Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
«الواصب» الموجع، ومنه الوصب، والمعنى هذه الحال الغالبة على جميع الشياطين، إلا من شذ فخطف خبرا ونبأ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ فأحرقه، وقرأ جمهور القراء «خطف» بفتح الخاء وكسر الطاء وتخفيفها، وقرأ الحسن وقتادة «خطّف» بكسر الخاء والطاء وتشديد الطاء، قال أبو حاتم: يقال إنها لغة بكر بن وائل وتميم بن مر، وروي عن ابن عباس «خطف» بكسر الخاء والطاء مخففة، و «الثاقب» النافذ بضوئه وشعاعه المنير، قاله قتادة والسدي وابن زيد، وحسب ثاقب إذا كان سنيا منيرا.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١ الى ١٨]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨)
الاستفتاء نوع من أنواع السؤال وكأنه سؤال من يهتبل بقوله ويجعل حجة، وكذلك هي أقوالهم في هذا الفصل لأنهم لا يمكنهم أن يقولوا إلا أن خلق من سواهم من الملائكة والجن والسماوات والأرض والمشارق وغير ذلك هو أشد من هؤلاء المخاطبين، وبأن الضمير في خَلَقْنا يراد به ما تقدم ذكره، قال مجاهد وقتادة وغيرهما وفي مصحف ابن مسعود «أم من عددنا» يريد من الصَّافَّاتِ وغيرها والسَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما [الصافات: ٥] ، وكذلك قرأ الأعمش «أمن» مخففة الميم دون أَمْ، ثم أخبر تعالى إخبارا جزما عن خلقه لآدم الذي هو أبو البشر وأضاف الخلق من الطين إلى جميع الناس من حيث الأب مخلوق منه، وقال الطبري: خلق آدم من تراب وماء ونار وهواء وهذا كله إذا خلط صار طينا لازبا، واللازب أي يلزم ما جاوره ويلصق به، وهو الصلصال كالفخار، وعبر ابن عباس وعكرمة عن «اللازب» بالجر الكريم الجيد وحقيقة المعنى ما ذكرناه، يقال ضربة لازم وضربة لازب بمعنى واحد، وقرأ جمهور القراء «بل عجبت» بفتح التاء، أي عجبت يا محمد عن إعراضهم عن الحق وعماهم عن الهدى وأن يكونوا كافرين مع ما جئتهم به من عند الله، وقرأ حمزة والكسائي «بل عجبت» بضم التاء، ورويت عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب والنخعي وطلحة وشقيق والأعمش وذلك على أن يكون تعالى هو المتعجب، ومعنى ذلك من الله أنه صفة فعل، ونحوه قول النبي ﷺ «يعجب الله تعالى إلى قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل» ، وقوله ﵇ «يعجب الله من الشاب ليست له صبوة» ، فإنما هي عبارة عما يظهره تعالى في جانب المتعجب منه من التعظيم والتحقير حتى يصير الناس متعجبين منه، فمعنى هذه الآية بل عجبت من ضلالتهم وسوء نحلتهم، وجعلتها للناظرين، وفيما اقترن معها من شرعي وهداي متعجبا، وروي عن شريح أنه أنكر هذه القراءة وقال إن الله تعالى لا يعجب، وقال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال إن شريحا كان معجبا بعلمه وإن عبد الله أعلم منه، وقال مكي وعلي بن سليمان في كتاب الزهراوي: هو إخبار عن النبي ﷺ عن نفسه كأن المعنى قل بل عجبت، وقوله يَسْخَرُونَ أي وهم يسخرون من نبوءتك والحق الذي
стр. 2137
عندك، وقوله تعالى وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ، يريد بالآية العلامة والدلالة، وروي أنها نزلت في ركانة وهو رجل من المشركين من أهل مكة لقيه رسول الله ﷺ في جبل خال وهو يرعى غنما له وهو أقوى أهل زمانه، فقال له رسول الله ﷺ «يا ركانة أرأيت إن صرعتك أتؤمن بي؟» قال: نعم، فصرعه رسول الله ﷺ ثلاثا ثم عرض عليه آيات من دعاء شجرة وإقبالها ونحو ذلك مما اختلف فيه العلماء وألفاظ الحديث، فلما فرغ من ذلك كله لم يؤمن وجاء إلى مكة فقال: يا بني هاشم ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فنزلت هذه الآية فيه وفي نظرائه، وقوله يَسْتَسْخِرُونَ معناه يطلبون أن يكونوا ممن يسخر، ويجوز أن يكون بمعنى يسخرون كقوله تعالى: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: ٦] فيكون فعل واستفعل بمعنى، وب «يسخرون» فسره مجاهد وقتادة، وفي بعض القراءات القديمة «يستسحرون» بالحاء غير منقوطة، وهذه عبارة عما قال ركانة لأنه استسحر النبي ﷺ وقرأ «متنا» بضم الميم أبو جعفر وابن أبي إسحاق وعاصم وأبو عمرو والعامة، وقرأ بكسر الميم الحسن والأعرج وشيبة ونافع، وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة أيضا «أو آباؤنا» بسكون الواو وهي «أو» التي هي للقسمة والتخيير، وقرأ الجمهور «أو آباؤنا» بفتح الواو وهي واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، ثم أمره تعالى أن يجيب تقريرهم ب نَعَمْ وأن يزيدهم في الجواب أنهم مع البعث في صغار وذلة واستكانة، وقرأ ابن وثاب «نعم» بكسر العين، و «الداخر» الصاغر الذليل وقد تقدم غير مرة ذكر القراءات في قوله أَإِذا على الخبر والاستفهام وما يلحقها من مد وتركه وإظهار همز
وتسهيله.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٩ الى ٢٦]
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣)
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)
هذا استئناف إخبار جره ما قبله، فأخبر تعالى أن بعثهم من قبورهم إنما هو زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، وهي نفخة البعث في الصور، وقوله يَنْظُرُونَ، يحتمل أن يريد بالأبصار أي ينظرون ما هم فيه وصدق ما كانوا يكذبون به، ويحتمل أن يكون بمعنى ينتظرون، أي ما يفعل بهم ويؤمرون به، ثم أخبر عنهم أنهم في تلك الحال يقولون يا وَيْلَنا ينادون الويل بمعنى هذا وقت حضورك وأوان حلولك، وروى أبو حاتم الوقف هاهنا وجعل قوله هذا يَوْمُ الدِّينِ من قول الله تعالى لهم أو الملائكة، ورأى غيره أن قوله تعالى: هذا يَوْمُ الدِّينِ هو من قول الكفرة الذين قالوا يا وَيْلَنا، والدِّينِ الجزاء والمقارضة كما يقولون كما تدين تدان، وأجمعوا أن قوله هذا يَوْمُ الْفَصْلِ إلى آخر الآية ليس من قول الكفرة وإنما المعنى يقال لهم، وقوله تعالى: وَأَزْواجَهُمْ معناه وأنواعهم وضرباؤهم، قاله عمر بن الخطاب ﵁ وابن عباس وقتادة ومنه قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] ، وقوله تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير: ٧] أي نوعت، وروي أنه يضم عند هذا الأمر كل شكل وصاحبه
стр. 2138
من الكفرة إلى شكله وصاحبه ومعهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من آدمي رضي بذلك ومن صنم ووثن توبيخا لهم وإظهارا لسوء حالهم، وقال الحسن: المعنى وأزواجهم المشركات من النساء وروي ذلك عن ابن عباس ورجحه الرماني، وقوله تعالى فَاهْدُوهُمْ. معناه قوموهم واجعلوهم على طريق الجحيم، والْجَحِيمِ طبقة من طبقات جهنم يقال إنها الرابعة، ثم يأمر تعالى بوقفهم، و «وقف» يتعدى بنفسه تقول وقفت ووقفت زيدا، وأمره بذلك على جهة التوبيخ لهم والسؤال واختلف الناس في الشيء الذي يسألون عنه فروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يسألون هل يحبون شرب الماء البارد، وهذا على طريق الهزء بهم، وقال ابن عباس: يسألون عن لا إله إلا الله، وقال جمهور المفسرين: يسألون عن أعمالهم ويوقفون على قبحها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول متجه عام في الهزء وغيره وروى أنس بن مالك عن النبي ﵇ أنه قال «أيما رجل دعا رجلا إلى شيء كان لازما له» ، وقرأ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ، وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال «لا تزول قدما عبد من بين يدي الله تعالى حتى يسأله عن خمس، عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله فيما أنفقه، وكيف كسبه، وعما عمل فيما علم» ، ويحتمل عندي أن يكون المعنى على نحو ما فسره بقوله ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ أي أنكم مسؤولون عن امتناعهم عن التناصر، وهذا على جهة التوبيخ في هذا الفصل خاصة أعني الامتناع من التناصر، وقرأ «تناصرون» بتاء واحدة خفيفة، شيبة ونافع، وقرأ خلق «لا تتناصرون» ، وكذلك في حرف عبد الله، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «لا تناصرون» بإدغام التاء من قراءة عبد الله بن مسعود وقال الثعلبي قوله: ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ جواب أبي جهل حين قال في بدر نحن جميع منتصر، ثم أخبر تعالى عن أنهم في ذلك اليوم في حالة الاستسلام والإلقاء باليد.
قوله تعالى:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٢٧ الى ٣٤]
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١)
فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)
هذه الجماعة التي يقبل بعضها على بعض هي إنس وجن، قاله قتادة، وتساؤلهم هو على معنى التقريع واللوم والتسخط، والقائلون إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ إما أن يكون الإنس يقولونها للشياطين وهذا قول مجاهد وابن زيد، وإما أن يكون ضعفة الإنس يقولونها للكبراء والقادة، واضطرب المتأولون في معنى قولهم عَنِ الْيَمِينِ وعبر ابن زيد وغيره عنه بطريق الجنة والخير ونحو هذا من العبارات التي هي تفسير بالمعنى لا تختص باللفظة وبعضهم أيضا نحا في تفسير الآية إلى ما يخصها، والذي يتحصل من ذلك معان، منها أن يريد ب الْيَمِينِ القوة والشدة فكأنهم قالوا إنكم كنتم تغووننا بقوة منكم وتحملوننا على طريق الضلالة بمتابعة منكم في شدة فعبر عن هذا المعنى ب الْيَمِينِ كما قالت العرب «بيدين ما
стр. 2139
أورد» ، وكما قالوا «اليد» في غير موضع عن القوة، وقد ذهب بعض الناس ببيت الشماخ هذا المذهب وهو قوله: [الوافر]
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
فقالوا معناه بقوة وعزمة، وإلا فكل أحد كان يتلقاها بيمينه، لو كانت الجارحة، وأيضا فإنما استعار الراية للمجد فكذلك لم يرد باليمين الجارحة، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا من الجهة التي يحسنها تمويهكم وإغواؤكم ويظهر فيها أنها جهة الرشد والصواب، فتصير عندنا كاليمين التي بيمين السانح الذي يجيء من قبلها.
قال القاضي أبو محمد: فكأنهم شبهوا أقوال هؤلاء المغوين بالسوانح التي هي عندهم محمودة، كأن التمويه في هذه الغوايات قد أظهر فيها ما يوشك أن يحمد به، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا إنكم كنتم تأتوننا أي تقطعون بنا عن أخبار الخير واليمن معبر عنها ب الْيَمِينِ، إذ اليمين هي الجهة التي يتيمن بكل ما كان منها وفيها، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا أنكم كنتم تجيئون من جهة الشهوات وعدم النظر، والجهة الثقيلة من الإنسان وهي جهة اليمين منه لأن كبده فيها، وجهة شماله فيها قلبه وهي أخف، وهذا معنى قول الشاعر: «تركنا لهم شق الشمال» ، أي زلنا لهم عن طريق الهروب، لأن المنهزم إنما يرجع على شقه الأيسر إذ هو أخف شقيه، وإذ قلب الإنسان في شماله وثم نظره فكأنه هؤلاء كانوا يأتون من جهة الشهوات والثقل.
قال القاضي أبو محمد: وأكثر ما يتمكن هذا التأويل مع إغواء الشياطين وهو قلق مع إغواء بني آدم، وقيل المعنى تحلفون لنا وتأتوننا إتيان من إذا حلف صدقناه.
قال القاضي أبو محمد: فاليمين على هذا القسم، وقد ذهب بعض الناس في ذكر إبليس جهات بني آدم في قوله مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الأعراف: ١٧] إلى ما ذكرناه من جهة الشهوات فقال ما بين يديه هي مغالطته فيما يراه، وما خلفه هو ما يسارق فيه الخفاء، وعن يمينه هو جانب شهواته، وعن شماله هو موضع نظره بقلبه وتحرزه فقد يغلبه الشيطان فيه، وهذا فيمن جعل هذا في جهات ابن آدم الخاصة بيديه، ومن الناس من جعلها في جهات أموره وشؤونه فيتسع التأويل على هذا، ثم أخبر تعالى عن قول الجن المجيبين لهؤلاء بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي ليس الأمر كما ذكرتم بل كان لكم اكتساب الكفر به والبصيرة فيه وإنما نحن حملنا عليه أنفسنا وما كان لنا عليكم حجة ولا قوة إلا طغيانكم وإرادتكم الكفر فقد حق القول على جميعنا وتعين العذاب لنا وإنا جميعا لَذائِقُونَ، والذوق هنا مستعار وبنحو هذا فسر قتادة وغيره أنه قول الجن إلى غاوِينَ، ثم أخبر تعالى عن أنهم اشتركوا جميعا في العذاب وحصل كلهم فيه وأن هذا فعله بأهل الجرم واحتقاب الإثم والكفر.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٣٥ الى ٤٠]
إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)
إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)
стр. 2140
هؤلاء أهل الجرم الذين جهلوا الله تعالى، وعظموا أصناما وأوثانا ف إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وهي كلمة الحق والعروة الوثقى أصابهم كبر وعظم عليهم أن يتركوا أصنامهم وأصنام آبائهم، ونحو هذا كان فعل أبي طالب حين قال له رسول الله ﷺ «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله» ، فقال أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب، فقال آخر ما قال: أنا على ملة عبد المطلب، ويعرض قول لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ جرت السنة في تلقين الموتى المحتضرين ليخالفوا الكفرة ويخضعوا لها، وأما الطائفة التي قالت أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ فهي من قريش، وإشارتهم بالشاعر المجنون هي إلى محمد ﷺ فرد الله تعالى عليهم أي ليس الأمر كما قالوا من أنه شاعر بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ من عند الله وصدق الرسل المتقدمة له كموسى وعيسى وإبراهيم وغيرهم عليهم الصلاة والسلام، ثم أخبر تعالى مخاطبا لهم ويجوز أن يكون التأويل قل لهم يا محمد إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ وقرأ قوم «لذائقو العذاب» نصبا ووجهها أنه أراد لذائقون فحذف النون تخفيفا وهي قراءة قد لحنت، وقرأ أبو السمال «لذائق» بالتنوين «العذاب» نصبا، والْأَلِيمِ المؤلم، ثم أعلمهم أن ذلك جزاء لهم بأعمالهم واكتسابهم، ثم استثنى عباد الله استثناء منقطعا وهم المؤمنون الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه، وقرأ الجمهور «المخلصين» بفتح اللام، وقرأ الحسن وقتادة وأبو رجاء وأبو عمرو بكسر اللام، وقد رويت هذه التي في الصافات عن الحسن بفتح اللام.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٤١ الى ٤٩]
أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)
بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)
أُولئِكَ إشارة إلى العباد المخلصين، وقوله تعالى: مَعْلُومٌ، معناه عندهم فقد قرت عيونهم بعلم ما يستدر عليهم من الرزق وبأن شهواتهم تأتيهم لحينها، وإلا فلو كان ذلك معلوما عند الله تعالى فقط لما تخصص أهل المدينة بشيء وقوله وَهُمْ مُكْرَمُونَ تتميم بليغ للنعيم لأنه رب مرزوق غير مكرم، وذلك أعظم التنكيد، و «السرر» جمع سرير، وقرأ أبو السمال «على سرر» بفتح الراء الأولى، وفي هذا التقابل حديث مروي عن النبي ﷺ أنه قال في أحيان «وترفع عنهم ستور فينظر بعضهم إلى بعض» ولا محالة أن بعض أحيانهم فيها متخيرون في قصورهم، ويُطافُ معناه يطوف الوالدان حسبما فسرته آية أخرى، و «الكأس» قال الزجاج والطبري وغيرهما: هو الإناء الذي فيه خمر أو ما يجري مجراه من الأنبذة ونحوها، ولا تسمى كأسا إلا وفيها هذا المشروب المذكور، وقال الضحاك: كل كأس في القرآن
стр. 2141
فهو خمر، وذهب بعض الناس إلى أن الكأس آنية مخصوصة في الأواني وهو كل ما اتسع فمه ولم يكن له مقبض، ولا يراعى في ذلك كونه بخمر أم لا، وقوله تعالى: مِنْ مَعِينٍ يريد من جار مطرد، فالميم في مَعِينٍ أصلية لأنه من الماء المعين، ويحتمل أن يكون من العين فتكون الميم زائدة أي مما يعين بالعين مستور ولا في خزن، وخمر الدنيا إنما هي معصورة مختزنة، وخمر الآخرة جارية أنهارا، وقوله بَيْضاءَ يحتمل أن يعود على الكأس ويحتمل أن يعود على الخمر وهو الأظهر، وقال الحسن بن أبي الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن، وفي قراءة عبد الله بن مسعود «صفراء» فهذا موصوف به الخمر وحدها، وقوله تعالى لَذَّةٍ أي ذات لذة فوصفها بالمصدر اتساعا، وقد استعمل هذا حتى قيل لذ بمعنى لذيذ، ومنه قول الشاعر: [الكامل]
بحديثك اللذ الذي لو كلّمت ... أسد الفلاة به أتين سراعا
وقوله ولا فِيها غَوْلٌ، لم تعمل لا لأن الظرف حال بينها وبين ما شأن التبرية أن تعمل فيه، و «الغول» اسم عام في الأذى، يقال غاله كذا إذا أضره في خفاء، ومنه الغيلة في القتل وقال النبي ﷺ في الرضاع «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة» ومن اللفظة قول الشاعر: [الطويل]
مضى أولونا ناعمين بعيشهم ... جميعا وغالتني بمكة غول
أي عاقتني عوائق، فهذا معنى من معاني الغول، ومنه قول العرب، في مثل من الأمثال، «ماله غيل» ما أغاله يضرب للرجل الحديد الذي لا يقوم لأمر إلا أغنى فيه، أو الرجل يدعى له بأن يؤذي ما آذاه، وقال ابن عباس ومجاهد وابن زيد في الآية «الغول» وجع في البطن، وقال ابن عباس أيضا وقتادة: هو صداع في الرأس.
قال القاضي أبو محمد: والاسم أعم من هذا كله فنفى عن خمر الجنة جميع أنواع الأذى إذ هي موجودة في خمر الدنيا، نحا إلى هذا العموم سعيد بن جبير، ومنه قول الشاعر: [المتقارب]
وما زالت الخمر تغتالنا ... وتذهب بالأول الأول
أي تؤذينا بذهاب العقل، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «ينزفون» بفتح الزاي وكذلك في سورة الواقعة من قوله «نزف الرجل إذا سكر ونزفته الخمر» ، والنزيف السكران ومنه قول الشاعر [جميل بن معمر] : [الكامل]
فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف لبرد ماء الحشرج
وبذهاب العقل فسر ابن عباس وقتادة يُنْزَفُونَ، وقرأ حمزة والكسائي «ينزفون» بكسر الزاي وكذلك في الواقعة من أنزف ينزف ويقال أنزف بمعنيين أحدهما سكر ومنه قول الأبيرد الرياحي. [الطويل]
لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبيس الندامى أنتم آل أبجرا
والثاني نزف شرابه يقال أنزف الرجل إذا تمّ شرابه فهذا كله منفي عن أهل الجنة، وقرأ عاصم هنا بفتح الزاي وفي الواقعة بكسر الزاي، وقرأ ابن أبي إسحاق «ينزفون» بفتح الياء وكسر الزاي، وقاصِراتُ
стр. 2142
الطَّرْفِ
قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة معناه على أزواجهن أي لا ينظرن إلى غيرهم ولا يمتد طرف إحداهن إلى أجنبي، فهذا هو قصر الطرف، وعِينٌ جمع عيناء وهي الكبيرة العينين في جمال، وأما قوله كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ فاختلف الناس في الشيء المشبه به ما هو، فقال السدي وابن جبير: شبه ألوانهن بلون قشر البيضة من النعام وزهو بياض قد خالطته صفرة حسنة، قالوا: و «البيض» نفسه في الأغلب هو المكنون بالريش ومتى شدت به حال فلم يكن مكنونا خرج عن أن يشبه به، وهذا قول الحسن وابن زيد، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]
كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير المال غير محلل
وهذه المعنى كثير في أشعار العرب، وقال ابن عباس فيما حكى الطبري، «البيض المكنون» أراد به الجوهر المصون.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يصح عندي عن ابن عباس لأنه يرده اللفظ من الآية، وقالت فرقة إنما شبههن تعالى ب «البيض المكنون» تشبيها عاما جملة المرأة بجملة البيضة وأراد بذلك تناسب أجزاء المرأة وأن كل جزء منها نسبته في الجودة إلى نوعه نسبة الآخر من أجزائه إلى نوعه فنسبة شعرها إلى عينها مستوية إذ هما غاية في نوعهما، والبيضة أشد الأشياء تناسب أجزاء، لأنك من حيث جئتها فالنظر فيها واحد.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٥٠ الى ٥٣]
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)
هذا التساؤل الذي بين أهل الجنة هو تساؤل راحة وتنعم يتذكرون أمورهم في الجنة وأمر الدنيا وحال الطاعة والإيمان فيها، ثم أخبر الله تعالى عن قول قائِلٌ مِنْهُمْ في قصته فهو مثال لكل من له قَرِينٌ سوء يعطي هذا المثال التحفظ من قرناء السوء، واستشعار معصيتهم وعبر عن قول هذا الرجل بالمضي من حيث كان أمرا متيقنا حاصلا لا محالة، وقال ابن عباس وغيره كان هذان من البشر مؤمن وكافر، وقالت فرقة: هما اللذان ذكر الله تعالى في قوله يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا [الفرقان: ٢٨] وقال مجاهد كان إنسيا وجنيا من الشياطين الكفرة.
قال القاضي أبو محمد: والأول أصوب، وقرأ جمهور الناس «من المصدقين» بتخفيف الصاد من التصديق، وقرأت فرقة «من المصّدقين» بشد الصاد من التصدق، وقال فرات بن ثعلبة البهراني في قصص هذين إنهما كانا شريكين بثمانية آلاف دينار فكان أحدهما يعبد الله ويقصد من التجارة والنظر وكان الآخر كافرا مقبلا على ماله فحل الشركة مع المؤمن وبقي وحده لتقصير المؤمن ثم إنه جعل كلما اشترى شيئا من دار وجارية وبستان ونحوه عرضه على ذلك المؤمن وفخر عليه به فيمضي المؤمن عند ذلك ويتصدق بنحو ذلك الثمن ليشتري به من الله في الجنة فكان من أمرهما في الآخرة ما تضمنته هذه الآية، قال الطبري: وهذا
стр. 2143
الحديث يؤيد قراءة من قرأ «من المصّدّقين» بتشديد الصاد، و «مدينون» معناه مجازون محاسبون قاله ابن عباس وقتادة والسدي، والدين الجزاء وقد تقدم.
قوله تعالى:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٥٤ الى ٦١]
قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)
إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)
في الكلام حذف تقديره فقال لهذا الرجل حاضرون من الملائكة إن قرينك هذا في جهنم يعذب فقال عند ذلك هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ، ويحتمل أن يخاطب ب أَنْتُمْ الملائكة، ويحتمل أن يخاطب رفقاءه في الجنة، ويحتمل أن يخاطب خدمته وكل هذا، حكى المهدوي وقرأ جمهور القراء «مطّلعون» بفتح الطاء وشدها، وقرأ أبو عمرو في رواية حسين «مطلعون» بسكون الطاء وفتح النون، وقرأ أبو البرهسم بسكون الطاء وكسر النون علي أنها ضمير المتكلم ورد هذه القراءة أبو حاتم وغيره ولحنوها، وذلك أنها جمعت بين ياء الإضافة ونون المتكلم، والوجه أن يقال «مطلعي» ، ووجه القراءة أبو الفتح بن جني وقال:
أنزل الفاعل منزل الفعل المضارع، وأنشد الطبري: [الوافر]
وما أدري وظن كل ظن ... أمسلمني إلى قومي شراحي
وقال الفراء: يريد شراحيل، وقرأ الجمهور «فاطّلع» بصلة الألف وشد الطاء المفتوحة، وقرأ أبو عمرو في رواية حسين «فاطلع» بضم الألف وسكون الطاء وكسر اللام، وهي قراءة أبي البرهسم، قال الزجاج هي قراءة من قرأ «مطلعون» بكسر اللام، وروي أن لأهل الجنة كوى وطاقات يشرفون منها على أهل النار إذا شاؤوا على جهة النقمة والعبرة لأنهم لهم في عذاب أهل النار وتوبيخهم سرور وراحة، حكاه الرماني عن أبي علي، وسَواءِ الْجَحِيمِ وسطه قال ابن عباس والحسن: والناس، وسمي سَواءِ لاستواء المسافة منه إلى الجوانب، والْجَحِيمِ متراكم جمر النار، وروي عن مطرف بن عبد الله وخليد العصري أنه رآه قد تغير خبره وسيره أي تبدلت حاله ولولا ما عرفه الله إياه لم يميزه، فقال له المؤمن عند ذلك تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ أي لتهلكني بإغوائك، والردى الهلاك ومنه قول الأعشى: [المتقارب] .
أفي الطوف خفت علي الردى ... وكم من رد أهله لم يرم
وفي مصحف عبد الله بن مسعود «إن كدت لتغوين» بالواو من الغي، وذكرها أبو عمرو الداني بالراء من الإغراء والتاء في هذا كله مضمومة، ورفع نِعْمَةُ رَبِّي بالابتداء وهو إعراب ما كان بعد لَوْلا عند سيبويه والخبر محذوف تقديره تداركته ونحوه، والْمُحْضَرِينَ معناه في العذاب، وقول المؤمن أَفَما نَحْنُ إلى قوله بِمُعَذَّبِينَ يحتمل أن يكون مخاطبة لرفقائه في الجنة لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله في الجنة وحال رفقائه قدر النعمة قدرها فقال لهم على جهة التوقيف على النعمة أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ
стр. 2144
ولا معذبين، ويجيء على هذا التأويل قوله إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إلى قوله الْعامِلُونَ، متصلا بكلامه خطابا لرفقائه، ويحتمل قوله أَفَما نَحْنُ إلى قوله بِمُعَذَّبِينَ أن تكون مخاطبة لقرينه على جهة التوبيخ، كأنه يقول أين الذي كنت تقول من أنا نموت وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب، ويكون قوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ إلى الْعامِلُونَ يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وإليه ذهب قتادة، ويحتمل أن يكون من خطاب الله تعالى لمحمد ﷺ وأمته ويقوى هذا لأن قول المؤمن لمثل هذا فليعمل، والآخرة ليست بدار عمل يقلق إلا على تجوز كأنه يقول لمثل هذا كان ينبغي أن يعمل الْعامِلُونَ.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٦٢ الى ٧٠]
أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)
الألف من قوله أَذلِكَ للتقرير، والمراد تقرير قريش والكفار، وجاء بلفظة التفضيل بين شيئين لا اشتراك بينهما من حيث كان الكلام تقريرا، والاحتجاج يقتضي أن يوقف المتكلم خصمه على قسمين:
أحدهما فاسد ويحمله بالتقرير على اختبار أحدهما ولو كان الكلام خبرا لم يجز ولا أفاد أن يقال الجنة خير من شَجَرَةُ الزَّقُّومِ وأما قوله تعالى خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: ٢٤] فهذا على اعتقادهم في أن لهم مستقرا جيدا وقد تقدم إيعاب هذا المعنى.
قال القاضي أبو محمد: وفي بعض البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة مرة مسمومة لها لبن إن مس جسم أحد تورم، ومات منه في أغلب الأمر تسمى شجرة الزقوم، والتزقم في كلام العرب البلع على شدة وجهد، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ قال قتادة والسدي ومجاهد: يريد أبا جهل ونظراءه وذلك أنه لما نزلت أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، قال الكفار، وكيف يخبر محمد عن النار أنها تنبت الأشجار وهي تأكلها وتذهبها ففتنوا بذلك أنفسهم وجهلة من أتباعهم، وقال أبو جهل: إنما الزقوم التمر بالزبد ونحن نتزقمه، وقوله فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ معناه ملاصق نهاياتها التي لها كالجدرات، وفي قراءة ابن مسعود «إنها شجرة ثابتة في أصل الجحيم» ، وقوله تعالى: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ اختلف الناس في معناه، فقالت فرقة: شبه بثمر شجرة معروفة يقال لها رُؤُسُ الشَّياطِينِ وهي بناحية اليمن يقال لها الأستق، وهو الذي ذكر النابغة في قوله: «تحيد من أستق سودا أسافله» . ويقال إنه الشجر الذي يقال له الصوم وهو الذي يعني ساعدة بن جوبة في قوله:
موكل بشدوق الصوم يرقبها ... من المغارب مخطوف الحشا زرم
стр. 2145
وقالت فرقة: شبه ب رُؤُسُ صنف من الحيات يقال لها الشياطين وهي ذوات أعراف ومنه قول الشاعر: [الرجز]
عجيز تحلف حين أحلف ... كمثل شيطان الحماط اعرف
وقالت فرقة: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رُؤُسُ الشَّياطِينِ وقبحها، وإن كانت لم تر، وهذا كما تقول لكل شعث المنتفش الشعر الكريه المنظر هذا شيطان ونحو هذا قول امرئ القيس:
[الطويل]
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
فإنما شبه بما استقر في النفوس من هيبتها، و «الشوب» المزاج والخلط، قاله ابن عباس وقتادة، وقرأ شيبان النحوي «لشوبا» ، بضم الشين، قال الزجاج: فتح الشين المصدر، وضمه الاسم، و «الحميم» السخن جدا من الماء ونحوه، فيريد به هاهنا شرابهم الذي هو طينة الخبال صديدهم وما ينماع منهم، هذا قول جماعة من المفسرين، وقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ يحتمل أن يكون لهم انتقال أجساد في وقت الأكل والشرب، ثم يرجعون إلى معظم الجحيم وكثرته، ذكره الرماني وشبه بقوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: ٤٤] ، ويحتمل أن يكون الرجوع إنما هو من حال ذلك الأكل المعذب إلى حال الاحتراق دون أكل، وبكل احتمال قيل، وفي مصحف ابن مسعود «وأن منقلهم لإلى الجحيم» ، وفي كتاب أبي حاتم عنه «مقيلهم» ، من القائلة وقوله تعالى: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ إلى آخر الآية تمثيل لقريش ويُهْرَعُونَ قال قتادة والسدي وابن زيد: معناه يسرعون كأنهم يساقون بعجلة وهذا تكسبهم للكفر وحرصهم عليه، والإهراع سير شديد قال مجاهد: كهيئة الهرولة.
قال القاضي أبو محمد: فيه شبه رعدة وكأنه أيضا شبه سير الفازع.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧١ الى ٧٩]
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)
وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)
مثل تعالى لقريش في هذه الآية بالأمم التي ضلت قديما وجاءها الإنذار وأهلكها الله بعذابه، وقوله تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ، يقتضي الإخبار بأنه عذبهم، ولذلك حسن الاستثناء في قوله إِلَّا عِبادَ اللَّهِ، ونداء نوح ﵇ قد تضمن أشياء منها الدعاء على قومه، ومنها سؤال النجاة ومنها طلب النصرة، وفي جميع ذلك وقعت الإجابة، وقوله تعالى: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ يقتضي الخبر بأن الإجابة كانت على أكمل ما أراد نوح ﵇، والْكَرْبِ الْعَظِيمِ قال السدي: هو الغرق.
стр. 2146
قال القاضي أبو محمد: ومن الْكَرْبِ تكذيب الكفرة وركوب الماء وهوله قال الرماني:
الْكَرْبِ: الحر الثقيل على القلب، وقوله تعالى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ قال ابن عباس وقتادة:
أهل الأرض كلهم من ذرية نوح، قال الطبري: والعرب من أولاد سام، والسودان من أولاد حام، والترك والصقلب وغيرهم من أولاد يافث، وروي عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قرأ وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ فقال: «سام وحام ويافث» ، وقالت فرقة: إن الله تعالى أبقى ذرية نوح ومد نسله وبارك في ضئضئه وليس الأمر بأن أهل الأرض انحصروا إلى نسله بل في الأمم من لا يرجع إليه، والأول أشهر عند علماء الأمة وقالوا نُوحٌ هو آدم الأصغر، وقوله وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ معناه ثناء حسنا جميلا آخر الدهر، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وقوله سَلامٌ على هذا التأويل رفع بالابتداء مستأنف سلم الله به عليه ليقتدي بذلك البشر، قال الطبري: هذه أمانة منه لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء.
قال القاضي أبو محمد: هذا جزاء ما صبر طويلا على أقوال الكفرة الفجرة، وقال الفراء وغيره من الكوفيين: قوله سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ جملة في موضع نصب ب تَرَكْنا وهذا هو المتروك عليه، فكأنه قال وتركنا على نوح تسليما يسلم به عليه إلى يوم القيامة، وفي قراءة عبد الله «سلاما على نوح» على النصب ب تَرَكْنا صلى الله على نوح وعلى أهله وسلم تسليما وشرف وكرم وعلى جميع أنبيائه وفِي الْآخِرِينَ معناه في الباقين غابر الدهر، والقراءة بكسر الخاء وما كان من إهلاك فهو بفتحها.
قوله تعالى:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٠ الى ٩٠]
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)
قوله تعالى: كَذلِكَ إشارة إلى إنعامه على نوح بالإجابة كما اقترح، وأثنى تعالى على نوح بالإحسان، لصبره على أذى قومه ومطاولته لهم وغير ذلك من عبادته وأفعاله ﷺ ، وقوله تعالى: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ يقتضي أنه أغرق قوم نوح وأمته ومكذبيه، وليس في ذلك نص على أن الغرق عم جميع أهل الأرض، ولكن قد قالت جماعة من العلماء وأسندت أحاديث بأن الغرق عم جميع الناس إلا من كان معه في السفينة، وعلى هذا ترتب القول بأن الناس اليوم من ذريته، وقالوا لم يكن الناس حينئذ بهذه الكثرة لأن عهد آدم كان قريبا، وكانت دعوة نوح ونبوءته قد بلغت جميعهم لطول المدة واللبث فيهم فكان الجميع كفرة عبدة أوثان لم يثنهم الحق إلى نفسه فلذلك أغرق جميعهم، وقوله تعالى: مِنْ شِيعَتِهِ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: الضمير عائد على نوح، والمعنى في الدين والتوحيد، وقال الطبري وغيره عن الفراء: الضمير عائد على محمد ﷺ والإشارة إليه.
стр. 2147
قال القاضي أبو محمد: وذلك كله محتمل لأن «الشيعة» معناها الصنف الشائع الذي يشبه بعضه بعضا والشيع الفرق وإن كان الأعرف أن المتأخر في الزمن هو شيعة للمتقدم ولكن قد يجيء من الكلام عكس ذلك قال الشاعر [الكميت] :
وما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب
فجعلهم شيعة لنفسه، وقوله تعالى: بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قال المفسرون: يريد من الشرك والشك وجميع النقائص التي تلحق قلوب بني آدم كالغل والحسد والكبر ونحوه قال عروة بن الزبير: لم يلعن شيئا قط، وقوله أَإِفْكاً استفهام بمعنى التقرير أي أكذبا ومحالا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، ونصب آلِهَةً على البدل من قوله أَإِفْكاً وسهلت الهمزة الأصلية من الإفك وقوله تعالى: فَما ظَنُّكُمْ توبيخ وتحذير وتوعد، ثم أخبر تعالى عن نظرة إبراهيم ﵇ في النجوم، وروي أن قومه كان لهم عيد يخرجون إليه فدعوا إبراهيم ﵇ إلى الخروج معهم فنظر حينئذ واعتذر بالسقم وأراد البقاء خلافهم إلى الأصنام، وقال ابن زيد عن أبي أرسل إليه ملكهم أن غدا عيد فاحضر معنا فنظر إلى نجم طالع فقال إن هذا يطلع مع سقمي، فقالت فرقة معنى «نظر في النجوم» أي فيما نجم إليه من أمور قومه وحاله معهم، وقال الجمهور نظر نجوم السماء، وروي أن علم النجوم كان عندهم منظورا فيه مستعملا فأوهمهم هو من تلك الجهة، وذلك أنهم كانوا أهل رعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم، واختلف أيضا في قوله إِنِّي سَقِيمٌ، فقالت فرقة هي كذبة في ذات الله تعالى أخبرهم عن نفسه أنه مريض وأن الكوكب أعطاه ذلك، وقال ابن عباس وغيره: أشار لهم إلى مرض وسقم يعدي كالطاعون ولذلك تولوا مُدْبِرِينَ أي فارين منه، وقال بعضهم بل تولوا مُدْبِرِينَ لكفرهم واحتقارهم لأمره.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل في أنها كذبة يجيء الحديث لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله إِنِّي سَقِيمٌ، وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة هي أختي، وقالت فرقة: ليست بكذبة ولا يجوز الكذب عليه ولكنها من المعاريض أخبرهم بأنه سقيم في المثال وعلى عرف ابن آدم لا بد أن يسقم ضرورة، وقيل أراد على هذا إِنِّي سَقِيمٌ النفس أي من أموركم وكفركم فظهر لهم من كلامه أنه أراد سقما بالجسد حاضرا وهكذا هي المعاريض.
قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل لا يرده الحديث وذكر الكذبات لأنه قد يقال لها كذب على الاتساع بحسب اعتقاد المخبر، والكذب الذي هو قصد قول الباطل، والإخبار بضد ما في النفس بغير منفعة شرعية، هو الذي لا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٩١ الى ٩٨]
فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥)
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)
стр. 2148
«راغ» معناه مال، ومنه قول عدي بن زيد: [الخفيف]
حيث لا ينفع الرياغ ولا ... ينفع إلا المصلق النحرير
وقوله تعالى: أَلا تَأْكُلُونَ هو على جهة الاستهزاء بعبدة تلك الأصنام، وروي أن عادة أولئك كانت أنهم يتركون في بيوت الأصنام طعاما، ويعتقدون أنها تصيب منه شميما ونحو هذا من المعتقدات الباطلة، ثم كان خدم البيت يأكلونه، فلما دخل إبراهيم وقف على الأكل، والنطق والمخاطبة للأصنام والقصد الاستهزاء بعابدها، ثم مال عند ذلك إلى ضرب تلك الأصنام بفأس حتى جعلها جذاذا واختلف في معنى قوله بِالْيَمِينِ فقال ابن عباس: أراد يمنى يديه، وقيل: أراد بقوته لأنه كان يجمع يديه معا بالفأس، وقيل أراد يمين القسم في قوله وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: ٥٧] وضَرْباً نصب على المصدر بفعل مضمر من لفظه، وفي مصحف عبد الله عليهم «صفعا باليمين» ، والضمير في «أقبلوا» لكفار قومه، وقرأ جمهور الناس «يزفون» بفتح الياء من زف إذا أسرع وزفت الإبل إذا أسرعت، ومنه قول الفرزدق:
[الطويل]
فجاء قريع الشول قبل افالها ... يزف وجاءت خلفه وهي زفف
ومنه قول الهذلي:
وزفت الشول من برد العشيّ كما ... زفت النعام إلى حفانه الروح
وقرأ حمزة وحده «يزفزن» بضم الياء من أزف إذا دخل في الزفيف وليست بهمزة تعدية هذا قول، وقال أبو علي: معناه يحملون غيرهم على الزفيف، وحكاه عن الأصمعي وهي قراءة مجاهد وابن وثاب والأعمش، وقرأ مجاهد وعبد الله بن زيد «يزفزن» بفتح الياء وتخفيف الفاء من وزف وهي لغة منكرة، قال الكسائي والفراء: لا نعرفها بمعنى زف، وقال مجاهد: الزفيف النسلان، وذهبت فرقة إلى أن يَزِفُّونَ معناه يتمهلون في مشيهم كزفاف العروس، والمعنى أنهم كانوا على طمأنينة من أن ينال أحد آلهتهم بسوء لعزتهم فكانوا لذلك متمهلين.
قال القاضي أبو محمد: وزف بمعنى أسرع هو المعروف، ثم إن إبراهيم ﵇ قال لهم في جملة محاورة طويلة قد تضمنتها الآية أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ أي تجعلون إلها معظما شيئا صنعتموه من عود أو حجر وعملتموه بأيديكم أخبرهم بخبر لا يمكنهم إنكاره وهو قوله وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ واختلف المتأولون في قوله وَما تَعْمَلُونَ، فمذهب جماعة من المفسرين أن ما مصدرية والمعنى أن الله خلقكم وأعمالكم، وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد وذلك موافق لمذهب أهل السنة في ذلك، وقالت ما بمعنى الذي، وقالت فرقة ما استفهام، وقالت فرقة هي نفي بمعنى وأنتم لا تعملون شيئا في وقت خلقكم ولا قبله، ولا تقدرون على شيء.
قال القاضي أبو محمد: والمعتزلة مضطرة إلى الزوال عن أن تجعل ما مصدرية، و «البنيان» قيل
стр. 2149
كان في موضع إيقاد النار، وقيل بل كان للمنجنيق الذي رمي عنه وقد تقدم قصص نار إبراهيم وجعلهم الله الْأَسْفَلِينَ، بأن غلبوا وذلوا ونالتهم العقوبات قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٩٩ الى ١٠٢]
وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)
قالت فرقة: إن قول إبراهيم إِنِّي ذاهِبٌ كان بعد خروجه من النار، وإنه أشار بذهابه إلى هجرته من أرض بابل حيث كانت مملكة نمرود فخرج إلى الشام ويروى إلى بلاد مصر، وقالت فرقة: قوله إِنِّي ذاهِبٌ ليس مراده به الهجرة كما في آية أخرى وإنما مراده لقاء الله بعد الاحتراق ولأنه ظن أن النار سيموت فيها، فقال هذه المقالة قبل أن يطرح في النار، فكأنه قال إني سائر بهذا العمل إلى ربي، وهو سيهديني إلى الجنة، نحا إلى هذا المعنى قتادة، وللعارفين بهذا الذهاب تمسك واحتجاج في الصفاء وهو محمل حسن في إِنِّي ذاهِبٌ وحده، والأول أظهر من نمط الآية بما بعده، لأن الهداية معه تترتب، والدعاء في الولد كذلك، ولا يصح مع ذهاب الفناء، وقوله مِنَ الصَّالِحِينَ مِنَ للتبعيض أي ولدا يكون في عداد الصالحين، وقوله فَبَشَّرْناهُ قال كثير من العلماء منهم العباس بن عبد المطلب وقد رفعه وعلي وابن عباس وابن مسعود وكعب وعبيد بن عمرو هي البشارة المعروفة بإسحاق وهو الذبيح وكان أمر ذبحه بالشام، وقال عطاء ومقاتل ببيت المقدس، وقال بعضهم بل بالحجاز، جاء مع أبيه على البراق وقال ابن عباس والبشارة التي بعد هذه في هذه الآية هي بشارة بنبوته كما قال تعالى في موسى وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [مريم: ٥٣] وهو قد كان وهبه له قبل ذلك، فإنما أراد النبوءة، فكذلك هذه، وقالت هذه الفرقة في قول الأعرابي: يا بن الذبيحين أراد إسحاق والعم أب، وقيل إنه أمر بذبحه بعد ما ولد له يعقوب، فلم يتعارض الأمر بالذبح مع البشارة بولده وولد ولده، وقالت فرقة: هذه البشارة هي بإسماعيل وهو الذبيح وأمر ذبحه كان بالحجاز بمنى ثم رمى إبراهيم الشيطان بالجمرات وقبض الكبش حين أفلت له وسن السنن.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ابن عباس أيضا وابن عمرو وروي عن الشعبي والحسن ومجاهد ومعاوية بن أبي سفيان ورفعه معاوية إلى النبي ﷺ ومحمد بن كعب وبه كان أبي ﵁ يقول، ويستدل بقول الأعرابي للنبي ﷺ : يا بن الذبيحين، وبقوله ﷺ «أنا ابن الذبيحين» يعني إسماعيل وعبد الله أباه، ويستدل بأن البشارة اقترنت بأن من ورائه يعقوب، فلو قيل له في صباه اذبحه لناقض ذلك البشارة بيعقوب، ويستدل بظاهر هذه الآية أنه بشر بإسماعيل، وانقضى أمر ذبحه ثم بشر بإسحاق بعد ذلك، وسمعته ﵁ يقول كان إبراهيم ﷺ يجيء من الشام إلى مكة على البراق زائرا ويعود من يومه وقد ذكر ذلك الثعلبي عن سعيد بن جبير ولم يذكر
стр. 2150
أن ذلك على البراق وذكر القصة عن ابن إسحاق، وفيها ذكر البراق كما سمعت أبي يحكي وذكر الطبري أن ابن عباس قال: الذبيح إسماعيل، وتزعم اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود وذكر أيضا أن عمر بن عبد العزيز سأل رجلا يهوديا كان أسلم وحسن إسلامه فقال: الذبيح إسماعيل، وإن اليهود تعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن تكون هذه الآية والفضل والله في أبيكم. والسَّعْيَ في هذه الآية العمل والعبادة والمعونة، هذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد، وقال قتادة السَّعْيَ على القدم يريد سعيا متمكنا وهذا في المعنى نحو الأول، وقرأ الضحاك «معه السعي وأسر في نفسه حزنا» قال وهكذا في حرف ابن مسعود وهي قراءة الأعمش، قوله إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ يحتمل أن يكون رأى ذلك بعينه ورؤيا الأنبياء وحي، وعين له وقت الامتثال، ويحتمل أن أمر في نومه بذبحه فعبر هو عن ذلك أي «إني رأيت في المنام» ما يوجب أن أَذْبَحُكَ، وقرأ جمهور الناس «ماذا ترى» بفتح والراء، وقرأ حمزة والكسائي «تري» بضم التاء وكسر الراء، على معنى ما يظهر منك من جلد أو جزع، وهي قراءة ابن مسعود والأسود بن يزيد وابن وثاب وطلحة والأعمش ومجاهد، وقرأ الأعمش والضحاك «ترى» بضم التاء وفتح الراء على بناء الفعل للمفعول، فأما الأولى فهي من رؤية الرأي، وهي رؤية تتعدى إلى مفعول واحد، وهو في هذه الآية إما ماذا، بجملتها على أن تجعل «ما» و «ذا» بمنزلة اسم واحد، وإما «ذا» على أن تجعله بمعنى الذي، وتكون «ما» استفهاما وتكون الهاء محذوفة من الصلة، وأما القراءة الثانية فيكون تقدير مفعولها كما مر في هذه، غير أن الفعل فيها منقول من رأى زيد الشيء وأريته إياه، إلا أنه من باب أعطيت فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين، وأما القراءة الثانية فقد ضعفها أبو علي وتتجه على تحامل، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «افعل ما أمرت به» .
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٠٣ الى ١١١]
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)
قرأ جمهور الناس «أسلما» أي أنفسهما واستسلما لله تعالى، وقرأ علي وعبد الله وابن عباس ومجاهد والثوري «سلما» والمعنى فوضا إليه في قضائه وقدره وانحملا على أمره، فأسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه واختلف النحاة في جواب «لما» ، فقال الكوفيون الجواب نادَيْناهُ، والواو زائدة، وقالت فرقة الجواب وَتَلَّهُ والواو زائدة كزيادتها في قوله: وَفُتِحَتِ السَّماءُ [النبأ: ١٩] وقال البصريون: الجواب محذوف تقديره «فلما أسلم وتله» ، وهذا قول الخليل وسيبويه، وهو عندهم كقول امرئ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل
التقدير فلما أجزنا ساحة الحي أجزنا وانتحى، وقال بعض البصريين: الجواب محذوف وتقديره فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أجزل أجرهما أو نحو هذا مما يقتضيه المعنى، وَتَلَّهُ وضعه بقوة ومنه الحديث في
стр. 2151
القدح، فتله رسول الله ﷺ في يده أي وضعه بقوة، والتل من الأرض مأخوذ من هذه كأنه تل في ذلك الموضع، ولِلْجَبِينِ معناه لتلك الجهة وعليها كما يقولون في المثل لليدين والفم وكما تقول سقط لشقه الأيسر، وقال ساعدة بن جوبة «وظل تليلا للجبين والجبينان ما اكتنف الجبهة من هنا وهنا» ، وروي في قصص هذه الآية أن الذبيح قال لأبيه اشدد رباطي بالحبل لئلا أضطرب واصرف بصرك عني، لئلا ترحمني ورد وجهي نحو الأرض، قال قتادة كبه لفيه وأخذ الشفرة، والتل للجبين ليس يقتضي أن الوجه نحو الأرض بل هي هيئة من ذبح للقبلة على جنبه، وقوله أَنْ يا إِبْراهِيمُ، أَنْ مفسرة لا موضع لها من الإعراب وقوله، قَدْ صَدَّقْتَ يحتمل أن يريد بقلبك على معنى كانت عندك رؤياك صادقة وحقا من الله فعملت بحسبها حين آمنت بها واعتقدت صدقها، ويحتمل أن يريد صدقت بعملك ما حصل عن الرؤيا في نفسك كأنه قال قد وفيتها حقها من العمل، والرُّؤْيا اسم لما يرى من قبل الله تعالى، والمنام والحلم اسم لما يرى من قبل الشيطان، ومنه الحديث الصحيح «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» ، وقوله إِنَّا كَذلِكَ إشارة إلى ما عمل إبراهيم، كأنه يقول إنا بهذا النوع من الإخلاص والطاعة نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وقوله تعالى إِنَّ هذا لَهُوَ يشير إلى ما في القصة من امتحان واختبار وسير معتقد، فيكون الْبَلاءُ على هذا المعنى الاختبار بالشدة، ويحتمل أن يشير إلى ما في القصة من سرور بالفدية وإنقاذ من تلك الشدة في إنفاذ الذبح، فيكون الْبَلاءُ بمعنى النعمة.
قال القاضي أبو محمد: وإلى كل احتمال قد أشارت فرقة من المفسرين، وفي الحديث أن الله تعالى أوحى إلى إسحاق أني قد أعطيتك فيها ما سألت فسلني فقال يا رب أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فأدخله الجنة، والضمير في فَدَيْناهُ عائد على الذبح، و «الذبح» اسم لما يذبح ووصفه بالعظم لأنه متقبل يقينا قاله مجاهد، وقال عمر بن عبيد: «الذبح» الكبش و «العظيم» لجري السنة، وكونه دينا باقيا آخر الدهر، وقال الحسن بن الفضل: عظم لأنه كان من عند الله، وقال أبو بكر الوراق: لأنه لم يكن عن نسل بل عن التكوين، وروي عن ابن عباس وعن سعيد بن جبير: أن كونه عظيما هو أنه من كباش الجنة، رعى فيها أربعين خريفا، وقال ابن عباس: هو الكبش الذي قرب ولد آدم، وقال ابن عباس والحسن: كان وعلا اهبط عليه من ثبير، وقال الجمهور: إنه كبش أبيض أقرن أعين وجده وراءه مربوطا بسمرة.
قال القاضي أبو محمد: وروي أنه انفلت لإبراهيم فاتبعه ورماه بحصيات في مواضع الجمرات فبذلك مضت السنة، وقال ابن عباس رجم الشيطان عند جمرة العقبة وغيرها وقد قدم هذا.
قال القاضي أبو محمد: وأهل السنة على أن هذه القصة نسخ فيها العزم على الفعل، والمعتزلة التي تقول إنه لا يصح نسخ إلا بعد وقوع الفعل افترقت في هذه الآية على فرقتين، فقالت فرقة وقع الذبح والتأم بعد ذلك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كذب صراح، وقالت فرقة منهم: بل كان إبراهيم لم ير في منامه إلا أمارة الشفرة فقط، فظن أنه ذبح فجهز، فنفذ لذلك فلما وقع الذي رآه وقع النسخ.
стр. 2152
قال القاضي أبو محمد: والاختلاف أن إبراهيم ﵇ أمر الشفرة على حلق ابنه فلم تقطع، وروي أن صفيحة نحاس اعترضته فحز فيها والله أعلم كيف كان، فقد كثر الناس في قصص هذه الآية بما صحته معدومة، فاختصرته، وقد تقدم تفسير مثل قوله وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ وقوله كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ معناه أي هذا الفعل وباقي الآية بين.
قال القاضي أبو محمد: وما يستغرب في هذه الآية أن عبيد بن عمير قال: ذبح في المقام، وذكر الطبري عن جماعة لم يسمها أنها قالت: كان الأمر وإذاعة الذبح والقصة كلها بالشام، وقال الجمهور: ذبح بمنى، وقال الشعبي: رأيت قرني كبش إبراهيم معلقة في الكعبة.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١٢ الى ١١٧]
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦)
وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)
من قال إن الذبيح هو إسماعيل جعل هذه البشارة بولادة إسحاق وهي البشارة المترددة في غير ما سورة، ومن جعل الذبيح إسحاق جعل هذه البشارة بنفس النبوءة فقط، وقوله تعالى وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ توعد لمن كفر من اليهود بمحمد ﷺ ، والمنة، على موسى وهارون هي في النبوءة وسائر ما جرى معها من مكانتها عند الله تعالى والْكَرْبِ الْعَظِيمِ هو تعبد القبط لهم، ثم جيش فرعون لما قالت بنو إسرائيل إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] ثم البحر بعد ذلك، والضمير في نَصَرْناهُمْ عائد على الجماعة المتقدم ذكرها وهم «موسى وهارون وقومهما» ، وقال قوم: أراد موسى وهارون ولكن أخرج ضميرهما مخرج الجمع تفخيما، وهذا مما تفعله العرب تكني عمن تعظم بكناية الجمع، والْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ هو التوراة.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١٨ الى ١٢٥]
وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)
وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥)
الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يريد به في هذه الآية طريق الشرع والنبوءة المؤدي إلى الله تعالى وقد تقدم القول في مثل قوله وَتَرَكْنا عَلَيْهِما، وإِلْياسَ نبي من أنبياء الله تعالى، قال قتادة وابن مسعود: هو إدريس ﵇، وقالت فرقة: هو من ولد هارون ﵇، قال الطبري هو إلياس بن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون، وقرأ الجمهور من القراء «وإن إلياس» بهمزة مكسورة، وهو اسم، وقرأ
стр. 2153
ابن عامر وابن محيصن وعكرمة والحسن والأعرج «وإن الياس» بغير همز بصلة الألف، وذلك يتجه على أحد وجهين: إما أن يكون حذف الهمزة كما حذفها ابن كثير من قوله تعالى إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ [المدثر:
٣٥] أراد «لإحدى» فنزل المنفصل منزلة المتصل، كما قد ينزل في كثير من الأمور، والآخر أن يجعلها الألف التي تصحب اللام للتعريف كاليسع، وفي مصحف أبي بن كعب «وإن إيليس» بألف مكسورة الهمزة وياء ساكنة قبل اللام المكسورة وياء ساكنة بعدها وسين مفتوحة، وكذلك في قوله «سلام على إيليس» ، وقرأ نافع وابن عامر على «آل ياسين» وقرأ الباقون «سلام على إلياسين» بألف مكسورة ولام ساكنة، قرأ الحسن وأبو رجاء «على الياسين» موصولة فوجه الأولى أنها فيما يزعمون مفصولة في المصحف فدل ذلك على أنها بمعنى أهل و «ياسين» اسم أيضا ل إِلْياسَ وقيل هو اسم لمحمد ﷺ ووجه الثانية أنه جمع إلياسي كما قالوا أعجمي أعجميون، قال أبو علي: والتقدير إلياسين فحذف كما حذف من أعجميين، ونحوه من الأشعريين والنمريين والمهلبين، وحكى أبو عمرو أن مناديا نادى يوم الكلاب، هلك اليزيديون، ويروى قول الشاعر: «قدني من نصر الخبيبين قدي» بكسر الباء الثانية نسبة إلى أبي خبيب، ويقال سمي كل واحد من آل ياسين إلياس كما قالوا شابت مفارقة فسمي كل جزء من المفرق مفرقا، ومنه قولهم «جمل ذو عثانين» ، وعلى هذا أنشد ابن جني: [الرجز]
مرت بنا أول من أموس ... تميس فينا مشية العروس
فسمى كل جزء من الأمس أمس ثم جمع، وقال أبو عبيدة لم يسلم على آل أحد من الأنبياء المذكورين قبل فلذلك ترجح قراءة من قرأ «إلياسين» إذ هو اسم واحد له، وقرأ ابن مسعود والأعمش «وإن إدريس لمن المرسلين» و «سلام على إدريس» وروى هذه القراءة قطرب وغيره وإن إدراسين وإدراس لغة في إدريس كإبراهيم وإبراهام، وقوله أَتَدْعُونَ معناه أتعبدون، والبعل الرب بلغة اليمن قاله عكرمة وقتادة، وسمع ابن عباس رجلا ينشد ضالة فقال له رجل آخر: أنا بعلها، فقال ابن عباس الله أكبر أتدعون بعلا، وقال الضحاك وابن زيد والحسن بَعْلًا اسم صنم كان لهم وله يقال بعلبك وإليه نسب الناس، وذكر ابن إسحاق عن فرقة أن بَعْلًا اسم امرأة كانت أتتهم بضلالة، وقوله أَحْسَنَ الْخالِقِينَ من حيث قيل للإنسان على التجوز إنه يخلق وجب أن يكون تعالى أَحْسَنَ الْخالِقِينَ إذ خلقه اختراع وإيجاد من عدم وخلق الإنسان مجاز كما قال الشاعر: [الكامل أقذ] .
ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٢٦ الى ١٣٨]
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠)
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥)
ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)
стр. 2154
قرأ حمزة والكسائي وعاصم «الله» بالنصب «ربّكم وربّ آبائكم» كل ذلك بالنصب على البدل من قوله أَحْسَنَ الْخالِقِينَ [المؤمنين: ١٤، الصافات: ١٢٥] ، وقرأ الباقون وعاصم أيضا «الله ربّكم وربّ آبائكم» كل ذلك بالرفع على القطع والاستئناف، والضمير في «كذبوه» عائد على قوم إلياس، و «محضرون» معناه مجمعون لعذاب الله وقد تقدم تفسير مثل ما بقي من الآية وتقدم القول أيضا في قوله سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ، و «لوط» ﵇ هو ابن أخي إبراهيم ﵇ وقيل ابن أخته وقد تقدم تفسير قصته بكاملها، وامرأته هي العجوز المهلكة، وكانت كافرة فإما كانت متسترة منه ﵇، وإما كانت معلنة وكان نكاح الوثنيات والإقامة عليهن جائزا، و «الغابرون» الباقون، غبر بمعنى بقي ومعناه هنا بقيت في الهلاك، ثم خاطب تعالى قريشا أو هو على معنى قل لهم يا محمد وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ
في الصباح وفي الليل فواجب أن يقع اعتباركم ونظركم ثم وبخهم تعالى بقوله أَفَلا تَعْقِلُونَ
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٩ الى ١٤٦]
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)
هذا يُونُسَ
بن متى ﷺ ، وهو من بني إسرائيل، وروي أنه نبىء ابن ثمانية وعشرين سنة فتفسخ تحت أعباء النبوءة كما يتفسخ الربع تحت الحمل، وقد تقدم شرح قصته ولكن نذكر منها ما تفهم به هذه الألفاظ، فروي أن الله بعثه إلى قومه فدعاهم مرة فخالفوه فوعدهم بالعذاب، وأعلمه الله تعالى بيومه فحدده يونس لهم، ثم إن قومه لما رأوا مخايل العذاب قبل أن يباشرهم تابوا وآمنوا فتاب الله عليهم وصرف العذاب عنهم، وكان في هذا تجربة ليونس فلحقت يونس غضبة، ويروى أنه كان في سيرتهم أن يقتلوا الكذاب إذا لم تقم له بينة، فخافهم يونس وغضب مع ذلك ف أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ
أي أراد الهروب ودخل في البحر وعبر عن هروبه بالإباق، من حيث هو عبد الله فر عن غير إذن مولاه، فهذه حقيقة الإباق، والْفُلْكِ
في هذا الموضع واحد، والْمَشْحُونِ
الموقر، وهنا قصص محذوف إيجازا واختصارا، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه لما حصل في السفينة وأبعدت في البحر ركدت ولم تجر، والسفن تجري يمينا وشمالا فقال أهلها إن فينا لصاحب ذنب وبه يحبسنا الله تعالى فقالوا لنقترع، فأخذوا لكل أحد سهما وقالوا اللهم ليطف سهم المذنب، ولتغرق سهام الغير فطفا سهم يونس، ففعلوا نحو هذا ثلاث مرات في كل مرة تقع القرعة عليه، فأزمعوا معه على أن يطرحوه في البحر فجاء إلى ركن من أركان السفينة ليقع منه فإذا بدابة من دواب البحر ترقبه وترصد له فرجع إلى الركن الآخر فوجدها كذلك حتى استدار أركان السفينة ليقع منه بالمركب وهي لا تفارقه فعلم أن ذلك عند الله فترامى إليها فالتقمته، وروي أنما
стр. 2155
التقمته بعد أن وقع في الماء، وروي أن الله أوحى إلى الحوت أني لم أجعل يونس لك رزقا وإنما جعلت بطنك له حرزا وسجنا فهذا معنى فَساهَمَ
أي قارع وكذلك فسر ابن عباس والسدي، و «المدحض» الزاهق المغلوب في محاضة أو مساهمة أو مسابقة ومنه الحجة الداحضة، و «المليم» الذي أتى ما يلام عليه، ألام الرجل دخل في اللوم، وبذلك فسر مجاهد وابن زيد ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وكم من مليم لم يصب بملامة ... ومتبع بالذنب ليس له ذنب
ومنه قول لبيد بن ربيعة: [الكامل]
سفها عذلت ولمت غير مليم ... وهداك قبل اليوم غير حكيم
ثم استنقذه الله من بطن الحوت بعد مدة واختلف الناس فيها، فقالت فرقة بعد ساعة من النهار، وقالت فرقة بعد سبع ساعات، وقال مقاتل بن حيان بعد ثلاثة أيام، وقال عطاء بن أبي رباح بعد سبعة أيام، وقالت فرقة بعد أربعة عشر يوما، وقال أبو مالك والسدي بعد أربعين يوما، وهو قول ابن جريج أنه بلغه وجعل تعالى علة استنقاذه مع القدر السابق تسبيحه، واختلف الناس في ذلك فقال ابن جريج هو قوله في بطن الحوت سبحان الله، وقالت فرقة بل التسبيح وصلاة التطوع، واختلفت هذه الفرقة، فقال قتادة وابن عباس وأبو العالية صلاته في وقت الرخاء نفعته في وقت الشدة، وقال هذا جماعة من العلماء، وقال الضحاك بن قيس على منبره اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة إن يونس كان عبدا لله ذاكرا فلما أصابته الشدة نفعه ذلك، قال الله : فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وإن فرعون كان طاغيا باغيا فلما أدركه الغرق قال آمنت فلم ينفعه ذلك، فاذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة. وقال قتادة في الحكمة: إن العمل يرفع صاحبه إذ عثر فإذا صرع وجد متكئا، وقال الحسن بن أبي الحسن: كانت سبحته صلاة في بطن الحوت، وروي أنه كان يرفع لحم الحوت بيديه ويقول يا رب لأبنين لك مسجدا حيث لم يبنه أحد قبلي ويصلي، وروى أنس عن النبي ﷺ أن يونس حين نادى في الظلمات، ارتفع نداؤه إلى العرش فقالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف من موضع غربة، فقال الله هو عبدي يونس فأجاب الله دعوته.
قال القاضي أبو محمد: وذكر الحديث وقال ابن جبير الإشارة بقوله مِنَ الْمُسَبِّحِينَ إلى قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] .
قال القاضي أبو محمد: وكثر الناس في هذا القصص بما اختصرناه لعدم الصحة، وروي أن الحوت مشى به في البحار كلها حتى قذفه في نصيبين من ناحية الموصل فنبذه الله في عراء من الأرض، و «العراء» الفيفاء التي لا شجر فيها ولا معلم ومنه قول الشاعر:
رفعت رجلا لا أخاف عثارها ... ونبذت بالبلد العراء ثيابي
وقال السدي وابن عباس في تفسير قوله وَهُوَ سَقِيمٌ، إنه كان كالطفل المنفوش بضعة لحم، وقال بعضهم كان كاللحم النيء إلا أنه لم ينقص من خلقه شيء فأنعشه الله في ظل «اليقطينة» بلبن أروية كانت
стр. 2156
تغاديه وتراوحه، وقيل بل كان يتغذى من اليقطينة، ويجد منها ألوان الطعام، وأنواع شهواته واختلف الناس في «اليقطينة» فقالت فرقة هي شجرة لا نعرفها سماها الله باليقطينة وهي لفظة مأخوذة من قطن إذا أقام بالمكان، وقال سعيد بن جبير وابن عباس والحسن ومقاتل اليقطين كل ما لا يقوم على ساق من عود كالبقول والقرع والحنظل، والبطيخ ونحوه مما يموت من عامه، وروي نحوه عن مجاهد، وقال ابن عباس وأبو هريرة وعمرو بن ميمون «اليقطين» القرع خاصة.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذين القولين فإما أن يكون قوله شَجَرَةً تجوزا وإما أن يكون أنبتها عليه ذات ساق خرقا للعادة، لأن الشجرة في كلام العرب إنما يقال لما كان على ساق من عود، وحكى بعض الناس أنها كانت قرعة وهي تجمع خصالا برد الظل والملمس وعظم الورق وأن الذباب لا يقربها، وحكى النقاش أن ماء ورق القرعة إذا رش بمكان لم يقربه ذباب، ومشهور اللغة أن «اليقطين» القرع وقد قال أمية بن أبي الصلت في قصة يونس: [الطويل]
فأنبت يقطينا عليه برحمة ... من الله لولا الله ألفي ضاحيا
فنبت يونس ﵇ وصح وحسن جسمه لأن ورق القرع أنفع شيء لمن تسلخ جلده كيونس ﷺ ، وروي أنه كان يوما نائما فأيبس الله تلك اليقطينة، وقيل بعث عليها الأرضة فقطعت عروقها فانتبه يونس لحر الشمس فعز عليه شأنها وجزع له، فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس أجزعت ليبس اليقطينة ولم تجزع لإهلاك مائة ألف أو يزيدون تابوا فتيب عليهم.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٤٧ الى ١٥٧]
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١)
وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦)
فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧)
قال الجمهور إن هذه الرسالة إِلى مِائَةِ أَلْفٍ في رسالته الأولى التي أبق بعدها، ذكرها الله في آخر القصص تنبيها على رسالته، ويدل على ذلك قوله فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ، وتمتيع تلك الأمة هو الذي أغضب يونس حتى أبق، وقال قتادة وابن عباس أيضا هذه الرسالة أخرى بعد أن نبذ بالعراء وهي إلى أهل نينوى من ناحية الموصل، وقرأ جعفر بن محمد، «ويزيدون» بالواو، وقرأ الجمهور «أو يزيدون» ، فقال ابن عباس «أو» بمعنى «بل» ، وكانوا مائة ألف وثلاثين ألفا، وقال أبي بن كعب عن النبي ﷺ «كانوا مائة وعشرين ألفا» ، وقال ابن جبير: كانوا مائة وسبعين ألفا، وروي عن ابن عباس أنه قرأ «إلى مائة ألف بل يزيدون» ، وقالت فرقة أَوْ هنا بمعنى الواو، وقالت فرقة هي للإبهام على المخاطب، كما تقول ما عليك أنت أنا أعطي فلانا دينارا أو ألف دينار، ونحو هذا قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ
стр. 2157
شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ
[آل عمران: ١٢٨] .
قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى قليل التمكن في قوله أَوْ يَزِيدُونَ، وقال المبرد وكثير من البصريين: المعنى على نظر البشر وحزرهم، أي من رآهم قال: هم مائة ألف أو يزيدون، وروي في قوله تعالى: فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ فمتعهم إِلى حِينٍ أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم وفرقوا بينها وبين الأمهات وناحوا وضجوا وأخلصوا فرفع الله عنهم، والتمتيع هنا هو بالحياة و «الحين» آجالهم السابقة في الأزل، قاله قتادة والسدي، وقرأ ابن أبي عبلة «حتى حين» ، وفي قوله تعالى: فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ مثال لقريش أي أن آمنوا كما جرى لهؤلاء، ومن هنا حسن انتقال القول والمحاورة إليهم بقوله، فَاسْتَفْتِهِمْ فإنما يعود ضميرهم على ما في المعنى من ذكرهم، والاستفتاء السؤال، وهو هنا بمعنى التقريع والتوبيخ، على قولهم على الله البهتان وجعلهم البنات لله تعالى عن ذلك وأمره بتوقيفهم على جهة التوبيخ أيضا هل شاهدوا أن الملائكة إناث فيصح لهم القول به، ثم أخبر تعالى عن فرقة منهم بلغ بها الإفك والكذب إلى أن قالت ولد الله الملائكة لأنه نكح في سروات الجن وهذه فرقة من بني مدلج فيما روي، وقرأ جمهور الناس «اصطفى» بالهمز وهو ألف الاستفهام وهذا على جهة التقرير والتوبيخ على نسبتهم إليه اختيار الأدنى عندهم، وقرأ نافع في رواية إسماعيل عنه «اصطفى» بصلة الألف على الخبر كأنه يحكي شنيع قولهم، ورواها إسماعيل عن أبي جعفر وشيبة، ثم قرر ووبخ وعرض للتذكر والنظر واستفهم عن البرهان والحجة على جهة التقرير وضمهم الاستظهار بكتاب أو أمر يظهر صدقهم، وقرأ الجمهور «أفلا تذكّرون» مشددة الذال والكاف، وقرأ طلحة بن مصرف «تذكرون» بسكون الذال وضم الكاف خفيفة.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٥٨ الى ١٦٩]
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢)
إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧)
لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)
الضمير في قوله وَجَعَلُوا لفرقة من كفار قريش والعرب، قال ابن عباس في كتاب الطبري إن بعضهم قال إن الله تعالى وإبليس أخوان، وقال مجاهد: قال قوم لأبي بكر الصديق: إن الله تعالى نكح في سروات الجن، وقال بعضهم إن الملائكة بناته، ف الْجِنَّةِ على هذا القول الأخير يقع على الملائكة سميت بذلك لأنها مستجنة أي مستترة، وقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ من جعل الجنة الشياطين جعل العلامة في عَلِمَتِ لها، والضمير في إِنَّهُمْ عائد عليهم أي جعلوا الشياطين بنسب من الله والشياطين تعلم ضد ذلك من أنها ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه، ومن جعل الجنة الملائكة جعل الضمير في إِنَّهُمْ للقائلين هذه المقالة أي علمت الملائكة أن هؤلاء الكفرة سيحضرون ثواب الله وعقابه وقد يتداخل هذان القولان، ثم نزه تعالى نفسه عما يصفه الناس ولا يليق به، ومن هذا استثنى العباد
стр. 2158
المخلصين لأنهم يصفونه بصفاته العلى، وقالت فرقة استثناهم من قوله إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ.
قال القاضي أبو محمد: وهذا يصح على قول من رأى الجنة الملائكة، وقوله تعالى: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ بمعنى قل لهم يا محمد إنكم وأصنامكم ما أنتم بمضلين أحدا بسببها، وعليها الأمر سبق عليه القضاء وضمه القدر، بأنه يصلى الجحيم في الآخرة، وليس عليكم إضلال من هدى الله تعالى، وقالت فرقة عَلَيْهِ، بمعنى به، و «الفاتن» المضل في هذا الموضع وكذلك فسر ابن عباس والحسن بن أبي الحسن، وقال ابن الزبير على المنبر: إن الله هو الهادي والفاتن، ومَنْ في موضع نصب بِفاتِنِينَ، وقرأ الجمهور «صال الجحيم» بكسر اللام، من صال حذفت الياء للإضافة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «صال الجحيم» بضم اللام وللنحاة في معناه اضطراب، أقواه أنه صالون حذفت النون للإضافة، ثم حذفت الواو للالتقاء وخرج لفظ الجميع بعد لفظ الإفراد، فهو كما قال وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ [يونس: ٤٢] لما كانت «من» و «هو» من الأسماء التي فيها إبهام ويكنى بها عن أفراد وجمع ثم حكى قول الملائكة، وَما مِنَّا وهذا يؤيد أن الجنة أراد بها الملائكة كأنه قال ولقد علمت كذا أو أن قولها لكذا، وتقدير الكلام ما منا ملك، وروت عائشة عن النبي ﷺ «إن السماء ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو واقف يصلي» ، وقال ابن مسعود «موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه» ، وقرأ ابن مسعود «وإن كلنا لما له مقام معلوم» ، والصَّافُّونَ معناه الواقفون صفوفا، والْمُسَبِّحُونَ يحتمل أن يريد به الصلاة، ويحتمل أن يريد به قول سبحان الله، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان إذا أقيمت الصلاة صرف وجهه إلى الناس فيقول لهم: عدلوا صفوفكم وأقيموها فإن الله تعالى إنما يريد بكم هدي الملائكة، فإنها تقول وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ، ثم يرى تقويم الصفوف، وعند ذلك ينصرف ويكبر، قال الزهراوي: قيل إن المسلمين إنما اصطفوا منذ نزلت هذه الآية، ولا يصطف أحد من أهل الملل غير المسلمين، ثم ذكر مقالة بعض الكفار، وقال قتادة والسدي والضحاك فإنهم قبل نبوة محمد ﷺ قالوا لو كان لنا كتاب أو جاءنا رسول لكنا من أتقى عباد الله وأشدهم إخلاصا فلما جاءهم محمد كفروا فاستوجبوا أليم العقاب.
قوله :
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٧٠ الى ١٨٢]
فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤)
وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)
قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وعيد محض لأنهم تمنوا أمرا فلما جاءهم الله تعالى به كفروا واستهواهم الحسد، ثم أنس تعالى نبيه وأولياءه بأن القضاء قد سبق، والكلمة قد حقت في الأزل بأن رسل
стр. 2159
الله تعالى إلى أرضه هم الْمَنْصُورُونَ على من ناوأهم المظفرون بإرادتهم المستوجبون الفلاح في الدارين، وقرأ الضحاك «كلماتنا» بألف على الجمع، وجند الله هم الغزاة لتكون كلمات الله هي العليا، وقال علي بن أبي طالب: جند الله في السماء الملائكة، وفي الأرض الغزاة وقوله تعالى، فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وعد للنبي ﷺ وأمر بالموادعة، وهذا مما نسخته آية السيف، واختلف الناس في المراد ب «الحين» ، هنا، فقال السدي: الحين المقصود يوم بدر ورجحه الطبري، وقال قتادة: الحين موتهم، وقال ابن زيد: الحين المقصود يوم القيامة، وقوله تعالى: وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ وعد للنبي ﷺ ووعيد لهم أي سوف يرون عقبى طريقتهم، ثم قرر تعالى نبيه على جهة التوبيخ لهم على استعجالهم عذاب الله، وقرأ جمهور الناس «فإذا نزل بساحتهم» على بناء الفعل للفاعل أي نزل العذاب، وقرأ ابن مسعود «نزل بساحتهم» على بنائه للمفعول، والساحة الفناء، والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرد على الإنسان من خير أو شر، وسوء الصباح أيضا مستعمل في ورود الغارات والرزايا، ونحو ذلك ومنه قول الصارخ: يا صباحاه! كأنه يقول قد ساء لي الصباح فأغيثوني، وقرأ ابن مسعود «فبئس صباح» ، ثم أعاد أمر نبيه بالتولي تحقيقا لتأنيسه وتهمما به، وأعاد توعدهم أيضا لذلك، ثم نزه نفسه تنزيها مطلقا عن جميع ما يمكن أن يصفه به أهل الضلالات، والْعِزَّةِ في قوله رَبِّ الْعِزَّةِ هي العزة المخلوقة الكائنة، للأنبياء والمؤمنين وكذلك قال الفقهاء من أجل أنها مربوبة، وقال محمد بن سحنون وغيره: من حلف بعزة الله فإن كان أراد صفته الذاتية فهي يمين، وإن كان أراد عزته التي خلقها بين عباده وهي التي في قوله رَبِّ الْعِزَّةِ فليست بيمين، وروي عن النبي ﷺ أنه قال «إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم» ، وباقي الآية بين، وذكر أبو حاتم عن صالح بن ميناء قال:
قرأت على عاصم بن أبي النجود فلما ختمت هذه السورة سكت فقال لي: إيه اقرأ، قلت قد ختمت، فقال كذلك فعلت على أبي عبد الرحمن وقال لي كما قلت لك، وقال لي كذلك قال لي علي بن أبي طالب وقال: «وقل آذنتكم باذانة المرسلين لتسألن عن النبإ العظيم» ، وفي مصحف عبد الله «عن هذا النبإ العظيم» .
стр. 2160
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة ص
هذه السورة مكية بإجماع من المفسرين.
قوله :
[سورة ص (٣٨) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤)
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥)
قرأ الحسن وأبي بن كعب وابن أبي إسحاق: «صاد» بكسر الدال على أنه أمر من صادى يصادي إذا ضاهى وماثل، أي صار كالصدى الذي يحكي الصياح، والمعنى: ماثل القرآن بعلمك وقارنه بطاعتك، وهكذا فسر الحسن، أي انظر أين عملك منه، وقال جمهور الناس: إنه حرف المعجم المعروف، ويدخله ما يدخل سائر أوائل السور من الأقوال، ويختص هذا الموضع بأن قال بعض الناس: معناه صدق محمد.
وقال الضحاك معناه: صدق الله، وقال محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله: صمد صادق الوعد، صانع المصنوعات، وقرأها الجمهور: «صاد» بسكون الدال، وقرأ ابن أبي إسحاق بخلاف عنه «صاد» بكسر الدال وتنوينها على القسم، كما تقول: الله لأفعلن. وحكى الطبري وغيره عن ابن أبي إسحاق:
«صاد» بدون تنوين، وألحقه بقول العرب: خاث باث، وخار وباز. وقرأ فرقة منها عيسى بن عمر: «صاد» بفتح الدال، وكذلك يفعل في نطقه بكل الحروف، يقول: قاف، ونون، ويجعلها كأين وليت. قال الثعلبي، وقيل معناه: صاد محمد القلوب، بأن استمالها للإيمان.
وقوله: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قسم. وقال السدي وابن عباس وسعيد بن جبير، معناه ذي الشرف الباقي المخلد. وقال قتادة والضحاك: ذي التذكرة للناس والهداية لهم. وقالت فرقة معناه: ذي الذكر للأمم والقصص والغيوب. وأما جواب القسم فاختلف فيه، فقالت فرقة: الجواب في قوله: ص إذ هو بمعنى صدق محمد، أو صدق الله. وقال الكوفيون والزجاج، الجواب قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: ٦٤] . وقال بعض البصريين ومنهم الأخفش، الجواب في قوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ [ص: ١٤] .
قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان بعيدان.
стр. 2161
وقال قتادة والطبري: الجواب مقدر قبل بل، وهذا هو الصحيح، تقديره: والقرآن ما الأمر كما يزعمون، ونحو هذا من التقدير فتدبره. وحكى الزجاج عن قوم أن الجواب قوله: كَمْ أَهْلَكْنا وهذا متكلف جدا. والعزة هنا: المعازة والمغالبة. والشقاق: نحوه أي هم في شق، والحق في شق. و: كَمْ للتكثير، وهي خبر فيه مثال ووعيد، وهي في موضع نصب ب أَهْلَكْنا. والقرن الأمة من الناس يجمعها زمن أحد، وقد تقدم تحريره مرارا.
وقوله: فَنادَوْا معناه: مستغيثين، والمعنى أنهم فعلوا ذلك بعد المعاينة فلم ينفع ذلك، ولم يكن في وقت نفع. وَلاتَ بمعنى: ليس، واسمها مقدر عند سيبويه، تقديره ولات الحين حين مناص، وهي: لا (لحقتها: تاء، كما تقول) ربت وثمت. قال الزجاج: وهي كتاء جلست وقامت، تاء الحروف كتاء الأفعال دخلت على ما لا يعرب في الوجهين، ولا تستعمل «لا» مع التاء إلا في الحين والزمان والوقت ونحوه، فمن ذلك قول الشاعر [محمد بن عيسى بن طلحة] : [الكامل] لات ساعة مندم وقال الآخر: [الوافر]
تذكر حب ليلى لات حينا ... وأضحى الشيب قد قطع القرينا
وأنشد بعضهم في هذا المعنى: [الخفيف]
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
وأنشد الزجاج بكسر التاء، وهذا كثير، قراءة الجمهور: فتح التاء من: «لات» والنون من: «حين» وروي عن عيسى كسر التاء من: «لات» ونصب النون. وروي عنه أيضا: «حين» بكسر النون، واختلفوا في الوقف على: لاتَ فذكر الزجاج أن الوقف بالتاء، ووقف الكسائي بالهاء، ووقف قوم واختاره أبو عبيد على «لا» ، وجعلوا التاء موصولة ب حِينَ، فقالوا «لا تحين» . وذكر أبو عبيد أنها كذلك في مصحف عثمان بن عفان ﵁، ويحتج لهذا بقول أبي وجزة: [الكامل]
العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم
يمدح آل الزبير. وقرأ بعض الناس: «لات حين» برفع النون من: حِينَ على إضمار الخبر.
والمناص: المفر، ناص ينوص، إذا فات وفر، قال ابن عباس: المعنى ليس بحين نزو ولا فرار ضبط القوم. والضمير في: عَجِبُوا لكفار قريش، واستغربوا أن نبىء بشر منهم فأنذرهم، وأن وحد إلها، وقالوا: كيف يكون إله واحد يرزق الجميع وينظر في كل أمرهم؟ و: عُجابٌ بناء مبالغة، كما قالوا سريع وسراع، وهذا كثير.
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: «عجّاب» بشد الجيم، ونحوه قول الراجز: [الرجز]
جاؤوا بصيد عجب من العجب ... أزيد والعينين طوال الذنب
стр. 2162
وقد قالوا: رجل كرام، أي كريم.
قوله :
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦ الى ٩]
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)
روي في قصص هذه الآية أن أشراف قريش وجماعتهم اجتمعوا عند مرض أبي طالب عم النبي ﷺ فقالوا: إن من القبيح علينا أن يموت أبو طالب ونؤذي محمدا بعده، فتقول العرب:
تركوه مدة عمه، فلما مات آذوه، ولكن لنذهب إلى أبي طالب فلينصفنا منه، وليربط بيننا وبينه ربطا، فنهضوا إليه، فقالوا يا أبا طالب إن محمدا يسب ويسفه آراءنا وآراء آبائنا ونحن لا نقاره على ذلك، ولكن افصل بيننا وبينه في حياتك، بأن يقيم في منزله يعبد ربه الذي يزعم، ويدع آلهتنا، ولا يعرض لأحد منا بشيء من هذا، فبعث أبو طالب في محمد ﷺ ، فقال يا محمد، إن قومك قد دعوك إلى النصفة، وهي أن تدعهم وتعبد ربك وحدك، فقال: أو غير ذلك يا عم؟ قال وما هو؟ قال: يعطوني كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم قالوا وما هي؟ فإنا نبادر إليها، قال: لا إله إلا الله، فنفروا عند ذلك، وقالوا ما يرضيك منا غير هذا؟ قال: والله لو أعطيتموني الأرض ذهبا ومالا. وفي رواية:
لو جعلتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما أرضاني منكم غيرها، فقاموا عند ذلك، وبعضهم يقول:
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥] ويرددون هذا المعنى، وعقبة بن أبي معيط يقول: امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ.
وجلبت هذا الخبر تام المعنى، وفي بعض رواياته زيادة ونقصان، والغرض متقارب، ولما ذهبوا قال رسول الله ﷺ : يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال: والله لولا أن تكون سبة في بني بعدي لأقررت بها عينك، ومات وهو يقول: على ملة عبد المطلب، فنزلت في ذلك:
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] وانطلق.
فقوله تعالى في هذه الآية: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ عبارة عن خروجهم عن أبي طالب وانطلاقهم من ذلك الجمع، هذا قول جماعة من المفسرين. وقالت فرقة: هي عبارة عن إذاعتهم لهذه الأقاويل، فكأنه كما يقول الناس: انطلق الناس بالدعاء للأمير ونحوه، أي استفاض كلامهم بذلك، والْمَلَأُ الأشراف والرؤوس الذين يسدون مسد الجميع في الآراء ونحوه.
وقوله: أَنِ امْشُوا أَنِ مفسرة لا موضع لها في الإعراب، ويجوز أن يكون في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، أي بأن، فهي بتقدير المصدر، كأنه قال: وانطلق الملأ منهم بقولهم: امشوا ومعنى الآية أنه قال بعضهم لبعض امشوا واصبروا على كل أمر آلهتكم، وذهب بعض الناس إلى أن قولهم:
стр. 2163
امْشُوا، هو دعاء بكسب الماشية، وفي هذا ضعف، لأنه كان يلزم أن تكون الألف مقطعوعة، لأنه إنما يقال: أمشى الرجل إذا صار صاحب ماشية، وأيضا فهذا المعنى غير متمكن في الآية، وإنما المعنى:
سيروا على طريقتكم ودوموا على سيركم، أو يكون المعنى: أمر من نقل الأقدام، قالوه عند انطلاقهم، وهو في مصحف عبد الله بن مسعود: «وانطلق الملأ منهم يمشون أن اصبروا» .
وقولهم: إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ يريدون ظهور محمد وعلوه بالنبوة، أي يراد منا: الانقياد إليه:
وقولهم: ما سَمِعْنا بِهذا يريدون بمثل هذه المقالة أن الإله واحد.
واختلف المتأولون في قولهم: فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ فقال مجاهد: أرادوا ملتهم ونحلتهم التي العرب عليها، ويقال لكل ما تتبعه أمة ما ملة. وقال ابن عباس والسدي: أراد ملة النصارى، وذلك متجه، لأنها ملة شهير فيها التثليث، وأن الإله ليس بواحد. وقالت فرقة معنى قولهم: ما سَمِعْنا أنه يكون مثل هذا، ولا أنه يقال في الملة الآخرة التي كنا نسمع أنها تكون في آخر الزمان، وذلك أنه قبل مبعث النبي ﷺ كان الناس يستشعرون خروج نبي وحدوث ملة ودين، ويدل على صحة هذا ما روي من قول الأحبار ذوي الصوامع، وما روي عن شق وسطيح، وما كانت بنو إسرائيل تعتقد من أنه يكون منهم.
وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ إشارة إلى جميع ما يخبر به محمد ﷺ عن الله تعالى، ثم قالوا على جهة التقرير من بعضهم لبعض، ومضمن ذلك الإنكار: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بمعنى نحن الأشراف الأعلام، فلم خص هذا؟ وكيف يصح هذا؟ فرد الله تعالى قولهم بما تقضيه بل، لأن المعنى ليس تخصيص الله وإنعامه جار على شهواتهم، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أي في ريب أن هذا التذكير بالله حق، ثم توعدهم بقوله: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ أي لو ذاقوه لتحققوا أن هذه الرسالة حق، أي هم لجهالتهم لا يبين لهم النظر، وإنما يبين لهم مباشرة العذاب.
وقرأ ابن مسعود: «أم أنزل» بميم بين الهمزتين، ثم وقفهم احتجاجا عليهم، أعندهم رحمة ربك وخزائنها التي فيها الهدى والنبوءة وكل فضل، فيكون لهم تحكم في الرسالة وغيرها من نعم الله. وأَمْ:
هنا، لم تعادلها ألف، فهي المقطوعة التي معناها إضراب عن الكلام الأول واستفهام، وقدرها سيبويه ب «بل» والألف كقول العرب: إنها لإبل أم شاء. والخزائن للرحمة مستعارة، كأنها موضع جمعها وحفظها من حيث كانت ذخائر البشر تحتاج إلى ذلك خوطبوا في الرحمة بما ينحوا إلى ذلك. وقال الطبري: يعني ب «الخزائن» المفاتيح، والأول أبين، والله أعلم.
قوله :
[سورة ص (٣٨) : الآيات ١٠ الى ١٤]
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤)
أَمْ في هذه الآية معادلة للألف المقدرة في أَمْ [ص: ٩] الأولى، وكأنه تعالى يقول في هذه
стр. 2164
الآية: أم لهم هذا الملك فتكون النبوءة والرسالة على اختيارهم ونظرهم فليرتقوا في الأسباب إن كان الأمر كذلك، أي إلى السماء، قاله ابن عباس. والْأَسْبابِ: كل ما يتوصل به إلى الأشياء، وهي هنا بمعنى الحبال والسلاليم. وقال قتادة: أراد أبواب السماء.
وقوله تعالى: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ اختلف المتأولون في الإشارة ب هُنالِكَ إلى ما هي؟
فقالت فرقة: أشار إل الارتقاء في الأسباب، أي هؤلاء القوم إن راموا ذلك جند مهزوم، وهذا قوي. وقالت فرقة: الإشارة ب هُنالِكَ إلى حماية الأصنام وعضدها، أي هؤلاء القوم حند مهزوم في هذه السبيل. وقال مجاهد: الإشارة ب هُنالِكَ، إلى يوم بدر، وكان غيب أعلم الله به على لسان رسوله، أي جند المشركين يهزمون، فخرج في بدر. وقالت فرقة: الإشارة إلى حصر عام الخندق بالمدينة.
وقوله: مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة أحزاب الأمم الذين تعصبوا في الباطل وكذبوا الرسل فأخذهم الله تعالى. وما، في قوله: جُنْدٌ ما زائدة مؤكدة وفيها تخصيص.
واختلف المتأولون في قوله: ذِي الْأَوْتادِ، فقال ابن عباس وقتادة سمي بذلك لأنه كانت له أوتاد وخشب يلعب له بها وعليها. وقال السدي: كان يقتل الناس بالأوتاد، يسمرهم في الأرض بها. وقال الضحاك: أراد المباني العظام الثابتة، وهذا أظهر الأقوال، كما يقال للجبال أوتاد لثبوتها، ويحتمل أن يقال له ذو أوتاد عبارة عن كثرة أخبيته وعظم عساكره، ونحو من هذا قولهم: أهل العمود.
وقرأت فرقة: «ليكة» . وقرأت فرقة: «الأيكة» ، وقد تقدم القول في شرح ذلك في سورة الشعراء، ثم أخبر تعالى أن هؤلاء المذكورين هم الأحزاب، وضرب بهم المثل لقريش في أنهم كذبوا، ثم أخبر أن عقابه حق على جميعهم، أي فكذلك يحق عليكم أيها المكذبون بمحمد وفي قراءة ابن مسعود: «إن كل لما» . وحكى أبو عمرو الداني إن فيها: «إن كلهم إلا كذب» .
قوله :
[سورة ص (٣٨) : الآيات ١٥ الى ٢٠]
وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)
وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)
يَنْظُرُ بمعنى ينتظر، وهذا إخبار من الله لرسوله صدقه الوجود، ف «الصيحة» على هذا عبارة عن جميع ما نابهم من قتل وأسر وغلبة، وهذا كما تقول: صاح فيهم الدهر. وقال قتادة: توعدهم بصيحة القيامة والنفخ في الصور. قال الثعلبي: روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي ﷺ . وقالت طائفة: توعدهم بصيحة يهلكون بها في الدنيا، وعلى هذين التأويلين فمعنى الكلام أنهم بمدرج عقوبة
стр. 2165
وتحت أمر خطير، ما ينتظرون فيه إلا الهلكة، وليس معناه التوعد بشيء معين ينتظره محمد فيه كالتأويل الأول.
وقرأ جمهور القراء: «فواق» بفتح الفاء. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش وأبو عبد الرحمن: «فواق» بضم الفاء. قال ابن عباس وغيره: هما بمعنى واحد، أي ما لها من انقطاع وعودة، بل هي متصلة حتى تهلكهم، ومنه فواق الحلب: المهلة التي بين الشخبين: وجعلوه مثل قصاص الشعر وقصاصه وغير ذلك، ومنه الحديث عن النبي ﷺ : «من رابط فوق ناقة حرم الله جسده على النار» . وقال ابن زيد وأبو عبيدة ومؤرج والفراء: المعنى مختلف: الضم كما تقدم من معنى فواق الناقة، والفتح بمعنى الإفاقة، أي ما يكون لهم بعد هذه الصيحة إفاقة ولا استراحة، ف «فواق» : مثل جواب، من أجاب.
ثم ذكر عنهم أنهم قالوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ والقط: الحظ والنصيب، والقط أيضا: الصك والكتاب من السلطان بصلة ونحوه، ومنه قول الأعشى: [الطويل]
ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويافق
وهو من قططت، أي قطعت.
واختلف الناس في «القط» هنا ما أرادوا به، فقال سعيد بن جبير: أرادوا به عجل لنا نصيبنا من الخير والنعيم في دنيانا. وقال أبو العالية والكلبي: أرادوا عجل لنا صحفنا بإيماننا، وذلك لما سمعوا في القرآن أن الصحف تعطى يوم القيامة بالأيمان والشمائل، قالوا ذلك. وقال ابن عباس وغيره: أرادوا ضد هذا من العذاب ونحوه، فهذا نظير قولهم: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: ٤٢] وقال السدي، المعنى: أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك، وعلى كل تأويل، فكلامهم خرج على جهة الاستخفاف والهزء، ويدل على ذلك ما علم من كفرهم واستمر، ولفظ الآية يعطي إقرارا بيوم الحساب.
وقوله تعالى: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ أي من هذه الأقاويل التي يريدون بها الاستخفاف ولا يلتفت إليها: واذكر داود ذا الأيد في الدين والشرع والصدع به، فتأس به وتأيد كما تأيد. و: الْأَيْدِ القوة، وهي في داود متضمنة قوة البدن وقوته على الطاعة. و «الأواب» الرجاع إلى طاعة الله، وقاله مجاهد وابن زيد، وفسره السدي بالمسبح، وذكر الثعلبي أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الزرقة يمن. وكان داود أزرق.
وأخبر تعالى عما وهب لداود من الكرامة في أن سخر الجبال تسبح معه، وظاهر الآية عموم الجبال.
وقالت فرقة: بل هي الجبال التي كان فيها وعندها، وتسبيح الجبال هنا حقيقة. وَالْإِشْراقِ وقت ضياء الشمس وارتفاعها، ومنه قولهم: أشرق ثبير، أي ادخل في الشروق، وفي هذين الوقتين كانت صلاة بني إسرائيل. وقال ابن عباس: صلاة الضحى عندنا هي صلاة الإشراق، وهي في هذه الآية.
وقوله تعالى: وَالطَّيْرَ عطف على الْجِبالَ، أي وسخرنا الطير، ومَحْشُورَةً نصب على الحال، ومعناه: مجموعة.
стр. 2166
وقرأ ابن أبي عبلة: «والطير محشورة» بالرفع فيهما. والضمير في: لَهُ قالت فرقة: هو عائد على داود، ف كُلٌّ للجبال والطير.
وقوله تعالى: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ عبارة عامة لجميع ما وهبه الله تعالى من قوة وخير ونعمة، وقد خصص بعض المفسرين في ذلك أشياء دون أشياء، فقال السدي: بالجنود. وقال آخرون: بهيبة جعلها الله تعالى له.
وقرأ الجمهور: «وشددنا» بتخفيف الدال الأولى. وروي عن الحسن: «شدّدنا» بشدها على المبالغة.
والْحِكْمَةَ: الفهم في الدين وجودة النظر، هذا قول فرقة. وقالت فرقة: أراد ب الْحِكْمَةَ النبوءة. وقال أبو العالية: الْحِكْمَةَ العلم الذي لا ترده العقول.
قال القاضي أبو محمد: هي عقائد البرهان واختلف الناس في فَصْلَ الْخِطابِ، فقال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل القضاء بين الناس بالحق وإصابته وفهمه. وقال علي بن أبي طالب وشريح والشعبي: فَصْلَ الْخِطابِ إيجاب اليمين على المدعى عليه، والبينة على المدعي. وقال الشعبي أيضا وزياد: أراد قول أما بعد، فإنه أول من قالها، والذي يعطيه لفظ الآية أن الله تعالى آتاه أنه كان إذا خاطب في نازلة فصل المعنى وأوضحه وبينه، لا يأخذه في ذلك حصر ولا ضعف، وهذه صفة قليل من يدركها، فكان كلامه ﵇ فصلا، وقد قال الله تعالى في صفة القرآن: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق: ١٣] ويزيد محمد ﷺ على هذه الدرجة بالإيجاز في العبارة وجمع المعاني الكثيرة في اللفظ اليسير، وهذا هو الذي تخصص ﵇ في قوله: «وأعطيت جوامع الكلم» فإنها في الخلال التي لم يؤتها أحد قبله، ذكر جوامع الكلم معدودة في ذلك مسلم.
قوله :
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٢١ الى ٢٤]
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤)
هذه مخاطبة للنبي ﷺ واستفتحت بالاستفهام تعجيبا من القصة وتفخيما لها، لأن المعنى: هل أتاك هذا الأمر العجيب الذي هو عبرة، فكأن هذا الاستفهام إنما هو تهيئة نفس المخاطب وإعدادها للتلقي. والْخَصْمِ جار مجرى عدل وزور، يوصف به الواحد والاثنان والجميع، ومنه قول لبيد: [الطويل]
стр. 2167
وخصم يعدو الذحول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب
وتحتمل هذه الآية أن يكون المتسور للمحراب اثنين فقط، لأن نفس الخصومة إنما كانت بين اثنين، فتجيء الضمائر في: تَسَوَّرُوا و: دَخَلُوا و: قالُوا على جهة التجوز، والعبارة عن الاثنين بلفظ الجمع، ويحتمل أنه جاء مع كل فرقة، كالعاضدة والمؤنسة، فيقع على جميعهم خصم، وتجيء الضمائر حقيقة. و: تَسَوَّرُوا معناه: علوا سوره وهو جمع سورة، وهي القطعة من البناء، وهذا كما تقول:
تسنمت الحائط أو البعير، إذا علوت على سنامه. والْمِحْرابَ: الموضع الأرفع من القصر أو المسجد، وهو موضع التعبد، والعامل في: إِذْ الأولى نَبَأُ وقيل: أَتاكَ. والعامل في: إِذْ الثانية تَسَوَّرُوا، وقيل هي بدل من إِذْ الأولى وقوله تعالى: فَفَزِعَ مِنْهُمْ يحتمل أن يكون فزعه من الداخلين أنفسهم لئلا يؤذوه، وإنما فزع من حيث دخلوا من غير الباب ودون استئذان، وقيل إن ذلك كان ليلا، ذكره الثعلبي، ويحتمل أن يكون فزعه من أن يكون أهل ملكه قد استهانوه حتى ترك بعضهم الاستئذان، فيكون فزعه على فساد السيرة لا من الداخلين. ويحتمل قولهم: لا تَخَفْ أنهم فهموا منه ﵇ خوفه.
وهنا قصص طول الناس فيها، واختلفت الروايات به، ولا بد أن نذكر منه ما لا يقوم تفسير الآية إلا به، ولا خلاف بين أهل التأويل أنهم إنما كانوا ملائكة بعثهم الله ضرب مثل لداود ﵇، فاختصموا إليه في نازلة قد وقع هو في نحوها، فأفتى بفتيا هي واقفة عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد، خر وأناب واستغفر، وأما نازلته التي وقع فيها، فروي أنه ﵇ جلس في ملإ من بني إسرائيل فأعجب بعمله، وظهر منه ما يقتضي أنه لا يخاف على نفسه الفتنة، ويقال بل وقعت له في مثل هذا مجاورة مع الملكين الحافظين عليه فقال لهما: جرباني يوما، فإني وإن غبتما عني لا أواقع مكروها. وقال السدي:
كان داود قد قسم دهره: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما لعبادته، ويوما لشأن نفسه، ففتن يوم خلوه للعبادة لما تمنى أن يعطى مثل فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والتزم أن يمتحن كما امتحنوا، وقيل في السبب غير هذا مما لا يصح تطويله. قال ابن عباس ما معناه: أنه أخذ داود يوما في عبادته وانفرد في محرابه يصلي ويسبح إذ دخل عليه طائر من كوة، فوقع بين يديه، فروي أنه كان طائرا حسن الهيئة: حمامة، فمد داود يده ليأخذه فزال مطمعا له فما زال يتبعه حتى صعد الكوة التي دخل منها فصعد داود ليأخذه، فتنحى له الطائر، فتطلع داود ﵇، فإذا هو بامرأة تغتسل عريانة، فرأى منظرا جميلا فتنه، ثم إنها شعرت به، فأسبلت شعرها على بدنها فتجللت به، فزاده ولوعا بها، ثم إنه انصرف وسأل عنها، فأخبر أنها امرأة رجل من جنده يقال له: أوريا وإنه في بعث كذا وكذا، فيروى أنه كتب إلى أمير تلك الحرب أن قدم فلانا يقاتل عند التابوت، وهو موضع بركاء الحرب قلما يخلص منه أحد، فقدم ذلك الرجل حتى استشهد هنالك.
ويروى أن داود كتب أن يؤمر ذلك الرجل على جملة من الرجال، وترمى به الغارة والوجوه الصعبة من الحرب، حتى قتل في الثالثة من نهضاته، وكان لداود فيما روي تسع وتسعون امرأة، فلما جاءه الكتاب بقتل من قتل في حربه، جعل كلما سمي رجل يسترجع ويتفجع، فلما سمي الرجل قال: كتب الموت على كل نفس، ثم إنه خطب المرأة وتزوجها، فكانت أم سليمان فيما روي عن قتادة فبعث الله تعالى إليه
стр. 2168
الخصم ليفتي بأن هذا ظلم. وقالت فرقة: إن هذا كله هم به داود ولم يفعله، وإنما وقعت المعاتبة على همه بذلك. وقال آخرون: إنما الخطأ في أن لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده، إذ كان عنده أمر المرأة.
قال القاضي أبو محمد: والرواة على الأول أكثر، وفي كتب بني إسرائيل في هذه القصة صور لا تليق، وقد حدث بها قصاص في صدر هذه الأمة، فقال علي بن أبي طالب ﵁: من حدث بما قال هؤلاء القصاص في أمر داود ﵇ جلدته حدين لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله.
وقوله: خَصْمانِ تقديره: نحن خصمان، وهذا كقول الشاعر: [الطويل]
وقولا إذا جاوزتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيين نهدا وخثعما
نزيعان من جرم ابن زبان إنهم ... أبوا أن يميروا في الهزاهز محجما
ونحوه قال العرب في مثل: محسنة فهيلي، التقدير: أنت محسنة، ومنه قوله ﷺ :
«آئبون تائبون» . و: بَغى معناه: اعتدى واستطال، ومنه قول الشاعر: [الوافر]
ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم
وقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ إغلاظ على الحاكم واستدعاء بعدله، وليس هذا بارتياب منه، ومنه قول الرجل للنبي ﵇: فاحكم بيننا بكتاب الله.
وقرأ جمهور الناس: «ولا تشطط» بضم التاء وكسر الطاء الأولى، معناه: ولا تتعد في حكمك. وقرأ أبو رجاء وقتادة: «تشطط» بفتح التاء وضم الطاء، وهي قراءة الحسن والجحدري، ومعناه: ولا تبعد، يقال: شط إذا بعد، وأشط إذا أبعد غيره. وقرأ زر بن حبيش: «تشاطط» بضم التاء وبالألف. و: سَواءِ الصِّراطِ معناه: وسط الطريق ولا حبه.
وقوله: إِنَّ هذا أَخِي إعراب أخي عطف بيان، وذلك أن ما جرى من هذه الأشياء صفة كالخلق والخلق وسائر الأوصاف، فإنه نعت محض، والعامل فيه هو العامل في الموصوف، وما كان منها مما ليس ليوصف به بتة فهو بدل، والعامل فيه مكرر، وتقول: جاءني أخوك زيد، فالتقدير: جاءني أخوك جاءني زيد، فاقتصر على حذف العامل في البدل والمبدل منه في قوله: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ [يس: ٣١] وما كان منها مما لا يوصف به واحتيج إلى أن يبين به ويجري مجرى الصفة فهو عطف بيان، وهو بين في قول الشاعر: [الرجز] يا نصر نصرا نصرا فإن الرواية في الثاني بالتنوين، فدل ذلك على أن النداء ليس بمكرر عليه، فليس ببدل، وصح فيه عطف البيان، وهذه الأخوة مستعارة، إذ هما ملكان، لكن من حيث تصورا آدميين تكلما بالأخوة التي بينهما في الدين والإيمان، والله أعلم. و «النعجة» في هذه الآية، عبر بها عن المرأة. والنعجة في كلام العرب تقع
стр. 2169
على أنثى بقر الوحش، وعلى أنثى الضأن، وتعبر العرب بها عن المرأة، وكذلك بالشاة، قال الأعشى:
[الكامل]
فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها
أراد عن امرأته، وفي قراءة ابن مسعود: «وتسعون نعجة أنثى» . وقرأ حفص عن عاصم: «ولي» بفتح الياء. وقرأ الباقون بسكونها، وهما حسنان. وقرأ الحسن والأعرج: «نعجة» بكسر النون، والجمهور على فتحها. وقرأ الحسن: «تسع وتسعون» بفتح التاء فيهما وهي لغة.
وقوله: أَكْفِلْنِيها أي ردها في كفالتي، وقال ابن كيسان، المعنى: اجعلها كفلي، أي نصيبي.
وَعَزَّنِي: معناه غلبني، ومنه قول العرب: من عزبز، أي من غلب سلب وقرأ أبو حيوة: «وعزني» بتخفيف الزاي. قال أبو الفتح: أراد عززني، فحذف الزاي الواحدة تخفيفا كما قال أبو زيد:
أحسن به فهن إليه شوس قال أبو حاتم: ورويت «عزني» بتخفيف الزاي عن عاصم. وقرأ ابن مسعود وأبو الضحى وعبيد بن عمير: «وعازني» ، أي غالبني.
ومعنى قوله: فِي الْخِطابِ كان أوجه مني وأقوى، فإذا خاطبته كان كلامه أقوى من كلامي، وقوته أعظم من قوتي، فيروى أن داود ﵇ لما سمع هذه الحجة قال للآخر: ما تقول؟ فأقر وألد، فقال له داود: لئن لم ترجع إلى الحق لأكسرن الذي فيه عيناك. وقال للثاني: لقد ظلمك، فتبسما عند ذلك، وذهبا ولم يرهما لحينه، فشعر حينئذ للأمر. وروي أنهما ذهبا نحو السماء بمرأى منه. وقيل بل بينا فعله في تلك المرأة وزوجها، وقالا له: إنما نحن مثال لك. وقال بعض الناس: إن داود قال: لقد ظلمك، قبل أن يسمع حجة الآخر، وهذه كانت خطيئة ولم تنزل به هذه النازلة المروية قط.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق ابن عطية ﵁: وهذا ضعيف من جهات، لأنه خالف متظاهر الروايات، وأيضا فقوله: لَقَدْ ظَلَمَكَ إنما معناه إن ظهر صدقك ببينة أو باعتراف، وهذا من بلاغة الحاكم التي ترد المعوج إلى الحق، وتفهمه ما عند القاضي من الفطنة. وقال الثعلبي: كان في النازلة اعتراف من المدعى عليه حذف اختصارا، ومن أجله قال داود: لَقَدْ ظَلَمَكَ.
وقوله ﵇: «لقد ظلمت بسؤال نعجتك» أضاف الضمير إلى المفعول، والْخُلَطاءِ الأشراك والمتعاقبون في الأملاك والأمور، وهذا القول من داود وعظ وبسط لقاعدة حق ليحذر من الوقوع في خلاف الحق. وما في قوله: وَقَلِيلٌ ما هُمْ زائدة مؤكدة.
وقوله تعالى: وَظَنَّ داوُدُ معناه: شعر للأمر وعلمه. وقالت فرقة: ظَنَّ هنا بمعنى أيقن.
قال القاضي أبو محمد: والظن أبدا في كلام العرب إنما حقيقته توقف بين معتقدين يغلب أحدهما على الآخر، وتوقعه العرب على العلم الذي ليس على الحواس ولا له اليقين التام، ولكن يخلط الناس في
стр. 2170
هذا ويقولون ظن بمعنى: أيقن، ولسنا نجد في كلام العرب على العلم الذي ليس على الحواس شاهدا يتضمن أن يقال: رأى زيد كذا وكذا فظنه. وانظر إلى قوله ﵎ في كتابه: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [الكهف: ٥٣] وإلى قول دريد بن الصمة: [الطويل]
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم بالفارسي المسرد
وإلى هذه الآية: وَظَنَّ داوُدُ فإنك تجد بينها وبين اليقين درجة، ولو فرضنا أهل النار قد دخلوها وباشروا، لم يقل «ظن» ولا استقام ذلك، ولو أخبر جبريل داود بهذه الفتنة لم يعبر عنها ب «ظن» ، فإنما تعبر العرب بها عن العلم الذي يقارب اليقين وليس به، لم يخرج بعد إلى الإحساس وقرأ جمهور الناس: «فتنّاه» بفتح التاء وشد النون، أي ابتليناه وامتحناه. وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رجاء والحسن: بخلاف عنه، «فتّنّاه» بشد التاء والنون على معنى المبالغة. وقرأ أبو عمرو في رواية علي بن نصر: «فتناه» بتخفيف التاء والنون على أن الفعل للخصمين، أي امتحناه عن أمرنا، وهي قراءة قتادة. وقرأ الضحاك: «افتتناه» .
وقوله: وَخَرَّ أي ألقى بنفسه نحو الأرض متضامنا متواضعا، والركوع والسجود: الانخفاض والترامي نحو الأرض، وخصصتها الشرائع على هيئات معلومة. وقال قوم يقال: «خر» ، لمن ركع وإن كان لم ينته إلى الأرض. وقال الحسن بن الفضل، المعنى: خر من ركوعه، أي سجد بعد أن كان راكعا. وقال أبو سعيد الخدري: رأيتني في النوم وأنا أكتب سورة: «ص» فلما بلغت هذه الآية سجد القلم، ورأيتني في منام آخر وشجرة تقرأ: «ص» فلما بلغت هذا سجدت، وقالت: اللهم اكتب لي بها أجرا، وحط عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود. فقال رسول الله ﷺ :
وسجدت أنت يا أبا سعيد؟ قلت لا، قال: أنت كنت أحق بالسجدة من الشجرة، ثم تلا رسول الله ﷺ الآيات حتى بلغ: وَأَنابَ، فسجد، وقال كما قالت الشجرة. وَأَنابَ معناه: رجع وتاب، ويروى عن مجاهد أن داود ﵇ بقي في ركعته تلك لاصقا بالأرض يبكي ويدعو أربعين صباحا حتى نبت العشب من دمعه، وروي غير هذا مما لا تثبت صحته. وروي أنه لما غفر الله له أمر المرأة، قال:
يا رب فكيف لي بدم زوجها إذا جاء يطلبني يوم القيامة، فأوحى الله إليه أني سأستوهبه ذلك يا داود، وأجعله أن يهبه راضيا بذلك، فحينئذ سر داود ﵇ واستقرت نفسه، وروي عن عطاء الخراساني ومجاهد أن داود ﵇ نقش خطيئته في كفه فكان يراها دائما ويعرضها على الناس في كل حين من خطبه وكلامه وإشاراته وتصرفه تواضعا لله وإقرارا، وكان يسيح في الأرض ويصيح: إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إلي روحي، سبحانك، إلهي أتيت أطباء الدين يداووا علتي، فكلهم عليك دلني. وكان يدخل في صدر خطبته الاستغفار للخاطئين، وما رفع رأسه إلى السماء بعد خطيئته حياء ﷺ وعلى جميع الأنبياء المرسلين.
قوله :
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٩]
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)
стр. 2171
«غفرنا» : معناه سترنا، وذلك إشارة إلى الذنب المتقدم. و: «الزلفى» : القربة والمكانة الرفيعة.
و «المآب» : المرجع في الآخرة، ومن آب يؤوب إذا رجع، وبعد هذا حذف يدل عليه ظاهر الكلام، تقديره: وقلنا له يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، واستدل بعض الناس من هذه الآية على احتياج الأرض إلى خليفة من الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وليس هذا بلازم من الآية، بل لزومه من الشرع والإجماع، ولا يقال خليفة الله إلا لرسوله، وأما الخلفاء: فكل واحد منهم خليفة الذي قبله، وما يجيء في الشعر من تسمية أحدهم خليفة الله، فذلك تجوز وغلو كما قال ابن قيس الرقيات: [المنسرح]
خليفة الله في بريته ... جفت بذاك الأقلام والكتب
ألا ترى أن الصحابة ﵃ حرروا هذا المعنى فقالوا لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ ، وبهذا كان يدعى مدته، فلما ولي عمر قالوا: يا خليفة خليفة رسول الله، فطال الأمر، ورأوا أنه في المستقبل سيطول أكثر، فدعوه أمير المؤمنين، وقصر هذا الاسم على الخلفاء.
وقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ. إلى قوله: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ اعتراض بين الكلامين من أمر داود وسليمان، هو خطاب لمحمد ﷺ وعظة لأمته، ووعيد للكفرة به.
وقرأ أبو حيوة: «يضلون» بضم الياء، ونَسُوا في هذه الآية معناه: تركوا وأخبر تعالى أن الذين كفروا يظنون أن خلق السماء وما بينهما إنما هو باطل لا معنى له، وأن الأمر ليس يؤول إلى ثواب ولا إلى عقاب.
وأخبر تعالى عن كذب ظنهم وتوعدهم بالنار، ثم وقف تعالى على الفرق عنده بين المؤمنين العاملين بالصالحات، وبين المفسدين بالكفرة، وبين المتقين والفجار، وفي هذا التوقيف حض على الإيمان وترغيب فيه، ووعيد للكفرة. ثم أحال في طلب الإيمان والتقوى على كتابه العزيز بقوله: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ المعنى: هذا كتاب لمن أراد التمسك بالإيمان والقربة إلينا، وفي هذه الآيات اقتضاب وإيجاز بديع حسب إعجاز القرآن العزيز ووصفه بالبركة لأن أجمعها فيه، لأنه يورث الجنة وينقذ من النار، ويحفظ المرء في حال الحياة الدنيا ويكون سبب رفعة شأنه في الحياة الآخرة.
стр. 2172
وقرأ جمهور الناس: «ليدبّروا» بشد الدال والباء، والضمير للعالم. وقرأ حفص عن عاصم:
«لتدبروا» على المخاطبة. وقرأ أبو بكر عنه: «لتدبروا» بتخفيف الدال، أصله: تتدبروا، وظاهر هذه الآية يعطي أن التدبر من أسباب إنزال القرآن، فالترتيل إذا أفضل من الهذ، إذ التدبر لا يكون إلا مع الترتيل، وباقي الآية بين.
قوله :
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٠ الى ٣٥]
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤)
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)
الهبة والعطية بمعنى واحد، فوهب الله سليمان لداود ولدا، وأثنى تعالى عليه بأوصاف من المدح تضمنها قوله: نِعْمَ الْعَبْدُ. وأَوَّابٌ، معناه: رجاع، ولفظة: أَوَّابٌ هو العامل في إِذْ، لأن أمر الخيل مقتض أوبة عظيمة.
واختلف الناس في قصص هذه الخيل المعروضة، فقال الجمهور: إن سليمان ﵇ عرضت عليه آلاف من الخيل تركها أبوه له، وقيل: ألف واحد فأجريت بين يديه عشاء، فتشاغل بحسنها وجريها ومحبتها حتى فاته وقت صلاة العشاء. قال قتادة: صلاة العصر ونحوه عن علي بن أبي طالب، فأسف لذلك، وقال: ردوا علي الخيل. قال الحسن: فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف عقرا لما كانت سبب فوت الصلاة، فأبدله الله أسرع منها: الريح. وقال قوم منهم الثعلبي: كانت بالناس مجاعة ولحوم الخيل لهم حلال، فإنما عقرها لتؤكل على وجه القربة لها ونحو الهدي عندنا، ونحو هذا ما فعله أبو طلحة الأنصاري بحائطه إذ تصدق به لما دخل عليه الدبسي في الصلاة فشغله.
و «الصافن» : الفرس الذي يرفع إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه، وقد يفعل ذلك برجله، وهي علامة الفراهية، وأنشد الزجاج: [الكامل]
ألف الصفون فلا يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا
وقال أبو عبيدة: «الصافن الذي يجمع يديه ويسويها، وأما الذي يقف على طرف السنبك فهو المخيم. وفي مصحف ابن مسعود: «الصوافن الجياد» . والْجِيادُ جمع جود، كثوب وثياب، وسمي به لأنه يجود بجريه. وقال بعض الناس: الْخَيْرِ هنا أراد به الخيل. والعرب تسمي الخيل الخير، وكذلك قال رسول الله ﷺ لزيد الخيل: أنت زيد الخير. وحُبَّ منصوب على المفعول به عند فرقة، كأن أَحْبَبْتُ بمعنى آثرت. وقالت فرقة: المفعول ب أَحْبَبْتُ محذوف، وحُبَّ
стр. 2173
نصب على المصدر، أي أحببت هذه الخيل حب الخير، وتكون الْخَيْرِ على هذا التأويل غير الخيل، وفي مصحف ابن مسعود: «حب الحيل» ، باللام. وقالت فرقة: أَحْبَبْتُ معناه: سقطت إلى الأرض لذنبي، مأخوذ من أحب البعير إذا أعيا وسقط هزالا. وحُبَّ على هذا مفعول من أجله. والضمير في تَوارَتْ للشمس، وإن كان لم يجر لها ذكر صريح، لأن المعنى يقتضيها، وأيضا فذكر العشي يقتضي لها ذكرا ويتضمنها، لأن العشي إنما هو مقدر متوهم بها. وقال بعض المفسرين في هذه الآية: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ يريد الخيل، أي دخلت اصطبلاتها. وقال ابن عيسى والزهري: إن مسحه بالسوق والأعناق لم يكن بالسيف، بل بيده تكريما لها ومحبة، ورجحه الطبري. وقال بعضهم: بل غسلا بالماء، وقد يقال للغسل مسح، لأن الغسل بالأيدي يقترن به، وهذه الأقوال عندي إنما تترتب على نحو من التفسير في هذه الآية. وروي عن بعض الناس، وذلك أنه رأى أن هذه القصة لم يكن فيها فوت صلاة ولا تضمن أمر الخيل أوبة ولا رجوعا، فالعامل في: إِذْ عُرِضَ فعل مضمر تقديره: اذكر إذ عرض، وقالوا عرض على سليمان الخيل وهو في الصلاة، فأشار إليهم، أي في الصلاة، فأزالوها عنه حتى أدخلوها في الاصطبلات، فقال هو لما فرغ من صلاته: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ أي الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربي، كأنه يقول: فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى أدخلت اصطبلاتها رُدُّوها عَلَيَّ فطفق يمسح أعناقها وسوقها محبة لها، وذكر الثعلبي أن هذا المسح إنما كان وسما في السوق والأعناق بوسم حبس في سبيل الله. وجمهور الناس على أنها كانت خيلا موروثة. قال بعضهم: قتلها حتى لم يبق منها أكثر من مائة فرس، فمن نسل تلك المائة كل ما يوجد اليوم من الخيل، وهذا بعيد. وقالت فرقة: كانت خيلا أخرجتها الشياطين له من البحر وكانت ذوات أجنحة. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنها كانت عشرين فرسا. وطفق معناه: دام يقتل، كما تقول: جعل يفعل.
وقرأ جمهور الناس: «بالسوق» بسكون الواو وهو جمع ساق. وقرأ ابن كثير وحده: «السؤق» بالهمز.
قال أبو علي: وهي ضعيفة، لكن وجهها في القياس أن الضمة لما كانت تلي الواو قدر أنها عليها فهمزت كما يفعلون بالواو المضمومة، وهذا نظير إمالتهم ألف «مقلات» من حيث وليت الكسرة القاف، قدروا أن القاف هي المكسورة، ووجه همزة السوق من السماع أن إباحية النميري كان يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة، وكان ينشد:
لحب الموقدين إليّ موسى وقرأ ابن محيصن: «بالسؤوق» بهمزة بعدها الواو.
وقوله تعالى: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي فإن عَنْ على كل تأويل هنا للمجاورة من شيء إلى شيء، وتدبره فإنه مطرد.
ثم أخبر الله تعالى عن فتنته لسليمان وامتحانه إياه لزوال ملكه، وروي في ذلك أن سليمان ﵇ قالت له حظية من حظاياه إن أخي له خصومة، فأرغب أن تقضي له بكذا وكذا بشيء غير الحق، فقال سليمان ﵇: أفعل، فعاقبه الله تعالى بأن سلط على خاتمه جنيا، وذلك أن سليمان عليه السلام
стр. 2174
كان لا يدخل الخلاء بخاتم الملك، توقيرا لاسم الله تعالى، فكان يضعه عند امرأة من نسائه، ففعل ذلك يوما، فألقى الله شبهه على جني اسمه صخر فيما روي عن ابن عباس. وقيل غير هذا مما اختصرناه لعدم الصحة، فجاء إلى المرأة فدفعت إليه الخاتم فاستولى على ملك سليمان، وبقي فيه أربعين يوما، وطرح خاتم سليمان في البحر، وجعل يعبث في بني إسرائيل، وشبه سليمان عليه حتى أنكروا أفعاله، ومكنه الله تعالى من جميع الملك. قال مجاهد: إلا من نساء سليمان فإنه لم يكشفهن، وكان سليمان خلال ذلك قد خرج فارا على وجهه منكرا، لا ينتسب لقوم إلا ضربوه، وأدركه جوع وفاقة فمر يوما بامرأة تغسل حوتا فسألها منه لجوعه، وقيل بل اشتراه فأعطته حوتين، فجعل يفتح أجوافها، وإذا خاتمه في جوف أحدهما، فعاد إليه ملكه، وتسخرت له الجن والريح من ذلك اليوم بدعوته، وفر صخر الجني، فأمر سليمان به فسيق وأطبق عليه في حجارة، وسجنه في البحر إلى يوم القيامة، فهذه هي الفتنة التي فتن سليمان ﵇ وامتحن بها.
واختلف الناس في الجسد الذي ألقي على كرسيه، فقال الجمهور: هو الجني المذكور، سماه جَسَداً لأنه كان قد تمثل في جسد سليمان وليس به.
قال القاضي أبو محمد: وهذا أصح الأقوال وأبينها معنى.
وقالت فرقة: بل ألقي على كرسيه جسد ابن له ميت. وقالت فرقة: بل شق الولد الذي ولد له حين أقسم ليطوفن على نسائه ولم يستثن في قسمه. وقال قوم: مرض سليمان مرضا كالإغماء حتى صار على كرسيه كأنه بلا روح، وهذا كله غير متصل بمعنى هذه الآية وأَنابَ معناه ارعوى وانثنى وأجاب إلى طاعة ربه، ومعنى هذا من تلك الحوبة التي وقعت الفتنة بسببها، ثم إن سليمان ﵇ استغفر ربه واستوهبه ملكا.
واختلف المتأولون في معنى قوله: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فقال جمهور الناس: أراد أن يفرده بين البشر لتكون خاصة له وكرامة، وهذا هو الظاهر من قول النبي ﷺ في خبر العفريت الذي عرض له في صلاته فأخذه وأراد أن يوثقه بسرية من سواري المسجد، قال: «ثم ذكرت قول أخي سليمان: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فأرسلته» . وقال قتادة وعطاء بن أبي رباح: إنما أراد سليمان: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي مدة حياتي، أي لا أسلبه ويصير إلى أحد كما صار إلى الجني. وروي في مثالب الحجاج بن يوسف أنه لما قرأ هذه الآية قال: لقد كان حسودا، وهذا من فسق الحجاج. وسليمان ﵇ مقطوع بأنه إنما قصد بذلك قصدا برا جائزا، لأن للإنسان أن يرغب من فضل الله فيما لا يناله أحد، لا سيما بحسب المكانة والنبوءة، وانظر أن قوله ﵇: يَنْبَغِي إنما هي لفظة محتملة ليست بقطع في أنه لا يعطي الله نحو ذلك الملك لأحد، ومحمد ﷺ لو ربط الجني لم يكن ذلك نقصا لما أوتيه سليمان، لكن لما كان فيه بعض الشبه تركه جريا منه ﵇ على اختياره أبدا أيسر الأمرين وأقربهما إلى التواضع.
стр. 2175
قوله :
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٦ الى ٤٠]
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)
قرأ الحسن وأبو رجاء: «الرياح» ، والجمهور على الإفراد.
وسخر الله تعالى الريح لسليمان وكان له كرسي عظيم يقال يحمل أربعة آلاف فارس، ويقال أكثر، وفيه الشياطين وتظله الطير، وتأتي عليه الريح الإعصار فتقله من الأرض حتى يحصل في الهواء ثم يتولاه الرخاء، وهي اللينة القوية المتشابهة لا تأتي فيها دفع مفرطة فتحمله غدوها شهر ورواحها شهر، وحَيْثُ أَصابَ حيث أراد، قاله وهب وغيره، وأنشد الثعلبي: [المتقارب]
أصاب الكلام فلم يستطع ... فأخطى الجواب لدى المفصل
ويشبه أن أَصابَ معدى: صاب يصوب، أي حيث وجه جنوده وجعلهم يصوبون صوب السحاب والمطر. قال الزجاج معناه: قصد، وكذلك قولك للمتكلم أصبت: معناه قصدت الحق وقوله: كُلَّ بَنَّاءٍ بدل من الشَّياطِينَ، والمعنى: كل من بنى مصانعه للحروب. ومُقَرَّنِينَ معناه: موثقين قد قرن بعضهم ببعض. والْأَصْفادِ القيود والأغلال.
واختلف الناس في المشار إليه بقوله: هذا عَطاؤُنا فقال قتادة: أشار إلى ما فعله بالجن فَامْنُنْ على من شئت منهم وأطلقه من وثاقه وسرحه من خدمته أَوْ أَمْسِكْ أمره كما تريد وقال ابن عباس: أشار إلى ما وهبه من النساء وأقدره عليه من جماعهن. وقال الحسن بن أبي الحسن: أشار إلى جميع ما أعطاه من الملك وأمره بأن يمن على من يشاء ويمسك عمن يشاء، فكأنه وقفه على قدر النعمة ثم أباح له التصرف فيه بمشيئته، وهو تعالى قد علم منه أن مشيئته ﵇ إنما تتصرف بحكم طاعة الله، وهذا أصح الأقوال (وأجمعها لتفسير الآية) ، وباقي الآية بين.
قوله :
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)
أَيُّوبَ هو نبي من بني إسرائيل من ذرية يعقوب ﵇، وهو نبي ابتلي في جسده وماله وأهله، وسلم دينه ومعتقده، وروي في ذلك أن الله سلط الشيطان عليه ليفتنه عن دينه، فأصابه في ماله، وقال له: إن أطعتني رجع مالك، فلم يطعه، فأصابه في أهله وولده، فهلكوا من عند آخرهم، وقال له: لو
следующие страницы →