← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

يتضمن أن قائله عمل عملا أو يعمله في الأنف، وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها كالتوحيد والتسبيح فمقبولة على ما قدمناه، وقرأت فرقة «والعمل» بالنصب «الصالح» على النعت وعلى هذه القراءة ف يَرْفَعُهُ مستند إما إلى الله تعالى وإما إلى الْكَلِمُ، والضمير في يَرْفَعُهُ عائد على الْعَمَلُ لا غير، وقوله يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ إما أنه عدى يَمْكُرُونَ لما أحله محل يكسبون، وإما أنه حذف المفعول وأقام صفته مقامه تقديره يمكرون المكرات السيئات، ويَمْكُرُونَ معناه يتخابثون ويخدعون وهم يظهرون أنهم لا يفعلون، ويَبُورُ معناه يفسد ويبقى لا نفع فيه، وقال بعض المفسرين يدخل في الآية أهل الربا. قال القاضي أبو محمد: ونزول الآية أولا في المشركين. قوله : [سورة فاطر (٣٥) : آية ١١] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) هذه آية تذكير بصفات الله تعالى على نحو ما تقدم، وهذه المحاورة إنما هي في أمر الأصنام وفي بعث الأجساد من القبور، وقال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ من حيث خلق آدم أبانا منه، وقوله ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أي بالتناسل من مني الرجال، وأَزْواجاً قيل معناه أنواعا، وقيل أراد تزويج الرجال النساء، وقوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ اختلف الناس في عود الضمير في قوله مِنْ عُمُرِهِ، فقال ابن عباس وغيره ما مقتضاه أنه عائد على مُعَمَّرٍ الذي هو اسم جنس والمراد غير الذي يعمر، أي أن القول يتضمن شخصين يعمر أحدهما مائة سنة أو نحوها وينقص من عمر الآخر بأن يكون عاما واحدا أو نحوه، وهذا قول الضحاك وابن زيد لكنه أعاد ضميرا إيجازا واختصارا، والبيان التام أن تقول ولا ينقص من عمر معمر لأن لفظة مُعَمَّرٍ هي بمنزلة ذي عمر. قال القاضي أبو محمد: كأنه قال «ولا يعمر من ذي عمر ولا ينقص من عمر ذي عمر» ، وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك وابن جبير المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير أي ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصي ما مضى منه إذا مر حول كتب ذلك، ثم حول، ثم حول، فهذا هو النقص، قال ابن جبير ما مضى من عمره فهو النقص وما يستقبل فهو الذي يعمر، وروي عن كعب الأحبار أنه قال المعنى وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ أي لا يخرم بسبب قدرة الله، ولو شاء لأخر ذلك السبب. قال القاضي أبو محمد: وروي أنه قال: حين طعن عمر لو دعا الله تعالى لزاد في أجله، فأنكر عليه المسلمون ذلك وقالوا: إن الله تعالى يقول فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً [الأعراف: ٣٤، النحل: ٦١] فاحتج بهذه الآية وهو قول ضعيف مردود يقتضي القول بالأجلين، وبنحوه تمسكت المعتزلة، وقرأ الحسن والأعرج وابن سيرين «ينقض» على بناء الفعل للفاعل أي ينقص الله، وقرأ «من عمره» بسكون الميم الحسن وداود، و «الكتاب» المذكور في الآية اللوح المحفوظ، وقوله إِنَّ ذلِكَ إشارة إلى تحصيل هذه الأعمال وإحصاء دقائقها وساعاتها.

стр. 2102

قوله : [سورة فاطر (٣٥) : آية ١٢] وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) هذه آية أخرى يستدل بها كل عاقل ويقطع أنها مما لا مدخل لصنم فيه، والْبَحْرانِ يريد بهما جميع الماء الملح وجميع الماء العذب حيث كان، فهو يعني به جملة هذا وجملة هذا، و «الفرات» الشديد العذوبة، و «الأجاج» الشديد الملوحة الذي يميل إلى المرارة من ملوحته، قال الرماني هو من أججت النار كأنه يحرق من حرارته، وقرأ عيسى الثقفي «سيّغ شرابه» بغير ألف وبشد الياء، وقرأ طلحة «ملح» بفتح الميم وكسر اللام، و «اللحم الطري» الحوت وهو موجود في البحرين، وكذلك الْفُلْكَ تجري في البحرين، وبقيت «الحلية» وهي اللؤلؤ والمرجان، فقال الزجاج وغيره هذه عبارة تقتضي أن الحلية تخرج منهما، وهي إنما تخرج من الملح وذلك تجوز كما قال في آية أخرى يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: ٢٢] ، وكما قال امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام: ١٢٨] ، والرسل إنما هي من الإنس، وقال بعض الناس بل الحلية تخرج من البحرين، وذلك أن صدف اللؤلؤ إنما يلحقه فيما يزعمون ماء النيسان، فمنه ما يخرج ويوجد الجوهر فيه، ومنه ما ينشق في البحر عند موته وتقطعه، فيخرج جوهره بالعطش وغير ذلك من الحيل، فهذا هو من الماء الفرات، فنسب إليه الإخراج لما كان من الحلية بسبب، وأيضا فإن المرجان يزعم طلابه في البحر أنه إنما يوجد وينبت في موضع بإزائها انصباب ماء أنهار في البحر وأيضا فإن البحر الفرات كله ينصب في البحر الأجاج فيجيء الإخراج منهما جميعا. قال القاضي أبو محمد: وقد خطىء أبو ذؤيب في قوله في صفة الجوهر: [الطويل] فجاء بها ما شئت من لطمية ... وجهها ماء الفرات يموج وليس ذلك بخطإ على ما ذكرنا من تأويل هذه الفرقة، والْفُلْكَ في هذا الموضع جمع بدليل صفته بجمع، ومَواخِرَ جمع ماخرة وهي التي تمخر الماء أي تشقه، وقيل الماخرة التي تشق الريح، وحينئذ يحدث الصوت، والمخر الصوت الذي يحدث من جري السفينة بالريح، وعبر المفسرون عن هذا بعبارات لا تختص باللفظة، فقال بعضهم «المواخر» التي تجيء وتذهب بريح واحدة، وقال مجاهد الريح تمخر السفن ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام. قال القاضي أبو محمد: هكذا وقع لفظه في البخاري، والصواب أن تكون الْفُلْكَ هي الماخرة لا الممخورة وقوله تعالى: لِتَبْتَغُوا يريد بالتجارات والحج والغزو وكل سفر له وجه شرعي. قوله :

стр. 2103

[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٣ الى ١٤] يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) يُولِجُ معناه يدخل، وهذه عبارة عن أن ما نقص من اللَّيْلَ زاد فِي النَّهارِ، فكأنه دخل فيه، وكذلك ما نقص من النَّهارِ يدخل فِي اللَّيْلِ والألف واللام في الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ هي للعهد، وقيل هي زائدة لا معنى لها ولا تعريف وهذا أصوب، و «الأجل المسمى» هو قيام الساعة، وقيل آماد الليل وآماد النهار، ف «أجل» على هذا اسم جنس، وقرأ جمهور الناس «تدعون» بالتاء، وقرأ الحسن ويعقوب «يدعون» بالياء من تحت، و «القطمير» القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة هذا قول الناس الحجة، وقال جوبير عن رجاله «القطمير» القمع الذي في رأس التمرة، وقاله الضحاك والأول أشهر وأصوب، ثم بين تعالى أمر الأصنام بثلاثة أشياء كلها تعطي بطلانها: أولها أنها لا تسمع إن دعيت، والثاني أنها لا تجيب أن لو سمعت وإنما جاء بهذه لأن لقائل متعسف أن يقول عساها تسمع، والثالث أنها تتبرأ يوم القيامة من الكفار، ويكفرون بشركهم أي بأن جعلوهم شركاء لله فأضاف الشرك إليهم من حيث هم قرروه، فهو مصدر مضاف إلى الفاعل، وقوله يَكْفُرُونَ يحتمل أن يكون بكلام، وعبارة يقدر الله الأصنام عليها ويخلق لها إدراكا يقتضيها، ويحتمل أن يكون بما يظهر هناك من جمودها وبطولها عند حركة كل ناطق ومدافعة كل محتج فيجيء هذا على طريق التجوز كما قال ذو الرمة: [الطويل] وقفت على ربع لمية ناطق ... يخاطبني آثاره وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه وهذا كثير، وقوله وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال المفسرون قتادة وغيره «الخبير» هنا أراد به تعالى نفسه فهو الخبير الصادق الخبر نبأ بهذا فلا شك في وقوعه، ويحتمل أن يكون قوله وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ من تمام ذكر الأصنام، كأنه قال: ولا يخبرك مثل من يخبر عن نفسه أي لا أصدق في تبريها من شرككم منها فيريد بالخبير على هذا المثل له، كأنه قال وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ عن نفسه وهي قد أخبرت عن نفسها بالكفر بهؤلاء. قوله : [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٥ الى ١٨] يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) هذه آية موعظة وتذكير، والإنسان فقير إلى الله تعالى في دقائق الأمور وجلائلها لا يستغني عنه طرفة

стр. 2104

عين، وهو به مستغن عن كل واحد، والله تعالى غني عن الناس وعن كل شيء من مخلوقاته غني على الإطلاق، والْحَمِيدُ المحمود بالإطلاق، وقوله تعالى بِعَزِيزٍ أي بممتنع، وتَزِرُ معناه تحمل، والوزر الثقل، وهذه الآية في الذنوب والآثام والجرائم، قاله قتادة وابن عباس ومجاهد، وسببها أن الوليد بن المغيرة قال لقوم من المؤمنين اكفروا بمحمد وعلي وزركم، فحكم الله تعالى بأنه لا يحملها أحد عن أحد، ومن تطرق من الحكام إلى أخذ قريب بقريبه في جريمة كفعل زيادة ونحوه فإنما ذلك لأن المأخوذ ربما أعان المجرم بمؤازرة ومواصلة أو اطلاع على حاله وتقرير لها، فهو قد أخذ من الجرم بنصيب، وهذا هو المعنى في قوله تعالى وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: ١٣] لأنهم أغووهم، وهو معنى قوله ﷺ «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة بعده، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده» ، وأنثت وازِرَةٌ لأنه ذهب بها مذهب النفس وعلى ذلك أجريت مُثْقَلَةٌ، و «الحمل» ما كان على الظهر في الأجرام، ويستعار للمعاني كالذنوب ونحوها، فيجعل كل محمول متصلا بالظهر، كما يجعل كل اكتساب منسوبا إلى اليد، واسم كانَ مضمر تقديره ولو كان الداعي، ثم أخبر تعالى نبيه ﷺ أنه إنما ينذر أهل الخشية وهم الذين يمنحون العلم، أي إنما ينتفع بالإنذار هم وإلا فلنذارة جميع العالم بعثه، وقوله بِالْغَيْبِ أي وهو بحال غيبة عنهم إنما هي رسالة، ثم خصص من الأعمال إقامة الصلاة تنبيها عليها وتشريفا لها، ثم حض على التزكي بأن رجى عليه غاية الترجية، وقرأ طلحة «ومن أزكى فإنما يزكي» ، ثم توعد بعد ذلك بقوله وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ. قال القاضي أبو محمد: وكل عبارة مقصرة عن تبيين فصاحة هذه الآية، وكذلك كتاب الله كله، ولكن يظهر الأمر لنا نحن في مواضع أكثر منه في مواضع بحسب تقصيرنا. قوله : [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٩ الى ٢٦] وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦) مضمن هذه الآية طعن على الكفرة وتمثيل لهم بالعمى والظلمات وتمثيل المؤمنين بآرائهم بالبصراء والأنوار، وقوله وَلَا النُّورُ ودخول لَا فيها وفيما بعدها إنما هو على نية التكرار كأنه قال وَلَا الظُّلُماتُ والنور، وَلَا النُّورُ ولا الظلمات، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني ودل مذكور الآية على متروكه، والْحَرُورُ شدة حر الشمس، وقال رؤبة بن العجاج الْحَرُورُ بالليل والسموم بالنهار، وليس

стр. 2105

كما قال وإنما الأمر كما حكى الفراء وغيره أن السموم يختص بالنهار والْحَرُورُ يقال في حر الليل وفي حر النهار، وتأول قوم الظِّلُّ في هذه الآية الجنة، والْحَرُورُ جهنم، وشبه المؤمنين ب الْأَحْياءُ والكفرة ب الْأَمْواتُ من حيث لا يفهمون الذكر ولا يقبلون عليه، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله تعالى بقوله إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ، وقوله وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ تمثيل بما يحسه البشر ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول إنها في القبر بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش وفي قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجين ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور فربما سمعت وكذلك أهل قليب بدر إنما سمعت أرواحهم، وكذلك سماع الميت خفق النعال إنما هو برد روحه عليه عند لقاء الملكين. قال القاضي أبو محمد: فهذه الآية لا تعارض حديث القليب لأن الله تعالى رد على أولئك أرواحهم في القليب ليوبخهم، وهذا على قول عمر وابنه عبد الله وهو الصحيح إن رسول الله ﷺ قال «ما أنتم بأسمع منهم» ، وأما عائشة فمذهبها أن رسول الله ﷺ لم يسمعهم وأنه إنما قصد توبيخ الأحياء من الكفرة، وجعلت هذه الآية أصلا واحتجت بها، فمثل الله تعالى في هذه الآية الكفرة بالأشخاص التي في القبور، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «بمسمع من» على الإضافة، ثم سلاه بقوله إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ أي ليس عليك غير ذلك، والهداية والإضلال إلى الله تعالى، وبَشِيراً معناه بالنعيم الدائم لمن آمن، وَنَذِيراً معناه بالعذاب الأليم لمن كفر، وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ معناه أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة فهو ممن بلغته لأن آدم بعث إلى بنيه ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد ﷺ ، والآيات التي تتضمن أن قريشا لم يأتهم نذير، معناه نذير مباشر، وما ذكره المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم فإنما ذلك بالفرض لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله، ثم سلى نبيه بما سلف من الأمم لأنبيائهم، و «البينات والزبر والكتاب المنير» شيء واحد، لكنه أكد أوصافه بعضها ببعض وذكره بجهاته و «الزبر» من زبرت الكتاب إذا كتبته، ثم توعد قريشا بذكره أخذ الأمم الكافرة. قوله : [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٢٧ الى ٢٨] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) الرؤية في قوله أَلَمْ تَرَ رؤية القلب، وكل توقيف في القرآن على رؤية فهي رؤية القلب، لأن الحجة بها تقوم، لكن رؤية القلب لا تتركب البتة إلا على حاسة، فأحيانا تكون الحاسة البصر وقد تكون غيره، وهذا يعرف بحسب الشيء المتكلم فيه، وأَنَّ سادت مسد المفعولين الذين للرؤية، هذا مذهب سيبويه لأن أَنَّ جملة مع ما دخلت عليه، ولا يلزم ذلك في قولك رأيت وظننت ذلك، لأن قولك ذلك

стр. 2106

ليس بجملة كما هي أَنَّ ومذهب الزجاج أن المفعول الثاني محذوف تقديره أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً حقا، ورجع من خطاب بذكر الغائب إلى المتكلم بنون العظمة لأنها أهيب في العبارة، وقوله أَلْوانُها يحتمل أن يريد الحمرة والصفرة والبياض والسواد وغير ذلك، ويؤيد هذا اطراد ذكر هذه الألوان فيما بعد، ويحتمل أن يريد بالألوان الأنواع، والمعتبر فيه على هذا التأويل أكثر عددا، وجُدَدٌ جمع جدة، وهي الطريقة تكون من الأرض والجبل كالقطعة العظيمة المتصلة طولا، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] كأنّ سراته وحدّة متنه ... كنائن يحوي فوقهن دليص وحكى أبو عبيدة في بعض كتبه أنه يقال جُدَدٌ في جمع جديد، ولا مدخل لمعنى الجديد في هذه الآية، وقرأ الزهري «جدد» بفتح الجيم، وقوله وَغَرابِيبُ سُودٌ لفظان لمعنى واحد، وقال النبي ﷺ : «إن الله يبغض الشيخ الغربيب» ، يعني الذي يخضب بالسواد، وقدم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر وكذلك هو في المعنى، لكن كلام العرب الفصيح يأتي كثيرا على هذا النحو، وقوله مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ قبله محذوف إليه يعود الضمير تقديره وَالْأَنْعامِ خلق مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ، وَالدَّوَابِّ يعم الناس والأنعام لكن ذكرا تنبيها منهما، وقوله كَذلِكَ يحتمل أن يكون من الكلام الأول فيجيء الوقف عليه حسنا، وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين، ويحتمل أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب كأنه قال كما جاءت القدرة في هذا كله، إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ أي المحصلون لهذه العبرة الناظرون فيها. قال القاضي أبو محمد: وقال بعض المفسرين الخشية رأس العلم، وهذه عبارة وعظية لا تثبت عند النقد، بل الصحيح المطرد أن يقال العلم رأس الخشية، وسببها والذي ورد عن النبي ﷺ أنه قال «خشية الله رأس كل حكمة» ، وقال ﷺ : «رأس الحكمة مخافة الله» ، فهذا هو الكلام المنير، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية كفى بالزهد علما، وقال مسروق وكفى بالمرء علما أن يخشى الله، وقال تعالى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى [الأعلى: ١] وقال النبي ﷺ : «أعلمكم بالله أشدكم له خشية» ، وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم، ويقال إن فاتحة الزبور رأس الحكمة خشية الله. وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما وبالاغترار، به جهلا، وقال مجاهد والشعبي: إنما العالم من يخشى الله، وإنما في هذه الآية تخصيص الْعُلَماءُ لا للحصر، وهي لفظة تصلح للحصر وتأتي أيضا دونه، وإنما يعلم ذلك بحسب المعنى الذي جاءت فيه، فإذا قلت إنما الشجاع عنترة، وإذا قلت إنما الله إله واحد، بان لك الفرق فتأمله، وهذه الآية بجملتها دليل على الوحدانية والقدرة والقصد بها إقامة الحجة على كفار قريش. قوله :

стр. 2107

[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٢٩ الى ٣١] إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) قال مطرف بن عبد الله بن الشخير هذه آية القراء وهذا على أن يَتْلُونَ بمعنى يقرؤون وإن جعلناها بمعنى يتبعون صح معنى الآية، وكانت في القراء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، وكِتابَ اللَّهِ هو القرآن، وإقامة الصلاة إقامتها بجميع شروطها، والنفقة هي في الصدقات ووجوه البر، فالسر من ذلك هو التطوع والعلانية هو المفروض، ويَرْجُونَ جملة في موضع خبر إِنَّ، وتَبُورَ معناه تكسد ويتعذر ربحها، ويقال تعوذوا بالله من بوار الأيم، واللام في قوله لِيُوَفِّيَهُمْ متعلقة بفعل مضمر يقتضيه لفظ الآية تقديره وعدهم بأن لا تبور، أو فعلوا ذلك كله، أو أطاعوه ونحو هذا من التقديرات، وقوله وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قالت فرقة: هو تضعيف الحسنات من العشر إلى السبعمائة، وتوفية الأجور على هذا هي المجازاة مقابلة، وقالت فرقة: إن التضعيف داخل في توفية الأجور، وأما الزيادة من فضله إما النظر إلى وجهه تعالى، وإما أن يجعلهم شافعين في غيرهم، كما قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] وغَفُورٌ معناه متجاوز عن الذنوب ساتر لها، وشَكُورٌ معناه مجاز عن اليسير من الطاعات مقرب لعبده، ثم ثبت تعالى أمر نبيه ﷺ بقوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ الآية، ومُصَدِّقاً حال مؤكدة، والذي بين يدي القرآن هو التوراة والإنجيل، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ، وعيد. قوله : [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٣٢ الى ٣٤] ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) أَوْرَثْنَا معناه أعطيناه فرقة بعد موت فرق، والميراث حقيقة أو مجازا إنما يقال فيما صار لإنسان بعد موت آخر، والْكِتابَ هنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، فكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد ﷺ القرآن وهو قد تضمن لمعاني الكتب المنزلة، قبله، فكأنه ورث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها، والَّذِينَ اصْطَفَيْنا يريد بهم أمة محمد ﷺ قاله ابن عباس وغيره، وكأن اللفظ يحتمل أن يريد به جميع المؤمنين من كل أمة إلا أن عبارة توريث الكتاب لم تكن إلا لأمة محمد ﷺ ، والأول لم يورثوه، واصْطَفَيْنا معناه اخترنا وفضلنا، و «العباد» عام في جميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، واختلف الناس في عود الضمير من قوله فَمِنْهُمْ فقال

стр. 2108

ابن عباس وابن مسعود ما مقتضاه إن الضمير عائد على الَّذِينَ والأصناف الثلاثة هي كلها في أمة محمد ﷺ ، ف «الظالم لنفسه» العاصي المسرف، و «المقتصد» متقي الكبائر والجمهور من الأمة، و «السابق» المتقي على الإطلاق، وقالت هذه الفرقة والأصناف الثلاثة في الجنة وقاله أبو سعيد الخدري، والضمير في يَدْخُلُونَها عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة: دخلوا الجنة كلهم، وقال كعب الأحبار: استوت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم، وفي رواية تحاكت مناكبهم، وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت مذ ستين سنة فكلهم ناج، وقال عبد الله بن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث، ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، ثم يدخلون الجنة، وثلث يجيئون بذنوب عظام فيقول الله ما هؤلاء وهو أعلم بهم فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا فيقول الله : أدخلوهم في سعة رحمتي، وقالت عائشة في كتاب الثعلبي: «السابق» من أسلم قبل الهجرة، و «المقتصد» من أسلم بعدها، و «الظالم» نحن، وقال الحسن: «السابق» من رجحت حسناته، و «المقتصد» من استوت سيئاته، و «الظالم» من خفت موازينه، وقال سهل بن عبد الله: «السابق» العالم، و «المقتصد» ، المتعلم، و «الظالم» الجاهل، وقال ذو النون المصري: «الظالم» الذاكر لله بلسانه فقط و «المقتصد» الذاكر بقلبه و «السابق» الذي لا ينساه، وقال الأنطاكي: «الظالم» صاحب الأقوال، و «المقتصد» صاحب الأفعال، و «السابق» صاحب الأحوال، وروى أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية وقال: كلهم في الجنة، وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له» ، وقال ﷺ : أنا سابق العرب وسلمان سابق فارس وصهيب سابق الروم وبلال سابق الحبشة» . قال القاضي أبو محمد: أراد ﷺ أن هؤلاء رؤوس السابقين، وقال عثمان بن عفان: سابقنا أهل جهادنا ومقتصدنا أهل حضرنا وظالمنا أهل بدونا، لا يشهدون جماعة ولا جمعة، وقال عكرمة والحسن وقتادة ما مقتضاه أن الضمير في مِنْهُمْ عائد على العباد و «الظالم لنفسه» الكافر والمنافق و «المقتصد» المؤمن العاصي و «السابق» التقي على الإطلاق، وقالوا وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الواقعة: ١٢] والضمير في قوله يَدْخُلُونَها على هذا القول خاص على الفريقين المقتصد والسابق والفرقة الظالمة في النار قالوا وبعيد أن يكون ممن يصطفى ظالم كما يقتضي التأويل الأول، وروي هذا القول عن ابن عباس، وقال بعض العلماء قدم الظالم لأنه لا يتكل إلا على رحمة الله والمقتصد هو المعتدل في أموره لا يسرف في جهة من الجهات بل يلزم الوسط، وقال ﷺ : «خير الأمور أوساطها» ، وقالت فرقة لا معنى لقولها إن قوله تعالى: الَّذِينَ اصْطَفَيْنا هم الأنبياء والظالم منهم لنفسه من وقع في صغيرة. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود من غير ما وجه، وقرأ جمهور الناس «سابق بالخيرات» ، وقرأ أبو عمرو الجوني «سباق بالخيرات» ، وبِإِذْنِ اللَّهِ معناه بأمره ومشيئته فيمن أحب من عباده، وقوله تعالى: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ إشارة إلى الاصطفاء وما يكون عنه من الرحمة، وقال الطبري:

стр. 2109

السبق بالخيرات هو الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، قال في كتاب الثعلبي جمعهم في دخول الجنة لأنه ميراث، والبار والعاق سواء في الميراث مع صحة النسب، فكذلك هؤلاء مع صحة الإيمان، وقرأ جمهور الناس «جنات» بالرفع على البدل من الْفَضْلُ وقرأ الجحدري «جنات» بالنصب بفعل مضمر يفسره يَدْخُلُونَها وقرأ زر بن حبيش «جنة عدن» على الإفراد، وقرأ أبو عمرو وحده «يدخلونها» بضم الياء وفتح الخاء، ورويت عن ابن كثير، وقرأ الباقون «يدخلونها» بفتح الياء وضم الخاء، وأَساوِرَ جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، ويقال سوار بضم السين، وفي حرف أبي أساوير، وهو جمع أسوار وقد يقال ذلك في الحلي، ومشهور أسوار أنه الجيد الرمي من جند الفرس، ويحلون معناه رجالا ونساء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ونافع «ولؤلؤا» بالنصب عطفا على أَساوِرَ، وكان عاصم في رواية أبي بكر يقرأ و «لولؤا» بسكون الواو الأولى دون همز، وبهمز الثانية، وروي عنه ضد هذا همز الأولى، ولا يهمز الثانية، وقرأ الباقون «لؤلؤ» بالهمز وبالخفض عطفا على أَساوِرَ، والْحَزَنَ في هذه الآية عام في جميع أنواع الأحزان، وخصص المفسرون في هذا الموضع فقال أبو الدرداء: حزن أهوال القيامة وما يصيب هناك من ظلم نفسه من الغم والحزن، وقال ابن عباس: حزن جهنم، وقال عطية: حزن الموت، وقال شهر: حزن معيشة الدنيا الخبز ونحوه، وقال قتادة: حزن الدنيا في الخوف أن تتقبل أعمالهم، وقيل غير هذا مما هو جزء من الحزن. قال القاضي أبو محمد: ولا معنى لتخصيص شيء من هذه الأحزان، لأن الحزن أجمع قد ذهب عنهم، وقولهم لَغَفُورٌ شَكُورٌ وصفوه تعالى بأنه يغفر الذنوب ويجازي على القليل من الأعمال الصالحة بالكثير من الثواب، وهذا هو شكره لا رب سواه. قوله : [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٣٥ الى ٣٧] الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) الْمُقامَةِ الإقامة، وهو من أقام، و «المقامة» بفتح الميم القيام وهو من قام، ودارَ الْمُقامَةِ الجنة، و «النصب» تعب البدن، و «اللغوب» تعب النفس اللازم عن تعب البدن، وقال قتادة «اللغوب» الوجع، وقرأ الجمهور «لغوب» بضم اللام، وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي «لغوب» بفتح اللام أي شيء يعيينا، ويحتمل أن يكون مصدرا كالولوع والوضوء، ثم أخبر عن حال الَّذِينَ كَفَرُوا معادلا بذلك الإخبار قبل عن الذين اصطفى، وهذا يؤيد تأويل من قال إن الأصناف الثلاثة هي كلها في الجنة لأن ذكر الكافرين إنما جاء هاهنا، وقوله لا يُقْضى معناه لا يجهز لأنهم لو ماتوا لبطلت حواسهم فاستراحوا، وقرأ الحسن البصري والثقفي «فيموتون» ووجهها العطف على يُقْضى وهي قراءة ضعيفة، وقوله لا يُخَفَّفُ

стр. 2110

عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها لا يعارضه قوله كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [الإسراء: ٩٧] لأن المعنى لا يخفف عنهم نوع عذابهم والنوع في نفسه يدخله أن يخبو أو يسعر ونحو ذلك، وقرأ جمهور القراء، «نجزي» بنصب «كلّ» وبالنون في «نجزي» ، وقرأ أبو عمرو ونافع «يجزى» بضم الياء على بناء الفعل للمفعول «كلّ كفور» برفع «كلّ» ، ويَصْطَرِخُونَ يفتعلون من الصراخ أصله يصترخون فأبدلت التاء طاء لقرب مخرج الطاء من الصاد، وفي الكلام محذوف تقديره يقولون رَبَّنا وطلبوا الرجوع إلى الدنيا في مقالتهم هذه فالتقدير فيقال لهم أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ على جهة التوقيف والتوبيخ، وما في قوله ما يَتَذَكَّرُ ظرفية، واختلف الناس في المدة التي هي حد للتذكير، فقال الحسن بن أبي الحسن: البلوغ، يريد أنه أول حال التذكر، وقال قتادة: ثمان عشرة سنة، وقالت فرقة: عشرون سنة، وحكى الزجاج: سبع عشرة سنة، وقال ابن عباس: أربعون سنة، وهذا قول حسن، ورويت فيه آثار، وروي أن العبد إذا بلغ أربعين سنة ولم يتب مسح الشيطان على وجهه وقال بابي وجه لا يفلح، وقال مسروق بن الأجدع: من بلغ أربعين سنة فليأخذ حذره من الله ومنه قول الشاعر: [الطويل] إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى ... وإن جر أسباب الحياة له العمر وقد قال قوم: الحد خمسون سنة وقد قال الشاعر: [الوافر] أخو الخمسين مجتمع أشدي ... ونجدني مداومة الشؤون وقال الآخر: [الطويل] وإن أمرأ قد سار خمسين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب وقال ابن عباس أيضا وغيره: الحد في ذلك ستون وهي من الأعذار، وهذا أيضا قول حسن متجه، وروي أن رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة نودي أين أبناء الستين» وهو العمر الذي قال الله فيه ما يتذكر فيه من تذكر، وقال ﷺ : «عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر» ، وقرأ جمهور الناس «ما يتذكر فيه من تذكر» ، وقرأ الأعمش «ما يذكر فيه من أذكر» ، والنَّذِيرُ في قول الجمهور الأنبياء وكل نبي نذير أمته ومعاصره، ومحمد ﷺ نذير العالم في غابر الزمان، وقال الطبري وقيل النَّذِيرُ الشيب وهذا قول حسن، إلا أن الحجة إنما تقوم بالنذارة الشرعية وباقي الآية بين. قوله : [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٣٨ الى ٤١] إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١)

стр. 2111

هذا ابتداء تذكير بالله تعالى ودلالة على وحدانيته وصفاته التي لا تنبغي الألوهية إلا معها، و «الغيب» ، ما غاب عن البشر و «ذات الصدور» ما فيها من المعتقدات والمعاني ومنه قول أبي بكر: ذو بطن بنت خارجة، ومنه قول العرب: الذيب مغبوط بذي بطنه، أي بالنفخ الذي فيه فمن يراه يظنه شابعا قريب عهد بأكل، وخَلائِفَ جمع خليفة كسفينة وسفائن ومدينة ومدائن، وقوله فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ فيه حذف مضاف تقديره «فعليه وبال كفره وضرر كفره» ، و «المقت» احتقارك الإنسان من أجل معصيته أو ذنبه الذي يأتيه فإذا احتقرت تعسفا منك فلا يسمى ذلك مقتا، و «الخسار» مصدر من خسر يخسر أي خسروا آخرتهم ومعادهم بأن صاروا إلى النار والعذاب، وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الآية احتجاج على الكفار في بطلان أمر أصنامهم، وقفهم النبي ﷺ بأمر ربه على أصنامهم وطلب منهم أن يعرضوا عليه الشيء الذي خلقته آلهتهم لتقوم حجتهم التي يزعمونها، ثم وقفهم مع اتضاح عجزهم عن خلق شيء على السماوات هل لهم فيها شرك وظاهر أيضا، بعد هذا ثم وقفهم هل عندهم كتاب من الله تعالى ليبين لهم فيه ما قالوه، أي ليس ذلك كله عندهم، ثم أضرب بعد هذا الجحد المقدر فقال: بل إنما يعدون أنفسهم غرورا، وأَ رَأَيْتُمْ يتنزل عند سيبويه منزلة أخبروني، ولذلك لا تحتاج إلى مفعولين، وأضاف الشركاء إليهم من حيث جعلوهم شركاء الله، أي ليس للأصنام شركة بوجه إلا بقولكم فالواجب إضافتها إليكم، وتَدْعُونَ معناه تعبدون، والرؤية في قوله أَرُونِي رؤية بصر، و «الشرك» الشركة مصدر أيضا، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم «بينات» بالجمع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والأعمش وابن وثاب ونافع بخلاف عنه «بينة» بالإفراد والمراد به الجمع، ويحتمل أن يراد به الإفراد كما تقول: أنا من هذا الأمر على واضحة أو على جلية، و «الغرور» الذي كانوا يتعاطونه قولهم إن الأصنام تقرب من الله زلفى ونحوه مما يغبطهم، ولما ذكر تعالى ما يبين فساد أمر الأصنام وقف على الحجة على بطلانها عقب ذلك بذكر عظمته وقدرته ليبين الشيء بضده، وتتأكد حقارة الأصنام بذكر عظمة الله تعالى، فأخبر عن إمساكه السماوات والأرض بالقدرة، وقوله أَنْ تَزُولا معناه كراهة أَنْ تَزُولا، ومعنى الزوال هنا التنقل من مكانها والسقوط من علوها، وقال بعض المفسرين معناه أَنْ تَزُولا عن الدوران، ويظهر من قول عبد الله بن مسعود أن السماء لا تدور وإنما تجري فيها الكواكب وذلك أن الطبري أسند أن جندبا الجبلي رحل إلى كعب الأحباري ثم رجع فقال له عبد الله بن مسعود: حدثنا ما حدثك، فقال: حدثني أن السماء في قطب كقطب الرحا، والقطب عمود على منكب ملك، فقال له عبد الله بن مسعود: لوددت أنك افتديت رحلته بمثل راحلتك ورحلك، ثم قال: ما تمكنت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه، ثم قال: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وكفى بها زوالا أن تدور، ولو دارت لكانت قد زالت، وقوله

стр. 2112

وَلَئِنْ زالَتا قيل أراد يوم القيامة عند طي السماء ونسف الجبال، فكأنه قال ولئن جاء وقت زوالهما، وقيل بل ذلك على جهة التوهم والفرض، ولئن فرضنا زوالهما فكأنه قال ولو زالتا، وقال بعضهم لَئِنْ في هذا الموضع بمعنى لو. قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من الذي قبله، وقرأ ابن أبي عبلة «ولو زالتا» وقوله مِنْ بَعْدِهِ فيه حذف مضاف تقديره من بعد تركه الإمساك، وقالت فرقة: اتصافه بالحلم والغفران في هذه الآية إنما هو إشارة إلى أن السماء كادت تزول والأرض كذلك لإشراك الكفرة فيمسكهما الله حلما منه عن المشركين وتربصا ليغفر لمن آمن منهم، كما قال في آية أخرى تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ [مريم: ٩٠] [الشورى: ٥] . قوله : [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٤٢ الى ٤٣] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (٤٣) الضمير في قوله أَقْسَمُوا لكفار قريش، وذلك أنه روي أن كفار قريش كانت قبل الإسلام تأخذ على اليهود والنصارى في تكذيب بعضهم بعضا وتقول لو جاءنا نحن رسول لكنا أهدى من هؤلاء وهؤلاء، وجَهْدَ أَيْمانِهِمْ منصوب على المصدر، أي بغاية اجتهادهم، وإِحْدَى الْأُمَمِ يريد اليهود والنصارى، و «النفور» البعد عن الشيء والفزع منه والاستبشاع له، واسْتِكْباراً قيل فيه بدل من النفور، وقيل مفعول من أجله، أي نفروا من أجل الاستكبار، وأضاف «المكر» إلى السَّيِّئِ وهو صفة كما قيل دار الآخرة، ومسجد الجامع، وجانب الغربي، وقرأ الجمهور بكسر الهمزة من «السّيّئ» وقرأ حمزة وحده «السّيّئ» بسكون الهمزة وهو في الثانية برفع الهمزة كالجماعة، ولحن هذه القراءة الزجاج ووجهها أبو علي الفارسي بوجوه منها أن يكون أسكن لتوالي الحركات كما قال: «قلت صاحب قوم» على أن المبرد روى هذا قلت صاح، وكما امرؤ القيس: [السريع] اليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل على أن المبرد قد رواه فاشرب وكما قال جرير: [البسيط] سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى ولن تعرفكم العرب وقرأ ابن مسعود «ومكرا سيئا» ، قال أبو الفتح: يعضده تنكير ما قبله من قوله اسْتِكْباراً، ويَحِيقُ معناه يحيط ويحل وينزل ولا يستعمل إلا في المكروه، وقوله إِلَّا بِأَهْلِهِ، أي أنه لا بد أن يحيق بهم إما في الدنيا وإلا ففي الآخرة فعاقبته الفاسدة لهم، وإن حاق في الدنيا بغيرهم أحيانا فعاقبة ذلك على أهله، وقال كعب لابن عباس: إن في التوراة «من حفر حفرة لأخيه وقع فيها» ، فقال ابن عباس: أنا أوجدك هذا في

стр. 2113

كتاب الله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، ويَنْظُرُونَ معناه ينتظرون، و «السنة» الطريقة والعادة، وقوله فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي لتعذيبه الكفرة المكذبين، وفي هذا توعد بين. قوله : [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٤٤ الى ٤٥] أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥) لما توعدهم تعالى في الآية قبلها بسنة الأولين وأن الله تعالى لا يبدلها في الكفرة، وقفهم في هذه الآية على رؤيتهم لما رأوا من ذلك في طريق الشام وغيره كديار ثمود ونحوها، و «يعجزه» معناه يفوته ويفلته، ومِنْ في قوله تعالى: مِنْ شَيْءٍ زائدة مؤكدة، و «عليم قدير» صفتان لائقتان بهذا الموضع، لأن مع العلم والقدرة لا يتعذر شيء، ثم بين تعالى الوجه في إمهاله من أمهل من عباده أن ذلك إنما هو لأن الآخرة من وراء الجميع وفيها يستوفى جزاء كل أحد، ولو جازى في الدنيا على الذنوب لأهلك الجميع، وقوله تعالى: مِنْ دَابَّةٍ مبالغة، والمراد بنو آدم لأنهم المجازون، وقيل المراد الجن والإنس، وقيل كل ما دب على الأرض من الحيوان وأكثره إنما هو لمنفعة ابن آدم وبسببه، والضمير في ظَهْرِها عائد على الْأَرْضِ المتقدم ذكرها، ولو لم يتقدم لها ذكر لأمكن في هذا الموضع لبيان الأمر ولكانت ك تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] ونحوها، و «الأجل المسمى» القيامة، وقوله فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً توعد وفيه للمتقين وعد.

стр. 2114

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة يس هذه السورة مكية بإجماع إلا أن فرقة قالت إن قوله، وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ [يس: ١٢] نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله ﷺ فقال لهم: «دياركم تكتب آثاركم» ، وكره رسول الله ﷺ أن يعروا المدينة، وعلى هذا فالآية مدنية وليس الأمر كذلك، وإنما نزلت الآية بمكة ولكنه احتج بها عليهم في المدينة ووافقها قول النبي ﷺ في المعنى، فمن هنا قال من قال إنها نزلت في بني سلمة، وروى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن لكل شيء قلبا وإن قلب القرآن يس» ، وروت عائشة ﵂ أنه ﵇ قال: «إن في القرآن سورة يشفع قارئها ويغفر لمستمعها وهي يس» ، وقال يحيى بن أبي كثير: من قرأ سورة يس ليلا لم يزل في فرح حتى يصبح ويصدق ذلك التجربة. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) أمال حمزة والكسائي الياء في يس غير مفرطين والجمهور يفتحونها ونافع وسط في ذلك، وقوله تعالى: يس يدخل فيه من الأقوال ما تقدم في الحروف المقطعة في أوائل السور، ويختص هذا بأقوال، منها أن سعيد بن جبير قال: إنه اسم من أسماء محمد ﷺ دليله إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقال السيد الحميري: يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة ... على المودة إلا آل ياسينا وقال ابن عباس: معناه يا إنسان بلسان الحبشة، وقال أيضا ابن عباس في كتاب الثعلبي: هو بلغة طيّىء وذلك أنهم يقولون يا إيسان بمعنى إنسان ويجمعونه على أياسين فهذا منه، وقالت فرقة: «يا» حرف نداء، والسين مقامة مقام الإنسان انتزع منه حرف فأقيم مقامه، ومن قال إنه اسم من أسماء السورة أو من أسماء القرآن فذلك من الأقوال المشتركة في أوائل جميع السور، وقرأ جمهور القراء يس و «نون» [القلم: ١] بسكون النون وإظهارها وإن كانت النون ساكنة تخفى مع الحروف فإنما هذا مع الانفصال، وإن حق هذه الحروف المقطعة في الأوائل أن تظهر، وقرأ عاصم وابن عامر بخلاف عنهما يس وَالْقُرْآنِ

стр. 2115

بإدغام النون في الواو على عرف الاتصال، وقرأ ابن أبي إسحاق بخلاف بنصب النون، وهي قراءة عيسى بن عمرو رواها عن الغنوي، وقال قتادة: يس قسم، قال أبو حاتم: قياس هذا القول نصب النون كما تقول الله لأفعلن كذا، وقرأ الكلبي بضمها وقال هي بلغة طيىء «يا إنسان» ، وقرأ أبو السمال وابن أبي إسحاق بخلاف بكسرها وهذه الوجوه الثلاثة هي للالتقاء، وقال أبو الفتح ويحتمل الرفع أن يكون اجتزاء بالسين من «يا إنسان» ، وقال الزجاج النصب كأنه قال اتل يس وهو مذهب سيبويه على أنه اسم للسورة، ويس مشبهة الجملة من الكلام فلذلك عدت آية بخلاف طس [النحل: ١٤] ولم ينصرف يس للعجمة والتعريف، والْحَكِيمِ المحكم، فيكون فعيل بمعنى مفعل أي أحكم في مواعظه وأوامره ونواهيه، ويحتمل أن يكون الْحَكِيمِ بناء فاعل أي ذو الحكمة، وقوله عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يجوز أن تكون جملة في موضع رفع على أنها خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنها في موضع حال من الْمُرْسَلِينَ، و «الصراط» الطريق، والمعنى على طريق وهدى ومهيع رشاد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «تنزيل» بالرفع على خبر الابتداء وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والحسن والأعرج والأعمش، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «تنزيل» بالنصب على المصدر، واختلف عن عاصم، وهي قراءة طلحة والأشهب وعيسى بن عمر والأعمش بخلاف عنهما. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٦ الى ٩] لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) اختلف المفسرون في قوله ما أُنْذِرَ، فقال عكرمة ما بمعنى الذي، والتقدير الشيء الذي أنذره الآباء من النار والعذاب، ويحتمل أن تكون ما مصدرية على هذا القول من أن الآباء أنذروا. قال القاضي أبو محمد: ف «الآباء» على هذا كله هم الأقدمون على مر الدهور، وقوله تعالى: فَهُمْ، مع هذا التأويل بمعنى فإنهم دخلت الفاء لقطع الجملة من الجملة، وقال قتادة ما نافية أي أن آباءهم لم ينذروا، فالآباء على هذا هم القريبون منهم، وهذه الآية كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ: ٤٤] ، وهذه النذارة المنفية هي نذارة المباشرة والأمر والنهي، وإلا فدعوة الله تعالى من الأرض لم تنقطع قط، وقوله فَهُمْ على هذا، الفاء منه واصلة بين الجملتين ورابطة للثانية بالأولى، وحَقَّ الْقَوْلُ معناه وجب العذاب وسبق القضاء به هذا فيمن لم يؤمن من قريش كمن قتل ببدر وغيرهم، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا الآية قال مكي: قيل هي حقيقة في أحوال الآخرة وإذا دخلوا النار. قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ يضعف هذا القول لأن بصر الكافر يوم القيامة إنما هو حديد يرى قبح حاله، وقال الضحاك: معناه متعناهم من النفقة في سبيل الله، كما

стр. 2116

قال تعالى وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [الإسراء: ٢٣] ، وقال ابن عباس وابن إسحاق: الآية استعارة لحال الكفرة الذين أرادوا محمدا ﷺ بسوء، فجعل الله تعالى هذا مثالا لهم في كفه إياهم عن محمد ﷺ ومنعهم من إذايته حين بيتوه، قال عكرمة: نزلت هذه الآية حين أراد أبو جهل ضربه بالحجر العظيم فمنعه الله تعالى منه، الحديث، وفي غير ذلك من المواطن وقالت فرقة: الآية مستعارة المعاني من منع الله تعالى آباءهم من الإيمان وحوله بينهم وبينه. قال القاضي أبو محمد: وهذا أرجح الأقوال لأنه تعالى لما ذكر أنهم لا يُؤْمِنُونَ بما سبق لهم في الأزل عقب ذلك بأن جعل لهم من المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغللين، والغل ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف والتضييق والتعذيب والأسر ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة هذا معنى التغليل، وقوله تعالى: فَهِيَ يحتمل أن يعود على «الأغلال» أي هي عريضة تبلغ بحرفها الْأَذْقانِ، والذقن مجتمع اللحيين فيضطر المغلول إلى رفع وجهه نحو السماء وذلك هو «الإقماح» وهو نحو الإقناع في الهيئة ونحوه ما يفعله الإنسان والحيوان عند شرب الماء البارد وعند الملوحات والحموضة القوية ونحوه، ويحتمل وهو قول الطبري أن تعود «هي» على الأيدي وإن لم يتقدم لها ذكر لوضوح مكانها من المعنى، وذلك أن الغل إنما يكون في العنق مع اليدين، وروي أن في مصحف ابن مسعود وأبيّ «إنا جعلنا في أيمانهم» ، وفي بعضها «في أيديهم» ، وقد ذكرنا معنى «الإقماح» ، وقال قتادة: المقمح الرافع رأسه، وقال قتادة: مُقْمَحُونَ مضللون عن كل خير، وأرى الناس علي بن أبي طالب ﵁ الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألصقها ورفع رأسه، وقرأ الجمهور «سدّا» بضم السين في الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن مسعود وطلحة وابن وثاب وعكرمة والنخعي وابن كثير «سدا» بفتح السين، وقال أبو علي: قال قوم هما بمعنى واحد أي حائلا يسد طريقهم، وقال عكرمة: ما كان مما يفعله البشر فهو بالضم وما كان خلقة فهو بالفتح. قال القاضي أبو محمد: والسد ما سد وحال، ومنه قول الأعرابي في صفة سحاب: طلع سد مع انتشار الطفل، أي سحاب سد الأفق، ومنه قولهم: جراد سد، ومعنى الآية أن طريق الهدى سد دونهم، وقرأ جمهور الناس «فأغشيناهم» بالغين منقوطة أي جعلنا على أعينهم غشاوة، وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن يعمر وعمر بن عبد العزيز والنخعي وابن سيرين «فأغشيناهم» بالعين غير منقوطة، ورويت عن النبي ﷺ وهي من العشى أي أضعفنا أبصارهم والمعنى فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ رشدا ولا هدى، وقرأ يزيد البربري «فأغشيتهم» بتاء دون ألف وبالغين منقوطة. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ١٠ الى ١٢] وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢) هذه مخاطبة لمحمد ﷺ مضمنها تسلية عنهم أي أنهم قد حتم عليهم بالكفر فسواء

стр. 2117

إنذارك وتركه، والألف في قوله في أَأَنْذَرْتَهُمْ ألف التسوية لأنها ليست باستفهام بل المستفهم والمستفهم مستويان في علم ذلك، وقرأ الجمهور «آنذرتهم» بالمد، وقرأ ابن محيصن والزهري «أنذرتهم» بهمزة واحدة على الخبر، وَسَواءٌ رفع بالابتداء، وقوله أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ جملة من فعلين متعادلين تقدر تقدير فعل واحد هو خبر الابتداء، كأنه قال وسواء عليهم جميع فعلك ففسر هذا الجميع ب أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، ومثله قولهم: سواء عندي أقمت أم قعدت، هكذا ذكر أبو علي في تحقيق الخبر في مثل هذا إذ من الأصول أن الابتداء هو الخبر والخبر هو الابتداء، وقوله إِنَّما تُنْذِرُ ليس على جهة الحصر ب إِنَّما بل على تجهة تخصيص من ينفعه الإنذار، و «اتباع الذكر» هو العمل بما في كتاب الله تعالى والاقتداء به، قال قتادة: الذِّكْرَ القرآن وقوله تعالى: بِالْغَيْبِ أي بالخلوات عند مغيب الإنسان عن عيون البشر، ثم قال تعالى فَبَشِّرْهُ فوحد الضمير مراعاة للفظ من، و «الأجر الكريم» هو كل ما يأخذه الأجير مقترنا بحمد على الأحسن وتكرمة، وكذلك هي للمؤمنين الجنة، ثم أخبر تعالى بإحيائه الموتى ردا على الكفرة، ثم توعدهم بذكره كتب الآثار، وإحصاء كل شيء وكل ما يصنعه الإنسان، فيدخل فيما قدم ويدخل في آثاره لكنه تعالى ذكر الأمر من الجهتين ولينبه على الآثار التي تبقى ويذكر ما قدم الإنسان من خير أو شر، وإلا فذلك كله داخل فيما قدم ابن آدم، وقال قتادة ما قَدَّمُوا معناه من عمل، وقاله ابن زيد ومجاهد وقد يبقى للمرء ما يستن به بعده فيؤجر به أو يأثم، ونظير هذه الآية عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] ، وقوله يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] ، وقرأت فرقة «وآثارهم» بالنصب، وقرأ مسروق «وآثارهم» بالرفع، وقال ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري إن هذه الآية نزلت في بني سلمة حين أرادوا النقلة إلى جانب المسجد، وقد بينا ذلك في أول السورة، وقال ثابت البناني: مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت فحبسني فلما انقضت الصلاة قال لي: مشيت مع زيد بن ثابت إلى الصلاة، فأسرعت في مشيي فحبسني فلما انقضت الصلاة قال: مشيت مع النبي ﷺ إلى الصلاة فأسرعت في مشيي فحبسني، فلما انقضت الصلاة قال لي: يا زيد أما علمت أن الآثار تكتب. قال القاضي أبو محمد: فهذا احتجاج بالآية، وقال مجاهد وقتادة والحسن: والآثار في هذه الآية الخطا، وحكى الثعلبي عن أنس أنه قال: الآثار هي الخطا إلى الجمعة، وقيل الآثار ما يبقى من ذكر العمل فيقتدى به فيكون للعامل أجر من عمل بسنته من بعده، وكذلك الوزر في سنن الشر، وقوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ نصب بفعل مضمر يدل عليه أَحْصَيْناهُ كأنه قال وأحصينا كل شيء أحصيناه، و «الإمام» الكتاب المقتدى به الذي هو حجة، قال مجاهد وقتادة وابن زيد: أراد اللوح المحفوظ، وقالت فرقة: أراد صحف الأعمال. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ١٣ الى ١٧] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)

стр. 2118

الضرب للمثل مأخوذ من الضريب الذي هو الشبه في النوع، كما تقول هذا ضرب هذا، واختلف هل يتعدى فعل ضرب المثل إلى مفعولين أو إلى واحد، فمن قال إنه يتعدى إلى مفعولين جعل هذه الآية مَثَلًا وأَصْحابَ مفعولين لقوله اضْرِبْ، ومن قال إنه يتعدى إلى مفعول واحد جعله مَثَلًا وجعل أَصْحابَ بدلا منه، ويجوز أن يكون المفعول أَصْحابَ ويكون قوله مَثَلًا نصب على الحال، أي في حال تمثيل منك، والْقَرْيَةِ على ما روي عن ابن عباس والزهري وعكرمة أنطاكية، واختلف المفسرون في «المرسلين» فقال قتادة وغيره: كانوا من الحواريين الذين بعثهم عيسى ﵇ حين رفع وصلب الذي ألقي عليه شبهه، فافترق الحواريون في الآفاق فقص الله تعالى هنا قصة الذين نهضوا إلى انطاكية، وقالت فرقة: هؤلاء أنبياء من قبل الله تعالى. قال القاضي أبو محمد: وهذا يرجحه قول الكفرة ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فإنها محاورة إنما تقال لمن ادعى الرسالة عن الله تعالى والآخر محتمل، وذكر النقاش في قصص هذه الآية شيئا يطول والصحة فيه غير متيقنة فاختصرته، واللازم من الآية أن الله تعالى بعث إليها رسولين فدعيا أهل القرية إلى عبادة الله تعالى وحده، وإلى الهدى والإيمان فكذبوهما فشدد الله تعالى أمرهما بثالث وقامت الحجة على أهل القرية، وآمن منهم الرجل الذي جاء يسعى، وقتلوه في آخر أمره، وكفروا فأصابتهم صيحة من السماء فخمدوا، وقرأ جمهور القراء «فعزّزنا» بشد الزاي الأولى على معنى قوينا وشددنا، وبهذا فسر مجاهد وغيره، وقرأ عاصم في رواية المفضل عن أبي بكر «فعززنا» بالتخفيف في الزاي على معنى غلبناهم أمرهم، وفي حرف ابن مسعود «فعززنا بالثالث» بألف ولام، وهذه الأمة أنكرت النبوءة بقولها: وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ، وراجعتهم الرسل بأن يردوا العلم إلى الله تعالى وقنعوا بعلمه وأعلموهم أنهم إنما عليهم البلاغ فقط وما عليهم من هداهم وضلالهم، وفي هذا وعيد لهم. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ١٨ الى ٢١] قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) قال بعض المتأولين: إن أهل هذه القرية أسرع فيهم الجذام عند تكذيبهم المرسلين فلذلك قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ، وقال مقاتل: احتبس عنهم المطر فلذلك قالوه، ومعناه تشاءمنا بكم، مأخوذ من الحكم بالطير، وهو معنى متداول في الأمم وقلما يستعمل تطيرت إلا في الشؤم، وأما حكم الطير عند مستعمليه ففي التيمن وفي الشؤم، والأظهر أن تطير هؤلاء إنما كان بسبب ما دخل قريتهم من اختلاف الكلمة وافتتان الناس، وهذا على نحو تطير قريش بمحمد ﷺ ، وعلى نحو ما خوطب به موسى، وقال

стр. 2119

قتادة: قالوا إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم، ولَنَرْجُمَنَّكُمْ معناه بالحجارة، قاله قتادة، وقولهم ﵈، طائِرُكُمْ مَعَكُمْ، معناه حظكم وما صار إليه من خير وشر معكم، أي من أفعالكم ومن تكسباتكم ليس هو من أجلنا ولا بسببنا بل ببغيكم وكفركم، وبهذا فسر الناس، وسمي الحظ والنصيب طائرا استعارة أي هو مما تحصل عن النظر في الطائر، وكثر استعمال هذا المعنى حتى قالت المرأة الأنصارية: فطار لنا، حين اقتسم المهاجرون، عثمان بن مظعون، ويقول الفقهاء: طار لفلان في المحاصة كذا وكذا، وقرأ ابن هرمز والحسن وعمرو بن عبيد «طيركم معكم» ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر «أإن ذكرتم» بهمزتين الثانية مكسورة على معنى أإن ذكرتم تتطيرون، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير بتسهيل هذه الهمزة الثانية وردها ياء «أين ذكرتم» ، وقرأ الماجشون «أن ذكرتم» بفتح الألف، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «إن ذكرتم» بكسر الألف، وقرأ أبو عمرو في بعض ما روي عنه وزر بن حبيش «أأن ذكرتم» بهمزتين مفتوحتين وشاهده قول الشاعر: [الطويل] أأن كنت داود بن أحوى مرجلا ... فلست براع لابن عمك محرما وقرأ أبو جعفر بن القعقاع والأعمش «أين ذكرتم» بسكون الياء وتخفيف الكاف. قال القاضي أبو محمد: فهي «أين» المقولة في الظرف، وهذه قراءة أبي جعفر وخالد وطلحة وقتادة والحسن في تخفيف الكاف فقط، ثم وصفهم بالإسراف والتعدي، وأخبر تعالى ذكره عن حال رجل جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ سمع من المرسلين وفهم عن الله تعالى فجاء يسعى على قدميه وسمع قولهم فلما فهمه روي أنه تعقب أمرهم وسبرهم بأن قال لهم: أتطلبون على دعوتكم هذه أجرا؟ قالوا: لا، فدعا عند ذلك قومه إلى اتباعهم و «الإيمان بهم» إذ هو الحق ثم احتج عليهم بقوله اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وهم على هدى من الله. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية حاكمة بنقص من يأخذ على شيء من أفعال الشرع التي هي لازمة كالصلاة ونحوها، فإنها كالتبليغ لمن بعث بخلاف ما لا يلزمه كالإمارة والقضاء، وقد ارتزق أبو بكر الصديق ﵁ وروي عن أبي مجلز وكعب الأحبار وابن عباس أن اسم هذا الرجل حبيب وكان نجارا وكان فيما قال وهب بن منبه قد تجذم، فقيل: كان في غار يعبد ربه، وقال ابن أبي ليلى: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة علي بن أبي طالب وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون، وذكر الناس من أسماء الرسل صادق وصدوق وشلوم وغير هذا والصحة معدومة فاختصرته. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٢٢ الى ٢٧] وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)

стр. 2120

قرأ الجمهور «ومالي» بفتح الياء، وقرأ الأعمش وحمزة بسكون الياء، وقد تقدم مثل هذا، وقوله تعالى: وَما لِيَ تقرير لهم على جهة التوبيخ في هذا الأمر الذي يشهد العقل بصحته أن من فطر واخترع وأخرج من العدم إلى الوجود فهو الذي يستحق أن يعبد، ثم أخبرهم بأنهم يحشرون إليه يوم القيامة، ثم وقفهم أيضا على جهة التوبيخ على اتخاذ الآلهة من دون الله تعالى، وهي لا ترد عن الإنسان المقادير التي يريدها الله تعالى به لا بقوة منها ولا بشفاعة، وقرأ طلحة السمان وعيسى الهمداني «أن يردني» بياء مفتوحة، ورويت عن نافع وعاصم وأبي عمرو، ثم صدع رضي الله تعالى عنه بإيمانه وأعلن فقال إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ واختلف المفسرون في قوله فَاسْمَعُونِ فقال ابن عباس وكعب ووهب: خاطب بها قومه. قال القاضي أبو محمد: على جهة المبالغة والتنبيه، وقيل خاطب بها الرسل على جهة الاستشهاد بهم والاستحفاظ عندهم، وقرأ الجمهور «فاسمعون» بكسر النون على نية الياء بعد ها وروى أبو بكر عن عاصم «فاسمعون» بفتح النون قال أبو حاتم: هذا خطأ لأنه أمر، فإما حذف النون وإما كسرها على نية الياء. قال القاضي أبو محمد: وهنا محذوف تواترت به الأحاديث والروايات، وهو أنهم قتلوه،. واختلف كيف، فقال قتادة وغيره: رجموه بالحجارة، وقال عبد الله بن مسعود: مشوا عليه بأقدامهم حتى خرج قصبه من دبره، فقيل له عند موته ادْخُلِ الْجَنَّةَ وذلك والله أعلم بأن عرض عليه مقعده منها، وتحقق أنه من ساكنيها برؤيته ما أقر عينه، فلما تحصل له ذلك تمنى أن يعلم قومه بذلك، وقيل أراد بذلك الإشفاق والتنصح لهم، أي لو علموا بذلك لآمنوا بالله تعالى، وقيل أراد أن يعلموا ذلك فيندموا على فعلهم به ويحزنهم ذلك، وهذا موجود في جبلة البشر إذا نال خيرا في بلد غربة ود أن يعلم ذلك جيرانه وأترابه الذين نشأ فيهم ولا سيما في الكرامات، ونحو من ذلك قول الشاعر: والعز مطلوب وملتمس ... وأحبه ما نيل في الوطن قال القاضي أبو محمد: والتأويل الأول أشبه بهذا العبد الصالح، وفي ذلك قال النبي ﷺ «نصح قومه حيا وميتا» ، وقال قتادة بن دعامة: نصحهم على حالة الغضب والرضى، وكذلك لا تجد المؤمن إلا ناصحا للناس، و «ما» في قوله تعالى: بِما يجوز أن تكون مصدرية أي بغفران ربي لي، ويجوز أن تكون بمعنى الذي، وفي غفر ضمير عائد محذوف قال الزهراوي: ويجوز أن يكون استفهاما، ثم ضعفه. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٢٨ الى ٣٢] وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)

стр. 2121

هذه مخاطبة لمحمد ﷺ فيها توعد لقريش إذ هذا هو المروع لهم من المثال، أي ينزل بهم من عذاب الله ما نزل بقوم حبيب النجار، فنفى ، أي أنه ما أنزل على قوم هذا الرجل مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ، فقال مجاهد: أراد أنه لم يرسل رسولا ولا استعتبهم، قال ابن مسعود: أراد لم يحتج في تعذيبهم إلى جند من جنود الله تعالى كالحجارة والغرق والريح وغير ذلك بل كانت صيحة واحدة لأنهم كانوا أيسر وأهون من ذلك، قال قتادة: والله ما عاتب الله تعالى قومه بعد قتله حتى أهلكهم، واختلف المتأولون في قوله وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ، فقالت فرقة ما كُنَّا مُنْزِلِينَ، ما نافية وهذا يجري مع التأويل الثاني في قوله، ما أَنْزَلْنا مِنْ جُنْدٍ، وقالت فرقة وَما عطف على جُنْدٍ أي من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم قبل ذلك، وقرأ الجمهور «إلا صيحة» بالنصب على خبر «كان» ، أي ما كان عذابهم إلا صيحة واحدة، وقرأ أبو جعفر ومعاذ بن الحارث «إلا صيحة» بالرفع، وضعفها أبو حاتم، والوجه فيها أنها ليست «كان» التي تطلب الاسم والخبر، وإنما التقدير ما وقعت أو حدثت إلا صيحة واحدة، وقرأ ابن مسعود وعبد الرحمن بن الأسود إلا زقية «وهي الصيحة» من الديك ونحوه من الطير، وخامِدُونَ ساكنون موتى لاطئون بالأرض شبهوا بالرماد الذي خمدت ناره وطفئت، وقوله يا حَسْرَةً نداء لها على معنى هذا وقت حضورك وظهورك هذا تقدير نداء مثل هذا عند سيبويه، وهو معنى قويم في نفسه، وهو نداء منكور على هذا القراءة، قال الطبري: المعنى «يا حسرة العباد على أنفسهم» ، وذكر أنها في بعض القراءات كذلك، وقال ابن عباس: «يا ويلا العباد» ، وقرأ ابن عباس والضحاك وعلي بن الحسين ومجاهد وأبي بن كعب «يا حسرة العباد» ، بإضافتها، وقول ابن عباس حسن مع قراءته، وتأويل الطبري في ذلك القراءة الأولى ليس بالبين وإنما يتجه أن يكون المعنى تلهفا على العباد، كأن الحال يقتضيه وطباع كل بشر توجب عند سماعه حالهم وعذابهم على الكفر وتضييعهم أمر الله تعالى أن يشفق ويتحسر على العباد، وقال أبو العالية: المراد ب الْعِبادِ الرسل الثلاثة، فكأن هذا التحسر هو من الكفار حين رأوا عذاب الله تلهفوا على ما فاتهم، وقوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ الآية، يدافع هذا التأويل، والحسرة التلهفات التي تترك صاحبها حسيرا، وقرأ الأعرج بن جندب وأبو الزناد «يا حسرة» بالوقف على الهاء وذلك للحرص على بيان معنى التحسر وتقريره للنفس، والنطق بالهاء في مثل هذا أبلغ في التشفيق وهز النفس كقولهم: أوه ونحوه، وقوله ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ الآية، تمثيل لفعل قريش ثم عناهم بقوله أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ، وكَمْ هنا خبرية، وأَنَّهُمْ بدل منها، والرؤية رؤية البصر، وفي قراءة ابن مسعود «أو لم يروا من أهلكنا» ، وقرأ جمهور القراء «أنهم» بفتح الألف، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «إنهم» بكسرها، وقرأ جمهور الناس «لما جميع» بتخفيف الميم وذلك على زيادة «ما» للتأكيد، والمعنى لجميع، وقرأ الحسن وابن جبير وعاصم «لمّا» بشد الميم، قالوا هي منزلة منزلة «إلا» ، وقيل المراد «لمما» حذفت الميم الواحدة وفيها ضعف، وفي حرف أبيّ و «إن منهم إلا جميع» ، ومُحْضَرُونَ قال قتادة: محشرون يوم القيامة.

стр. 2122

قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٦] وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ معناه علامة على الحشر وبعث الأجساد، والضمير في لَهُمُ يراد به كفار قريش، وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر، «الميّتة» بكسر الياء وشدها، وقرأ أبو عمرو وعاصم «الميتة» بسكون الياء، وإحياؤها بالمطر، وقرأ جمهور الناس «من ثمره» بفتح الثاء والميم، وقرأ طلحة وابن وثاب وحمزة والكسائي «من ثمرة» بضمهما، وقرأ الأعمش «من ثمره» بضم الثاء وسكون الميم، والضمير في ثَمَرِهِ قالت فرقة هو عائد على الماء الذي يتضمنه قوله وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ لأن التقدير ماء، وقالت فرقة هو عائد على جميع ما تقدم مجملا، كأنه قال: من ثمر ما ذكرنا، وقال أبو عبيدة: هو من باب أن يذكر الإنسان شيئين أو ثلاثة ثم يعيد الضمير على واحد ويكني عنه، كما قال الشاعر، وهو الأزرق بن طرفة بن العمرد القارضي الباهلي: [الطويل] رماني بذنب كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطويّ رماني قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه في الآية ضعيف، وما في قوله تعالى: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ قال الطبري: هي اسم معطوف على الثمر أي يقع الأكل من الثمر ومما عملته الأيدي بالغرس والزراعة ونحوه، وقالت فرقة: هي مصدرية وقيل هي نافية، والتقدير أنهم يأكلون من ثمره وهي شيء لم تعمله أيديهم بل هي نعمة من الله عليهم، وقرأ جمهور الناس «عملته» بالهاء الضمير، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وطلحة وعيسى «عملت» بغير ضمير، ثم نزه نفسه تعالى تنزيها مطلقا في كل ما يلحد به ملحد أو يشرك مشرك، والْأَزْواجَ الأنواع من جميع الأشياء، وقوله تعالى: وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ نظير قوله وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [النمل: ٨] . قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٣٧ الى ٤٠] وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) هذه الآيات جعلها الله أدلة على القدرة ووجوب الألوهية له، ونَسْلَخُ معناه نكشط

стр. 2123

ونقشر، فهي استعارة، ومُظْلِمُونَ داخلون في الظلام، واستدل قوم من هذه الآية على أن الليل أصل والنهار فرع طار عليه، وفي ذلك نظر، و «مستقر الشمس» على ما روي في الحديث عن النبي ﷺ من طريق أبي ذؤيب «بين يدي العرش تمجد فيه كل ليلة بعد غروبها» ، وفي حديث آخر «أنها تغرب في عين حمئة ولها ثم وجبة عظيمة» ، وقالت فرقة: مستقرها هو في يوم القيامة حين تكون فهي تجري لذلك المستقر، وقالت فرقة: مستقرها كناية عن غيوبها لأنها تجري كل وقت إلى حد محدود تغرب فيه، وقيل: مستقرها آخر مطالعها في المنقلبين لأنهما نهاية مطالعها فإذا استقر وصولها كرت راجعة وإلا فهي لا تستقر عن حركتها طرفة عين، ونحا إلى هذا ابن قتيبة، وقالت فرقة: مستقرها وقوفها عند الزوال في كل يوم، ودليل استقرارها وقوف ظلال الأشياء حينئذ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح وأبو جعفر ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، «والشمس تجري لا مستقر لها» ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والحسن والأعرج «والقمر» بالرفع عطفا على قوله وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ عطف جملة على جملة ويصح وجه آخر وهو أن يكون قوله وَآيَةٌ ابتداء وخبره محذوف، كأنه قال: في الوجود وفي المشاهدة، ثم فسر ذلك بجملتين من ابتداء وخبر وابتداء وخبر، الأولى منهما اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ، والثانية وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ، وقرأ الباقون «والقمر قدرناه» بنصب «القمر» على إضمار فعل يفسره قَدَّرْناهُ، وهي قراءة أبي جعفر وابن محيصن والحسن بخلاف عنه، ومَنازِلَ نصب على الظرف، وهذه المنازل المعروفة عند العرب وهي ثمانية وعشرون منزلة يقطع القمر منها كل ليلة أقل من واحدة فيما يزعمون، وعودته هي استهلاله رقيقا، وحينئذ يشبه «العرجون» وهو الغصن من النخلة الذي فيه شماريخ التمر فإنه ينحني ويصفر إذا قدم ويجيء أشبه شيء بالهلال قاله الحسن بن أبي الحسن، والوجود تشهد به، وقرأ سليمان التيمي «كالعرجون» بكسر العين، والْقَدِيمِ معناه العتيق الذي قد مر عليه زمن طويل، ويَنْبَغِي هنا مستعملة فيما لا يمكن خلافه لأنها لا قدرة لها على غير ذلك، وقرأ الجمهور «سابق النهار» بالإضافة، وقرأ عبادة «سابق النهار» دون تنوين في القاف، وبنصب «النهار» ذكره الزهراوي وقال: حذف التنوين تخفيفا، و «الفلك» فيما روي عن ابن عباس متحرك مستدير كفلكة المغزل من الكواكب، ويَسْبَحُونَ معناه يجرون ويعومون، قال مكي: لما أسند إليها فعل من يعقل جمعت بالواو والنون. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٤١ الى ٤٦] وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) آيَةٌ معناه علامة ودليل، ورفعها بالابتداء وخبره في قوله لَهُمْ، وأَنَّا بدل من آيَةٌ وفيه

стр. 2124

نظر، ويجوز أن تكون «أن» مفسرة لا موضع لها من الإعراب، والحمل منع الشيء أن يذهب سفلا، وذكر الذرية لضعفهم عن السفر فالنعمة فيهم أمكن، وقرأ نافع وابن عامر والأعمش «ذرياتهم» بالجمع، وقرأ الباقون «ذريتهم» بالإفراد، وهي قراءة طليحة وعيسى، والضمير المتصل بالذريات هو ضمير الجنس، كأنه قال ذريات جنسهم أو نوعهم هذا أصح ما اتجه في هذا، وخلط بعض الناس في هذا حتى قالوا الذرية تقع على الآباء وهذا لا يعرف لغة، وأما معنى الآية فيحتمل تأويلين: أحدهما قاله ابن عباس وجماعة، وهو أن يريد ب «الذريات المحمولين» أصحاب نوح في السفينة، ويريد بقوله مِنْ مِثْلِهِ السفن الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم القيامة، وإياها أراد الله تعالى بقوله وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ، والتأويل الثاني قاله مجاهد والسدي وروي عن ابن عباس أيضا هو أن يريد بقوله أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ السفن الموجودة في بني آدم إلى يوم القيامة ويريد بقوله وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ الإبل وسائر ما يركب فتكون المماثلة في أنه مركوب مبلغ إلى الأقطار فقط، ويعود قوله وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ على السفن الموجودة في الناس، وأما من خلط القولين فجعل الذرية في الفلك في قوم نوح في سفينة وجعل مِنْ مِثْلِهِ في الإبل فإن هذا نظر فاسد يقطع به قوله تعالى: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فتأمله، والْفُلْكِ جمع على وزنه هو الإفراد معناه الموفر، ومِنْ في قوله مِنْ مِثْلِهِ، يتجه على أحد التأويلين: أن تكون للتبعيض، وعلى التأويل الآخر أن تكون لبيان الجنس فانظره، ويقال الإبل مراكب البر، و «الصريخ» هنا بناء الفاعل بمعنى المصرخ، وذلك أنك تقول صارخ بمعنى مستغيث، ومصرخ بمعنى مغيث، ويجيء صَرِيخَ مرة بمعنى هذا ومرة بمعنى هذا لأن فعيلا من أبنية اسم الفاعل، فمرة يجيء من أصرخ ومرة يجيء من صرخ إذا استغاث، وقوله إِلَّا رَحْمَةً قال الكسائي نصب رَحْمَةً على الاستثناء كأنه قال إلا أن يرحمهم رحمة، وقال الزجاج: نصب رَحْمَةً على المفعول من أجله كأنه قال: إلا لأجل رحمتنا إياهم، ومَتاعاً عطف على رَحْمَةً، وقوله إِلى حِينٍ، يريد إلى آجالهم المضروبة لهم. قال القاضي أبو محمد: والكلام تام في قوله وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ استئناف إخبار عن السائرين في البحر ناجين كانوا أو مغرقين فهم بهذه لا نجاة لهم إلا برحمة الله وليس قوله فَلا صَرِيخَ لَهُمْ مربوطا بالمغرقين، وقد يصح ربطه به والأول أحسن فتأمله، ثم ابتدأ الإخبار عن عتو قريش بقوله وَإِذا قِيلَ لَهُمْ الآية، وما بين أيديهم قال مقاتل وقتادة: هو عذاب الأمم الذي قد سبقهم في الزمن وما خلفهم هو عذاب الآخرة الذي يأتي من بعدهم في الزمن وهذا هو النظر، وقال الحسن: خوفوا بما مضى من ذنوبهم وبما يأتي منها. قال القاضي أبو محمد: فجعل الترتيب كأنهم يسيرون من شيء إلى شيء، ولم يعتبر وجود الأشياء في الزمن، وهذا النظر يكسره عليه قوله تعالى: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ [المائدة: ٤٦] ، وإنما المطرد أن يقاس ما بين اليد والخلف بما يسوقه الزمن فتأمله، وجواب إِذا في هذه الآية محذوف تقديره أعرضوا يفسره قوله بعد ذلك إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ، و «الآيات» العلامات والدلائل.

стр. 2125

قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٤٧ الى ٥٠] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) الضمير في قوله لَهُمْ لقريش، وسبب الآية أن الكفار لما أسلم حواشيهم من الموالي وغيرهم من المستضعفين قطعوا عنهم نفقاتهم وجميع صلاتهم وكان الأمر بمكة أولا فيه بعض الاتصال في وقت نزول آيات الموادعة فندب أولئك المؤمنون قرابتهم من الكفار إلى أن يصلوهم وينفقوا عليهم مما رزقهم الله، فقالوا عند ذلك أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ قال الرماني: ونسوا ما يجب من التعاطف وتآلف المحقين، وقالت فرقة: بل سبب الآية أن قريشا شحت بسبب أزمة على المساكين جميعا، مؤمن وغير مؤمن وندبهم النبي ﷺ إلى النفقة على المساكين فقالوا هذا القول، وقولهم يحتمل معنيين من التأويل: أحدهما يخرج على اختيارات لجهال العرب، فقد روي أن أعرابيا كان يرعى إبله فجعل السمان في الخصب والمهازيل في المكان الجدب فقيل له في ذلك فقال: أكرم ما أكرم الله وأهين ما أهان الله، فيخرج قول قريش على هذا المعنى كأنهم رأوا الإمساك عمن أمسك الله عنه رزقه، ومن أمثالهم «كن مع الله كالمدبر» ، والتأويل الثاني أن يكون كلامهم بمعنى الاستهزاء بقول محمد ﷺ إن ثم إلها هو الرزاق فكأنهم قالوا لم لا يرزقهم إلهك الذي تزعم أي نحن لا نطعم من لو يشاء هذا الإله الذي زعمت أطعمه. قال القاضي أبو محمد: وهذا كما يدعي إنسان أنه غني ثم يحتاج إلى معونتك في مال فتقول له على جهة الاحتجاج والهزء به أتطلب معونتي وأنت غني أي على قولك، وقوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يحتمل أن يكون من قول الكفرة للمؤمنين، أي في أمركم لنا في نفقة أموالنا وفي غير ذلك من دينكم، ويحتمل أن يكون من قول الله للكفرة استئناف وزجرهم بهذا، ثم حكى عنهم على جهة التقرير عليهم قولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ أي متى يوم القيامة الذي تزعم، وقيل أرادوا متى هذا العذاب الذي تهددنا به وسموا ذلك وعدا من حيث قيدته قرائن الكلام أنه في شر والوعد متى ورد مطلقا فهو في خير وإذا قيدته بقرينة الشر استعمل فيه، والوعيد دائما إنما هو في الشر، ويَنْظُرُونَ معناه ينتظرون، وما نافية، وهذه الصيحة هي صيحة القيامة والنفخة الأولى في الصور رواه عبد الله بن عمر وأبو هريرة عن النبي ﷺ ، وفي حديث أبي هريرة أن بعدها نفخة الصعق ثم نفخة الحشر وهي التي تدوم، فما لها من فواق، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأعرج وشبل وابن القسطنطين المكي «يخصّمون» بفتح الياء والخاء وشد الصاد المكسورة، وأصلها يختصمون نقلت حركة التاء إلى الخاء وأدغمت التاء الساكنة في الصاد، وقرأ نافع وأبو عمرو أيضا «يخصّمون» بفتح الياء وسكون الخاء وشد الصاد المكسورة وفي هذه القراءة جمع بين الساكنين ولكنه جمع ليس بجمع محض ووجهها أبو علي، وأصلها يختصمون حذفت

стр. 2126

حركة التاء دون نقل ثم أدغمت في الصاد، وقرأ عاصم والكسائي وابن عامر ونافع أيضا والحسن وأبو عمرو بخلاف عنه «يخصّمون» بفتح الياء وكسر الخاء وشد الصاد المكسورة أصلها يختصمون عللت كالتي قبلها، ثم كسرت للالتقاء، وقرأت فرقة «يخصّمون» بكسر الياء والخاء وشد الصاد المكسورة عللت كالتي قبلها ثم أتبعت كسرة الخاء كسرة الياء، وفي مصحف أبي بن كعب «يختصمون» ومعنى هذه القراءات كلها أنهم يتحاورون ويتراجعون الأقوال بينهم ويتدافعون في شؤونهم، وقرأ حمزة «يختصمون» وهذه تحتمل معنيين أحدهما المذكور في القراءات أي يخصم بعضهم بعضا في شؤونهم والمعنى الثاني يخصمون أهل الحق في زعمهم وظنهم، كأنه قال تأخذهم الصيحة وهم يظنون بأنفسهم أنهم قد خصموا وغللوا لأنك تقول خاصمت فلانا فخصمته إذا غلبته، وقوله تعالى: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً عبارة عن إعجال الحال، والتوصية مصدر من وصى، وقوله تعالى: وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يحتمل ثلاث تأويلات: أحدها ولا يرجع أحد إلى منزله وأهله لإعجال الأمر بل تفيض نفسه حيثما أخذته الصيحة، والثاني معناه وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ قولا وهذا أبلغ في الاستعجال وخص الأهل بالذكر لأن القول معهم في ذلك الوقت أهم على الإنسان من الأجنبيين وأوكد في نفوس البشر، والثالث تقديره وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ أبدا، فخرج هذا عن معنى وصف الاستعجال إلى معنى ذكر انقطاعهم وانبتارهم من دنياهم، وقرأ الجمهور «يرجعون» بفتح الياء وكسر الجيم، وقرأ ابن محيصن بضم الياء وفتح الجيم. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٥١ الى ٥٤] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) هذه نفخة البعث، والصُّورِ القرن في قول جماعة المفسرين وبذلك تواترت الأحاديث، وذهب أبو عبيدة إلى أن الصُّورِ جمع صورة خرج مخرج بسر وبسرة وكذلك قال سورة البناء جمعها سور، والمعنى عنده وعند من قال بقوله نفخ في صور بني آدم فعادوا أحياء، والْأَجْداثِ القبور، وقرأ الأعرج «في الصّور» بفتح الواو جمع صورة، ويَنْسِلُونَ معناه يمشون بسرعة، والنسلان مشية الذئب، ومنه قول الشاعر: عسلان الذيب أمسى قاربا ... برد الليل عليه فنسل وقال ابن عباس: يَنْسِلُونَ يخرجون، وقرأ جمهور الناس «ينسلون» بكسر السين، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو عمرو أيضا «ينسلون» بضمها، ونداؤهم الويل بمعنى هذا وقتك وأوان حضورك وهو منادى مضاف، ويحتمل أن يكون نصب الويل على المصدر والمنادى محذوف، كأنهم قالوا يا قومنا ويلنا، وقرأ ابن أبي ليلى «يا ويلتنا» بتاء التأنيث، وقرأ الجمهور «من بعثنا» بفتح الميم على معنى الاستفهام، وروي

стр. 2127

عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ أنها قرآ «من بعثنا» بكسر الميم على أنها لابتداء الغاية، وسكون العين وكسر الثاء على المصدر، وفي قراءة ابن مسعود، «من أهبنا من مرقدنا» أي من نبهنا، وفي قراءة أبي بن كعب «من هبنا» ، قال أبو الفتح ولم أر لها في اللغة أصلا ولا مر بنا مهبوب، ونسبها أبو حاتم إلى ابن مسعود ﵁، وقولهم مِنْ مَرْقَدِنا يحتمل أن يريدوا من موضع الرقاد حقيقة، ويروى عن أبي بن كعب وقتادة ومجاهد أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في قولهم مِنْ مَرْقَدِنا أنها استعارة وتشبيه، كما تقول في قتيل هذا مرقده إلى يوم القيامة، وفي كتاب الثعلبي: أنهم قالوا مِنْ مَرْقَدِنا لأن عذاب القبر كان كالرقاد في جنب ما صاروا إليه من عذاب جهنم، وقال الزجاج: يجوز أن يكون هذا إشارة إلى المرقد، ثم استأنف بقوله، ما وَعَدَ الرَّحْمنُ ويضمر الخبر حق أو نحوه، وقال الجمهور: ابتداء الكلام هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ، واختلف في هذه المقالة من قالها، فقال ابن زيد: هي من قول الكفرة أي لما رأوا البعث والنشور الذي كانوا يكذبون به في الدنيا قالوا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ وقالت فرقة: ذلك من قول الله تعالى لهم على جهة التوبيخ والتوقيف، وقال الفراء: هو من قول الملائكة، وقال قتادة ومجاهد: هو من قول المؤمنين للكفرة على جهة التقريع، ثم أخبر تعالى أن أمر القيامة والبعث من القبور ما هو إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فإذا الجميع حاضر محشور، وقرأت فرقة «إلا صيحة» بالنصب، وقرأت فرقة «إلا صيحة» بالرفع، وقد تقدم إعراب نظيرها، وقوله فَالْيَوْمَ نصب على الظرف، ويريد يوم القيامة، والحشر المذكور وهذه مخاطبة يحتمل أن تكون لجميع العالم. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٥٥ الى ٦١] إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) هذا إخبار من الله عن حال أهل الجنة بعقب ذكر أهوال يوم القيامة وحالة الكفار، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وطلحة وخالد بن إلياس «في شغل» بضم الشين وسكون الغين، وقرأ الباقون «في شغل» بالضم فيهما وهي قراءة أهل المدينة والكوفة، وقرأ مجاهد وأبو عمرو أيضا بالفتح فيهما، وقرأ ابن هبيرة على المنبر «في شغل» بفتح الشين وسكون الغين وهي كلها بمعنى واحد، واختلف الناس في تعيين هذا الشغل، فقال ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب: في افتضاض الأبكار، وحكى النقاش عن ابن عباس سماع الأوتار، وقال مجاهد معناه نعيم قد شغلهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو القول الصحيح وتعيين شيء دون شيء لا قياس له، ولما كان

стр. 2128

النعيم نوعا واحدا من حيث هو نعيم وحده فقال فِي شُغُلٍ ولو اختلف لقال في أشغال، وحكى الثعلبي عن طاوس أنه قال: لو علم أهل الجنة عمن شغلوا ما همهم ما شغلوا به، قال الثعلبي: وسئل بعض الحكماء عن قوله ﵇ «أكثر أهل الجنة البله» فقال: لأنهم شغلوا بالنعيم عن المنعم، وقرأ جمهور الناس «فاكهون» معناه أصحاب فاكهة كما تقول لابن وتامر وشاحم ولاحم، وقرأ أبو رجاء ومجاهد ونافع أيضا وأبو جعفر «فكهون» ومعناه طربون وفرحون مأخوذ من الفكاهة أي لا همّ لهم، وقرأ طلحة والأعمش وفرقة «فاكهين» جعلت الخبر في الظرف الذي هو قوله فِي شُغُلٍ ونصب «فاكهين» على الحال، وقوله تعالى: هُمْ ابتداء وأَزْواجُهُمْ وفِي ظِلالٍ خبره ويحتمل أن يكون هُمْ بدلا من قوله فاكِهُونَ ويكون قوله فِي ظِلالٍ في موضع الحال كأنه قال مستظلين، وقرأ جمهور القراء «في ظلال» وهو جمع ظل إذ الجنة لا شمس فيها وإنما هواؤها سجسج كوقت الأسفار قبل طلوع الشمس، ويحتمل قوله فِي ظِلالٍ أن يكون جمع ظلة قال أبو علي كبرمة وبرام وغير ذلك، وقال منذر بن سعيد: ظِلالٍ جمع ظلة بكسر الظاء. قال القاضي أبو محمد: وهي لغة في ظلة، وقرأ حمزة والكسائي «في ظلل» وهي جمع ظلة وهي قراءة طلحة وعبد الله وأبي عبد الرحمن، وهذه عبارة عن الملابس والمراتب من الحجال والستور ونحوها من الأشياء التي تظل، وهي زينة، والْأَرائِكِ السرر المفروشة، قال بعض الناس: من شروطها أن تكون عليها حجلة وإلا فليست بأريكة، وبذلك قيدها ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة، وقال بعضهم: الأريكة السرير كان عليه حجلة أو لم يكن، وقوله تعالى: وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ بمنزلة ما يتمنون قال أبو عبيدة: العرب تقول: ادع علي ما شئت بمعنى تمن علي، وتقول: فلان فيما ادعى أي فيما دعى به لأنه افتعل من دعا يدعو وأصل هذا يدتعيون نقلت حركة الياء إلى العين وحذفت الياء لاجتماعها مع الواو الساكنة فصار يدتعون قلبت التاء دالا فأدغمت الدال فيها وخصت الدال بالبقاء دون التاء لأنها حرف جلد، والتاء حرف همس. قال الرماني: المعنى أن من ادعى شيئا فهو له لأنهم قد هذبت طباعهم فلا يدعون إلا ما يحسن منهم، وقوله تعالى: سَلامٌ قيل: هي صفة لما أي مسلم لهم وخالص، وقيل: هو ابتداء، وقيل هو خبر ابتداء، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وعيسى الثقفي والغنوي «سلاما» بالنصب على المصدر، وقرأ محمد بن كعب القرطبي «سلم» وهو بمعنى سلام، وقَوْلًا نصب على المصدر وقوله تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ الآية فيه حذف تقديره ونقول للكفرة وهذه معادلة لقوله لأصحاب الجنة سَلامٌ، وَامْتازُوا معناه انفصلوا وانحازوا لأن العالم في الموقف إنما هم مختلطون، ثم خاطبهم تعالى لما تميزوا توقيفا لهم وتوبيخا على عهده إليهم ومخالفتهم عهده، وقرأ جمهور الناس «أعهد» بفتح الهاء، وقرأ الهذيل وابن وثاب، «ألم اعهد» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من يكسر أول المضارع سوى الياء، وروي عن ابن وثاب «ألم أعهد» بكسر الهاء، يقال عهد وعهد، وعبادة الشيطان هي طاعته والانقياد لإغوائه، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي «أن اعبدون» بضم النون من أن أتبعوا بها ضمة الدال واو الجماعة أيضا، وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة «وأن اعبدون» بكسر النون على أصل الكسر للالتقاء، وقوله تعالى هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ إشارة إلى الشرائع، فمعنى هذا أن الله تعالى عهد إلى بني آدم وقت إخراج

стр. 2129

نسلهم من ظهره أن لا يعبدوا الشيطان وأن يعبدوا الله تعالى وقيل لهم هذه الشرائع موجودة وبعث تعالى آدم إلى ذريته ولم تخل الأرض من شريعة إلى ختم الرسالة بمحمد ﷺ ، والصراط الطريق، ويقال إنها دخيلة في كلام العرب وعربتها. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٢ الى ٦٥] وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) هذه أيضا مخاطبة للكفار على جهة التقريع، و «الجبلّ» : الأمة العظيمة، قال النقاش عن الضحاك: أقلها عشرة آلاف، ولا حد لأكثرها، وقرأ نافع وعاصم «جبلّا» بفتح الباء والجيم والشد وهي قراءة أبي جعفر وشيبة وأهل المدينة وعاصم وأبي رجاء والحسن بخلاف عنه، وقرأ الأشهب، العقيلي «جبلا» بكسر الجيم وسكون الباء والتخفيف، وقرأ الزهري والحسن والأعرج «جبلّا» بضم الجيم والباء والشد، وهي قراءة أبي إسحاق وعيسى وابن وثاب وقرأ أبو عمرو وابن عامر والهذيل بن شرحبيل «جبلّا» بضم الجيم وسكون الباء والتخفيف، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «جبلا» بضم الجيم والباء والتخفيف، وذكر أبو حاتم عن بعض الخراسانيين «جيلا» بكسر الجيم وبياء بنقطتين ساكنة، وقرأ الجمهور «أفلم تكونوا تعقلون» بالتاء، وقرأ طلحة وعيسى «أفلم يكونوا يعقلون» بالياء، ثم وقفهم على جهنم التي كانوا يوعدون ويكذبون بها، وجَهَنَّمُ أول طبقة من النار، واصْلَوْهَا معناه باشروا نارها ثم أخبر تعالى محمدا إخبارا تشاركه فيه أمته في قوله الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ أي في ذلك اليوم يكون ذلك، وروي في هذا المعنى أن الله تعالى يجعل الكفرة يخاصمون فإذا لم يأتوا بشيء تقوم به الحجة رجعوا إلى الإنكار فناكروا الملائكة في الأعمال فعند ذلك يختم الله تعالى على أفواههم فلا ينطقون بحرف، ويأمر تعالى جوارحهم بالشهادة فتشهد، وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ «أن أول ما يتكلم من الكافر فخذه اليسرى» ، وقال أبو سعيد اليمني: ثم سائر جوارحه، وروي أن بعض الكفرة يقول يومئذ لجوارحه: تبا لك وسحقا فعنك كنت أما حل ونحو هذا من المعنى، وقد اختلفت فيه ألفاظ الرواة، وروى عبد الرحمن بن محمد بن طلحة عن أبيه عن جده أنه قرأ «ولتكلمنا أيديهم ولتشهد أرجلهم» بزيادة لام كي والنصب، وهي مخالفة لخط المصحف. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٦ الى ٧٠] وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠)

стр. 2130

الضمير في أَعْيُنِهِمْ مراد به كفار قريش، ومعنى الآية تبيين أنهم في قبضة القدرة وبمدرج العذاب إن شاء الله تعالى لهم، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: أراد الأعين حقيقة، والمعنى لأعميناهم فلا يرون كيف يمشون، ويؤيد هذا مجانسة المسخ للعمى الحقيقي، وقال ابن عباس: أراد أعين البصائر، والمعنى لو شئنا لختمنا عليهم بالكفر فلم يهتد منهم أحد أبدا، و «الطمس» إذهاب الشيء، من الآثار والهيئات، حتى كأنه لم يكن، أي جعلنا جلود وجوههم متصلة حتى كأنه لم تكن فيها عين قط، وقوله تعالى: فَاسْتَبَقُوا معناه على الفرض والتقدير، كأنه قال: ولو شئنا لأعميناهم فاحسب أو قدر أنهم يستبقون الصراط وهو الطريق فَأَنَّى لهم بالإبصار وقد أعميناهم، و «أنى» لفظة استفهام فيه مبالغة وقدره سيبويه، كيف ومن أين، و «مسخناهم» ظاهره تبديل خلقتهم بالقردة والخنازير ونحوه مما تقدم في بني إسرائيل وغيرهم، وقال الحسن وقتادة وجماعة من المفسرين: معناه لجعلناهم مقعدين مبطلين، لا يستطيعون تصرفا، وقال ابن سلام هذا التوعد كله يوم القيامة، وقرأ الجمهور القراء «على مكانتهم» بإفراد، وهو بمعنى المكان كما يقال دار ودارة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «على مكاناتهم» بالجمع، وفي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق، وقرأ جمهور القراء «مضيا» بضم الميم، وقرأ أبو حيوة «مضيا» بفتحها، ثم بين تعالى دليلا في تنكيسه المعمرين وأن ذلك مما لا يفعله إلا الله تعالى، وقرأ جمهور الناس «ننكسه» بفتح النون الأولى وسكون الثانية، وضم الكاف، وقرأ حمزة وعاصم بخلاف عنه «ننكّسه» بضم النون الأولى وفتح الثانية وشد الكاف المكسورة على المبالغة، وأنكرها أبو عمرو على الأعمش، ومعنى الآية نحول خلقه من القوة إلى الضعف ومن الفهم إلى البله، ونحو هذا، وقرأ نافع وأبو عمرو في رواية عياش «تعقلون» بالتاء على معنى قل لهم، وقرأ الباقون «يعقلون» بالياء على ذكر الغائب، ثم أخبر تعالى عن حال نبيه محمد ﷺ ورد قول من قال من الكفرة إنه شاعر، وإن القرآن شعر بقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ وكذلك كان رسول الله ﷺ لا يقول الشعر، ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا كسر وزنه، وإنما كان يحرز المعنى فقط وأنشد يوما قول طرفة: [الطويل] ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك من لم تزوده بالأخبار وأنشد يوما وقد قيل له من أشعر الناس؟ فقال الذي يقول: [الطويل] ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها وإن لم تطيب طيبا وأنشد يوما: أتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين الأقرع وعيينة وقد كان ﷺ ربما أنشد البيت المستقيم في النادر وروي أنه أنشد بيت ابن رواحة: [الطويل]

стр. 2131

يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع وقال الحسن بن أبي الحسن: أنشد النبي ﷺ «كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا» ، فقال أبو بكر وعمر ﵄: نشهد أنك رسول الله إنما قال الشاعر: «كفى الشيب والإسلام إلخ ... » حكاه الثعلبي. قال القاضي أبو محمد: وإصابته الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك قد يأتي أحيانا في نثر كلامه ما يدخل في وزن كقوله يوم حنين، «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» كذلك يأتي في آيات القرآن وفي كل كلام وليس كله بشعر ولا هو في معناه. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية تقتضي عندي غضاضة على الشعر ولا بد، ويؤيد ذلك قول عائشة ﵂: كان الشعر أبغض الحديث إلى رسول الله ﷺ وكان يتمثل بشعر أخي قيس طرفة فيعكسه، فقال له أبو بكر: ليس هكذا، فقال: «ما أنا بشاعر وما ينبغي لي» ، وقد ذهب قوم إلى أن الشعر لا غض عليه، قالوا وإنما منعه الله من التحلي بهذه الحلية الرفيعة ليجيء القرآن من قبله أغرب فإنه لو كان له إدراك الشعر لقيل في القرآن إن هذا من تلك القوى. قال القاضي أبو محمد: وليس الأمر عندي كذلك، وقد كان النبي ﷺ من الفصاحة والبيان في النثر في المرتبة العليا، ولكن كلام الله تعالى يبين بإعجازه ويبرز برصفه ويخرجه إحاطة علم الله من كل كلام، وإنما منعه الله تعالى من الشعر ترفيعا له عما في قول الشعراء من التخييل، وتزويق القول، وأما القرآن فهو ذكر لحقائق وبراهين، فما هو بقول شاعر، وهكذا كان أسلوب كلامه ﵇ لأنه لا ينطق عن الهوى، والشعر نازل الرتبة عن هذا كله، والضمير في عَلَّمْناهُ عائد على محمد ﷺ قولا واحدا، والضمير في لَهُ يحتمل أن يعود على محمد ويحتمل أن يعود على القرآن، وإن كان لم يذكر لدلالة المجاورة عليه، وبين ذلك قوله تعالى: إِنْ هُوَ وقرأ نافع وابن كثير، «لتنذر» بالتاء على مخاطبة محمد ﷺ وقرأ الباقون «لينذر» بالياء أي لينذر القرآن أو لينذر محمد، واللام في «لينذر» متعلقة ب مُبِينٌ، وقرأ محمد اليماني «لينذر» بضم الياء وفتح الذال قال أبو حاتم: ولو قرىء «لينذر» بفتح الياء والذال أي لتحفظ ويأخذ بحظه لكان جائزا، وحكاها أبو عمرو قراءة عن محمد اليماني، وقوله تعالى: مَنْ كانَ حَيًّا أي حي القلب والبصيرة، ولم يكن ميتا لكفره، وهذه استعارة قال الضحاك مَنْ كانَ حَيًّا معناه عاقلا، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ معناه يحتم العذاب ويجب الخلود، وهذا كقوله تعالى: حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [يونس: ٣٣] . قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٧١ الى ٧٦] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)

стр. 2132

هذه مخاطبة في أمر قريش وإعراضهم عن الشرع وعبادتهم الأصنام فنبههم تعالى على الألوهية، بما لا يحصى من الأدلة كثرة وبيانا، فنبه بهذه الآية على إنعامه عليهم ببهيمة الأنعام، وقوله تعالى أَيْدِينا عبارة عن القدرة عبر عنها بيد وبيدين وبأيد، وذلك من حيث كان البشر إنما يقيمون القدرة والبطش باليد، فعبر لهم عن القدرة بالجهة التي قربت في أفهامهم، والله تعالى منزه عن الجارحة والتشبيه كله، وقوله فَهُمْ لَها مالِكُونَ تنبيه على أن النعمة في أن هذه الأنعام ليست بعاتية ولا متبورة، بل تقتنى وتقرب منافعها، وَذَلَّلْناها معناه سخرناها ذليلة، والركوب المركوب، وهذا فعول بمعنى مفعول وليس إلا في ألفاظ محصورة كالركوب والحلوب والقروع، وقرأ الجمهور «ركوبهم» بفتح الراء، وقرأ الحسن والأعمش «ركوبهم» بضم الراء، وقرأ أبي بن كعب وعائشة «ركوبتهم» ، و «المنافع» إشارة إلى الأصواف والأوبار وغير ذلك، و «المشارب» الألباب، ثم عنفهم في اتخاذ آلهة طلب الاستنصار بها والتعاضد، ثم أخبر أنهم لا يَسْتَطِيعُونَ نصرا ويحتمل أن يكون الضمير في يَسْتَطِيعُونَ للكفار في نصرهم الأصنام، ويحتمل الأمر عكس ذلك لأن الوجهين صحيحان في المعنى، كذلك قوله وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ يحتمل أن يكون الضمير الأول للكفار والثاني للأصنام على معنى وهؤلاء الكفار، متجندون متحزبون لهذه الأصنام في الدنيا لكنهم لا يستطيعون التناصر مع ذلك، ويحتمل أن يكون الضمير الأول للأصنام والثاني للكفار أي يحضرون لهم في الآخرة عند الحساب على معنى التوبيخ والنقمة، وسماهم جندا في هذا التأويل إذ هم عدة للنقمة منهم وتوبيخهم، وجرت ضمائر الأصنام في هذه الآية مجرى من يعقل إذ نزلت في عبادتها منزل ذي عقل فعملت في العبارة بذلك، ثم أنس تعالى نبيه، بقوله فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ وتوعد الكفار بقوله إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٧٧ الى ٨٠] أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) هذه الآية قال فيها ابن جبير: إنها نزلت بسبب أن المعاصي بن وائل السهمي جاء إلى النبي ﷺ بعظم رميم ففته وقال: يا محمد من يحيي هذا؟ وقال مجاهد وقتادة: إن الذي جاء بالعظم النخر أمية بن خلف، وقاله الحسن ذكره الرماني، وقال ابن عباس: الجائي بالعظم هو عبد الله بن أبي ابن سلول.

стр. 2133

قال القاضي أبو محمد: وهو وهم ممن نسبه إلى ابن عباس لأن السورة والآية مكية بإجماع ولأن عبد الله بن أبي لم يجاهر قط هذه المجاهرة، واسم أبي هو الذي خلط على الرواة، لأن الصحيح هو ما رواه ابن وهب عن مالك، وقاله ابن إسحاق وغيره، من أن أبي بن خلف أخا أمية بن خلف هو الذي جاء بالعظم الرميم بمكة ففته في وجه النبي ﷺ وحياله، وقال من يحيي هذا يا محمد؟ ولأبي مع النبي ﷺ مقامات ومقالات إلى أن قتله يوم أحد بيده بالحربة بجرح في عنقه، وروي أن رسول الله ﷺ قال لأبي حين فت العظم «الله يحييه ويميتك ويحييك ويدخلك جهنم» ثم نزلت الآية مبينة ومقيمة للحجة في أن الإنسان نطفة ثم يكون بعد ذلك خصيما مبينا هل هذا إلا إحياء بعد موت وعدم حياة، وقوله وَنَسِيَ يحتمل أن يكون نسيان الذهول ويحتمل أن يكون نسيان الترك، و «الرميم» البالي المتفتت، وهو الرفات ثم دلهم تعالى على الاعتبار بالنشأة الأولى، ثم عقب ذلك تعالى بدليل ثالث في إيجاد النار في العود الأخضر المرتوي ماء، وهذا هو زناد العرب والنار موجودة في كل عود غير أنها في المتخلخل المفتوح المسام أوجد، وكذلك هو المرخ والعفار، وأعاد الضمير على الشجر مذكرا من حيث راعى اللفظ فجاء كالتمر والحصا وغيره. قوله : [سورة يس (٣٦) : الآيات ٨١ الى ٨٣] أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) هذا تقرير وتوقيف على أمر تدل صحته على صحة بعث الأجساد من القبور وإعادة الموتى وجمع الضمير جمع من يعقل في قوله مِثْلَهُمْ من حيث كانتا متضمنتين من يعقل من الملائكة والثقلين، هذا تأويل جماعة من المفسرين، وقال الرماني وغيره: الضمير في مثلهم عائد على الناس. قال القاضي أبو محمد: فهم مثال للبعث، وتكون الآية نظير قوله تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر: ٥٧] وقرأ سلام أبو المنذر وابن أبي إسحاق ويعقوب والأعرج «والأرض يقدر» على يفعل مستقبلا، وقرأ جمهور «بقادر» ، وقرأ جمهور الناس «الخلاق» ، وقرأ الحسن «الخالق» ورفع «يكون» على معنى فهو يكون، وهي قراءة الجمهور وقرأ ابن عامر والكسائي «فيكون» بالنصب، قال أبو علي: لا ينصب الكسائي إذا لم تتقدم «أن» وينصب ابن عامر وإن لم تتقدم «أن» ، والنصب هاهنا قراءة ابن محيصن وقوله تعالى: كُنْ أمر للشيء المخترع عند تعلق القدرة به لا قبل ذلك ولا بعده، وإنما يؤمر تأكيدا للقدرة وإشارة بها، وهذا أمر دون حروف ولا أصوات بل من كلامه القائم بذاته لا رب سواه، ثم نزه تعالى نفسه تنزيها عاما مطلقا، وقرأ جمهور الناس «ملكوت» ، وقرأ طلحة التيمي والأعمش «ملكه» بفتح اللام ومعناه ضبط كل شيء والقدرة عليه، وباقي الآية بين.

стр. 2134

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الصّافات هذه السورة مكية وعدها في المدني والشامي والكوفي مائة آية واثنان وثمانون آية. قوله : [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) أقسم تعالى في هذه الآية بأشياء من مخلوقاته واختلف الناس في معناها، فقال ابن مسعود ومسروق وقتادة: هي الملائكة التي تصف في السماء في عبادة الله وذكره صفوفا وقالت فرقة: أراد كل من يصف من بني آدم في قتال في سبيل الله، أو في صلاة وطاعة، والتقدير والجماعات الصافات. قال القاضي أبو محمد: واللفظ يحتمل أن يعم هذه المذكورات كلها، ومما أقسم به «الزاجرات» واختلف الناس في معناها أيضا فقال مجاهد والسدي: هي الملائكة التي تزجر السحاب وغير ذلك من مخلوقات الله تعالى، وقال قتادة: «الزاجرات» هي آيات القرآن المتضمنة النواهي الشرعية، وقوله فَالتَّالِياتِ ذِكْراً معناه القارئات، وقال مجاهد والسدي: أراد الملائكة التي تتلو ذكره، وقال قتادة: أراد بني آدم الذين يتلون كتبه المنزلة وتسبيحه وتكبيره ونحو ذلك، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الذال، وهي قراءة ابن مسعود ومسروق والأعمش، وقرأ الباقون وجمهور الناس بالإظهار، وكذلك في كلها، قال أبو حاتم: والبيان اختيارنا وأما الحاملات وقرا والجاريات يسرا، فلا يجوز فيها الإدغام لبعد التاء من الحرفين، ثم بين تعالى المقسم عليه أنه توحيده وأنه واحد أي متحد في جميع الجهات التي ينظر فيها المفكر، ثم وصف تعالى نفسه بربوبيته جميع المخلوقات، وذكر الْمَشارِقِ لأنها مطالع الأنوار والعيون بها أكلف، وفي ذكرها غنية عن ذكر المغارب إذ معادلتها لها مفهومة عند كل ذي لب، وأراد تعالى مشارق الشمس وهي مائة وثمانون في السنة فيما يزعمون من أطول أيام السنة إلى أقصرها، ثم أخبر تعالى عن قدرته من تزيين السماء بالكواكب وانتظم في ذلك التزيين أن جعلها حِفْظاً وحرزا من الشياطين المردة وهم مسترقو السمع، وقرأ جمهور القراء «بزينة الكواكب» بإضافة الزينة إلى «الكواكب» ، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم «بزينة الكواكب» بتنوين «زينة» وخفض «الكواكب» على البدل من الزينة وهي

стр. 2135

قراءة ابن مسعود ومسروق بخلاف عنه وأبي زرعة بن عمر وابن جرير وابن وثاب وطلحة، وقرأ أبو بكر عن عاصم «بزينة» بالتنوين «الكواكب» بالنصب وهي قراءة ابن وثاب وأبي عمرو والأعمش ومسروق، وهذا في الإعراب نحو قوله : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٤] . وحكى الزهراوي قراءة «بزينة» بالتنوين «الكواكب» بالرفع، و «المارد» المتجرد للشر ومنه شجرة مرداء لا ورق عليها، ومنه الأمرد وخص تعالى السماء الدنيا بالذكر لأنها التي تباشر بأبصارنا وأيضا فالحفظ من الشيطان إنما هو فيه وحدها، وَحِفْظاً نصب على المصدر وقيل مفعول من أجله والواو زائدة. قوله تعالى: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨ الى ١٠] لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠) الْمَلَإِ الْأَعْلى أهل السماء الدنيا فما فوقها، ويسمى الكل منهم أعلى بالإضافة إلى ملإ الأرض الذي هو أسفل، والضمير في يَسَّمَّعُونَ للشياطين، وقرأ جمهور القراء والناس «يسمعون» بسكون السين وتخفيف الميم، وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص وابن عباس بخلاف عنه وابن وثاب وعبد الله بن مسلم وطلحة والأعمش «لا يسّمّعون» بشد السين والميم بمعنى لا يتسمعون فينتفي على القراءة الأولى سمعهم وإن كانوا يستمعون وهو المعنى الصحيح، ويعضده قوله تعالى إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: ٢١٢] وينتفي على القراءة الآخرة أن يقع منهم استماع أو سماع، وظاهر الأحاديث أنهم يستمعون حتى الآن لكنهم لا يسمعون وإن سمع منهم أحد شيئا لم يفلت الشهاب قبل أن يلقي ذلك السمع إلى الذي تحته، لأن من وقت محمد ﷺ ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا، وكان الرجم في الجاهلية أخف، وروي في هذا المعنى أحاديث صحاح مضمنها أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء فتقعد للسمع واحدا فوق آخر يتقدم الأجسر نحو السماء ثم الذي يليه فيقضي الله تعالى الأمر في الأمور في الأرض، فيتحدث به أهل السماء، فيسمعه منهم ذلك الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته، فربما أحرقه شهاب وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه جملة فينزل تلك الكلمة إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة، فتصدق تلك الكلمة، فيصدق الجاهلون الجميع، فلما جاء الله تعالى بالإسلام حرست السماء بشدة فلم يفلت شيطان سمع بتة، ويروى أنها لا تسمع شيئا الآن، والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقض منقضية، قال النقاش ومكي: وليست بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وَيُقْذَفُونَ معناه ويرجمون، و «الدحور» الإصغار والإهانة لأن الدحر الدفع بعنف، وقال مجاهد مطرودين، وقرأ الجمهور «دحورا» ، بضم الدال، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، «دحورا» بفتح الدال، و «الواصب» الدائم، قاله مجاهد وقتادة وعكرمة، وقال السدي وأبو صالح:

стр. 2136

«الواصب» الموجع، ومنه الوصب، والمعنى هذه الحال الغالبة على جميع الشياطين، إلا من شذ فخطف خبرا ونبأ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ فأحرقه، وقرأ جمهور القراء «خطف» بفتح الخاء وكسر الطاء وتخفيفها، وقرأ الحسن وقتادة «خطّف» بكسر الخاء والطاء وتشديد الطاء، قال أبو حاتم: يقال إنها لغة بكر بن وائل وتميم بن مر، وروي عن ابن عباس «خطف» بكسر الخاء والطاء مخففة، و «الثاقب» النافذ بضوئه وشعاعه المنير، قاله قتادة والسدي وابن زيد، وحسب ثاقب إذا كان سنيا منيرا. قوله : [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١ الى ١٨] فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) الاستفتاء نوع من أنواع السؤال وكأنه سؤال من يهتبل بقوله ويجعل حجة، وكذلك هي أقوالهم في هذا الفصل لأنهم لا يمكنهم أن يقولوا إلا أن خلق من سواهم من الملائكة والجن والسماوات والأرض والمشارق وغير ذلك هو أشد من هؤلاء المخاطبين، وبأن الضمير في خَلَقْنا يراد به ما تقدم ذكره، قال مجاهد وقتادة وغيرهما وفي مصحف ابن مسعود «أم من عددنا» يريد من الصَّافَّاتِ وغيرها والسَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما [الصافات: ٥] ، وكذلك قرأ الأعمش «أمن» مخففة الميم دون أَمْ، ثم أخبر تعالى إخبارا جزما عن خلقه لآدم الذي هو أبو البشر وأضاف الخلق من الطين إلى جميع الناس من حيث الأب مخلوق منه، وقال الطبري: خلق آدم من تراب وماء ونار وهواء وهذا كله إذا خلط صار طينا لازبا، واللازب أي يلزم ما جاوره ويلصق به، وهو الصلصال كالفخار، وعبر ابن عباس وعكرمة عن «اللازب» بالجر الكريم الجيد وحقيقة المعنى ما ذكرناه، يقال ضربة لازم وضربة لازب بمعنى واحد، وقرأ جمهور القراء «بل عجبت» بفتح التاء، أي عجبت يا محمد عن إعراضهم عن الحق وعماهم عن الهدى وأن يكونوا كافرين مع ما جئتهم به من عند الله، وقرأ حمزة والكسائي «بل عجبت» بضم التاء، ورويت عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب والنخعي وطلحة وشقيق والأعمش وذلك على أن يكون تعالى هو المتعجب، ومعنى ذلك من الله أنه صفة فعل، ونحوه قول النبي ﷺ «يعجب الله تعالى إلى قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل» ، وقوله ﵇ «يعجب الله من الشاب ليست له صبوة» ، فإنما هي عبارة عما يظهره تعالى في جانب المتعجب منه من التعظيم والتحقير حتى يصير الناس متعجبين منه، فمعنى هذه الآية بل عجبت من ضلالتهم وسوء نحلتهم، وجعلتها للناظرين، وفيما اقترن معها من شرعي وهداي متعجبا، وروي عن شريح أنه أنكر هذه القراءة وقال إن الله تعالى لا يعجب، وقال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال إن شريحا كان معجبا بعلمه وإن عبد الله أعلم منه، وقال مكي وعلي بن سليمان في كتاب الزهراوي: هو إخبار عن النبي ﷺ عن نفسه كأن المعنى قل بل عجبت، وقوله يَسْخَرُونَ أي وهم يسخرون من نبوءتك والحق الذي

стр. 2137

عندك، وقوله تعالى وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ، يريد بالآية العلامة والدلالة، وروي أنها نزلت في ركانة وهو رجل من المشركين من أهل مكة لقيه رسول الله ﷺ في جبل خال وهو يرعى غنما له وهو أقوى أهل زمانه، فقال له رسول الله ﷺ «يا ركانة أرأيت إن صرعتك أتؤمن بي؟» قال: نعم، فصرعه رسول الله ﷺ ثلاثا ثم عرض عليه آيات من دعاء شجرة وإقبالها ونحو ذلك مما اختلف فيه العلماء وألفاظ الحديث، فلما فرغ من ذلك كله لم يؤمن وجاء إلى مكة فقال: يا بني هاشم ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فنزلت هذه الآية فيه وفي نظرائه، وقوله يَسْتَسْخِرُونَ معناه يطلبون أن يكونوا ممن يسخر، ويجوز أن يكون بمعنى يسخرون كقوله تعالى: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: ٦] فيكون فعل واستفعل بمعنى، وب «يسخرون» فسره مجاهد وقتادة، وفي بعض القراءات القديمة «يستسحرون» بالحاء غير منقوطة، وهذه عبارة عما قال ركانة لأنه استسحر النبي ﷺ وقرأ «متنا» بضم الميم أبو جعفر وابن أبي إسحاق وعاصم وأبو عمرو والعامة، وقرأ بكسر الميم الحسن والأعرج وشيبة ونافع، وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة أيضا «أو آباؤنا» بسكون الواو وهي «أو» التي هي للقسمة والتخيير، وقرأ الجمهور «أو آباؤنا» بفتح الواو وهي واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، ثم أمره تعالى أن يجيب تقريرهم ب نَعَمْ وأن يزيدهم في الجواب أنهم مع البعث في صغار وذلة واستكانة، وقرأ ابن وثاب «نعم» بكسر العين، و «الداخر» الصاغر الذليل وقد تقدم غير مرة ذكر القراءات في قوله أَإِذا على الخبر والاستفهام وما يلحقها من مد وتركه وإظهار همز وتسهيله. قوله : [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٩ الى ٢٦] فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) هذا استئناف إخبار جره ما قبله، فأخبر تعالى أن بعثهم من قبورهم إنما هو زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، وهي نفخة البعث في الصور، وقوله يَنْظُرُونَ، يحتمل أن يريد بالأبصار أي ينظرون ما هم فيه وصدق ما كانوا يكذبون به، ويحتمل أن يكون بمعنى ينتظرون، أي ما يفعل بهم ويؤمرون به، ثم أخبر عنهم أنهم في تلك الحال يقولون يا وَيْلَنا ينادون الويل بمعنى هذا وقت حضورك وأوان حلولك، وروى أبو حاتم الوقف هاهنا وجعل قوله هذا يَوْمُ الدِّينِ من قول الله تعالى لهم أو الملائكة، ورأى غيره أن قوله تعالى: هذا يَوْمُ الدِّينِ هو من قول الكفرة الذين قالوا يا وَيْلَنا، والدِّينِ الجزاء والمقارضة كما يقولون كما تدين تدان، وأجمعوا أن قوله هذا يَوْمُ الْفَصْلِ إلى آخر الآية ليس من قول الكفرة وإنما المعنى يقال لهم، وقوله تعالى: وَأَزْواجَهُمْ معناه وأنواعهم وضرباؤهم، قاله عمر بن الخطاب ﵁ وابن عباس وقتادة ومنه قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] ، وقوله تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير: ٧] أي نوعت، وروي أنه يضم عند هذا الأمر كل شكل وصاحبه

стр. 2138

من الكفرة إلى شكله وصاحبه ومعهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من آدمي رضي بذلك ومن صنم ووثن توبيخا لهم وإظهارا لسوء حالهم، وقال الحسن: المعنى وأزواجهم المشركات من النساء وروي ذلك عن ابن عباس ورجحه الرماني، وقوله تعالى فَاهْدُوهُمْ. معناه قوموهم واجعلوهم على طريق الجحيم، والْجَحِيمِ طبقة من طبقات جهنم يقال إنها الرابعة، ثم يأمر تعالى بوقفهم، و «وقف» يتعدى بنفسه تقول وقفت ووقفت زيدا، وأمره بذلك على جهة التوبيخ لهم والسؤال واختلف الناس في الشيء الذي يسألون عنه فروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يسألون هل يحبون شرب الماء البارد، وهذا على طريق الهزء بهم، وقال ابن عباس: يسألون عن لا إله إلا الله، وقال جمهور المفسرين: يسألون عن أعمالهم ويوقفون على قبحها. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول متجه عام في الهزء وغيره وروى أنس بن مالك عن النبي ﵇ أنه قال «أيما رجل دعا رجلا إلى شيء كان لازما له» ، وقرأ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ، وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال «لا تزول قدما عبد من بين يدي الله تعالى حتى يسأله عن خمس، عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله فيما أنفقه، وكيف كسبه، وعما عمل فيما علم» ، ويحتمل عندي أن يكون المعنى على نحو ما فسره بقوله ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ أي أنكم مسؤولون عن امتناعهم عن التناصر، وهذا على جهة التوبيخ في هذا الفصل خاصة أعني الامتناع من التناصر، وقرأ «تناصرون» بتاء واحدة خفيفة، شيبة ونافع، وقرأ خلق «لا تتناصرون» ، وكذلك في حرف عبد الله، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «لا تناصرون» بإدغام التاء من قراءة عبد الله بن مسعود وقال الثعلبي قوله: ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ جواب أبي جهل حين قال في بدر نحن جميع منتصر، ثم أخبر تعالى عن أنهم في ذلك اليوم في حالة الاستسلام والإلقاء باليد. قوله تعالى: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٢٧ الى ٣٤] وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) هذه الجماعة التي يقبل بعضها على بعض هي إنس وجن، قاله قتادة، وتساؤلهم هو على معنى التقريع واللوم والتسخط، والقائلون إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ إما أن يكون الإنس يقولونها للشياطين وهذا قول مجاهد وابن زيد، وإما أن يكون ضعفة الإنس يقولونها للكبراء والقادة، واضطرب المتأولون في معنى قولهم عَنِ الْيَمِينِ وعبر ابن زيد وغيره عنه بطريق الجنة والخير ونحو هذا من العبارات التي هي تفسير بالمعنى لا تختص باللفظة وبعضهم أيضا نحا في تفسير الآية إلى ما يخصها، والذي يتحصل من ذلك معان، منها أن يريد ب الْيَمِينِ القوة والشدة فكأنهم قالوا إنكم كنتم تغووننا بقوة منكم وتحملوننا على طريق الضلالة بمتابعة منكم في شدة فعبر عن هذا المعنى ب الْيَمِينِ كما قالت العرب «بيدين ما

стр. 2139

أورد» ، وكما قالوا «اليد» في غير موضع عن القوة، وقد ذهب بعض الناس ببيت الشماخ هذا المذهب وهو قوله: [الوافر] إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين فقالوا معناه بقوة وعزمة، وإلا فكل أحد كان يتلقاها بيمينه، لو كانت الجارحة، وأيضا فإنما استعار الراية للمجد فكذلك لم يرد باليمين الجارحة، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا من الجهة التي يحسنها تمويهكم وإغواؤكم ويظهر فيها أنها جهة الرشد والصواب، فتصير عندنا كاليمين التي بيمين السانح الذي يجيء من قبلها. قال القاضي أبو محمد: فكأنهم شبهوا أقوال هؤلاء المغوين بالسوانح التي هي عندهم محمودة، كأن التمويه في هذه الغوايات قد أظهر فيها ما يوشك أن يحمد به، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا إنكم كنتم تأتوننا أي تقطعون بنا عن أخبار الخير واليمن معبر عنها ب الْيَمِينِ، إذ اليمين هي الجهة التي يتيمن بكل ما كان منها وفيها، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا أنكم كنتم تجيئون من جهة الشهوات وعدم النظر، والجهة الثقيلة من الإنسان وهي جهة اليمين منه لأن كبده فيها، وجهة شماله فيها قلبه وهي أخف، وهذا معنى قول الشاعر: «تركنا لهم شق الشمال» ، أي زلنا لهم عن طريق الهروب، لأن المنهزم إنما يرجع على شقه الأيسر إذ هو أخف شقيه، وإذ قلب الإنسان في شماله وثم نظره فكأنه هؤلاء كانوا يأتون من جهة الشهوات والثقل. قال القاضي أبو محمد: وأكثر ما يتمكن هذا التأويل مع إغواء الشياطين وهو قلق مع إغواء بني آدم، وقيل المعنى تحلفون لنا وتأتوننا إتيان من إذا حلف صدقناه. قال القاضي أبو محمد: فاليمين على هذا القسم، وقد ذهب بعض الناس في ذكر إبليس جهات بني آدم في قوله مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الأعراف: ١٧] إلى ما ذكرناه من جهة الشهوات فقال ما بين يديه هي مغالطته فيما يراه، وما خلفه هو ما يسارق فيه الخفاء، وعن يمينه هو جانب شهواته، وعن شماله هو موضع نظره بقلبه وتحرزه فقد يغلبه الشيطان فيه، وهذا فيمن جعل هذا في جهات ابن آدم الخاصة بيديه، ومن الناس من جعلها في جهات أموره وشؤونه فيتسع التأويل على هذا، ثم أخبر تعالى عن قول الجن المجيبين لهؤلاء بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي ليس الأمر كما ذكرتم بل كان لكم اكتساب الكفر به والبصيرة فيه وإنما نحن حملنا عليه أنفسنا وما كان لنا عليكم حجة ولا قوة إلا طغيانكم وإرادتكم الكفر فقد حق القول على جميعنا وتعين العذاب لنا وإنا جميعا لَذائِقُونَ، والذوق هنا مستعار وبنحو هذا فسر قتادة وغيره أنه قول الجن إلى غاوِينَ، ثم أخبر تعالى عن أنهم اشتركوا جميعا في العذاب وحصل كلهم فيه وأن هذا فعله بأهل الجرم واحتقاب الإثم والكفر. قوله : [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٣٥ الى ٤٠] إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)

стр. 2140

هؤلاء أهل الجرم الذين جهلوا الله تعالى، وعظموا أصناما وأوثانا ف إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وهي كلمة الحق والعروة الوثقى أصابهم كبر وعظم عليهم أن يتركوا أصنامهم وأصنام آبائهم، ونحو هذا كان فعل أبي طالب حين قال له رسول الله ﷺ «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله» ، فقال أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب، فقال آخر ما قال: أنا على ملة عبد المطلب، ويعرض قول لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ جرت السنة في تلقين الموتى المحتضرين ليخالفوا الكفرة ويخضعوا لها، وأما الطائفة التي قالت أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ فهي من قريش، وإشارتهم بالشاعر المجنون هي إلى محمد ﷺ فرد الله تعالى عليهم أي ليس الأمر كما قالوا من أنه شاعر بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ من عند الله وصدق الرسل المتقدمة له كموسى وعيسى وإبراهيم وغيرهم عليهم الصلاة والسلام، ثم أخبر تعالى مخاطبا لهم ويجوز أن يكون التأويل قل لهم يا محمد إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ وقرأ قوم «لذائقو العذاب» نصبا ووجهها أنه أراد لذائقون فحذف النون تخفيفا وهي قراءة قد لحنت، وقرأ أبو السمال «لذائق» بالتنوين «العذاب» نصبا، والْأَلِيمِ المؤلم، ثم أعلمهم أن ذلك جزاء لهم بأعمالهم واكتسابهم، ثم استثنى عباد الله استثناء منقطعا وهم المؤمنون الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه، وقرأ الجمهور «المخلصين» بفتح اللام، وقرأ الحسن وقتادة وأبو رجاء وأبو عمرو بكسر اللام، وقد رويت هذه التي في الصافات عن الحسن بفتح اللام. قوله : [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٤١ الى ٤٩] أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) أُولئِكَ إشارة إلى العباد المخلصين، وقوله تعالى: مَعْلُومٌ، معناه عندهم فقد قرت عيونهم بعلم ما يستدر عليهم من الرزق وبأن شهواتهم تأتيهم لحينها، وإلا فلو كان ذلك معلوما عند الله تعالى فقط لما تخصص أهل المدينة بشيء وقوله وَهُمْ مُكْرَمُونَ تتميم بليغ للنعيم لأنه رب مرزوق غير مكرم، وذلك أعظم التنكيد، و «السرر» جمع سرير، وقرأ أبو السمال «على سرر» بفتح الراء الأولى، وفي هذا التقابل حديث مروي عن النبي ﷺ أنه قال في أحيان «وترفع عنهم ستور فينظر بعضهم إلى بعض» ولا محالة أن بعض أحيانهم فيها متخيرون في قصورهم، ويُطافُ معناه يطوف الوالدان حسبما فسرته آية أخرى، و «الكأس» قال الزجاج والطبري وغيرهما: هو الإناء الذي فيه خمر أو ما يجري مجراه من الأنبذة ونحوها، ولا تسمى كأسا إلا وفيها هذا المشروب المذكور، وقال الضحاك: كل كأس في القرآن
следующие страницы →