← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الرّوم هذه السورة مكية. ولا خلاف أحفظه في ذلك. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور بما فيه كفاية، وقرأ الجمهور «غلبت» بضم الغين وقالوا معنى الآية أنه طرأ بمكة أن الملك كسرى هزم جيش ملك الروم قال مجاهد: في الجزيرة وهو موضع بين العراق والشام، وقال عكرمة: وهي بين بلاد العرب والشام، وقال مقاتل: بالأردن وفلسطين، فلما طرأ ذلك سر الكفار فبشر الله عباده بأن الروم سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ وتكون الدولة لهم في الحرب، وقرأ أبو سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن قرة وعبد الله بن عمر «غلبت» الروم بفتح الغين واللام، وتأويل ذلك أن الذي طرأ يوم بدر إنما كان أن الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسر المسلمون فبشر الله تعالى عباده بأنهم سَيَغْلِبُونَ أيضا فِي بِضْعِ سِنِينَ، ذكر هذا التأويل أبو حاتم، والرواية الأولى والقراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على «سيغلبون» أنه بفتح الياء يريد به الروم، وروي عن ابن عمرو أنه قرأ أيضا «سيغلبون» بضم الياء، وفي هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به، وأَدْنَى الْأَرْضِ معناه أقرب الأرض، فإن كانت الوقعة في أذرعات فهي من أَدْنَى الْأَرْضِ بالقياس إلى مكة وهي التي ذكر امرؤ القيس في قوله: [الطويل] تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي أَدْنَى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن فهي أَدْنَى إلى أرض الروم، قال أبو حاتم: وقرىء «أداني الأرض» ، وقرأ جمهور الناس «غلبهم» بفتح اللام كما يقال أحلب حلبا لك شطره، وقرأ ابن عمر بسكونها وهما مصدران بمعنى واحد وأضيف إلى المفعول، وروي في قصص هذه الآية عن ابن عباس وغيره أن الكفار لما فرحوا بمكة بغلب الروم بشر الله نبيه والمؤمنين بأن

стр. 1997

الروم سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ أي من الثلاثة إلى التسعة على مشهور قول اللغويين. كأنه تبضيع العشرة أي تقطيعها وقال أبو عبيدة: من الثلاث إلى الخمس، وقوله مردود، فلما بشرهم بذلك خرج أبو بكر الصديق إلى المسجد فقال لهم: أسركم إن غلبت الروم فإن نبينا أخبرنا عن الله تعالى أنهم سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ فقال له أبي بن خلف وأمية أخوه وقيل أبو سفيان بن حرب تعال يا أبا فصيل يعرضون بكنيته بالبكر فلنتناحب، أي نتراهن، في ذلك فراهنهم أبو بكر قال قتادة: وذلك قبل أن يحرم القمار وجعل الرهن خمس قلائص، والأجل ثلاث سنين، فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال له «إن البضع إلى التسعة ولكن زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل» ، ففعل أبو بكر فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة أعوام، فغلبت الروم في أثناء الأجل، فروي عن أبي سعيد الخدري أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر، وروي أن ذلك كان يوم الحديبية وأن الخبر بذلك وصل يوم بيعة الرضوان، روي نحوه عن قتادة، وفي كلا اليومين كان نصر من الله تعالى للمؤمنين، وذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمهم أن تغلب وكون المشركين من قريش على ضد ذلك إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين، والفرس أهل الأوثان أو نحوه من عبادة النار ككفار قريش والعرب. قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن يعلل ذلك بما تقتضيه الفطر من محبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤنة ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه، فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله ﷺ ترجاه من ظهور دينه وشرع الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه. وسِنِينَ، يجمع كجمع من يعقل عوضا من النقص الذي في واحده لأن أصل سنة سنهة أو سنوة، وكسرت السين منه دلالة على أن جمعه خارج عن قياسه ونمطه ثم أخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدره، فقال لِلَّهِ الْأَمْرُ أي إنفاذ الأحكام مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أي من بعد هذه الغلبة التي بين هؤلاء القوم، وقَبْلُ وبَعْدُ ظرفان بنيا على الضم لأنهما تعرفا بحذف ما أضيفا إليه وصارا متضمنين ما حذف فخالفا معرب الأسماء وأشبها الحروف في التضمين فبينا وخصا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نكر أو أضيف زال بناؤه، وكذلك هما فضما كما المنادى مبني على الضم، وقيل في ذلك أيضا أن الفتح تعذر فيهما لأنه حالهما في إظهار ما أضيفا إليه، وتعذر الكسر لأنه حالهما عند إضافتهما إلى المتكلم، وتعذر السكون لأن ما قبل أحدهما ساكن، فلم يبق إلا الضم فبنيا عليه، ومن العرب من يقول «من قبل ومن بعد» بالخفض والتنوين. قال الفراء: ويجوز ترك التنوين فيبقى كما هو في الإضافة وإن حذف المضاف، وقوله تعالى: وَيَوْمَئِذٍ يحتمل أن يكون عطفا على القبل والبعد، كأنه حصر الأزمنة الثلاثة الماضي والمستقبل والحال، ثم ابتدأ الإخبار بفرح المؤمنين بالنصر، ويحتمل أن يكون الكلام تم في قوله بَعْدُ، ثم استأنف عطف جملة أخبر فيها أن يوم غلبت الروم الفرس يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، وعلى هذا الاحتمال مشى المفسرون، والنصر الذي يَفْرَحُ به الْمُؤْمِنُونَ يحتمل أن يشار فيه إلى نصر الروم على فارس وهي نصرة الإسلام بحكم السببين اللذين قد ذكرتهما، ويحتمل أن يشار فيه إلى نصر يخص المؤمنين على عدوهم وهذا أيضا غيب أخبر به وأخرجه الوجود إما يوم بدر وإما يوم بيعة الرضوان، ويحتمل

стр. 1998

أن يشار به إلى فرح المسلمين بنصر الله إياهم في أن صدق ما قال نبيهم من أن الروم ستغلب فارس فإن هذا ضرب من النصر عظيم، وقوله تعالى: وَعْدَ اللَّهِ نصب على المصدر المؤكد، وقوله وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يريد الكفار من قريش والعرب، أي لا يعلمون أن الأمور من عند الله وأن وعده لا يخلف وأن ما يورده نبيه حق. قال القاضي أبو محمد: هذا الذي ذكرناه هو عمدة ما قيل، وقد حكى الطبري وغيره روايات يردها النظر أو قول الجمهور، من ذلك أن بعضهم قال إنما نزلت وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ بعد غلبة الروم لفارس ووصول الخبر بذلك، وهذا يقتضي أن الآية مدنية والسورة مكية بإجماع ونحو هذا من الأقوال. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٧ الى ٨] يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) وصف تعالى الكفرة الذين لا يعلمون أمر الله وصدق وعده بأنهم إنما يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا، واختلف الناس في معنى ظاهِراً فقالت فرقة معناه بينا أي ما أدته إليهم حواسهم فكأن علومهم إنما هي علوم البهائم، وقال ابن عباس والحسن والجمهور: معناه ما فيه الظهور والعلو في الدنيا من إتقان الصناعات والمباني ومظان كسب الأموال والفلاحات ونحو هذا، وقالت فرقة: معناه ذاهبا زائلا أي يعلمون أمور الدنيا التي لا بقاء لها ولا عاقبة ومثل هذه اللفظة قول الهذلي: وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وقال سعيد بن جبير: إن قوله ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا إشارة إلى ما يعلم من قبل الكهنة مما يسترقه الشياطين، وقال الروماني: كل ما يعلم بأوائل العقول فهو الظاهر وما يعلم بدليل العقل فهو الباطن. قال القاضي أبو محمد: وفيه تقع الغفلة وتقصير الجهال، ثم وصفهم ب «الغفلة» والإعراض عن أمر الآخرة وكرر الضمير تأكيدا، وغفلة الكافر هي على الكمال والمؤمن المنهمك في أمور الدنيا التي هي أكبر همه يأخذ من هذه الآية بحظ، نوّر الله قلوبنا بهداه، ثم وقفهم على جهة التوبيخ على أنهم قد فكروا فلم تنفعهم الفكرة والنظر إذ لم يكن على سداد، وقوله تعالى: فِي أَنْفُسِهِمْ يحتمل معنيين: أحدهما أن تكون الفكرة في ذواتهم وحواسهم وخلقتهم ليستدلوا بذلك على الخالق المخترع، ثم أخبر عقب هذا المعنى بأن الحق هو السبب في خلق السماوات والأرض، فيفهم على طريقة الإيجاز والاختصار أن من فكر في نفسه علم حقيقة هذا الخبر ووقف عليه ببصيرة نفسه، والمعنى الثاني أن تكون النفس ظرفا للفكرة في خلق السماوات والأرض فيكون قوله فِي أَنْفُسِهِمْ تأكيدا لقوله يَتَفَكَّرُوا كما تقول انظر بعينك واسمع بأذنك، فقولك بأذنك تأكيد، وقوله إِلَّا بِالْحَقِّ أي بسبب المنافع التي هي حق واجب يريد من

стр. 1999

الدلالة عليه والعبادة له دون فتور، والانتصاب للعبرة ومنافع الأرزاق وغير ذلك، وَأَجَلٍ عطف على «الحق» أي وبأجل مسمى وهو يوم القيامة، ففي الآية إشارة إلى البعث والنشور وفساد بنية من في هذا العالم، ثم أخبر عن كثير من الناس أنهم كفرة بذلك المعنى فعبر عنه بِلِقاءِ الله لأن لقاء الله هو عظم الأمر وفيه النجاة أو الهلكة. قوله : [سورة الروم (٣٠) : آية ٩] أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) هذا أيضا توقيف وتوبيخ على أنهم ساروا ونظروا، أي إن ذلك لم ينفعهم حين لم يعملوا بحسب العبرة وخوف العاقبة. قال القاضي أبو محمد: ولا يتوجه للكفرة أن يعارض منهم من لم يسر فيقول لم أسر لأن كافة من سار من الناس قد نقلت إلى من لم يسر فاستوت المعرفة وحصل اليقين للكل، وقامت الحجة، وهذا بين، وقوله تعالى: وَأَثارُوا الْأَرْضَ يريد بالمباني والحرث والحروب، وسائر الحوادث التي أحدثوها هي كلها إثارة للأرض بعضها حقيقة وبعضها تجوز لأن إثارة أهل الأرض والحيوان والمتاع، إثارة للأرض، وقرأ أبو جعفر «وآثاروا» بمد الهمزة قال ابن مجاهد: ليس هذا بشيء، قال أبو الفتح: وجهها أنه أشبع فتحة الهمزة فنشأت ألف ونحوه قول ابن هرمة: [الوافر] فأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح قال وهذا من ضرورة الشعر لا يجيء في القرآن، وقرأ أبو حيوة «وآثروا الأرض» بالمد بغير ألف بعد الثاء من الأثرة، والضمير في عَمَرُوها الأول للماضين والثاني للحاضرين والمعاصرين، وباقي الآية بين يتضمن الوعد والتخويف من عدل الله تعالى. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١٠ الى ١٣] ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «عاقبة» بالرفع على أنها اسم كانَ والخبر يجوز أن يكون السُّواى ويجوز أن يكون أَنْ كَذَّبُوا وتكون السُّواى على هذا مفعولا ب أَساؤُا وإذا كان السُّواى خبرا

стр. 2000

ف أَنْ كَذَّبُوا مفعول من أجله ولا يصح تعلقه ب أَساؤُا لأن في ذلك فصلا بين الصلة والموصول بخبر كانَ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «عاقبة» بالنصب على أنها خبر مقدم واسم كانَ أحد ما تقدم، والسُّواى مصدر كالرجعى والفتيا والشورى، ويجوز أن تكون صفة لمحذوف تقديره الخلة السوأى أو الخلال السوأى قال أبو حاتم هذه قراءة العامة بالمد على الواو وفتح الهمزة وياء التأنيث فبعض القراء فخم وبعضهم أمال، وقرأ الحسن «السوّى» بشد الواو دون همز، وقرأ الأعمش وابن مسعود «السوء» بالتذكير، وروي عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال «السوء والسوأى» اقرأ بما شئت، قال ابن عباس أَساؤُا هنا بمعنى كفروا والسُّواى هي النار والتكذيب بِآياتِ اللَّهِ، تعالى غير الاستهزاء بها فلذلك عدد عليهم الفعلين، ثم أخبر تعالى إخبارا مطلقا لجميع العالم بالحشر والبعث من القبور، وقرأ طلحة وابن مسعود «يبدىء» بضم الياء وكسر الدال، وقرأ جمهور القراء «ترجعون» بالتاء من فوق، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بالياء، وقوله وَيَوْمَ منصوب ب يُبْلِسُ، والإبلاس الكون في شر مع اليأس من الخير في ذلك الشر بعينه، فإبلاسهم هو في عذاب الله تعالى، وقرأ عامة القراء بكسر اللام، وقرأ أبو عبد الرحمن وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، بفتحها، وأبلس الربع إذا بلي وكأنه يئس من العمارة ومنه قول العجاج: يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال نعم أعرفه وأبلسا وقرأ عامة القراء «ولم يكن لهم» بالياء من تحت، وروي عن نافع «تكن» بالتاء من فوق، و «الشركاء» المشار إليهم هم الأصنام أي الذين كانوا يجعلونهم شركاء لله بزعمهم. وقوله وَكانُوا معناه يكونون عند معاينتهم أمر الله وفساد حال الأصنام فعبر عنه بالماضي لتيقن الأمر وصحة وقوعه. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١٤ الى ١٨] وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يَتَفَرَّقُونَ معناه في المنازل والأحكام والجزاء، قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها، ويُحْبَرُونَ معناه ينعمون، قاله مجاهد، والحبرة والحبور السرور والتنعم، وقال يحيى بن أبي كثير: يُحْبَرُونَ معناه يسمعون الأغاني، وهذا نوع من الحبرة، وقال ابن عباس يُحْبَرُونَ يكرمون وفي المثل امتلأت بيوتهم حبرة فهم ينظرون العبرة ومنه بيت أبي ذؤيب: [الطويل] فراق كقيص السن فالصبر انه ... لكل أناس عبرة وحبور

стр. 2001

هذا على هذه الرواية، ويروى عثرة وحبور، وهي أكثر وذكر تعالى «الروضة» لأنها من أحسن ما يعلم من بقاع الأرض، وهي حيث اكتمل النبت الأخضر وجن وما كان منها في المرتفع من الأرض كان أحسن، ومنه قول الأعشى: [البسيط] وما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسل هطل ومنه قول كثير: [الطويل] فما روضة طيبة الثرى ... تمج الندا جثجاثها وعرارها قال الأصمعي: ولا يقال «روضة» حتى يكون فيها ماء يشرب منه، ومُحْضَرُونَ معناه مجموعون له لا يغيب أحد عنه، وقوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات، كأنه يقول إذ هذه الفرق هكذا من النعمة والعذاب فجدوا أيها المؤمنون في طريق الفوز برحمة الله، وقال ابن عباس وقتادة وبعض الفقهاء: في هذه الآية تنبيه على أربع صلوات: المغرب والصبح والعصر والظهر، قالوا والعشاء هي الآخرة في آية أخرى في زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [هود: ١١٤] وفي ذكر أوقات العورة، وقال ابن عباس أيضا وفرقة من الفقهاء: في هذه الآية تنبيه على الصلوات الخمس لأن قوله تعالى حِينَ تُمْسُونَ يتضمن الصلاتين، وقوله وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اعتراض بين الكلامين من نوع تعظيم الله تعالى والحض على عبادته، وقرأ عكرمة «حينا تمسون وحينا تصبحون» والمعنى حين تمسون فيه. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١٩ الى ٢٢] يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) الْحَيَّ والْمَيِّتِ في هذه الآية يستعمل حقيقة ويستعمل مجازا، فالحقيقة المني يخرج منه الإنسان والبيضة يخرج منها الطائر وهذه بعينها ميتة تخرج من حي وما جرى هذا المجرى، وبهذا المعنى فسر ابن عباس وابن مسعود وقال الحسن: المعنى المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. قال الفقيه الإمام القاضي: وروي هذا المعنى عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية عند ما كلمته بالإسلام أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، والمجاز إخراج النبات الأخضر من الأرض وإخراج الطعم من النبات وما جرى هذا المجرى، ومثل بعد إحياء الأرض بالمطر بعد موتها

стр. 2002

بالدثور والعطش، ثم بعد هذا الأمثلة القاضية بتجويز بعث الأجساد عقلا ساق الخبر بأن كذلك خروجنا من القبور. وقرأت فرقة «يخرجون» بالياء من تحت، وقرأ عامة القراء «تخرجون» بالتاء المضمومة، وقرأ الحسن وابن وثاب والأعمش وطلحة بفتح التاء وضم الراء، ومِنْ في قوله وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ للتبعيض، وقال خَلَقَكُمْ من حيث خلق أباهم آدم قاله قتادة، وتَنْتَشِرُونَ معناه تتصرفون وتتفرقون في الأغراض والأسفار ونحوها، وقوله مِنْ أَنْفُسِكُمْ يحتمل أن يريد خلقه حواء من ضلع آدم فحمل ذلك على جميع النساء من حيث أمهم مخلوقة من نفس آدم، أي من ذات شخصه، ويحتمل أن يريد من نوعكم ومن جنسكم، و «المودة والرحمة» على بابها المشهور من التواد والتراحم، هذا هو البليغ، وقال مجاهد والحسن وعكرمة: عنى ب «المودة» الجماع وب «الرحمة» الولد، ثم نبه تعالى على خلق السماوات والأرض واختلاف اللغات والألوان وهذه عظم مواقع العبرة من هذه الآيات، وقوله وَأَلْوانِكُمْ يحتمل أن يريد البياض والسواد وغيرهما، ويحتمل أن يريد ضروب بني آدم وأنواعهم نعم وأشخاص الأخوة ونحوهم تختلف بالألوان ونعم الألسنة وبذلك تصح الشهادات والمداينات وتقع الفروق والتعيين فهكذا تبين النعمة، وقرأ جمهور القراء «للعالمين» بفتح اللام، وقرأ حفص عن عاصم «للعالمين» بكسر اللام فالأولى على أن هذه الآية هي نفسها منصوبة لجميع العالم والثانية على معنى أن أهل الانتفاع بالنظر فيها إنما هم أهل العلم. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٣ الى ٢٥] وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) ذكر تعالى النوم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وعرف النوم إنما هو بالليل وحده، ثم ذكر الابتغاء مِنْ فَضْلِهِ كأنه فيهما وإنما معنى ذلك أنه عم بالليل والنهار فسمى الزمان وقصد من ذلك تعديد آية النوم وتعديد آية ابتغاء الفضل فإنهما آيتان تكونان في ليل ونهار، والعرف يجيز كل واحدة من النعمتين أي محلها من الأغلب وقال بعض المفسرين في الكلام تقديم وتأخير. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف وإنما أراد أن يرتب النوم لليل والابتغاء للنهار ولفظ الآية لا يعطي ما أراد، وقوله تعالى: يُرِيكُمُ فعل مرتفع لما حذفت «أن» التي لو كانت لنصبته فلما حل الفعل محل الاسم أعرب بالرفع. ومنه قول طرفة: [الطويل] ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

стр. 2003

قال الرماني: وتحتمل الآية أن يكون التقدير وَمِنْ آياتِهِ آية يُرِيكُمُ الْبَرْقَ وحذفت الآية لدلالة من عليها ومنه قول الشاعر: وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح التقدير فمنها تارة أموت. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا على أن مِنْ للتبعيض كسائر هذه الآيات، ويحتمل في هذه وحدها أن تكون مِنْ لابتداء الغاية فلا يحتاج إلى تقدير «أن» ولا إلى تقدير «آية» ، وإنما يكون الفعل مخلصا للاستقبال وقوله خَوْفاً وَطَمَعاً، قال قتادة خَوْفاً للمسافر وَطَمَعاً للمقيم. قال الفقيه الإمام القاضي: ولا وجه لهذا التخصيص ونحوه بل فيه الخوف والطمع لكل بشر، قال الضحاك: الخوف من صواعقه والطمع في مطره، وقوله تعالى: أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ معناه تثبت، كقوله تعالى وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا [البقرة: ٢٠] وهذا كثير، وقيل هو فعل مستقبل أحله محل الماضي ليعطي فيه معنى الدوام الذي هو في المستقبل، والدعوة من الأرض هي البعث ومِنَ الْأَرْضِ حال للمخاطبين كأنه قال: خارجين من الأرض، ويجوز أن يكون مِنَ الْأَرْضِ صفة للدعوة. قال الفقيه الإمام القاضي: ومِنْ، عندي هاهنا لانتهاء الغاية كما تقول دعوتك من الجبل إذا كان المدعو في الجبل، والوقف في هذه الآية عند نافع ويعقوب الحضرمي على دَعْوَةً، والمعنى بعد إذا أنتم تخرجون من الأرض، وهذا على أن مِنْ لابتداء الغاية، والوقف عند أبي حاتم على قوله مِنَ الْأَرْضِ، وهذا على أن مِنْ لانتهاء الغاية، قال مكي: والأحسن عند أهل النظر أو الوقف في آخر الآية لأن مذهب الخليل وسيبويه في إِذا الثانية أنها جواب الأولى كأنه قال: ثم إذا دعاكم خرجتم وهذا أسدّ الأقوال. وقرأ حمزة والكسائي «تخرجون» بفتح التاء، وقرأ الباقون «تخرجون» بضم التاء. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٦ الى ٢٨] وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) اللام في لَهُ الأولى لام الملك، وفي الثانية لام تعدية ل «قنت» إذ «قنت» بمعنى خضع في طاعته وانقياده، وهذه الآية ظاهر لفظها العموم في القنت والعموم في كل من يعقل، وتعميم ذلك في المعنى لا يصح لأنه خبر، ونحن نجد كثيرا من الجن والإنس لا يقنت في كثير من المعتقد والأعمال، فلا بد أن عموم

стр. 2004

ظاهر هذه الآية معناه الخصوص، واختلف المتأولون في هذا الخصوص أين هو، فقال ابن عباس وقتادة: هو في القنت والطاعة وذلك أن جميع من يعقل هو قانت لله في معظم الأمور من الحياة والموت والرزق والقدرة ونحو ذلك، وبعضهم يبخل بالعبادة وبالمعتقدات فلا يقنت فيها فكأنه قال كل له قانتون في معظم الأمور وفي غالب الشأن، وقال ابن زيد ما معناه: إن الخصوص هو في الأعيان المذكورين كأنه قال وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من ملك ومؤمن، وقوله يَبْدَؤُا الْخَلْقَ معناه ينشئه ويخرجه من العدم، وجاء الفعل بصيغة الحال لما كان في هذا المعنى ما قد مضى كآدم وسائر القرون وفيه ما يأتي في المستقبل، فكانت صيغة الحال تعطي هذا كله، ويُعِيدُهُ معناه يبعثه من القبور وينشئه تارة أخرى، واختلف المتأولون في قوله وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، فقال ابن عباس والربيع بن خيثم: المعنى وهو هين ونظيره قول الشاعر: (لعمرك ما أدري وأني لأوجل) بمعنى لوجل، وقول الآخر (بيت دعائمه أعز وأطول) ، وقولهم في الأذان الله أكبر وقال الآخر وهو الشافعي: فتلك سبيل لست فيها بأوحد واستشهد بهذا البيت أبو عبيدة وهذا شاهده كثير، وفي مصحف ابن مسعود «وهو هين عليه» ، وفي بعض المصاحف و «كل هين عليه» ، وقال ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة: المعنى وهو أيسر عليه، وإن كان الكل من اليسر عليه في حيز واحد وحال متماثلة، ولكن هذا التفضيل بحسب معتقد البشر وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعادة في كثير من الأشياء أهون علينا من البداءة للتمرن والاستغناء عن الروية التي كانت في البدأة، وهذان القولان الضمير فيهما عائد على الله تعالى، وقالت فرقة أخرى: الضمير في عَلَيْهِ عائد على الخلق. قال الفقيه الإمام القاضي: فهذا بمعنى المخلوق فقط، وعلى التأويلين الأولين يصح أن يكون المخلوق أو يكون مصدرا من خلق، فقال الحسن بن أبي الحسن إن الإعادة أهون على المخلوق من إنشائه لأنه في إنشائه يصير من حالة إلى حالة، من نطفة إلى علقة إلى مضغة ونحو هذا، وفي الإعادة إنما يقوم في حين واحد، فكأنه قال وهو أيسر عليه، أي أقصر مدة وأقل انتقالا، وقال بعضها: المعنى «وهو أهون» على المخلوق أن يعيد شيئا بعد إنشائه، أي فهذا عرف المخلوقين فكيف تنكرون أنتم الإعادة في جانب الخالق. قال الفقيه الإمام القاضي: والأظهر عندي عود الضمير على الله تعالى ويؤيده قوله تعالى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى لما جاء بلفظ فيه استعارة واستشهاد بالمخلوق على الخالق وتشبيه بما يعهده الناس من أنفسهم خلص جانب العظمة بأن جعل له المثل الأعلى الذي لا يتصل به تكييف ولا تماثل مع شيء و «العزة والحكمة» ، صفتان موافقتان لمعنى الآية، فبهما يعيد وينفذ أمره في عباده كيف شاء، ثم بين تعالى أمر الأصنام وفساد معتقد من يشركها بالله بضربه هذا المثل، ومعناه أنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيد تملكونهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومهمّ أموركم، ولا في شيء على جهة استواء المنزلة، وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم أو يقاسموكم إياها في حياتكم كما يفعل بعضكم ببعض فإذا كان هذا فيكم فكيف تقولون إن من عبيده وملكه شركاء في سلطانه وألوهيته، وتثبتون في جانبه ما لا يليق بكم

стр. 2005

عندكم بجوانبكم، هذا تفسير ابن عباس والجماعة. وجاء هذا المعنى في معرض السؤال والتقرير، وقرأ الناس «كخيفتكم أنفسكم» بنصب السين، وقرأ ابن أبي عبلة «أنفسكم» بضمها، وقرأ الجمهور «نفصل» بالنون حملا على رَزَقْناكُمْ، وقرأ عباس عن أبي عمرو «يفصل» بالياء حملا على ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٩ الى ٣٢] بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) الإضراب ب بَلِ هو عما تضمنه معنى الآية المتقدمة، كأنه يقول: ليس لهم حجة ولا معذرة فيما فعلوا من تشريكهم مع الله تعالى، بل اتبعوا أهواءهم جهالة وشهوة وقصدا لأمر دنياهم، ثم قرر على جهة التوبيخ لهم على من يهدي إذا أضل الله، أي لا هادي لأهل هذه الحال، ثم أخبر أنه لا ناصر لهم، ثم أمر تعالى نبيه ﵇ بإقامة وجهه للدين المستقيم وهو دين الإسلام، وإقامة الوجه هي تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين، وذكر الوجه لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه، وحَنِيفاً، معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة، وقوله فِطْرَتَ اللَّهِ نصب على المصدر، كقوله صِبْغَةَ اللَّهِ [البقرة: ١٣٨] وقيل هو نصب بفعل مضمر تقديره اتبع والتزم فِطْرَتَ اللَّهِ، واختلف الناس في «الفطرة» هاهنا، فذكر مكي وغيره في ذلك جميع ما يمكن أن تصرف هذه اللفظة عليه وفي بعض ذلك قلق، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة في نفس الطفل التي هي معدة مهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه قال فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الذي هو الحنيف وهو فِطْرَتَ اللَّهِ الذي على الإعداد له فطر البشر لكن تعرضهم العوارض، ومنه قول النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه» الحديث، فذكر الأبوين: إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة وقوله تعالى: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يحتمل تأويلين: أحدهما أن يريد بها هذه الفطرة المذكورة أي اعلم أن هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخلق، ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه، والآخران أن يكون قوله لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ إنحاء على الكفرة اعترض به أثناء الكلام كأنه يقول أقم وجهك للدين الذي من صفته كذا وكذا فإن هؤلاء الكفار قد خلق الله لهم الكفر ولا تبديل لخلق الله أي إنهم لا يفلحون، وقال مجاهد: المعنى لا تبديل لدين الله، وهو قول ابن جبير والضحاك وابن زيد والنخعي.

стр. 2006

قال القاضي أبو محمد: وهذا معناه لا تبديل للمعتقدات التي هي في الدين الحنيف فإن كل شريعة هي عقائدها، وذهب بعض المفسرين في هذه الآية إلى تأويلات منها قول عكرمة، وقد روي عن ابن عباس لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان، ومنها قول بعضهم في الفطرة الملة على أنه قد قيل في الفطرة الدين وتأول قوله فَطَرَ النَّاسَ على الخصوص أي المؤمنين، وقيل «الفطرة» هو العهد الذي أخذه الله تعالى على ذرية آدم حين أخرجهم نسما من ظهره، ونحوه حديث معاذ بن جبل حين مر به عمر بن الخطاب ﵁، فقال يا معاذ ما قوام هذه الأمة؟ قال: الإخلاص وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والصلاة وهي الدين والطاعة وهي العصمة فقال عمر: صدقت، والْقَيِّمُ بناء مبالغة من القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، وقوله مُنِيبِينَ يحتمل أن يكون حالا من قوله فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا سيما على رأي من رأى أن ذلك خصوص في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالا من قوله «أقم وجهك» وجمعه لأن الخطاب بإقامة الوجه للنبي ﷺ ولأمته، نظيرها قوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] ، والمنيب الراجع المخلص المائل إلى جهة ما بوده ونفسه، و «المشركون» المشار إليهم في هذه الآية هم اليهود والنصارى، قاله قتادة وقال ابن زيد: هم اليهود، وقالت عائشة وأبو هريرة: هي في أهل القبلة. قال الفقيه الإمام القاضي: فلفظة الإشراك على هذا فيها تجوز فإنهم صاروا في دينهم فرقا، و «الشيع» الفرق واحدها «شيعة» ، وقوله كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ معناه أنهم مفتونون بآرائهم معجبون بضلالهم، وذلك أضل لهم، وقرأت فرقة «فارقوا دينهم» بالألف. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٣ الى ٣٥] وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) هذا ابتداء إنحاء على عبدة الأصنام المشركين بالله غيره بين الله تعالى لهم أنهم كسائر البشر في أنهم إذا مسهم ضُرٌّ دَعَوْا الله وتركوا الأصنام مطرحة ولهم في ذلك الوقت إنابة وخضوع، ف إِذا أَذاقَهُمْ رحمته أي باشرهم أمره بها، والذوق مستعار، إذا طائفة تشرك به أصناما ونحو هذا، وإِذا للمفاجأة فلذلك صلحت في جواب إِذا الأولى بمنزلة الفاء وهذه الطائفة هي عبدة الأصنام. قال الفقيه الإمام القاضي: ويلحق من هذه الألفاظ شيء للمؤمنين إذا جاءهم فرج بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين أو بحذق آرائهم وغير ذلك لأن فيه قلة شكر لله تعالى، ويسمى تشريكا مجازا، وقوله تعالى لِيَكْفُرُوا اللام لام كي، وقالت فرقة هي لام الأمر على جهة الوعيد والتهديد، وأما قوله تعالى: فَتَمَتَّعُوا فأمر على جهة الوعيد، والتقدير قل لهم يا محمد فَتَمَتَّعُوا وقرأ أبو العالية «فيتمتعوا» بياء قبل التاء وذلك عطف على لِيَكْفُرُوا أي لتطول أعمارهم

стр. 2007

على الكفر، وفي حرف ابن مسعود «فليتمتعوا» ، وروي عن أبي العالية «فيمتعوا» بضم الياء دون تاء أولى، وفي مصحف ابن مسعود «تمتعوا» هكذا قال هارون، وقرأ عامة الناس «تعلمون» بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو العالية «يعلمون» بالياء على ذكر الغائب. وقوله أَمْ بمعنى بل وألف الاستفهام كأنه أضرب عن صدر الكلام ورجع إلى هذه الحجة، و «السلطان» هنا البرهان من رسول أو كتاب ونحوه، والسلطان في كلام العرب جمع سليط كرغيف ورغفان وغدير وغدران فهو مأخوذ من التسلط والتغلب، ولزم هذا الاسم في العرب الرئيس لأنه سليط بوجه الحق ولزمه اسم جمع من حيث أنواع الغلبة والملك عنده، وقال قوم: هو اسم مفرد وزنه فعلان، وقوله تعالى: فَهُوَ يَتَكَلَّمُ معناه أن يظهر حجتهم وينطق بشركهم قاله قتادة، فيقوم ذلك مقام الكلام، كما قال تعالى هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية: ٢٩] . قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٦ الى ٣٨] وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) لما ذكر تعالى حالة الناس متى تأتيهم شدة وضر ونجوا منه إلى سعة ذكر في هذه الآية الأمر أيضا من الطرف الآخر بأن تنال الرحمة ثم تعقب الشدة فلهم في الرتبة الأولى تضرع ثم إشراك وقلة شكر، ولهم في هذه فرج وبطر ثم قنط ويأس، وكل أحد يأخذ من هذه الخلق بقسط، والمقل والمكثر إلا من ربطت الشريعة جأشه ونهجت السنة سبيله وتأدب بأدب الله تعالى، فصبر عند الضراء، وشكر عند السراء، ولم يبطر عند النعمة، ولا قنط عند الابتلاء، وقوله تعالى: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي إن الله يمتحن الأمم ويصيب منهم عند فشو المعاصي وظهور المناكر، وكذلك قد يصاب شخص بسوء أعماله يسيء وحده ويصاب وحده، وفي الأغلب يعفو الله عن كثير، و «القنط» اليأس الصريح، وقرأ أبو عمرو وجماعة «يقنطون» بكسر النون، وقرأ نافع والحسن وجماعة «يقنطون» بفتحها، وجواب الشرط في قوله إِنْ تُصِبْهُمْ قوله إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ وذلك أنها للمفاجأة لا يبتدأ بها، فهي بمنزلة الفاء لا يبتدأ بها ويجاب بها الشرط، وأما «إذا» التي للشرط أو التي فيها معنى الشرط فهما يبدأ بهما ولا يكون فيهما جواب الشرط، ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم ييأس من روح الله على حال وهو أن الله تعالى يخص من يشاء من عباده ببسط الرزق ويقدر على من شاء منهم فينبغي لكل عبد أن يكون راجيا ما عند ربه، ثم أمر تعالى نبيه أمرا تدخل الأمة فيه وهذا على جهة الندب إلى إيتاء ذي القربى حقه من صلة المال وحسن المعاشرة ولين القول، قال الحسن: حَقَّهُ المواساة في اليسر وقول ميسور في العسر. قال الفقيه الإمام القاضي: ومعظم ما قصد أمر المعونة بالمال ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 2008

«في المال حق سوى الزكاة وذلك للمسكين وابن السبيل حق» وبين أن حق هذين إنما هو في المال وغير ذلك معهما لا غناء له وكذلك يلزم القريب المعدم الذي يقضي حقه أن يقضي أيضا حق قريبه في جودة العشرة ووَجْهَ اللَّهِ هنا جهة عبادته ورضاه والْمُفْلِحُونَ الفائزون ببغيتهم البالغون لآمالهم. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٩ الى ٤١] وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قرأ جمهور القراء «وما آتيتم» بمعنى وما أعطيتم، وقرأ ابن كثير «ما أتيتم» بغير مد بمعنى ما فعلتم كما تقول أتيت صوابا وأتيت خطأ، وأجمعوا على المد في قوله وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ. و «الربا» الزيادة، واختلف المتأولون في معنى هذه الآية فقال ابن عباس وابن جبير وطاوس: هذه آية نزلت في هبات الثواب. قال الفقيه الإمام القاضي: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسلم وغيره فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى، وقال ابن عباس أيضا وإبراهيم النخعي: نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع، وقال الشعبي: معنى الآية أن ما خدم الإنسان به أحدا وخف به لينتفع في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزى به الخدمة فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله قريب جزء من التأويل الأول، ويحتمل أن يكون معنى هذه الآية النهي عن الربا في التجارات لما حض على نفع ذوي القربى والمساكين وابن السبيل أعلم أن ما فعل المرء من ربا ليزداد به مالا وفعله ذلك إنما هو في أموال الناس فإن ذلك «لا يربوا عند الله» ولا يزكو بل يتعلق فيه الإثم ومحق البركة، وما أعطى الإنسان من زكاة تنمية لماله وتطهيرا يريد بذلك وجه الله تعالى فذلك هو الذي يجازى به أضعافا مضاعفة على ما شاء الله تعالى له، وقال السدي: نزلت هذه الآية في ربا ثقيف لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش، وقرأ جمهور القراء السبعة «ليربو» بالياء وإسناد الفعل إلى الربا، وقرأ نافع وحده «لتربوا» بضم التاء على وزن تفعلوا بمعنى تكونوا ذوي زيادة، وهذه قراءة ابن عباس وأهل المدينة الحسن وقتادة وأبي رجاء والشعبي، قال أبو حاتم هي قراءتنا، وقرأ أبو مالك «لتربوها» بضمير المؤنث، و «المضعف» الذي هو ذو أضعاف من الثواب كما المؤلف الذي له آلاف، وكما تقول أخصب إذا كان ذا خصب. وهذا كثير، ومنه أربى المتقدم في قراءة من قرأ «لتربوا» بضم التاء، ثم كرر مخاطبة الكفرة في أمر أوثانهم فذكر أفعال الله تعالى التي لا شريك له فيها وهي الخلق والرزق والإماتة والإحياء ولا يمكن أن ينكر ذلك عاقل، ووقف الكفار على جهة التقرير والتوبيخ هل من شركائهم أي الذين

стр. 2009

جعلوهم شركاء من يفعل شيئا من ذلك، وهذا الترتيب ب ثُمَّ هو في الآحاد شيئا بعد شيء، ومن هنا أدخل الفقهاء الولد مع أبيه في تعقب الأحباس إذا كان اللفظ على أعقابهم ثم على أعقاب أعقابهم، ثم نزه تعالى نفسه عن مقالتهم في الإشراك، وقرأ الجمهور «يشركون» بالياء من تحت، وقرأ الأعمش وابن وثاب بالتاء من فوق، ثم ذكر تعالى على جهة العبرة ما ظهر من الفساد بسبب المعاصي في قوله ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، واختلف الناس في معنى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ في هذه الآية، فقال مجاهد «البر» البلاد البعيدة من البحر، و «البحر» السواحل والمدن التي على ضفة البحر والأنهار الكبار، وقال قتادة «البر» الفيافي ومواضع القبائل وأهل الصحاري، و «البحر» المدن جمع بحرة. قال الفقيه الإمام القاضي: ومنه قول سعد بن عبادة للنبي ﷺ في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول الحديث ولقد أجمع أهل هذه البحرة على أن يتوجوه، ومما يؤيد هذا أن عكرمة قرأ «في البر والبحور» ، ورويت عن ابن عباس، وقال مجاهد أيضا: ظهور الفساد في البر قتل أحد ابني آدم لأخيه، وفي البحر أخذ السفن غضبا، وقال بعض العباد الْبَرِّ اللسان والْبَحْرِ القلب، وقال الحسن بن أبي الحسن الْبَرِّ وَالْبَحْرِ هما المعروفان المشهوران في اللغة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا هو القول الصحيح وظهور الفساد فيهما هو بارتفاع البركات ونزول رزايا وحدوث فتن وتغلب عدو كافر، وهذه الثلاثة توجد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم وقلما توجد أمة فاضلة مطيعة مستقيمة الأعمال إلا يدفع الله عنها هذه، والأمر بالعكس في أهل المعاصي وبطر النعمة، وكذلك كان أمر البلاد في وقت مبعث النبي ﷺ قد كان الظلم عم الأرض برا وبحرا، وقد جعل الله هذه الأشياء ليجازي بها على المعاصي فيذيق الناس عاقبة إذنابهم لعلهم يتوبون ويراجعون بصائرهم في طاعة الله تعالى، وقوله تعالى: بِما كَسَبَتْ تقديره جزاء ما كسبت، ويحتمل أن تتعلق الباء ب ظَهَرَ أي كسبهم المعاصي في البر والبحر هو نفس الفساد الظاهر، والترجي في «لعل» هو بحسب معتقداتنا وبحسب نظرنا في الأمور، وقرأ عامة القراء والناس «ليذيقهم» بالياء، وقرأ قنبل عن ابن كثير والأعرج وأبو عبد الرحمن السلمي «لنذيقهم» بالنون ومعناهما بين، وقرأ أيضا أبو عبد الرحمن «لتذيقهم» بالتاء من فوق. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) هذا تنبيه لقريش وأمر لهم بالاعتبار فيمن سلف من الأمم وفي سوء عواقبهم بكفرهم وإشراكهم، ثم أمر تعالى نبيه ﵇ بإقامة وجهه، والمعنى اجعل قصدك ومسعاك للدين أي لطريقه ولأعماله واعتقاداته، والْقَيِّمِ أصله قيوم اجتمعت الواو والياء وسبقت الياء وهي ساكنة فأبدلت الواو ياء وأدغمت

стр. 2010

الأولى في الثانية، ثم حذره تعالى من يوم القيامة تحذيرا يعم العالم وإياهم القصد، ولا مَرَدَّ لَهُ معناه ليس فيه رجوع لعمل ولا لرغبة ولا عنه مدخل، ويحتمل أن يريد لا يرده راد حتى لا يقع وهذا ظاهر بحسب اللفظ، ويَصَّدَّعُونَ معناه يتفرقون بعد جمعهم، وهذا هو التصدع والمعنى يتفرقون إلى الجنة وإلى النار، ثم قسم الفريقين بأحكام تلحقهم من أعمال في الدنيا ثم عبر عن «الكفر» ب «عليه» وهي تعطي الثقل والمشقة وعن العمل الصالح باللام التي هي كلام الملك، ويَمْهَدُونَ معناه يوطئون ويهيئون وهي استعارة منقولة من الفرش ونحوها إلى الأحوال والمراتب، وقال مجاهد: هذا التمهيد هو للقبر. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤٥ الى ٤٧] لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللام في قوله لِيَجْزِيَ متعلقة ب يَصَّدَّعُونَ [الروم: ٤٣] ، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره ذلك أو فعل ذلك لِيَجْزِيَ وتكون الإشارة إلى ما تقرر من قوله تعالى مَنْ كَفَرَ [الروم: ٤٤] وعَمِلَ صالِحاً [الروم: ٤٤] ، وقوله تعالى: لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ليس الحب بمعنى الإرادة ولكنه بمعنى لا يظهر عليهم أمارات رحمته ولا يرضاه لهم دينا ونحو هذا، ثم ذكر تعالى من آياته أشياء يقضي كل عقل بأنها لا مشاركة للأوثان فيها وهو ما في الريح من المنافع وذلك أنها بشرى بالمطر، ويذيق الله بها المطر ويلقح بها الشجر وغير ذلك ويجري بها السفن في البحر ويبتغي الناس بها فضل الله في التجارات في البحر وفي ذرو الأطعمة وغير ذلك، ثم أنس محمدا بأن ضرب له مثل من أرسل من الأنبياء، وتوعد قريشا بأن ضرب لهم مثل من هلك من الأمم الذين أجرموا وكذبوا الأنبياء، ثم وعد محمدا وأمته النصر إذ أخبر أنه جعله قًّا عليه ﵎، وقًّا خبرانَ قدمه اهتماما لأنه موضع فائدة الجملة، وبعض القراء في هذه الآية وقف على قوله قًّا وجعله من الكلام المتقدم ثم استأنف جملة من قوله لَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وهذا قول ضعيف لأنه لم يدر قدما عرضه في نظم الآية. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤٨ الى ٥٠] اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) «الإثارة» تحريكها من سكونها وتسييرها، وبسطه فِي السَّماءِ هو نشره في الآفاق، و «الكسف»

стр. 2011

القطع، وقرأ جمهور القراء «كسفا» بفتح السين، وقرأ ابن عباس «كسفا» بسكون السين وهي قراءة الحسن وأبي جعفر والأعرج وهما بناءان للجمع كما يقال وسدر بسكون الدال وسدر بفتح الدال، وقال مكي: من أسكن السين فمعناه يجعل السحاب قطعة واحدة، والْوَدْقَ الماء يمطر ومنه قول الشاعر: [المتقارب] فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها وخِلالِهِ الفطور الذي بين بعضه وبعض لأنه متخلخل الأجزاء، وقرأ الجمهور «من خلاله» بكسر الخاء وألف بعد اللام جمع خلل كجبل وجبال، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك والحسن بخلاف عنه «من خلله» وهم اسم جنس، والضمير في خِلالِهِ يحتمل أن يعود على السحاب ويحتمل أن يعود على الكسف في قراءة من قرأ بسكون السين، وذكر الضمير مراعاة اللفظ لا لمعنى الجمع، كما تقول هذا تمر جيد ومن الشجر الأخضر نارا، ومن قرأ «كسفا» بفتح السين فلا يعيد الضمير إلا على السحاب فقط، وقوله تعالى: مِنْ قَبْلِهِ تأكيد أفاد سرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى الاستبشار وذلك أن قوله مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ يحتمل الفسحة في الزمان أي من قبل بكثير كالأيام ونحوه فجاء قوله مِنْ قَبْلِهِ بمعنى أن ذلك متصل بالمطر فهو تأكيد مفيد، وقرأ يعقوب وعيسى وأبو عمرو بخلاف عنه «ينزل» مخففة، وقرأت عامة القراء بالتثقيل في الزاي، وقرأ ابن مسعود عليهم «لمبلسين» بسقوط مِنْ قَبْلِهِ والإبلاس الكون في حال سوء مع اليأس من زوالها، ثم عجبه يراد بها جميع الناس من أجل رحمة الله وهي المطر، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «أثر» بالإفراد، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «آثار» بالجمع، واختلف عن عاصم، وقرأ سلام «إلى إثر» بكسر الهمزة وسكون الثاء، وقوله كَيْفَ يُحْيِ يحتمل أن يكون الضمير الذي في الفعل للأثر، ويحتمل أن يكون لله تعالى وهو أظهر، وقرأت فرقة «كيف تحيى» بالتاء المفتوحة «الأرض» بالرفع، وقرأ الجحدري وابن السميفع وأبو حيوة «تحيي» بتاء مضمومة على أن إسناد الفعل إلى ضمير الرحمة «الأرض» نصبا، قال أبو الفتح: قوله «كيف تحيى» جملة منصوبة الموضع على الحال حملا على المعنى كأنه قال محيية، وهذه الحياة والموت استعارة في القحط والإعشاب، ثم أخبر تعالى على جهة القياس والتنبيه عليه بالبعث والنشور، وقوله عَلى كُلِّ شَيْءٍ عموم. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥١ الى ٥٣] وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) ثم أخبر تعالى عن حال تقلب ابن آدم في أنه بعيد الاستبشار بالمطر أن بعث الله ريحا فاصفر بها النبات ظلوا يكفرون قلقا منهم وقلة توكل وتسليم لله تعالى، والضمير في «رأوه» للنبات كما قلنا أو للأثر وهو حوة النبات الذي أحييت به الأرض وقال قوم هو للسحاب، وقال قوم هو للريح، وهذا كله ضعيف، واللام في لَئِنْ مؤذنة بمجيء القسم، وفي لَظَلُّوا لام القسم، وقوله «ظلوا» فعل ماض نزله منزلة

стр. 2012

المستقبل واستنابه منابه لأن الجزاء هنا لا يكون إلا بفعل مستقبل لكن يستعمل الماضي بدل المستقبل في بعض المواضع توثيقا لوقوعه، وقوله تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الآية استعارة للكفار وقد تقدم القول على مثل هذه الآية في سورة النمل، وكلهم قرأ «ولا تسمع» بتاء مضمومة ونصب «الصمّ» ، وقرأ ابن كثير وعباس عن أبي عمرو «يسمع» بياء مفتوحة الصمّ رفعا، وقرأ الجمهور «بهادي العمي» بالإضافة، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة «بهاد» بالتنوين «العمي» نصبا، وقوله إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ معناه إن نسمع إسماعا ينفع ويجدي، وأما سماع الكفرة فغير مجد فاستويا، وقوله تعالى: عَنْ ضَلالَتِهِمْ لما كانت الهداية تتضمن الصرف عديت ب عَنْ كما تتعدى صرفت ومعنى الآية ليس في قدرتك يا محمد ولا عليك أن تهدي، وقرأ ابن أبي عبلة «من ضلالتهم» . قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥٤ الى ٥٦] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) وهذه أيضا عبر بين فيها أن الأوثان لا مدخل لها فيها. وقرأ جمهور القراء والناس بضم الضاد في «ضعف» ، وقرأ عاصم وحمزة بفتحها وهي قراءة ابن مسعود وأبي رجاء، والضم أصوب، وروي عن ابن عمر أنه قرأ على النبي ﷺ بالفتح فردها عليه بالضم، وقال كثير من اللغويين: ضم الضاد في البدن وفتحها في العقل، وروي عن أبي عبد الرحمن والجحدري والضحاك أنهم ضموا الضاد في الأول والثاني وفتحو «ضعفا» ، وقرأ عيسى بن عمر «من ضعف» بضمتين، وهذه الآية إنما يراد بها حال الإنسان، و «الضعف» الأول هو كون الإنسان من ماء مهين، و «القوة» بعد ذلك الشبيبة، وقوة الأسر، و «الضعف» الثاني الهرم والشيخ هذا قول قتادة وغيره، ثم أخبر تعالى عن يوم القيامة أن المجرمين يقسمون لجاجا منهم وتسورا على ما لا علم لهم به أنهم ما لبثوا تحت التراب غير ساعة وهذا إتباع لتحيلهم الفاسد ونظرهم في ذلك الوقت على نحو ما كانوا في الدنيا يتبعون ذلك، ويُؤْفَكُونَ عن الحق أي يصرفون وقيل المعنى ما لبثوا في الدنيا كأنهم استقلوها لما عاينوا من أمر الآخرة. قال القاضي أبو محمد: وهذا يضعفه قوله تعالى: كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ إذ لو أراد تقليل الدنيا بالإضافة إلى الآخرة لكان منزعا سديدا وكان قولهم ساعَةٍ تجوزا في القدر والموازنة، ثم أخبر تعالى عن الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ أنهم يقفون في تلك الحال على حق ويعرفون أنه الوعد المتقرر في الدنيا، وقال بعض المفسرين: إنما أراد أوتوا الإيمان والعلم ففي الكلام تقديم وتأخير.

стр. 2013

قال الفقيه الإمام القاضي: ولا يحتاج إلى هذا بل ذكر العلم يتضمن الإيمان ولا يصف الله بعلم من لم يعلم كل ما يوجب الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعد ذلك تنبيها عليه وتشريفا لأمره كما قال تعالى: فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن: ٦٨] فنبه على مكان الإيمان وخصه بالذكر تشريفا. قوله : [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥٧ الى ٦٠] فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠) هذا إخبار عن هول يوم القيامة وشدة أحواله على الكفرة في أنهم لا ينفعهم الاعتذار ولا يعطون عتبى وهي الرضى، ويُسْتَعْتَبُونَ بمعنى يعتبون كما تقال يملك ويستملك، والباب في استفعل أنه طلب الشيء وليس هذا منه لأن المعنى كان يفسد إذا كان المفهوم منه ولا يطلب منهم عتبى. وقرأ عاصم والأعمش «ينفع» بالياء كما قال تعالى فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥] وحسن هذا أيضا بالتفرقة التي بين الفعل وما أسند إليه كما قال الشاعر: [الطويل] وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ... ثلاث الأثافي والديار البلاقع ثم أخبر تعالى عن قسوة قلوبهم وعجرفة طباعهم في أنه ضرب لهم كل مثل وبين عليهم بيان الحق ثم هم مع ذلك الآية والمعجزة يكفرون ويلجون ويعمهون في كفرهم، ويصفون أهل الحق بالإبطال، ثم أخبر تعالى أن هذا إنما هو من طبعه وختمه على قلوب الجهلة الذين قد حتم عليهم الكفر في الأزل، وذهب أبو عبيدة إلى أنه من قولهم طبع السيف أي صدىء أشد صدأ، ثم أمر نبيه بالصبر وقوى نفسه لتحقيق الوعد ونهاه عن الاهتزاز لكلامهم والتحرك واضطراب النفس لأقوالهم إذ هم لا يقين لهم ولا بصيرة، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب «يستحقنك» بحاء غير معجمة وقاف من الاستحقاق، والجمهور على الخاء المعجمة والفاء من الاستخفاف، إلا أن ابن أبي إسحاق ويعقوب سكنا النون من «يستخفنك» ، وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ كان في صلاة الفجر فناداه رجل من الخوارج بأعلى صوته فقرأ هذه الآية: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الزمر: ٦٥] ، فعلم علي ﵁ مقصده في هذا وتعريضه به فأجابه وهو في الصلاة بهذه الآية: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ.

стр. 2014

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة لقمان هذه السورة مكية غير آيتين قال قتادة أولهما: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ [لقمان: ٢٧] إلى آخر الآيتين، وقال ابن عباس ثلاث آيات أولهن وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [لقمان: ٢٧] . قوله : [سورة لقمان (٣١) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور وفي ترتيب تِلْكَ مع كل قول منها، والْحَكِيمِ يصح أن يكون من الحكمة ويصح أن يكون من الحكم، وقرأ جمهور القراء «هدى ورحمة» بالنصب على الحال من المبهم، ولا يصح أن تكون من الْكِتابِ لأنه مضاف إليه، وقرأ حمزة والكسائي «هدى ورحمة» بالرفع على تقدير هو هدى، وخصصه لِلْمُحْسِنِينَ من حيث لهم نفعه وهم نظروه بعين الحقيقة وإلا فهو هدى في نفسه، وفي قراءة ابن مسعود «هدى وبشرى للمؤمنين» ، ثم وصف تعالى المحسنين بأنهم الذين عندهم اليقين بالبعث وبكل ما جاء به الرسول، وعندهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومن صفتهم ما قال رسول الله ﷺ حين سأله جبريل عن الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» الحديث. وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ روي أنها نزلت في قرشي اشترى جارية مغنية تغني بهجاء محمد ﷺ وسبه فنزلت الآية في ذلك، وقيل إنه ابن خطل وروي عن أبي أمامة الباهلي بأن النبي ﷺ قال: «شراء المغنيات وبيعهن حرام» وقرأ هذه الآية، وقال في هذا المعنى أنزلت علي هذه الآية، وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد، وقال الحسن لَهْوَ الْحَدِيثِ المعازف والغناء، وقال بعض الناس نزلت في النضر بن الحارث لأنه اشترى كتب رستم واسبندياد وكان يخلف رسول الله ﷺ فيحدثهم بتلك الأباطيل ويقول أنا أحسن حديثا من محمد، وقال قتادة: الشراء في هذه الآية مستعار، وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الأباطيل.

стр. 2015

قال الفقيه الإمام القاضي: فكأن ترك ما يجب فعله وامتثال هذه المنكرات شراء لها على حد قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة: ١٦، ١٧٥] ، وقد قال مطرف: شراء لَهْوَ الْحَدِيثِ استحبابه، قال قتادة ولعله لا ينفق فيه مالا ولكن سماعه هو شراؤه، وقال الضحاك لَهْوَ الْحَدِيثِ الشرك، وقال مجاهد أيضا لَهْوَ الْحَدِيثِ الطبل وهذا ضرب من الغناء. قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو حديث منضاف إلى كفر فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً، والتوعد بالعذاب المهين، وأما لفظة الشراء فمحتملة للحقيقة والمجاز على ما بينا، ولَهْوَ الْحَدِيثِ كل ما يلهي من غناء وخنى ونحوه، والآية باقية المعنى في أمة محمد ولكن ليس ليضلوا عن سبيل الله بكفر ولا يتخذوا الآيات هزوا ولا عليهم هذا الوعيد، بل ليعطل عبادة ويقطع زمانا بمكروه، وليكون من جملة العصاة والنفوس الناقصة تروم تتميم ذلك النقص بالأحاديث وقد جعلوا الحديث من القربى، وقيل لبعضهم أتمل الحديث؟ قال: إنما يمل العتيق. قال الفقيه الإمام القاضي: يريد القديم المعاد، لأن الحديث من الأحاديث فيه الطرافة التي تمنع من الملل، وقرأ نافع وعاصم والحسن وجماعة «ليضل» بضم الياء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتحها، وفي حرف أبيّ «ليضل الناس عن سبيل الله» ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «ويتخذها» بالنصب عطفا على لِيُضِلَّ، وقرأ الباقون «ويتخذها» بالرفع عطفا على يَشْتَرِي، والضمير في يَتَّخِذَها يحتمل أن يعود على الْكِتابِ المذكور أولا ويحتمل أن يعود على السبيل، ويحتمل أن يعود على الأحاديث لأن الحديث اسم جنس بمعنى الأحاديث، وكذلك سَبِيلِ اللَّهِ اسم جنس ولكل وجه من الحديث وجه يليق به من السبيل. قوله : [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٧ الى ١١] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) هذا دليل على كفر الذي نزلت فيه هذه الآية التي قبلها، و «الوقر» في الأذن الثقل الذي يعسر إدراك المسموعات، وجاءت البشارة بالعذاب من حيث قيدت ونص عليها، ولما ذكر حال هؤلاء الكفرة وتوعدهم بالنار على أفعالهم، عقب بذكر المؤمنين وما وعدهم به من جَنَّاتُ النَّعِيمِ ليبين الفرق، ووَعْدَ اللَّهِ منصوب على المصدر، وحَقًّا مصدر مؤكد، وقوله تعالى: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها يحتمل

стр. 2016

أن يعود الضمير على السَّماواتِ فيكون المعنى أن السماء بغير عمد وأنها ترى كذلك، وهذا قول الحسن والناس، وتَرَوْنَها على هذا القول في موضع نصب على الحال، ويحتمل أن يعود الضمير على «العمد» فيكون تَرَوْنَها صفة للعمد في موضع خفض، ويكون المعنى أن السماء لها عمد لكن غير مرئية قاله مجاهد ونحا إليه ابن عباس، والمعنى الأول أصح والجمهور عليه، ويجوز أن تكون تَرَوْنَها في موضع رفع على القطع ولا عمد ثم، و «الرواسي» هي الجبال التي رست أي ثبتت في الأرض، وقوله: أَنْ تَمِيدَ بمعنى لئلا تميد، والميد التحرك يمنة ويسرة وما قرب من ذلك، وقوله تعالى: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي من كل نوع، و «الزوج» في اللغة النوع والصنف وليس بالذي هو ضد الفرد، وقوله تعالى: كَرِيمٍ يحتمل أن يريد مدحه من جهة إتقان صنعه وظهور حسن الرتبة والتحكيم للصنع فيه فيعم حينئذ جميع الأنواع لأن هذا المعنى في كلها، ويحتمل أن يريد مدحه بكرم جوهره وحسن منظره ومما تقضي له النفوس بأنه أفضل من سواه حتى يستحق الكرم، فتكون الأزواج على هذا مخصوصة في نفائس الأشياء ومستحسناتها، ولما كان عظم الموجودات كذلك خصص الحجة بها. وقوله: «أنبتنا» يعم جميع أنواع الحيوان وأنواع النبات والمعادن، ثم وقف تعالى الكفار على جهة التوبيخ وإظهار الحجة على أن هذه الأشياء هي مخلوقات الله تعالى، ثم سألهم أن يوجده ما خلق الأوثان والأصنام وغيرهم ممن عبد، أي أنهم لن يخلقوا شيئا، بل هذا الذي قريش فيه ضلال مبين، فذكرهم بالصفة التي تعم معهم سواهم ممن فعل فعلهم من الأمم، وقوله: ماذا يجوز أن تكون «ما» استفهاما في موضع رفع بالابتداء و «ذا» خبرها بمعنى الذي والعائد محذوف، ويجوز أن تكون «ما» مفعولة ب «أروني» و «ذا» و «ما» بمعنى الذي والعائد محذوف تقديره في الوجهين خلقه. قوله : [سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٢ الى ١٣] وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) لُقْمانَ رجل حكيم بحكمة الله تعالى وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل، واختلف هل هو نبي مع ذلك أو رجل صالح فقط، فقال بنبوءته عكرمة والشعبي، وقال بصلاحه فقط مجاهد وغيره، وقال ابن عباس: سمعت النبي ﷺ يقول «لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين أحب الله فأحبه فمن عليه بالحكمة وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال يا رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء وإن عزمت علي فسمعا وطاعة فإنك ستعصمني وكان قاضيا في بني إسرائيل نوبيا أسود مشقق الرجلين ذا مشافر» ، قاله سعيد بن المسيب ومجاهد وابن عباس، وقال له رجل كان قد رعى معه الغنم ما بلغ بك يا لقمان ما أرى؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعني، وقال ابن المسيب: كان من سودان مصر من النوبة، وقال خالد بن الربيع: كان نجارا، وقيل كان خياطا، وقيل كان راعيا، وحكم لقمان كثيرة مأثورة، قيل له وأي الناس شر؟ قال الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئا.

стр. 2017

وقوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ يجوز أن تكون أَنِ في موضع نصب على إسقاط حرف الجر أي «بأن اشكر لله» ، ويجوز أن تكون مفسرة أي كانت حكمته دائرة على الشكر لله ومعانيه وجميع العبادات والمعتقدات داخلة في شكر الله تعالى، ثم أخبر تعالى أن الشاكر حظه عائد عليه وهو المنتفع بذلك، واللَّهَ تعالى غَنِيٌّ عن الشكر فلا ينفعه شكر العباد حَمِيدٌ في نفسه فلا يضره كفر الكافرين وحَمِيدٌ بمعنى محمود أي هو مستحق ذلك بذاته وصفاته، وقوله وَإِذْ قالَ يحتمل أن يكون التقدير واذكر إذ قال، ويحتمل أن يكون التقدير «وآتيناه الحكمة إذ قال» واختصر ذلك لدلالة المتقدم عليه واسم ابنه ثاران، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «يا بنيّ» بالشد والكسر في الياء في الثلاثة على إدغام إحدى الياءين في الأخرى، وقرأ حفص والمفضل عن عاصم «يا بنيّ» بالشد والفتح في الثلاثة على قولك يا بنيا ويا غلاما، وقرأ ابن أبي برة عن ابن كثير «يا بني» بسكون الياء، ويا بُنَيَّ إِنَّها [لقمان: ١٦] بالكسر، ويا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان: ١٧] بفتح الياء، وروى عنه قنبل بالسكون في الأولى والثالثة وبكسر الوسطى وظاهر قوله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ أنه من كلام لقمان، ويحتمل أن يكون خبرا من الله تعالى منقطعا من كلام لقمان متصلا به في تأكيد المعنى، ويؤيد هذا الحديث المأثور أنه لما نزلت وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الانعام: ٨٢] أشفق أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أينا لم يظلم، فأنزل الله تعالى إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ فسكن إشفاقهم. قال الفقيه الإمام القاضي: وإنما يسكن إشفاقهم بأن يكون ذلك خبرا من الله تعالى، وقد يسكن الإشفاق بأن يذكر الله ذلك عن عبد قد وصفه بالحكمة والسداد. قوله : [سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٤ الى ١٥] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان، ووجه الطبري ذلك بأنها من معنى كلام لقمان ومما قصده، وذلك غير متوجه لأن كون الآيتين في شأن سعد بن أبي وقاص حسب ما أذكره بعد يضعّف أن تكون مما قالها لقمان، وإنما الذي يشبه أنه اعتراض أثناء الموعظة وليس ذلك بمفسد للأول منها ولا للآخر، بل لما فرغ من هاتين الآيتين عاد إلى الموعظة على تقدير إضمار وقال أيضا لقمان ثم اختصر ذلك لدلالة المتقدم عليه، وهذه الآية شرك الله تعالى الأم والوالد منها في رتبة الوصية بهما، ثم خصص الأم بدرجة ذكر الحمل ودرجة ذكر الرضاع فتحصل للأم ثلاث مراتب وللأب واحدة، وأشبه ذلك قول الرسول ﷺ حين قال له رجل من أبر؟ «قال: أمك. قال ثم من؟ قال: ثم أمك. قال ثم من؟ قال: ثم أمك. قال ثم من؟ قال ثم أباك» فجعل له الربع من المبرة كالآية. وَهْناً عَلى وَهْنٍ معناه ضعفا على ضعف، وقيل إشارة إلى مشقة الحمل ومشقة الولادة بعده، وقيل إشارة إلى ضعف الولد وضعف الأم معه، ويحتمل أن

стр. 2018

أشار إلى تدرج حالها في زيادة الضعف، فكأنه لم يعين ضعفين بل كأنه قال حملته أمه والضعف يتزيد بعد الضعف إلى أن ينقضي أمره، وقرأ عيسى الثقفي «وهنا على وهن» بفتح الهاء، ورويت عن أبي عمرو وهما بمعنى واحد، وقرأ جمهور الناس «وفصاله» ، وقرأ الحسن وأبو رجاء والجحدري ويعقوب «وفصله» ، وأشار ب «الفصال» إلى تعديد مدة الرضاع فعبر عنه بغايته، والناس مجمعون على العامين في مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات، وأما في تحريم اللبن فحددت فرقة بالعامين لا زيادة ولا نقص، وقالت فرقة العامان وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرضاع في حكم واحد يحرم، وقالت فرقة إن فطم الصبي قبل العامين وترك اللبن فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحرم، وقوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ يحتمل أن يكون التقدير «بأن اشكر» ، ويحتمل أن تكون مفسرة، وقال سفيان بن عيينة من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى. ومن دعا لوالديه في دبر الصلوات فقد شكرهما، وقوله تعالى: إِلَيَّ الْمَصِيرُ توعد أثناء الوصية، وقوله تعالى: وَإِنْ جاهَداكَ الآية روي أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص وذلك أن أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية لما أسلم حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يفارق دينه ويرجع إلى دين قومه فلج سعد في الإسلام، وكانت هي إذا أفرط عليها الجوع والعطش شحوا فاها، ويروى شجروا فاها، أي فتحوه بعود ونحوه وصبوا ما يرمقها، فلما طال ذلك ورأت أن سعدا لا يرجع أكلت، ففي هذه القصة نزلت الآيات، قاله سعد بن أبي وقاص والجماعة من المفسرين. قال الفقيه الإمام القاضي: فمطلب الآية الأولى الأمر ببر الوالدين وتعظيمه، ثم حكم بأن ذلك لا يكون في الكفر والمعاصي، وجملة هذا الباب أن طاعة الوالدين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات وتستحسن في ترك الطاعات الندب، ومنه أمر جهاد الكفاية والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، على أن هذا أقوى من الندب لكن يعلل بخوف هلكة عليها ونحوه مما يبيح قطع الصلاة، فلا يكون أقوى من الندب، وخالف الحسن في هذا الفصل فقال إن منعته أمه من شهود العشاء الآخرة شفقة فلا يطعها، وقوله وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً يعني الأبوين الكافرين أي صلهما بالمال وادعهما برفق، ومنه قول أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي ﷺ وقد قدمت عليها خالتها، وقيل أمها من الرضاعة، فقالت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال نعم. وراغبة قيل معناه عن الإسلام. قال الفقيه الإمام القاضي: والأظهر عندي أنها راغبة في الصلة وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها، ووالدة أسماء هي قتيلة بنت عبد عزى بن عبد أسعد وأم عائشة وعبد الرحمن هي أم رومان قديمة الإسلام. وقوله تعالى: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ، وصية لجميع العالم كأن المأمور الإنسان، وأَنابَ معناه، مال ورجع إلى الشيء، وهذه سبيل الأنبياء والصالحين، وحكى النقاش أن المأمور سعد والذي أناب أبو بكر، وقال: إن أبابكر لما أسلم أتاه سعد وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وطلحة وسعيد والزبير فقالوا آمنت؟ قال نعم، فنزلت فيه أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ [الزمر: ٩] فلما سمعها الستة آمنوا فأنزل الله

стр. 2019

تعالى فيهم وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ [الزمر: ١٧] إلى قوله أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ [الزمر: ١٨] . ثم توعد بالبعث من القبور والرجوع إليه للجزاء والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها. قوله : [سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٦ الى ١٩] يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) المعنى وقال لقمان يا بُنَيَّ، وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه، لأن «الخردلة» يقال إن الحس لا يقدر لها ثقلا إذ لا ترجح ميزانا، وقد نطقت هذه الآية بأن الله تعالى قد أحاط بها علما. وقوله مِثْقالَ حَبَّةٍ عبارة تصلح للجواهر، أي قدر حبة، وتصلح للأعمال أي ما تزنه على جهة المماثلة قدر حبة، وظاهر الآية أنه أراد شيئا من الأشياء خفيا قدر حبة، ويؤيد ذلك ما روي من أن ابن لقمان سأل أباه عن الحبة تقع في مقل البحر يعلمها الله، فراجعه لقمان بهذه الآية. وذكر كثير من المفسرين أنه أراد الأعمال المعاصي والطاعات، ويؤيد ذلك قوله يَأْتِ بِهَا اللَّهُ أي لا تفوت، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف منضاف ذلك إلى تبيين قدرة الله تعالى، وفي القول الآخر ليس ترجية ولا تخويف. ومما يؤيد قول من قال هي من الجواهر قراءة عبد الكريم الجزري «فتكنّ» بكسر الكاف وشد النون من الكن الذي هو الشيء المغطى، وقرأ جمهور القراء «إن تك» بالتاء من فوق «مثقال» بالنصب على خبر «كان» واسمها مضمر تقديره مسألتك على ما روي، أو المعصية أو الطاعة على القول الثاني. ولهذا المقدر هو الضمير في إِنَّها. وقرأ نافع وحده بالتاء أيضا «مثقال» بالرفع على اسم «كان» وهي التامة، وأسند إلى المثقال فعلا فيه علامة التأنيث من حيث انضاف إلى مؤنث هو منه وهذا كقول الشاعر: [الطويل] مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مرّ الرياح النواسم وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر. وقوله فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ، قيل أراد الصخرة التي عليها الأرض والحوت والماء وهي على ظهر ملك وقيل هي صخرة في الريح. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف لا يثبته سند، وإنما معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم، أي أن قدرته تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء وفي الأرض. وقرأ قتادة «فتكن» بكسر الكاف والتخفيف من وكن يكن، وتقدمت قراءة عبد الكريم «فتكنّ» . وقوله يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إن أراد الجواهر فالمعنى يَأْتِ بِهَا إن احتيج إلى ذلك أو كانت رزقا ونحو هذا، وإن أراد الأعمال فمعناه يَأْتِ بذكرها وحفظها فيجازي عليها بثواب أو عقاب. ولَطِيفٌ خَبِيرٌ صفتان لائقتان بإظهار غرائب

стр. 2020

القدرة، ثم وصى ابنه بعظم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا إنما يريد به بعد أن يمتثل هو في نفسه ويزدجر عن المنكر وهنا هي الطاعات والفضائل أجمع، وقوله وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ يقتضي حضا على تغيير المنكر وإن نال ضررا فهو إشعار بأن المغير يؤذي أحيانا، وهذا القدر هو على جهة الندب والقوة في ذات الله، وأما على اللزوم فلا. وقوله تعالى إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يحتمل أن يريد مما عزمه الله وأمر به، قاله ابن جريج، ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم والسالكين طريق النجاة، والأول أصوب، وبكليهما قالت طائفة. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وابن محيصن «ولا تصاعر» ، وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر والحسن ومجاهد وأبو جعفر «ولا تصعر» ، وقرأ الجحدري «ولا تصعر» بسكون الصاد والمعنى متقارب، و «الصعر» الميل ومنه قول الأعرابي: «وقد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره» ، ومنه قول عمرو بن حنى التغلبي: [الطويل] وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من ميله فتقوم أي فتقوم أنت، قاله أبو عبيدة، وأنشد الطبري «فتقوما» وهو خطأ لأن قافية الشعر مخفوضة، وفي بيت آخر أقمنا له من خده المتصعر. فمعنى الآية ولا تمل خَدَّكَ لِلنَّاسِ كبرا عليهم ونخوة وإعجابا واحتقارا لهم وهذا هو تأويل ابن عباس وجماعة، ويحتمل أن يريد أيضا الضد، أي «ولا تصاعر خدك» سؤالا ولا ضراعة بالفقر، والأول أظهر بدلالة ذكر الاختيال والفخر بعد، وقال مجاهد «ولا تصعر» أراد به الإعراض هجرة بسبب إحنة، والمرح النشاط، والمشي مرحا هو في غير شغل ولغير حاجة، وأهل هذا الخلق ملازمون للفخر والخيلاء، فالمرح مختال في مشيه وقد قال ﵇ «من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» ، وقال: «بينما رجل من بني إسرائيل يجر ثوبه خيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» ، وقال مجاهد «الفخور» هو الذي يعدد ما أعطى ولا يشكر الله تعالى. قال الفقيه الإمام القاضي: وفي الآية الفخر بالنسب وغير ذلك، ولما نهاه عن الخلق الذميم رسم له الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله من القصد في المشي وهو أن لا يتخرق في إسراع ولا يواني في إبطاء وتضاؤل على نحو ما قال القائل: [مجزوء الرمل] كلنا نمشي رويد ... كلنا يطلب صيد غير عمرو بن عبيد وأن لا يمشي مختالا متبخترا ونحو هذا مما ليس في قصد، و «غض الصوت» أوفر للمتكلم وأبسط لنفس السامع وفهمه، ثم عارض ممثلا بصوت الحمير على جهة التشبيه، أي تلك هي التي بعدت عن الغض فهي أنكر الأصوات، فكذلك كل ما بعد عن الغض من أصوات البشر فهو في طريق تلك وفي الحديث «إذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا» ، وقال سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمير، وقال عطاء: صياح الحمير دعاء على الظلمة، وأَنْكَرَ معناه أقبح وأخشن، وأَنْكَرَ عبارة تجمع المذام اللاحقة للصوت الجهير، وكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت الجهير على خلق الجاهلية ومنه قول الشاعر يمدح آخر: [المتقارب]

стр. 2021

جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النعم ويعدو على الأين عدو الظليم ... ويعلو الرجال بخلق عمم فنهى الله تعالى عن هذه الخلق الجاهلية، وقوله لَصَوْتُ الْحَمِيرِ أراد ب «الصوت» اسم الجنس، ولذلك جاء مفردا، وقرأ ابن أبي عبلة «أنكر الأصوات أصوات الحمير» بالجمع في الثاني دون لام، والغض رد طمحان الشيء كالنظر وزمام الناقة والصوت وغير ذلك. قوله : [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٠ الى ٢١] أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) هذه آية تنبيه على الصنعة الدالة على الصانع، وذلك أن تسخير هذه الأمور العظام كالشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والحيوان والنبات إنما هو بمسخر ومالك، وقرأ يحيى بن عمارة وابن عباس «وأصبغ» بالصاد على بدلها من السين لأن حروف الاستعلاء تجتذب السين من سفلها إلى علوها فتردها صادا، والجمهور قراءتهم بالسين، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم والحسن والأعرج وأبو جعفر وابن نصاح وغيرهم «نعمه» جمع نعمة كسدرة وسدر بفتح الدال، و «الظاهرة» هي الصحة وحسن الخلقة والمال وغير ذلك، و «الباطنة» المعتقدات من الإيمان ونحوه والعقل. قال ابن عباس «الظاهرة» الإسلام وحسن الخلقة، و «الباطنة» ما يستر من سيىء العمل، وفي الحديث قيل يا رسول الله قد عرفنا الظاهرة فما الباطنة؟ قال: ستر ما لو رآك الناس عليه لقتلوك. قال الفقيه الإمام القاضي: ومن «الباطنة» التنفس والهضم والتغذي وما لا يحصى كثرة، ومن «الظاهرة» عمل الجوارح بالطاعة. قال المحاسبي ﵀ «الظاهرة» تعم الدنيا و «الباطنة» تعم العقبى، وقرأ جمهور الناس «نعمة» على الإفراد، فقال مجاهد المراد لا إله إلا الله، وقال ابن عباس أراد الإسلام، والظاهر عندي أنه اسم جنس كقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم: ٣٤، النحل: ١٨] ، ثم عارض بالكفرة منها على فساد حالهم وهم المشار إليهم بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ، وقال النقاش: الإشارة إلى النضر بن الحارث ونظرائه لأنهم كانوا ينكرون الله ويشركون الأصنام في الألوهية، فذلك جدالهم، وبِغَيْرِ عِلْمٍ أي لم يعلمهم من يقبل قوله ولا عندهم هدى قلب ولا نور بصيرة يقيمون بها حجة ولا يتبعون بذلك كتابا بأمر الله يقر بأنه وحي، بل ذلك دعوى منهم وتخرص، وإذا دعوا إلى اتباع وحي الله رجعوا إلى التقليد المحض بغير حجة فسلكوا طريق الآباء، ثم وقف الله تعالى وهم المراد بالتوفيق على اتباعهم دين آبائهم أيكون وهم بحال من يصير إِلى عَذابِ السَّعِيرِ فكان القائل منهم يقول هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير فدخلت ألف التوقيف على حرف العطف كما كان اتساق الكلام فتأمله.

стр. 2022

قوله : [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٢ الى ٢٦] وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) لما ذكر تعالى حال الكفرة أعقب ذلك بذكر حال المؤمنين ليبين الفرق وتتحرك النفوس إلى طلب الأفضل، وقرأت عامة القراء «يسلم» بسكون السين وتخفيف اللام. وقرأ عبد الله بن مسلم وأبو عبد الرحمن «يسلّم» بفتح السين وشد اللام ومعناه يخلص ويوجه ويستسلم به، و «الوجه» هنا الجارحة استعير للمقصود لأن القاصد للشيء فهو مستقبله بوجهه فاستعير ذلك للمقاص، و «المحسن» الذي جمع القول والعمل، وهو الذي شرح رسول الله ﷺ حين سأله جبريل عن الإحسان، و «العروة الوثقى» استعارة للأمر المنجي الذي لا يخاف عليه استحالة ولا إخلال والعرى موضع التعليق فكأن المؤمن متعلق بأمر الله فشبه ذلك بِالْعُرْوَةِ، والْأُمُورِ جمع أمر وليس بالمضاد للنهي، ثم سلى نبيه عن موجدته لكفر قومه وإعراضهم فأمره أن لا يحزن لذلك بل يعمد لما كلفه من التبليغ ويرجع الكل إلى الله تعالى، وقرأت فرقة «يحزنك» من الرباعي، وقرأت فرقة «يحزنك» من الثلاثي، و «ذات الصدور» ما فيها والقصد من ذلك إلى المعتقدات والآراء، ومن ذلك قولهم «الذئب مغبوط بذي بطنه» ، ومنه قول أبي بكر ﵁ «ذو بطن بنت خارجة» ، والمتاع القليل هو العمر في الدنيا، و «العذاب الغليظ» معناه المغلظ المؤلم، ثم أقام عليهم الحجة في أمر الأصنام بأنهم يقرون بأن الله تعالى خالق المخلوقات ويدعون مع ذلك إلها غيره، والمعنى قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على ظهور الحجة عليكم، وقوله تعالى: بَلْ أَكْثَرُهُمْ إضراب عن مقدر تقديره ليس دعواهم بحق ونحو هذا، وقوله أَكْثَرُهُمْ على أصله لأن منهم من شذ فعلهم كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس، وورقة بن نوفل، ويحتمل أن تكون الإشارة أيضا إلى من هو معد أن يسلم، ثم أخبر على جهة الحكم وفصل القضية بأن الله له ملك السماوات والأرض وما فيها، أي وأقوال هؤلاء لا معنى لها ولا حقيقة، والْغَنِيُّ الذي لا حاجة به في وجوده وكماله إلى شيء ولا نقص بجهة من الجهات، والْحَمِيدُ المحمود أي كذلك هو بذاته وصفاته. قوله : [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٧ الى ٢٨] وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) روي عن ابن عباس أن سبب هذه الآية أن اليهود قالت يا محمد كيف عنينا بهذا القول وَما أُوتِيتُمْ

стр. 2023

مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله تعالى وأحكامه وعندك أنها تبيان كل شيء، فقال لهم رسول الله ﷺ «التوراة قليل من كثير» ونزلت هذه الآية، وهذا هو القول الصحيح، والآية مدنية وقال قوم: سبب الآية أن قريشا قالت سيتم هذا الكلام لمحمد وينجسر فنزلت هذه الآية، وقال السدي: قالت قريش ما أكثر كلام محمد فنزلت. قال الفقيه الإمام القاضي: والغرض منها الإعلام بكثرة كلمات الله تعالى وهي في نفسها غير متناهية وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة، وأيضا فإن الآية إنما تضمنت أن كَلِماتُ اللَّهِ لم تكن لتنفد، وليس تقتضي الآية أنها تنفد بأكثر من هذه «الأقلام» والبحور، قال أبو علي: المراد ب «الكلمات» والله أعلم ما في المقدور دون ما أخرج منه إلى الوجود، وذهبت فرقة إلى أن «الكلمات» هنا إشارة إلى المعلومات. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ينحو إلى الاعتزال من حيث يرون في الكلام أنه مخلوق وهذه الآية بحر نظر، نور الله تعالى قلوبنا بهداه، وقرأ أبو عمرو وحده من السبعة وابن أبي إسحاق وعيسى «والبحر» بالنصب عطفا على «ما» التي هي اسم «أن» ، وقرأ جمهور الناس و «البحر» بالرفع على أنه ابتداء وخبره في الجملة التي بعده لأن تقديرها هذه، حاله كذا، قدرها سيبويه وقال بعض النحويين هو عطف على «أن» لأنها في موضع رفع بالابتداء، وقرأ جمهور الناس «يمده» من مد وقرأ الحسن بن أبي الحسن «يمده» من أمد، وقالت فرقة هما بمعنى واحد، وقالت فرقة مد الشيء بعضه بعضا وأمد الشيء ما ليس منه، فكأن «الأبحر السبعة» المتوهمة ليست من الْبَحْرُ الموجود، وقرأ جعفر بن محمد «والبحر مداده» وهو مصدر، وقرأ ابن مسعود «وبحر يمده» ، وقرأ الحسن «ما نفد كلام الله» ، ثم ذكر تعالى أمر الخلق والبعث أنه في الجميع وفي شخص واحد بالسواء لأنه كله بكن فيكون قاله مجاهد. وحكى النقاش أن هذه الآية في أبي بن خلف وأبي الأسود ونبيه ومنبه ابني الحجاج وذلك أنهم قالوا يا محمد إنا نرى الطفل يخلق بتدرج وأنت تقول الله يعيدنا دفعة واحدة فنزلت الآية بسببهم. قوله : [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٩ الى ٣٠] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) هذا تنبيه خوطب به محمد ﷺ والمراد به جميع العالم، وهذه عبرة تدل على الخالق المخترع أن يكون الليل بتدرج والنهار كذلك فما قصر من أحدهما زاد في الآخر ثم بالعكس ينقسم بحكمة بارئ العالم لا رب غيره، ويُولِجُ معناه يدخل، و «الأجل المسمى» القيامة التي تنتقض فيها هذه البنية وتكور الشمس، وقرأ جمهور القراء «بما تعملون» بالتاء من فوق، وقرأ عباس عن أبي عمرو «يعملون» بالياء، وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الإشارة ب ذلِكَ إلى هذه العبرة وما جرى

стр. 2024

مجراها، ومعنى هُوَ الْحَقُّ أي صفة الألوهية له حق، فيحسن في القول تقدير ذو، وكذلك الباب متى أخبر بمصدر عن عين فالتقدير ذو كذا وحق مصدر ومنه قول الشاعر: فإنما هي إقبال وإدبار وهذا كثير ومتى قلت كذا وكذا حق فإنما معناه اتصاف كذا بكذا حق، وقوله وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يصح أن يريد الأصنام وتكون بمعنى الذي ويكون الإخبار عنها ب الْباطِلُ على نحو ما قدمناه في الْحَقُّ، ويصح أن تكون ما مصدرية كأنه قال وأن دعاءكم من دونه آلهة الباطل أي الفعل الذي لا يؤدي إلى الغاية المطلوبة به، وقرأ الجمهور «تدعون» بالتاء من فوق، وقرأ «يدعون» بالياء ابن وثاب والأعمش وأهل مكة ورويت عن أبي عمرو، وباقي الآية بين. قوله : [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٣١ الى ٣٢] أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) الرؤية في قوله أَلَمْ تَرَ رؤية العين يتركب عليها النظر والاعتبار، والمخاطب محمد ﷺ والمراد الناس أجمع، والْفُلْكَ جمع وواحد بلفظ واحد، وقرأ موسى بن الزبير «الفلك» بضم اللام، وقوله بِنِعْمَتِ اللَّهِ يحتمل أن يريد ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والتجارات، فالباء للأرزاق، ويحتمل أن يريد الريح وتسخير الله البحر ونحو هذا، فالباء باء السبب، وقرأ الجمهور «بنعمة» ، وقرأ الأعرج ويحيى بن يعمر «بنعمات» على الجمع، وقرأ ابن أبي عبلة «بنعمات» بفتح النون وكسر العين، وذكر تعالى من صفة المؤمن «الصبار» و «الشكور» لأنهما عظم أخلاقه الصبر على الطاعات وعلى النوائب وعلى الشهوات، والشكر على الضراء والسراء، وقال الشعبي الصبر نصف الإيمان والشكر نصفه الآخر، واليقين الإيمان كله. و «غشي» غطى، أو قارب، و «الظلل» السحاب، وقرأ محمد بن الحنفية «الظلال» ومنه قول النابغة الجعدي يصف البحر: [الوافر] يماشيهن أخضر ذو ظلال ... على حافاته فلق الدنان ووصف تعالى في هذه الآية حالة البشر الذين لا يعتبرون حق العبرة، والقصد بالآية تبيين آية تشهد العقول بأن الأوثان والأصنام لا شرك لها فيه ولا مدخل وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ قال الحسن منهم مؤمن يعرف حق الله تعالى في هذه النعم. وقال مجاهد: يريد فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ على كفره أي منهم من يسلم الله ويفهم نحو هذا من القدرة وإن ضل في الأصنام من جهة أنه يعظمها بسيرته ونشأته، والختّار القبيح الغدر وذلك أن نعم الله تعالى على

стр. 2025

العباد كأنها عهود ومنن يلزم عنها أداء شكرها فمن كفر ذلك وجحد به فكأنه ختر وخان، ومن «الختر» قول عمرو بن معدي كرب: [الوافر] وإنك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من غدر وختر وقال الحسن: «الختار» هو الغدار، وكَفُورٍ بناء مبالغة. قوله : [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) يَجْزِي معناه يقضي، والمعنى لا ينفعه بشيء ولا يدفع عنه، وهُوَ جازٍ جملة في موضع الصفة، أي ولا يجزي مولود قد كان في الدنيا يجزي، والْغَرُورُ التطميع بما لا يتحصل، والْغَرُورُ الشيطان، بذلك فسر مجاهد والضحاك وقال هو الأمل والتسويف، وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة «الغرور» بضم العين، وقال سعيد بن جبير: معنى الآية أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، وقرأ الجمهور «يجزي» بفتح الياء من جزا، وقرأ عكرمة «يجزي» بضم الياء على ما لم يسم فاعله، وحكى ابن مجاهد قراءة «لا يجزىء» بضم الياء والهمز وفي رفع «مولود» اضطراب من النحاة قال المهدوي: ولا يكون مبتدأ لأنه نكرة وما بعده صفة له فيبقى بغير خبر. وقرأ ابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة ويعقوب «ولا يغرنكم» خفيفة النون، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ذكر النقاش أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن هذه الخمس وروي أنه سأل عن بعضها عن جنين وعما يكسب ونحو هذا فنزلت الآية حاصرة لمفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله تعالى ولن تجد من المغيبات شيئا إلا هذه أو ما يعيده النظر، والتأويل إليها، وعِلْمُ السَّاعَةِ مصدر مضاف إلى المفعول، أي كل ما شأنه أن يعلم من أمر الساعة ولكن الذي استأثر الله تعالى به هو علم الوقت وغير ذلك قد أعلم ببعض منه، وكذلك نزول الغيث أمر قد استأثر الله تعالى بتفصيله وعلم وقته الخاص به، وأمر الأجنة كذلك، وأفعال البشر وجميع كسبهم كذلك وموضع موت كل بشر كذلك إلا الأصقاع والموضع الخاص بالجسد، وقرأ ابن أبي عبلة «بأيّة أرض» بفتح الياء وزيادة تاء تأنيث، وعَلِيمٌ خَبِيرٌ صفتان متشابهتان لمعنى الآية، وقال ابن مسعود: كل شيء أوتي نبيكم إلا مفاتيح الخمس ثم تلا الآية، وقرأ «وينزل» خفيفة أهل الكوفة وأبو عمرو وعيسى، وقرأ «وينزّل» بالتثقيل نافع وأبو جعفر وعاصم وشيبة، وذكر أبو حاتم في ترجيح التثقيل رؤيا (انتهى) .

стр. 2026

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة السّجدة هذه السورة مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي قوله أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [السجدة: ١٨] إلى تمام ثلاث آيات، ويأتي تفسيرها، وقال جابر بن عبد الله: ما كان رسول الله ﷺ ينام حتى يقرأ الم «السجدة» و «تبارك» [الملك: ١] . قوله : [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) تَنْزِيلُ يصح أن يرتفع بالابتداء والخبر لا رَيْبَ ويصح أن يرتفع على أنه خبر ابتداء، وهو إما الحروف المشار إليها على بعض الأقوال في أوائل السور، وإما ذلك تنزيل أو نحو هذا من التقدير بحسب القول في الحروف وقوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ أي هو كذا في نفسه ولا يراعى ارتياب الكفرة، وقوله مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ متعلق ب تَنْزِيلُ، ففي الكلام تقديم وتأخير، ويجوز أن يتعلق بقوله لا رَيْبَ أي لا شك فيه من جهة الله تعالى وإن وقع شك للفكرة فذلك لا يراعى، والريب الشك وكذلك هو في كل القرآن إلا قوله رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: ٣٠] وقوله أَمْ يَقُولُونَ إضراب، كأنه قال بل أيقولون، وافْتَراهُ اختلقه، ثم رد تعالى على مقالتهم هذه وأخبر أنه الْحَقُّ من عند الله، واللام في قوله لِتُنْذِرَ يجوز أن تتعلق بما قبلها، ولا يجوز الوقف على قوله مِنْ رَبِّكَ ويجوز أن تتعلق بفعل مضمر تقديره أنزله لتنذر فيوقف حينئذ على قوله مِنْ رَبِّكَ، وقوله ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ أي لم يباشرهم ولا رأوه هم ولا آباؤهم العرب، وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] يعم من بوشر من النذر ومن سمع به فالعرب من الأمم التي خلت فيها النذر على هذا الوجه لأنها علمت بإبراهيم وبنيه ودعوتهم وهم ممن لم يأتهم نذير مباشر لهم سوى محمد ﷺ ، وقال ابن عباس ومقاتل: المعنى لم يأتهم نذير في الفترة بين عيسى ومحمد ﵉، وقوله تعالى: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يقضي بأن يوما من أيام الجمعة بقي لم يخلق فيه شيء، وتظاهرت الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدئ يوم الأحد، وخلق آدم يوم الجمعة آخر الأشياء فهذا مستقيم مع هذه الآية.

стр. 2027

ووقع في كتاب مسلم أن الخلق ابتدئ يوم السبت، فهذا يخالف الآية اللهم إلا أن يكون أراد في الآية جميع الأشياء غير آدم، ثم يكون يوم الجمعة هو الذي لم يخلق فيه شيء مما بين السماء والأرض، لأن آدم لم يكن حينئذ مما بينهما، وقد تقدم القول في قوله: اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ بما فيه كفاية، وثُمَّ في هذا الموضع لترتيب الجمل لأن الاستواء كان بعد أن لم يكن، وهذا على المختار في معنى اسْتَوى ونفي «الشفاعة» محمول على أحد وجهين: إما عن الكفرة وإما نفي الشفعاء من ذاتهم على حد شفاعة الدنيا لأن شفاعة الآخرة إنما هي بعد إذن من الله تعالى. قوله : [سورة السجده (٣٢) : آية ٥] يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) الْأَمْرَ اسم جنس لجميع الأمور، والمعنى ينفذ الله تعالى قضاءه بجميع ما يشاؤه، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ خبر ذلك فِي يَوْمٍ من أيام الدنيا مِقْدارُهُ أن لو سير فيه السير المعروف من البشر أَلْفَ سَنَةٍ لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة سنة هذا أحد الأقوال، وهو قول مجاهد وابن عباس وقتادة وعكرمة والضحاك، وقال مجاهد أيضا: إن المعنى أن الضمير في مِقْدارُهُ عائد على «التدبير» ، أي كان مقدار التدبير المنقضي في يوم ألف سنة لو دبرها البشر، وقال مجاهد أيضا المعنى أن الله تعالى يدبر ويلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من عندنا وهو اليوم عنده فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها، فالمعنى أن الأمور تنفذ عنده لهذه المدة ثم تصير إليه آخرا لأن عاقبة الأمور إليه، وقيل المعنى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ في مدة الدنيا ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ يوم القيامة ويوم القيامة مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ من عندنا وهو على الكفار قدر خمسين ألف سنة لهوله وشنعته حسبما في سورة «سأل سائل» وسنذكر هنالك ما فيه من الأقوال والتأويل إن شاء الله، وحكى الطبري في هذه الآية عن بعضهم أنه قال قوله فِي يَوْمٍ إلى آخر الآية متعلق بقوله قبل هذا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [السجدة: ٤] ومتصل به أي أن تلك الستة كل واحد منها من ألف سنة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ضعيف مكرهة ألفاظ هذه الآية عليه رادة له الأحاديث التي بينت أيام خلق الله تعالى المخلوقات، وحكي أيضا عن ابن زيد عن بعض أهل العلم أن الضمير في مِقْدارُهُ عائد على العروج، والعروج الصعود، والمعارج الأدراج التي يصعد عليها، وقالت فرقة معنى الآية يدبر أمر الشمس في أنها تصعد وتنزل في يوم وذلك قدر ألف سنة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا أيضا ضعيف وظاهر عود الضمير في إِلَيْهِ على اسم الله تعالى كما قال ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [الصافات: ٩٩] وكما قال «مهاجر إلى ربي» ، وهذا كله بريء من التحيز، وقيل إن الضمير يعود على السَّماءِ لأنها قد تذكر، وقرأ جمهور الناس «تعدون» بالتاء، وقرأ الأعمش والحسن بخلاف عنه «يعدون» بالياء من تحت. قوله : [سورة السجده (٣٢) : الآيات ٦ الى ١١] ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩) وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)

стр. 2028

قالت فرقة أراد ب الْغَيْبِ الآخرة، وب الشَّهادَةِ الدنيا، وقيل أراد ب الْغَيْبِ ما غاب عن المخلوقين وب الشَّهادَةِ ما شوهد من الأشياء فكأنه حصر بهذه الألفاظ جميع الأشياء، وقرأ جمهور الناس «خلقه» بفتح اللام على أنه فعل ماض، ومعنى أَحْسَنَ أتقن وأحكم فهو حسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها، ومن هذا المعنى ما قال ابن عباس وعكرمة: ليست است القرد بحسنة ولكنها متقنة محكمة، والجملة في خَلَقَهُ يحتمل أن تكون في موضع نصب صفة ل كُلَّ أو في موضع خفض صفة ل شَيْءٍ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «خلقه» بسكون اللام وذلك منصوب على المصدر، والضمير فيه إما عائد على الله تعالى وإما على المفعول، ويصح أن يكون بدلا من كُلَّ وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن أَحْسَنَ بمعنى ألهم، وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: ٥٠] أي ألهم الرجل إلى المرأة، والجمل إلى الناقة، وهذا قول فيه بعد ورجحه الطبري، وقرأ جمهور الناس «وبدأ» ، وقرأ الزهري «وبدا خلق الإنسان» بألف دون همزة وبنصب القاف وذلك على البدل لا على التخفيف. قال الفقيه الإمام القاضي: كأنه أبدل الياء من بدى ألفا، وبدى لغة الأنصار، وقال ابن رواحة: [الرجز] «بسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا» والْإِنْسانِ آدم عدد أمره على بنيه إذ خلقه خلق لهم من حيث هو منسلهم، و «النسل» ما يكون عن الحيوان من الولد كأنه مأخوذ من نسل الشيء إذا خرج من موضعه، ومنه قوله تعالى: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [الأنبياء: ٩٦] ومنه نسل ريش الطائر إذا تساقط، و «السلالة» من سل يسل فكأن الماء يسل من الإنسان ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] فجاءت به عضب الأديم غضنفرا ... سلالة فرج كان غير حصين و «المهين» الضعيف، مهن الإنسان إذا ضعف وذل، وقوله وَنَفَخَ عبارة عن إفاضة الروح في جسد آدم، والضمير في رُوحِهِ لله تعالى، وهي إضافة ملك إلى مالك وخلق إلى خالق، ثم أظهر تعديد النعم عليهم في أن خصهم في قوله لَكُمُ بضمير السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ وهي لمن تقدم ذكره أيضا كما خص آدم بالتسوية ونفخ الروح وهو لجميع ذريته، وهذا كله إيجاز واقتضاب وترك لما يدل عليه المنطوق به.

стр. 2029

ويحتمل أن يكون الْإِنْسانِ في هذه الآية اسم الجنس، وقوله تعالى: قَلِيلًا صفة لمصدر محذوف، وهو في موضع الحال حين حذف الموصوف به، والضمير في قالُوا للكفار الجاحدين البعث من القبور والمستبعدين لذلك دون حجة ولا دليل. وموضع إِذا نصب بما في قوله إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ لأن معناه لنعاد، واختلفت القراءة في أَإِذا وقد تقدم استيعاب ذكره في غير هذا الموضع. وقرأ جمهور القراء «ضللنا» بفتح اللام، وقرأ ابن عامر وأبو رجاء وطلحة وابن وثاب «ضللنا» بكسر اللام والمعنى تلفنا وتقطعت أوصالنا فذهبنا حتى لم نوجد، ومنه قول الأخطل: [الكامل] كنت القذا في متن أكدر مزبد ... قذف الأتيّ به فضلّ ضلالا ومنه قول النابغة: فآب مضلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل أي متلفوه دفنا، ومنه قول امرئ القيس: «تضل المداري في مثنى ومرسل» . وقرأ الحسن البصري «صللنا» بالصاد غير منقوطة وفتح اللام، قال الفراء وتروى عن علي بن أبي طالب ﵁ ومعناه صرنا من الصلة وهي الأرض اليابسة الصلبة، ويجوز أن يريد به من التغير كما يقال صل اللحم، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس وأبان بن سعيد بن العاصي، وقرأ الحسن أيضا «صللنا» بالصاد غير منقوطة وكسر اللام، وقرأ علي بن أبي طالب وأبو حيوة «ضلّلنا» بضم الضاد وكسر اللام وشدها، وقولهم إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي إنا لفي هذه الحالة نعاد ويجدد خلقنا. وقوله تعالى: بَلْ إضراب عن معنى استفهامهم كأنه قال ليسوا مستفهمين «بل هم كافرون» جاحدون بلقاء الله تعالى، ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم بجملة الحال غير مفصلة، فبدأ بالإخبار من وقت يفقد روح الإنسان إلى الوقت الذي يعود فيه إلى ربه فجمع الغايتين الأولى والآخرة، ويَتَوَفَّاكُمْ معناه يستوفيكم. ومنه قول الشاعر: [الرجز] أزيني الأردم ليسوا من أحد ... ولا توفيهم قريش في العدد ومَلَكُ الْمَوْتِ اسمه عزرائيل وتصرفه كله بأمر الله وبخلقه واختراعه وروي في الحديث أن البهائم كلها يتوفى الله روحها دون ملك. قال الفقيه الإمام القاضي: كأنه يعدم حياتها، وكذلك الأمر في بني آدم إلا أنه نوع شرف بتصرف ملك وملائكة معه في قبض أرواحهم، وكذلك أيضا غلظ العذاب على الكافرين بذلك، وروي عن مجاهد: أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي الإنسان يأخذ من حيث أمر. قوله : [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١٢ الى ١٥] وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)

стр. 2030

قوله تعالى: لَوْ تَرى تعجيب لمحمد وأمته من حال الكفرة وما حل بهم، وجواب لَوْ محذوف لأن حذفه أهول إذ يترك الإنسان فيه مع أقصى تخيله، والْمُجْرِمُونَ هم الكافرون بدليل التوعد بالنار وبدليل قولهم إِنَّا مُوقِنُونَ أي أنهم كانوا في الدنيا غير موقنين، وتنكيس الرؤوس هو من الذل واليأس والهم بحلول العذاب وتعلق نفوسهم بالرجعة إلى الدنيا، وفي القول محذوف تقديره يقولون رَبَّنا وقولهم أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا أي ما كنا نخبر به في الدنيا فكنا مكذبين به، ثم طلبوا الرجعة حين لا ينفع ذلك، ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه لو شاء لهدى الناس أجمعين بأن يلطف بهم لطفا يؤمنون به ويخترع الإيمان في نفوسهم، هذا مذهب أهل السنة، وقال بعض المفسرين تعرض عليهم آية يضطرهم بها إلى الإيمان. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول بعض المعتزلة، إلا أن من أشرنا إليه من المفسرين لم يقدر قدر القول ولا مغزاه ولذلك حكاه، والذي يقود المعتزلة إلى هذه المقالة أنهم يرون أن من يقدر على اللطف بإنسان حتى يؤمن ولا يفعل فإن ذلك ليس من الحكمة ولا من الأمر المستقيم، والكلام على هذه المسألة يطول وله تواليفه، والْجِنَّةِ الشياطين، وقوله فَذُوقُوا بمعنى يقال لهم ذوقوا، ونَسِيتُمْ معناه تركتم، قاله ابن عباس وغيره، وفي الكلام حذف مضاف تقديره عمل أو عدة ونحوه، وقوله إِنَّا نَسِيناكُمْ سمى العقوبة باسم الذنب، وقوله بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بتكسبكم الآثام، ثم أثنى على القوم الذين يؤمنون بآياته ووصفهم بالصفة الحسنى بسجودهم عند التذكير وتسبيحهم وعدم استكبارهم بخلاف ما يصنع الكفر من الإعراض عند التذكير وقول الهجر وإظهار التكبر. وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، وقال ابن عباس: السجود هنا بمعنى الركوع، وقد روي عن ابن جريج ومجاهد أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من المنافقين كانوا إذا أقيمت الصلاة خرجوا من المسجد فكان الركوع يقصد من هذا، ويلزم على هذا أن تكون الآية مدنية، وأيضا فمن مذهب ابن عباس أن القارئ للسجدة يركع واستدل بقوله وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ [ص: ٢٤] . قوله : [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١٦ الى ٢٠] تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)

стр. 2031

جفا الرجل الموضع إذا تركه، و «تجافى الجنب» عن مضجعه إذا تركه وجافى الرجل جنبه عن مضجعه، ومنه في الحديث «ويجافي بضبعيه» أي يبعدهما عن الأرض وعن يديه، فقوله تَتَجافى جُنُوبُهُمْ أي تبعد وتزول، ومنه قول عبد الله بن رواحة: [الطويل] نبيّ تجافى جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع ويروى يبيت يجافي، قال الزجاج والرماني: التجافي التنحي إلى جهة فوق. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول حسن، وكذلك في الصفح عن المخطي في سب ونحوه، و «الجنوب» جمع جنب، و «المضجع» موضع الاضطجاع للنوم، وقال أنس بن مالك: أراد بهذه الآية الصلاة بين المغرب والعشاء، وقال عطاء وأبو سلمة أراد صلاة العشاء الآخرة، وقال أبو محمد: وكانت الجاهلية ينامون من أول المغرب ومن أي وقت شاء الإنسان فجاء انتظار وقت العشاء الآخرة غريبا شاقا، وقال أنس بن مالك أيضا: أراد انتظار العشاء الآخرة لأن رسول الله ﷺ كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل وفي ذلك أحاديث كثيرة، وقال الضحاك: «تجافي الجنب» هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة وهذا قول حسن يساعده لفظ الآية، وقال الجمهور من المفسرين: أراد بهذا التجافي صلاة النوافل بالليل. قال الفقيه الإمام القاضي: وعلى هذا التأويل أكثر الناس، وهو الذي فيه المدح، وفيه أحاديث عن النبي ﷺ يذكر قيام الليل ثم يستشهد بالآية، ذكره الطبري عن معاذ بن جبل، ورجح الزجاج هذا القول بأنهم جزوا بإخفاء فدل ذلك على أن العمل إخفاء أيضا وهو قيام الليل، وقوله يَدْعُونَ يحتمل أن يكون في موضع الحال من الموصوفين، أي في وقت التجافي، ويحتمل أن يكون صفة مستأنفة، أي تَتَجافى جُنُوبُهُمْ وهم أيضا في كل أحوالهم يَدْعُونَ ليلهم ونهارهم. و «الخوف» من عذاب الله، و «الطمع» في ثواب الله. ويُنْفِقُونَ قيل معناه الزكاة المفروضة وقيل النوافل والصدقات غير المفروضة وهذا القول أمدح، ثم ذكر تعالى وعدهم من النعيم بما لم تعلمه نفس ولا بشر ولا ملك، وقرأ حمزة وحده «أخفي» بسكون الياء كأنه قال أخفي أنا وهي قراءة الأعمش، وروي عنه «ما أخفيت لهم من قرة أعين» ، وقرأ عبد الله «ما نخفي لهم» بالنون مضمومة، وروى المفضل عن الأعمش «ما يخفى لهم» بالياء المضمومة وفتح الفاء، وقرأ محمد بن كعب «ما أخفى» بفتح الهمزة، أي ما أخفى الله، وقرأ جمهور الناس «أخفي» بفتح الياء على بناء الفعل للمفعول، وما يحتمل أن تكون بمعنى الذي، فعلى القراءة الأولى فثم ضمير محذوف تقديره أخفيه، وعلى قراءة الجمهور فالضمير الذي لم يسم فاعله يجري في العودة على الذي، ويحتمل أن تكون استفهاما، فعلى القراءة الأولى فهي في موضع نصب ب «أخفي» وعلى القراءة الثانية هي في موضع رفع بالابتداء، وقُرَّةِ أَعْيُنٍ ما تلذه وتشتهيه وهي مأخوذة من القر كما

стр. 2032

أن سخنة العين مأخوذة من السخانة، وأصل هذا فيما يزعمون أن دمع الفرح بارد ودمع الحزن سخن، وفي معنى هذه الآية قال رسول الله ﷺ قال الله : «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. واقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ. وقال ابن مسعود: «في التوراة مكتوب على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» . وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة وأبو الدرداء، «قرات» على الجمع، وقوله جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي بتكسبهم، وقوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً الآية، روي عن عطاء بن يسار أنها نزلت في علي بن أبي طالب: والوليد بن عقبة بن أبي معيط وذلك أنهما تلاحيا فقال له الوليد: أنا أبسط منك لسانا وأحد سنانا وأرد للكتيبة، فقال له علي بن أبي طالب: اسكت فإنك فاسق، فنزلت الآية. وذكر الزجاج والنحاس وغيرهما أنها نزلت في علي وعقبة بن أبي معيط، وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية، لأن عقبة لم يكن بالمدينة وإنما قتل في طريق مكة منصرف رسول الله ﷺ من بدر، ويعترض القول الآخر بإطلاق اسم الفسق على الوليد وذلك يحتمل أن يكون في صدر إسلام الوليد لشيء كان فيه أو لما روي من نقله عن بني المصطلق ما لم يكن حتى نزلت فيه إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ [الحجرات: ٦] ويحتمل أيضا أن تطلق الشريعة ذلك عليه لأنه كان على طرف مما يبغي وهو الذي شرب الخمر في خلافة عثمان وصلى الصبح بالناس أربعا ثم التفت وقال: أتريدون أن أزيدكم ونحو هذا مما يطول ذكره. ثم قسم الله تعالى المؤمنين والفاسقين الذين فسقهم بالكفر لأن التكذيب الذي في آخر الآية يقتضي ذلك، وقرأ طلحة «جنة» بالإفراد، وقرأ أبو حيوة «نزلا» بإسكان الزاي، والجمهور على ضمها وسائر باقي الآية بين. قوله : [سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢١ الى ٢٢] وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) الضمير في قوله لَنُذِيقَنَّهُمْ لكفار قريش، أعلم الله تعالى أنه يصيبهم بعذاب دون عذاب الآخرة، واختلف المتأولون في تعيين الْعَذابِ الْأَدْنى، فقال إبراهيم النخعي ومقاتل: هم السنون التي أجاعهم الله تعالى فيها، وقال ابن عباس وأبي بن كعب: هو مصائب الدنيا من الأمراض ونحوها وقاله ابن زيد، وقال ابن مسعود والحسن بن علي هو القتل بالسيف كبدر وغيرها. قال الفقيه الإمام القاضي: فيكون على هذا التأويل الراجع غير الذي يذوق بل الذي يبقى بعده وتختلف رتبتا ضمير الذوق مع ضمير «لعل» ، وقال أبيّ بن كعب أيضا هي البطشة، واللزام، والدخان. وقال ابن عباس أيضا عنى بذلك الحدود. قال الفقيه الإمام القاضي: ويتجه على هذا التأويل أن تكون في فسقة المؤمنين، وقال مجاهد: عنى

стр. 2033

بذلك عذاب القبر، ثم قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ على جهة التعجب، والتقدير أي لا أحد أظلم ممن هذه صفته، وهي بخلاف ما تقدم في صفة المؤمنين من أنهم إذا ذكروا بآيات الله خروا سجدا، ثم توعد تعالى الْمُجْرِمِينَ وهم المتجاسرون على ركوب الكفر والمعاصي بالنقمة، وظاهر الإجرام هنا أنه الكفر، وحكى الطبري عن يزيد بن رفيع أنه قال: إن قول الله تعالى في القرآن إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ إنما هو في أهل القدر. قال الفقيه الإمام القاضي: يريد القائلين بأن الأمر أنف، وأن أفعال العبد من قبله، قال ثم قرأ يزيد بن رفيع إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ. [القمر ٤٧- ٤٩] . قال الفقيه الإمام القاضي: في هذا المنزع من البعد ما لا خفاء به، وروى معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث من فعلهن فقد أجرم، من عقد لواء في غير حق، ومن عق والديه، ومن نصر ظالما» . قوله : [سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٥] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) قرأ الناس «في مرية» بكسر الميم، وقرأ الحسن بضمها، واختلف المتأولون في الضمير الذي في لِقائِهِ على من يعود فقال أبو العالية الرياحي وقتادة: يعود على موسى، والمعنى لا تكن في شك من أن تلقى موسى، أي في ليلة الإسراء، وهذا قول جماعة من السلف، وقاله المبرد حين امتحن أبا إسحاق الزجاج بهذه المسألة، وقالت فرقة الضمير عائد على الْكِتابَ أي أنه لقي موسى حين لقيه موسى، والمصدر في هذا التأويل يصح أن يكون مضافا للفاعل بمعنى لقي الكتاب موسى، ويصح أن يكون مضافا إلى المفعول بمعنى لقي الكتاب- بالنصب- موسى، وقال الحسن الضمير عائد على ما يتضمنه القول من الشدة والمحنة التي لقي موسى، وذلك أن إخباره بأنه آتى موسى الكتاب كأنه قال وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى هذا العبء الذي أنت بسبيله فلا تمتر أنك تلقى ما لقي هو من المحنة بالناس، وكأن الآية تسلية لمحمد ﷺ ، وقالت فرقة معناه فلا تكن في شك من لقائه في الآخرة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة الضمير عائد على مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة: ١١] الذي تقدم ذكره، وقوله فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ اعتراض بين الكلامين. قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضا ضعيف، و «المرية» الشك، والضمير في جَعَلْناهُ يحتمل أن يعود على موسى، وهو قول قتادة، ويحتمل أن يعود على الْكِتابَ وأَئِمَّةً جمع إمام وهو الذي يقتدى

стр. 2034

به وأصله خيط البناء وجمهور النحويين على «أئمة» بياء وتخفيف الهمزة، إلا ابن أبي إسحاق فإنه جوز اجتماع الهمزتين وقرأ «أئمة» ، وقرأ جمهور القراء «لمّا صبروا» بفتح اللام وشد الميم، وقرأ حمزة والكسائي «لما» بكسر اللام وتخفيف الميم وهي قراءة ابن مسعود وطلحة والأعمش، فالأولى في معنى الظرف والثانية كأنه قال لأجل صبرهم، ف «ما» مصدرية، وفي القراءتين معنى المجازاة أي جعلهم أئمة جزاء على صبرهم عن الدنيا وكونهم موقنين بآيات الله وأوامره وجميع ما تورده الشريعة، وقرأ ابن مسعود «بما صبروا» . وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ الآية، حكم يعم جميع الخلق، وذهب بعض المتأولين إلى تخصيص الضمير وذلك ضعيف. قوله : [سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٦ الى ٣٠] أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) يَهْدِ معناه يبين قاله ابن عباس، وقرأ جمهور الناس «يهد» بالياء فالفاعل الله تعالى في قول فرقة، والرسول في قول فرقة، كأنه قال «أو لم يبين لهم الهدى» ، وجوز الكوفيون أن يكون الفاعل كَمْ، ولا يجوز ذلك عند البصريين لأنها في الخبر على حكمها في الاستفهام في أنها لا يعمل فيها ما قبلها، وقرأ أبو عبد الرحمن «نهد» بالنون وهي قراءة الحسن وقتادة، فالفاعل الله تعالى، وكَمْ في موضع نصب، فعند الكوفيين ب «نهد» وعند البصريين ب أَهْلَكْنا، على القراءتين جميعا، وقرأ جمهور الناس «يمشون» بفتح الياء وتخفيف الشين، وقرأ ابن السميفع اليماني «يمشّون» بضم الياء وفتح الميم وشد الشين، وقرأ عيسى بن عمر «يمشون» بضم الياء وسكون الميم وشين مضمومة مخففة، والضمير في يَمْشُونَ يحتمل أن يكون للمخاطبين بالتنبيه المحتج عليهم، ويحتمل أن يكون للمهلكين، ف يَمْشُونَ في موضع الحال، أي أهلكوا وهم ماشون في مساكنهم، والضمير في يَسْمَعُونَ للمنبهين، ومعنى هذه الآية إقامة الحجة على الكفرة بالأمم السالفة الذين كفروا فأهلكوا، ثم أقام الحجة عليهم في معنى الإيمان بالقدرة وبالبعث بأن نبههم على إحياء الأرض الموات بالماء والنبات، و «السوق» هو بالسحاب، وإن كان سوق بنهر فأصله من السحاب والْجُرُزِ الأرض العاطشة التي قد أكلت نباتها من العطش والغيظ، ومنه قيل للأكول جروز. قالة الشاعر: خب جروز وإذا جاع بكى ومن عبر عنها بأنها الأرض التي لا تنبت فإنها عبارة غير مخلصة، وعم تعالى كل أرض هي بهذه

стр. 2035

الصفة لأن الآية فيها والعبرة بينة، وقال ابن عباس أيضا وغيره الْأَرْضِ الْجُرُزِ أرض أبين من اليمن، وهي أرض تشرب بسيول لا بمطر، وجمهور الناس على ضم الراء، وقال الزجاج وتقرأ «الجرز» بسكون الراء، ثم خص تعالى «الزرع» بالذكر تشريفا ولأنه عظم ما يقصد من النبات، وإلا فعرف أكل الأنعام إنما هو من غير الزرع، لكنه أوقع الزرع موقع النبات على العموم، ثم فصل ذلك بأكل الأنعام وبني آدم، وقرأ أبو بكر بن عياش وأبو حيوة «يأكل» بالياء من تحت، وقرأ ابن مسعود «يبصرون» ، وقرأ جمهور الناس «تبصرون» بالتاء من فوق، ثم حكي عن الكفرة أنهم يستفتحون ويستعجلون فصل القضاء بينهم وبين الرسول على معنى الهزء والتكذيب، والْفَتْحُ الحكم هذا قول جماعة من المفسرين، وهذا أقوى الأقوال، وقالت فرقة الإشارة إلى فتح مكة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف يرده الإخبار بأن الكفرة لا ينفعهم الإيمان، فلم يبق إلا أن يكون الْفَتْحُ إلا إما حكم الآخرة، وهذا قول مجاهد، وإما فصل في الدنيا كبدر ونحوها. وقوله تعالى: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ إشارة إلى الْفَتْحِ الأول حسب محتملاته، فالألف واللام في الْفَتْحِ الثاني للعهد، ويَوْمَ ظرف، والعامل فيه يَنْفَعُ، ويُنْظَرُونَ معناه يؤخرون، ثم أمره تعالى بالإعراض عن الكفار وانتظار الفرج، وهذا مما نسخته آية السيف. وقوله تعالى: إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ أي العذاب، بمعنى هذا حكمهم وإن كانوا لا يشعرون، وقرأ محمد بن السميفع «منتظرون» بفتح الظاء أي للعذاب النازل بهم.
следующие страницы →