بالاختراع، وقوله سَيُرِيكُمْ آياتِهِ توعد بعذاب الدنيا كبدر، والفتح، ونحوه وبعذاب الآخرة، وقرأ جمهور القراء «عما يعملون» ، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم عما «تعملون» بالتاء من فوق على مخاطبتهم.

стр. 1944

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة القصص هذه السورة مكية. إلا قوله : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [القصص: ٨٥] ، نزلت هذه بالجحفة في وقت هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة، قاله ابن سلام وغيره، وقال مقاتل: فيها من المدني الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ [القصص: ٥٢] إلى قوله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: ٥٥] . قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور بما أغنى عن الإعادة، فمن قال إن هذه الحروف من أسماء الله تعالى قال إن الطاء من الطول الذي لله تعالى والسين من السلام والميم من المنعم أو الرحيم ونحو هذا، وقوله تعالى: تِلْكَ يتقدر موضعها بحسب كل قول من الأقوال في الحروف، فمن جعل طسم مثالا لحروف المعجم جاءت الإشارة ب تِلْكَ إلى حروف المعجم، ومن قطعها قال تِلْكَ في موضع هذه، وساغ هذا من حيث لم تكن حاضرة عتيدة بل هي أقوال ينقضي بعضها شيئا فشيئا فسائغ أن يقال في الإشارة إليها تِلْكَ. قال القاضي أبو محمد: والأصل أن تِلْكَ إشارة إلى ما غاب و «هذه» إشارة إلى ما حضر، وقد تتداخل متى كان في الغيبة حصول وثقة به تقوم مقام الحضور- ومتى كان في الحضور بعد ما يقوم مقام الغيبة فمن ذلك قوله تعالى وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [طه: ١٧] لما كان موسى لا يرى ربه تعالى، فهو وعصاه في منزل غيب، فساغ ذلك، ومن النقيض قول المؤلف لكتاب ونحوه هذا كتاب وما جرى هذا المجرى فتتبعه فهو كثير فيشبه في آياتنا هذه أن تكون تِلْكَ بمنزلة هذه آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، ويشبه أن تكون متمكنة من حيث الآيات كلها وقت هذه المخاطبة لم تكن عتيدة، ونَتْلُوا معناه نقص ونتابع القصص، وخص تعالى بقوله لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ من حيث هم المنتفعون بذلك دون غيرهم فخصوا تشريفا، وعَلا فِي الْأَرْضِ من علو الطغيان والتغلب، وقوله فِي الْأَرْضِ يريد في أرض مصر وموضع ملكه،

стр. 1945

ومتى جاءت الْأَرْضِ هكذا عامة فإنما يراد بها الأرض التي تشبه قصة القول المسوق لأن الأشياء التي تعم الأرض كلها قليلة والأكثر ما ذكرناه، و «الشيع» الفرق، وكان هذا الفعل من فرعون بأن جعل القبط ملوكا مستخدمين، وجعل بني إسرائيل عبيدا مستخدمين، وهم كانوا الطائفة المستضعفة، ويُذَبِّحُ مضعف للمبالغة والعبارة عن تكرار الفعل، وقال قتادة كان هذا الفعل من فرعون بأنه قال له كهنته وعلماؤه إن غلاما لبني إسرائيل يفسد ملكك، وقال السدي: رأى في ذلك رؤيا- فأخذ بني إسرائيل يذبح الأطفال سنين فرأى أنه يقطع نسلهم، فعاد يذبح عاما ويستحيي عاما، فولد هارون في عام الاستحياء وولد موسى في عام الذبح، وقرأ جمهور القراء «يذبح» بضم الياء وكسر الباء على التكثير، وقرأ أبو حيوة، وابن محيصن بفتح الياء وسكون الذال، قال وهب بن منبه: بلغني أن فرعون ذبح في هذه المحاولة سبعين ألفا من الأطفال، وقال النقاش: جميع ما قتل ستة عشر طفلا. قال الفقيه الإمام القاضي: طمع بجهله أن يرد القدر وأين هذا المنزع من قول النبي ﵇ «فلن تقدر عليه» يعني ابن صياد، وباقي الآية بين. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥ الى ٧] وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) المعنى يستضعف فرعون ونحن نريد أن ننعم ونعظم المنة على أولئك المستضعفين، و «الأئمة» ولاة الأمور قاله قتادة وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ يريد أرض مصر والشام، وقرأ الأعمش «ولنمكن» بلام، وقرأ الجمهور «ونري فرعون» بضم النون وكسر الراء وفتح الياء ونصب فرعون، وقرأ حمزة والكسائي «ويرى» بالياء وفتح الراء وسكون الياء على الفعل الماضي وإسناد الفعل إلى فِرْعَوْنَ ومن بعده والمعنى ويقع فرعون وقومه وجنوده فيما خافوه وحذروه من جهة بني إسرائيل وظهورهم، وَهامانَ هو وزير فرعون وأكبر رجاله، فذكر لمحله من الكفر ولنباهته في قومه فله في هذا الموضع صغار ولعنة لا شرف، وهذا «الوحي» إِلى أُمِّ مُوسى قالت فرقة: كان قولا في منامها، وقال قتادة: كان إلهاما، وقالت فرقة: كان بملك تمثل لها وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما إرسال الملك لها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص في الحديث المشهور وغير ذلك مما روي من تكليم الملائكة للناس من غير نبوة، وجملة أمر أم موسى أنها علمت أن الذي وقع في نفسها هو من عند الله ووعد منه، يقتضي ذلك قوله تعالى بعد: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [القصص: ١٣] وهذا معنى قوله لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: ١٠] أي بالوعد، وقال السدي وغيره: أمرت أن ترضعه عقب الولادة وتصنع به ما في الآية. لأن

стр. 1946

الخوف كان عقب كل ولادة، وقال ابن جريج: أمرت برضاعه أربعة أشهر في بستان فإذا خافت أن يصيح لأن لبنها لا يكفيه، صنعت به هذا. قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر إلا أن الآخر يعضده أمران: أحدهما قوله فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ و «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان، والآخر أنه لم يقبل المراضع والطفل إثر ولادته لا يعقل ذلك، اللهم إلا أن يكون هذا منه بأن الله تعالى حرمها عليه وجعله يأباها بخلاف سائر الأطفال، وقرأ عمرو بن عبد الواحد «أن أرضعيه» بكسر النون وذلك على حذف الهمزة عبطا لا تخفيفا، والتخفيف القياسي فتح النون قاله ابن جني، ونسب المهدوي هذه القراءة إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ والْيَمِّ جمهور الماء ومعظمه، والمراد نيل مصر، وروي في قصص هذه الآية أن أم موسى واسمها يوحانه أخذته ولفته في ثيابه وجعلت له تابوتا صغيرا وسدته عليه بقفل وعلقت مفتاحه عليه وأسلمته ثقة بالله وانتظارا لوعده فلما غاب عنها عاودها بثها وأسفت عليه وأقنطها الشيطان فاهتمت به وكادت تفتضح وجعلت الأخت تقصه أي تطلب أثره. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨ الى ١١] فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) «الالتقاط» اللقاء على غير قصد وروية، ومنه قول الشاعر [نقادة الأسدي] : [الرجز] ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا إلا الحمام القمر والغطاطا ... فهن يلغطن به إلغاطا ومنه اللغطة وآلُ فِرْعَوْنَ أهله وجملته، وروي أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في اليم فأمرت بسوقه وفتحته فرأت فيه صبيا صغيرا فرحمته وأحبته، وقال السدي: إن جواريها كان لهن في القصر على النيل فرضة يدخل الماء فيها إلى القصر حتى ينلنه في المرافق والمنافع فبينا هنّ يغسلن في تلك الفرضة إذ جاء التابوت فحملنه إلى مولاتهن، وقال ابن إسحاق: رآه فرعون يعوم فأمر بسوقه وآسية جالسة معه فكان ما تقدم، وقوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً هي لام العاقبة لا أن المقصد بالالتقاط كان لأن يكون عدوا، وقرأ الجمهور «وحزنا» بفتح الحاء والزاي. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وطلحة والأعمش «وحزنا» بضم الحاء وسكون الزاي، و «الخاطئ» متعمد الخطأ، والمخطئ الذي لا يتعمده، واختلف المتأولون في الوقت الذي قالت فيه امرأة فرعون قُرَّتُ

стр. 1947

عَيْنٍ لِي وَلَكَ، فقالت فرقة: كان ذلك عند التقاط التابوت لما أشعرت فرعون به سبق إلى وهمه أنه من بني إسرائيل وأن ذلك قصد به ليخلص من الذبح فقال عليّ بالذباحين فقالت امرأته ما ذكر فقال فرعون: أما لي فلا، قال النبي ﷺ «لو قال فرعون نعم لآمن بموسى ولكان قرة عين له» ، وقال السدي: بل ربته حتى درج فرأى فرعون فيه شهامة وظنه من بني إسرائيل وأخذه في يده فمد موسى يده ونتف لحية فرعون فهم حينئذ بذبحه وحينئذ خاطبته بهذا وجربته له في الجمرة والياقوتة فاحترق لسانه وعلق العقدة، وقوله لا يَشْعُرُونَ أي بأنه الذي يفسد الملك على يديه قال قتادة وغيره، وقرأ ابن مسعود «لا تقتلوه قرة عين لي ولك» قدم وأخر، وقوله وَأَصْبَحَ عبارة عن دوام الحال واستقرارها وهي كظل، ومنه قول أبي سفيان للعباس يوم الفتح: لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما يريد استقرت حاله عظيما. وقرأ جمهور الناس «فارغا» من الفراغ واختلف في معنى ذلك فقال ابن عباس: «فارغا» من كل شيء إلا من ذكر موسى، وقال مالك: هو ذهاب العقل. قال الفقيه الإمام القاضي: نحو قوله وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [إبراهيم: ٤٣] وقالت فرقة «فارغا» من الصبر، وقال ابن زيد «فارغا» من وعد الله تعالى ووحيه إليها أي تناسته بالهم وفتر أثره في نفسها وقال لها إبليس فررت به من قتل لك فيه أجر وقتلته بيدك، وقال أبو عبيدة «فارغا» من الحزن إذ لم يغرق، وقرأ فضالة بن عبد الله ويقال ابن عبيد والحسن «فزعا» من الفزع بالفاء والزاي، وقرأ ابن عباس «قرعا» بالقاف والراء من القارعة وهي الهم العظيم، وقرأ بعض الصحابة ﵃ «فرغا» بالفاء المكسورة والراء الساكنة والغين المنقوطة ومعناها ذاهبا هدرا تالفا من الهم والحزن، ومنه قول طليحة الأسدي في حبال أخيه: [الطويل] فإن تك قتلى قد أصيبت نفوسهم ... فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال أي هدرا تالفا لا يتبع، وقرأ الخليل بن أحمد «فرغا» بضم الفاء والراء. وقوله تعالى: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي أمر ابنها، وروي أن رسول الله ﷺ قال: «كادت أم موسى أن تقول وا ابناه وتخرج صائحة على وجهها» و «الربط على القلب» تأنيسه وتقويته، ومنه قولهم للشجاع والصابر في المضايق: رابط الجأش، قال قتادة: وربط على قلبها بالإيمان، وقوله لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي من المصدقين بوعد الله وما أوحى إليها به، ثم قالت لأخت موسى طمعا منها وطلبا، قُصِّيهِ، والقص طلب الأثر، فيروى أن أخته خرجت في سكك المدينة تبحث مختفية بذلك فرأته عند قوم من حاشية امرأة فرعون يطلبون به امرأة ترضعه حين لم يقبل المراضع، وعَنْ جُنُبٍ أي عن ناحية من غير قصد ولا قرب يشعر لها به، يقال فيه جنب وجناب وجنابة ومن جناب قول الشاعر: [الطويل] لقد ذكرتني عن جناب حمامة ... بعسفان أهلي فالفؤاد حزين ومن جنابة قول الأعشى: [الطويل] أتيت حريثا زائرا عن جنابة ... فكان حريث عن عطائي جامدا قال الفقيه الإمام القاضي: وكأن معنى هذه الألفاظ عن مكان جنب أي عن بعد ومعنى الآية عن بعد لم تدن منه فيشعر لها، وأنشد أبو عبيدة لعلقمة بن عبدة: [الطويل]

стр. 1948

فلا تحرمنّي نائلا عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب وقرأ قتادة «عن جنب» بفتح الجيم وسكون النون وهي قراءة الحسن والأعرج، وقرأ «عن جانب» النعمان بن سالم، وقرأ الجمهور «عن جنب» بضم الجيم والنون، وقوله وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، معناه أنها أخته وأنها من جملة لطائف الله تعالى له ولأمه حسب الوعد الذي أوحي إليها، ويقال: بصرت الشيء وأبصرته بمعنى واحد متقارب، قال المهدوي: وقيل عَنْ جُنُبٍ معناه عن شوق وهي لغة لجذام يقولون جنبت إلى لقائك أي اشتقت إليه، وقال قتادة: معنى عَنْ جُنُبٍ أنها تنظر إليه كأنها لا تريده. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٢ الى ١٥] وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قوله تعالى: وَحَرَّمْنا يقتضي أن الله تعالى خصه من الامتناع من ثدي النساء بما يشد به عن عرف الأطفال وهو تحريم تنقيص، والْمَراضِعَ جمع مرضع واستعمل دون هاء التأنيث لأنه لا يلتبس بالرجال. وقوله تعالى: مِنْ قَبْلُ معناه من أول أمره، وقَبْلُ مبني، والضمير في «قالت» لأخت موسى قال النقاش اسمها مريم، ويَكْفُلُونَهُ، معناه يحسنون تربيته وإرضاعه، وعلم القوم أن مكلمتهم من بني إسرائيل وكان ذلك عرف بني إسرائيل أن يكونوا مراضع وخدمة، وقوله وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ يحتمل أن الضمير يعود على الطفل ويحتمل أن يعود على الملك الذي كان الطفل في ظاهر أمره من جملته، وقال ابن جريج: إن القوم تأولوا أنها أعادت الضمير على الطفل فقالوا لها إنك قد عرفته فأخبرينا من هو فقالت: ما أردت إلا أنهم ناصحون للملك، فتخلصت منهم بهذا التأويل. قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يعود الضمير على الطفل ولكن يكون النصح له بسبب الملك وحرصا على التزلف إليه والتقرب منه، وفي الكلام هنا حذف يقتضيه الظاهر وهو أنها حملتهم إلى أم موسى وكلموها في ذلك فدرت عليه وقبلها وحظيت بذلك وأحسن إليها وإلى أهل بيتها، و «قرت عينها» أي سرت بذلك، وروي أن فرعون قال لها: ما سبب قبول هذا الطفل؟ فقالت إني طيبة الرائحة طيبة اللبن ودمع الفرح بارد ودموع الهم حرّى سخنة فمن هذا المعنى قيل قرت العين وسخنت، وقرأ يعقوب «نقر» بنون مضمومة وكسر القاف، ووَعْدَ اللَّهِ المشار إليه وهو الذي أوحاه إليها أولا إما بملك وإما بمنامة وإما بإلهام حسب اختلاف المفسرين في ذلك، والقول بالإلهام يضعف أن يقال فيه وَعْدَ، وقوله تعالى: أَكْثَرَهُمْ

стр. 1949

يريد القبط، و «الأشد» ، جمع شدة كنعمة وأنعم، هذا قول سيبويه وقال غيره: «الأشد» جمع شد وقالت فرقة «الأشد» اسم مفرد وليس بجمع، واختلف في قدر الأشد من السنين، فقالت فرقة: بلوغ الحلم وهي نحو خمسة عشر عاما، وقالت فرقة: ثمانية عشر عاما، وقال السدي: عشرون، وقالت فرقة: خمسة وعشرون، وقالت فرقة: ثلاثون، وقال مجاهد وابن عباس: ثلاثة وثلاثون، وقالت فرقة عظيمة: ستة وثلاثون، وقال مجاهد وقتادة «الاستواء» أربعون سنة، وقال مكي وقيل هو ستون سنة وهذا ضعيف، و «الأشد» شدة البدن واستحكام أسره وقوته، واسْتَوى معناه تكامل عقله وحزمه، وذلك عند الجمهور مع الأربعين، و «الحكم» الحكمة، و «العلم» ، والمعرفة بشرع إبراهيم ﵇ وهي مقدمة نبوته ﵇، واختلف المتألون في قوله تعالى وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فقال السدي: كان موسى في وقت هذه القصة على رسم التعلق بفرعون وكان يركب مراكبه حتى أنه كان يدعى موسى بن فرعون، فقالوا فركب فرعون يوما وسار إلى مدينة من مدائن مصر يقال لها منف ثم علم موسى بركوب فرعون فركب بعده ولحق بتلك المدينة في وقت القائلة وهو حين الغفلة، قاله ابن عباس وقال أيضا هو ما بين العشاء والعتمة، وقال ابن إسحاق بل الْمَدِينَةَ مصر نفسها، وكان موسى في هذا الوقت قد بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما يكرهون فكان مختفيا بنفسه متخوفا منهم فدخل متنكرا حذرا مغتفلا للناس، وقال ابن زيد: بل كان فرعون قد نابذه وأخرجه من المدينة وغاب عنها سنين فنسي أمره وجاء هو والناس على غفلة بنسيانهم لأمره وبعد عهدهم به، وقيل كان يوم عيد، وقوله تعالى: يَقْتَتِلانِ في موضع الحال أي مقتتلين، وشِيعَتِهِ بنو إسرائيل، وعَدُوِّهِ القبط، وذكر الأخفش سعيد «استعانه» بالعين غير معجمة وبالنون وهي تصحيف لا قراءة، وذكر الثعلبي أن الذي مِنْ شِيعَتِهِ هو السامري وأن الآخر طباخ فرعون، وقوله هذا وَهذا حكاية حال قد كانت حاضرة ولذلك عبر ب هذا عن غائب ماض، «والوكز» الضرب باليد مجموعا كعقد ثلاثة وسبعين، وقرأ ابن مسعود «فلكزه» والمعنى واحد، إلا أن اللكز في اللحا، والوكز على القلب، وحكى الثعلبي أن في مصحف ابن مسعود «فنكزه» بالنون والمعنى واحد، «وقضى عليه» ، معناه قتله مجهزا، وكان موسى ﵇ لم يرد قتل القبطي لكن وافقت وكزته الأجل وكان عنها موته فندم ورأى أن ذلك من نزغ الشيطان في يده، وأن الغضب الذي اقترنت به تلك الوكزة كان من الشيطان ومن همزه، ونص هو ﵇ على ذلك وبهذا الوجه جعله من عمله وكان فضل قوة موسى ربما أفرط في وقت غضبه بأكثر مما يقصد. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٦ الى ١٨] قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) ثم إن ندم موسى حمله على الخضوع لربه والاستغفار عن ذنب باء به عنده تعالى فغفر الله خطأه ذلك. قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر.

стр. 1950

قال القاضي أبو محمد: ولم يزل ﵇ يعتمد ذلك على نفسه مع علمه بأنه قد غفر حتى أنه في القيامة يقول «وقتلت نفسا لم أؤمر بقتلها» حسبما صح في حديث الشفاعة، ثم قال ﵇ لربه معاهدا رَبِّ بنعمتك علي وبسبب إحسانك وغفرانك فأنا ملتزم ألا أكون معينا لِلْمُجْرِمِينَ هذا أحسن ما تؤول. وقال الطبري إنه قسم أقسم بنعمة الله تعالى عنده ويضعفه صورة جواب القسم فإنه غير متمكن في قوله فَلَنْ أَكُونَ، والقسم لا يتلقى ب «لن» ، والفاء تمنع أن تنزل «لن» منزلة «لا» أو «ما» فتأمله، واحتج الطبري بأن في قراءة عبد الله «فلا تجعلني ظهيرا» . قال الفقيه الإمام القاضي: واحتج أهل العلم والفضل بهذه الآية في خدمة أهل الجور ومعونتهم في شيء من أمرهم ورأوا أنها تتناول ذلك، نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره، وقوله تعالى فَأَصْبَحَ عبارة عن كونه دائم الخوف في كل أوقاته كما تقول: أصبح زيد عالما، ويَتَرَقَّبُ معناه عليه رقبة من فعله في القتل فهو متحسس، قال ابن عباس: فمر وهو بحالة الترقب وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قاتل القبطي بالأمس يقاتل آخر من القبط، وكان قتل القبطي قد خفي عن الناس واكتتم فلما رأى الإسرائيلي موسى استصرخه بمعنى صاح به مستغيثا ومنه قول الشاعر [سلامة بن جندل] : [البسيط] كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له فرع الظنابيب فلما رأى موسى قتاله لآخر أعظم ذلك وقال له معاتبا ومؤنبا إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ وكانت إرادة موسى مع ذلك أن ينصر الإسرائيلي فلما دنا منهما خشي الإسرائيلي وفزع منه وظن أنه ربما ضربه وفزع من قوته التي رأى بالأمس فناداه بالفضيحة وشهر أمر المقتول. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٩ الى ٢١] فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) قرأ جمهور القراء «يبطش» ، وقرأ الحسن وأبو جعفر بضم الطاء وهما لغتان، فقال الإسرائيلي لموسى معنى الآية بلسانه وفر منه فشهر أمر القتيل، والجبابرة شأنهم قتل الناس بغير حق فلذلك جعله الإسرائيلي كذلك ونفى عنه الإصلاح، قال الشعبي: من قتل رجلين فهو جبار، ولما اشتهر أن موسى قتل القتيل وكان قول الإسرائيلي يغلب على النفوس تصديقه على موسى مع ما كان لموسى من المقدمات أتى رأي فرعون وملئه على قتل موسى وذبحه، وغلب على نفس فرعون أنه المشار إليه بفساد المملكة فأنفذ فيه من يطلبه من جنده ويأتي به للقتل فخرج على الطريق الأعظم، وأخذ رجل يقال إنه مؤمن آل فرعون ويقال إنه غيره

стр. 1951

في بنيات الطريق قصد إلى موضع موسى فبلغه قولهم له إِنَّ الْمَلَأَ الآية، ويَسْعى معناه يسرع في مشيه قاله الزجاج وغيره وهو دون الجري، وقال ابن جريج: معناه يعمل وليس بالشد. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذه نزعة مالك ﵀ في سعي الجمعة والأول عندي أظهر في هذه الآية: ويَأْتَمِرُونَ وزنه يفتعلون ويفتعلون يأتي كثيرا بمعنى يتفاعلون، ومنه ازدوج بمعنى تزاوج، وذهل ابن قتيبة إلى أنه بمعنى يأمر بعضهم بعضا وقال: لو كان ذلك لكان يتأمرون. قال الفقيه الإمام القاضي: وذهب عنه أن يفتعل بمعنى يتفاعل وفي القرآن وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق: ٦] ، وقد قال النمر بن تولب: [المتقارب] أرى الناس قد أحدثوا شيمة ... وفي كل حادثة يؤتمر وأنشد الطبري: [الكامل] ما تأتمر فينا فأمرك في ... يمينك أو شمالك ومنه قول ربيعة بن جشم: [المقارب] أجار بن كعب كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر فخرج موسى ﵇ وأفلت القوم فلم يجده أحد منهم وخرج بحكم فزعه ومبادرته إلى الطريق المؤدية إلى مدين وهي مدينة قوم شعيب ﵇، وكان موسى لا يعرف تلك الطريق، ولم يصحب أحدا، فركب مجهلتها واثقا بالله تعالى ومتوكلا عليه، قال السدي ومقاتل: فروي أن الله تعالى بعث إليه جبريل، وقيل ملكا غيره، فسدده إلى طريق مدين وأعطاه عصا يقال هي كانت عصاه، وروي أن عصاه إنما أخذها لرعي الغنم في مدين وهو أصح وأكثر، وبين مدين ومصر مسيرة ثمانية أيام قاله ابن جبير والناس، وكان ملك مدين لغير فرعون، وحكى الطبري عن ابن جريج أو ابن أبي نجيح، شك الطبري أنه قال: إن الذي أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ هو الإسرائيلي فنهاه موسى عن ذلك بعد أن قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص: ١٨] ففزع الإسرائيلي عند ذلك من موسى وخاطبه بالفضح وكان موسى من الندامة والتوبة في حد لا يتصور معه أن يريد البطش بهذا الفرعوني الآخر، وروى ابن جريج أن اسم الرجل الساعي مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ شمعون، وقال ابن إسحاق: شمعان. قال الفقيه القاضي أبو محمد: والثبت في هذا ونحوه بعيد. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٢ الى ٢٤] وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)

стр. 1952

ولما خرج موسى ﵇ فارا بنفسه منفردا حافيا لا شيء معه، رأى حاله وعدم معرفته بالطريق وخلوه من الزاد وغيره فأسند أمره إلى الله تعالى وقالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ، وهذه الأقوال منه تقتضي أنه كان عارفا بالله تعالى عالما بالحكمة والعلم الذي آتاه الله تعالى، وتَوَجَّهَ، رد وجهه إليها، وتِلْقاءَ معناه ناحية، أي إلى الجهة التي يلقى فيها الشيء المذكور، وسَواءَ السَّبِيلِ معناه وسطه وقويمه، وفي هذا الوقت بعث الله تعالى الملك المسدد حسبما ذكرناه قبل وقال مجاهد: أراد ب سَواءَ السَّبِيلِ طريق مدين وقال الحسن: أراد سبيل الهدى. قال القاضي أبو محمد: وهذا أبدع ونظيره قول الصديق عن النبي ﷺ «هذا الذي يهديني السبيل» الحديث، فمشى ﵇ حتى ورد مَدْيَنَ أي بلغها، و «وروده الماء» معناه بلغه لا أنه دخل فيه، ولفظة «الورود» قد تكون بمعنى الدخول في المورود، وقد تكون بمعنى الإطلال عليه والبلوغ إليه وإن لم يدخل فيه فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه، وهذه الوجوه في اللفظة تتأول في قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] ، ومَدْيَنَ لا ينصرف إذ هي بلدة معروفة، و «الأمة» الجمع الكثير، ويَسْقُونَ معناه ماشيتهم، ومِنْ دُونِهِمُ، معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها فوصل إلى «المرأتين» قبل وصوله إلى الأمة وهكذا هما مِنْ دُونِهِمُ بالإضافة إليه، وتَذُودانِ معناه تمنعان وتحبسان، ومنه قوله ﵇ «فليذادن رجال عن حوضي» الحديث، وشاهد الشعر في ذلك كثير، وفي بعض المصاحف «امرأتين حابستين تذودان» ، واختلف في المذود، فقال عباس وغيره تَذُودانِ غنمهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء، وقال قتادة تَذُودانِ الناس عن غنمهما، فلما رأى موسى ﵇ انتزاح المرأتين قالَ ما خَطْبُكُما أي ما أمركما وشأنكما، وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب أو مضطهد أو من يشفق عليه أو يأتي بمنكر من الأمر فكأنه بالجملة في شر فأخبرتاه بخبرهما، وأن أباهما شَيْخٌ كَبِيرٌ فالمعنى أنه لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا يقدران على مزاحمة الأقوياء وأن عادتهما التأتي حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى، وحينئذ تردان، وقالت فرقة كانت الآبار مكشوفة وكان زحم الناس يمنعهما، فلما أراد موسى أن يسقي لهما زحم الناس وغلبهم على الماء حتى سقى، فعن هذا الغلب الذي كان منه، وصفته إحداهما بالقوة، وقالت فرقة: بل كانت آبارهم على أفواهها حجارة كبار وكان ورود المرأتين تتبع ما في صهاريج الشرب من الفضلات التي تبقى للسقاة وأن موسى ﵇ عمد إلى بئر كانت مغطاة والناس يسقون من غيرها وكان حجرها لا يرفعه إلا سبعة، قاله ابن زيد، وقال ابن جريج: عشرة، وقال ابن عباس: ثلاثون، وقال الزجاج: أربعون، فرفعه موسى وسقى للمرأتين، فعن رفع الصخرة وصفته بالقوة، وقيل إن بئرهم كانت واحدة وإنه رفع عنها الحجر بعد انفصال السقاة إذ كانت عادة المرأتين شرب الفضلات، وقرأ الجمهور «نسقي» بفتح النون، وقرأ طلحة «نسقي» بضمها، وقرأ أبو عمرو وابن عامر «حتى يصدر» بفتح الياء وضم الدال وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وقتادة، وقرأ الباقون «يصدر» بضم الياء وكسر الدال على حذف المفعول تقديره مواشيهم وحذف المفعول

стр. 1953

كثير في القرآن والكلام، وهي قراءة الأعرج وطلحة والأعمش وابن أبي إسحاق وعيسى، والرِّعاءُ جمع راع، وتَوَلَّى موسى ﵇ إلى ظل سمرة قاله ابن مسعود، وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، ولم يصرح بسؤال، هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله، قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع واخضر لونه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه بظهره، ورئيت خضرة البقل في بطنه وإنه لأكرم الخلق يومئذ على الله، وروي أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدمه، وفي هذا معتبر وحاكم بهوان الدنيا على الله تعالى. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٧] فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) في هذا الموضع اختصار يدل عليه الظاهر قدره ابن إسحاق فذهبتا إلى أبيهما سريعتين وكانت عادتهما الإبطاء في السقي فحدثتاه بما كان من أمر الرجل الذي سقى لهما فأمر الكبرى من بنتيه، وقيل الصغرى، أن تدعوه له فجاءت على ما في هذه الآية، وروي أن اسم إحداهما ليا والأخرى شرفا، وروي أن اسم زوجة موسى منهما صفورة، وقيل إن اسمها صوريا، وقال وهب: زوجه الكبرى، وروي عن النبي ﵇ أنه زوجه الصغرى، وذكره الثعلبي ومكي من طريق أبي ذر، وقال النقاش: ويقال كانتا توأمتين، وولدت الأولى قبل الأخرى بنصف نهار، وقوله تَمْشِي حال من إِحْداهُما، وقوله عَلَى اسْتِحْياءٍ أي خفرة قد سترت وجهها بكم درعها قاله عمر بن الخطاب ﵁، وقال عمرو بن ميمون: لم تكن سلفعا من النساء ولاجة خراجة، واختلف الناس في الرجل الداعي لموسى ﵇ من هو، فقال الجمهور هو شعيب ﵇ وهما ابنتاه، وقال الحسن: هو ابن أخي شعيب واسمه ثروان، وقال أبو عبيدة: يثرون، وقيل هو رجل صالح ليس من شعيب بنسب، وقيل إن المرأتين إنما كان مرسلهما عمهما وهو كان صاحب الغنم وهو المزوج ولكن عبر عن العم بالأب في جميع الأمر إذ هو بمثابته، وروي أن موسى ﵇ لما جاءته بالرسالة أجاب فقام يتبعها إلى أبيها فهبت ريح ضمت قميصها إلى بدنها فوصفت عجيزتها فتحرج موسى من النظر إليها فقال لها ارجعي خلفي وأرشديني الطريق ففهمت عنه فذلك سبب وصفها له بالأمانة قاله ابن عباس، فوصل موسى ﵇ إلى داعيه فقص عليه أمره من أوله إلى آخره فأنسه بقوله لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون. فلما فرغ كلامهما قالت الابنة التي ذهبت عنه يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ الآية، فلما وصفته بالقوة والأمانة

стр. 1954

قال لها أبوها ومن أين عرفت هذا منه؟ فقالت: أما قوته ففي رفع الصخرة وأما أمانته ففي تحرجه من النظر إليّ وقت هبوب الريح، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم، فقال له عند ذلك الأب إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ قال ابن عباس فزوجه التي دعته، و «تأجر» ، معناه تثيب وقال مكي في هذه الآية خصائص في النكاح منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول الأمر وجعل المهر إجارة ودخل ولم ينقد شيئا. قال القاضي أبو محمد: أما التعيين فيشبه أنه كان في أثناء حال المراوضة وإنما عرض الأمر مجملا وعين بعد ذلك، وأما ذكر أول المدة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه بل هو مسكوت عنه فإما رسماه، وإلا فهو من وقت العقد وأما النكاح بالإجارة فظاهر من الآية، وهذا أمر قد قرره شرعنا وجرى به في حديث الذي لم يكن عنده إلا شيء من القرآن، وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك خاص، وبعضهم إلى أنه منسوخ، ولم يجوز مالك ﵀ النكاح بالإجارة، وجوزها ابن حبيب وغيره إذا كانت الأجرة تصل إلى الزوجة قبل ومن لفظ شعيب ﵇ حسن في لفظ العقود في النكاح، أنكحه إياها أكثر من أنكحها إياه وهذا معترض، وجعل شعيب «الثمانية الأعوام» شرطا ووكل العامين إلى المروءة. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٨ الى ٣٢] قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨) فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) لما فرغ كلام شعيب قرره موسى ﵇ وكرر معناه على جهة التوثق في أن الشرط إنما وقع في ثمان حجج، وأَيَّمَا استفهام نصبه ب قَضَيْتُ وما صلة للتأكيد، وقرأ الحسن «أيما» بسكون الياء، وقرأ ابن مسعود «أي الأجلين ما قضيت» ، وقرأ الجمهور «فلا عدوان» بضم العين وقرأ أبو حيوة «فلا عدوان» بكسر العين، والمعنى لا تبعة علي من قول ولا فعل، و «الوكيل» الشاهد القائم بالأمر، قال ابن زيد: ولما كمل هذا النكاح بينهما أمر شعيب موسى أن يسير إلى بيت له فيه عصيّ وفيه هذه العصا، فروي أن العصا وثبت إلى موسى فأخذها وكانت عصا آدم وكانت من عير ورقة الريحان، فروي أن شعيبا أمره بردها ففعل وذهب يأخذ غيرها، فوثبت إليه، وفعل ذلك ثالثة، فلما رأى شعيب ذلك علم أنه يرشح للنبوءة فتركها له،

стр. 1955

وقيل إنما تركها له لأنه أمر موسى بتركها، فأبى موسى ذلك فقال له شعيب: نمد إليها جميعا فمن طاوعته فهي له، فمد إليها شعيب يده فثقلت، ومد إليها موسى فخفت ووثبت إليه، فعلما أن هذا من الترشيح، وقال عكرمة: إن عصا موسى إنما دفعها إليه جبريل ليلا عند توجهه إلى مدين، وقوله تعالى فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ، قال سعيد بن جبير سألني رجل من النصارى أي الأجلين قضى موسى، فقلت لا أدري حتى أقدم على حبر العرب أعني ابن عباس، فقدمت عليه فسألته، فقال قضى أكملهما وأوفاهما إن رسول الله ﷺ إذا قال وفى فعدت فأعلمت النصراني، فقال صدق هذا والله العالم، وروي عن ابن عباس أن النبي ﷺ سأل في ذلك جبريل فأخبره أنه قضى عشر سنين، وحكى الطبري عن مجاهد أنه قضى عشرا وعشرا بعدها. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وفي قصص هذه الآية أن موسى ﵇ لما قضى الأجل أراد أن يسير بأهله إلى مصر بلده وقومه وقد كان لا محالة أحس بالترشيح للنبوءة فسار وكان رجلا غيورا لا يصحب الرفاق، فلما جاء في بعض طريقه في ليلة مظلمة مردة حرة قال النقاش كانت ليلة جمعة فقدوا النار وأصلد الزند وضلوا الطريق واشتد عليهم الخصر، فبينا هو كذلك إذ رأى نارا وكان ذلك نورا من الله تعالى قد التبس بشجرة قال وهب كانت عليقا وقال قتادة عوسجا. وقيل زعرورا، وقيل سمرة، قاله ابن مسعود و «آنس» معناه أحس والإحساس هنا بالبصر ومن هذه اللفظة قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء: ٦] ومنها قول حسان: [المنسرح] انظر خليلي بباب جلق هل ت ... ونس دون البلقاء من أحد وكان هذا الأمر كله في جانِبِ الطُّورِ وهو جبل معروف بالشام، والطُّورِ كل جبل، وخصصه قوم بأنه الذي لا ينبت فلما رأى موسى النار سر فقال لأهله أقيموا فقد رأيت نارا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ عن الطريق أين هو أَوْ جَذْوَةٍ وهي القطعة من النار في قطعة عود كبيرة لا لهب لها إنما هي جمرة ومن ذلك قول الشاعر [ابن مقبل] : [البسيط] باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذا غير خوار ولا دعر قال القاضي أبو محمد: وأحسب أن أصل «الجذوة» أصول الشجر وأهل البوادي أبدا يوقدونها، فتلك هي الجذوة حقيقة، ومنه قول السلمي يصف الصلى: [الطويل] حمى حب هذا النار حب خليلتي ... وحب الغواني فهي دون الحبائب وبدلت بعد البان والمسك شقوة ... دخان الجذا في رأس أشحط شاحب وقرأ الجمهور «جذوة» بكسر الجيم، وقرأ حمزة والأعمش «جذوة» بضمها، وقرأ عاصم «جذوة» بفتحها، وهي لغات والصلى حر النار، وتَصْطَلُونَ تفتعلون منه أبدلت التاء طاء، فلما أتى موسى ﵇ ذلك الضوء الذي رآه وهو في تلك الليلة ابن أربعين سنة نبىء ﵇، فروي أنه كان يمشي إلى ذلك النور فكان يبعد منه تمشي به الشجرة وهي خضراء غضة حتى نُودِيَ، و «الشاطئ» والشط ضفة

стр. 1956

الوادي، وقوله الْأَيْمَنِ يحتمل أن يكون من اليمن صفة للوادي أو للشاطىء، ويحتمل أن يكون المعادل لليسار فذلك لا يوصف به الشاطئ إلا بالإضافة إلى موسى في استقباله مهبط الوادي أو يعكس ذلك وكل هذا قد قيل، و «بركة البقعة» هي ما خصت به من آيات الله تعالى وأنواره وتكليمه لموسى ﵇، والناس على ضم الباء من «بقعة» ، وقرأ بفتحها أبو الأشهب، قال أبو زيد: سمعت من العرب: هذه بقعة طيبة بفتح الباء، وقوله تعالى مِنَ الشَّجَرَةِ يقتضي أن موسى ﵇ سمع ما سمع من جهة الشجرة، وسمع وأدرك غير مكيف ولا محدد، وقوله تعالى أَنْ يا مُوسى يحتمل أن تكون أَنْ مفسرة ويحتمل أن تكون في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، وقرأت فرقة «أني أنا الله» بفتح «أني» ، ثم أمره الله تعالى بإلقاء العصا، فألقاها فانقلبت حية عظيمة ولها اضطراب «الجانّ» وهو صغير الحيات فجمعت هول الثعبان ونشاط الجانّ، هذا قول بعضهم، وقالت فرقة: بل «الجانّ» يعم الكبير والصغير وإنما شبه ب «الجان» جملة العصا لاضطرابها فقط، وولى موسى ﵇ فزعا منها، ووَ لَمْ يُعَقِّبْ، معناه لم يرجع على عقبه، من توليه فقال الله تعالى يا مُوسى أَقْبِلْ فأقبل وقد آمن بتأمين الله إياه، ثم أمره بأن يدخل يده في جيبه وهو فتح الجبة من حيث يخرج رأس الإنسان، وروي أن كم الجبة كان في غاية الضيق فلم يكن له جيب تدخل يده إلا في جيبه، و «سلك» معناه أدخل ومنه قول الشاعر: [البسيط] حتى سلكن الشوا منهن في مسك ... من نسل جوابة الآفاق مهداج وقوله تعالى: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي من غير برص ولا مثلة. وروي أن يده كانت تضيء كأنها قطعة شمس، وقوله تعالى: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ذهب مجاهد وابن زيد إلى أن ذلك حقيقة، أمره بضم عضده وذراعه وهو الجناح إلى جنبه ليخف بذلك فزعه، ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في أوقات فزعه أن يقوى قلبه، وذهبت فرقة إلى أن ذلك على المجاز والاستعارة وأنه أمره بالعزم على ما أمر به وأنه كما تقول العرب اشدد حيازيمك واربط جأشك، أي شمر في أمرك ودع الرهب، وذلك لما كثر تخوفه في غير ما موطن قاله أبو علي، وقوله تعالى فَذانِكَ بُرْهانانِ قال مجاهد والسدي: هي إشارة إلى العصا واليد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والناس «الرّهب» بفتح الراء والهاء، وقرأ عاصم وقتادة «الرهب» بسكون الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم أيضا «الرّهب» بضم الراء وسكون الهاء، وقرأ الجحدري «الرّهب» بضم الراء والهاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «فذانّك» بشد النون، وقرأ الباقون «فذانك» بتخفيف النون، وقرأ شبل عن ابن كثير «فذانيك» بياء بعد النون المخففة، أبدل إحدى النونين ياء كراهة التضعيف، وقرأ ابن مسعود «فذانيك» بالياء أيضا مع شد النون وهي لغة هذيل، وحكى المهدوي أن لغتهم تخفيف النون و «برهانان» ، حجتان ومعجزتان، وباقي الآية بين. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٣ الى ٣٩] قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩)

стр. 1957

كان موسى ﵇ قد امتحن بمخاوف فطلب شد العضد بأخيه هارُونُ لأنه كان فصيح اللسان سجيح الخلق، وقرأ الجمهور «ردءا» بالهمز، وقرأ نافع وحده «ردا» بتنوين الدال دون همز وهي قراءة أبي جعفر والمدنيين وذلك على التخفيف من ردء، والردء الوزر المعين والذي يسند إليه في الأمر، وذهبت فرقة إلى أنها من معنى الزيادة كما قال الشاعر [القرطبي] : [الطويل] وأسمر خطّي كأن كعوبه ... نوى القسب قد أردى ذراعا على العشر وهذا على ترك الهمز وأن يكون وزنه فعلا، وقرأ الجمهور «يصدقني» بالجزم وذلك على جواب فَأَرْسِلْهُ، وقرأ عاصم وحمزة «يصدقني» أي مصدقا فهو صفة للردء أو حال، و «شد العضد» استعارة في المعونة والإنهاض، وقرأ الحسن بضم العين من «عضد» ، وقرأ عيسى بن عمر بفتح العين والضاد، و «السلطان» ، الحجة، وقوله بِآياتِنا يحتمل أن تتعلق الباء بقوله وَنَجْعَلُ لَكُما أو ب يَصِلُونَ وتكون باء السبب، ويحتمل أن تتعلق بقوله الْغالِبُونَ أي تغلبون بآياتنا، والآيات هي معجزاته ﵇، ولما كذبوه ورموه بالسحر قارب موسى ﵇ في احتجاجه وراعه تكذيبهم فرد الأمر إلى الله وعول على ما سيظهره في شأنهم وتوعدهم بنقمة الله تعالى منهم، وقرأ ابن كثير «قال موسى» بغير واو، وقرأ غيره وجميع السبعة «وقال» بواو، وقرأ الجمهور «تكون» بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي «يكون» ، بالياء على التذكير إذ هي بمنزلة العاقب فهي كالصوت والصيحة والوعظ والموعظة، واستمر فرعون في طريق مخرقته على قومه وأمر هامانُ بأن يطبخ له الآجر وأن يبني له صَرْحاً أي سطحا في أعلى الهواء، وليس الصرح إلا ما له سطح، ويحتمل أن يكون الإيقاد على الطين كالبرامي، وترجى بذلك بزعمه أن يطلع في السماء، فروي عن السدي أنه بناه أعلى ما يمكن ثم صعد فيه ورمى بالنبل فردها الله تعالى إليه مخضوبة بالدم ليزيدهم عمى وفتنة، فقال فرعون حينئذ: إني قتلت إله موسى، ثم قال وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ يريد في أن موسى أرسله مرسل، فالظن على بابه وهو معنى إيجاب الكفر بمنزلة التصميم على التكذيب، وقرأ حمزة والكسائي ونافع «لا يرجعون» ، وقرأ الباقون والحسن وخالد «لا يرجعون» بضم الياء وفتح الجيم.

стр. 1958

قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٠ الى ٤٣] فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) «نبذناهم» معناه طرحناهم، ومنه نبذ النواة ومنه قول الشاعر: نظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلا من نعالك باليا وقوم فرعون وإن كانوا ساروا إلى البحر ودخلوه باختيارهم فإن ما ضمهم من القدر السابق السائق هو نبذ الله تعالى إياهم فيه، والْيَمِّ بحر القلزم في قول أكثر الناس، وقالت فرقة: كان غرقهم في نيل مصر والأول أشهر، وقوله تعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ عبارة عن حالهم وأفعالهم وخاتمتهم، أي هم بذلك كالداعين إلى النار وهم فيه أئمة من حيث اشتهروا وبقي حديثهم، فهم قدوة لكل كافر وعات إلى يوم القيامة، والْمَقْبُوحِينَ الذين يقبح كل أمرهم قولا لهم وفعلا بهم، قال ابن عباس: هم الذين قبحوا بسواد الوجوه وزرق العيون، وَيَوْمَ ظرف مقدم، وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى إخبار بأنه أنزل التوراة على موسى بعد هلاك فرعون وقومه وبعد هذه الأمم التي قد تقدم ذكرها من عاد وثمود وقرية قوم لوط وغيرها، والقصد بهذا الإخبار التمثيل لقريش بما تقدم في غيرها من الأمم، وقالت فرقة: إن الآية مضمنة أن إنزال التوراة على موسى هو بعد أن رفع الله تعالى عذاب الأمم فلم تعذب أمة بعد نزول التوراة إلا القرية التي مسخت قردة، فيما روي، وقوله بَصائِرَ نصب على الحال، أي طرائق هادية، وقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي على ترجي البشر وما يعطيه تأميل من أمل الأمر، وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ما أهلك الله تعالى أمة بعذاب منذ أنزل إلى الأرض غير القرية التي مسخت قردة وهم الذين تعدوا في السبت، وهذا التعذيب من سبب شرع موسى فكأنه لا ينقص فضيلة التوراة برفع العذاب عن الأرض. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٤ الى ٤٦] وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) المعنى ولم تحضر يا محمد هذه الغيوب التي تخبر بها ولكنها صارت إليك بوحينا أي فكان الواجب

стр. 1959

أن يسارع إلى الإيمان بك ولكن تطاول الأمر على القرون التي أنشأناها زمنا زمنا فعزبت حلومهم واستحكمت جهالتهم وضلالتهم، وقَضَيْنا معناه أبعدنا وصيرنا، والْأَمْرَ يعني النبوءة، وقالت فرقة: يعني ما أعلمه به من أمر محمد ﷺ . قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل حسن يلتئم معه ما بعده من قوله: وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً، و «الثاوي» المقيم، وقوله وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ يريد وقت إنزال التوراة إلى موسى. وقوله تعالى: إِذْ نادَيْنا، روي عن أبي هريرة أنه نودي يومئذ من السماء يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني وغفرت لكم قبل أن تسألوني، فحينئذ قال موسى ﵇: اللهم اجعلني من أمة محمد، فالمعنى إِذْ نادَيْنا بأمرك وأخبرنا بنبوتك وقوله رَحْمَةً نصب على المصدر أو مفعول من أجله، وقوله وَلكِنْ مرتبط بقوله وَما كُنْتَ أي وَلكِنْ جعلناك وأنفذنا أمرك قديما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أو يكون المعنى وَلكِنْ أعلمناك ونبأناك رَحْمَةً منا لك وإفضالا، وقرأ الناس «رحمة» بالنصب، وقرأ عيسى «رحمة» بالرفع، ويريد بالقوم الذين لم يأتهم نذير معاصر به من العرب، وباقي الآية بين، وقال الطبري: معنى قوله إِذْ نادَيْنا بأن سأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٧ الى ٥٠] وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) «المصيبة» عذاب في الدنيا على كفرهم، وجواب لَوْلا محذوف يقتضيه الكلام تقديره لعاجلناهم بما يستحقونه، وقال الزجاج: تقديره لما أرسلنا الرسل، وقوله جاءَهُمُ الْحَقُّ يريد القرآن ومحمدا ﵇، والمقالة التي قالتها قريش لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى كانت من تعليم اليهود لهم قالوا لهم لم لا يأتي بآية باهرة كالعصا واليد ونتق الجبل وغير ذلك، فعكس الله عليهم قولهم ووقفهم على أنه قد وقع منهم في تلك الآيات ما وقع من هؤلاء في هذه، فالضمير في يَكْفُرُوا لليهود، وقرأ الجمهور «ساحران» والمراد بهما موسى وهارون قاله مجاهد، وقال الحسن: موسى وعيسى وقال ابن عباس: موسى ومحمد، وقال الحسن أيضا: عيسى ومحمد ﵉، والأول أظهر، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «سحران» والمراد

стр. 1960

بهما التوراة والإنجيل، قال عكرمة، وقال ابن عباس: التوراة والقرآن، وقرأ ابن مسعود «سحران اظاهرا» وهي قراءة طلحة والضحاك. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بما أُوتِيَ مُوسى أمر محمد الذي في التوراة كأنه يقول وما يطلبون بأن يأتي ب مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى وهم قد كفروا في التكذيب بك بما أوتيه موسى من الإخبار بك، وقوله إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ يؤيد هذا التأويل، وتَظاهَرا معناه تعاونا، وقوله تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الآية، هذه حجة أمره الله تعالى أن يصدع بها، أي أنتم أيها المكذبون بهذه الكتب التي قد تضمنت الأمر بالعبادات ومكارم الأخلاق ونهت عن الكفر والنقائص ووعد الله تعالى مع ذلك الثواب عليها الجزيل إن كان تكذيبهم لمعنى وبحال صحة فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يهدي أكثر من هدي هذه أتبعه معكم، ثم قال تعالى فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ وهو قد علم أنهم لا يستجيبون على معنى الإيضاح لفساد حالهم، وسياق القياس البين لأنهم متبعون لأهوائهم، ثم عجب تعالى من ضلال من تبع هواه بغير هداية ولغير مقصد نير وقرر على ذلك على جهة البيان أي لا أحد أضل منه. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥١ الى ٥٥] وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥) الذين وصل لَهُمُ الْقَوْلَ هم قريش قاله مجاهد وغيره، وقال أبو رفاعة القرظي: نزلت في اليهود في عشرة أنا أحدهم ذكره الطبري، وقال الجمهور: معناه واصلنا لهم في القرآن وتابعناه موصولا بعضه ببعض في المواعظ والزجر والدعاء إلى الإسلام، قال الحسن وفي ذكر الأمم المهلكة وصلت لهم قصة بقصة حسب مرور الأيام، وذهب مجاهد أن معنى وَصَّلْنا فصلنا أي جعلناه أوصالا من حيث كان أنواعا من القول في معان مختلفة، ومعنى اتصال بعضه ببعض حاصل من جهة أخرى لكن إنما عدد عليهم هاهنا تقسيمه في أنواع من القول، وذهب الجمهور إلى أن هذا التوصيل الذي وصل لهم القول معناه وصل المعاني من الوعظ والزجر وذكر الآخرة وغير ذلك، وذهبت فرقة إلى أن الإشارة بتوصيل القول إنما هي إلى الألفاظ أي إلى الإعجاز، فالمعنى وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ قولا معجزا على نبوتك. قال القاضي أبو محمد: والمعنى الأول تقديره وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ قولا تضمن معاني من تدبرها اهتدى، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «ولقد وصلنا» بتخفيف الصاد، وقوله لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي في طمع البشر، وظاهر الأمر عندهم وبحسبهم، ثم ذكر تعالى القوم الذين آمنوا من أهل الكتاب مباهيا بهم قريشا، واختلف إلى من الإشارة، فقيل إلى جماعة من اليهود أسلمت وكانت تلقى من الكفار أذى، وقيل إلى بحيرا

стр. 1961

الراهب، وقال الزهراوي: إلى النجاشي، وقيل: إلى سلمان وابن سلام، وأسند الطبري عن علي بن أبي رفاعة قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب فيهم أبو رفاعة يعني أباه فأسلموا فأوذوا فنزلت فيهم هذه الآية، والضمير في قَبْلِهِ يحتمل أن يعود على النبي ﷺ ، ويحتمل أن يعود على القرآن، وما بعد يؤيد هذا، قوله وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ وقولهم إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ يريدون الإسلام المتحصل لهم من شريعة موسى وعيسى ﵉، وأَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ معناه على ملتين وبحظوة شريعتين، وهذا المعنى هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «ثلاثة يؤتيهم أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، والعبد الناصح في عبادة ربه وخدمة سيده، ورجل كانت له أمة فأدبها وعلمها ثم أعتقها وتزوجها» وقوله تعالى: بِما صَبَرُوا عام في صبرهم على ملتهم ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك من أنواع الصبر، وقوله تعالى: وَيَدْرَؤُنَ معناه يدفعون هذا وصف لمكارم الأخلاق أي يتعاقبون ومن قال لهم سوءا لا ينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه، وهذه آية مهادنة وهي في صدر الإسلام وهي مما نسخته آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاها أمة محمد إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ مدح لهم بالنفقة في الطاعات وعلى رسم الشرع، وفي ذلك حض على الصدقات ونحوها، واللَّغْوَ سقط القول، والقول يسقط لوجوه يعز حصرها، فالفحش لغو، والسب لغو، واليمين لغو حسب الخلاف فيها، وكلام مستمع الخطبة لغو، والمراد من هذا في هذه الآية ما كان سبا وأذى فأدب أهل الإسلام الإعراض عنه، والقول على جهة التبري لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وقال ابن زيد اللَّغْوَ هاهنا ما كان بنو إسرائيل كتبوه في التوراة مما ليس من عند الله. قال القاضي أبو محمد: فهذه المهادنة هي لبني إسرائيل الكفار منهم، وسَلامٌ عَلَيْكُمْ في هذا الموضع ليس المقصود بها التحية، لكنه لفظ التحية قصد به المتاركة، وهو لفظ مؤنس مستنزل لسامعه إذ هو في عرف استعماله تحية. قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال، ولا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ معناه لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمسابة. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٦ الى ٥٨] إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) أجمع جل المفسرين على أن قوله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ إنما نزلت في شأن أبي طالب عم رسول الله ﷺ ، قال أبو هريرة وابن المسيب وغيرهما: إن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1962

دخل عليه وهو يجود بنفسه فقال له: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله» ، وكان بحضرته عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل بن هشام فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب يا أبا طالب؟ فقال أبو طالب: يا محمد لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك، ثم قال أبو طالب: أنا على ملة عبد المطلب والأشياخ، فتفجع رسول الله ﷺ وخرج عنه فمات أبو طالب على كفره فنزلت هذه الآية، قال أبو روق: قوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، إشارة إلى العباس، والضمير في قوله وَقالُوا لقريش، قال ابن عباس والمتكلم بذلك فيهم الحارث بن نوفل وقصد الإخبار بأن العرب تنكر عليهم رفض الأوثان وفراق حكم الجاهلية فتخطفهم من أرضهم، وقوله والْهُدى معناه على زعمك، وحكى الثعلبي أنه قال له إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك تخطفنا العرب فقطعهم الله تعالى بالحجة، أي أليس كون الحرم لكم مما يسرناه وكففنا عنكم الأيدي فيه فكيف بكم لو أسلمتم واتبعتم ديني وشرعي، وروي عن أبي عمرو «نتخطف» بضم الفاء، و «أمن الحرم» هو أن لا يغزى ولا يؤذى فيه أحد، وقوله تعالى يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ أي تجمع وتجلب، وقرأ نافع وحده «تجبى» بالتاء من فوق، وقرأ الباقون «يجبى» بياء من تحت، ورويت التاء من فوق عن أبي عمرو وأبي جعفر وشيبة بن نصاح، وقوله تعالى: كُلِّ شَيْءٍ، يريد مما به صلاح حالهم وقوام أمرهم، وليس العموم فيه على الإطلاق، وقرأ أبان بن تغلب «ثمرات» بضم الثاء والميم، ثم توعد تعالى قريشا بضرب المثل بالقرى المهلكة، أي فلا تغتروا بالحرم والأمن والثمرات التي تجبى، فإن الله تعالى يهلك الكفرة على ما سلف في الأمم، وبَطِرَتْ معناه سفهت وأشرت وطغت قاله ابن زيد وغيره، ومَعِيشَتَها نصب على التفسير مثل قوله سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠] وقال الأخفش هو إسقاط حرف الجر أي بَطِرَتْ في مَعِيشَتَها ثم أحالهم على الاعتبار في خراب ديار الأمم المهلكة كحجر ثمود وغيره وباقي الآية بين. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٩ الى ٦١] وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) إن كانت الإرادة ب الْقُرى المدن التي في عصر النبي ﷺ ف «أم القرى» مكة، وإن كانت الإرادة الْقُرى بالإطلاق في كل زمن ف أُمِّها في هذا الموضع أعظمها وأفضلها الذي هو بمثابة مكة في عصر محمد ﷺ ، وإن كانت أم القرى كلها أيضا من حيث هي أول ما خلق من الأرض ومن حيث فيها البيت، ومعنى الآية أن الله تعالى يقيم الحجة على عباده بالرسل فلا يعذب إلا بعد نذارة وبعد أن يتمادى أهل القرى في ظلم وطغيان، و «الظلم» هنا يجمع الكفر والمعاصي والتقصير في الجهاد وبالجملة وضع الباطل موضع الحق، ثم خاطب تعالى قريشا محقرا لما كانوا يفخرون به من مال

стр. 1963

وبنين وغير ذلك من قوة لم تكن عند محمد ﷺ ولا عند من آمن به فأخبر تعالى قريشا أن ذلك متاع الدنيا الفاني وأن الآخرة وما فيها من النعم التي أعدها الله لهؤلاء المؤمنين خَيْرٌ وَأَبْقى، ثم وبخهم بقوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ، وقرأ الجمهور «أفلا يعقلون» بالياء، وقرأ أبو عمرو وحده بالتاء من فوق، وروي عنه بالياء، كذا قال أبو علي في الحجة، وذلك خلاف ما حكى أبو حاتم والناس، فإن نافعا يقرأ بالتاء من فوق وهي قراءة الأعرج والحسن وعيسى، ثم زادهم توبيخا بقوله أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً الآية، وقوله أَفَمَنْ وَعَدْناهُ يعم معناها جميع العالم لكن اختلف الناس فيمن نزلت، فقال مجاهد: الذي وعد الوعد الحسن هو محمد ﵇ وضده أبو جهل، وقال مجاهد أيضا: نزلت في حمزة وأبي جهل، وقيل في علي وأبي جهل، وقال قتادة: نزلت عامة في المؤمن والكافر كما معناها عام. قال القاضي أبو محمد: ونزولها عام بين الاتساق بما قبله من توبيخ قريش، ومِنَ الْمُحْضَرِينَ، معناه في عذاب الله قاله مجاهد وقتادة، ولفظة «محضرين» مشيرة إلى سوق بجبر، وقرأ طلحة «أمن وعدناه» بغير فاء، وقرأ مسروق «أفمن وعدناه نعمة منا فهو لاقيها» . قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٢ الى ٦٤] وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) التقدير واذكر يوم، وهذا النداء يحتمل أن يكون بواسطة، ويحتمل بغير ذلك، والضمير المتصل «بينادي» لعبدة الأصنام والإشارة إلى قريش وكفار العرب وقوله أَيْنَ، على جهة التقريع والتوبيخ وقوله شُرَكائِيَ أي على قولكم وزعمكم. قال القاضي أبو محمد: ولما كان هذا السؤال مسكتا لهم مبهتا فكأنه لا متعلق لجمهور الكفرة إلا ب «المغوين» لهم والأعيان، الرؤوس منهم وبالشياطين المغوين فكأن هذه الصنيفة المغوية إنما أتت الكفرة على علم فالقول عليها متحقق وكلمة العذاب ماضية لكنهم طمعوا في التبري من كل أولئك الكفرة الأتباع فقالوا رَبَّنا هؤُلاءِ إنما أضللناهم كما ضللنا نحن باجتهاد لنا ولهم وأرادوا هم اتباعنا وأحبوا الكفر كما أحببناه. فنحن نتبرأ إليك منهم وهم لم يعبدونا إنما عبدوا غيرنا. قال القاضي أبو محمد: فهذا التوقيف يعم جميع الكفرة، والمجيبون هم كل مغو داع إلى الكفر من الشياطين ومن الإنس الرؤساء والعرفاء والسادة في الكفر، وقرأ الجمهور «غوينا» بفتح الواو، يقال غوى الرجل يغوى بكسر الواو، وروي عن ابن عامر وعاصم «غوينا» بكسر الواو، ثم أخبر تعالى أنه يقال للكفرة العابدين للأصنام الذين اعتقدوهم آلهة ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي الأصنام التي كنتم تزعمون أنهم شركاء لله،

стр. 1964

وأضاف الشركاء إليهم لما كان ذلك الاسم بزعمهم ودعواهم، فيهذا القول من الاختصاص أضاف الشركاء إليهم، ثم أخبر أنهم دعوهم فلم يكن في الجمادات ما يجيب ورأى الكفار العذاب، وقوله تعالى: لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ذهب الزجاج وغيره من المفسرين إلى أن جواب لَوْ محذوف تقديره لما نالهم العذاب ولما كانوا في الدنيا عابدين للأصنام ففي الكلام على هذا التأويل تأسف عليهم، وذلك محتمل مع تقديرنا الجواب لما كانوا عابدين للأصنام وفيه مع تقديرنا الجواب لما نالهم العذاب نعمة منا، وقالت فرقة لَوْ متعلقة بما قبلها تقديره فودّوا لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٥ الى ٦٨] وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) هذا النداء أيضا كالأول في احتماله الواسطة من الملائكة، وهذا النداء أيضا للكفار يوقفهم على ما أجابوا به الْمُرْسَلِينَ الذين دعوهم إلى الله تعالى فتعمى عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ أي أظلمت لهم الأمور فلم يجدوا خبرا يخبرون به مما لهم فيه نجاة، وساق الفعل في صيغة المضي لتحقق وقوعه وأنه يقين، والماضي من الأفعال متيقن فلذلك توضع صيغته بدل المستقبل المتيقن وقوعه وصحته، و «عميت» معناه أظلمت جهاتها وقرأ الأعمش «فعمّيت» بضم العين وشد الميم، وروي في بعض الحديث: كان الله في عماء، وذلك قبل أن يخلق الأنوار وسائر المخلوقات، والْأَنْباءُ جمع نبأ، وقوله تعالى فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ معناه فيما قال مجاهد وغيره بالأرحام والمتات الذي عرفه في الدنيا أن يتساءل به لأنهم قد أيقنوا أن كلهم لا حيلة له ولا مكانة. ويحتمل أن يريد أنهم لا يتساءلون عن الأنباء ليقين جميعهم أنه لا حجة لهم، ثم انتزع تعالى من الكفرة مَنْ تابَ من كفره وَآمَنَ بالله ورسله وَعَمِلَ بالتقوى، ورجى فيهم أنهم يفوزون ببغيهم ويبقون في النعيم الدائم وقال كثير من العلماء «عسى» من الله واجبة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ظن حسن بالله تعالى يشبه فضله وكرمه واللازم من «عسى» أنها ترجية لا واجبة، وفي كتاب الله عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم: ٥] ، وقوله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ الآية، قيل سببها ما تكلمت به قريش من استغراب أمر النبي ﷺ وقول بعضهم لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] فنزلت هذه الآية بسبب تلك المنازع، ورد الله تعالى عليهم وأخبر أنه يخلق من عباده وسائر مخلوقاته ما يشاء وأنه يختار لرسالته من يريد ويعلم فيه المصلحة ثم نفى أن يكون الاختيار للناس في هذا ونحوه، هذا قول جماعة من المفسرين أن ما نافية أي ليس لهم تخير على الله تعالى فتجيء الآية كقوله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ الآية [الأحزاب: ٣٦] .

стр. 1965

قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد ويَخْتارُ الله تعالى الأديان والشرائع وليس لهم الخيرة في أن يميلوا إلى الأصنام ونحوها في العبادة، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ، وذهب الطبري إلى أن ما في قوله تعالى ويَخْتارُ ما كانَ مفعولة ب يَخْتارُ قال: والمعنى أن الكفار كانوا يختارون من أموالهم لأصنامهم أشياء فأخبر الله تعالى أن الاختيار إنما هو له وحده يخلق ويختار من الرسل والشرائع ما كان خيرة للناس لا كما يختارون هم ما ليس إليهم ويفعلون ما لم يؤمروا به. قال القاضي أبو محمد: واعتذر الطبري عن الرفع الذي أجمع القراء عليه في قوله تعالى: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ بأقوال لا تتحصل وقد رد الناس عليه في ذلك، وذكر عن الفراء أن القاسم بن معن أنشده بيت عنترة: [البسيط] أمن سمية دمع العين تذريف ... لو كان ذا منك قبل اليوم معروف وقرن الآية بهذا البيت والرواية في البيت لو أن ذا ولكن على ما رواه القاسم يتجه في بيت عنترة أن يكون الأمر والشأن مضمرا في كان وذلك في الآية ضعيف، لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها مجرور وفي هذا كله نظر، والوقف على ما ذهب إليه جمهور الناس في قوله وَيَخْتارُ وعلى ما ذهب إليه الطبري لا يوقف على ذلك ويتجه عندي أن يكون ما مفعولة إذا قدرنا كانَ تامة أي أن الله تعالى يختار كل كائن ولا يكون شيء إلا بإذنه، وقوله تعالى: لَهُمُ الْخِيَرَةُ جملة مستأنفة معناها تعديد النعمة عليهم في اختيار الله تعالى لهم لو قبلوا وفهموا. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٩ الى ٧٣] وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) ذكر تعالى في هذه الآيات أمورا يشهد عقل كل مفطور بأن الأصنام لا شركة لها فيها، فمنها علم ما في النفوس وما يجيش بالخواطر، وتُكِنُّ معناه تستر، وقرأ ابن محيص «تكن» بفتح التاء وضم الكاف، وعبر عن القلب ب «الصدر» من حيث كان محتويا عليه، ومعنى الآية أن الله تعالى يعلم السر والإعلان، ثم أفرد نفسه بالألوهية ونفاها عن سواه، وأخبر أن الحمد له في الدنيا والآخرة إذ له الصفات التي تقتضي ذلك، والْحُكْمُ في هذا الموضع القضاء والفصل في الأمور، ثم أخبر بالرجعة إليه والحشر، ثم أمر تعالى نبيه أن يوقفهم على أمر الليل والنهار وما منح الله فيهما من المصالح والمرافق وأن يوقفهم على
следующие страницы →