← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

الراهب، وقال الزهراوي: إلى النجاشي، وقيل: إلى سلمان وابن سلام، وأسند الطبري عن علي بن أبي رفاعة قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب فيهم أبو رفاعة يعني أباه فأسلموا فأوذوا فنزلت فيهم هذه الآية، والضمير في قَبْلِهِ يحتمل أن يعود على النبي ﷺ ، ويحتمل أن يعود على القرآن، وما بعد يؤيد هذا، قوله وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ وقولهم إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ يريدون الإسلام المتحصل لهم من شريعة موسى وعيسى ﵉، وأَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ معناه على ملتين وبحظوة شريعتين، وهذا المعنى هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «ثلاثة يؤتيهم أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، والعبد الناصح في عبادة ربه وخدمة سيده، ورجل كانت له أمة فأدبها وعلمها ثم أعتقها وتزوجها» وقوله تعالى: بِما صَبَرُوا عام في صبرهم على ملتهم ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك من أنواع الصبر، وقوله تعالى: وَيَدْرَؤُنَ معناه يدفعون هذا وصف لمكارم الأخلاق أي يتعاقبون ومن قال لهم سوءا لا ينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه، وهذه آية مهادنة وهي في صدر الإسلام وهي مما نسخته آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاها أمة محمد إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ مدح لهم بالنفقة في الطاعات وعلى رسم الشرع، وفي ذلك حض على الصدقات ونحوها، واللَّغْوَ سقط القول، والقول يسقط لوجوه يعز حصرها، فالفحش لغو، والسب لغو، واليمين لغو حسب الخلاف فيها، وكلام مستمع الخطبة لغو، والمراد من هذا في هذه الآية ما كان سبا وأذى فأدب أهل الإسلام الإعراض عنه، والقول على جهة التبري لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وقال ابن زيد اللَّغْوَ هاهنا ما كان بنو إسرائيل كتبوه في التوراة مما ليس من عند الله. قال القاضي أبو محمد: فهذه المهادنة هي لبني إسرائيل الكفار منهم، وسَلامٌ عَلَيْكُمْ في هذا الموضع ليس المقصود بها التحية، لكنه لفظ التحية قصد به المتاركة، وهو لفظ مؤنس مستنزل لسامعه إذ هو في عرف استعماله تحية. قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال، ولا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ معناه لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمسابة. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٦ الى ٥٨] إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) أجمع جل المفسرين على أن قوله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ إنما نزلت في شأن أبي طالب عم رسول الله ﷺ ، قال أبو هريرة وابن المسيب وغيرهما: إن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1962

دخل عليه وهو يجود بنفسه فقال له: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله» ، وكان بحضرته عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل بن هشام فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب يا أبا طالب؟ فقال أبو طالب: يا محمد لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك، ثم قال أبو طالب: أنا على ملة عبد المطلب والأشياخ، فتفجع رسول الله ﷺ وخرج عنه فمات أبو طالب على كفره فنزلت هذه الآية، قال أبو روق: قوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، إشارة إلى العباس، والضمير في قوله وَقالُوا لقريش، قال ابن عباس والمتكلم بذلك فيهم الحارث بن نوفل وقصد الإخبار بأن العرب تنكر عليهم رفض الأوثان وفراق حكم الجاهلية فتخطفهم من أرضهم، وقوله والْهُدى معناه على زعمك، وحكى الثعلبي أنه قال له إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك تخطفنا العرب فقطعهم الله تعالى بالحجة، أي أليس كون الحرم لكم مما يسرناه وكففنا عنكم الأيدي فيه فكيف بكم لو أسلمتم واتبعتم ديني وشرعي، وروي عن أبي عمرو «نتخطف» بضم الفاء، و «أمن الحرم» هو أن لا يغزى ولا يؤذى فيه أحد، وقوله تعالى يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ أي تجمع وتجلب، وقرأ نافع وحده «تجبى» بالتاء من فوق، وقرأ الباقون «يجبى» بياء من تحت، ورويت التاء من فوق عن أبي عمرو وأبي جعفر وشيبة بن نصاح، وقوله تعالى: كُلِّ شَيْءٍ، يريد مما به صلاح حالهم وقوام أمرهم، وليس العموم فيه على الإطلاق، وقرأ أبان بن تغلب «ثمرات» بضم الثاء والميم، ثم توعد تعالى قريشا بضرب المثل بالقرى المهلكة، أي فلا تغتروا بالحرم والأمن والثمرات التي تجبى، فإن الله تعالى يهلك الكفرة على ما سلف في الأمم، وبَطِرَتْ معناه سفهت وأشرت وطغت قاله ابن زيد وغيره، ومَعِيشَتَها نصب على التفسير مثل قوله سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠] وقال الأخفش هو إسقاط حرف الجر أي بَطِرَتْ في مَعِيشَتَها ثم أحالهم على الاعتبار في خراب ديار الأمم المهلكة كحجر ثمود وغيره وباقي الآية بين. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٩ الى ٦١] وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) إن كانت الإرادة ب الْقُرى المدن التي في عصر النبي ﷺ ف «أم القرى» مكة، وإن كانت الإرادة الْقُرى بالإطلاق في كل زمن ف أُمِّها في هذا الموضع أعظمها وأفضلها الذي هو بمثابة مكة في عصر محمد ﷺ ، وإن كانت أم القرى كلها أيضا من حيث هي أول ما خلق من الأرض ومن حيث فيها البيت، ومعنى الآية أن الله تعالى يقيم الحجة على عباده بالرسل فلا يعذب إلا بعد نذارة وبعد أن يتمادى أهل القرى في ظلم وطغيان، و «الظلم» هنا يجمع الكفر والمعاصي والتقصير في الجهاد وبالجملة وضع الباطل موضع الحق، ثم خاطب تعالى قريشا محقرا لما كانوا يفخرون به من مال

стр. 1963

وبنين وغير ذلك من قوة لم تكن عند محمد ﷺ ولا عند من آمن به فأخبر تعالى قريشا أن ذلك متاع الدنيا الفاني وأن الآخرة وما فيها من النعم التي أعدها الله لهؤلاء المؤمنين خَيْرٌ وَأَبْقى، ثم وبخهم بقوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ، وقرأ الجمهور «أفلا يعقلون» بالياء، وقرأ أبو عمرو وحده بالتاء من فوق، وروي عنه بالياء، كذا قال أبو علي في الحجة، وذلك خلاف ما حكى أبو حاتم والناس، فإن نافعا يقرأ بالتاء من فوق وهي قراءة الأعرج والحسن وعيسى، ثم زادهم توبيخا بقوله أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً الآية، وقوله أَفَمَنْ وَعَدْناهُ يعم معناها جميع العالم لكن اختلف الناس فيمن نزلت، فقال مجاهد: الذي وعد الوعد الحسن هو محمد ﵇ وضده أبو جهل، وقال مجاهد أيضا: نزلت في حمزة وأبي جهل، وقيل في علي وأبي جهل، وقال قتادة: نزلت عامة في المؤمن والكافر كما معناها عام. قال القاضي أبو محمد: ونزولها عام بين الاتساق بما قبله من توبيخ قريش، ومِنَ الْمُحْضَرِينَ، معناه في عذاب الله قاله مجاهد وقتادة، ولفظة «محضرين» مشيرة إلى سوق بجبر، وقرأ طلحة «أمن وعدناه» بغير فاء، وقرأ مسروق «أفمن وعدناه نعمة منا فهو لاقيها» . قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٢ الى ٦٤] وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) التقدير واذكر يوم، وهذا النداء يحتمل أن يكون بواسطة، ويحتمل بغير ذلك، والضمير المتصل «بينادي» لعبدة الأصنام والإشارة إلى قريش وكفار العرب وقوله أَيْنَ، على جهة التقريع والتوبيخ وقوله شُرَكائِيَ أي على قولكم وزعمكم. قال القاضي أبو محمد: ولما كان هذا السؤال مسكتا لهم مبهتا فكأنه لا متعلق لجمهور الكفرة إلا ب «المغوين» لهم والأعيان، الرؤوس منهم وبالشياطين المغوين فكأن هذه الصنيفة المغوية إنما أتت الكفرة على علم فالقول عليها متحقق وكلمة العذاب ماضية لكنهم طمعوا في التبري من كل أولئك الكفرة الأتباع فقالوا رَبَّنا هؤُلاءِ إنما أضللناهم كما ضللنا نحن باجتهاد لنا ولهم وأرادوا هم اتباعنا وأحبوا الكفر كما أحببناه. فنحن نتبرأ إليك منهم وهم لم يعبدونا إنما عبدوا غيرنا. قال القاضي أبو محمد: فهذا التوقيف يعم جميع الكفرة، والمجيبون هم كل مغو داع إلى الكفر من الشياطين ومن الإنس الرؤساء والعرفاء والسادة في الكفر، وقرأ الجمهور «غوينا» بفتح الواو، يقال غوى الرجل يغوى بكسر الواو، وروي عن ابن عامر وعاصم «غوينا» بكسر الواو، ثم أخبر تعالى أنه يقال للكفرة العابدين للأصنام الذين اعتقدوهم آلهة ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي الأصنام التي كنتم تزعمون أنهم شركاء لله،

стр. 1964

وأضاف الشركاء إليهم لما كان ذلك الاسم بزعمهم ودعواهم، فيهذا القول من الاختصاص أضاف الشركاء إليهم، ثم أخبر أنهم دعوهم فلم يكن في الجمادات ما يجيب ورأى الكفار العذاب، وقوله تعالى: لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ذهب الزجاج وغيره من المفسرين إلى أن جواب لَوْ محذوف تقديره لما نالهم العذاب ولما كانوا في الدنيا عابدين للأصنام ففي الكلام على هذا التأويل تأسف عليهم، وذلك محتمل مع تقديرنا الجواب لما كانوا عابدين للأصنام وفيه مع تقديرنا الجواب لما نالهم العذاب نعمة منا، وقالت فرقة لَوْ متعلقة بما قبلها تقديره فودّوا لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٥ الى ٦٨] وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) هذا النداء أيضا كالأول في احتماله الواسطة من الملائكة، وهذا النداء أيضا للكفار يوقفهم على ما أجابوا به الْمُرْسَلِينَ الذين دعوهم إلى الله تعالى فتعمى عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ أي أظلمت لهم الأمور فلم يجدوا خبرا يخبرون به مما لهم فيه نجاة، وساق الفعل في صيغة المضي لتحقق وقوعه وأنه يقين، والماضي من الأفعال متيقن فلذلك توضع صيغته بدل المستقبل المتيقن وقوعه وصحته، و «عميت» معناه أظلمت جهاتها وقرأ الأعمش «فعمّيت» بضم العين وشد الميم، وروي في بعض الحديث: كان الله في عماء، وذلك قبل أن يخلق الأنوار وسائر المخلوقات، والْأَنْباءُ جمع نبأ، وقوله تعالى فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ معناه فيما قال مجاهد وغيره بالأرحام والمتات الذي عرفه في الدنيا أن يتساءل به لأنهم قد أيقنوا أن كلهم لا حيلة له ولا مكانة. ويحتمل أن يريد أنهم لا يتساءلون عن الأنباء ليقين جميعهم أنه لا حجة لهم، ثم انتزع تعالى من الكفرة مَنْ تابَ من كفره وَآمَنَ بالله ورسله وَعَمِلَ بالتقوى، ورجى فيهم أنهم يفوزون ببغيهم ويبقون في النعيم الدائم وقال كثير من العلماء «عسى» من الله واجبة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ظن حسن بالله تعالى يشبه فضله وكرمه واللازم من «عسى» أنها ترجية لا واجبة، وفي كتاب الله عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم: ٥] ، وقوله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ الآية، قيل سببها ما تكلمت به قريش من استغراب أمر النبي ﷺ وقول بعضهم لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] فنزلت هذه الآية بسبب تلك المنازع، ورد الله تعالى عليهم وأخبر أنه يخلق من عباده وسائر مخلوقاته ما يشاء وأنه يختار لرسالته من يريد ويعلم فيه المصلحة ثم نفى أن يكون الاختيار للناس في هذا ونحوه، هذا قول جماعة من المفسرين أن ما نافية أي ليس لهم تخير على الله تعالى فتجيء الآية كقوله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ الآية [الأحزاب: ٣٦] .

стр. 1965

قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد ويَخْتارُ الله تعالى الأديان والشرائع وليس لهم الخيرة في أن يميلوا إلى الأصنام ونحوها في العبادة، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ، وذهب الطبري إلى أن ما في قوله تعالى ويَخْتارُ ما كانَ مفعولة ب يَخْتارُ قال: والمعنى أن الكفار كانوا يختارون من أموالهم لأصنامهم أشياء فأخبر الله تعالى أن الاختيار إنما هو له وحده يخلق ويختار من الرسل والشرائع ما كان خيرة للناس لا كما يختارون هم ما ليس إليهم ويفعلون ما لم يؤمروا به. قال القاضي أبو محمد: واعتذر الطبري عن الرفع الذي أجمع القراء عليه في قوله تعالى: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ بأقوال لا تتحصل وقد رد الناس عليه في ذلك، وذكر عن الفراء أن القاسم بن معن أنشده بيت عنترة: [البسيط] أمن سمية دمع العين تذريف ... لو كان ذا منك قبل اليوم معروف وقرن الآية بهذا البيت والرواية في البيت لو أن ذا ولكن على ما رواه القاسم يتجه في بيت عنترة أن يكون الأمر والشأن مضمرا في كان وذلك في الآية ضعيف، لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها مجرور وفي هذا كله نظر، والوقف على ما ذهب إليه جمهور الناس في قوله وَيَخْتارُ وعلى ما ذهب إليه الطبري لا يوقف على ذلك ويتجه عندي أن يكون ما مفعولة إذا قدرنا كانَ تامة أي أن الله تعالى يختار كل كائن ولا يكون شيء إلا بإذنه، وقوله تعالى: لَهُمُ الْخِيَرَةُ جملة مستأنفة معناها تعديد النعمة عليهم في اختيار الله تعالى لهم لو قبلوا وفهموا. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٩ الى ٧٣] وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) ذكر تعالى في هذه الآيات أمورا يشهد عقل كل مفطور بأن الأصنام لا شركة لها فيها، فمنها علم ما في النفوس وما يجيش بالخواطر، وتُكِنُّ معناه تستر، وقرأ ابن محيص «تكن» بفتح التاء وضم الكاف، وعبر عن القلب ب «الصدر» من حيث كان محتويا عليه، ومعنى الآية أن الله تعالى يعلم السر والإعلان، ثم أفرد نفسه بالألوهية ونفاها عن سواه، وأخبر أن الحمد له في الدنيا والآخرة إذ له الصفات التي تقتضي ذلك، والْحُكْمُ في هذا الموضع القضاء والفصل في الأمور، ثم أخبر بالرجعة إليه والحشر، ثم أمر تعالى نبيه أن يوقفهم على أمر الليل والنهار وما منح الله فيهما من المصالح والمرافق وأن يوقفهم على

стр. 1966

إيجاده تعالى بتقليب الليل والنهار، وأنه لو مد أحدهما سَرْمَداً لما وجد من يأتي بالآخر، و «السرمد» من الأشياء الدائم الذي لا ينقطع، وقرأت فرقة هي الجمهور «بضياء» بالياء، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل «بضئاء» بهمزتين وضعفه أبو علي، ثم ذكر انقسام الليل والنهار على السكون وابتغاء الفضل بالمشي والتصرف وهذا هو الغالب في أمر الليل والنهار، فعدد النعمة بالأغلب وإن وجد من يسكن بالنهار ويبتغي فضل الله بالليل فالشاذ النادر لا يعتد به، وقال بعض الناس: قوله تعالى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إنما عبر به عن الزمان لم يقصد لتقسيم، أي في هذا الوقت الذي هو ليل ونهار يقع السكون وابتغاء الفضل، وقوله وَلَعَلَّكُمْ أي على نظر البشر من يرى هذا التلطف والرفق يرى أن ذلك يستدعي الشكر ولا بد. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٤ الى ٧٥] وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) التقدير «واذكر يوم يناديهم» وكرر هذا المعنى إبلاغا وتحذيرا وهذا النداء هو عند ظهور كل ما وعد الرحمن على ألسنة المرسلين من وجوب الرحمة لقوم والعذاب لآخرين ومن خضوع كل جبار وذلة الكل لعزة رب العالمين. فيتوجه حينئذ توبيخ الكفار فَيَقُولُ الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكائِيَ على معنى التقريع، ثم أخبر تعالى أنه يخرج في ذلك اليوم مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يميز بينه وبين الناس وهذا هو النزع أن يميز بين شيئين فينتزع أحدهما من الآخرة، وقال مجاهد: أراد ب «الشهيد» النبي الذي يشهد على أمته وقال الرماني: وقيل أراد عدولا من الأمم وخيارا. قال الفقيه الإمام القاضي: وهم حملة الحجة الذين لا يخلو منهم زمان، و «الشهيد» على هذا التأويل، اسم الجنس وفي هذا الموضع حذف يدل عليه الظاهر تقديره يشهد على الأمة بخيرها وشرها فيحق العذاب على من شهد عليه بالكفر ويقال لهم على جهة استبراء الحجة والاعذار في المحاورة هاتُوا بُرْهانَكُمْ على حق بأيديكم إن كان لكم، فيسقط حينئذ في أيديهم ويعلمون أَنَّ الْحَقَّ متوجه لِلَّهِ عليهم في تعذيبهم، وينتلف لهم ما كانوا بسبيله في الدنيا من كذب مختلق وزور في قولهم هذه آلهتنا للأصنام وفي تكذيبهم للرسل وغير ذلك، ومن هذه الآية انتزع قول القاضي عند إرادة الحكم أبقيت لك حجة. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٦ الى ٧٧] إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)

стр. 1967

قارُونَ اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف واختلف الناس في قرابة قارُونَ من مُوسى ﵇ فقال ابن إسحاق هو عمه، وقال ابن جريج وإبراهيم النخعي هو ابن عمه لحّا، وهذا أشهر، وقيل هو ابن خالته، وهو بإجماع رجل من بني إسرائيل كان ممن آمن بموسى وحفظ التوراة وكان من أقرأ الناس لها، وكان عند موسى من عباد المؤمنين ثم إنه لحقه الزهو والإعجاب فبغى على قومه بأنواع من البغي من ذلك كفره بموسى واستخفافه به ومطالبته له فيما قال ابن عباس بأنه عمد إلى امرأة مومسة ذات جمال وقال لها أنا أحسن إليك وأخلطك بأهلي على أن تجيئي في ملإ بني إسرائيل عندي فتقولي يا قارون اكفني أمر موسى فإنه يعترضني في نفسي، فجاءت المرأة فلما وقفت على الملإ أحدث الله تعالى لها توبة، فقالت يا بني إسرائيل إن قارون قال لي كذا وكذا، ففضحته في جميع القصة، وبرأ الله تعالى موسى من مطالبته، وقيل بل قالت المرأة ذلك عن موسى فلما بلغه الخبر وقف المرأة بمحضر ملإ من بني إسرائيل فقالت يا نبي الله كذبت عليك وإنما دعاني قارون إلى هذه المقالة وكان من بغيه أنه زاد في ثيابه شبرا على ثياب الناس، قاله شهر بن حوشب، إلى غير ذلك مما يصدر عمن فسد اعتقاده، وكان من أعظم الناس مالا وسميت أمواله «كنوزا» إذ كان ممتنعا من أداء الزكاة وبسبب ذلك عادى موسى ﵇ أول عداوته، و «المفاتح» ظاهرها أنها التي يفتح بها ويحتمل أن يريد بها الخزائن والأوعية الكبار، قاله الضحاك لأن المفتح في كلام العرب الخزانة. قال القاضي أبو محمد: وأكثر المفسرون في شأن قارُونَ فروي عن خيثمة أنه قال: نجد في الإنجيل مكتوبا أن مفاتيح قارون كانت من جلود الإبل وكان المفتاح من نصف شبر وكانت وقر ستين بعيرا أو بغلا لكل مفتاح كنز. قال الفقيه الإمام القاضي: وروي غير هذا مما يقرب منه ذلك كله ضعيف والنظر يشهد بفساد هذا ومن كان الذي يميز بعضها عن بعض وما الداعي إلى هذا وفي الممكن أن ترجع كلها إلى ما يحصى ويقدر وعلى حصره بسهولة وكان يلزم على هذا المعنى أن تكون «مفاتيح» بياء وهي قراءة الأعمش والذي يشبه إنما هو أن تكون «المفاتيح» من الحديد ونحوه وعلى هذا «تنوء بِالْعُصْبَةِ» إذا كانت كثيرة لكثرة مخازنه وافتراقها من المواضع أو تكون «المفاتيح» الخزائن، قال أبو صالح كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلا وأما قوله «تنوء» فمعناه تنهض بتحامل واشتداد ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] ينؤن ولم يكسبن إلا قنازعا ... من الريش تنواء النعاج الهزائل ومنه قول الآخر يصف راميا: [الرجز] حتى إذا ما اعتدلت مفاصله ... وناء في شق الشمال كاهله والوجه أن يقال إن العصبة تنوء بالمفاتح المثقلة لها وكذلك قال كثير من المتأولين المراد هذا لكنه

стр. 1968

قلب كما تفعل العرب كثيرا، فمن ذلك قول الشاعر: [الوافر] فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق ومن ذلك قول الآخر [خداش بن زهير] : [الطويل] وتركب خيل لا هوادة بينها ... وتشفي الرماح بالضياطرة الحمر وهذا البيت لا حجة فيه إذ يتجه على وجهه فتأمله، ومن ذلك قول الآخر: فما كنت في الحرب العوان مغمزا ... إذا شب حر وقودها أجدالها وقال سيبويه والخليل التقدير «لتنيء العصبة» فجعل بدل ذلك تعدية الفعل بحرف الجر كما تقول ناء الحمل وأنأته ونؤت به، بمعنى جعلته ينوء والعرب تقول ناء الحمل بالبعير إذا أثقله. قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يسند «تنوء» إلى المفاتح مجازا لأنها تنهض بتحامل إذا فعل ذلك الذي ينهض بها وهذا مطرد في قولهم ناء الحمل بالعير ونحوه فتأمله، واختلف الناس في «العصبة» كم هي فقال ابن عباس ثلاثة، وقال قتادة من العشرة إلى الأربعين، وقال مجاهد خمسة عشر حملا، وقيل أحد عشر حملا على إخوة يوسف وقيل أربعون، وقرأ بديل بن ميسرة «لينوء» بالياء ووجهها أبو الفتح على أنه يقرأ «مفاتحه» جمعا وذكر أبو عمرو الداني أن بديل بن ميسرة قرأ «ما إن مفتاحه» على الإفراد فيستغنى على هذا عن توجيه أبي الفتح، وقوله تعالى: إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ، متعلق بقوله فَبَغى، ونهوه عن الفرح المطغي الذي هو انهماك وانحلال نفس وأشر وإعجاب، و «الفرح» هو الذي تخلق دائما بالفرح، ولا يجب في هذا الموضع صفة فعل لأنه أمر قد وقع فمحال أن يرجع إلى الإرادة وإنما هو لا يظهر عليهم بركته ولا يبهم رحمته، ثم وصوه أن يطلب بماله رضى الله تعالى ويقدم لآخرته، وقوله تعالى: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا، اختلف المتأولون فيه فقال ابن عباس والجمهور: معناه لا تضيع عمرك في أن لا تعمل عملا صالحا في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها في الدنيا فنصيب الإنسان وعمله الصالح فيها فينبغي أن لا يهمله. قال الفقيه الإمام القاضي: فالكلام كله على هذا التأويل شدة في الموعظة. وقال الحسن وقتادة: معناه ولا تضيع أيضا حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه ونظرك لعاقبة دنياك. قال الفقيه الإمام القاضي: فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة، وقال الحسن: معناه قدم الفضل وأمسك ما يبلغ. وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف. وحكى الثعلبي أنه قيل أرادوا بنصيبه الكفن. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا وعظ متصل كأنهم قالوا لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن ونحو هذا قول الشاعر: [الطويل] نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءان تلوى فيهما وحنوط

стр. 1969

وقوله وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أمر بصلة المساكين وذوي الحاجة وباقي الآية بين. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٨ الى ٧٩] قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) القائل قارون لما وعظه قومه وندبوه إلى اتقاء الله تعالى في المال الذي أعطاه تفضلا منه عليه أخذته العزة بالإثم فأعجب بنفسه، وقال لهم على جهة الرد عليهم والروغان عما ألزموه فيه إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي، ولكلامه هذا وجهان يحتملهما وبكل واحد منهما قالت فرقة من المفسرين فقال الجمهور منهم إنه ادعى أن عنده علما استوجب به أن يكون صاحب ذلك المال وتلك النعمة، ثم اختلفوا في العلم الذي أشار إليه ما هو، فقال بعضهم علم التوراة وحفظها، قالوا وكانت هذه مغالطة ورياء، وقال أبو سليمان الداراني: أراد العلم بالتجارب ووجوه تثمير المال فكأنه قال أُوتِيتُهُ بإدراكي وبسعيي، وقال ابن المسيب: أراد علم الكيمياء، وقال ابن زيد وغيره: إنما أراد أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ من الله وتخصيص من لدنه قصدني به أي فلا يلزمني فيه شيء مما قلتم، ثم جعل قوله عِنْدِي كما تقول في معتقدي وعلى ما أراه. قال الفقيه الإمام القاضي: وعلى الاحتمالين معا فقد نبه القرآن على خطئه في اغتراره وعارض منزعه بأن من معلومات الناس المتحققة عندهم أَنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ أَهْلَكَ من الأمم والقرون والملوك من هو أشد من قارون قوة وأكثر جمعا إما للمال وإما للحاشية والغاشية، وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَعْلَمْ يرجح أن قارون تشبع بعلم نفسه على زعمه، وقوله تعالى: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ، قال محمد بن كعب: هو كلام متصل بمعنى ما قبله، والضمير في ذُنُوبِهِمُ عائد على من أهلك من القرون، أي أهلكوا ولم يسأل غيرهم بعدهم عن ذنوبهم أي كل واحد إنما يكلم ويعاقب بحسب ما يخصه، وقالت فرقة: هو إخبار مستأنف عن حال يوم القيامة أن المجرمين لا يسألون عن ذنوبهم، قال قتادة ذلك لأنهم يدخلون النار بغير حساب، وقال قتادة أيضا ومجاهد: معناه أن الملائكة لا تسأل عن ذنوبهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم من السواد والتشويه ونحو ذلك قوله تعالى: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ [الرحمن: ٤١] . قال الفقيه الإمام القاضي: وفي كتاب الله تعالى آيات تقتضي أن الناس يوم القيامة يسألون كقوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: ٢٤] وغير ذلك، وفيه آيات تقتضي أنه لا يسأل أحد كقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٣٩] ، وغير ذلك، فقال الناس في هذا إنها مواطن وطوائف، وذلك من قوله محتمل ويشبه عندي أن تكون الآيات التي توجب السؤال إنما يراد بها أسئلة التوبيخ والتقرير والتي تنفي السؤال يراد بها أسئلة الاستفهام والاستخبار على جهة الحاجة إلى علم ذلك من المسئولين، أي أن ذلك لا يقع لأن العلم بهم محيط وسؤال التوبيخ غير معتد به، ثم أخبر تعالى أن قارون «خرج على قومه» وقد أظهر قدرته من الملابس والمراكب وزينة الدنيا، قال جابر ومجاهد: خرج في

стр. 1970

ثياب حمر، وقال ابن زيد: خرج هو وجملته في ثياب معصفرة، وقيل: في ثياب الأرجوان، وقيل غير هذا، وأكثر المفسرون في تحديد زينة قارون وتعيينها بما لا صحة له فاختصرته، وباقي الآية في اغترار الجهلة والأغمار من الناس بين. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨٠ الى ٨٢] وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) أخبر الله تعالى عن الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والمعرفة بالله تعالى وبحق طاعته والإيمان به أنهم زجروا الأغمار الذين تمنوا حال قارون وحملوهم على الطريقة المثلى من أن النظر والتمني إنما ينبغي أن يكون في أمر الآخرة، وأن حالة المؤمن العامل الذي ينتظر ثَوابُ اللَّهِ تعالى خَيْرٌ من حال كل ذي دنيا، ثم أخبر تعالى عن هذه النزعة وهذه القوة في الخير والدين أنها لا يلقاها أي يمكن فيها ويخولها إلا الصابر على طاعة الله وعن شهوات نفسه، وهذا هو جماع الخير كله، والضمير من يُلَقَّاها عائد على ما لم يتقدم له ذكر من حيث الكلام دال عليه، فذلك يجري مجرى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] وكُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن: ٢٦] وقال الطبري الضمير عائد على الكلمة قوله ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً أي لا يلقى هذه الكلمة إِلَّا الصَّابِرُونَ وعنهم تصدر، وروي في «الخسف» بقارون وبداره أن موسى ﵇ لما أمضه فعل قارون به وتعديه عليه ورميه بأمر المرأة وغير ذلك من فعله به استجار الله تعالى وبكى وطلب النصرة فأوحى الله تعالى إليه لا تهتم فإني أمرت الأرض أن تطيعك في قارون وأهله وخاصته وأتباعه، فقال موسى للأرض خذيهم فأخذت منهم إلى الركب فاستغاثوا يا موسى يا موسى، فقال خذيهم فأخذتهم شيئا شيئا وهم يستغيثون به كل مرة وهو يلج إلى أن تم الخسف بهم، فأوحى الله تعالى إليه يا موسى استغاثوا بك فلم ترحمهم لو بي استغاثوا أو إلي تابوا لرحمتهم وكشفت ما بهم، وقال قتادة ومالك بن دينار: روي لنا أنه يخسف به كل يوم قامة فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. و «الفئة» الجماعة الناصرة التي يفيء إليها الإنسان الطالب للنصرة، وقصة قارون هي بعد جوازهم اليم لأن الرواة ذكروا أنه كان ممن حفظ التوراة وكان يقرؤها، ثم أخبر تعالى عن حال الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ وندمهم واستشعارهم أن الحول والقوة لله تعالى. وقوله وَيْكَأَنَّ مذهب سيبويه والخليل أن «وي» حرف تنبيه، وهي منفصلة من «كأن» لكن أضيفت في الكتاب لكثرة الاستعمال، والمعنى أنهم نبهوا من خاطبوه ثم قالوا بين الاخبار وعلى جهة التعجب

стр. 1971

والتثبت كأن الله يبسط، وقال أبو حاتم وجماعة من النحويين «ويك» هي ويلك حذفت اللام منها لكثرة الاستعمال وجرت في الكلام كذلك ومنه قول عنترة: [الكامل] ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم فكأن المعنى ويلك اعلم أن الله ونحو هذا من الإضمار، وقالت فرقة من النحويين وَيْكَأَنَّ بجملتها دون تقدير انفصال كلمة بمنزلة قولك ألم تر أن. قال الفقيه الإمام القاضي: ويقوى الانفصال فيها على ما قاله سيبويه لأنها تجيء مع «أنّ» ، ومع «أن» وأنشد سيبويه ويكأن من يكن له نشب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضر وهذا البيت لزيد بن عمرو بن نفيل، وقرأ الأعمش «لولا من الله» بحذف «أن» وروي عنه «لولا منّ» برفع النون وبالإضافة إلى الله تعالى، وقرأ الجمهور «لخسف» بضم الخاء وكسر السين، وقرأ عاصم بفتح الخاء والسين، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف «لا نخسف» كأنه فعل مضارع أريد به أن الأرض كانت تبتلعه، وروي عن الكسائي أنه كان يقف على «وي» ، ويبتدىء «كأن» ، وروي عنه الوصل كالجماعة، وروي عن أبي عمرو أنه كان يقف «ويك» ويبتدىء «أن الله» وعلى هذا المعنى قال الحسن إن شئت «ويكأن» أو «يكإن» بفتح الهمزة وبكسرها، وكذلك في وَيْكَأَنَّهُ. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨٣ الى ٨٥] تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) هذا إخبار مستأنف من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ يراد به إخبار جميع العالم وحضهم على السعي بحسب ما تضمنته الآية، وهذا الحض يتصمن الإنحاء على حال قارون ونظرائه، والمعنى أن الآخرة ليست في شيء من أمر قارون إنما هي لمن صفته كذا وكذا، و «العلو» المذموم هو بالظلم ولا الانتحاء والتجبر، قال النبي ﷺ وذلك أن تريد أن يكون شراك نعلك أفضل من شراك نعل أخيك، و «الفساد» يعم وجوه الشر، ومما قال العلماء هو أخذ المال بغير حق وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، خبر منفصل جزم معناه إما في الدنيا وإلا ففي الآخرة ولا بد، ثم وصف تعالى أمر جزاء الآخرة أنه مَنْ جاءَ بعمل صالح فَلَهُ خَيْرٌ من القدر الذي يقتضي النظر أنه مواز لذلك العمل هذا على أن نجعل «الحسنة» للتفضيل، وفي القول حذف مضاف أي من ثوابها الموازي لها ويحتمل أن تكون مَنْ لابتداء الغاية أي له خير بسبب حسنته ومن أجلها.

стр. 1972

وأخبر تعالى أن السيئة لا يضاعف جزاؤها فضلا منه ورحمة، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ، معناه أنزله عليك وأثبته، والفرض أصله عمل فرضة في عود أو نحوه فكأن الأشياء التي تثبت وتمكن وتبقى تشبه ذلك الفرض، وقال مجاهد معناه أعطاك القرآن وقالت فرقة في هذا القول حذف مضاف، والمعنى «فرض عليك أحكام القرآن» ، واختلف المتأولون في معنى قوله لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ، فقال جمهور المتأولين: أراد إلى الآخرة، أي باعثك بعد الموت، فالآية على هذا مقصدها إثبات الحشر والإعلام بوقوعه، وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري وغيرهما: «المعاد» الجنة وقال ابن عباس أيضا وجماعة: «المعاد» الموت. قال الفقيه الإمام القاضي: فكأن الآية على هذا واعظة ومذكرة، وقال ابن عباس أيضا ومجاهد «المعاد» مكة، وهذه الآية نزلت في الجحفة مقدم رسول الله ﷺ في هجرته إلى المدينة، قال أبو محمد: فالآية على هذا معلمة بغيب قد ظهر للأمة ومؤنسة بفتح، و «المعاد» الموضع الذي يعاد إليه وقد اشتهر به يوم القيامة لأنه معاد الكل، وقوله تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ الآية، آية متاركة للكفار وتوبيخ، وأسند الطبري في تفسير قوله لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال إلى الجنة، قال وسماها معادا إما من حيث قد دخلها النبي ﷺ في الإسراء وغيره وإما من حيث قد كان فيها آدم ﵇ فهي معاد لذريته. قال الفقيه الإمام القاضي: وإنما قال هذا من حيث تعطي لفظة «المعاد» أن المخاطب قد كان في حال يعود إليها وهذا وإن كان مما يظهر في اللفظ فيتوجه أن يسمى معادا ما لم يكن المرء قط فيه تجوزا، ولأنها أحوال تابعة للمعاد الذي هو النشور من القبور. قوله : [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨٦ الى ٨٨] وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) قال بعض المفسرين: قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَرْجُوا الآية ابتداء كلام مضمنه تعديد النعمة على محمد ﷺ وأن الله تعالى رحمه رحمة لم يحتسبها ولا بلغها أمله، وقال بعضهم بل هو متعلق بقوله تعالى إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [القصص: ٨٥] أي وأنت بحال من لا يرجو ذلك، وقوله تعالى: يُلْقى إِلَيْكَ عبارة عن تقليده النبوءة وتبليغ القرآن. كما تقول: ألقى فلان إلى فلان بالرياسة ونحو هذا، وقوله تعالى: إِلَّا رَحْمَةً نصب على استثناء منقطع، و «الظهير» المعين أي اشتد يا محمد في تبليغك ولا تلن ولا تفشل فتكون معونة للكافرين بهذا الوجه أي بالفتور عنهم، وقوله تعالى: وَلا يَصُدُّنَّكَ، أي بأقوالهم وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوه وامض لشأنك، وقرأ يعقوب «ولا يصدنك» بجزم

стр. 1973

النون، وقوله وَادْعُ إِلى رَبِّكَ، وجميع الآيات تتضمن المهادنة والموادعة، وهذا كله منسوخ بآية السيف، وسبب هذه الآية ما كانت قريش تدعو رسول الله ﷺ إليه من تعظيم أوثانهم وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته أمر الغرانيق، وقوله تعالى: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ نهي عما هم بسبيله، فهم المراد وإن عري اللفظ من ذكرهم، وقوله تعالى: إِلَّا وَجْهَهُ قالت فرقة: هي عبارة عن الذات، المعنى هالك إلا هو، قاله الطبري وجماعة منهم أبو المعالي ﵀، وقال الزجاج: إلا إياه، وقال سفيان الثوري: المراد إلا ذا وجهه، أي ما عمل لذاته ومن طاعته وتوجه به نحوه ومن هذا قول الشاعر: «رب العباد إليه الوجه والعمل» ومنه قول القائل أردت بفعلي وجه الله تعالى ومنه قوله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: ٥٢] وقوله تعالى: لَهُ الْحُكْمُ أي فصل القضاء وإنفاذ القدرة في الدنيا والآخرة، وقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ إخبار بالحشر والعودة من القبور، وقرأ الجمهور «ترجعون» بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ عيسى «ترجعون» بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ أبو عمرو بالوجهين.

стр. 1974

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة العنكبوت هذه السورة مكية. إلا الصدر منها العشر الآيات فإنها مدنية نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة، وفي هذا الفصل اختلاف وهذا أصح ما قيل فيه. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وقرأ ورش «ألم احسب» بفتح الميم من غير همز بعدها وذلك على تخفيف الهمزة وإلقاء حركتها على الميم، وهذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكر أن يمكن الله الكفرة من المؤمنين قال مجاهد وغيره، فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله تعالى في عباده اختبارا للمؤمنين وفتنة ليعلم الصادق ويري ثواب الله له ويعلم الكاذب ويري عقابه إياه. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب وفي هذه الجماعة فهي بمعناها باقية في أمة محمد ﷺ ، موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى والاختبار باق في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك، وإذا اعتبر أيضا كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن ولكن التي تشبه نازلة المؤمنين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر، وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله تعالى ونظرائه، وقال الشعبي: سبب الآية ما كلفه المؤمنون من الهجرة، فهي الفتنة التي لم يتركوا دونها، لا سيما وقد لحقهم بسببها أن اتبعهم الكفار وردوهم وقاتلوهم، فقتل من قتل ونجا من نجا، وقال السدي: نزلت في مسلمين كانوا بمكة وكرهوا الجهاد والقتال حين فرض على النبي ﷺ في المدينة، و «حسب» ، معناه ظن، وأَنْ نصب ب «حسب» وهي والجملة التي بعدها تسد مسد مفعولي «حسب» وأَنْ الثانية في موضع نصب على تقدير إسقاط حرف الخفض تقديره «بأن يقولوا» ، ويحتمل أن يقدر «لأن يقولوا» ، والمعنى في الباء واللام مختلف وذلك أنه في الباء كما تقول تركت زيدا بحاله،

стр. 1975

وهي في اللام بمعنى من أجل أن حسبوا أن إيمانهم علة للترك، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يريد بهم المؤمنين مع الأنبياء في سالف الدهر، وقرأ الجمهور «فليعلمن» بفتح الياء واللام الثانية، ومعنى ذلك ليظهرن عليهم ويوجدن منهم ما علمه أزلا، وذلك أن علمه بذلك قديم وإنما هذه عبارة عن الإيجاد بالحالة التي تضمنها العلم القديم، والصدق والكذب على بابهما أي من صدق فعله قوله ومن كذبه ونظير هذا قول زهير: [البسيط] ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا قال النقاش، قيل إن الإشارة ب صَدَقُوا هي إلى مهجع مولى عمر بن الخطاب لأنه أول قتيل قتل من المؤمنين يوم بدر، وقالت فرقة: إنما هي استعارة وإنما أراد بها الصلابة في الدين أو الاضطراب فيه وفي جهاد العدو ونحو هذا، وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ «فليعلمن» بضم الياء وكسر اللام، وهذه القراءة تحتمل ثلاثة معان أحدها أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا، بمعنى يوقفهم على ما كان منهم، والثاني أن يكون المفعول الأول محذوفا تقديره ليعلمن الناس أو العالم هؤلاء الصادقين والكاذبين، أي يفضحهم ويشهرهم، هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا والآخرة، والثالث أي يكون ذلك من العلامة أي لكل طائفة علما تشهر به، فالآية على هذا ينظر إليها قول النبي ﷺ «من أسر سريرة ألبسه الله رداءها» وعلى كل معنى منها ففيها وعد للمؤمنين الصادقين ووعيد للكافرين، وقرأ الزهري الأولى كقراءة الجمهور والثانية كقراءة عليّ ﵁. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤ الى ٧] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧) أَمْ معادلة للألف في قوله أَحَسِبَ [العنكبوت: ١] وكأنه قرر الفريقين، قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يفتنون وقرر الكافرين الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ في تعذيب المؤمنين وغير ذلك على ظنهم أنهم يسبقون عقاب الله ويعجزونه، وقوله تعالى: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، وإن كان الكفار المراد الأول بحسب النازلة التي الكلام فيها فإن لفظ الآية يعم كل عاص وعامل سيئة من المسلمين وغيرهم، وقوله ساءَ ما يَحْكُمُونَ يجوز أن يكون ما بمعنى الذي فهي في موضع رفع، ويجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير ساء حكما يحكمونه، وقال ابن كيسان: ما مع يَحْكُمُونَ في موضع المصدر كأنه قال: ساء حكمهم، وفي هذه الآية وعيد للكفرة الفاتنين، وتأنيس وعده بالنصر للمؤمنين

стр. 1976

المفتونين المغلوبين، ثم أخبر تعالى عن الحشر والرجوع إلى الله تعالى في القيامة بأنه آت إذ قد أجله الله تعالى وأخبر به، وفي قوله مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ، تثبيت، أي من كان على هذا الحق فليوقن بأنه آت وليتزيد بصيرة، وقال أبو عبيدة يَرْجُوا هاهنا بمعنى يخاف، والصحيح أن الرجاء هاهنا على بابه متمكنا، قال الزجاج: المعنى لقاء ثواب الله، وقوله تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، معناه لأقوال كل فرقة، والْعَلِيمُ معناه بالمعتقدات التي لهم، وقوله تعالى: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ، إعلام بأن كل واحد مجازى بفعله فهو إذا له، وهو حظه الذي ينبغي أن لا يفرط فيه فإن الله غني عن جهاده و «غني عن العالمين» بأسرهم، وهاتان الآيتان نبذ على سؤال الطائفة المرتابة المترددة في فتنة الكفار التي كانت تنكر أن ينال الكفار المؤمنين بمكروه وترتاب من أجل ذلك، فكأنهم قيل لهم من كان يؤمن بالبعث فإن الأمر حق في نفسه، والله تعالى بالمرصاد، أي هذه بصيرة لا ينبغي لأحد أن يعتقدها لوجه أحد، وكذلك من جاهد فثمرة جهاده له فلا يمن بذلك على أحد، وهذا كما يقول المناظر عند سوق حجته من أراد أن يرى الحق فإن الأمر كذا وكذا ونحو هذا فتأمله، وقيل: معنى الآية ومن جاهد المؤمنين ودفع في صدر الدين فإنما جهاده لنفسه لا لله فالله غني. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ذكره المفسرون وهو ضعيف، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية إخبار عن المؤمنين المهاجرين الذين هم في أعلى رتبة من البدار إلى الله تعالى رفع بهم وبحالهم ليقيم نفوس المتخلفين عن الهجرة وهم الذين فتنهم الكفار إلى الحصول في هذه المرتبة ع و «السيئات» ، الكفر وما اشتمل عليه ويدخل في ذلك المعاصي من المؤمنين مع الأعمال الصالحات واجتناب الكبائر، وفي قوله وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ حذف مضاف تقديره ثواب أحسن الذي كانوا يعملون. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٨ الى ١١] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ الآية، روي عن قتادة وغيره أنها نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص، وذلك أنه هاجر فحلفت أمه أن لا تستظل بظل حتى يرجع إليها ويكفر بمحمد فلج هو في هجرته، ونزلت الآية، وقيل نزلت في عياش بن أبي ربيعة، وذلك أنه اعتراه في دينه نحو من هذا بعد أن خدعه أبو جهل ورده إلى أمه الحديث في كتاب السيرة، ولا مرية أنها نزلت فيمن كان من المؤمنين بمكة يشقى بجهاد أبويه في شأن الإسلام أو الهجرة فكان القصد بهذه الآية النهي عن طاعة الأبوين في مثل هذا، لعظم الأمر

стр. 1977

وكثرة الخطر فيه مع الله تعالى، ثم إنه لما كان بر الوالدين وطاعتهما من الأمر الذي قررته الشريعة وأكدت فيه وكان من القوي عندهم الملتزم قدم الله تعالى النهي عن طاعتهما، وقوله وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً على معنى أنا لا نخلّ ببر الوالدين لكنا لا نسلطه على طاعة الله لا سيما في معنى الإيمان والكفر وقوله: حُسْناً يحتمل أن ينتصب على المفعول، وفي ذلك تجوز ويسهله كونه عاما لمعان، كما تقول وصيتك خيرا أو وصيتك شرا، عبر بذلك عن جملة ما قلت له، ويحسن ذلك دون حرف جر كون حرف الجر في قوله بِوالِدَيْهِ لأن المعنى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بالحسن في فعله، مع والديه، ونظير هذا قول الشاعر: [الرجز] عجبت من دهماء إذ تشكونا ... ومن أبي دهماء إذ يوصينا خيرا بها فكأننا جافونا ويحتمل أن يكون المفعول الثاني في قوله بِوالِدَيْهِ وينتصب حُسْناً بفعل مضمر تقديره يحسن حسنا، وينتصب انتصاب المصدر، والجمهور على ضم الحاء وسكون السين، وقرأ عيسى «حسنا» بفتحهما، وقال الجحدري في الإمام مكتوب «بوالديه إحسانا» قال أبو حاتم يعني «في الأحقاف» ، وقال الثعلبي في مصحف أبي بن كعب «إحسانا» ، ووجوه إعرابه كالذي تقدم في قراءة من قرأ «حسنا» . وقوله تعالى: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ وعيد في طاعة الوالدين في معنى الكفر، ثم كرر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين، ليحرك النفوس إلى نيل مراتبهم، وقوله تعالى: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ مبالغة على معنى في الذين هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته وإذا تحصل للمؤمنين هذا الحكم تحصل ثمره وجزاؤه وهو الجنة، وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ الآية إلى قوله الْمُنافِقِينَ نزلت في قوم من المسلمين كانوا بمكة مختفين بإسلامهم، قال ابن عباس: فلما خرج كفار قريش إلى بدر أخرجوا مع أنفسهم طائفة من هؤلاء فأصيب بعضهم فقال المسلمون كانوا أصحابنا وأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النساء: ٩٧] ، قال فكتبت لمن بقي بمكة بهذه الآية أي لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة وردوهم إلى مكة فنزلت فيهم هذه الآية، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا ويئسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١١٠] ، فكتب لهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجا فخرجوا فلحقهم المشركون فقاتلوهم فنجا من نجا وقتل من قتل، وقال ابن زيد: نزل قوله تعالى: جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ الآية في منافقين كفروا لما أوذوا، وقوله تعالى: جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ أي صعب عليه أذى الناس حين صده وكان حقه أن لا يلتفت إليه وأن يصبر له في جنب نجاته من عذاب الله، ثم أزال تعالى موضع تعلقهم ومغالطتهم أن جاء نصر، ثم قررهم على علم الله تعالى بما في صدورهم أي لو كان يقينا تاما وإسلاما خالصا لما توقفوا ساعة ولركبوا كل هول إلى هجرتهم ودار نبيهم وقوله تعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ، تفسيره على حد ما تقدم في نظيره، وهنا انتهى المدني في هذه السورة.

стр. 1978

قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٢ الى ١٥] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) روي أن قائل هذه المقالة الوليد بن المغيرة، وقيل بل كانت شائعة من كفار قريش قالوا لأتباع النبي ﷺ ادخلوا في أمرنا وأقروا بآلهتنا واعبدوها معنا ونحن ليقيننا أنه لا بعث بعد الموت ولا رجوع نتضمن لكم حمل خطاياكم فيما دعوناكم إليه إن كان في ذلك درك كما تزعمون، وقولهم وَلْنَحْمِلْ إخبار أنهم يحملون خطاياهم على جهة التشبيه بالثقل ولكنهم أخرجوه في صيغة الأمر لأنها أوجب وأشد تأكيدا في نفس السامع من المجازاة وهذا نحو قال الشاعر [مدثار بن شيبان النمري] : [الوافر] فقلت ادعي وأدع فإن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان ولكونه خبرا حسن تكذيبهم فيه، فأخبر الله أن ذلك باطل وأنهم لو فعلوه لم ينحمل عن أحد من هؤلاء المغترين بهم شيء من خطاياه التي تختص به، وقرأ الجمهور «ولنحمل» بجزم اللام، وقرأ عيسى ونوح القاري «ولنحمل» بكسر اللام وقرأ داود بن أبي هند «من خطيهم» بفتح الطاء وكسر الياء وحكى عنه أبو عمرو أنه قرأ «من خطيئاتهم» بكسر الطاء وهمزة وتاء بعد الألف، وقال مجاهد: الحمل هو من الحمالة لا من الحمل على الظهر. ثم أخبر تعالى عن أولئك الكفرة أنهم يحملون أثقالهم من كفرهم الذي يجترحونه ويتلبسون به، وأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ يريد ما يلحقهم من إغوائهم لعامتهم وأتباعهم فأنه يلحق كل داع إلى ضلالة كفل منها حسب الحديث المشهور، «أيما داع إلى هدى فاتبع عليه فله مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا وأيما داع دعا إلى ضلالة» الحديث. قال القاضي أبو محمد: وهي وإن كانت من أَثْقالَهُمْ فلكونها بسبب غيرهم وعن غير كفر تلبسوه فرق بينها وبين أَثْقالَهُمْ ولم ينسبها إلى غيرهم بل جعلها في رتبة أخرى فقط فهم فيها إنما يزرون بوزر أنفسهم، وقد يترتب حمل أثقال الغير بما ورد عن النبي ﷺ «أنه يقتص للمظلوم بأن يعطى من حسنات ظالمه فإن لم يبق للظالم حسنة أخذ من سيئات المظلوم فطرحت عليه» ، وقوله تعالى: وَلَيُسْئَلُنَّ، يريد على جهة التوبيخ والتقريع لا على جهة الاستفهام والاستعلام، ويَفْتَرُونَ، معناه يختلقون من الكفر ودعوى الصاحبة والولد لله تعالى وغير ذلك، وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً الآية

стр. 1979

قصة فيها تسلية لمحمد ﵇ عما تضمنته الآيات قبلها من تعنت قومه وفتنتهم للمؤمنين وغير ذلك، وفيها وعيد لهم بتمثيل أمرهم بأمر قوم نوح، والواو في قوله وَلَقَدْ عاطفة جملة كلام على جملة، والقسم فيها بعيد، وقوله تعالى: أَرْسَلْنا، فَلَبِثَ، هذا العطف بالفاء يقتضي ظاهره أنه لبث هذه المدة رسولا يدعو، وقد يحتمل أن تكون المدة المذكورة مدة إقامته في قومه من لدن مولده إلى غرق قومه، وأما على التأويل الأول فاختلف في سنيه التي بعث عندها، فقيل أربعون، وقيل ثمانون، وقال عون بن أبي شداد: ثلاثمائة وخمسون، وكذلك يحتمل أن تكون وفاته ﵇ عند غرق قومه بعد ذلك بيسير. وقد روي أنه عمر بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين عاما وأنه عاش ألف سنة وستمائة وخمسين سنة، وقوله تعالى: فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ يقتضي أنه أخذ قومه فقط، وقد اختلف في ذلك فقالت فرقة: إنما غرق في الطوفان طائفة من الأرض وهي المختصة بقوم نوح، وقالت فرقة: هي الجمهور: إنما غرقت المعمورة كلها. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو ظاهر الأمر لاتخاذه السفينة ولبعثه الطير يرتاد زوال الماء ولغير ذلك من الدلائل، وبقي أن يعترض هذا بأن يقال كيف غرق الجميع والرسالة إلى البعض، فالوجه في ذلك أن يقال: إن اختصاص نبي بأمة ليس هو بأن لا يهدي غيرها ولا يدعوها إلى توحيد الله تعالى، وإنما هو بأن لا يؤخذ بقتال غيرها ولا ببث العبادات فيهم، لكن إذا كانت نبوة قائمة هذه المدة الطويلة والناس حولها يعبدون الأوثان ولم يكن الناس يومئذ كثيرا بحكم القرب من آدم فلا محالة أن دعاءه إلى توحيد الله كان قد بلغ الكل فنالهم الغرق لإعراضهم وتماديهم، والطُّوفانُ العظيم الطامي، ويقال ذلك لكل طام خرج عن العادة من ماء أو نار أو موت ومنه قول الشاعر: فجاءهم طوفان موت جارف و «طوفان» وزنه فعلان بناء مبالغة من طاف يطوف إذا عم من كل جهة، ولكنه كثر استعماله في الماء خاصة وقوله تعالى: وَهُمْ ظالِمُونَ، يريد بالشرك، وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ قد تقدم في غير هذه السورة الاختلاف في عددهم، وهم بنوه وقوم آمنوا معه، والضمير في قوله وَجَعَلْناها يحتمل أن يعود على السَّفِينَةِ ويحتمل أن يعود على العقوبة، ويحتمل أن يعود على النجاة، والآية هنا العبرة على قدرة الله تعالى في شدة بطشه، قال قتادة: أبقاها آية على الجودي. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٦ الى ١٧] وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) يجوز أن يكون إِبْراهِيمَ معطوفا على «نوح» ، ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في «أنجيناه» [العنكبوت: ١٥] ، ويجوز أن ينصبه فعل تقديره «واذكر إبراهيم» .، وهذه القصة أيضا تمثيل

стр. 1980

لقريش، وكان نمرود وأهل مدينته عبدة أصنام فدعاهم إبراهيم إلى توحيد الله تعالى وعبادته، ثم قرر لهم ما هم عليه من الضلال، وقرأ جمهور الناس، «تخلقون إفكا» ، وقرأ ابن الزبير وفضيل «إفكا» على وزن فعل وهو مصدر كالكذب والضحك ونحوه، واختلف في معنى تَخْلُقُونَ فقال ابن عباس هو نحت الأصنام وخلقها. سماها إِفْكاً توسعا من حيث يفترون بها الإفك في أنها آلهة، وقال مجاهد: هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك، وقرأ عبد الرحمن السلمي وعون العقيلي وقتادة وابن أبي ليلى «وتخلّقون إفكا» بفتح الخاء وشد اللام وفتحها، و «الإفك» على هذه القراءة الكذب ثم وقفهم على جهة الاحتجاج عليهم بأمر تفهمه عامتهم وخاصتهم وهو أمر الرزق، فقرر أن الأصنام لا ترزق، وأمر بابتغاء الخير عند الله تعالى وخصص الرِّزْقَ لمكانته من الخلق فهو جزء يدل على جنسه كله، ويقال شكرت لك وشكرتك بمعنى واحد، ثم أخبرهم بالمعاد والحشر إليه. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٨ الى ٢٠] وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) في قوله تعالى وَإِنْ تُكَذِّبُوا الآية وعيد، أي قد كذب غيركم وعذب وإنما على الرسول البلاغ، وكل أحد بعد ذلك مأخوذ بعمله، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف عنه «أو لم تروا» بالتاء، وقرأ الباقون «أو لم يروا» بالياء، الأولى على المخاطبة والثانية على الحكاية عن الغائب. وقرأ الجمهور «يبدىء» وقرأ عيسى وأبو عمرو بخلاف والزهري «يبدأ» وهذه الإحالة على ما يظهر مع الأحيان من إحياء الأرض والنبات وإعادته ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من القبور والحشر، ويحتمل أن يريد أَوَلَمْ يَرَوْا بالدلائل والنظر كيف يجوز أن يعد الله الأجسام بعد الموت وهو تأويل قتادة، وقال الربيع ابن أنس: كيف يبدأ خلق الإنسان ثم يعيده إلى أحوال أخر حتى إلى التراب، وقال مقاتل الْخَلْقَ في هذه الآية الليل والنهار، ثم أمر تعالى نبيه، ويحتمل أن يكون إبراهيم، ويحتمل أن يكون محمدا، إن كان في قصة إبراهيم اعتراض بين كلامين بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج بالسير في الأرض والنظر في كل قطر وفي كل أمة قديما وحديثا، فإن ذلك يوجد أن لا خالق إلا الله تعالى ولا يبتدىء بالخلق سواه، ثم ساق على جهة الخبر أن الله تعالى يعيد وينشىء نشأة القيام من القبور، وقرأت فرقة «النشأة» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «النشاءة» على وزن الفعالة وهي قراءة الأعرج، وهذا كما تقول رأفة ورافة، وقرأ الباقون «النشأة» على وزن الفعلة، وقرأ الزهري «النشّة» بشين مشددة في جميع القرآن، والبعث من القبور يقوم دليل العقل على جوازه وأخبرت الشرائع وقوعه ووجوده. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢١ الى ٢٣] يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)

стр. 1981

المعنى ييسر من يشاء لأعمال من حق عليه العذاب وييسر من يشاء لأعمال من سبقت له الرحمة فيتعلق الثواب والعقاب بالاكتساب المقترن بالاختراع الذي لله تعالى في أعمال العبد، ثم أخبر أن إليه المنقلب وأن البشر ليس بمعجز ولا مفلت فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، ويحتمل أن يريد ب السَّماءِ الهواء علوا أي ليس للإنسان حيلة صعد أو نزل حكى نحوه الزهراوي ويحتمل أن يريد السَّماءِ المعروفة أي لستم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا ولو كنتم فِي السَّماءِ، وقال ابن زيد معناه ولا من في السماء معجز إن عصى ونظروه على هذا بقول حسان بن ثابت: [الوافر] أمن يهجو رسول الله منا ... ويمدحه وينصره سواء والتأويل الأوسط أحسنها. ونحوه قول الأعشى: [الطويل] ولو كنت في جب ثمانين قامة ... ولقيت أسباب السماء بسلم ليعتورنك القول حتى تهزه ... وتعلم أني لست عنك بمحرم و «الولي» أخص من «النصير، وقرأ يحيى بن الحارث وابن القعقاع «ييسوا» من غير همز، قال قتادة ذم الله تعالى قوما هانوا عليه فقال أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي. قال القاضي أبو محمد: وما تقدم من قوله تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ [العنكبوت: ١٩] إلى هذه الآية المستأنفة، يحتمل أن يكون خطابا لمحمد ويكون اعتراضا في قصة إبراهيم، ويحتمل أن يكون خطابا لإبراهيم ومحاورة لقومه، وعند آخر ذلك ذكر جواب قومه. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٤ الى ٢٥] فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥) قرأ الجمهور «جواب» بالنصب، وقرأ الحسن «جواب» بالرفع، وكذلك قرأ سالم الأفطس، وأخبر الله تعالى عنهم أنهم لما بين إبراهيم الحجج وأوضح أمر الدين رجعوا معه إلى الغلبة والقهر والغشم وعدوا عن طريق الاحتجاج حين لم يكن لهم قبل به فتأمروا في قتله أو تحريقه بالنار، وأنفذوا أمر تحريقه حسبما قد اقتص في غير هذا الموضع، «وأنجاه الله» تعالى من نارهم بأن جعلها عليه بردا وسلاما، قال كعب

стр. 1982

الأحبار: ولم تحرق النار إلا الحبل الذي أو ثقوه به، وجعل ذلك آية وعبرة ودليلا على وحدانيته لمن شرح صدره ويسره للإيمان أي هذا الصنف ينتفع بالآية والكفار هي عليهم عمى وإن كانت في نفسها آية للكل، ثم ذكر تعالى أن إبراهيم ﵇ قررهم على أن اتخاذهم الأوثان والأنصاب إنما كان اتباعا من بعضهم لبعض وحفظا لموداتهم ومحباتهم الدنياوية، وأنهم يوم القيامة يجحد بعضهم بعضا ويتلاعنون لأن توادهم كان على غير تقوى، والأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، وقرأ عاصم في رواية الأعمش عن أبي بكر عنه «مودة» بالرفع «بينكم» بالنصب وهي قراءة الحسن وأبي حيوة. وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي في رواية المفضل «مودة» بترك التنوين والرفع «بينكم» بالخفض، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية أبي زيد «مودة بينكم» بالتنوين والنصب ونصب «بين» ، وقرأ حمزة «مودة» بالنصب وترك التنوين والإضافة إلى «بين» ، فأما قراءتا الرفع في «مودة» فوجههما أن يكون «ما» بمعنى الذي وفي قوله اتَّخَذْتُمْ ضمير عائد على الذي، وهذا الضمير هو مفعول أول ل اتَّخَذْتُمْ، وأَوْثاناً مفعول ثان، و «مودة» خبر «إن» في قراءة من نونها، وفي قراءة من لم ينونها ويجوز أن تكون «ما» كافة ولا يكون في قوله اتَّخَذْتُمْ ضمير ويكون قوله أَوْثاناً مفعولا لقوله اتَّخَذْتُمْ ثم يقتصر عليه، ويقدر الثاني آلهة أو نحوه، كما يقدر قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ [الأعراف: ١٥٢] أي إلها سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ [الأعراف: ١٥٢] ، ويكون قوله «مودة» خبر ابتداء تقديره هو مودة وفي هذه التأويلات مجاز واتساع في تسمية الأوثان «مودة» أو يكون ذلك على حذف مضاف، وأما من نصب مودة فعلى أن «ما» كافة وعلى خلو اتَّخَذْتُمْ من الضمير والاقتصار على المفعول الواحد كما تقدم ويكون نصب «المودة» على المفعول من أجله، ومن أضاف «المودة» إلى «البين» في القراءتين بالنصب والرفع تجوز في ذلك وأجرى الظرف مجرى الأسماء، ومن نصب «بينكم» في قراءتي الرفع والنصب في «مودة» فكذلك يحتمل أن ينتصب انتصاب الظروف ويكون معلقا ب «مودة» وكذلك فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ظرف أيضا متعلق ب «مودة» وهو مصدر عمل في ظرفين من حيث افترقا بالمكان والزمان ولو كانا لواحد منهما لم يجز ذلك، تقول رأيت زيدا أمس في السوق ولا تقول رأيت زيدا أمس البارحة اللهم إلا أن يكون أحد الظرفين جزءا للآخر، رأيت زيدا أمس عشية، ويجوز أن ينتصب «بينكم» على أنه صفة ل «مودة» ، فهنا محذوف مقدر تقديره «مودة» ثابتة «بينكم» ، وفي الظرف ضمير عائد على «مودة» لما حذفت ثابتة استقر الضمير في الظرف نفسه، وقوله فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ظرف في موضع الحال من الضمير الكائن في بَيْنِكُمْ بعد حذف ثابتة فهذه الحال متعلقة ب «مودة» وجاز تعلقها بها، وهي قد وصفت لأن معنى الفعل فيها، وإن وصفت فلا يمتنع أن يعمل معنى الفعل إلا في المفعول، فأما في الظرف والحال فيعمل، قال مكي: ويجوز أن يكون فِي الْحَياةِ صفة ثابتة ل «مودة» ويكون فيها مقدر مستقرة وفيها ضمير ثان عائد إلى «مودة» فالتقدير على هذا مودة ثابتة بينكم مستقرة في الحياة الدنيا. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يكون قوله «مودة» في قراءة من نصب مفعولا ثانيا لقوله اتَّخَذْتُمْ ويكون في ذلك اتساع فتأمله، وفي مصحف أبي بن كعب «مودة بينهم» بالهاء وفي مصحف ابن مسعود «إنما مودّة بينكم» .

стр. 1983

قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٦ الى ٢٨] فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) فَآمَنَ معناه فصدق وهو فعل يتعدى بالباء وباللام والقائل إِنِّي مُهاجِرٌ هو إبراهيم ﵇ قاله قتادة والنخعي. وقالت فرقة: هو لوط ﵇، ومما صح من القصص أن إبراهيم ولوطا هاجرا من قريتهما كوثا وهي في سواد الكوفة من أرض بابل إلى بلاد الشام فلسطين وغيرها، وقال ابن جريج: إلى حران، ثم أمرا بعد إلى الشام وفي هذه الهجرة كانت سارة في صحبة إبراهيم واعتراهما أمر الملك، والمهاجر، النازع عن الأمر وهو في عرف الشريعة من ترك وطنه رغبة في رضى الله تعالى، وقد ذهب بهذا الاسم أصحاب رسول الله ﷺ قبل الفتح، وقوله الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مع الهجرة إليه، صفتان بليغتان يقتضي استحقاق التوكل عليه، وفي قوله إِلى رَبِّي، حذف مضاف كأنه يقول إلى رضى ربي أو نحو هذا، وإِسْحاقَ بن إبراهيم هو الذي بشر به في شيخه، وبشر ب يَعْقُوبَ من ورائه فهو ولد إسحاق، وَالْكِتابَ اسم الجنس أي جعل الله تعالى في ذرية إبراهيم جميع الكتب المنزلة التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وعيسى ﵇ من ذريته، وقوله أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا، يريد في حياته وبحيث أدرك ذلك وسر به، والأجر الذي آتاه الله هو العافية من النار ومن الملك الجائر والعمل الصالح والثناء الحسن قاله مجاهد، وأن كل أمة تتولاه، قاله ابن جريج، والولد الذي قرت به العين بحسب طاعة الله، قاله الحسن ثم أخبر عنه أنه في الآخرة في عداد الصالحين الذين نالوا رضى الله وفازوا برحمته وكرامته العليا، وقوله تعالى وَلُوطاً نصب بفعل مضمر تقديره واذكر لوطا، والْفاحِشَةَ إتيان الرجال في الأدبار وهي معصية ابتدعها قوم لوط. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٩ الى ٣١] أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) تقدم القول في القرآن في أَإِنَّكُمْ، واختلف الناس في قطع السبيل المشار إليه هاهنا، فقالت فرقة:

стр. 1984

كان قطع الطريق بالسلب فاشيا فيهم، وقال ابن زيد: كانوا يقطعون الطرق على الناس لطلب الفاحشة فكانوا يخيفون، وقالت فرقة: بل أراد قطع سبيل النسل في ترك النساء وإتيان الرجال، وقالت فرقة: أراد أنهم لقبح الأحدوثة عنهم يقطعون سبل الناس عن قصدهم في التجارات وغيرها، و «النادي» المجلس الذي يجتمع فيه الناس وهو اسم جنس لأن الأندية في المدن كثيرة فكأنه قال وتأتون في اجتماعكم حيث اجتمعتم. واختلف الناس في الْمُنْكَرَ، فقالت فرقة كانوا يحذفون الناس بالحصباء ويستخفون بالغريب والخاطر عليهم وروته أم هاني عن النبي ﷺ وكانت حلقهم مهملة لا يربطهم دين ولا مروءة، وقال مجاهد ومنصور: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضا، وقال القاسم بن محمد: منكرهم أنهم كانوا يتفاعلون في مجالسهم، ذكره الزهراوي، وقال ابن عباس كانوا يتضارطون ويتصافعون في مجالسهم، وقال مجاهد أيضا: كان أمرهم لعب الحمام وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والحذف ونبذ الحياء في جميع أمورهم وقد توجد هذه الأمور في بعض عصاة أمة محمد ﷺ فالتناهي واجب، فلما وقفهم لوط على هذه القبائح رجعوا إلى التكذيب واللجاج فقالوا ائْتِنا بالعذاب، أي أن ذلك لا يكون ولا تقدر عليه، وهم لم يقولوا هذا إلا وهم مصممون على اعتقاد كذبه، وليس يصح في الفطرة أن يكون معاند يقول هذا، ثم استنصر لوط ﵇ ربه عليهم، فبعث ملائكة لعذابهم ورجمهم بالحاصب فجاؤوا إبراهيم أولا مبشرين بإسحاق ومبشرين بنصرة لوط على قومه، وكان لقاؤهم لإبراهيم على الصورة التي بينت في غير هذه الآية، فلفظة «البشرى» في هذه الآية تتضمن أمر إسحاق ونصرة لوط، ولما أخبره بإهلاك القرية على ظلمهم أشفق إبراهيم على لوط فعارضهم بأمره حسبما يأتي. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٢ الى ٣٥] قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) روي عن ابن عباس أن إبراهيم ﵇ لما علم من قبل الملائكة أن قرية لوط تعذب أشفق على المؤمنين فجادل الملائكة وقال لهم: أرأيتم إن كان فيهم مائة بيت من المؤمنين أتتركونهم، قالوا ليس فيهم ذلك، فجعل ينحدر حتى انتهى إلى عشرة أبيات، فقال له الملائكة ليس فيهم عشرة ولا خمسة ولا ثلاثة ولا اثنان، فحينئذ قال إبراهيم إِنَّ فِيها لُوطاً فراجعوه حينئذ بأنا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها أي لا تخف أن يقع حيف على مؤمن، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر «لننجّينّه» بفتح النون الوسطى وشد الجيم و «منجّوك» بفتح النون وشد الجيم.

стр. 1985

وقرأ حمزة والكسائي «لننجينه» بسكون النون وتخفيف الجيم، «ومنجوك» ، بسكون النون وتخفيف الجيم، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر «لننجّينه» بالتشديد و «منجوك» بالتخفيف، وقرأت فرقة «لننجينه» بسكون النون الأخيرة من الكلمة وهذا إنما يجيء على أنه خفف النون المشددة وهو يريدها، وامرأة لوط هذه كانت كافرة تعين عليه وتنبه على أضيافه، و «الغابر» الباقي ومعناه مِنَ الْغابِرِينَ في العذاب، وقالت فرقة مِنَ الْغابِرِينَ أي ممن عمر وبقي من الناس وعسا في كفره، والضمير في بِهِمْ في الموضعين عائد على الأضياف الرسل، وذلك من تخوفه لقومه عليهم فلما أخبروه بما هم فيه فرج عنه، وقرأ عامة القراء «سيء» بكسر السين، وقرأ عيسى وطلحة بضمها، و «الرجز» ، العذاب، وقوله: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، أي عذابهم بسبب فسقهم، وكذلك كل أمة عذبها الله، فإنما عذبها على الفسوق والمعصية لكن بأن يقترن ذلك بالكفر الذي يوجب عذاب الآخرة، وقرأ أبو حيوة والأعمش «يفسقون» بكسر السين، وقوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها أي من خبرها وما بقي من أثرها، ف «من» لابتداء الغاية ويصح أن تكون للتبعيض على أن يريد ما ترك من بقايا بناء القرية ومنظرها، و «الآية» موضع العبرة وعلامة القدرة ومزدجر النفوس عن الوقوع في سخط الله تعالى، وقرأ جمهور القراء «منزلون» بتخفيف الزاي، وقرأ ابن عامر «منزّلون» بشد الزاي وهي قراءة الحسن وعاصم بخلاف عنهما، وقرأ الأعمش «إنا مرسلون» بدل مُنْزِلُونَ، وقرأ ابن محيصن «رجزا» بضم الراء. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٦ الى ٣٨] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) نصب شُعَيْباً بفعل مضمر يحسن مع إلى تقديره بعثنا أو أرسلنا، فأمر شعيب بعبادة الله تعالى والإيمان بالبعث واليوم الآخر ومع الإيمان به يصح رجاؤه، وذهب أبو عبيدة إلى أن المعنى وخافوا، وتَعْثَوْا، معناه تفسدون، يقال عثا يعثو وعث يعث وعاث يعيث وعثى يعثي إذا فسد، وأهل مَدْيَنَ قوم شعيب هذا على أنها اسم البلدة، وقيل مَدْيَنَ اسم القبيلة وأصحاب الأيكة وغيرهم، وقيل هم بعضهم ومنهم وذلك أن معصيتهم في أمر الموازين والمكاييل كانت واحدة. والرَّجْفَةُ ميد الأرض بهم وزلزلتها عليهم وتداعيها بهم وذلك نحو من الخسف، ومنه الإرجاف بالأخبار، و «الجثوم» في هذا الموضع تشبيه، أي كان همودهم على الأرض كالجثوم الذي هو للطائر والحيوان، ومنه قول لبيد: [الكامل] فغدوت في غلس الظلام وطيره ... غلب على خضل العضاة جثوم

стр. 1986

وقوله وَعاداً منصوب بفعل مضمر تقديره واذكر عادا، وقيل هو معطوف على الضمير في قوله فَأَخَذَتْهُمُ، وقال الكسائي هو معطوف على قوله وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [العنكبوت: ٣] ، وقرأ، «وثمودا» عاصم وأبو عمرو وابن وثاب، وقرأ «وثمود» بغير تنوين أبو جعفر وشيبة والحسن، وقرأ ابن وثاب «وعاد وثمود» بالخفض والتنوين، ثم دل على ما يعطي العبرة في بقايا مَساكِنِهِمْ ورسوم منازلهم ودثور آثارهم، وقرأ الأعمش «تبين لكم مساكنهم» دون «من» ، وقوله تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمُ عطف جملة من الكلام على جملة، والسَّبِيلِ، هي طريق الإيمان بالله ورسله، ومنهج النجاة من النار، وقوله، مُسْتَبْصِرِينَ، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك معناه لهم بصيرة في كفرهم وإعجاب به وإصرار عليه فذمهم بذلك، وقيل لهم بصيرة في أن الرسالة والآيات حق لكنهم كانوا مع ذلك يكفرون عنادا ويردهم الضلال إلى مجاهله ومتالفه، فيجري هذا مجرى قوله تعالى في غيرهم وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤] ، وتزيين الشيطان هو بالوسواس ومناجاة ضمائر الناس، وتزيين الله تعالى الشيء هو بالاختراع وخلق محبته والتلبس به في نفس العبد. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٩ الى ٤٠] وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) نصب قارُونَ إما بفعل مضمر تقديره اذكر وإما بالعطف على ما تقدم، وقارُونَ من بني إسرائيل وهو الذي تقدمت قصته في الكنوز وفي البغي على موسى بن عمران ﵇، وَفِرْعَوْنَ مشهور، وهامانَ وزيره، وهو من القبط، و «البينات» المعجزات والآيات الواضحة، وسابِقِينَ، معناه مفلتبن من أخذنا وعقابنا، وقيل معناه سابِقِينَ أولياءنا، وقيل معناه ما كانُوا سابِقِينَ الأمم إلى الكفر، أي قد كانت تلك عادة أمم مع رسل، والذين أرسل عليهم الحاصب قال ابن عباس: هم قوم لوط. قال الفقيه الإمام القاضي: ويشبه أن يدخل قوم عاد في «الحاصب» لأن تلك الريح لا بد أنها كانت تحصبهم بأمور مؤذية، و «الحاصب» هو العارض من ريح أو سحاب إذا رمى بشيء، ومنه قول الأخطل: [الكامل] ترمي العضاة بحاصب من ثلجها ... حتى يبيت على العضاة جفالا ومنه قول الفرزدق: [البسيط] مستقبلين شمال الشام تضربهم ... بحاصب كنديف القطن منثور

стр. 1987

والذين أخذتهم الصَّيْحَةُ قوم ثمود، قاله ابن عباس وقال قتادة: هم قوم شعيب، و «الخسف» كان بقارون، قاله ابن عباس. قال الفقيه الإمام القاضي: ويشبه أن يكون أصحاب الرجفة في هذا النوع من العذاب، والغرق كان في قوم نوح، وبه فسر ابن عباس وفي فرعون وحزبه، وبه فسر قتادة، وظلمهم أنفسهم كان بالكفر ووضع العبادة في غير موضعها وقدم المفعول على يَظْلِمُونَ للاهتمام وهذا نحو إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥] وغيره، وحكى الطبري عن قتادة أن رجفة قوم شعيب كان صيحة أرجفتهم على هذا مع ثمود. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤١ الى ٤٣] مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) شبه تعالى الكفار في عبادتهم الأصنام وبنائهم جميع أمورهم على ذلك ب الْعَنْكَبُوتِ التي تبني وتجتهد وأمرها كلها ضعيف متى مسته أدنى هابة أذهبته فكذلك أمر أولئك وسعيهم مضمحل لا قوة له ولا معتمد، ومن حديث ذكره النقاش «العنكبوت شيطان مسخه الله تعالى فاقتلوه» ، وروي عن علي ﵁ أنه قال: «طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه يورث الفقر» ، وقوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، أي يَعْلَمُونَ أن هذا مثلهم وأن حالهم ونسبتهم من الحق هذه الحال، وقوله إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ. قرأ أبو عمرو وسلام «يعلم ما» بالإدغام، وقرأ عامة القراء بالفك، وقرأ الجمهور «تدعون» بالتاء من فوق، وقرأ أبو عمرو وعاصم بخلاف «يدعون» بالياء من تحت على الغيبة، فأما موضع ما من الإعراب فقيل معناه أن الله يعلم الذين يدعون من دونه من جميع الأشياء أن حالهم هذه وأنهم لا قدرة لهم، وقيل قوله إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ إخبار تام، وقوله وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ متصل به، واعترض بين الكلامين ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، وذلك على هذا النحو من النظر يحتمل معنيين أحدهما أن تكون ما نافية أي لستم تدعون شيئا له بال ولا قدر ولا خلاق فيصلح أن يسمى شيئا وفي هذا تعليق يَعْلَمُ وفيه نظر، الثاني أن تكون ما استفهاما كأنه قرر على جهة التوبيخ على هذا المعبود من جميع الأشياء ما هو إذ لم يكن الله تعالى أي ليس لهم على هذا التقرير جواب مقنع البتة، ف مِنْ على القول الأول والثالث للتبعيض المجرد، وعلى القول الوسط هي زائدة في الجحد ومعناها التأكيد، وقال أبو علي ما استفهام نصب ب يَدْعُونَ ولا يجوز نصبها ب يَعْلَمُ، والتقدير أن الله يعلم أوثانا تدعون من دونه أو غيره لا يخفى ذلك عليه، وقوله وَتِلْكَ الْأَمْثالُ إشارة إلى هذا المثل ونحوه، ونَضْرِبُها مأخوذ من الضرب

стр. 1988

أي النوع كما تقول هذان من ضرب واحد وهذا ضريب هذا أي قرينه وشبهه، فكأن ضرب المثل هو أن يجعل للأمر الممثل ضريب، وباقي الآية بين. وقرأت فرقة «يدعون» بالياء من تحت، وقرأت فرقة «تدعون» بالتاء على المخاطبة، وقال جابر: قال النبي ﷺ في قوله إِلَّا الْعالِمُونَ: «العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته وانتهى عن معصيته» . قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٤ الى ٤٥] خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥) نبه في ذكر خلق السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على أمر يوقع الذهن على صغر قدر الأوثان وكل معبود من دون الله، وقوله تعالى: بِالْحَقِّ أي بالواجب النير لا للعبث واللعب، بل ليدل على سلطانه ويثبت شرائعه ويضع الدلالات لأهلها ويعم بالمنافع إلى غير ذلك مما لا يحصى عدا، ثم أمر تعالى نبيه ﵇ بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن الذي أوحي إليه، وإقامة الصلاة أي إدامتها والقيام بحدودها ثم أخبر حكما منه إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى صاحبها وممتثلها عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ. قال الفقيه الإمام القاضي: وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات وتذكر الله تعالى وتوهم الوقوف بين يدي العظمة، وأن قلبه وإخلاصه مطلع عليه مرقوب صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى فاطرد ذلك في أقواله وأعماله وانتهى عن الفحشاء والمنكر، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حاله، فهذا معنى هذا الإخبار لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون، وقد روي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم في ذلك فقال: إني أقف بين يدي الله تعالى وحق لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك. قال الفقيه الإمام القاضي: فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر، ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تركته الصلاة يتمادى على بعده وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا» . وقد روي أن الحسن أرسله عن النبي ﷺ وذلك غير صحيح السند، سمعت أبي ﵁ يقوله فإذا قررناه ونظرنا معناه فغير جائز أن نقول إن نفس صلاة العاصي تبعده من الله حتى كأنها معصية، وإنما يتخرج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه من الله تعالى بل تتركه في حاله ومعاصيه من الفحشاء والمنكر تبعده، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان بسبيله، فكأنها بعدته حين لم تكف بعده عن الله تعالى، وقيل لابن مسعود إن فلانا كثير الصلاة، فقال: إنها لا تنفع إلا من أطاعها، وقرأ الربيع بن أنس «إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر» ، وقال ابن عمر الصَّلاةَ هاهنا

стр. 1989

القرآن، وقال حماد بن أبي سليمان وابن جريج والكلبي: إن الصلاة تنهى ما دمت فيها. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذه عجمة وأنى هذا مما روى أنس بن مالك قال: كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي ﷺ ولا يدع شيئا من الفواحش والسرقة إلا ركبه، فقيل ذلك للنبي ﷺ فقال «إن صلاته ستنهاه» ، فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله، فقال رسول الله ﷺ : «ألم أقل لكم» ؟ وقوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال ابن عباس وأبو الدرداء وسلمان وابن مسعود وأبو قرة: معناه، وَلَذِكْرُ اللَّهِ إياكم أَكْبَرُ من ذكركم إياه، وقيل معناه وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر، قال ابن زيد وقتادة معناه وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ من كل شيء، وقيل لسلمان أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. ومنه حديث الموطأ عن أبي الدرداء «ألا أخبركم بخير أعمالكم؟» الحديث، وقيل معناه وَلَذِكْرُ اللَّهِ كبير كأنه يحض عليه في هذين التأويلين الأخيرين. قال الفقيه الإمام القاضي: وعندي أن المعنى وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ على الإطلاق أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر. فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل في غير الصلاة لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر مراقب، وثواب ذلك الذكر أن يذكره الله تعالى كما في الحديث «ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه» ، والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في نهي، والذكر النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله تعالى، وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى، وذكر الله تعالى العبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه، وذلك ثمرة لذكر العبد ربه، قال الله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢] ، وباقي الآية ضرب من التوعد والحث على المراقبة. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٤٦] وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) قرأ الجمهور «إلا» على الاستثناء، وقرأ ابن عباس «ألا» بفتح الهمزة وتخفيف اللام، واختلف المفسرون في المراد بهذه الآية، فقال ابن زيد: معناها «لا تجادلوا» من آمن بمحمد من أَهْلَ الْكِتابِ فكأنه قال أَهْلَ الْكِتابِ المؤمنين إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي الموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك، وقوله تعالى على هذا التأويل إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا يريد به من بقي على كفره منهم، كمن كفر وغدر من قريظة والنضير وغيرهم، والآية على هذا محكمة غير منسوخة، وقال مجاهد: المراد ب أَهْلَ الْكِتابِ اليهود والنصارى الباقون على دينهم أمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ من الدعاء إلى الله تعالى والتنبيه على آياته، وأن يزال معهم عن طريق الإغلاظ والمخاشنة، وقوله على هذا التأويل إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا معناه ظلموكم وإلا فكلهم ظلمة على الإطلاق يراد بهم من لم يؤد جزية

стр. 1990

الحرب، ومن قال وصرح بأن لله ولدا أو له شريك أو يده مغلولة، فالآية على هذا منسوخة في مهادنة من لم يحارب، قال قتادة هي منسوخة بقول الله تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة: ٢٩] . قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يتوجه في معنى الآية إنما يتضح مع معرفة الحال في وقت نزول الآية، وذلك أن السورة مكية من بعد الآيات العشر الأول، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ولا طلب جزية ولا غير ذلك، وكانت اليهود بمكة وفيما جاورها فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج في أمر الدين وتكذيب، فأمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم بالمحاجة إلا بالحسنى دعاء إلى الله تعالى وملاينة، ثم استثنى من ظلم منهم المؤمنين إما بفعل، وإما بقول، وإما بإذاية محمد ﷺ ، وإما بإعلان كفر فاحش كقول بعضهم عزير ابن الله ونحو هذا، فإن هذه الصنيفة استثني لأهل الإسلام مقارضتها بالتغيير عليها والخروج معها عن التي هي أحسن، ثم نسخ هذا بعد بآية القتال والجزية وهذا قول قتادة وقوله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا الآية، قال أبو هريرة كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية فيفسرونها بالعربية للمسلمين، فقال رسول الله ﷺ لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وروى عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق وإما أن تصدقوا بباطل» . قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٧ الى ٤٩] وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩) تقدم في الآية التي قبل هذه ما يتضمن نزول شرع وكتاب من عند الله على أنبياء قبل محمد ﵇ فحسن لذلك عطف كَذلِكَ أَنْزَلْنا على ما في المضمر، أي وكما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا إليك، والْكِتابِ القرآن، وقوله فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يريد التوراة والإنجيل، أي فالذين كانوا في عصر نزول الكتاب وأوتوه حينئذ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي كانوا مصدقين بهذا الكتاب الذي أنزلناه إليك، فالضمير في بِهِ عائد على القرآن، ثم أخبر عن معاصري محمد ﷺ أن منهم أيضا مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ولم يكونوا آمنوا بعد، ففي هذا إخبار بغيب بينه الوجود بعد ذلك، ثم أنحى على الجاحدين من أمة قد آمن سلفها في القديم وبعضها في الحديث، وحصل الجاحدون في أخس رتبة من الضلال، ويشبه أن يراد أيضا في هذا الإنحاء كفار قريش مع كفار بني إسرائيل، ثم بين تعالى الحجة على «المبطلين» المرتابين ما وضح أن مما يقوي نزول هذا القرآن من عند الله أن محمدا ﷺ جاء به في غاية الإعجاز والطول والتضمن للغيوب وغير ذلك وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يتلو كتابا ولا يخط حرفا ولا سبيل له

стр. 1991

إلى العلم، فإنه لو كان ممن يقرأ لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ وكان لهم في ارتيابهم متعلق، وأما ارتيابهم مع وضوح هذه الحجة فظاهر فساده، وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا لا يخط ولا يقرأ كتابا فنزلت هذه الآية، وذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي ﷺ حتى كتب وأسند أيضا حديثا إلى أبي كبشة السلولي مضمنه أنه ﵇ قرأ صحيفة لعيينة بن حصن وأخبر بمعناها. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله ضعيف، وقول الباجي ﵀ منه، وقوله تعالى: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ إضراب عن مقدر من الكلام يقتضيه ما تقدم كأنه قال: ليس الأمر كما حسبوا بَلْ هُوَ وهذا الضمير يحتمل أن يعود على القرآن، ويؤيده أن في قراءة ابن مسعود «بل هي آيات» ، ويحتمل أن يعود على محمد ﷺ ويؤيده أن قتادة قرأ «بل هو آية بينة» على الإفراد، وقال: المراد النبي ﷺ ، ويحتمل أن يعود على أمر محمد ﷺ في أنه لم يتل ولا خط، وبكل احتمال قالت فرقة، وكون هذا كله آياتٌ أي علامات فِي صُدُورِ العلماء من المؤمنين بمحمد، يراد به مع النظر والاعتبار. والظَّالِمُونَ والْمُبْطِلُونَ، قيل يعم لفظهما كل مكذب بمحمد ﷺ ولكن عظم الإشارة بهما إلى قريش لأنهم الأهم، قاله مجاهد، وقال قتادة: الْمُبْطِلُونَ اليهود. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٠ الى ٥٢] وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) الضمير في قالُوا لقريش ولبعض اليهود، لأنهم كانوا يعلمون قريشا مثل هذه الحجة يقولون: لم لا يأتيكم بمثل ما جاء به موسى من العصا وغيرها، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وعلي بن نضر عن أبي عمرو «آية من ربه» ، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم «آيات من ربه» ، فأمر الله تعالى نبيه أن يعلم أن هذا الأمر بيد الله ولا يستنزله الاقتراح ولا التمني وأنه بعث نذيرا ولم يؤمر بغير ذلك، وفي مصحف أبي بن كعب «قالوا لو ما يأتينا بآيات من ربه قل إنما الآيات» ، ثم احتج عليهم في طلبهم آية بأمر القرآن الذي هو أعظم الآيات ومعجز للجن والإنس فقال: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ، ثم قرر ما فيه من «الرحمة والذكرى» للمؤمنين، فقوله أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ، جواب لمن قال لَوْلا أُنْزِلَ، وحكى الطبري أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من المؤمنين كتبوا عن اليهود بطائق أخبروهم بشيء من التوراة فكتبوه، فأنكر ذلك رسول الله ﷺ وقال «كفى بها ضلالة قوم أن رغبوا عما آتاهم به نبيهم إلى ما أتى به غيره» ، ونزلت الآية بسببه.

стр. 1992

قال الفقيه الإمام القاضي: والتأويل الأول أجرى مع نسق الآيات، ثم أمر تعالى نبيه بالإسناد إلى أمر الله تعالى وأن يجعله حسبه شَهِيداً وحاكما بينه وبينهم بعلمه وتحصيله جميع أمورهم، وقوله بِالْباطِلِ، يريد بالأصنام والأوثان وما يتبع أمرها من المعتقدات، والباطل، هو أن يفعل فعل يراد به أمر ما، وذلك الأمر لا يكون عن ذلك الفعل، والأصنام أريد بأمرها الأكمل والأنجح في زعم عبادها وليس الأكمل والأنجح إلا رفضها فهي إذا باطل، وباقي الآية بين. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٣ الى ٥٥] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) قوله وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ يراد به كفار قريش في قولهم ائتنا بما تعدنا، وغير ذلك من استدعائهم على جهة التعجيز والتكذيب عذاب الله الذي يتوعدهم محمد ﷺ به، ثم أخبر تعالى أنه يأتيهم بَغْتَةً أي فجأة وهذا هو عذاب الدنيا وهو الذي ظهر يوم بدر في السنين السبع. ثم ذكر تعالى أن تأخره إنما هو حسب الأجل المقدور السابق، وقال المفسرون عن الضحاك: أن «الأجل المسمى» في هذه الآية الآجال.. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف يرده النظر، والآجال لا محالة أَجَلٌ مُسَمًّى ولكن ليس هذا موضعها، ثم توعدهم ﵎ بعد عذاب الآخرة في قوله يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ، كرر فعلهم وقبحه، وأخبر أن وراءهم إحاطة جهنم بهم وقال عكرمة فيما حكى الطبري إن جَهَنَّمَ هاهنا أراد بها البحر. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف، وقوله تعالى: يَوْمَ يَغْشاهُمُ ظرف يعمل فيه قوله «محيطة» ، ويَغْشاهُمُ معناه يغطيهم من كل جهة من جهاتهم، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي «ويقول» أي ويقول الله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «ونقول» بالنون، فإما أن تكون نون العظمة أو نون جماعة الملائكة، وقرأ ابن مسعود «ويقال» بياء وألف وهي قراءة ابن أبي عبلة، وقوله تعالى: ذُوقُوا توبيخ، وتشبيه مس العذاب بالذوق، ومنه قوله ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] ، ومنه قول أبي سفيان: ذق عقق ونحو هذا كثير، وقوله تعالى: ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بما في أعمالكم من اكتسابكم. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٩] يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)

стр. 1993

هذه الآيات نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة، فأخبرهم تعالى بسعة أرضه وأن البقاء في بقعة على أذى الكفار ليس بصواب، بل الصواب أن تلتمس عبادة الله في أرضه، وقال ابن جبير وعطاء ومجاهد: إن الأرض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق، وقاله مالك، وقال مطرف بن الشخير قوله إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ عدة بسعة الرزق في جميع الأرض، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر «يا عبادي» بفتح الياء، وقرأ ابن عامر وحده «إن أرضي» بفتح الياء أيضا، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بسكونها، وكذلك قرأ نافع وعاصم «أرضي» ساكنة، وقوله تعالى: فَإِيَّايَ منصوب بفعل مقدر يدل عليه الظاهر تقديره فَإِيَّايَ اعبدوا فَاعْبُدُونِ على الاهتمام أيضا في التقديم، وقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ تحقير لأمر الدنيا ومخاوفها كأن بعض المؤمنين نظر في عاقبة تلحقه في خروجه من وطنه أنه يموت أو يجوع ونحو هذا، فحقر الله تعالى شأن الدنيا، أي أنتم لا محالة ميتون ومحشورون إلينا، فالبدار إلى طاعة الله والهجرة إليه أولى ما يمتثل، وقرأ الجمهور «ترجعون» بالتاء من فوق، ورويت عن عاصم بالياء من تحت وذكرها أبو حاتم عن أبي عمرو، وقرأ أبو حيوة «كل نفس ذائقة» بالتنوين «الموت» بالنصب، ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضا منه تعالى، وذكر الجزاء الذي ينالونه، وقرأ جمهور القراء «لنبوئنهم» من المباءة أي لننزلنهم ولنمكننهم ليدوموا فيها، وغُرَفاً مفعول ثان لأنه فعل يتعدى إلى مفعولين، وقرأ حمزة والكسائي «لنثوينهم» من أثوى يثوي وهو معدى ثوى بمعنى أقام وهي قراءة على بن أبي طالب ﵁ وابن مسعود والربيع بن خيثم وابن وثاب وطلحة، وقرأها بعضهم «لنثوّينهم» بفتح الثاء وتشديد الواو معدى بالتضعيف لا بالهمزة، فقوله غُرَفاً نصب بإسقاط حرف الجر التقدير في غرف، وقرأ يعقوب «لنبوينهم» بالياء من تحت، وروي عن ابن عامر «غرفا» بضم الغين والراء، ثم وصفهم تعالى بالصبر والتوكل وهاتان جماع الخير كله أي الصبر على الطاعات وعن الشهوات. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦٠ الى ٦٣] وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) كَأَيِّنْ بمعنى كم، وهذه الآية أيضا تحريض على الهجرة لأن بعض المؤمنين فكر في الفقر والجوع الذي يلحقه في الهجرة وقالوا غربة في بلد لا دار لنا فيه ولا عقار ولا من يطعم فمثل لهم بأكثر الدواب التي تتقوت ولا تدخر ولا تروي في رزقها، المعنى فهو يرزقكم أنتم، ففضلوا طاعته على كل

стр. 1994

شيء، وقوله تعالى: لا تَحْمِلُ يجوز أن يريد من الحمل أي لا تستقل ولا تنظر في ادخار، وقاله ابن مجلز ومجاهد وعلي بن الأقمر. قال الفقيه الإمام القاضي: والادخار ليس من خلق الموقنين، وقد قال رسول الله ﷺ لابن عمر: «كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنة بضعف اليقين» ، ويجوز أن يريد من الحمالة أي لا تتكفل لنفسها ولا تروي فيه، ثم خاطبه تعالى بأمر الكفار وإقامة الحجة عليهم بأنهم إن سئلوا عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة لم يكن لهم إلا التسليم بأنها لله تعالى، ويُؤْفَكُونَ معناه يصرفون، ونبه تعالى على خلق السماوات وخلق الأرض وتسخير الكواكب وذكر عظمها فاقتضى ذلك ما دونه، ثم نبه على «بسط الرزق» وقدره لقوم، وإنزال المطر من السماء، وهذه عبر كفيلة لمن تأمل بالنجاة والمعتقد الأقوم، ثم أمر تعالى نبيه بحمده على جهة التوبيخ لعقولهم وحكم عليهم بأن أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ولا يتسدد منهم نظر. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦٤ الى ٦٧] وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وصف الله تعالى الدُّنْيا في هذه الآية بأنها لَهْوٌ وَلَعِبٌ أي ما كان منها لغير وجه الله تعالى، فأما ما كان لله فهو من الآخرة، وأما أمور الدنيا التي هي زائدة على الضروري الذي به قوام العيش والقوة على الطاعات فإنما هو لَهْوٌ وَلَعِبٌ، وتأمل ذلك في المطاعم والملابس والأقوال والمكتسبات وغير ذلك، وانظر أن حالة الغني والفقير في الأمور الضرورية واحدة كالتنفس في الهواء وسد الجوع وستر العورة وتوقي الحر والبرد وهذه عظم أمر العيش، والْحَيَوانُ والْحَياةُ بمعنى واحد، وهو عند الخليل وسيبويه مصدر كالهيمان ونحوه، والمعنى لا موت فيها قاله مجاهد وهو حسن، ويقال أصله حييان فبدلت إحداهما واوا لاجتماع المثلين، ثم وقفهم تعالى على حالهم في البحر عند الخوف العظيم، فإن كل بشر ينسى كل صنم وغيره ويتمسك بالدعاء والرغبة إلى الله تعالى، وقوله إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ أي يرجعون إلى ذكر أصنامهم، وتعظيمها، وقوله لِيَكْفُرُوا نصب بلام كي، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم «وليتمتعوا» بكسر اللام، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «وليتمتعوا» بسكون اللام على صيغة الأمر التي هي للوعيد والتهديد، والواو على هذا عاطفة جملة كلام، لا عاطفة فعل على فعل وفي مصحف أبي بن كعب «فتمتعوا فسوف تعلمون» ، وفي قراءة ابن مسعود «لسوف تعلمون» باللام، ثم عدد تعالى على كفار قريش نعمته عليهم في الحرم في أنه جعله لهم آمنا لا خوف فيه من أحوال العرب وغارتهم وسوء أفعالهم من القتل وأخذ الأموال ونحوه، وذلك هو «التخطف» الذي كان الناس بسبيله، ثم قررهم على جهة التوبيخ

стр. 1995

على إيمانهم بالباطل وكفرهم بالله وبنعمته، وقرأ جمهور القراء «يؤمنون» بالياء من تحت وكذلك «يكفرون» ، وقرأهما بالتاء من فوق الحسن وأبو عبد الرحمن. قوله : [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦٨ الى ٦٩] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) قررهم على حال من افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بآياته، وهذه كانت حالهم وأعلمهم أنه لا أحد أَظْلَمُ منهم، وهذا في ضمنه وعيد شديد، ثم بين الوعيد أيضا بالتقرير على أمر جهنم، و «المثوى» موضع الإقامة، وألفاظ هذه الآيات في غاية الاقتضاب والإيجاز وجمع المعاني، ثم ذكر تعالى حال أوليائه والمجاهدين فيه، وقرر ذلك بذكر الكفرة والظلمة ليبين تباين الحالتين، وقوله فِينا، معناه في مرضاتنا وبغية ثوابنا. قال السدي وغيره: نزلت هذه الآية قبل فرض القتال. قال الفقيه الإمام القاضي: فهي قبل الجهاد العرفي وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته، قال الحسن بن أبي الحسن: الآية في العباد، وقال عياش وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعلمون، وقال النبي ﷺ : «من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم» ، ونزع بعض العلماء بقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٢] ، وقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في هذه الآية قتال العدو فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين، وعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر، قاله الحسن وغيره وفيه حديث عن النبي ﷺ «رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» ، وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله يقول وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وقال الضحاك: معنى الآية وَالَّذِينَ جاهَدُوا في الهجرة لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبل الثبوت على الإيمان، و «السبل» هاهنا يحتمل أن تكون طرق الجنة ومسالكها، ويحتمل أن تكون سبل الأعمال المؤدية إلى الجنة والعقائد النيرة، قال يوسف بن أسباط: هي إصلاح النية في الأعمال وحب التزيد والتفهيم، وهذا هو أن يجازى العبد على حسنة بازدياد حسنة وبعلم يقتدح من علم متقدم وهي حال من ﵁، وباقي الآية وعد، و «مع» تحتمل أن تكون هنا اسما ولذلك دخلت عليها لام التأكيد، ويحتمل أن تكون حرفا ودخلت اللام لما فيها من معنى الاستقرار كما دخلت في «إن زيدا لفي الدار» . كمل تفسير سورة العنكبوت والحمد لله رب العالمين

стр. 1996

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الرّوم هذه السورة مكية. ولا خلاف أحفظه في ذلك. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور بما فيه كفاية، وقرأ الجمهور «غلبت» بضم الغين وقالوا معنى الآية أنه طرأ بمكة أن الملك كسرى هزم جيش ملك الروم قال مجاهد: في الجزيرة وهو موضع بين العراق والشام، وقال عكرمة: وهي بين بلاد العرب والشام، وقال مقاتل: بالأردن وفلسطين، فلما طرأ ذلك سر الكفار فبشر الله عباده بأن الروم سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ وتكون الدولة لهم في الحرب، وقرأ أبو سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن قرة وعبد الله بن عمر «غلبت» الروم بفتح الغين واللام، وتأويل ذلك أن الذي طرأ يوم بدر إنما كان أن الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسر المسلمون فبشر الله تعالى عباده بأنهم سَيَغْلِبُونَ أيضا فِي بِضْعِ سِنِينَ، ذكر هذا التأويل أبو حاتم، والرواية الأولى والقراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على «سيغلبون» أنه بفتح الياء يريد به الروم، وروي عن ابن عمرو أنه قرأ أيضا «سيغلبون» بضم الياء، وفي هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به، وأَدْنَى الْأَرْضِ معناه أقرب الأرض، فإن كانت الوقعة في أذرعات فهي من أَدْنَى الْأَرْضِ بالقياس إلى مكة وهي التي ذكر امرؤ القيس في قوله: [الطويل] تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي أَدْنَى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن فهي أَدْنَى إلى أرض الروم، قال أبو حاتم: وقرىء «أداني الأرض» ، وقرأ جمهور الناس «غلبهم» بفتح اللام كما يقال أحلب حلبا لك شطره، وقرأ ابن عمر بسكونها وهما مصدران بمعنى واحد وأضيف إلى المفعول، وروي في قصص هذه الآية عن ابن عباس وغيره أن الكفار لما فرحوا بمكة بغلب الروم بشر الله نبيه والمؤمنين بأن

стр. 1997

الروم سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ أي من الثلاثة إلى التسعة على مشهور قول اللغويين. كأنه تبضيع العشرة أي تقطيعها وقال أبو عبيدة: من الثلاث إلى الخمس، وقوله مردود، فلما بشرهم بذلك خرج أبو بكر الصديق إلى المسجد فقال لهم: أسركم إن غلبت الروم فإن نبينا أخبرنا عن الله تعالى أنهم سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ فقال له أبي بن خلف وأمية أخوه وقيل أبو سفيان بن حرب تعال يا أبا فصيل يعرضون بكنيته بالبكر فلنتناحب، أي نتراهن، في ذلك فراهنهم أبو بكر قال قتادة: وذلك قبل أن يحرم القمار وجعل الرهن خمس قلائص، والأجل ثلاث سنين، فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال له «إن البضع إلى التسعة ولكن زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل» ، ففعل أبو بكر فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة أعوام، فغلبت الروم في أثناء الأجل، فروي عن أبي سعيد الخدري أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر، وروي أن ذلك كان يوم الحديبية وأن الخبر بذلك وصل يوم بيعة الرضوان، روي نحوه عن قتادة، وفي كلا اليومين كان نصر من الله تعالى للمؤمنين، وذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمهم أن تغلب وكون المشركين من قريش على ضد ذلك إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين، والفرس أهل الأوثان أو نحوه من عبادة النار ككفار قريش والعرب. قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن يعلل ذلك بما تقتضيه الفطر من محبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤنة ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه، فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله ﷺ ترجاه من ظهور دينه وشرع الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه. وسِنِينَ، يجمع كجمع من يعقل عوضا من النقص الذي في واحده لأن أصل سنة سنهة أو سنوة، وكسرت السين منه دلالة على أن جمعه خارج عن قياسه ونمطه ثم أخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدره، فقال لِلَّهِ الْأَمْرُ أي إنفاذ الأحكام مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أي من بعد هذه الغلبة التي بين هؤلاء القوم، وقَبْلُ وبَعْدُ ظرفان بنيا على الضم لأنهما تعرفا بحذف ما أضيفا إليه وصارا متضمنين ما حذف فخالفا معرب الأسماء وأشبها الحروف في التضمين فبينا وخصا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نكر أو أضيف زال بناؤه، وكذلك هما فضما كما المنادى مبني على الضم، وقيل في ذلك أيضا أن الفتح تعذر فيهما لأنه حالهما في إظهار ما أضيفا إليه، وتعذر الكسر لأنه حالهما عند إضافتهما إلى المتكلم، وتعذر السكون لأن ما قبل أحدهما ساكن، فلم يبق إلا الضم فبنيا عليه، ومن العرب من يقول «من قبل ومن بعد» بالخفض والتنوين. قال الفراء: ويجوز ترك التنوين فيبقى كما هو في الإضافة وإن حذف المضاف، وقوله تعالى: وَيَوْمَئِذٍ يحتمل أن يكون عطفا على القبل والبعد، كأنه حصر الأزمنة الثلاثة الماضي والمستقبل والحال، ثم ابتدأ الإخبار بفرح المؤمنين بالنصر، ويحتمل أن يكون الكلام تم في قوله بَعْدُ، ثم استأنف عطف جملة أخبر فيها أن يوم غلبت الروم الفرس يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، وعلى هذا الاحتمال مشى المفسرون، والنصر الذي يَفْرَحُ به الْمُؤْمِنُونَ يحتمل أن يشار فيه إلى نصر الروم على فارس وهي نصرة الإسلام بحكم السببين اللذين قد ذكرتهما، ويحتمل أن يشار فيه إلى نصر يخص المؤمنين على عدوهم وهذا أيضا غيب أخبر به وأخرجه الوجود إما يوم بدر وإما يوم بيعة الرضوان، ويحتمل

стр. 1998

أن يشار به إلى فرح المسلمين بنصر الله إياهم في أن صدق ما قال نبيهم من أن الروم ستغلب فارس فإن هذا ضرب من النصر عظيم، وقوله تعالى: وَعْدَ اللَّهِ نصب على المصدر المؤكد، وقوله وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يريد الكفار من قريش والعرب، أي لا يعلمون أن الأمور من عند الله وأن وعده لا يخلف وأن ما يورده نبيه حق. قال القاضي أبو محمد: هذا الذي ذكرناه هو عمدة ما قيل، وقد حكى الطبري وغيره روايات يردها النظر أو قول الجمهور، من ذلك أن بعضهم قال إنما نزلت وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ بعد غلبة الروم لفارس ووصول الخبر بذلك، وهذا يقتضي أن الآية مدنية والسورة مكية بإجماع ونحو هذا من الأقوال. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٧ الى ٨] يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) وصف تعالى الكفرة الذين لا يعلمون أمر الله وصدق وعده بأنهم إنما يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا، واختلف الناس في معنى ظاهِراً فقالت فرقة معناه بينا أي ما أدته إليهم حواسهم فكأن علومهم إنما هي علوم البهائم، وقال ابن عباس والحسن والجمهور: معناه ما فيه الظهور والعلو في الدنيا من إتقان الصناعات والمباني ومظان كسب الأموال والفلاحات ونحو هذا، وقالت فرقة: معناه ذاهبا زائلا أي يعلمون أمور الدنيا التي لا بقاء لها ولا عاقبة ومثل هذه اللفظة قول الهذلي: وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وقال سعيد بن جبير: إن قوله ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا إشارة إلى ما يعلم من قبل الكهنة مما يسترقه الشياطين، وقال الروماني: كل ما يعلم بأوائل العقول فهو الظاهر وما يعلم بدليل العقل فهو الباطن. قال القاضي أبو محمد: وفيه تقع الغفلة وتقصير الجهال، ثم وصفهم ب «الغفلة» والإعراض عن أمر الآخرة وكرر الضمير تأكيدا، وغفلة الكافر هي على الكمال والمؤمن المنهمك في أمور الدنيا التي هي أكبر همه يأخذ من هذه الآية بحظ، نوّر الله قلوبنا بهداه، ثم وقفهم على جهة التوبيخ على أنهم قد فكروا فلم تنفعهم الفكرة والنظر إذ لم يكن على سداد، وقوله تعالى: فِي أَنْفُسِهِمْ يحتمل معنيين: أحدهما أن تكون الفكرة في ذواتهم وحواسهم وخلقتهم ليستدلوا بذلك على الخالق المخترع، ثم أخبر عقب هذا المعنى بأن الحق هو السبب في خلق السماوات والأرض، فيفهم على طريقة الإيجاز والاختصار أن من فكر في نفسه علم حقيقة هذا الخبر ووقف عليه ببصيرة نفسه، والمعنى الثاني أن تكون النفس ظرفا للفكرة في خلق السماوات والأرض فيكون قوله فِي أَنْفُسِهِمْ تأكيدا لقوله يَتَفَكَّرُوا كما تقول انظر بعينك واسمع بأذنك، فقولك بأذنك تأكيد، وقوله إِلَّا بِالْحَقِّ أي بسبب المنافع التي هي حق واجب يريد من

стр. 1999

الدلالة عليه والعبادة له دون فتور، والانتصاب للعبرة ومنافع الأرزاق وغير ذلك، وَأَجَلٍ عطف على «الحق» أي وبأجل مسمى وهو يوم القيامة، ففي الآية إشارة إلى البعث والنشور وفساد بنية من في هذا العالم، ثم أخبر عن كثير من الناس أنهم كفرة بذلك المعنى فعبر عنه بِلِقاءِ الله لأن لقاء الله هو عظم الأمر وفيه النجاة أو الهلكة. قوله : [سورة الروم (٣٠) : آية ٩] أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) هذا أيضا توقيف وتوبيخ على أنهم ساروا ونظروا، أي إن ذلك لم ينفعهم حين لم يعملوا بحسب العبرة وخوف العاقبة. قال القاضي أبو محمد: ولا يتوجه للكفرة أن يعارض منهم من لم يسر فيقول لم أسر لأن كافة من سار من الناس قد نقلت إلى من لم يسر فاستوت المعرفة وحصل اليقين للكل، وقامت الحجة، وهذا بين، وقوله تعالى: وَأَثارُوا الْأَرْضَ يريد بالمباني والحرث والحروب، وسائر الحوادث التي أحدثوها هي كلها إثارة للأرض بعضها حقيقة وبعضها تجوز لأن إثارة أهل الأرض والحيوان والمتاع، إثارة للأرض، وقرأ أبو جعفر «وآثاروا» بمد الهمزة قال ابن مجاهد: ليس هذا بشيء، قال أبو الفتح: وجهها أنه أشبع فتحة الهمزة فنشأت ألف ونحوه قول ابن هرمة: [الوافر] فأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح قال وهذا من ضرورة الشعر لا يجيء في القرآن، وقرأ أبو حيوة «وآثروا الأرض» بالمد بغير ألف بعد الثاء من الأثرة، والضمير في عَمَرُوها الأول للماضين والثاني للحاضرين والمعاصرين، وباقي الآية بين يتضمن الوعد والتخويف من عدل الله تعالى. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١٠ الى ١٣] ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «عاقبة» بالرفع على أنها اسم كانَ والخبر يجوز أن يكون السُّواى ويجوز أن يكون أَنْ كَذَّبُوا وتكون السُّواى على هذا مفعولا ب أَساؤُا وإذا كان السُّواى خبرا

стр. 2000

ف أَنْ كَذَّبُوا مفعول من أجله ولا يصح تعلقه ب أَساؤُا لأن في ذلك فصلا بين الصلة والموصول بخبر كانَ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «عاقبة» بالنصب على أنها خبر مقدم واسم كانَ أحد ما تقدم، والسُّواى مصدر كالرجعى والفتيا والشورى، ويجوز أن تكون صفة لمحذوف تقديره الخلة السوأى أو الخلال السوأى قال أبو حاتم هذه قراءة العامة بالمد على الواو وفتح الهمزة وياء التأنيث فبعض القراء فخم وبعضهم أمال، وقرأ الحسن «السوّى» بشد الواو دون همز، وقرأ الأعمش وابن مسعود «السوء» بالتذكير، وروي عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال «السوء والسوأى» اقرأ بما شئت، قال ابن عباس أَساؤُا هنا بمعنى كفروا والسُّواى هي النار والتكذيب بِآياتِ اللَّهِ، تعالى غير الاستهزاء بها فلذلك عدد عليهم الفعلين، ثم أخبر تعالى إخبارا مطلقا لجميع العالم بالحشر والبعث من القبور، وقرأ طلحة وابن مسعود «يبدىء» بضم الياء وكسر الدال، وقرأ جمهور القراء «ترجعون» بالتاء من فوق، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بالياء، وقوله وَيَوْمَ منصوب ب يُبْلِسُ، والإبلاس الكون في شر مع اليأس من الخير في ذلك الشر بعينه، فإبلاسهم هو في عذاب الله تعالى، وقرأ عامة القراء بكسر اللام، وقرأ أبو عبد الرحمن وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، بفتحها، وأبلس الربع إذا بلي وكأنه يئس من العمارة ومنه قول العجاج: يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال نعم أعرفه وأبلسا وقرأ عامة القراء «ولم يكن لهم» بالياء من تحت، وروي عن نافع «تكن» بالتاء من فوق، و «الشركاء» المشار إليهم هم الأصنام أي الذين كانوا يجعلونهم شركاء لله بزعمهم. وقوله وَكانُوا معناه يكونون عند معاينتهم أمر الله وفساد حال الأصنام فعبر عنه بالماضي لتيقن الأمر وصحة وقوعه. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١٤ الى ١٨] وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يَتَفَرَّقُونَ معناه في المنازل والأحكام والجزاء، قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها، ويُحْبَرُونَ معناه ينعمون، قاله مجاهد، والحبرة والحبور السرور والتنعم، وقال يحيى بن أبي كثير: يُحْبَرُونَ معناه يسمعون الأغاني، وهذا نوع من الحبرة، وقال ابن عباس يُحْبَرُونَ يكرمون وفي المثل امتلأت بيوتهم حبرة فهم ينظرون العبرة ومنه بيت أبي ذؤيب: [الطويل] فراق كقيص السن فالصبر انه ... لكل أناس عبرة وحبور
следующие страницы →