Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
قوله وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣] فقيل لهم في هذه إن الله يعلم ما تخفونه من هذه المعتقدات والخواطر المكروهة ويجازيكم عليها، ثم ذكر تعالى الإباحة فيمن سمي من القرابة إذ لا تقضي أحوال البشر إلا مداخلة من ذكر وكثرة ترداده وسلامة نفسه من أمر الغزل لما تتحاماه النفوس من ذوات المحارم، فمن ذلك الآباء والأولاد والإخوة وأبناؤهم وأبناء الأخوات، وقوله: وَلا نِسائِهِنَّ دخل فيه الأخوات والأمهات وسائر القرابات ومن يتصل من المتصرفات لهن، هذا قول جماعة من أهل العلم، ويؤيد قولهم هذه الإضافة المخصصة في قوله نِسائِهِنَّ وقال ابن زيد وغيره إنما أراد جميع النساء المؤمنات وتخصيص الإضافة إنما هو في الإيمان، وقوله تعالى: وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ قالت طائفة من الإماء دون العبيد، وقالت طائفة من العبيد والإماء، ثم اختلفت هذه الطائفة، فقالت فرقة: ما ملكت من العبيد دون من ملك سواهن، وقالت فرقة: بل من جميع العبيد كان في ملكهن أو في ملك غيرهن، والكاتب إذا كان معه ما يؤدي فقد أمر رسول الله ﷺ بضرب الحجاب دونه، وفعلت ذلك أم سلمة مع مكاتبها نبهان، ذكره الزهراوي، وقالت فرقة دخل الأعمام في الآباء، وقال الشعبي وعكرمة لم يذكرهم لإمكان أن يصفوا لأبنائهم، وكذلك الخال وكرها أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها، واختلف المتأولون في المعنى الذي رفع فيه الجناح بهذه الآية فقال قتادة هو الحجاب، أي أبيح لهذه الأصناف الدخول على النساء دون حجاب ورؤيتهن، وقال مجاهد ذلك في رفع الجلباب وإبداء الزينة، ولما ذكر تعالى الرخصة في هذه الأصناف وانجزمت الإباحة عطف بأمرهن بالتقوى عطف جملة على جملة وهذا في نهاية البلاغة والإيجاز، كأنه قال اقتصرن على هذا وَاتَّقِينَ اللَّهَ تعالى فيه أن تتعدينه إلى غيره، ثم توعد تعالى بقوله وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً.
قوله :
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٦ الى ٥٨]
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨)
هذه الآية شرف الله بها رسوله ﵇ وذكر منزلته منه وطهر بها سوء فعل من استصحب في جهته فكرة سوء في أمر أزواجه ونحو ذلك، وقوله يُصَلُّونَ، قالت فرقة الضمير فيه لله وللملائكة، وهذا قول من الله تعالى شرف به ملائكته فلا يصحبه الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب عند النبي ﷺ : من أطاع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد ضل، فقال له رسول الله ﷺ «بئس الخطيب أنت» قالوا لأنه ليس لأحد من البشر أن يجمع ذكر الله تعالى مع غيره في ضمير واحد ولله تعالى أن يفعل من ذلك ما شاء، وقالت فرقة: في الكلام حذف تقديره إن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون، ودل الظاهر من القول على ما ترك، وليس في الآية اجتماع في ضمير، وقالت فرقة: بل جمع الله
стр. 2067
تعالى الملائكة مع نفسه في ضمير وذلك جائز للبشر فعله، ولم يقل رسول الله ﷺ «بئس الخطيب أنت» لهذا المعنى وإنما قاله لأن الخطيب وقف على «ومن يعصهما» وسكت سكتة، ومما يؤيد هذا أن في كلام النبي ﷺ في مصنف أبي داود «ومن يعصهما» فجمع ذكر الله تعالى مع رسوله في ضمير، ومما يؤيد القول الأول أن في كتاب مسلم «بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله» .
قال القاضي أبو محمد: وهذا يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه وقال له «بئس الخطيب أنت» (أصلح له بعد ذلك جميع كلامه لأن فصل ضمير اسم الله تعالى من ضمير غيره أولى لا محالة فقال له:
«بئس الخطيب أنت» لموضع) خطأه في الوقف وحمله على الأولى في فصل الضميرين. وإن كان جمعهما جائزا، وقرأ الجمهور «وملائكته» بنصب التاء عطفا على المكتوبة، وقرأ ابن عباس «وملائكته» رفعا عطفا على الموضع قبل دخول إِنَّ وفي هذا نظر، وصلاة الله رحمة منه وبركة، وصلاة الملائكة دعاء، وصلاة المؤمنين دعاء وتعظيم، والصلاة على رسول الله في كل حين من الواجبات وجوب السنن المؤكدة التي لا يسع تركها ولا يغفلها إلا من لا خير فيه، وقال ﵇: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود» وصفتها ما ورد عنه ﵇ في كتاب الطبري من طريق ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية قال له قوم من الصحابة: هذا السلام عليك يا رسول الله قد عرفناه فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وارحم محمدا وآل محمد كما رحمت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد» وفي بعض الروايات زيادة ونقص هذا معناه، وقرأ الحسن «يا أيها الذين آمنوا فصلوا عليه» وهذه الفاء تقوي معنى الشرط أي صلى الله فصلوا أنتم، كما تقول أعطيتك فخذ، وفي حرف عبد الله «صلوا عليه كما صلى الله عليه وسلموا تسليما» ، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ الآية، قال الجمهور معناه بالكفر ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه ووصفه بما لا يليق به، وفي الحديث قال الله شتمني عبدي فقال إن لي ولدا وكذبني فقال إنه لن يبعث، وقال عكرمة معناه بالتصوير والتعريض لفعل ما لا يفعله إلا الله بنحت الصور وخلقها، وقد قال رسول الله ﷺ : «لعن الله المصورين» ، وقالت فرقة ذلك على حذف مضاف تقديره يؤذون أولياء الله، وإذاية الرسول هي بما يؤذيه من الأقوال في غير معنى واحد من الأفعال أيضا، قال ابن عباس نزلت في الذين طعنوا عليه حين اتخذ صفية بنت حيي.
قال الفقيه الإمام القاضي: والطعن في تأمير أسامة إذاية له ﵇، ولعنوا معناه أبعدوا من كل خير، وإذاية المؤمنين والمؤمنات هي أيضا بالأفعال والأقوال القبيحة والبهتان والكذب الفاحش المختلف، وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال يوما لأبيّ بن كعب: إني قرأت هذه الآية البارحة ففزعت منها وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الآية والله إني لأضربهم وأنهرهم، فقال له: اي يا أمير المؤمنين لست منهم إنما أنت معلم ومقوم، وذكر أبو حاتم أن عمر بن الخطاب قرأ «إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات» ثم قال يا أبي كيف تقرأ هذه الآية فقرأها كما قال عمر.
стр. 2068
قوله :
[سورة الأحزاب (٣٣) : آية ٥٩]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩)
لما كانت عادة العربيات التبذل في معنى الحجبة وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكر فيهن أمر الله تعالى رسوله ﵇ بأمرهن بإدناء الجلابيب، ليقع سترهن ويبين الفرق بين الحرائر والإماء، فيعرف الحرائر بسترهن فكيف عن معارضتهن من كان غزلا أو شابا وروي أنه كان في المدينة قوم يجلسون على الصعدات لرؤية النساء ومعارضتهن ومراودتهن، فنزلت الآية بسبب ذلك، و «الجلباب» ثوب أكبر من الخمار، وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء واختلف الناس في صورة إدنائه، فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضا وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، وقوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ أي على الجملة بالفرق حتى لا يختلطن بالإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأذى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرية، وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي، وكان عمر إذا رأى أمة قد تقنعت قنعها الذرة محافظة على زي الحرائر، وباقي الآية ترجية ولطف وحظ على التوبة وتطميع في رحمة الله تعالى، وفيها تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا الأمر المشروع.
قوله :
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٠ الى ٦٢]
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٦٢)
اللام في قوله تعالى: لَئِنْ هي المؤذنة بمجيء القسم، واللام في لَنُغْرِيَنَّكَ هي لام القسم، وتوعد الله تعالى هذه الأصناف في هذه الآية، وقرن توعده بقرينة متابعتهم وتركهم الانتهاء، فقالت فرقة: إن هذه الأصناف لم تنته ولم ينفذ الله تعالى عليها هذا الوعيد، فهذه الآية دليل على بطلان القول بإنفاذ الوعيد في الآخرة، وقالت فرقة: إن هذه الأصناف انتهت وتستر جميعهم بأمرهم وكفوا وما بقي من أمرهم أنفذ الله تعالى وعيدا بإزائه، وهو مثل نهي النبي ﷺ عن الصلاة عليهم إلى غير ذلك مما أحله رسول الله ﷺ بالمنافقين من الإذلال في إخراجهم من المسجد وما نزل فيهم في سورة براءة وغير ذلك، فهم لم يمتثلوا الانتهاء جملة ولا نفذ عليهم الوعيد كاملا. والْمُنافِقُونَ صنف يظهر الإيمان ولا يبطنه، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هو الغزل وحب الزنا قاله عكرمة، ومنه قوله تعالى:
فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: ٣٢] والْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ هم قوم من المنافقين كانوا
стр. 2069
يتحدثون بغزو العرب المدينة وبأن رسول الله ﷺ سيغلب، ونحو هذا مما يرجفون به نفوس المؤمنين، فيحتمل أن تكون هذه الأصناف مفترقة بعضها من بعض، ويحتمل أن تكون داخلة في جملة المنافقين، لكنه نص على هاتين الطائفتين وهو قد ضمهم عموم لفظة النفاق تنبيها عليهم وتشريدا بهم وغضا منهم، و «نغرينك» معناه نحضك عليهم بعد تعيينهم لك، قال ابن عباس المعنى لنسلطنك عليهم، وقال قتادة لنحرشنك بهم، وقوله تعالى: ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها أي بعد الإغراء لأنك تنفيهم بالإخافة والقتل، وقوله إِلَّا قَلِيلًا يحتمل أن يريد إلا جوارا قليلا أو وقتا قليلا، ويحتمل أن يريد إلا عددا قليلا، كأنه قال إلا أقلاء، وقوله تعالى: مَلْعُونِينَ يجوز أن ينتصب على الذم قاله الطبري، ويجوز أن يكون بدلا من أقلاء الذي قدرناه قبل في أحد التأويلات، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في يُجاوِرُونَكَ كأنه قال ينتفون ملعونين، فلما تقدر لا يُجاوِرُونَكَ تقدير ينتفون، حسن هذا، واللعنة الإبعاد، وثُقِفُوا معناه حصروا وقدر عليهم، وأُخِذُوا معناه أسروا، والأخيذ الأسير ومنه قول العرب أكذب من الأخيذ الصيحان، وقرأ جمهور الناس «وقتّلوا» بشد التاء، ويؤيد هذا المصدر بعدها، وقرأت فرقة بتخفيف التاء والمصدر على هذه القراءة على غير قياس، قال الأعمش كل ما في القرآن غير هذا الموضع فهو «قتلوا» بالتخفيف، وقوله تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ نصب على المصدر، ويجوز فيه الإغراء على بعد، والَّذِينَ خَلَوْا هم منافقو الأمم وقوله وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي من مغالب يستقر تبديله فيخرج على هذا تبديل العصاة والكفرة، ويخرج عنه أيضا ما يبدله الله من سنة بسنّة بالنسخ.
قوله :
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٣ الى ٦٨]
يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧)
رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨)
سئل رسول الله ﷺ عن وقت الساعة متى هي فلم يجب في ذلك بشيء، ونزلت الآية آمرة بأن يرد العلم فيها إلى الله تعالى إذ هي من مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، ثم توعد العالم بقربها في قوله وَما يُدْرِيكَ الآية، أي فينبغي أن تحذر، وقَرِيباً ظرف لفظه واحد جمعا، وإفرادا، ومذكرا ومؤنثا، ولو كان صفة للساعة لكان قريبة، ثم توعد تعالى الْكافِرِينَ بعذاب لا ولي لهم منه ولا ناصر، وقوله تعالى: يَوْمَ يجوز أن يكون متعلقا بما قبله والعامل يَجِدُونَ، وهذا تقدير الطبري، ويجوز أن يكون العامل فيه يَقُولُونَ ويكون ظرفا للقول.
وقرأ الجمهور «تقلّب وجوههم» على المفعول الذي لم يسم فاعله بضم التاء وشد اللام المفتوحة، وقرأ أبو حيوة «تقلب» بفتح التاء بمعنى تتقلب، وقرأ ابن أبي عبلة «تتقلب» بتاءين، وقرأ خارجة وأبو حيوة «نقلب» بالنون، وقرأ عيسى بن عمر الكوفي «تقلب» بكسر اللام وضم التاء أي تقلب السعير. وبنصب الوجوه في
стр. 2070
هاتين القراءتين، فيتمنون يومئذ الإيمان وطاعة الله ورسوله حين لا ينفعهم التمني، ثم لاذوا بالتشكي من كبرائهم في أنهم أضلوهم، وقرأ جمهور الناس «سادتنا» وهو جمع سيد، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن عامر وحده من السبعة وأبو عبد الرحمن وقتادة وأبو رجاء والعامة في المسجد الجامع بالبصرة «ساداتنا» على جمع الجمع، والسَّبِيلَا مفعول ثان لأن «أضل» معدى بالهمزة، وضل يتعدى إلى مفعول واحد فيما هو مقيم كالطريق والمسجد وهي سبيل الإيمان والهدى، ثم دعوا بأن يضاعف العذاب للكبراء المضلين أي عن أنفسهم وعمن أضلوا، وقرأ عاصم وابن عامر وحذيفة بن اليمان والأعرج بخلاف عنه «لعنا كبيرا بالباء من الكبر، وقرأ الجمهور والباقون «لعنا كثيرا» بالثاء ذات الثلاث والكثرة أشبه بمعنى اللعنة من الكبر أي العنهم مرات كثيرة.
قوله :
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٩ الى ٧١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (٦٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١)
الذين آذَوْا مُوسى هم قوم من بني إسرائيل، واختلف الناس في الإذاية التي كانت وبرأه الله منها، فقالت فرقة هي قصة قارون، وإدخاله المرأة البغي في أن تدعي على موسى ثم تبرئتها له وإشهارها بداخلة قارون، وقد تقدمت القصة في ذكر قارون، وقال علي بن أبي طالب ﵁ هي أن موسى وهارون خرجا من فحص التيه إلى جبل مات هارون فيه، فجاء موسى وحده، فقال قوم هو قتله، فبعث الله تعالى ملائكة حملوا هارون حتى طافوا به في أسباط بني إسرائيل ورأوا آية عظيمة دلتهم على صدق موسى ولم يكن فيه أثر، وروي أنه حيي فأخبرهم بأمره وببراءة موسى، وقال ابن عباس وأبو هريرة وجماعة هي ما تضمنه حديث النبي ﷺ ، وذلك أنه كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكان موسى ﵇ يتستر كثيرا ويخفي بدنه فقال قوم هود آدر أو أبرص أو به آفة فاغتسل موسى يوما وحده وجعل ثيابه على حجر ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى يقول ثوبي حجر ثوبي حجر، فمر في أتباعه على ملأ من بني إسرائيل، فرواه سليمان مما ظن به، الحديث بطوله خرجه البخاري فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا و «الوجيه» المكرم الوجه، وقرأ الجمهور «وكان عند الله» ، وقرأ ابن مسعود «وكان عبد الله» ، ثم وصى المؤمنين بالقول السداد، وذلك يعم جميع الخيرات، وقال عكرمة: أراد لا إله إلّا الله، و «السداد» يعم جميع هذا وإن كان ظاهر الآية يعطي أنه إنما أشار إلى ما يكون خلافا للأذى الذي قيل في جهة الرسول وجهة المؤمنين، ثم وعد تعالى بأنه يجازي على القول السديد بإصلاح الأعمال وغفران الذنوب، وباقي الآية بين.
قوله :
стр. 2071
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٣]
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣)
اختلف الناس في الْأَمانَةَ فقال ابن مسعود هي أمانات المال كالودائع ونحوها، وروي عنه أنه في كل الفرائض وأشدها أمانة المال، وذهبت فرقة، هي الجمهور، إلى أنه كل شيء يؤتمن الإنسان عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا، فالشرع كله أمانة، قال أبيّ بن كعب من الأمانة ان ائتمنت المرأة على فرجها، وقال أبو الدرداء غسل الجنابة أمانة، ومعنى الآية إِنَّا عَرَضْنَا على هذه المخلوقات العظام أن تحمل الأوامر والنواهي وتقتضي الثواب إن أحسنت والعقاب إن أساءت فأبت هذه المخلوقات وأشفقت، ويحتمل أن يكون هذا بإدراك يخلقه الله لها، ويحتمل أن يكون هذا العرض على من فيها من الملائكة، ويروى أنها قالت «رب ذرني مسخرة لما شئت أتيت طائعة فيه ولا تكلني إلى نظري وعملي ولا أريد ثوابا» ، وحمل الإنسان الأمانة أي التزم القيام بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه جهول بقدر ما دخل فيه، وهذا هو تأويل ابن عباس وابن جبير، وقال الحسن حَمَلَهَا معناه خان فيها والآية في الكافر والمنافق.
قال الفقيه الإمام القاضي: والعصاة على قدرهم، وقال ابن عباس والضحاك وغيره الْإِنْسانُ آدم تحمل الأمانة فما تم له يوم حتى عصى المعصية التي أخرجته من الجنة، وروي أن الله تعالى قال له: «يا آدم إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها فتحملها أنت بما فيها» . قال: وما فيها؟ قال: «إن أحسنت أجرت وإن أسأت عوقبت» ، قال نعم قد حملتها. قال ابن عباس فما بقي له قدر ما بين الأولى إلى العصر حتى عصى ربه، وقال ابن عباس وابن مسعود الْإِنْسانُ ابن آدم قابيل الذي قتل أخاه وكان قد تحمل الأمانة لأبيه أن يحفظ الأهل بعده، وكان آدم سافر إلى مكة في حديث طويل ذكره الطبري وغيره، وقال بعضهم الْإِنْسانُ النوع كله وهذا حسن مع عموم الأمانة، وقال الزجاج معنى الآية إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ في نواهينا وأوامرنا على هذه المخلوقات فقمن بأمرنا وأطعن فيما كلفناها وتأبين من حمل المذمة في معصيتنا، وحمل الإنسان المذمة فيما كلفناه من أوامرنا وشرعنا.
قال الفقيه الإمام القاضي: والْإِنْسانُ على تأويله الكافر والعاصي، وتستقيم هذه الآية مع قوله تعالى: أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١] فعلى التأويل الأول الذي حكيناه عن الجمهور يكون قوله تعالى:
أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١] إجابة لأمر أمرت به، وتكون هذه الآية إباية وإشفاقا من أمر عرض عليها وخيرت فيه، وروي أن الله تعالى عرض الأمانة على هذه المخلوقات فأبت، فلما عرضها الله تعالى على آدم قال: أنا أحملها بين أذني وعاتقي، فقال الله تعالى له: إني سأعينك قد جعلت لبصرك حجابا فأغلقه عما لا يحل لك ولفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك.
قال الفقيه الإمام القاضي: وفي هذا المعنى أشياء تركتها اختصارا لعدم صحتها، وقال قوم: إن الآية من المجاز، أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال رأينا أنها لا تطيقها وأنها لو تكلمت
стр. 2072
لأبتها وأشفقت فعبر عن هذا المعنى بقوله إِنَّا عَرَضْنَا الآية، وهذا كما تقول عرضت الحمل على البعير فأباه وأنت تريد بذلك قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه، وقوله لِيُعَذِّبَ اللَّهُ اللام لام العاقبة لأن الإنسان لم يحمل ليقع العذاب لكن حمل فصار الأمر وآل إلى أن يعذب من نافق ومن أشرك وأن يتوب على من آمن وقرأ الجمهور و «يتوب» بالنصب عطفا على قوله لِيُعَذِّبَ وقرأ الحسن بن أبي الحسن و «يتوب» بالرفع على القطع والاستئناف، وباقي الآية بين.
نجزت السورة والحمد لله.
стр. 2073
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة سبأ
هذه السورة مكية واختلف في قوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ [سبأ: ٦] الآية، فقالت فرقة هي مكية، والمراد المؤمنون بالنبي ﷺ ، وقالت فرقة هي مدنية والمراد من أسلم بالمدينة من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأشباهه.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)
الألف واللام في الْحَمْدُ لاستغراق الجنس، أي الْحَمْدُ على تنوعه هو لِلَّهِ تعالى من جميع جهات الفكرة، ثم جاء بالصفات التي تستوجب المحامد وهي ملكه جميع ما في السماوات والأرض، وعلمه المحيط بكل شيء وخبرته بالأشياء إذ وجودها إنما هو به جلت قدرته ورحمته بأنواع خلقه وغفرانه لمن سبق في علمه أن يغفر له من مؤمن، وقوله تعالى: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ يحتمل أن تكون الألف واللام للجنس أيضا وتكون الآية خبرا، أي أن الحمد في الآخرة هو له وحده لإنعامه وإفضاله وتغمده وظهور قدرته وغير ذلك من صفاته، ويحتمل أن تكون الألف واللام فيه للعهد والإشارة إلى قوله تعالى:
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس: ١٠] أو إلى قوله وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ [الزمر: ٧٤] ويَلِجُ معناه يدخل، ومنه قول شاعر: [الطويل]
رأيت القوافي يتلجن هوالجا ... تضايق عنها أن تولجها الابر
ويَعْرُجُ معناه يصعد، وهذه الرتب حصرت كلما يصح علمه من شخص أو قول أو معنى، وقرأ أبو عبد الرحمن «وما ينزّل من السماء» بضم الياء وفتح النون وشد الزاي.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣ الى ٥]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)
стр. 2074
روي أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب، وقال اللات والعزى ما ثم ساعة تأتي ولا قيامة ولا حشر فأمر الله تعالى نبيه أن يقسم بربه مقابلة لقسم أبي سفيان قبل ردا وتكذيبا وإيجابا لما نفاه وأجاز نافع الوقف على بَلى وقرأ الجمهور «لتأتينكم» بالتاء من فوق، وحكى أبو حاتم قراءة «ليأتينكم» بالياء على المعنى في البعث.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بخلاف «عالم» بالخفض على البدل من رَبِّي، وقرأ نافع وابن عامر «عالم» بالرفع على القطع، أي هو عالم، ويصح أن يكون «عالم» رفع بالابتداء وخبره لا يَعْزُبُ وما بعده، ويكون الإخبار بأن العالم لا يعزب عنه شيء إشارة إلى أنه قد قدر وقتها وعلمه والوجه الأول أقرب، وقرأ حمزة والكسائي «علام» على المبالغة وبالخفض على البدل ويَعْزُبُ معناه يغيب ويبعد، وبه فسر مجاهد وقتادة، وقرأ جمهور القراء «لا يعزب» بضم الزاي، وقرأ الكسائي وابن وثاب «لا يعزب» بكسرها وهما لغتان، ومِثْقالُ ذَرَّةٍ معناه مقدار الذرة، وهذا في الأجرام بين وفي المعاني بالمقايسة وقرأ الجمهور «ولا أصغر ولا أكبر» عطفا على قوله مِثْقالُ وقرأ نافع والأعمش وقتادة «أصغر وأكبر» بالنصب عطفا على ذَرَّةٍ ورويت عن أبي عمرو، وفي قوله تعالى: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ضمير تقديره إلا هو في كتاب مبين، والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ، واللام من قوله تعالى: لِيَجْزِيَ يصح أن تكون متعلّقة، بقوله تعالى: لَتَأْتِيَنَّكُمْ ويصح أن تكون متعلقة بقوله لا يَعْزُبُ، ويصح أن تكون متعلقة بما في قوله إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ من معنى الفعل لأن المعنى إلا أثبته في كتاب مبين، و «المغفرة» تغمد الذنوب، و «الرزق الكريم» الجنة وَالَّذِينَ معطوف على الَّذِينَ الأول أي وليجزي الذين سعوا، ومُعاجِزِينَ معناه محاولين تعجيز قدرة الله فيهم، وقرأ الجحدري وابن كثير «معجزين» دون ألف أي معجزين قدرة الله تعالى بزعمهم، وقال ابن الزبير: معناه مثبطين عن الإيمان من أراده مدخلين عليه العجز في نشاطه وهذا هو سعيهم في الآيات، ثم بين تعالى جزاء الساعين كما بين قبل جزاء المؤمنين، وقرأ عاصم في رواية حفص «أليم» بالرفع على النعت للعذاب، وقرأ الباقون «أليم» بالكسر على النعت، ل رِجْزٍ، و «الرجز» العذاب السيّء جدا، وقرأ ابن محيصن «من رجز» بضم الراء.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٦ الى ٨]
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨)
قال الطبري والثعلبي وغيرهما وَيَرَى معطوف على ما قبله من الأفعال والظاهر أنه فعل مستأنف وأن
стр. 2075
الواو إنما عطفت جملة على جملة وكأن المعنى الإخبار بأن أهل العلم يرون الوحي المنزل على محمد حقا وأنه يهدي إلى صراط الله، وقوله الَّذِي أُنْزِلَ مفعول ب يَرَى، والْحَقَّ مفعول ثان وهو عماد، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ قيل هم من أسلم من أهل الكتاب.
وقال قتادة هم أمة محمد المؤمنون به كان من كان، وَيَهْدِي معناه يرشد، و «الصراط» الطريق، وأراد طريق الشرع والدين، ثم حكي عن الكفار مقالتهم التي قالوها على جهة التعجب والهزء، أي قالها بعضهم لبعض كما يقول الرجل لمن يريد أن يعجبه: هل أدلك على أضحوكة ونادرة فلما كان البعث عندهم من البعيد المحال جعلوا من يخبر به في حيز من يتعجب منه، والعامل في إِذا فعل مضمر قبلها فيما قال بعض الناس تقديره «ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم» ، ويصح أن يكون العامل ما في قوله إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ من معنى الفعل لأن تقدير الكلام «ينبئكم إنكم لفي خلق جديد إذا مزقتم» ، وقال الزجاج العامل في إِذا، مُزِّقْتُمْ وهو خطأ وإفساد للمعنى المقصود، ولا يجوز أن يكون العامل يُنَبِّئُكُمْ بوجه، ومُزِّقْتُمْ معناه بالبلى وتقطع الأوصال في القبور وغيرها، وكسر الألف من إِنَّكُمْ لأن يُنَبِّئُكُمْ في معنى يقول لكم ولمكان اللام التي في الخبر، وجَدِيدٍ معناه مجدد، وقولهم أَفْتَرى هو من قول بعضهم لبعض، وهي ألف الاستفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت مفتوحة غير ممدودة، فكأن بعضهم استفهم بعضا عن محمد أحال الفرية على الله هي حاله أم حال الجنون، لأن هذا القول إنما يصدر عن أحد هذين فأضرب القرآن عن قولهم وكذبه، فكأنه قال ليس الأمر كما قالوا بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ والإشارة بذلك إليهم، فِي الْعَذابِ يريد عذاب الآخرة لأنهم يصيرون إليه، ويحتمل أن يريد فِي الْعَذابِ في الدنيا بمكابدة الشرع ومكابرته ومحاولة إطفاء نور الله تعالى وهو يتم، فهذا كله عذاب وفي الضَّلالِ الْبَعِيدِ أي قربت الحيرة وتمكن التلف لأنه قد أتلف صاحبه عن الطريق الذي ضل منه.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٩ الى ١١]
أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)
الضمير في يَرَوْا لهؤلاء الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [سبأ: ٨] وقفهم الله تعالى على قدرته وخوفهم من إحاطتها بهم، المعنى أليس يرون أمامهم ووراءهم سمائي وأرضي لا سبيل لهم إلى فقد ذلك عن أبصارهم ولا عدم إحاطته بهم، وقرأ الجمهور «إن نشأ نخسف» و «نسقط» بالنون في الثلاثة وقرأ حمزة والكسائي «إن يشأ يخسف بهم أو يسقط» بالياء في الثلاثة وهي قراءة ابن وثاب وابن مصرف والأعمش وعيسى واختارها أبو عبيد، و «خسف الأرض» هو إهواؤها بهم وتهورها وغرقهم فيها، و «الكسف» قيل هو
стр. 2076
مفرد اسم القطعة، وقيل هو جمع كسفة جمعها على حد تمرة وتمر ومشهور جمعها كسف كسدرة وسدر وأدغم الكسائي الفاء في الباء في قوله نَخْسِفْ بِهِمُ قال أبو علي وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا تدغم فيها وإن كان الباء تدغم في الفاء كقوله اضرب فلانا، وهذا كما تدغم الباء في الميم كقوله «اضرب محمدا» ولا تدغم الميم في الباء كقولك اضمم بكرا، لأن الباء انحطت عن الميم يفقد الغنة التي في الميم، والإشارة بقوله تعالى في ذلك إلى إحاطة السماء بالمرء ومماسة الأرض له على كل حال، و «المنيب» الراجع التائب، ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان احتجاجا على ما منح محمدا، أي لا تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبدنا قديما بكذا وكذا، فلما فرغ التمثيل لمحمد ﷺ رجع التمثيل لهم بسبأ وما كان من هلاكهم بالفكر والعتو، والمعنى قلنا يا جِبالُ، وأَوِّبِي معناه ارجعي معه لأنه مضاعف آب يؤوب، فقال ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم معناه سبحي معه أي يسبح هو وترجع هي معه التسبيح، أي ترده بالذكر ثم ضوعف الفعل للمبالغة، وقيل معناه سيري معه لأن التأويب سير النهار كان الإنسان يسير بالليل ثم يرجع السير بالنهار أي يردده فكأنه يؤوبه، فقيل له التأويب ومنه قول الشاعر: [البسيط]
يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب
ومنه قول ابن أبي مقبل: [الطويل]
لحقنا بحي أوبوا السير بعد ما ... دفعنا شعاع الشمس والطرف مجنح
وقال مروح أَوِّبِي سبحي بلغة الحبشة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف غير معروف، وقال وهب بن منبه: المعنى نوحي معه والطير تسعدك على ذلك، قال فكان داود إذا نادى بالنياحة والحنين أجابته الجبال وعكفت الطير عليه من فوقه، قال فمن حينئذ سمع صدى الجبال، وقرأ الحسن وقتادة وابن أبي إسحاق «أوبي» بضم الهمزة وسكون الواو أي ارجعي معه أي في السير أو في التسبيح، وأمر الجبال كما تؤمر الواحدة المؤنثة لأن جمع ما لا يعقل كذلك يؤمر وكذلك يكنى عنه ويوصف ومنه المثل «يا خيل الله اركبي» ومنه مَآرِبُ أُخْرى [طه: ١٨] وهذا كثير، وقرأ الأعرج وعاصم بخلاف وجماعة من أهل المدينة «والطير» بالرفع عطفا على لفظ قوله يا جِبالُ، وقرأ نافع وابن كثير والحسن وابن أبي إسحاق وأبو جعفر «والطير» بالنصب فقيل ذلك عطف على فَضْلًا وهو مذهب الكسائي، وقال سيبويه هو على موضع قوله يا جِبالُ لأن موضع المنادى المفرد نصب، وقال أبو عمرو: نصبها بإضمار فعل تقديره وسخرنا الطير، ووَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ معناه جعلناه لينا، وروى قتادة وغيره أن الحديد كان له كالشمع لا يحتاج في عمله إلى نار، وقيل أعطاه قوة يثني بها الحديد، وروي أنه لقي ملكا وداود يظنه إنسانا وداود متنكر خرج ليسأل الناس عن نفسه في خفاء، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل فيه الملك ما قولك في هذا الملك داود؟ فقال له الملك: نعم العبد لولا خلة فيه، قال داود وما هي؟ قال: يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يديه لتمت فضائله، فرجع فدعا الله تعالى في أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه تعالى صنعة لبوس وألان له الحديد، فكان فيما روي يصنع ما بين يومه
стр. 2077
وليلته درعا تساوي ألف درهم حتى ادخر منها كثيرا وتوسعت معيشة منزله، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين، وقوله تعالى: أَنِ اعْمَلْ قيل إن أَنِ مفسرة لا موضع لها من الإعراب، وقيل هي في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، و «السابغات» الدروع الكاسيات ذوات الفضول، قال قتادة داود ﵇ أول من صنعها، ودرع الحديد مؤنث ودرع المرأة مذكر، وقوله تعالى: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ اختلف المتأولون في أي شيء هو التقدير من أشياء السرد، إذ السرد هو اتباع الشيء بالشيء من جنسه، قال الشماخ: «كما تابعت سرد العنان الخوارز» ، ومنه سرد الحديث، وقيل للدرع مسرودة لأنها توبعت فيها الحلق بالحلق ومنه قول الشاعر [القرطبي] : [الكامل]
وعليهما مسرودتان قضاهما ... دواد أو صنع السوابغ تبع
ومنه قول دريد بالفارسي المسرد، فقال ابن زيد: التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة أي لا تعملها صغيرة فتضعف ولا تقوى الدرع على الدفاع ولا تعملها كبيرة فينال لاسبها من خلالها، وقال ابن عباس التقدير الذي أمر به هو المسمار يريد ثقبه حين يشد نتيرها، وذكر البخاري في مصنفه ذلك فقال: المعنى لا تدق المسمار فيسلسل، ويروى فيتسلسل، ولا تغلظه فيقصم بالقاف، وبالفاء أيضا رواية، وروى قتادة أن الدروع كانت قبله صفائح فكانت ثقالا، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع بين الخفة والحصانة، أي قدر ما يأخذ من هذين المعنيين بقسطه، أي لا تقصد الحصانة فتثقل ولا الخفة وحدها فتزيل المنعة، وقوله تعالى: وَاعْمَلُوا صالِحاً لما كان الأمر لداود وآله حكى وإن كانوا لم يجر لهم ذكر لدلالة المعنى عليهم، ثم توعدهم تعالى بقوله: إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي لا يخفى علي حسنه من قبيحة وبحسب ذلك يكون جزائي لكم.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : آية ١٢]
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢)
قال الحسن: عقر سليمان الخيل أسفا على ما فوتته من فضل وقت صلاة العصر فأبدله الله تعالى خيرا منها وأسرع الريح تجري بأمره، وقرأ جمهور القراء «الريح» بالنصب على معنى ولسليمان سخرنا الريح، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والأعرج «الريح» بالرفع على تقديره تسخرت الريح أو على الابتداء والخبر في المجرور، وذلك على حذف مضاف تقديره ولسليمان تسخير الريح، وقرأ الحسن «ولسليمان تسخير الرياح» وكذلك جمع في كل القرآن، وقوله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ قال قتادة معناه أنها كانت تقطع به في الغدو إلى قرب الزوال مسيرة شهر وتقطع به في الرواح من بعد الزوال إلى الغروب مسيرة شهر، فروي عن الحسن البصري أنه قال كان يخرج من الشام من مستقره تدمر التي بنتها له الجن بالصفاح والعمد فيقيل في إصطخر ويروح منها فيبيت في كابل من أرض خراسان ونحو هذا، وكانت الأعصار تقل بساطه وتحمله بعد ذلك الرخاء، وكان هذا البساط من خشب يحمل فيما روي أربعة آلاف فارس وما
стр. 2078
يشبهها من الرجال والعدد ويتسع بهم، وروي أكثر من هذا بكثير ولكن عدم صحته مع بعد شبهه أوجب اختصاره.
وقد قال رسول الله ﷺ : «خير الجيوش أربعة آلاف» وما كان سليمان ليعدو الخير، وقرأ ابن أبي عبلة «غدوتها شهر وروحتها شهر» وكان إذا أراد قوما لم يشعروا به حتى يظلمهم في جو السماء، وقوله تعالى: وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ، روي عن ابن عباس وقتادة أنه كانت تسيل له باليمن عين جارية من نحاس يصنع له منها جميع ما أحب، والْقِطْرِ: النحاس، وقالت فرقة الْقِطْرِ الفلز كله النحاس والحديد وما جرى مجراه، كان يسيل له منه عيون، وقالت فرقة بل معنى أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ أذبنا له النحاس عن نحو ما كان الحديد يلين لداود، قالوا وكانت الأعمال تتأتى منه لسليمان وهو بارد دون نار، وعَيْنَ على هذا التأويل بمعنى الذات، وقالوا لم يلن النحاس ولا ذاب لأحد قبله، وقوله مَنْ يَعْمَلُ يحتمل أن مِنَ تكون في موضع نصب على الاتباع لما تقدم بإضمار فعل تقديره وسخرنا من الجن من يعمل، ويحتمل أن تكون في موضع رفع على الابتداء والخبر في المجرور، ويَزِغْ معناه يمل أي ينحرف عاصيا، وقال عَنْ أَمْرِنا يقل عن إرادتنا لأنه لا يقع في العالم شيء يخالف الإرادة، ويقع ما يخالف الأمر، قال الضحاك وفي مصحف عبد الله «ومن يزغ عن أمرنا» بغير مِنْهُمْ، وقوله تعالى: مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ قيل عذاب الآخرة، وقيل بل كان قد وكل بهم ملك وبيده سوط من نار السعير، فمن عصى ضربه فأحرقه به.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : آية ١٣]
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)
«المحاريب» الأبنية العالية الشريفة، قال قتادة القصور والمساجد، وقال ابن زيد المساكن، والمحراب أشرف موضع في البيت، والمحراب موضع العبادة أشرف ما يكون منه، وغلب عرف الاستعمال في موضع وقوف الإمام لشرفه ومن هذه اللفظة قول عدي بن زيد: [الخفيف]
كدمى العاج في المحاريب أو كال ... بيض في الروض زهره مستنير
«والتماثيل» قيل كانت من زجاج ونحاس، تماثيل أشياء ليست بحيوان، وقال الضحاك كانت تماثيل حيوان، وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع.
قال القاضي أبو محمد: ونسخ بشرع محمد ﷺ ، وقال قوم: حرم التصوير لأن الصور كانت تعبد، وحكى مكي في الهداية أن فرقة كانت تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية وذلك خطأ، وما أحفظ من أئمة العلم من يجوزه، و «الجوابي» جمع جابية وهي البركة التي يجبى إليها الماء الذي يجمع قال الراجز: [الرجز]
فصحبت جابية صهارجا ... كأنه جلد السماء خارجا
стр. 2079
وقال مجاهد: «الجوابي» جمع جوبة وهي الحفرة العظيمة في الأرض.
قال الفقيه الإمام القاضي: ومنه قول الأعشى: [الطويل]
نفى الذم عن آل المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقيّ تفهق
وأنشده الطبري: تروح على آل المحلق، ويروى السيح بالسين غير نقط، وبالحاء غير نقط أيضا، وهو الماء الجاري على وجه الأرض، ويروى بالشين والخاء منقوطين، فيقال أراد كسرى ويقال أراد شيخا من فلاحي سواد العراق غير معين وذلك أنه لضعفه يدخر الماء في جابيته، فهي تفهق أبدا فشبهت الجفنة بها لعظمها، قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد «الجوابي» الحياض، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي «كالجواب» بغير ياء في الوصل والوقف، وقرأ أبو عمرو وعيسى بغير ياء في الوقف وياء في الوصل، وقرأ ابن كثير بياء فيهما، ووجه حذف الياء التخفيف والإيجاز، وهذا كحذفهم ذلك من القاض والغاز والهاد، وأيضا فلما كانت الألف واللام تعاقب التنوين وكانت الياء تحذف مع التنوين وجب أن تحذف مع ما عاقبه كما يعملون للشيء أبدا عمل نقيضه، وراسِياتٍ معناه ثابتات لكبرها ليست مما ينقل ولا يحمل. ولا يستطيع على عمله إلا الجن وبالثبوت فسرها الناس، ثم أمروا مع هذه النعم بأن يعملوا بالطاعات، وقوله تعالى: شُكْراً يحتمل أن يكون نصبه على الحال، أي اعملوا بالطاعات في حال شكر منكم لله على هذه النعم، ويحتمل أن يكون نصبه على جهة المفعول، أي اعملوا عملا هو الشكر كأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي نفسها الشكر إذ سدت مسده، وفي الحديث إن النبي ﷺ صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال: «ثلاث من أوتيهن فقد أوتي العمل شكرا العدل في الغضب والرضى والقصد في الفقر والغنى وخشية الله في السر والعلانية» ، وروي أن داود ﵇ قال يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك، فقال: يا داود الآن عرفتني حق معرفتي، وقال ثابت: روي أن مصلى داود لم يخل قط من قائم يصلي ليلا ونهارا كانوا يتناوبونه دائما، وكان سليمان ﵇ فيما روي يأكل خبز الشعير وطعم أهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك، وروي أنه ما شبع قط فقيل له في ذلك فقال: أخاف أن أنسى الجياع، وقوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ يحتمل أن تكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن تكون مخاطبة لآل محمد ﷺ ، وعلى كل وجه ففيها تنبيه وتحريض، وسمع عمر بن الخطاب رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال له عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ، فقال عمر ﵀: كل الناس أعلم من عمر.
قال الفقيه الإمام القاضي: وقد قال تعالى وَقَلِيلٌ ما هُمْ [ص: ٢٤] ، والقلة أيضا بمعنى الخمول منحة من الله تعالى، فلهذا الدعاء محاسن.
قوله :
стр. 2080
[سورة سبإ (٣٤) : آية ١٤]
فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)
الضمير في عَلَيْهِ عائد على سليمان، وقَضَيْنا بمعنى أنفذنا وأخرجناه إلى حيز الوجود وإلا فالقضاء الآخر به متقدم في الأزل، وروي عن ابن عباس وابن مسعود في قصص هذه الآية أن سليمان ﵇ كان يتعبد في بيت المقدس وكان ينبت في محرابه كل سنة شجرة فكان يسألها عن منافعها ومضارها وسائر شأنها فتخبره فيأمر بها فتقلع فتصرف في منافعها وتغرس لتتناسل، فلما كان عند موته خرجت شجرة فقال لها ما أنت؟ فقالت: أنا الخروب خرجت لخراب ملكك هذا، فقال سليمان ﵇: ما كان الله ليخربه وأنا حي ولكنه لا شك حضور أجلي فاستعد ﵇ وغرسها وصنع منها عصا لنفسه وجد في عبادته، وجاءه بعد ذلك ملك الموت فأخبره أنه قد أمر بقبض روحه وأنه لم يبق له إلا مدة يسيرة، فروي أنه أمر الجن حينئذ فصنعت له قبة من رخام تشف وجعل فيها يتعبد ولم يجعل لها بابا، وتوكأ على عصاه على موضع يتماسك معه وإن مات، ثم توفي ﷺ على تلك الحالة، وروي أنه استعد في تلك القبة بزاد سنة وكان الجن يتوهمون أنه يتغذى بالليل وكانوا لا يقربون من القبة ولا يدخلون من كوة كانت في أعاليها، ومن رام ذلك منهم احترق قبل الوصول إليها، هذا في المدة التي كان سليمان ﵇ حيا في القبة، فلما مات بقيت تلك الهيبة على الجن، وروي أن القبة كان لها باب وأن سليمان أوصى بعض أهله بكتمان موته على الجن والإنس وأن يترك على حاله تلك سنة، وكان غرضه في هذه السنة أن تعمل الجن عملا كان قد بدىء في زمن داود قدر أنه بقي منه عمل سنة، فأحب الفراغ منه، فلما مضى لموته سنة، خر عن عصاه والعصا قد أكلته الأرض، وهي الدودة التي تأكل العود، فرأت الجن انحداره، فتوهمت موته فجاء جسور منهم فقرب فلم يحترق، ثم خطر فعاد ثم قرب أكثر ثم قرب حتى دخل من بعض تلك الكوى فوجد سليمان ميتا، فأخبر بموته، فنظر ذلك الأكل فقدر أنه منذ سنة، وقال بعض الناس: جعلت الأرضة فأكلت يوما وليلة ثم قيس ذلك بأكلها في العصا فعلم أنها أكلتها منذ سنة فهكذا كانت دلالة دَابَّةُ الْأَرْضِ على موته، وللمفسرين في هذه القصص إكثار عمدته ما ذكرته، وقال كثير من المفسرين دَابَّةُ الْأَرْضِ هي سوسة العود وهي الأرضة، وقرأ ابن عباس والعباس بن المفضل «الأرض» بفتح الراء جمع أرضة فهذا يقوي ذلك التأويل، وقالت فرقة دَابَّةُ الْأَرْضِ حيوان من الأرض شأنه أن يأكل العود، وذلك موجود وليس السوسة من دواب الأرض، وقالت فرقة منها أبو حاتم اللغوي الْأَرْضِ هنا مصدر أرضت الأثواب والخشبة إذا أكلتها الأرضة، فكأنه قال دابة الأكل الذي هو بتلك الصورة على جهة التسوس، وفي مصحف عبد الله «الأرض أكلت منسأته» ، والمنسأة العصا ومنه قول الشاعر: [البسيط]
إذا دببت على المنساة من هرم ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل
وقرأ جماعة من القراء «منساته» بغير همز منها أبو عمرو ونافع، قال أبو عمرو لا أعرف لها اشتقاقا فأنا لا أهمزها لأنها إن كانت مما يهمز فقد يجوز لي ترك الهمز فيما يهمز، وإن كانت مما لا يهمز فقد احتطت لأنه لا يجوز لي همز ما لا يهمز، وقال غيره أصلها الهمز وهي «المنسأة» مفتوحة من نسأت الإبل والغنم والناقة إذا سقتها ومنه قول طرفة: [الطويل]
стр. 2081
أمون كعيدان الاران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد
ويروى «وعنس» كألواح وخففت همزتها جملة، وكان القياس أن تخفف بين بين، وقرأ باقي السبعة «منسأته» على الأصل بالهمز، وقرأ حمزة «منساته» بفتح الميم وبغير همز، وقرأت فرقة «مسنأته» بهمزة ساكنة وهذا لا وجه له إلا التخفيف في تسكين المتحرك لغير علة كما قال امرؤ القيس: [السريع]
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
وقرأت فرقة «من ساته» بفصل «من» وكسر التاء وهذه تنحو إلى سية القوس لأنه يقال سية وساة، فكأنه قال «من ساته» ثم سكن الهمزة ومعناها من طرف عصاه أنزل العصا منزلة القوس، وقال بعض الناس: إن سليمان ﵇ لم يمت إلا في سفر مضطجعا ولكنه كان في بيت مبني عليه وأكلت الأرضية عتبة الباب حتى خر
البيت فعلم موته.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف وقرأ الجمهور «تبينت الجنّ» بإسناد الفعل إليها أي بان أمرها كأنه قال افتضحت الجن أي للإنس، هذا تأويل، ويحتمل أن يكون قوله تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ بمعنى علمت الجن وتحققت، ويريد الْجِنُّ جمهورهم والفعلة منهم والخدمة ويريد بالضمير في كانُوا رؤساءهم وكبارهم لأنهم هم الذين يدعون علم الغيب لأتباعهم من الجن والإنس ويوهمونهم ذلك، قاله قتادة، فيتيقن الأتباع أن الرؤساء لَوْ كانُوا عالمين الغيب ما لَبِثُوا وأَنْ على التأويل الأول بدل من الْجِنُّ وعلى التأويل الثاني مفعولة محضة، وقرأ يعقوب «تبينت الجن» على بناء الفعل للمفعول أي تبينتها الناس، وأَنْ على هذه القراءة بدل، ويجوز أن تكون في موضع نصب بإسقاط حرف الجر أي «بأن» على هذه القراءة وعلى التأويل الأول من القراءة الأولى.
قال الفقيه الإمام القاضي: مذهب سيبويه أن أَنْ في هذه الآية لا موضع لها من الإعراب وإنما هي مؤذنة بجواب ما تنزل منزلة القسم من الفعل الذي معناه التحقق واليقين، لأن هذه الأفعال التي تبينت وتحققت وعلمت وتيقنت ونحوها تحل محل القسم في قولك: علمت أن لو قام زيد ما قام عمرو، فكأنك قلت والله لو قام زيد ما قام عمرو، فقوله ما لَبِثُوا على هذا القول جواب ما تنزل منزلة القسم لا جواب لَوْ وعلى الأقوال الأول جواب لَوْ وفي كتاب النحاس إشارة إلى أنه يقرأ «تبينت الجن» أي تبينت الإنس الجن، والْعَذابِ الْمُهِينِ هو العمل في تلك السخرة، والمعنى أن الجن لو كانت تعلم الغيب لما خفي عليها موت سليمان، وقد ظهر أنه خفي عليها بدوامها في الخدمة الصعبة وهو ميت، ف الْمُهِينِ المذل من الهوان، قال الطبري وفي بعض القراءات «فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كانوا» وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس والضحاك وعلي بن الحسين وذكر أبو حاتم أنها كذلك في مصحف ابن مسعود.
قال القاضي أبو محمد: وكثر المفسرون في قصص هذه الآية بما لا صحة له ولا تقتضيه ألفاظ القرآن (وفي معانيه بعد فاختصرته لذلك) .
стр. 2082
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١٥ الى ١٧]
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)
هذا مثل لقريش بقوم أنعم الله عليهم وأرسل إليهم الرسل فكفروا وعصوا، فانتقم الله منهم، أي فأنتم أيها القوم مثلهم و «سبأ» هنا أراد به القبيل، واختلف لم سمي القبيل بذلك، فقالت فرقة هو اسم لامرأة كانت أمّا للقبيل، وقال الحسن بن أبي الحسن في كتاب الرماني هو اسم موضع فسمي القبيل به وقال الجمهور هو اسم رجل هو أبو القبيل كله قيل هو ابن يشجب بن يعرب، وروي في هذا القول أن رسول الله ﷺ سأله فروة بن مسيك عن «سبأ» فقال: هو اسم رجل منه تناسلت قبائل اليمن.
وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج «لسبإ» بهمزة منونة مكسورة على معنى الحي، وقرأ أبو عمرو والحسن «لسبأ» بهمزة مفتوحة غير مصروف على معنى القبيلة، وقرأ جمهور القراء «في مساكنهم» لأن كل أحد له مسكن، وقرأ الكسائي وحده «في مسكنهم» بكسر الكاف أي في موضع سكناهم وهي قراءة الأعمش وعلقمة، قال أبو علي والفتح حسن أيضا لكن هذا كما قالوا مسجد وإن كان سيبويه يرى هذا اسم البيت وليس موضع السجود. قال هي لغة الناس اليوم، والفتح هي لغة الحجاز وهي اليوم قليلة، وقرأ حمزة وحفص «مسكنهم» بفتح الكاف على المصدر وهو اسم جنس يراد به الجمع، وهي قراءة إبراهيم النخعي وهذا الإفراد هو كما قال الشاعر: [الوافر] كلوا في بعض بطنكم تعفوا وكما قال الآخر: [البسيط] قد عض أعناقهم جلد الجواميس وآيَةٌ معناها عبرة وعلامة على فضل الله وقدرته، وجَنَّتانِ ابتداء وخبره في قوله عن يَمِينٍ وَشِمالٍ أو خبر ابتداء تقديره هي جنتان، وهي جملة بمعنى هذه حالهم والبدل من آيَةٌ ضعيف، وقد قاله مكي وغيره، وقرأ ابن أبي عبلة «آية جنتين» بالنصب، وروي أنه كان في ناحية اليمن واد عظيم بين جبلين وكانت جنتا الوادي منبت فواكه وزروع وكان قد بني في رأس الوادي عند أول الجبلين جسر عظيم من حجارة من الجبل إلى الجبل فارتدع الماء فيه وصار بحيرة عظيمة، وأخذ الماء من جنبتيها فمشى مرتفعا يسقي جنات جنتي الوادي، قيل بنته بلقيس، وقيل بناه حمير أبو القبائل اليمينة كلها، وكانوا بهذه الحال في أرغد نعم، وكانت لهم بعد ذلك قرى ظاهرة متصلة من اليمن إلى الشام، وكانوا أرباب تلك البلاد في ذلك الزمان، وقوله كُلُوا فيه حذف كأنه قال قيل لهم كلوا، وطَيِّبَةٌ معناه كريمة التربة حسنة الهواء رغدة
стр. 2083
من النعم سليمة من الهوام والمضار هذه عبارات المفسرين، وكان ذلك الوادي فيما روي عن عبد الرحمن بن عوف لا يدخله برغوث ولا قملة ولا بعوضة ولا عقرب ولا شيء من الحيوان الضار، وإذا جاء به أحد من سفر سقط عند أول الوادي، وروي أن الماشي بمكتل فوق رأسه بين أشجاره يمتلي مكتله دون أن يمد يدا، وروي أن هذه المقالة من الأمر بالأكل والشرب والتوقيف على طيب البلدة وغفران الرب مع الإيمان به هو من قيل الأنبياء لهم، وقرأ رؤيس عن يعقوب «بلدة طيبة وربا غفورا» بالنصب في الكل، وبعث إليهم فيما روي ثلاثة عشر نبيا فكفروا بهم وأعرضوا، فبعث الله تعالى على ذلك السد جردا أعمى توالد فيه وخرقه شيئا بعد شيء وأرسل سيلا في ذلك الوادي، فيحتمل ذلك السد، فيروى أنه كان من العظم وكثرة الماء بحيث ملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيرا من الناس ممن لم يمكنه الفرار، ويروى أنه لما خرق السد كان ذلك سبب يبس الجنات، فهلكت بهذا الوجه، وروي أنه صرف الماء من موضعه الذي كان فيه أولا فتعطل سقي الجنات، واختلف الناس في لفظة الْعَرِمِ فقال المغيرة بن حكيم وأبو ميسرة: الْعَرِمِ في لغة اليمن: جمع عرمة، وهو كل ما بني أو سنم ليمسك الماء ويقال ذلك بلغة أهل الحجاز المسناة.
قال الفقيه الإمام القاضي: كأنها الجسور والسداد ونحوها، ومن هذا المعنى قول الأعشى:
وفي ذلك للمتأسي أسوة ومآرب ... عفا عليها العرم
رخام بناه لهم حمير ... إذا جاءه موارة لم يرم
ومنه قول الآخر:
ومن سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما
وقال ابن عباس وقتادة والضحاك الْعَرِمِ اسم وادي ذلك الماء بعينه الذي كان السد بني له، وقال ابن عباس أيضا إن سيل ذلك الوادي أبدا كان يصل إلى مكة وينتفع به، وقال ابن عباس أيضا الْعَرِمِ الشديد.
قال الفقيه الإمام القاضي: فكأنه صفة للسيل من العرامة، والإضافة إلى الصفة مبالغة وهي كثيرة في كلام العرب، وقالت فرقة الْعَرِمِ اسم الجرذ.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف، وقيل الْعَرِمِ اسم المطر الشديد الذي كان عنه ذلك السيل، وقوله وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ قول فيه تجوز واستعارة وذلك أن البدل من «الخمط والأثل» لم يكن جنات، لكن هذا كما تقول لمن جرد ثوبا جيدا وضرب ظهره هذا الضرب ثوب صالح لك ونحو هذا، وقوله ذَواتَيْ تثنية ذات، و «الخمط» شجر الأراك قاله ابن عباس وغيره، وقيل «الخمط» كل شجر له شوك وثمرته كريهة الطعم بمرارة أو حمضة أو نحوه، ومنه تخمط اللبن إذا تغير طعمه، و «الأثل» ضرب من الطرفاء هذا هو الصحيح، وكذا قال أبو حنيفة في كتاب النبات، قال الطبري وقيل هو شجر شبيه بالطرفاء وقيل إنه السمر، و «السدر» معروف وهو له نبق شبه العناب لكنه في الطعم دونه بكثير، وللخمط ثمر غث هو البريد، وللأثل ثم قليل الغناء غير حسن الطعم، وقرأ ابن كثير ونافع «أكل» بضم الهمزة وسكون
стр. 2084
الكاف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وضم الكاف، وروي أيضا عن أبي عمرو سكون الكاف وهما بمعنى الجنى والثمر، ومنه قوله تعالى تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ [إبراهيم: ٢٥] أي جناها، وقرأ جمهور القراء بتنوين «أكل» وصفته بخمط وما بعده، قال أبو علي: البدل هذا لا يحسن لأن الخمط ليس بالأكل والأكل ليس بالخمط نفسه والصفة أيضا كذلك، لأن الخمط اسم لا صفة وأحسن ما فيه عطف البيان، كأنه بين أن الأكل هذه الشجرة ومنها ويحسن قراءة الجمهور أن هذا الاسم قد جاء بمجيء الصفات في قول الهذلي:
[الطويل]
عقار كماء الني ليس بخمطة ... ولا خلة يكوي الشروب شبابها
وقرأ أبو عمرو بإضافة «أكل» إلى «خمط» وبضم كاف «أكل خمط» ، ورجح أبو علي قراءة الإضافة، وقوله ذلِكَ إشارة إلى ما أجراه عليهم، وقوله وَهَلْ نُجازِي أي يناقش ويقارض بمثل فعل قدرا بقدر لأن جزاء المؤمنين إنما هو بتفضيل وتضعيف، وأما الذي لا يزاد ولا ينقص فهو الْكَفُورَ قاله الحسن بن أبي الحسن، وقال طاوس هي المناقشة، وكذلك إن كان المؤمن ذا ذنوب فقد يغفر له ولا يجازى، والكافر يجازي ولا بد، وقد قال ﵇ «من نوقش الحساب عذب» ، وقرأ جمهور القراء «يجازى» بالياء وفتح الزاي، وقرأ حمزة والكسائي «نجازي» بالنون وكسر الزاي، «الكفور» بالنصب، وقرأ مسلم بن جندب «وهل يجزي» وحكى عنه أبو عمرو الداني أنه قرأ «وهل يجزي» بضم الياء وكسر الزاي، قال الزجاج يقال جزيت في الخير وجازيت في الشر.
قال الفقيه الإمام القاضي: فترجح هذه قراءة الجمهور.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١٨ الى ١٩]
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)
هذه الآية وما بعدها وصف حالهم قبل مجيء السيل، وهي أن الله تعالى مع ما كان منحهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم، كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلهم أربابها، وقدر فيها السير بأن قرب القرى بعضها من بعض حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ويقيل في قرية أخرى، فلا يحتاج إلى حمل زاد والْقُرَى المدن، ويقال للمجتمع الصغير قرية أيضا، وكلها من قريت أي جمعت، والقرى التي بورك فيها هي بلاد الشام بإجماع من المفسرين، و «القرى الظاهرة» هي التي بين الشام ومأرب وهي الصغار التي هي البوادي «قال ابن عباس: هي قرى عربية بين المدينة والشام وقاله الضحاك» واختلف في معنى ظاهِرَةً فقالت فرقة: معناه مستعلية مرتفعة في الآكام والظراب وهي أشرف القرى.
стр. 2085
وقالت فرقة: معناه يظهر بعضها من بعض فهي أبدا في قبضة المسافر لا يخلو من رؤية شيء منها فهي ظاهرة بهذا الوجه.
قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يظهر إليّ أن معنى ظاهِرَةً خارجة عن المدن، فهي عبارة عن القرى الصغار التي هي في ظواهر المدن، فإنما فصل بهذه الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن، وظواهر المدن ما خرج عنها في الفيافي والفحوص، ومنه قولهم نزلنا بظاهر فلانة، أي خارجا عنها، وقوله ظاهِرَةً نظير تسمية الناس إياها البادية والضاحية، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
فلو شهدتني من قريش عصابة ... قريش البطاح لا قريش الظواهر
يعني الخارجين عن بطحاء مكة، وفي حديث الاستسقاء وجاء أهل الضواحي يشكون الغرق، وقوله تعالى: وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ هو ما ذكرناه من أن المسافر فيها كان يبيت في قرية ويقيل في أخرى على أي طريق سلك لا يعوزه ذلك، وقوله تعالى: سِيرُوا معناه قلنا لهم، وآمِنِينَ معناه من الخوف من الناس المفسدين، وآمِنِينَ من الجوع والعطش وآفات المسافر، ثم حكى عنهم مقالة قالوها على جهة البطر والأشر وهي طلب البعد بين الأسفار والإخبار بأنها بعيدة على القراءات الأخر وذلك أن نافعا وعاصما وحمزة والكسائي قرؤوا «باعد بين أسفارنا» بكسر العين على معني الطلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن ومجاهد «بعّد بين أسفارنا» بشد العين وكسرها على معنى الطلب أيضا، فهاتان قراءتان معناهما الأشر بأنهم ملوا النعمة بالقرب وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وفي كتاب الرماني أنهم قالوا لو كان جني ثمارنا أبعد لكان أشهى وأكثر قيمة، وقرأ ابن السميفع وسفيان بن حسين وسعيد بن أبي الحسن أخو الحسن وابن الحنفية «ربّنا» بالنصب «بعد بين أسفارنا» بفتح الباء وضم العين ونصب «بين» أيضا، وقرأ سعيد بن أبي الحسن من هذه الفرقة «بين» بالرفع وإضافته إلى الأسفار وقرأ ابن عباس وأبو رجاء والحسن البصري وابن الحنفية أيضا «ربّنا» بالرفع «باعد» بفتح العين والدال، وقرأ ابن عباس وابن الحنفية أيضا وعمرو بن فائد ويحيى بن يعمر «ربّنا» بالرفع «بعّد» بفتح العين وشدها وفتح الدال فهذه القراءة معناها الأشر بأنهم استبعدوا القريب ورأوا أن ذلك غير مقنع لهم حتى كأنهم أرادوها متصلة بالدور وفي هذا تعسف وتسحب على أقدار الله تعالى وإرادته وقلة شكر على نعمته بل هي مقابلة النعمة بالتشكي والاستضرار، وفي هذا المعنى ونحوه مما اقترن بكفرهم ظلموا أنفسهم فغرقهم الله تعالى وخرب بلادهم وجعلهم أحاديث، ومنه المثل السائر «تفرقوا أيادي سبإ وأيدي سبإ» ويقال المثل بالوجهين، وهذا هو تمزيقهم كُلَّ مُمَزَّقٍ، وروي أن رسول الله قال: إن سبأ أبو عشرة قبائل فلما جاء السيل على مأرب وهو اسم نبدهم تيامن منها ستة قبائل أي إذ تبددت في بلاد اليمن وتشاءمت منها أربعة فالمتيامنة كندة والأزد وأشعر ومذحج وأنمار الذي منها بجيلة وخثعم وطائفة قيل لها حمير بقي عليها اسم الأب الأول والتي تشاءمت لخم وجذام وغسان وخزاعة نزلت تهامة ومن هذه المتشائمة أولاد قتيلة وهم الأوس والخزرج ومنها عاملة وغير ذلك، ثم أخبر تعالى محمدا ﷺ وأمته على جهة التنبيه بأن هذه القصص فيها آيات وعبر لكل مؤمن على الكمال، ومن اتصف بالصبر والشكر فهو المؤمن الذي لا تنقصه خلة جميلة بوجه.
стр. 2086
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٢٠ الى ٢٢]
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)
قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر «ولقد صدق» بتخفيف الدال «إبليس» رفعا «ظنّه» بالنصب على المصدر، وقيل على الظرفية، أي في ظنه، وقيل على المفعول على معنى أنه لما ظن عمل عملا يصدق به ذلك الظن، فكأنه إنما أراد أن يصدق ظنه، وهذا من قولك أخطأت ظني وأصبت ظني، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «صدّق» بتشديد الدال ف «الظن» على هذا مفعول ب «صدّق» وهي قراءة ابن عباس وقتادة وطلحة وعاصم والأعمش، وقرأ الزهري وأبو الهجاج «ظنّه» بالرفع، وبلال بن أبي بردة «صدق» بتخفيف الدال «إبليس» بالنصب «ظنّه» بالرفع، وقرأت فرقة «صدق» بالتخفيف «إبليس» بالرفع على البدل وهو بدل الاشتمال، ومعنى الآية أن ما قال إبليس من أنه سيفتن بني آدم ويغويهم وما قال من أن الله لا يجد أكثرهم شاكرين وغير ذلك كان ظنا منه فصدق فيهم، وأخبر الله تعالى عنهم أنهم «اتبعوه» وهو اتباع في كفر لأنه في قصة قوم كفار، وقوله مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ يدل على ذلك ومِنَ في قوله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لبيان الجنس لا للتبعيض، لأن التبعيض يقتضي أن فريقا من المؤمنين اتبعوا إبليس، و «السلطان» الحجة، وقد يكون الاستعلاء والاستقدار، إذ اللفظ من التسلط، وقال الحسن بن أبي الحسن: والله ما كان له سيف ولا سوط ولكنه استمالهم فمالوا بتزيينه، وقوله تعالى: إِلَّا لِنَعْلَمَ أي لنعلمه موجودا، لأن العلم به متقدم أزلا، وقرأت فرقة «إلا ليعلم» بالياء على ما لم يسم فاعله، وقوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية، آية تعجيز وإقامة حجة، ويروى أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشا، والجمهور على «قل ادعوا» بضم اللام وروى عباس عن أبي عمرو «قل ادعوا» بكسر اللام، وقوله الَّذِينَ يريد الملائكة والأصنام وذلك أن قريشا والعرب كان منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يقول نعبدها لتشفع لنا ونحو هذا، فنزلت هذه الآية معجزة لكل منهم، ثم جاء بصفة هؤلاء الذين يدعونهم آلهة من أنهم لا يَمْلِكُونَ ملك الاختراع مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السماء وَلا فِي الْأَرْضِ وأنهم لا شرك لهم فيهما وهذان فيهما نوعا الملك إما استبدادا وإما مشاركة، فنفى عنهم جميع ذلك، ونفى أن يكون منهم لله تعالى معين في شيء من قدرته و «الظهير» المعين، ثم تقرر في الآية بعد أن الذين يظنون أنهم يشفعون لهم لا تصح منهم شفاعة لهم إذ هؤلاء كفرة ولا يأذن الله تعالى في الشفاعة في كافر.
قوله :
стр. 2087
[سورة سبإ (٣٤) : آية ٢٣]
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)
المعنى أن كل من دعوتم إلها من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ولا تنفع شفاعتهم إلا بإذن فيمن آمن، فكأنه قال ولا هم شفعاء على الحد الذي ظننتم أنتم واختلف المتأولون في قوله تعالى: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ فقالت فرقة معناه لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أن يشفع، فيه، وقالت فرقة معناه لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أن يشفع هو.
قال القاضي أبو محمد: واللفظ يعمهما، لأن الإذن إذا انفرد للشافع فلا شك أن المشفوع فيه معين له، وإذا انفرد للمشفوع فيه فالشافع لا محالة عالم معين لذلك، وانظر أن اللام الأولى تشير إلى المشفوع فيه من قوله لِمَنْ تقول شفعت لفلان، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «أذن» بضم، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «أذن» بفتحها، والضمير في قُلُوبِهِمْ عائد على الملائكة الذين دعوهم آلهة، ففي الكلام حذف يدل عليه الظاهر فكأنه قال ولا هم شفعاء كما تحسبون أنتم بل هم عبدة مستسلمون أبدا حتى إذا فزع عن قلوبهم.
قال الفقيه الإمام القاضي: وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أن هذه الآية أعني قوله حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ إنما هي الملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل وبالأمر يأمر به سمعت كجر سلسلة الحديد على صفوان فتفزع عند ذلك تعظيما وهيبة، وقيل خوف أن تقوم الساعة فإذا فزع ذلك فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أي أطير الفزع عنها وكشف فيقول بعضهم لبعض ولجبريل ماذا قالَ رَبُّكُمْ فيقول المسئولون قال الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [سبأ: ٢٢] لم تتصل لهم هذه الآية بما قبلها فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها حتى قال بعضهم في الكفار بعد حلول الموت فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ بفقد الحياة فرأوا الحقيقة وزال فزعهم من شبه ما يقال لهم في حياتهم، فيقال لهم حينئذ ماذا قالَ رَبُّكُمْ فيقولون قال الْحَقَّ يقرون حين لا ينفعهم الإقرار، وقالت فرقة الآية في جميع العالم، وقوله حَتَّى إِذا يريد في القيامة.
قال الفقيه الإمام القاضي: والتأويل الأول في الملائكة هو الصحيح وهو الذي تظاهرت به الأحاديث، وهذان بعيدان، وقرأ جمهور القراء «فزع» بضم الفاء ومعناه أطير الفزع عنهم، وهذه الأفعال جاءت مخالفة لسائر الأفعال، لأن فعل أصلها الإدخال في الشيء كعلمت ونحوها وقولك: فزعت زيدا معناه أزلت الفزع عنه، وكذلك جزعته معناه أزلت الجزع عنه، ومنه الحديث فدخل ابن عباس على عمر بجزعة ومنه مرضت فلانا أي أزلت عنه المرض.
قال الفقيه الإمام القاضي: وانظر أن مطاوع هذه الأفعال يلحق بتحنث وتحرج وتفكه وتأثم وتخوف، وقرأ ابن عامر «فزّع» بفتح الفاء وشد الزاي وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وطلحة وأبي المتوكل الناجي واليماني، وقرأ الحسن البصري بخلاف «فزع» بضم الفاء وكسر الزاي وتخفيفها كأنه بمعنى أقلع، ومن قال بأنها في العالم أجمعه قال معنى هذه القراءة فزع الشيطان عن قلوبهم أي بادر، وقرأ أيوب عن الحسن أيضا
стр. 2088
«فرّغ» بالفاء المضمومة والراء المشددة غير منقوطة والغين المنقوطة من التفريغ، قال أبو حاتم رواها عن الحسن نحو من عشرة أنفس وهي قراءة أبي مجلز.
وقرأ مطر الوراق عن الحسن «فزع» على بناء الفعل للفاعل وهي قراءة مجاهد والحسن أيضا «فرغ» بالراء غير منقوطة مخففة من الفراغ، قال أبو حاتم وما أظن الثقات رووها عن الحسن على وجوه إلا لصعوبة المعنى عليه فاختلفت ألفاظ فيه، قرأ عيسى بن عمر «حتى إذا افرنقع» وهي قراءة ابن مسعود ومعنى هذا كله وقع فراغها من الفزع والخوف، ومن قرأ شيئا من هذا على بناء الفعل للمفعول فقوله عَنْ قُلُوبِهِمْ في موضع رفع، ومن قرأ على بناء الفعل للفاعل فقوله عَنْ قُلُوبِهِمْ في موضع نصب، وافرنقع معناه تفرق، وقوله ماذا يجوز أن تكون «ما» في موضع نصب ب قالَ ويصح أن تكون في موضع رفع بمعنى أي شيء قال، والنصب في قوله الْحَقَّ على نحوه في قوله ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً [النحل: ٣٠] لأنهم حققوا أن ثم ما أنزل، وحققوا هنا أن ثم ما قيل، وقولهم وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ تمجيد وتحميد.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٢٤ الى ٢٧]
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)
أمر الله تعالى نبيه على جهة الاحتجاج وإقامة الدليل على أن الرزاق لهم من السماوات والأرض من هو ثم أمره أن يقتضب الاحتجاج بأن يأتي جواب السؤال إذ هم في بهتة ووجمة من السؤال، وإذ لا جواب لهم ولا لمفطور إلا بأن يقول هو الله، وهذه السبيل في كل سؤال جوابه في غاية الوضوح، لأن المحتج يريد أن يقتضب ويتجاوز إلى حجة أخرى يوردها، ونظائر هذا في القرآن كثير وقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ تلطف في الدعوة والمحاورة، والمعنى كما تقول لمن خالفك في مسألة أحدنا يخطىء، أي تثبت وتنبه، والمفهوم من كلامك أن مخالفك هو المخطئ، وكذلك هذا معناه لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فلينتبه، والمقصد أن الضلال في حيز المخاطبين وحذف أحد الخبرين لدلالة الباقي عليه، وقال أبو عبيدة أَوْ في الآية بمعنى واو النسق، والتقدير «وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين» وهما خبران غير مبتدأين.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا القول غير متجه واللفظ لا يساعده وإن كان المعنى على كل قول يقتضي أن الهدى في حيز المؤمنين والضلال في حيز الكافرين، وقوله تعالى: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا الآية مهادنة ومتاركة منسوخة بآية السيف، وقوله قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا الآية إخبار بالبعث من
стр. 2089
القبور، وقوله يَفْتَحُ معناه يحكم والفتاح القاضي وهي مشهورة في لغة اليمن، وهذا كله منسوخ بآية السيف، وقوله تعالى قُلْ أَرُونِيَ يحتمل أن تكون رؤية قلب فيكون قوله شُرَكاءَ مفعولا ثالثا وهذا هو الصحيح أي أروني بالحجة والدليل كيف وجه الشركة وقالت فرقة هي رؤية بصر وشُرَكاءَ حال من الضمير المفعول ب أَلْحَقْتُمْ العائد على الَّذِينَ.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له، وقوله كَلَّا رد لما تقرر من مذهبهم في الإشراك بالله تعالى ووصف نفسه باللائق به من العزة والحكمة.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)
هذا إعلام من الله تعالى بأنه بعث محمدا ﷺ إلى جميع العالم، و «الكافة» الجمع الأكمل من الناس، وكَافَّةً نصب على الحال وقدمها للاهتمام، وهذه إحدى الخصال التي خص بها محمد ﷺ من بين الأنبياء التي حصرها في قوله «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وبعث كل نبي إلى خاص من الناس وبعثت إلى الأسود والأحمر» ، وفي هذه الخصال زيادة في كتاب مسلم، وقوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يريد بها العموم في الكفرة، والمؤمنون هم الأقل، ثم حكى عنهم مقالتهم في الهزء بأمر البعث واستعجالهم على معنى التكذيب بقولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ فأمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم عن مِيعادُ هو يوم القيامة لا يتأخر عنه أحد ولا يتقدمه، قال أبو عبيدة: «الوعد والوعيد والميعاد» بمعنى واحد، وخولف في هذا، والذي عليه الناس أن «الوعد» في الخير، و «الوعيد» في المكروه و «الميعاد» يقع لهذا ولهذا.
قال الفقيه الإمام القاضي: وأضاف الميعاد إلى اليوم تجوزا من حيث كان فيه وتحتمل الآية أن يكون استعجال الكفرة لعذاب الدنيا ويكون الجواب عن ذلك أيضا ولم يجر للقيامة ذكر على هذا التأويل.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)
حكيت في هذه الآية مقالة قالها بعض قريش وهي أنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا بما بين يديه من التوراة
стр. 2090
والإنجيل والزبور فكأنهم كذبوا بجميع كتب الله وإنما فعلوا هذا لما وقع الاحتجاج عليهم بما في التوراة من أمر محمد ﷺ وقالت فرقة: «الذي بين يديه» هي الساعة والقيامة.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا خطأ قائله لم يفهم أمر بين اليد في اللغة وأنه المتقدم في الزمان وقد بيناه فيما تقدم، ثم أخبر الله تعالى نبيه عن حالة الظالمين في صيغة التعجيب من حالهم، وجواب لَوْ محذوف، وقوله يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ أي يرد، أي يتحاورون ويتجادلون، ثم فسر ذلك الجدل بأن الأتباع والضعفاء من الكفرة يقولون للكفار وللرؤوس على جهة التذنيب والتوبيخ ورد اللائمة عليهم لَوْلا أَنْتُمْ لآمنا نحن واهتدينا، أي أنتم أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر، فقال لهم الرؤساء على جهة التقرير والتكذيب أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ أي دخلتم في الكفر ببصائركم، وأجرمتم بنظر منكم، ودعوتنا لم تكن ضربة لازب عليكم لأنا دعوناكم بغير حجة ولا برهان.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله يتضمنه اللفظ.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : آية ٣٣]
وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)
هذه مراجعة من الأتباع للرؤساء حين قالوا لهم: إنما كفرتم ببصائر أنفسكم قال المستضعفون بل كفرنا بمكركم بنا بالليل والنهار «وأضاف المكر إلى الليل والنهار من حيث هو فيهما» ولتدل هذه الإضافة على الدؤوب والدوام، وهذه الإضافة كما قالوا «ليل نائم ونهار صائم» ، وأنشد سيبويه «فنام ليلي وتجلى همي» ، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ قتادة بن دعامة «بل مكر الليل والنهار» بتنوين «مكر» ونصب «الليل والنهار» على الظرف، وقرأ سعيد بن جبير «بل مكر» بفتح الكاف وشد الراء من كر يكر وبالإضافة إلى «الليل والنهار» وذكر عن يحيى بن يعمر وكأن معنى هذه الآية الإحالة على طول الأمل والاغترار بالأيام مع أمر هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله، و «الند» المثيل والشبيه، والضمير في قوله أَسَرُّوا عام جميع من تقدم ذكره من المستضعفين والمستكبرين، أَسَرُّوا معناه اعتقدوها في نفوسهم، ومعتقدات النفس كلها سر لا يعقل غير ذلك، وإنما يظهر ما يصدر عنها من كلام أو قرينة، وقال بعض الناس أَسَرُّوا معناه أظهروا وهي من الأضداد.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كلام من لم يعتبر المعنى أما نفس الندامة فلا تكون إلا مستسرة ضرورة، وأما الظاهر عنها فغيرها ولم يثبت قط في لغة أن أسر من الأضداد، وقوله تعالى: لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي وافوه وتيقنوا حصولهم فيه وباقي الآية بين.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٧]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧)
стр. 2091
هذه تسلية للنبي ﷺ عن فعل قريش وقولها أي هذه يا محمد سيرة الأمم فلا يهمنك أمر قومك، و «القرية» المدينة، و «المترف» المنع البطال الغني القليل تعب النفس والجسم فعادتهم المبادرة بالتكذيب، وقوله وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً يحتمل أن يعود الضمير على المترفين ويكون ذلك من قولهم مع تكذيبهم، ثم لما كانت قريش مثلهم أمره الله تعالى بأن يقول إِنَّ رَبِّي الآية، ويحتمل أن يعود الضمير في قالُوا لقريش ويكون كلام المترفين قد تم، ثم تطرد الآية بعد، وقولهم نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً معناه الاحتجاج أي أن الله لم يعطنا هذا وقدره لنا إلا لرضاء عنا وعن طريقنا ونحن لا نعذب البتة إذ الله الذي تزعم أنت علمه بجميع الأشياء وإحاطته قد قدر علينا النعم، فهو إذن راض عنا، وقال بعض المفسرين معنى قولهم وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ أي بالفقر.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ليس كالأول في القوة فأمر الله تعالى نبيه أن يقول: إن الأمر ليس كما ظنوا بل بسط الرزق وقدره معلق بالمشيئة في كافر ومؤمن وليس شيء من ذلك دليلا على رضى الله تعالى والقرب منه لأنه قد يعطي ذلك إملاء واستدراجا، وكثير من الناس لا يعلم ذلك كأنتم أيها الكفار، وقرأت فرقة «ويقدر» ، وقرأت فرقة «ويقدّر» بضم الباء وفتح القاف وشد الدال وهي راجعة إلى معنى التضييق الذي هو ضد البسط، ثم أخبرهم بأن أموالهم وأولادهم ليست بمقربة من الله زُلْفى، والزلفى مصدر بمعنى القرب، وكأنه قال تقربكم عندنا تقريبا، وقرأ الضحاك «زلفى» بفتح اللام وتنوين الفاء، وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ آمَنَ استثناء منقطع، ومَنْ في موضع نصب بالاستثناء، وقال الزجاج مَنْ بدل من الضمير في تُقَرِّبُكُمْ، وقال الفراء مَنْ في موضع رفع، وتقدير الكلام ما هو المقرب إلا من آمن، وقرأ الجمهور «جزاء الضعف» بالإضافة، وقرأ قتادة «جزاء الضعف» برفعها، وحكى عنه الداني «جزاء» بالنصب «الضعف» بنصب الفاء، والضِّعْفِ هنا اسم جنس أي بالتضعيف إذ بعضهم يجازى إلى عشرة وبعضهم أكثر إلى سبعمائة بحسب الأعمال. ومشيئة الله تعالى فيها، وقرأ جمهور القراء «في الغرفات» بالجمع، وقرأ حمزة وحده «في الغرفة» على اسم الجنس يراد به الجمع، ورويت عن الأعمش وهما في القراءة حسنتان، قال أبو علي: وقد يجيء هذا الجمع بالألف والتاء «الغرفات» ونحوه للتكثير ومنه قول حسان بن ثابت:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فلم يرد إلا كثرة جفان.
قال الفقيه الإمام القاضي: وتأمل نقد الأعشى في هذا البيت، وقرأ الأعمش والحسن وعاصم بخلاف في «الغرفات» بسكون الراء.
стр. 2092
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣٨ الى ٣٩]
وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)
لما ذكر تعالى المؤمنين العاملين الصالحات وذكر ثوابهم عقب بذكر ضدهم وذكر جزائهم ليظهر تباين المنازل، وقرأت فرقة «معاجزين» (وقرأت فرقة معجزين) ، وقد تقدم تفسيرها في صدر السورة، ومُحْضَرُونَ من الإحضار والإعداد، ثم كرر القول ببسط الرزق وقدره تأكيدا وتبيينا وقصد به هاهنا رزق المؤمنين وليس سوقه على المعنى الأول الذي جلب للكافرين، بل هذا هنا على جهة الوعظ والتزهيد في الدنيا والحض على النفقة في الطاعات، ثم وعد بالخلف في ذلك وهو بشرط الاقتصاد والنية في الطاعة ودفع المضرات وعد منجز إما في الدنيا وإما في الآخرة، وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «قال الله لي أنفق أنفق عليك» وفي البخاري أن ملكا ينادي كل يوم اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول ملك آخر: اللهم أعط ممسكا تلفا، وقال مجاهد المعنى إن كان خلف فهو موليه وميسره، وقد لا يكون الخلف، وأما قوله خَيْرُ الرَّازِقِينَ فمن حيث يقال في الإنسان إنه يرزق عياله، والأمير جنده، لكن ذلك من مال يملك عليهم والله تعالى من خزائن لا تفنى ومن إخراج من عدم إلى وجود، وقرأ الأعمش «ويقدّر» بضم الياء وشد الدال.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٤٠ الى ٤٣]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)
هذه آية وعيد للكفار، والمعنى واذكر يوم نحشرهم، وقرأ جمهور القراء «نحشرهم جميعا ثم نقول» بالنون فيهما، ورواها أبو بكر عن عاصم، وقرأ حفص عن عاصم «ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول» بالياء فيهما، وذكرها أبو حاتم عن أبي عمرو، والقول للملائكة هو توقيف تقوم منه الحجة على الكفار عبدتهم وهذا نحو قوله تعالى لعيسى ﵇ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة: ١١٦] وإذا قال الله تعالى للملائكة هذه المقالة قالت الملائكة سُبْحانَكَ أي تنزيها لك عما فعل هؤلاء الكفرة، ثم برؤوا أنفسهم بقولهم أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ يريدون البراءة من أن يكون لهم رضى أو علم أو مشاركة في أن يعبدهم البشر، ثم قرروا أن البشر إنما عبدت الجن برضى الجن وبإغوائها للبشر فلم تنف الملائكة عبادة البشر
стр. 2093
إياها وإنما قررت أنها لم تكن لها في ذلك مشاركة، ثم ذنبت الجن، وعبادة البشر للجن هي فيما نعرفه نحن بطاعتهم إياهم وسماعهم من وسوستهم وإغوائهم، فهذا نوع من العبادة، وقد يجوز إن كان في الأمم الكافرة من عبد الجن، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت في سورة الأنعام وغيرها، ثم قال تعالى: فَالْيَوْمَ وفي الكلام حذف تقديره فيقال لهم أي من عبد ومن عبد اليوم لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً، وقوله وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ذكر الله تعالى في هذه الآية أقوال الكفرة وأنواع كلامهم عند ما يقرأ عليهم القرآن ويسمعون حكمته وبراهينه البينة، فقائل طعن على النبي ﷺ بأنه يقدح في الأوثان ودين الآباء، وقائل طعن عليه بأن هذا القرآن مفترى أي مصنوع من قبل محمد ﷺ ويدعي أنه من عند الله، وقائل طعن عليه بأن ما عنده من الرقة واستجلاب النفوس واستمالة الأسماع إنما هو سحر به يخلب ويستدعى، تعالى الله عن أقوالهم وتقدست شريعته عن طعنهم.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٤٤ الى ٤٦]
وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦)
معنى هذه الآية أنهم يقولون بآرائهم في كتاب الله فيقول بعضهم سحر، وبعضهم افتراء، وذلك منهم تسور لا يستندون فيه إلى إثارة علم ولا إلى خبر من يقبل خبره، فإنا ما آتيناهم كتبا يدرسونها ولا أرسلنا إليهم نذيرا فيمكنهم أن يدعوا أن أقوالهم تستند إلى أمره، وقرأ جمهور الناس «يدرسونها» بسكون الدال، وقرأ أبو حيوة «يدّرسونها» بفتح الدال وشدها وكسر الراء- والمعنى وما أرسلنا من نذير يشافههم بشيء ولا يباشر أهل عصرهم ولا من قرب من آبائهم، وإلا فقد كانت النذارة في العالم وفي العرب مع شعيب وصالح وهود ودعوة الله وتوحيده قائم لم تخل الأرض من داع إليه، فإنما معنى هذه الآية مِنْ نَذِيرٍ يختص بهؤلاء الذين بعثناك إليهم، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل، والله تعالى يقول: إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيّا ولكن لم يتجرد للنذارة وقاتل عليها إلا محمد ﷺ ، ثم مثل لهم بالأمم المكذبة قبلهم، وقوله وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ يحتمل ثلاثة معان: أحدها أن يعود الضمير في بَلَغُوا على قريش، وفي آتَيْناهُمْ على الأمم الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، والمعنى من القوة والنعم والظهور في الدنيا، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، والثاني أن يعود الضمير في بَلَغُوا على الأمم المتقدمة وفي آتَيْناهُمْ على قريش، والمعنى من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به، والثالث أن يعود الضميران على الأمم المتقدمة، والمعنى من شكر النعمة وجزاء المنة و «المعشار» ، ولم يأت هذا البناء إلا في الشعرة والأربعة فقالوا: مرباع ومعشار وقال قوم: المعشار عشر العشر.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ليس بشيء، والنكير مصدر كالإنكار في المعنى وكالعديد في الوزن
стр. 2094
وسقطت الياء منه تخفيفا لأنها آخر آية، و «كيف» تعظيم للأمر وليست استفهاما مجردا، وفي هذا تهديد لقريش أي أنّهم معرضون لنكير مثله، ثم أمر تعالى نبيه ﷺ أن يدعوهم إلى عبادة الله والنظر في حقيقة نبوته هو ويعظهم بأمر مقرب للأفهام فقوله بِواحِدَةٍ معناه بقضية واحدة إيجازا لكم وتقريبا عليكم، وقوله أَنْ مفسرة، ويجوز أن تكون بدلا من «واحدة» ، وقوله تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى يحتمل أن يريد بالطاعة والإخلاص والعبادة فتكون الواحدة التي وعظ بها هذه، ثم عطف عليها أن يتفكروا في أمره هل هو به جنة أو هو بريء من ذلك والوقف عند أبي حاتم ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا.
قال الفقيه الإمام القاضي: فيجيء ما بِصاحِبِكُمْ نفيا مستأنفا وهو عند سيبويه جواب ما تنزل منزلة القسم لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التحقيق كتبين وتكون الفكرة على هذا في آيات الله والإيمان به، ويحتمل أن يريد بقيامهم أن يكون لوجه الله في معنى التفكر في محمد ﷺ فتكون الواحدة التي وعظ بها أن يقوموا لمعنى الفكرة- في أمر صاحبهم، وكأن المعنى أن يفكر الواحد بينه وبين نفسه ويتناظر الاثنان على جهة طلب التحقيق، هل بمحمد ﷺ جنة أم لا؟ وعلى هذا لا يوقف على تَتَفَكَّرُوا وقدم المثنى لأن الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، فإذا انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزيد بصيرة وقد قال الشاعر: [الطويل]
إذا اجتمعوا جاءوا بكل غريبة ... فيزداد بعض القوم من بعضهم علما
وقرأ يعقوب «ثم تفكروا» بتاء واحدة، وقال مجاهد بواحدة معناه بلا إله إلا الله وقيل غير هذا مما لا تعطيه الآية، وقوله بَيْنَ يَدَيْ مرتب على أن محمدا ﷺ جاء في الزمن من قبل العذاب الشديد الذي توعدوا به.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٤٧ الى ٥١]
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١)
أمره الله تعالى في هذه الآية بالتبري من طلب الدنيا وطلب الأجر على الرسالة وتسليم كل دنيا إلى أربابها والتوكل على الله في الأجر وجزاء الجد والإقرار بأنه شهيد على كل شيء من أفعال البشر وأقوالهم وغير ذلك، وقوله يَقْذِفُ بِالْحَقِّ يريد بالوحي وآيات القرآن واستعار له القذف من حيث كان الكفار يرمون بآياته وحكمه، وقرأ جمهور القراء «علّام» بالرفع أي هو علام، وقرأ عيسى بن عمرو ابن أبي إسحاق «علّام» بالنصب إما على البدل من اسم إِنَّ وإما على المدح، وقرأ الأعمش «بالحق وهو علام الغيوب» ، وقرأ عاصم «الغيوب» بكسر الغين، وقوله قُلْ جاءَ الْحَقُّ يريد الشرع وأمر الله ونهيه، وقال قوم
стр. 2095
يعني السيف، وقوله وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ، قالت فرقة: الْباطِلُ هو غير الْحَقُّ من الكذب والكفر ونحوه استعار له الإبداء والإعادة ونفاهما عنه، كأنه قال وما يصنع الباطل شيئا، وقالت فرقة الْباطِلُ الشيطان، والمعنى ما يفعل الشيطان شيئا مفيدا أي ليس يخلق ولا يرزق، وقالت فرقة ما استفهام كأنه قال وأي شيء يصنع الباطل؟ وقرأ جمهور الناس «ضللت» بفتح اللام «فإنما أضل» بكسر الضاد، وقرأ الحسن وابن وثاب «ضللت» بكسر اللام «أضل» بفتح الضاد وهي لغة بني تميم، وقوله فَبِما يحتمل أن تكون «ما» بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون مصدرية، وقَرِيبٌ معناه بإحاطته وإجابته وقدرته، واختلف المتأولون في قوله تعالى: وَلَوْ تَرى الآية، فقال ابن عباس والضحاك: هذا في عذاب الدنيا، وروي أن ابن أبزى قال ذلك في جيش يغزو الكعبة فيخسف بهم في بيداء من الأرض ولا ينجو إلا رجل من جهينة فيخبر الناس بما نال الجيش قالوا بسببه قيل «وعند جهينة الخبر اليقين» ، وهذا قول سعيد، وروي في هذا المعنى حديث مطول عن حذيفة وذكر الطبري أنه ضعيف السند مكذوب فيه على داود بن الجراح، وقال قتادة: ذلك في الكفار عند الموت، وقال ابن زيد: ذلك في الكفار في بدر ونحوها، وقال الحسن بن أبي الحسن: ذلك في الكفار عند خروجهم من القبور في القيامة.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا أرجح الأقوال عندي، وأما معنى الآية فهو التعجيب من حالهم إذا فزعوا من أخذ الله إياهم ولم يتمكن لهم أن يفوت منهم أحد، وقوله مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ معناه أنهم للقدرة قريب حيث كانوا قبل من تحت الأقدام، وهذا يتوجه على بعض الأقوال والذي يعم جميعها أن يقال إن الأخذ يجيئهم من قرب في طمأنينتهم ويعقبها بينا الكافر يؤمل ويظن ويترجى إذ غشيه الأخذ، ومن غشيه أخذ من قريب، فلا حيلة له ولا روية، وقرأ الجمهور «وأخذوا» ، وقرأ طلحة بن مصرف «فلا فوت وأخذ» ، كأنه قال وجاء لهم أخذ من مكان قريب.
قوله :
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٥٢ الى ٥٤]
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)
الضمير في بِهِ عائد على الله تعالى، وقيل على محمد ﷺ وشرعه والقرآن، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وعامة القراء «التناوش» بضم الواو دون همز، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم أيضا «التناؤش» بالهمز، والأولى معناها التناول من قولهم ناش ينوش إذا تناول «تناوش القوم في الحرب إذا تناول بعضهم بعضا بالسلاح، ومنه قول الراجز: [الرجز]
فهي تنوش الحوض نوشا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا
فكأنه قال وأنى لهم تناول مرادهم وقد بعدوا عن مكان إمكان ذلك، وأما التناؤش بالهمز فيحتمل أن
стр. 2096
يكون من التناؤش الذي تقدم تفسيره وهمزت الواو لما كانت مضمونة وكانت ضمتها لازمة، كما قالوا أقتت وغير ذلك، ويحتمل أن يكون من الطلب، تقول اتناشت الشيء إذا طلبته من بعد، وقال ابن عباس تناؤش الشيء رجوعه حكاه عنه ابن الأنباري وأنشد: [الوافر]
تمنى أن تؤوب إليك ميّ ... وليس إلى تناوشها سبيل
فكأنه قال في الآية: وأنى لهم طلب مرادهم وقد بعد، قال مجاهد المعنى من الآخرة إلى الدنيا، وقرأ جمهور الناس «ويقذفون» بفتح الياء وكسر الذال على إسناد الفعل إليهم، أي يرجمون بظنونهم ويرمون بها الرسل وكتاب الله، وذلك غيب عنهم في قولهم سحر وافتراء وغير ذلك، قاله مجاهد، وقال قتادة قذفهم بالغيب هو قولهم لا بعث ولا جنة ولا نار، وقرأ مجاهد «ويقذفون» بضم الياء وفتح الذال على معنى ويرجمهم الوحي بما يكرهون من السماء، وقوله وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ قال الحسن معناه من الإيمان والتوبة والرجوع إلى الإتابة والعمل الصالح، وذلك أنهم اشتهوه في وقت لا تنفع فيه التوبة، وقاله أيضا قتادة، وقال مجاهد معناه وحيل بينهم وبين نعيم الدنيا ولذاتها، وقيل حيل بينهم وبين الجنة ونعيمها، وهذا يتمكن جدا على القول بأن الأخذ والفزع المذكورين هو في يوم القيامة، وقوله كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ الأشياع الفرق المتشابهة، فأشياع هؤلاء هم الكفرة من كل أمة، وهو جمع شيعة، وشيع، وقوله مِنْ قَبْلُ يصلح على بعض الأقوال المتقدمة تعلقه بفعل، ويصلح على قول من قال إن الفزع هو في يوم القيامة تعلقه بِأَشْياعِهِمْ أي بمن اتصف بصفتهم من قبل في الزمن الأول، لأن ما يفعل بجميعهم إنما هو في وقت واحد. لا يقال فيه مِنْ قَبْلُ، و «الشك المريب» أقوى ما يكون من الشك وأشده إظلاما.
стр. 2097
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة فاطر
هذه السورة مكية.
قوله :
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)
الألف واللام في الْحَمْدُ لاستغراق الجنس على أتم عموم، لأن الْحَمْدُ بالإطلاق على الأفعال الشريفة والكمال هو لله تعالى والشكر مستغرق فيه لأنه فصل من فصوله، وفاطِرِ معناه خالق لكن يزيد في المعنى الانفراد بالابتداء لخلقها، ومنه قول الأعرابي المتخاصم في البئر عند ابن عباس: أنا فطرتها، أراد بدأت حفرها. قال ابن عباس ما كنت أفهم معنى فاطِرِ حتى سمعت قول الأعرابي، وقرأ الجمهور «الحمد لله فطر» ، وقرأ جمهور الناس «جاعل» بالخفض، وقرأت فرقة «جاعل» بالرفع على قطع الصفة، وقرأ خليد بن نشيط «جعل» على صيغة الماضي «الملائكة» نصبا، فأما على هذه القراءة الأخيرة فنصب قوله رُسُلًا على المفعول الثاني، وأما على القراءتين المتقدمتين فقيل أراد ب «جاعل» الاستقبال لأن القضاء في الأزل وحذف التنوين تخفيفا وعمل عمل المستقبل في رُسُلًا، وقالت فرقة جاعِلِ بمعنى المضي ورُسُلًا نصب بإضمار فعل، ورُسُلًا معناه بالوحي وغير ذلك من أوامره، فجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل رسل، والملائكة المتعاقبون رسل، والمسددون لحكام العدل رسل وغير ذلك، وقرأ الحسن «رسلا» بسكون السين، وأُولِي جمع واحده ذو، تقول ذو نهية والقوم أولو نهي، وروي عن الحسن أنه قال في تفسير قول مريم إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
[مريم: ١٨] قال علمت مريم أن التقي ذو نهية، وقوله مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ألفاظ معدولة من اثنين وثلاثة وأربعة عدلت في حال التنكير فتعرفت بالعدل، فهي لا تنصرف للعدل والتعريف، وقيل للعدل والصفة، وفائدة العدل الدلالة على التكرار
стр. 2098
لأن مَثْنى بمنزلة قولك اثنين اثنين، وقال قتادة: إن أنواع الملائكة هي هكذا منها ما له جناحان، ومنها ما له ثلاثة، ومنها ما له أربعة، ويشذ منها ما له أكثر من ذلك، وروي أن لجبريل ستمائة جناح منها اثنان تبلغ من المشرق إلى المغرب، وقالت فرقة المعنى أن في كل جانب من الملك جناحين، ولبعضهم ثلاثة في كل جانب، ولبعضهم أربعة، وإلا فلو كانت ثلاثة لكل واحد لما اعتدلت في معتاد ما رأيناه نحن من الأجنحة، وقيل بل هي ثلاثة لكل واحد كالحوت والله أعلم بذلك، وقوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب عند الخبر بالملائكة أولي الأجنحة، أي ليس هذا يبدع في قدرة الله تعالى فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، وروي عن الحسن وابن شهاب أنهما قالا المزيد هو حسن الصوت قال الهيثم الفارسي: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي: أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك الله خيرا، وقيل الزيادة الخط الحسن، وقال النبي ﵇: «الخط الحسن يزيد الحق وضوحا» ، وقال قتادة الزيادة ملاحة العينين.
قال القاضي أبو محمد: وقيل غير هذا وهذه الإشارة إنما ذكرها من ذكرها على جهة المثال لا أن المقصود هي فقط، وإنما مثل بأشياء هي زيادات خارجة عن الغالب الموجود كثيرا وباقي الآية بين، وقوله ما يَفْتَحِ اللَّهُ ما شرط، ويَفْتَحِ جزم بالشرط، وقوله مِنْ رَحْمَةٍ عام في كل خير يعطيه الله تعالى للعباد جماعتهم وأفذاذهم، وقوله مِنْ بَعْدِهِ فيه حذف مضاف أي من بعد إمساكه، ومن هذه الآية سمت الصوفية ما تعطاه من الأموال والمطاعم وغير ذلك الفتوحات، ومنها كان أبو هريرة يقول مطرنا بنوء الفتح، وقرأ الآية، وقوله يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب لقريش وهو متجه لكل كافر، ولا سيما لعباد غير الله، وذكرهم تعالى بنعمة الله عليهم في خلقهم وإيجادهم، ثم استفهمهم على جهة التقرير والتوقيف بقوله هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ أي فليس إله إلا الخالق لا ما تعبدون أنتم من الأصنام، وقرأ حمزة والكسائي «غير» بالخفض نعتا على اللفظ وخبر الابتداء يَرْزُقُكُمْ وهي قراءة أبي جعفر وشقيق وابن وثاب، وقرأ الباقون غير نافع بالرفع، وهي قراءة شيبة بن نصاح وعيسى والحسن بن أبي الحسن، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها النعت على الموضع والخبر مضمر تقديره في الوجود أو في العالم وأن يكون «غير» خبر الابتداء الذي هو في المجرور والرفع على الاستثناء، كأنه قال هل خالق إلا الله، فجرت «غير» مجرى الفاعل بعد إِلَّا، وقوله مِنَ السَّماءِ يريد بالمطر ومن الْأَرْضِ يريد بالنبات، وقوله فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ معناه فلأي وجه تصرفون عن الحق، ثم سلى نبيه ﷺ بما سلف من حال الرسل مع الأمم، والْأُمُورُ تعم جميع الموجودات المخلوقات إلى الله مصير جميع ذلك على اختلاف أحوالها، وفي هذا وعيد للكفار ووعد للنبي ﷺ ، ثم وعظ جميع العالم وحذرهم غرور الدنيا بنعيمها وزخرفها الشاغلة عن المعاد الذي له يقول الإنسان: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي [الفجر: ٢٤] ولا ينفعه ليت يومئذ، وحذر غرور الشيطان، وقوله إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ عبارة عن جميع خبره في خير وتنعم أو عذاب أو عقاب، وقرأ جمهور الناس «الغرور» بفتح الغين وهو الشيطان قاله ابن عباس، وقرأ سماك العبدي وأبو حيوة «الغرور» بضم الغين وذلك يحتمل أن يكون جمع غار كجالس وجلوس، ويحتمل أن يكون جمع غر وهو مصدر غره يغره غرا، ويحتمل أن يكون مصدرا وإن كان شاذا
стр. 2099
في الأفعال المتعدية أن يجيء مصدرها على فعول لكنه قد جاء لزمه لزوما ونهكه المرض نهوكا فهذا مثله وكذلك هو مصدر في قوله فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [الأعراف: ٢٢] .
قوله :
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٦ الى ٨]
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨)
قوله تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ الآية، يقوي قراءة من قرأ «الغرور» بفتح الغين، وقوله فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا أي بالمباينة والمقاطعة والمخالفة له باتباع الشرع، و «الحزب» الحاشية والصاغية، واللام في قوله لِيَكُونُوا لام الصيرورة لأنه لم يدعهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك، والسَّعِيرِ طبقة من طبقات جهنم وهي سبع طبقات، وقوله الَّذِينَ كَفَرُوا في موضع رفع بالابتداء وهذا هو الحسن لعطف الَّذِينَ آمَنُوا عليه بعد ذلك فهي جملتان تعادلتا، وجوز بعض الناس في الَّذِينَ أن يكون بدلا من الضمير في «يكونوا» وجوز غيره أن يكون الَّذِينَ في موضع نصب بدلا من حِزْبَهُ وجوز بعضهم أن يكون في موضع خفض بدلا من أَصْحابِ وهذا كله محتمل، غير أن الابتداء أرجح. وقوله تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً توقيف وجوابه محذوف تقديره عند الكسائي تذهب نفسك حسرات عليهم، ويمكن أن يتقدر كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير، وأحسنها ما دل اللفظ بعد عليه، وقرأ طلحة «أمن زين» بغير فاء، وهذه الآية تسلية للنبي ﷺ عن كفر قومه، ووجب التسليم لله تعالى في إضلال من شاء وهداية من شاء، وأمر نبيه ﷺ بالإعراض عن أمرهم وأن لا يبخع نفسه أسفا عليهم، وقرأ جمهور الناس «فلا تذهب» بفتح التاء والهاء «نفسك» بالرفع، وقرأ أبو جعفر وقتادة وعيسى والأشهب «تذهب» بضم التاء وكسر الهاء نفسك بالنصب، ورويت عن نافع، و «الحسرة» هم النفس على فوات أمر، واستشهد ابن زيد لذلك بقوله تعالى: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦] ثم توعد تعالى الكفرة بقوله إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ.
قوله :
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٩ الى ١٠]
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)
هذه آية احتجاج على الكفرة في إنكار البعث من القبور، فدلهم تعالى على المثال الذي يعاينونه وهو
стр. 2100
سواء مع إحياء الموتى، و «البلد الميت» هو الذي لا نبت فيه قد اغبر من القحط فإذا أصابه الماء من السحاب اخضر وأنبت فتلك حياته، والنُّشُورُ مصدر نشر الميت إذا حيي، ومنه قول الأعشى:
يا عجبا للميت الناشر وقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ يحتمل ثلاثة معان: أحدها أن يريد مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ بمغالبة فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ أي ليست لغيره ولا تتم إلا له وهذا المغالب مغلوب ونحا إليه مجاهد، وقال مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ بعبادة الأوثان.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تمسك بقوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم: ٨١] والمعنى الثاني مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ وطريقها القويم ويحب نيلها على وجهها فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ أي به وعن أوامره لا تنال عزته إلا بطاعته، ونحا إليه قتادة. والمعنى الثالث وقاله الفراء مَنْ كانَ يُرِيدُ علم الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ أي هو المتصف بها، وجَمِيعاً حال، وقوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ أي التوحيد والتمجيد وذكر الله ونحوه، وقرأ الضحاك «إليه يصعد» بضم الياء، وقرأ جمهور الناس «الكلم» وهو جمع كلمة، وقرأ أبو عبد الرحمن «الكلام» ، والطَّيِّبُ الذي يستحسن سماعه الاستحسان الشرعي، وقال كعب الأحبار: إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لدويا حول العرش كدوي النحل تذكر بصاحبها، وقوله تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ اختلف الناس في الضمير في يَرْفَعُهُ على من يعود، فقالت فرقة يعود على الْعَمَلُ، واختلفت هذه الفرقة فقال قوم الفاعل ب «يرفع» هو الْكَلِمُ أي والعمل يرفعه الكلم وهو قول لا إله إلا الله لأنه لا يرتفع عمل إلا بتوحيد، وقال بعضهم الفعل مسند إلى الله تعالى أي «والعمل الصالح يرفعه هو» .
قال القاضي أبو محمد: وهذا أرجح الأقوال، وقال ابن عباس وشهر بن حوشب ومجاهد وقتادة الضمير في يَرْفَعُهُ عائد على الْكَلِمُ أي أن العمل الصالح هو يرفع الكلم.
قال القاضي أبو محمد: واختلفت عبارات أهل هذه المقالة فقال بعضها وروي عن ابن عباس أن العبد إذا ذكر الله وقال كلاما طيبا وأدى فرائضه ارتفع قوله مع عمله، وإذا قال ولم يؤد فرائضه رد قوله على عمله، وقيل عمله أولى به.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يرده معتقد أهل الحق والسنة ولا يصح عن ابن عباس، والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله تعالى وقال كلاما طيبا فإنه مكتوب له متقبل منه وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك، وأيضا فإن الْكَلِمُ الطَّيِّبُ عمل صالح وإنما يستقيم قول من يقول إن العمل هو الرافع ل الْكَلِمُ بأن يتأول أنه يزيد في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه، كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك إذا تخلل أعماله كلم طيب وذكر لله كانت الأعمال، أشرف.
قال القاضي أبو محمد: فيكون قوله وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ موعظة وتذكرة وحضا على الأعمال، وذكر الثعلبي أن النبي ﷺ قال: «لا يقبل الله قولا إلا بعمل ولا عمل إلا بنية» ، ومعناه قولا
стр. 2101
يتضمن أن قائله عمل عملا أو يعمله في الأنف، وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها كالتوحيد والتسبيح فمقبولة على ما قدمناه، وقرأت فرقة «والعمل» بالنصب «الصالح» على النعت وعلى هذه القراءة ف يَرْفَعُهُ مستند إما إلى الله تعالى وإما إلى الْكَلِمُ، والضمير في يَرْفَعُهُ عائد على الْعَمَلُ لا غير، وقوله يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ إما أنه عدى يَمْكُرُونَ لما أحله محل يكسبون، وإما أنه حذف المفعول وأقام صفته مقامه تقديره يمكرون المكرات السيئات، ويَمْكُرُونَ معناه يتخابثون ويخدعون وهم يظهرون أنهم لا يفعلون، ويَبُورُ معناه يفسد ويبقى لا نفع فيه، وقال بعض المفسرين يدخل في الآية أهل الربا.
قال القاضي أبو محمد: ونزول الآية أولا في المشركين.
قوله :
[سورة فاطر (٣٥) : آية ١١]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)
هذه آية تذكير بصفات الله تعالى على نحو ما تقدم، وهذه المحاورة إنما هي في أمر الأصنام وفي بعث الأجساد من القبور، وقال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ من حيث خلق آدم أبانا منه، وقوله ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أي بالتناسل من مني الرجال، وأَزْواجاً قيل معناه أنواعا، وقيل أراد تزويج الرجال النساء، وقوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ اختلف الناس في عود الضمير في قوله مِنْ عُمُرِهِ، فقال ابن عباس وغيره ما مقتضاه أنه عائد على مُعَمَّرٍ الذي هو اسم جنس والمراد غير الذي يعمر، أي أن القول يتضمن شخصين يعمر أحدهما مائة سنة أو نحوها وينقص من عمر الآخر بأن يكون عاما واحدا أو نحوه، وهذا قول الضحاك وابن زيد لكنه أعاد ضميرا إيجازا واختصارا، والبيان التام أن تقول ولا ينقص من عمر معمر لأن لفظة مُعَمَّرٍ هي بمنزلة ذي عمر.
قال القاضي أبو محمد: كأنه قال «ولا يعمر من ذي عمر ولا ينقص من عمر ذي عمر» ، وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك وابن جبير المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير أي ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصي ما مضى منه إذا مر حول كتب ذلك، ثم حول، ثم حول، فهذا هو النقص، قال ابن جبير ما مضى من عمره فهو النقص وما يستقبل فهو الذي يعمر، وروي عن كعب الأحبار أنه قال المعنى وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ أي لا يخرم بسبب قدرة الله، ولو شاء لأخر ذلك السبب.
قال القاضي أبو محمد: وروي أنه قال: حين طعن عمر لو دعا الله تعالى لزاد في أجله، فأنكر عليه المسلمون ذلك وقالوا: إن الله تعالى يقول فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً [الأعراف: ٣٤، النحل: ٦١] فاحتج بهذه الآية وهو قول ضعيف مردود يقتضي القول بالأجلين، وبنحوه تمسكت المعتزلة، وقرأ الحسن والأعرج وابن سيرين «ينقض» على بناء الفعل للفاعل أي ينقص الله، وقرأ «من عمره» بسكون الميم الحسن وداود، و «الكتاب» المذكور في الآية اللوح المحفوظ، وقوله إِنَّ ذلِكَ إشارة إلى تحصيل هذه الأعمال وإحصاء دقائقها وساعاتها.
стр. 2102
قوله :
[سورة فاطر (٣٥) : آية ١٢]
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)
هذه آية أخرى يستدل بها كل عاقل ويقطع أنها مما لا مدخل لصنم فيه، والْبَحْرانِ يريد بهما جميع الماء الملح وجميع الماء العذب حيث كان، فهو يعني به جملة هذا وجملة هذا، و «الفرات» الشديد العذوبة، و «الأجاج» الشديد الملوحة الذي يميل إلى المرارة من ملوحته، قال الرماني هو من أججت النار كأنه يحرق من حرارته، وقرأ عيسى الثقفي «سيّغ شرابه» بغير ألف وبشد الياء، وقرأ طلحة «ملح» بفتح الميم وكسر اللام، و «اللحم الطري» الحوت وهو موجود في البحرين، وكذلك الْفُلْكَ تجري في البحرين، وبقيت «الحلية» وهي اللؤلؤ والمرجان، فقال الزجاج وغيره هذه عبارة تقتضي أن الحلية تخرج منهما، وهي إنما تخرج من الملح وذلك تجوز كما قال في آية أخرى يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: ٢٢] ، وكما قال امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
[الأنعام: ١٢٨] ، والرسل إنما هي من الإنس، وقال بعض الناس بل الحلية تخرج من البحرين، وذلك أن صدف اللؤلؤ إنما يلحقه فيما يزعمون ماء النيسان، فمنه ما يخرج ويوجد الجوهر فيه، ومنه ما ينشق في البحر عند موته وتقطعه، فيخرج جوهره بالعطش وغير ذلك من الحيل، فهذا هو من الماء الفرات، فنسب إليه الإخراج لما كان من الحلية بسبب، وأيضا فإن المرجان يزعم طلابه في البحر أنه إنما يوجد وينبت في موضع بإزائها انصباب ماء أنهار في البحر وأيضا فإن البحر الفرات كله ينصب في البحر الأجاج فيجيء الإخراج منهما جميعا.
قال القاضي أبو محمد: وقد خطىء أبو ذؤيب في قوله في صفة الجوهر: [الطويل]
فجاء بها ما شئت من لطمية ... وجهها ماء الفرات يموج
وليس ذلك بخطإ على ما ذكرنا من تأويل هذه الفرقة، والْفُلْكَ في هذا الموضع جمع بدليل صفته بجمع، ومَواخِرَ جمع ماخرة وهي التي تمخر الماء أي تشقه، وقيل الماخرة التي تشق الريح، وحينئذ يحدث الصوت، والمخر الصوت الذي يحدث من جري السفينة بالريح، وعبر المفسرون عن هذا بعبارات لا تختص باللفظة، فقال بعضهم «المواخر» التي تجيء وتذهب بريح واحدة، وقال مجاهد الريح تمخر السفن ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام.
قال القاضي أبو محمد: هكذا وقع لفظه في البخاري، والصواب أن تكون الْفُلْكَ هي الماخرة لا الممخورة وقوله تعالى: لِتَبْتَغُوا يريد بالتجارات والحج والغزو وكل سفر له وجه شرعي.
قوله :
стр. 2103
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٣ الى ١٤]
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)
يُولِجُ معناه يدخل، وهذه عبارة عن أن ما نقص من اللَّيْلَ زاد فِي النَّهارِ، فكأنه دخل فيه، وكذلك ما نقص من النَّهارِ يدخل فِي اللَّيْلِ والألف واللام في الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ هي للعهد، وقيل هي زائدة لا معنى لها ولا تعريف وهذا أصوب، و «الأجل المسمى» هو قيام الساعة، وقيل آماد الليل وآماد النهار، ف «أجل» على هذا اسم جنس، وقرأ جمهور الناس «تدعون» بالتاء، وقرأ الحسن ويعقوب «يدعون» بالياء من تحت، و «القطمير» القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة هذا قول الناس الحجة، وقال جوبير عن رجاله «القطمير» القمع الذي في رأس التمرة، وقاله الضحاك والأول أشهر وأصوب، ثم بين تعالى أمر الأصنام بثلاثة أشياء كلها تعطي بطلانها: أولها أنها لا تسمع إن دعيت، والثاني أنها لا تجيب أن لو سمعت وإنما جاء بهذه لأن لقائل متعسف أن يقول عساها تسمع، والثالث أنها تتبرأ يوم القيامة من الكفار، ويكفرون بشركهم أي بأن جعلوهم شركاء لله فأضاف الشرك إليهم من حيث هم قرروه، فهو مصدر مضاف إلى الفاعل، وقوله يَكْفُرُونَ يحتمل أن يكون بكلام، وعبارة يقدر الله الأصنام عليها ويخلق لها إدراكا يقتضيها، ويحتمل أن يكون بما يظهر هناك من جمودها وبطولها عند حركة كل ناطق ومدافعة كل محتج فيجيء هذا على طريق التجوز كما قال ذو الرمة: [الطويل]
وقفت على ربع لمية ناطق ... يخاطبني آثاره وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه
وهذا كثير، وقوله وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال المفسرون قتادة وغيره «الخبير» هنا أراد به تعالى نفسه فهو الخبير الصادق الخبر نبأ بهذا فلا شك في وقوعه، ويحتمل أن يكون قوله وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ من تمام ذكر الأصنام، كأنه قال: ولا يخبرك مثل من يخبر عن نفسه أي لا أصدق في تبريها من شرككم منها فيريد بالخبير على هذا المثل له، كأنه قال وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ عن نفسه وهي قد أخبرت عن نفسها بالكفر بهؤلاء.
قوله :
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٥ الى ١٨]
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)
هذه آية موعظة وتذكير، والإنسان فقير إلى الله تعالى في دقائق الأمور وجلائلها لا يستغني عنه طرفة
стр. 2104
عين، وهو به مستغن عن كل واحد، والله تعالى غني عن الناس وعن كل شيء من مخلوقاته غني على الإطلاق، والْحَمِيدُ المحمود بالإطلاق، وقوله تعالى بِعَزِيزٍ أي بممتنع، وتَزِرُ معناه تحمل، والوزر الثقل، وهذه الآية في الذنوب والآثام والجرائم، قاله قتادة وابن عباس ومجاهد، وسببها أن الوليد بن المغيرة قال لقوم من المؤمنين اكفروا بمحمد وعلي وزركم، فحكم الله تعالى بأنه لا يحملها أحد عن أحد، ومن تطرق من الحكام إلى أخذ قريب بقريبه في جريمة كفعل زيادة ونحوه فإنما ذلك لأن المأخوذ ربما أعان المجرم بمؤازرة ومواصلة أو اطلاع على حاله وتقرير لها، فهو قد أخذ من الجرم بنصيب، وهذا هو المعنى في قوله تعالى وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: ١٣] لأنهم أغووهم، وهو معنى قوله ﷺ «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة بعده، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده» ، وأنثت وازِرَةٌ لأنه ذهب بها مذهب النفس وعلى ذلك أجريت مُثْقَلَةٌ، و «الحمل» ما كان على الظهر في الأجرام، ويستعار للمعاني كالذنوب ونحوها، فيجعل كل محمول متصلا بالظهر، كما يجعل كل اكتساب منسوبا إلى اليد، واسم كانَ مضمر تقديره ولو كان الداعي، ثم أخبر تعالى نبيه ﷺ أنه إنما ينذر أهل الخشية وهم الذين يمنحون العلم، أي إنما ينتفع بالإنذار هم وإلا فلنذارة جميع العالم بعثه، وقوله بِالْغَيْبِ أي وهو بحال غيبة عنهم إنما هي رسالة، ثم خصص من الأعمال إقامة الصلاة تنبيها عليها وتشريفا لها، ثم حض على التزكي بأن رجى عليه غاية الترجية، وقرأ طلحة «ومن أزكى فإنما يزكي» ، ثم توعد بعد ذلك بقوله وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.
قال القاضي أبو محمد: وكل عبارة مقصرة عن تبيين فصاحة هذه الآية، وكذلك كتاب الله كله، ولكن يظهر الأمر لنا نحن في مواضع أكثر منه في مواضع بحسب تقصيرنا.
قوله :
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٩ الى ٢٦]
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣)
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)
مضمن هذه الآية طعن على الكفرة وتمثيل لهم بالعمى والظلمات وتمثيل المؤمنين بآرائهم بالبصراء والأنوار، وقوله وَلَا النُّورُ ودخول لَا فيها وفيما بعدها إنما هو على نية التكرار كأنه قال وَلَا الظُّلُماتُ والنور، وَلَا النُّورُ ولا الظلمات، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني ودل مذكور الآية على متروكه، والْحَرُورُ شدة حر الشمس، وقال رؤبة بن العجاج الْحَرُورُ بالليل والسموم بالنهار، وليس
стр. 2105
كما قال وإنما الأمر كما حكى الفراء وغيره أن السموم يختص بالنهار والْحَرُورُ يقال في حر الليل وفي حر النهار، وتأول قوم الظِّلُّ في هذه الآية الجنة، والْحَرُورُ جهنم، وشبه المؤمنين ب الْأَحْياءُ والكفرة ب الْأَمْواتُ من حيث لا يفهمون الذكر ولا يقبلون عليه، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله تعالى بقوله إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ، وقوله وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ تمثيل بما يحسه البشر ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول إنها في القبر بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش وفي قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجين ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور فربما سمعت وكذلك أهل قليب بدر إنما سمعت أرواحهم، وكذلك سماع الميت خفق النعال إنما هو برد روحه عليه عند لقاء الملكين.
قال القاضي أبو محمد: فهذه الآية لا تعارض حديث القليب لأن الله تعالى رد على أولئك أرواحهم في القليب ليوبخهم، وهذا على قول عمر وابنه عبد الله وهو الصحيح إن رسول الله ﷺ قال «ما أنتم بأسمع منهم» ، وأما عائشة فمذهبها أن رسول الله ﷺ لم يسمعهم وأنه إنما قصد توبيخ الأحياء من الكفرة، وجعلت هذه الآية أصلا واحتجت بها، فمثل الله تعالى في هذه الآية الكفرة بالأشخاص التي في القبور، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «بمسمع من» على الإضافة، ثم سلاه بقوله إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ أي ليس عليك غير ذلك، والهداية والإضلال إلى الله تعالى، وبَشِيراً معناه بالنعيم الدائم لمن آمن، وَنَذِيراً معناه بالعذاب الأليم لمن كفر، وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ معناه أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة فهو ممن بلغته لأن آدم بعث إلى بنيه ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد ﷺ ، والآيات التي تتضمن أن قريشا لم يأتهم نذير، معناه نذير مباشر، وما ذكره المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم فإنما ذلك بالفرض لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله، ثم سلى نبيه بما سلف من الأمم لأنبيائهم، و «البينات والزبر والكتاب المنير» شيء واحد، لكنه أكد أوصافه بعضها ببعض وذكره بجهاته و «الزبر» من زبرت الكتاب إذا كتبته، ثم توعد قريشا بذكره أخذ الأمم الكافرة.
قوله :
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)
الرؤية في قوله أَلَمْ تَرَ رؤية القلب، وكل توقيف في القرآن على رؤية فهي رؤية القلب، لأن الحجة بها تقوم، لكن رؤية القلب لا تتركب البتة إلا على حاسة، فأحيانا تكون الحاسة البصر وقد تكون غيره، وهذا يعرف بحسب الشيء المتكلم فيه، وأَنَّ سادت مسد المفعولين الذين للرؤية، هذا مذهب سيبويه لأن أَنَّ جملة مع ما دخلت عليه، ولا يلزم ذلك في قولك رأيت وظننت ذلك، لأن قولك ذلك
следующие страницы →