← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

وقال مروان بن الحكم: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، وقاله قتادة، وذلك أنه كان أكبر ولد أبي بكر وشهد بدرا وأحدا مع الكفار، وقال لأبيه في الحرب: لم يبق إلا شكة ويعبوب ... وصارم يقتل ضلال الشيب ودعاه إلى المبارزة فكان بمكة على نحو هذه الخلق، فقيل إن هذه الآية نزلت فيه. وروي أن مروان بن الحكم خطب وهو أمير المدينة فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: جعلتموها هرقلية، كلما مات هرقل ولي هرقل، وكلما مات قيصر ولي قيصر، فقال مروان بن الحكم: خذوه، فدخل عبد الرحمن بيت عائشة أخته أم المؤمنين، فقال مروان: إن هذا هو الذي قال الله فيه: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما فسمعته عائشة، فأنكرت ذلك عليه، وسبت مروان، وقالت له: والله ما نزل في آل أبي بكر من القرآن غير براءتي، وإني لأعرف فيمن نزلت هذه الآية. وذكر ابن عبد البر أن الذي خطب هو معاوية، وذلك وهم، والأصوب أن تكون عامة في أهل هذه الصفات ولم يقصد بها عبد الرحمن ولا غيره من المؤمنين والدليل القاطع على ذلك قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ وكان عبد الرحمن ﵀ من أفضل الصحابة ومن الأبطال، وممن له في الإسلام غناء يوم اليمامة وغيره. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وطلحة بن مصرف: «أفّ» بكسر الفاء بغير تنوين، وذلك فيها علامة تعريف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابن محيصن وشبل وعمرو بن عبيد: «أفّ» بالفتح، وهي لغة الكسر والفتح. وقرأ نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر وشيبة والحسن والأعرج: «أفّ» بالكسر والتنوين، وذلك علامة تنكير، وهي كصه وغاق، وكما تستطعم رجلا حديثا غير معين فتقول «إيه» منونة، فإن كان حديثا مشارا إليه قلت «إيه» بغير تنوين. وأُفٍّ: أصلها في الأقذار، كانت العرب إذا رأت قذرا قالت: «أف» ثم صيره الاستعمال يقال في كل ما يكره من الأفعال والأقوال. وقرأ هشام عن ابن عامر وعاصم وأبو عمرو: «أتعداني» ، وقرأ أبو عمرو ونافع وشيبة والأعرج والحسن وأبو جعفر وقتادة وجمهور القراء «أتعدانني» بنونين، والقراءة الأولى هي بإدغام النون في النون. وقرأ نافع أيضا وجماعة: «أتعداني» بنون واحدة وإظهار الياء. وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة وأبو رجاء وابن وثاب وجمهور الناس: «أن أخرج» بضم الهمزة وفتح الراء. وقرأ الحسن وابن يعمر والأعمش وابن مصرف والضحاك. «أن أخرج» بفتح الهمزة وضم الراء. والمعنى أن أخرج من القبر للحشر والمعاد، وهذا القول منه استفهام بمعنى الهزء والاستبعاد. وقوله: وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي معناه: هلكت ومضت ولم يخرج منهم أحد. وقوله: وَهُما يعني الوالدين، ويقال استغثت الله واستغثت بالله بمعنى واحد. و: وَيْلَكَ دعاء يقال هنا لمن يحفز ويحرك لأمر ما يستعجل إليه. وقرأ الأعرج «أن وعد الله» بفتح الهمزة، والناس على كسرها. وقوله: ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ أي ما هذا القول الذي يتضمن البعث من القبور إلا شيء قد سطره

стр. 2347

الأولون في كتبهم، يعني الشرائع، وظاهر ألفاظ هذه الآية أنها نزلت في مشار إليه قال وقيل له، فنعى الله أقواله تحذيرا من الوقوع في مثلها. وقوله: أُولئِكَ ظاهره أنها إشارة إلى جنس يتضمنه قوله: وَالَّذِي قالَ، ويحتمل إن كانت الآية في مشار إليه أن يكون قوله: أُولئِكَ بمعنى صنف هذا المذكور وجنسهم الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ، أي قول الله إنه يعذبهم. وقوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يقتضي أن الْجِنِّ يموتون كما يموت البشر قرنا بعد قرن، وقد جاء حديث يقتضي ذلك. وقال الحسن بن أبي الحسن في بعض مجالسه: إن الجن لا يموتون، فاعترضه قتادة بهذه الآية فسكت. وقوله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ يعني المحسنين والمسيئين. قال ابن زيد: ودرجات المحسنين تذهب علوا، ودرجات المسيئين تذهب سفلا. وقرأ أبو عبد الرحمن: «ولتوفيهم» بالتاء من فوق، أي الدرجات. وقرأ جمهور الناس: «وليوفيهم» بالياء. وقرأ نافع بخلاف عنه، وأبو جعفر وشيبة والأعرج وطلحة والأعمش: «ولنوفيهم» بالنون: قال اللؤلؤي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود: «ولنوفيّنهم» بنون أولى ونون ثانية مشددة، وكل امرئ يجني ثمرة عمله من خير أو شر ولا يظلم في مجازاته، بل يوضع كل أمر موضعه من ثواب أو عقاب. قوله : [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٠ الى ٢٢] وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) المعنى: واذكر يوم يعرض، وهذا العرض هو بالمباشرة، كما تقول عرضت العود على النار والجاني على السوط، والمعنى: يقال لهم أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ. وقرأ جمهور القراء: «أذهبتم» على الخبر، حسنت الفاء بعد ذلك. وقرأ ابن كثير والحسن والأعرج وأبو جعفر ومجاهد وابن وثاب. «آذهبتم» بهمزة مطولة على التوبيخ والتقرير الذي هو في لفظ الاستفهام. وقرأ ابن عامر «أأذهبتم» بهمزتين تقريرا. والتقرير والتوبيخ إخبار بالمعنى، ولذلك حسنت الفاء وإلا فهي لا تحسن في جواب على حد هذه مع الاستفهام المحض. والطيبات: الملاذ، وهذه الآية وإن كانت في الكفار فهي رادعة لأولي النهى من المؤمنين عن

стр. 2348

الشهوات واستعمال الطيبات، ومن ذلك قول عمر ﵁: أتظنون أنا لا نعرف طيب الطعام، ذلك لباب البر بصغار المعزى، ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم أنهم أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، ذكر هذا في كلامه مع الربيع بن زياد. وقال أيضا نحو هذا لخالد بن الوليد حين دخل الشام فقدم إليه طعام طيب، فقال عمر: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير؟ فقال خالد: لهم الجنة، فبكى عمر وقال: لئن كان حظنا في الحطام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بونا بعيدا. وقال جابر بن عبد الله: اشتريت لحما بدرهم فرآني عمر، فقال: أو كلما اشتهى أحدكم شيئا اشتراه فأكله؟ أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية، وتلا: أَذْهَبْتُمْ الآية. وعَذابَ الْهُونِ: العذاب الذي اقترن به هوان، وهذا هو عذاب العصاة المواقعين ما قد نهوا عنه، وهذا بين في عذاب الدنيا، فعذاب المحدود في معصية كالحرابة ونحوها مقترن بهون، وعذاب المقتول في حرب لا هون معه، فالهون والهوان بمعنى؟!. ثم أمر تعالى نبيه بذكر هود وقومه عاد على جهة المثال لقريش، وهذه الإخوة هي أخوة القرابة، لأن هودا كان من أشراف القبيلة التي هي عاد. واختلف الناس في هذه «الأحقاف» أين كانت؟ فقال ابن عباس والضحاك: هي جبل بالشام، وقيل كانت بلاد نخيل، وقيل هي الرمال بين مهرة وعدن. وقال ابن عباس أيضا: بين عمان ومهرة. وقال قتادة: هي بلاد الشحر المواصلة للبحر اليماني. وقال ابن إسحاق: هي بين حضر موت وعمان، والصحيح من الأقوال: أن بلاد عاد كانت باليمن ولهم كانت إرم ذات العماد. و «الأحقاف» : جمع حقف، وهو الجبل المستطيل والمعوجّ من الرمل. (قال الخليل: هي الرمال الأحقاف) وكثيرا ما تحدث هذه الأحقاف في بلاد الرمل في الصحارى، لأن الريح تصنع ذلك. وقوله تعالى: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ اعتراض مؤكد مقيم للحجة أثناء قصة هود، لأن قوله: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ هو من نذارة هود. و: خَلَتِ معناه: مضت إلى الخلاء ومرت أزمانها. وفي مصحف عبد الله: «وقد خلت النذر من قبله وبعده» . وروي أن فيه: «وقد خلت النذر من بين يديه ومن بعده» . والنُّذُرُ: جمع نذير بناء اسم فاعل. وقولهم: لِتَأْفِكَنا معناه: لتصرفنا. وقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا تصميم على التكذيب وتعجيز منهم له في زعمهم. قوله : [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٣ الى ٢٦] قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦)

стр. 2349

المعنى قال لهم هود: إن هذا الوعيد ليس من قبلي، وإنما الأمر إلى الله وعلم وقته عنده، وإنما عليّ أن أبلغ فقط. وقرأ جمهور الناس: «وأبلّغكم» بفتح الباء وشد اللام. قال أبو حاتم: وقرأ أبو عمرو في كل القرآن بسكون الباء وتخفيف اللام. و: أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ أي مثل هذا من أمر الله تعالى وتجهلون خلق أنفسكم. والضمير في: رَأَوْهُ يحتمل أن يعود على العذاب، ويحتمل أن يعود على الشيء المرئي الطارئ عليهم، وهو الذي فسره قوله: عارِضاً، والعارض ما يعرض في الجو من السحاب الممطر، ومنه قول الأعشى: يا من رأى عارضا قد بتّ أرمقه ... كأنما البرق في حافاته الشعل وقال أبو عبيدة: العارض الذي في أقطار السماء عشيا ثم يصبح من الغد قد استوى. وروي في معنى قوله: مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ أن هؤلاء القوم كانوا قد قحطوا مدة فطلع هذا العارض على الهيئة والجهة التي يمطرون بها أبدا، جاءهم من قبل واد لهم يسمونه المغيث. قال ابن عباس: ففرحوا به وقالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا، وقد كذب هو فيما أوعد به، فقال لهم هود ﵇: ليس الأمر كما رأيتم، بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ في قولكم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا [الأحقاف: ٢٢] ثم قال: رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ. وفي قراءة ابن مسعود: «قال هود بل هو» بإظهار المقدر، لأن قراءة الجمهور هي كقوله تعالى يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: ٢٣] أي يقولون سلام. قال الزجاج وقرأ قوم: «ما استعجلتم» بضم التاء الأولى وكسر الجيم. و: رِيحٌ بدل من المبتدأ في قوله: هُوَ مَا. و: مُمْطِرُنا هو نعت ل عارِضٌ وهو نكرة إضافته غير محضة، لأن التقدير ممطر لنا في المستقبل، فهو في حكم الانفصال. وقد مضى في غير هذه السورة قصص الريح التي هبت عليهم، وأنها كانت تحمل الظعينة كجرادة. و: تُدَمِّرُ معناه: تهلك. والدمار: الهلاك، ومنه قول جرير: [الوافر] وكان لهم كبكر ثمود لمّا ... رغا دهرا فدمرهم دمارا وقوله: كُلَّ شَيْءٍ ظاهره العموم ومعناه الخصوص في كل ما أمرت بتدميره، وروي أن هذه الريح رمتهم أجمعين في البحر. وقرأ جمهور القراء: «لا ترى» أيها المخاطب. وقرأ عاصم وحمزة: «لا يرى» بالياء على بناء الفعل للمفعول «مساكنهم» رفعا. التقدير: لا يرى شيء منهم، وهذه قراءة ابن مسعود وعمرو بن ميمون والحسن بخلاف عنه، ومجاهد وعيسى وطلحة. وقرأ الحسن بن أبي الحسن والجحدري وقتادة وعمرو بن ميمون والأعمش وابن أبي إسحاق وأبو رجاء ومالك بن دينار بغير خلاف عنهما خاصة ممن ذكر: «لا ترى» بالتاء

стр. 2350

منقوطة من فوق مضمومة «مساكنهم» رفعا، ورويت عن ابن عامر، وهذا نحو قول ذي الرمة: [البسيط] كأنه جمل وهم وما بقيت ... إلا النجيزة والألواح والعصب ونحو قوله: [الطويل] فما بقيت إلا الضلوع الجراشع وفي هذه القراءة استكراه. وقرأ الأعمش وعيسى الهمداني: «إلا مسكنهم» على الإفراد الذي هو اسم الجنس، والجمهور على الجمع في اللفظة، ووجه الإفراد تصغير الشأن وتقريبه كما قال تعالى: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غافر: ٦٧] . ثم خاطب تعالى قريشا على جهة الموعظة بقوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ف (ما) ، بمعنى الذي، وإِنْ نافية وقعت مكان (ما) ليختلف اللفظ، ولا تتصل (ما) ب (ما) ، لأن الكلام كأنه قال: في الذي ما مكناكم فيه. ومعنى الآية: ولقد أعطيناهم من القوة والغنى والبسيط في الأموال والأجسام ما لم نعطكم، ونالهم بسبب كفرهم هذا العذاب، فأنتم أحرى بذلك إذا كفرتم. وقالت فرقة: إِنْ شرطية، والجواب محذوف تقديره: في الذي إن مكناكم فيه طغيتم، وهذا تنطع في التأويل. ثم عدد تعالى عليهم نعم الحواس والإدراك، وأخبر أنها لم تغن حين لم تستعمل على ما يجب. و «ما» : نافية في قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ ويقوي ذلك دخول مِنْ في قوله: مِنْ شَيْءٍ. وقالت فرقة: «ما» في قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ استفهام بمعنى التقرير، ومِنْ شَيْءٍ على هذا تأكيد، وهذا على غير مذهب سيبويه في دخول من في الواجب. وَحاقَ معناه: وجب ولزم، وهو مستعمل في المكاره، والمعنى جزاء ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. قوله : [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٧ الى ٢٩] وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) وقوله: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مخاطبة لقريش على جهة التمثيل لهم بمأرب وسدوم وحجر ثمود. وقوله: وَصَرَّفْنَا الْآياتِ يعني لهذه القرى المهلكة. وقوله: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الآية يعني هلا نصرتهم أصنامهم التي اتخذوها. و: قُرْباناً إما أن يكون المفعول الثاني ب اتَّخَذُوا و: آلِهَةً بدل منه، وإما أن يكون حالا. و: آلِهَةً المفعول الثاني، والمفعول الأول هو الضمير العائد على: الَّذِينَ التقدير: اتخذوهم. وقوله تعالى: بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ

стр. 2351

معناه: انتلفوا لهم حتى لم يجدوهم في وقت حاجة. وقوله: وَذلِكَ الإشارة به تختلف بحسب اختلاف القراءات في قوله: إِفْكُهُمْ فقرأ جمهور القراء «إفكهم» بكسر الهمزة وسكون الفاء وضم الكاف، فالإشارة ب ذلِكَ على هذه القراءة إلى قولهم في الأصنام إنها آلهة، وذلك هو اتخاذهم إياها، وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ: «أفكهم» بفتح الهمزة، وهي لغة في الإفك، وهما بمعنى الكذب، وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ: «أفكهم» بفتح الهمزة: والفاء على الفعل الماضي، بمعنى صرفهم، وهي قراءة ابن عباس وأبي عياض وعكرمة وحنظلة بن النعمان. وقرأ أبو عياض أيضا وعكرمة فيما حكى الثعلبي: «أفّكهم» بشد الفاء وفتح الهمزة والكاف، وذلك على تعدية الفعل بالتضعيف. وقرأ عبد الله بن الزبير: «آفكهم» بالمد وفتح الفاء والكاف على التعدية بالهمزة. قال الزجاج: معناه جعلهم يأفكون كما يقال أكفرهم. وقرأ ابن عباس فيما روى قطرب: «آفكهم» بفتح الهمزة والمد وكسر الفاء وضم الكاف على وزن فاعل، بمعنى: صارفهم. وحكى الفراء أنه يقرأ: «أفكهم» بفتح الهمزة والفاء وضم الكاف، وهي لغة في الإفك، والإشارة ب ذلِكَ على هذه القراءة التي ليست مصدرا يحتمل أن تكون إلى الأصنام. وقوله: وَما كانُوا يَفْتَرُونَ، ويحتمل أن تكون ما مصدرية فلا يحتاج إلى عائد، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي، فهناك عائد محذوف تقديره: يفترونه. وقوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ ابتداء قصة الجن ووفادتهم على النبي ﷺ . و: صَرَفْنا معناه: رددناهم عن حال ما، يحتمل أنها الاستماع في السماء، ويحتمل أن يكون كفرهم قبل الوفادة وهذا بحسب الاختلاف هنا هل هم الوفد أو المتجسسون، وروي أن الجن كانت قبل مبعث النبي ﵇ تسترق السمع من السماء، فلما بعث محمد ﵇ حرست بالشهب الراجمة، فضاقت الجن ذرعا بذلك، فاجتمعت وأتى رأي ملئهم على الافتراق في أقطار الأرض وطلب السبب الموجب لهذا الرجم والمنع من استراق السمع ففعلوا ذلك. واختلف الرواة بعد فقالت فرقة: جاءت طائفة من الجن إلى النبي ﵇ وهو لا يشعر، فسمعوا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، ولم يعرف النبي بشيء من ذلك حتى عرفه الله بذلك كله، وكان سماعهم لقرآنه وهو بنخلة عند سوق عكاظ، وهو يقرأ في صلاة الفجر. وقالت فرقة: بل أشعره الله بوفادة الجن عليه واستعد لذلك، ووفد عليه أهل نصيبين منهم. قال القاضي أبو محمد: والتحرير في هذا أن النبي ﷺ جاءه جن دون أن يعرف بهم، وهم المتفرقون من أجل الرجم، وهذا هو قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ [الجن: ١] ثم بعد ذلك وفد عليه وفد، وهو المذكور صرفه في هذه الآية. قال قتادة: صرفوا إليه من نينوى، أشعر به قبل وروده. وقال الحسن: لم يشعر. واختلف في عددهم اختلافا متباعدا فاختصرته لعدم الصحة في ذلك، أما أن ابن عباس ﵁ قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين وقال زر كانوا تسعة: فيهم زوبعة، وروي في ذلك أحاديث عن

стр. 2352

عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إني خارج إلى وفد الجن، فمن شاء يتبعني» ، فسكت أصحابه، فقالها ثانية، فسكتوا، فقال عبد الله أنا أتبعك، قال فخرجت معه حتى جاء شعب الحجون، فأدار لي دائرة وقال لي: لا تخرج منها، ثم ذهب عني، فسمعت لغطا ودويا كدوي النسور الكاسرة. ثم في آخر الليل جاء رسول الله ﷺ بعد أن قرأ عليهم القرآن وعلمهم وأعطاهم زادا في كل عظم وروثة، فقال: يا عبد الله، ما رأيت؟ فأخبرته، فقال: لقد كنت أخشى أن تخرج فيتخطفك بعضهم، قلت يا رسول الله، سمعت لهم لغطا، فقال: إنهم تدارأوا في قتيل لهم، فحكمت بالحق. واضطربت الروايات عن عبد الله بن مسعود، وروي عنه ما ذكرنا. وذكر عنه أنه رأى رجالا من الجن وبهم شبه رجال الزط السود الطوال حين رآهم بالكوفة. وروي عنه أنه قال: ما شاهد أحد منا ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، فاختصرت هذه الروايات وتطويلها لعدم صحتها. وقوله: نَفَراً يقتضي أن المصروفين رجالا لا أنثى فيهم. والنفر والرهط: القوم الذين لا أنثى فيهم. وقوله تعالى: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فيه تأدب مع العلم وتعليم كيف يتعلم وقرأ جمهور الناس: «قضي» على بناء الفعل للمفعول.. وقرأ حبيب بن عبد الله بن الزبير وأبو مجلز: «قضى» على بناء الفعل للفاعل، أي قضى محمد القراءة. وقال ابن عمر وجابر بن عبد الله: قرأ عليهم سورة [الرحمن] فكان إذا قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: ١٣] قالوا: لا بشيء من آلائك نكذب، ربنا لك الحمد، ولما ولت هذه الجملة تفرقت على البلاد منذرة للجن. قال قتادة: ما أسرع ما عقل القوم. قال القاضي أبو محمد: فهنالك وقعت قصة سواد وشصار وخنافر وأشباههم صلى الله على محمد عبده ورسوله. قوله : [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٣٠ الى ٣٣] قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) المعنى: قال هؤلاء المنذرون لما بلغوا قومهم يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً وهو القرآن العظيم، وخصصوا مُوسى ﵇ لأحد أمرين: إما لأن هذه الطائفة كانت تدين بدين اليهود، وإما لأنهم

стр. 2353

كانوا يعرفون أن موسى قد ذكر محمدا وبشر به، فأشاروا إلى موسى من حيث كان هذا الأمر مذكورا في توراته. قال ابن عباس في كتاب الثعلبي: لم يكونوا علموا أمر عيسى ﵇، فلذلك قالوا مِنْ بَعْدِ مُوسى. وقولهم: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يؤيد هذا. و: ما بَيْنَ يَدَيْهِ هي التوراة والإنجيل. والْحَقِّ و «الطريق المستقيم» هنا بمعنى يتقارب لكن من حيث اختلف اللفظ، وربما كان الْحَقِّ أعم، وكأن أحدهما قد يقع في مواضع لا يقع فيها الآخر حسن التكرار. و: داعِيَ اللَّهِ هو محمد ﵇، والضمير في: بِهِ عائد على الله تعالى. وقوله: يَغْفِرْ معناه: يغفر الله. وَيُجِرْكُمْ معناه: يمنعكم ويجعل دونكم جوار حفظه حتى لا ينالكم عذاب. وقوله تعالى: وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ الآية، يحتمل أن يكون من كلام المنذرين، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى لمحمد ﵇، والمراد بها إسماع الكفار وتعلق اللفظ إلى هذا المعنى من قول الجن: أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ فلما حكى ذلك قيل ومن لا يفعل هذا فهو بحال كذا، والمعجز الذاهب في الأرض الذي يبدي عجز طالبه ولا يقدر عليه، وروي عن ابن عامر: «وليس لهم من دونه» بزيادة ميم. وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا الضمير لقريش، وهذه آية مثل واحتجاج، لأنهم قالوا إن الأجساد لا يمكن أن تبعث ولا تعاد، وهم مع ذلك معترفون بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض فأقيمت عليهم الحجة من أقوالهم. والرؤية في قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا رؤية القلب. وقرأ جمهور الناس: «ولم يعي» بسكون العين وفتح الياء الأخيرة. وقرأ الحسن بن أبي الحسن «يع» بكسر العين وسكون الياء وذلك على حذف. والباء في قوله: بِقادِرٍ زائدة مؤكدة، ومن حيث تقدم نفي في صدر الكلام حسن التأكيد بالباء وإن لم يكن المنفي ما دخلت على عليه كما هي في قولك: ما زيد بقائم كان بدل أَوَلَمْ يَرَوْا أو ليس الذي خلق. وقرأ ابن عباس وجمهور الناس: «بقادر» وقرأ الجحدري والأعرج وعيسى وعمرو بن عبيد: «يقدر» بالياء على فعل مستقبل، ورجحها أبو حاتم وغلط قراءة الجمهور لقلق الباء عنده. وفي مصحف عبد الله بن مسعود «بخلقهن قادر» . و: بَلى جواب بعد النفي المتقدم، فهي إيجاب لما نفي، والمعنى: بلى رأوا ذلك أن لو نفعهم ووقع في قلوبهم، ثم استأنف اللفظ الإخبار المؤكد بقوله: إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قوله : [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٣٤ الى ٣٥] وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)

стр. 2354

المعنى: واذكر يوم، وهذا وعيد للكفار من قريش وسواهم. والعرض في هذه الآية، عرض مباشرة، كما تقولون عرضت الجاني على السوط. والمعنى يقال لهم أليس هذا العذاب حقا وقد كنتم تكذبون به؟ فيجيبون: بَلى وَرَبِّنا، وذلك تصديق حيث لا ينفع، وروي عن الحسن أنه قال: إنهم ليعذبون في النار وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أنه العدل، فيقول لهم المحاور من الملائكة عند ذلك فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي بسبب كفركم. وقوله تعالى: فَاصْبِرْ الفاء عاطفة هذه الجملة من الوصاة على هذه الجملة من الإخبار عن حال الكفرة في الآخرة، والمعنى بينهما مرتبط، أي هذه حالهم مع الله، فلا تستعجل أنت فيما حملته واصبر له ولا تخف في الله أحدا. وقوله: مِنَ الرُّسُلِ مِنَ للتبعيض، والمراد من حفظت له مع قومه شدة ومجاهدة كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلى الله عليهم، هذا قول عطاء الخراساني وغيره. وقال ابن زيد ما معناه: إن مِنَ لبيان الجنس. قال: والرسل كلهم أُولُوا الْعَزْمِ، ولكن قوله: كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ يتضمن رسلا وغيرهم، فبين بعد ذلك جنس الرسل خاصة تعظيما لهم، ولتكون القدوة المضروبة لمحمد ﵇ أشرف، وذكر الثعلبي هذا القول عن علي بن مهدي الطبري. وحكي عن أبي القاسم الحكيم أنه قال: الرسل كلهم أولو عزم إلا يونس ﵇ وقال الحسن بن الفضل: هم الثمانية عشر المذكورين في سورة الأنعام، لأنه قال بعقب ذكرهم أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] . وقال مقاتل هم ستة: نوح صبر على أذى قومه طويلا، وإبراهيم صبر للناس، وإسحاق صبر نفسه للذبح، ويعقوب صبر على الفقد لولده وعمي بصره وقال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف: ٨٣] ، ويوسف على السجن وفي البئر، وأيوب صبر على البلاء. قال القاضي أبو محمد: وانظر أن النبي ﵇ قال في موسى: «يرحم الله موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر» ، ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزما وصبرا. وقوله: وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ معناه لا تستعجل لهم عذابا، فإنهم إليه صائرون، ولا تستطل تعميرهم في هذه النعمة، فإنهم يوم يرون العذاب كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة لاحتقارهم ذلك، لأن المنقضي من الزمان إنما يصير عدما، فكثيره الذي ساءت عاقبته كالقليل. وقرأ أبي بن كعب «ساعة من النهار» . وقرأ جمهور القراء والناس: «بلاغ» وذلك يحتمل معاني، أحدها: أن يكون خبر ابتداء، المعنى: هذا بلاغ، وتكون الإشارة بهذا إلى القرآن والشرع، أي هذا إنذار وتبليغ، وإما إلى المدة التي تكون كساعة كأنه قال: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً كانت بلاغهم، وهذا كما تقول: متاع قليل ونحوه من المعنى. والثاني: أن يكون ابتداء والخبر محذوف. والثالث: ما قاله أبو مجلز

стр. 2355

فإنه كان يقف على قوله: وَلا تَسْتَعْجِلْ ويقول: «بلاغ» ابتداء وخبره متقدم في قوله: لَهُمْ وقدح الناس في هذا القول بكثيرة الحائل. وقرأ الحسن بن أبي الحسن، وعيسى: «بلاغا» ، وهي قراءة تحتمل المعنيين اللذين في قراءة الرفع، وليس يدخلها قول أبي مجلز ونصبها بفعل مضمر. وقرأ أبو مجلز وأبو سراج الهذلي: «بلّغ» ، على الأمر. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «بلاغ» بالخفض نعتا ل نَهارٍ. وقرأ جمهور الناس: «فهل يهلك» على بناء الفعل للمفعول. وقرأ بعضهم فيما حكى هارون: «فهل يهلك» ببناء الفعل للفاعل وكسر اللام، وحكاها أبو عمرو عن الحسن وابن محيصن: «يهلك» بفتح الياء واللام. قال أبو الفتح: وهي مرغوب عنها. وروى زيد بن ثابت عن النبي ﵇: «فهل يهلك» بضم الياء وكسر اللام «إلا القوم الفاسقين» بالنصب. وفي هذه الألفاظ وعيد محض وإنذار بين، وذلك أن الله تعالى جعل الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها، وأمر بالطاعة ووعد عليها بالجنة، ونهى عن الكفر وأوعد عليه بالنار، فلن يهلك على الله إلا هالك كما قال ﷺ . قال الثعلبي: يقال إن قوله: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ أرجى آية في كتاب الله تعالى للمؤمنين.

стр. 2356

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة محمّد هذه السورة مدنية بإجماع، غير أن بعض الناس قال في قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: ١٣] إنها نزلت بمكة في وقت دخول النبي فيها عام الفتح أو سنة الحديبية، وما كان مثل هذا فهو معدود في المدني، لأن المراعى في ذلك إنما هو ما كان قبل الهجرة أو بعدها. قوله : [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا الآية، إشارة إلى أهل مكة الذين أخرجوا رسول الله ﷺ . وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية إشارة إلى الأنصار أهل المدينة الذين آووه، وفي الطائفتين نزلت الآيتان، قاله ابن عباس ومجاهد، ثم هي بعد تعم كل من دخل تحت ألفاظها. وقوله: وَصَدُّوا يحتمل أن يريد الفعل المجاوز، فيكون المعنى: وَصَدُّوا غيرهم، ويحتمل أن يكون الفعل غير متعد، فيكون المعنى: وَصَدُّوا أنفسهم. و: سَبِيلِ اللَّهِ شرعه وطريقه الذي دعا إليه. وقوله: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي أتلفها، ولم يجعل لها غاية خير ولا نفعا، وروي أن هذه الآية نزلت بعد بدر، وأن الإشارة بقوله: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ هي إلى الإنفاق الذي أنفقوه في سفرتهم إلى بدر، وقيل المراد بالأعمال: أعمالهم البرة في الجاهلية من صلة رحم ونحوه، واللفظ يعم ذلك. وقرأ الناس: «نزّل» بضم النون وشد الزاي. وقرأ الأعمش: «أنزل» معدى بالهمزة وقوله تعالى: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قال قتادة معناه: وأصلح حالهم. وقرأ ابن عباس «أمرهم» . وقال مجاهد: شأنهم. وتحرير التفسير في اللفظة أنها بمعنى الفكر والموضع الذي فيه نظر الإنسان وهو القلب، فإذا صلح ذلك صلحت حاله، فكأن اللفظة مشيرة إلى صلاح عقيدتهم وغير ذلك من الحال تابع، فقولك: خطر في

стр. 2357

بالي كذا، وقولك: أصلح الله بالك: المراد بهما واحد، ذكره المبرد. والبال: مصدر كالحال والشأن، ولا يستعمل منها فعل، وكذلك عرفه أن لا يثنى ولا يجمع، وقد جاء مجموعا لكنه شاذ، فإنهم قالوا بآلات. وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الإشارة إلى هذه الأفعال التي ذكر الله أنه فعلها بالكفار وبالمؤمنين. و: الْباطِلَ الشيطان وكل ما يأمر به، قاله مجاهد. و: الْحَقَّ هنا هو الشرع ومحمد ﵇. وقوله: كَذلِكَ يبين أمر كل فرقة ويجعل لها ضربها من القول وصنفها. وضرب المثل مأخوذ من الضريب والضرب الذي هو بمعنى النوع. قوله : [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٤ الى ٩] فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩) قال ابن عباس وقتادة وابن جريج والسدي: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف التي في براءة: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] وإن الأسر والمن والفداء مرتفع، فمتى وقع أسر فإنما معه القتل ولا بد، وروي نحوه عن أبي بكر الصديق. وقال ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء ما معناه: إن هذه الآية محكمة مبينة لتلك، والمن والفداء ثابت، وقد منّ رسول الله ﷺ على ثمامة بن أثال، وفادى أسرى بدر، وقاله الحسن، وقال: لا يقتل الأسير إلا في الحرب، يهيب بذلك على العدو. وكان عمر بن عبد العزيز يفادي رجلا برجل، ومنع الحسن أن يفادوا بالمال. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بقتل أسير من الترك ذكر له أنه قتل مسلمين. وقالت فرقة: هذه الآية خصصت من الأخرى أهل الكتاب فقط، ففيهم المن والفداء، وعباد الأوثان ليس فيهم إلا القتل. وعلى قول أكثر العلماء الآيتان محكمتان. وقوله هنا: فَضَرْبَ الرِّقابِ بمثابة قوله هناك: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] وصرح هنا بذكر المن والفداء، ولم يصرح به هناك، وهو مراد متقرر، وهذا هو القول القوي. وقوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر بمعنى الفعل، أي فاضربوا رقابهم وعين من أنواع القتل أشهره وأعرفه فذكره، والمراد: اقتلوهم بأي وجه أمكن، وقد زادت آية: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال: ١٢] وهي من أنكى ضربات الحرب، لأنها تعطل من المضروب جميع جسده، إذ البنان أعظم آلة المقاتل وأصلها. و: أَثْخَنْتُمُوهُمْ معناه: بالقتل. والإثخان في القوم: أن يكثر فيهم القتلى والجرحى، والمعنى: فشدوا الوثاق بمن لم يقتل ولم يترتب عليه إلا الأسر. و: مَنًّا و: فِداءً

стр. 2358

مصدران منصوبان بفعلين مضمرين. وقرأ جمهور الناس: «فداء» . وقرأ شبل عن ابن كثير: «فدى» مقصورا. وإمام المسلمين مخير في أسراه في خمسة أوجه: القتل، أو الاسترقاق، أو ضرب الجزية، أو الفداء، أو المن. ويترجح النظر في أسير أسر بحسب حاله من إذاية المسلمين أو ضد ذلك. وقوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها معناه: حتى تذهب وتزول أثقالها. والأوزار: الأثقال فيها والآلات لها، ومنه قول الشاعر عمرو بن معد يكرب الزبيدي: [المتقارب] وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا وقال الثعلبي: وقيل الأوزار في هذه الآية: الآثام، جمع وزر، لأن الحرب لا بد أن يكون فيها آثام في أحد الجانبين. واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها، فقال قتادة: حتى يسلم الجميع فتضع الحرب أوزارها. وقال حذاق أهل النظر: حتى تغلبوهم وتقتلوهم. وقال مجاهد حتى ينزل عيسى ابن مريم. قال القاضي أبو محمد: وظاهر الآية أنها استعارة يراد لها التزام الأمر أبدا، وذلك أن الحرب بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا إلى يوم القيامة، فإنما تريد: إنك تفعله دائما. وقوله تعالى: ذلِكَ تقديره: الأمر ذلك. ثم قال: وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي بعذاب من عنده يهلكهم به في حين واحد، ولكنه تعالى أراد اختبار المؤمنين وأن يبلو بعض الناس ببعض. وقرأ جمهور الناس: «قاتلوا» وقرأ عاصم الجحدري بخلاف عنه: «قتلوا» بفتح القاف والتاء. وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم والأعرج وقتادة والأعمش: «قتلوا» بضم القاف وكسر التاء. وقرأ زيد بن ثابت والحسن والجحدري وأبو رجاء: «قتّلوا» بضم القاف وكسر التاء وشدها، والقراءة الأولى أعمها وأوضحها معنى. وقال قتادة: نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم أحد من المؤمنين. وقوله تعالى: سَيَهْدِيهِمْ أي إلى طريق الجنة، وقد تقدم القول في إصلاح البال. وروى عباس بن المفضل عن أبي عمرو: «ويدخلهم» بسكون اللام. وفي سورة [التغابن] يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ [التغابن: ٩] وفي سورة [الإنسان] إِنَّما نُطْعِمُكُمْ [الإنسان: ٩] بسكون العين والميم. وقوله تعالى: عَرَّفَها لَهُمْ قال أبو سعيد الخدري وقتادة ومجاهد معناه: بينها لهم، أي جعلهم يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى هو قول النبي ﵇: لأحدكم بمنزله في الجنة أعرف منه بمنزله في الدنيا. وقالت فرقة معناه: سماها لهم ورسمها، كل منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف. وقالت فرقة معناه: شرفها لهم ورفعها وعلاها، وهذا من الأعراف التي هي الجبال وما أشبهها، ومنه أعراف

стр. 2359

الخيل. وقال مؤرج وغيره معناه: طيبها مأخوذ من العرف، ومنه طعام معرف، أي مطيب. وعرفت القدر: طيبتها بالملح والتابل. وقوله تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ فيه حذف مضاف، أي دين الله ورسوله، والمعنى: تنصروه بجدكم واتباعكم وإيمانكم يَنْصُرْكُمْ بخلق القوة لكم والجرأة وغير ذلك من المعاون. وقرأ جمهور الناس: «ويثبّت» بفتح التاء المثلثة وشد الباء. وقرأ المفضل عن عاصم: «ويثبت» بسكون الثاء وتخفيف الباء، وهذا التثبيت هو في مواطن الحرب على الإسلام، وقيل على الصراط في القيامة. وقوله تعالى: فَتَعْساً لَهُمْ معناه: عثارا وهلاكا فيه، وهي لفظة تقال للعاثر إذا أريد به الشر، ومنه قول الشاعر: [المنسرح] يا سيدي إن عثرت خذ بيدي ... ولا تقل: لا، ولا تقل تعسا وقال الأعشى: [البسيط] بذات لوت عفرناة إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا ومنه قول أم مسطح لما عثرت في مرطها: تعس مسطح. قال ابن السكيت: التعس أن يخر على وجهه. و: «تعسا» مصدر نصبه فعل مضمر. وقوله تعالى: كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يريد القرآن. وقوله: فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يقتضي أن أعمالهم في كفرهم التي هي بر مقيدة محفوظة، ولا خلاف أن الكافر له حفظة يكتبون سيئاته. واختلف الناس في حسناتهم، فقالت فرقة: هي ملغاة يثابون عليها بنعم الدنيا فقط. وقالت فرقة: هي محصاة من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أنه قد يسلم فينضاف ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحد التأويلين في قول النبي ﵇ لحكيم بن حزام: «أسلمت على ما سلف لك من خير» . فقوم قالوا تأويله: أسلمت على أن يعد لك ما سلف من خير، وهذا هو التأويل الذي أشرنا إليه. وقالت فرقة معناه: أسلمت على إسقاط ما سلف لك من خير، إذ قد ثوبت عليه بنعم دنياك. وذكر الطبري أن أعمالهم التي أخبر في هذه الآية بحبطها: عبادتهم الأصنام وكفرهم. ومعنى: (أحبط) جعلها من العمل الذي لا يزكو ولا يعتد به، فهي لذلك كالذي أحبط. قوله : [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٠ الى ١٣] أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣)

стр. 2360

قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا توقيف لقريش وتوبيخ. و: الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريد: ثمود وقوم لوط وقوم شعيب وأهل السد وغيرهم. والدمار: الإفساد وهدم البناء وإذهاب العمران. وقوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ من ذلك. والضمير في قوله: أَمْثالُها يصح أن يعود على العاقبة المذكورة، ويصح أن يعود على الفعلة التي يتضمنها قوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وقولهم: ذلِكَ بِأَنَّ ابتداء وخبر في «أن» وما عملت فيه. والمولى: الناصر الموالي، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا» . وقال قتادة: إن هذه الآية نزلت يوم أحد ومنها انتزع رسول الله ﷺ رده على أبي سفيان حين قال له: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم» . وقوله تعالى: وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ أي أكلا مجردا من فكرة ونظر، فالتشبيه بالمعنى إنما وقع فيما عدا الأكل من قلة الفكر وعدم النظر، فقوله: كَما في موضع الحال، وهذا كما تقول لجاهل: يعيش كما تعيش البهيمة، فأما بمقتضى اللفظ فالجاهل والعالم والبهيمة من حيث لهم عيش فهم سواء، ولكن معنى كلامك يعيش عديم النظر والفهم كما تعيش البهيمة. والمثوى: موضع الإقامة، وقد تقدم القول غير مرة في قوله: وَكَأَيِّنْ. وضرب الله تعالى لمكة مثلا بالقرى المهلكة على عظمها، كقرية قوم عاد وغيرها. و: أَخْرَجَتْكَ معناه: وقت الهجرة. ونسب الإخراج إلى القرية حملا على اللفظ. وقال: أَهْلَكْناهُمْ حملا على المعنى. ويقال: إن هذه الآية نزلت إثر خروج رسول الله ﷺ من مكة في طريق المدينة. وقيل: نزلت بالمدينة. وقيل: نزلت بمكة عام دخلها رسول الله صلى عليه وسلم بعد الحديبية. وقيل نزلت: عام الفتح وهو مقبل إليها. وهذا كله حكمه حكم المدني. قوله : [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٤ الى ١٦] أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ الآية توقيف وتقرير على شيء متفق عليه وهي معادلة بين هذين الفريقين. وقال قتادة: الإشارة بهذه الآية إلى محمد ﵇ في أنه الذي هو على بينة وإلى كفار قريش في أنهم الذين زين لهم سوء أعمالهم. قال القاضي أبو محمد: وبقي اللفظ عاما لأهل هاتين الصفتين غابر الدهر وقوله: عَلى بَيِّنَةٍ معناه

стр. 2361

على قصة واضحة وعقيدة نيرة بينة، ويحتمل أن يكون المعنى على أمر بين ودين بين، وألحق الهاء للمبالغة: كعلامة ونسابة. والذي يسند إليه قوله: زُيِّنَ الشيطان. واتباع الأهواء: طاعتها كأنها تذهب إلى ناحية والمرء يذهب معها. واختلف الناس في قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الآية، فقال النضر بن شميل وغيره: مَثَلُ معناه صفة، كأنه قال صفة الجنة ما تسمعون فيها كذا وكذا، وقال سيبويه: المعنى فيما يتلى عليكم مثل الجنة. ثم فسر ذلك الذي يتلى بقوله: فيها كذا وكذا. قال القاضي أبو محمد: والذي ساق أن يجعل مَثَلُ بمثابة صفة هو أن الممثل به ليس في الآية، ويظهر أن القصد في التمثيل هو إلى الشيء الذي يتخيله المرء عند سماعه فيها كذا وكذا فإنه يتصور عند ذلك بقاعا على هذه الصورة وذلك هي مَثَلُ الْجَنَّةِ ومثالها، وفي الكلام حذف يقتضيه الظاهر، كأنه يقول: مَثَلُ الْجَنَّةِ ظاهر في نفس من وعى هذه الأوصاف. وقرأ علي بن أبي طالب: «مثال الجنة» . وقرأ علي بن أبي طالب أيضا وابن عباس: «أمثال الجنة» . وعلى هذه التأويلات كلها ففي قوله: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ حذف تقديره: أساكن هذه، أو تقديره: أهؤلاء إشارة إلى المتقين، ويحتمل عندي أيضا أن يكون الحذف في صدر الآية. كأنه قال: أمثل أهل الجنة كَمَنْ هُوَ خالِدٌ، ويكون قوله: مَثَلُ مستفهما عنه بغير ألف الاستفهام، فالمعنى: أمثل أهل الجنة، وهي بهذه الأوصاف كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ فتكون الكاف في قوله: كَمَنْ مؤكدة في التشبيه، ويجيء قوله: فِيها أَنْهارٌ في موضع الحال على هذا التأويل. وماءٍ غَيْرِ آسِنٍ معناه غير متغير، قاله ابن عباس وقتادة، وسواء أنتن أو لم ينتن، يقال: أسن الماء: بفتح السين، وأسن بكسرها. وقرأ جمهور القراء: «آسن» على وزن فاعل. وقرأ ابن كثير: «أسن» ، على وزن فعل، وهي قراءة أهل مكة، والأسن أيضا هو الذي يخشى عليه من ريح منتنة من ماء، ومنه قول الشاعر: التارك القرن مصرا أنامله ... يميل في الرمح ميل المائح الأسن وقال الأخفش: آسِنٍ لغة: والمعنى الإخبار به عن الحال، ومن قال: «آسن» على وزن فاعل، فهو يريد به أن يكون كذلك في المستقبل فنفى ذلك في الآية. وقرأت فرقة: «غير يسن» ، بالياء. قال أبو علي: وذلك على تخفيف الهمزة، قال أبو حاتم عن عوف: كذلك كانت في المصحف: «يسن» ، فغيرها الحجاج. وقوله: في اللبن لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ نفي لجميع وجوه الفساد في اللبن وقوله: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ جمعت طيب المطعم وزوال الآفات من الصداع وغيره ولَذَّةٍ نعت على النسب، أي ذات لذة. وتصفية العسل مذهبة لمومه وضرره. وقوله: مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي من هذه الأنواع، لكنها بعيدة الشبه، إذ تلك لا عيب فيها ولا تعب بوجه. وقوله: وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ معناه: وتنعيم أعطته المغفرة وسببته، فالمغفرة إنما هي قبل الجنة، وقوله: وَسُقُوا الضمير عائد على «من» لأن المراد به جمع. وقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني بذلك المنافقين من أهل المدينة، وذلك أنهم كانوا

стр. 2362

يحضرون عند النبي ﵇ فيسمعون كلامه وتلاوته، فإذا خرجوا قال بعضهم لمن شاء من المؤمنين الذين عملوا وانتفعوا ماذا قالَ آنِفاً فكان منهم من يقول هذا استخفافا، أي ما معنى ما قال وما نفعه وما قدره؟ ومنهم من كان يقول ذلك جهالة ونسيانا، لأنه كان في وقت الكلام مقبلا على فكرته في أمر دنياه وفي كفره، فكان القول يمر صفحا، فإذا خرج قال: ماذا قالَ آنِفاً، وهذا أيضا فيه ضرب من الاستخفاف، لأنه كان يصرح أنه كان يقصد الإعراض وقت الكلام، ولو لم يكن ذلك بقصد لم يبعد أن يجري على بعض المؤمنين. وروي أن عبد الله بن مسعود وابن عباس ممن سئل هذا السؤال، حكاه الطبري عن ابن عباس. وقرأ الجمهور: «آنفا» على وزن فاعل، وقرأ ابن كثير وحده: «أنفا» على وزن فعل، وهما اسما فاعل من ائتنف، وجريا على غير فعلهما، وهذا كما جرى فقير على افتقر ولم يستعمل فقر، وهذا كثير، والمفسرون يقولون: «أنفا» معناه: الساعة الماضية القريبة منا، وهذا تفسير بالمعنى. ثم أخبر تعالى أنه طَبَعَ على قلوب هؤلاء المنافقين الفاعلين لهذا، وهذا الطبع يحتمل أن يكون حقيقة، ويحتمل أن يكون استعارة وقد تقدم القول فيه. قوله : [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٧ الى ١٩] وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩) لما ذكر تعالى المنافقين بما هم أهله من قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ [محمد: ١٦] عقب ذلك بذكر المؤمنين ليبين الفرق، وشرفهم بإسناد فعل الاهتداء إليهم وهي إشارة إلى تكسبهم. وقوله تعالى: زادَهُمْ هُدىً يحتمل أن يكون الفاعل في زادَهُمْ الله تعالى، والزيادة في هذا المعنى تكون إما بزيادة التفهيم والأدلة، وإما بورود الشرائع والنواهي والأخبار فيزيد الاهتداء لتزيد علم ذلك كله والإيمان به وذلك بفضل الله تعالى، ويحتمل أن يكون الفاعل في: زادَهُمْ قول المنافقين واضطرابهم، لأن ذلك مما يتعجب المؤمن منه ويحمد الله على إيمانه، ويتزيد بصيرة في دينه، فكأنه قال: المهتدون والمؤمنون زادهم فعل هؤلاء المنافقين هدى، أي كانت الزيادة بسببه، فأسند الفعل إليه، وقالت فرقة: إن هذه الآية نزلت في قوم من النصارى، آمنوا بمحمد فالفاعل في: زادَهُمْ محمد ﵇ كان سبب الزيادة فأسند الفعل إليه. وقوله على هذا القول: اهْتَدَوْا يريد في إيمانهم بعيسى ﵇ ثم زادَهُمْ محمد هُدىً حين آمنوا به. والفاعل في آتاهُمْ يتصرف بحسب التأويلات المذكورة، وأقواها أن الفاعل الله تعالى. وَآتاهُمْ معناه: أعطاهم، أي جعلهم متقين له، فالتقدير: تقواهم إياه.

стр. 2363

وقرأ الأعمش: «وأنطاهم تقواهم» ، وهي بمعنى أعطاهم، ورواها محمد بن طلحة عن أبيه. وهي في مصحف عبد الله. وقوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ يريد المنافقين، والمعنى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ أي هكذا هو الأمر في نفسه وإن كانوا هم في أنفسهم ينتظرون غير ذلك، فإن ما في أنفسهم غير مراعى، لأنه باطل. وقرأ جمهور الناس: «أن تأتيهم» ف أَنْ بدل من السَّاعَةَ. وقوله تعالى على هذه القراءة. فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها إخبار مستأنف والفاء عاطفة جملة من الكلام على جملة. وقرأ أهل مكة فيما روى الرؤاسي «إن تأتهم» بكسر الألف وجزم الفعل على الشرط، والفاء في قوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها جواب الشرط وليست بعاطفة على القراءة الأولى فثم نحو من معنى الشرط. و: بَغْتَةً معناه: فجأة، وروي عن أبي عمرو «بغتّة» بفتح الغين وشد التاء. وقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها على القراءتين معناه: فينبغي أن يقع الاستعداد والخوف منها لمن جزم ونظر لنفسه. والذي جاء من أشراط الساعة محمد ﵇ لأنه آخر الأنبياء، فقد بان من أمر الساعة قدر ما، وفي الحديث عنه ﵇ أنه قال: «أنا من أشراط الساعة وقد بعثت أنا والساعة كهاتين وكفرسي رهان» . ويقال شرط وشرط: بسكون الراء وتخفيفها، وأشرط الرجل نفسه: ألزمها أمورا. وقال أوس بن حجر: [الطويل] فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا وقوله تعالى: فَأَنَّى لَهُمْ الآية، يحتمل أن يكون المعنى: فَأَنَّى لَهُمْ الخلاص أو النجاة إِذْ جاءَتْهُمُ الذكرى بما كانوا يخبرون به في الدنيا فيكذبون به وجاءهم العذاب مع ذلك. ويحتمل أن يكون المعنى: فأنى لهم ذكراهم وعملهم بحسبها إذا جاءتهم الساعة، وهذا تأويل قتادة، نظيره: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [سبإ: ٥٢] . وقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ الآية إضراب عن أمر هؤلاء المنافقين وذكر الأهم، والمعنى: دم على علمك، وهذا هو القانون في كل أمر بشيء هو متلبس به، وهذا خطاب للنبي ﵇، وكل واحد من الأمة داخل معه فيه. واحتج بهذه الآية من قال من أهل السنة: إن العلم والنظر قبل القول، والإقرار في مسألة أول الواجبات. وبوب البخاري ﵀ العلم قبل القول والعمل لقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ الآية، وواجب على كل مؤمن أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنها صدقة. وقال الطبري وغيره: مُتَقَلَّبَكُمْ تصرفكم في يقظتكم. وَمَثْواكُمْ منامكم. وقال ابن عباس: مُتَقَلَّبَكُمْ تصرفكم في حياتكم الدنيا. وَمَثْواكُمْ في قبوركم وفي آخرتكم. قوله : [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٣] وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣)

стр. 2364

هذا ابتداء وصف حال المؤمنين في جدهم في دين الله وحرصهم على ظهوره وحال المنافقين من الكسل والفشل والحرص على فساد دين الله وأهله، وذلك أن المؤمنين كان حرصهم يبعثهم على تمني الظهور وتمني قتال العدو وفضيحة المنافقين ونحو ذلك مما هو ظهور للإسلام، فكانوا يأنسون بالوحي ويستوحشون إذا أبطأ، والله تعالى قد جعل ذلك بآماد مضروبة وأوقات لا تتعدى، فمدح الله المؤمنين بحرصهم. وقولهم: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ معناه: تتضمن إظهارنا وأمرنا بمجاهدة العدو ونحوه. ثم أخبر تعالى عن حال المنافقين عند نزول أمر القتال. وقوله: مُحْكَمَةٌ معناه: لا يقع فيها نسخ، وبهذا الوجه خصص السورة بالأحكام، وأما الإحكام الذي هو بمعنى الإتقان، فالقرآن فيه كله سواء. وقال قتادة: كل سورة فيها القتال فهي محكمة، وهو أشد القرآن على المنافقين. قال القاضي أبو محمد: وهذا أمر استقرأه قتادة من القرآن، وليس من تفسير هذه الآية في شيء. وفي مصحف ابن مسعود: «سورة محدثة» . والمرض الذي في القلوب: استعارة لفساد المعتقد وحقيقة الصحة والمرض في الأجسام، وتستعار للمعاني، ونظر الخائف الموله قريب من نظر الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، وخسسهم هذا الوصف والتشبيه. وقوله تعالى: فَأَوْلى لَهُمْ الآية، «أولى» : وزنه أفعل، من وليك الشيء يليك. وقالت فرقة وزنه: أفلع، وفيه قلب، لأنه مشتق من الويل، والمشهور من استعمال «أولى» : أنك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي أحق، وقد تستعمل «أولى» فقط على جهة الحذف والاختصار لما معها من القول، فتقول على جهة الزجر والتوعد: أولى لك يا فلان، وهذه الآية من هذا الباب، ومنه وقوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة: ٣٤- ٣٥] ، ومنه قول أبي بكر الصديق ﵁ للحسن: أولى لك. وقالت فرقة من المفسرين: «أولى» رفع بالابتداء. و: طاعَةٌ خبره. قال القاضي أبو محمد: فهذا هو المشهور من استعمال «أولى» . وقالت فرقة من المفسرين: أولى لَهُمْ ابتداء وخبر، معناه: الزجر والتوعد. ثم اختلفت هذه الفرقة في معنى قوله: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فقال بعضها، التقدير: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمثل، وهذا هو تأويل مجاهد ومذهب الخليل وسيبويه، وحسن الابتداء بالنكرة لأنها مخصصة، ففيها بعض التعريف. وقال بعضها التقدير: الأمر طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، أي الأمر المرضي لله تعالى. وقال بعضها التقدير قولهم لك يا محمد على جهة الهزء والخديعة طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فإذا عزم الأمر كرهوه، ونحو هذا من التقدير قاله قتادة. وقال أيضا ما معناه: إن تمام الكلام الذي معناه الزجر والتوعد ب «أولى» . وقوله لَهُمْ

стр. 2365

ابتداء كلام، ف طاعَةٌ على هذا القول: ابتداء، وخبره: لَهُمْ والمعنى أن ذلك منهم على جهة الخديعة، فإذا عزم الأمر ناقضوا وتعاصوا. وقوله: عَزَمَ الْأَمْرُ استعارة كما قال: قد جدت الحرب بكم فجدوا ومن هذا الباب: نام ليلك ونحوه. وقوله: صَدَقُوا اللَّهَ يحتمل أن يكون من الصدق الذي هو ضد الكذب، ويحتمل أن يكون من قولك عود صدق، والمعنى متقارب. وقوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ مخاطبة لهؤلاء الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي قل لهم يا محمد. وقرأ نافع وأهل المدينة «عسيتم» بكسر السين. وقرأ أبو عمرو والحسن وعاصم وأبو جعفر وشيبة: «عسيتم» بفتح السين، والفتح أفصح، لأنه من عسى التي تصحبها «أن» . والمعنى: فهل عسى أن تفعلوا إِنْ تَوَلَّيْتُمْ غير أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ، وكأن الاستفهام الداخل على عسى غير معناها بعض التغيير كما يغير الاستفهام قولك: أو لو كان كذا وكذا. وقوله: إِنْ تَوَلَّيْتُمْ معناه: إن أعرضتم عن الحق. وقال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن. وقرأ جمهور القراء: «إن توليتم» والمعنى: إن أعرضتم عن الإسلام. وقال كعب الأحبار ومحمد بن كعب القرظي المعنى: إن توليتم أمور الناس من الولاية، وعلى هذا قيل إنها نزلت في بني هاشم وبني أمية، ذكره الثعلبي. وروى عبد الله بن مغفل عن النبي ﵇: «إن وليتم» بواو مضمومة ولام مكسورة. قرأ علي بن أبي طالب: «إن تولّيتم» بضم التاء والواو وكسر اللام المشددة على معنى: إن وليتكم ولاية الجور فملتم إلى دنياهم دون إمام العدل، أو على معنى: إن توليتم بالتعذيب والتنكيل وأفعال العرب في جاهليتها وسيرتها من الغارات والسباء، فإنما كانت ثمرتها الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، وقيل معناها: إن توليكم الناس ووكلكم الله إليهم. وقرأ جمهور الناس: «وتقطّعوا» بضم التاء وشد الطاء المكسورة. وقرأ أبو عمرو: «وتقطعوا» بفتح التاء والطاء المخففة، وهي قراءة سلام ويعقوب. وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إشارة إلى مرضى القلوب المذكورين. و: لَعَنَهُمُ معناه: أبعدهم. وقوله: فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ استعارة لعدم سمعهم فكأنهم عمي وصم. قوله : [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٢٤ الى ٢٨] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨)

стр. 2366

قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ توقيف وتوبيخ، وتدبر القرآن: زعيم بالتبيين والهدى. و: أَمْ منقطعة وهي المقدرة ببل وألف الاستفهام. وقوله تعالى: أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها استعارة للرين الذي منعهم الإيمان. وروي أن وفد اليمن وفد على النبي ﷺ وفيهم شاب، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية، فقال الفتى عليها أقفالها حتى يفتحها الله ويفرجها، قال عمر: فعظم في عيني، فما زالت في نفس عمر ﵁ حتى ولي الخلافة فاستعان بذلك الفتى. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ الآية، قال قتادة: إنها نزلت في قوم من اليهود كانوا قد عرفوا من التوراة أمر محمد ﵇ وتبين لهم الهدى بهذا الوجه، فلما باشروا أمره حسدوه فارتدوا عن ذلك القدر من الهدى. وقال ابن عباس وغيره: نزلت في منافقين كانوا أسلموا ثم نافقت قلوبهم. والآية تعم كل من دخل في ضمن لفظها غابر الدهر. و: سَوَّلَ معناه: أرجاهم سولهم وأمانيهم، وقال أبو الفتح عن أبي علي أنه بمعنى: دلاهم، مأخوذ من السول: وهو الاسترخاء والتدلي. وقرأ جمهور القراء: «وأملى لهم» وأمال ابن كثير وشبل وابن مصرف: «أملى» . وفاعل أَمْلى هنا: قال الحسن: هو الشَّيْطانُ جعل وعده الكاذب بالبقاء كالإملاء، وذلك أن الإملاء هو الإبقاء ملاوة من الدهر، يقال ملاوة وملاوة وملاوة بضم الميم وفتحها وكسرها، وهي القطعة من الزمن، ومنه الملوان الليل والنهار، فإذا أملى الشيطان إملاء لا صحة له إلا بطمعهم الكاذب، ويحتمل أن يكون الفاعل في أَمْلى الله ، كأنه قال: الشيطان سول لهم وأملى الله لهم. وحقيقة الإملاء إنما هو بيد الله ، وهذا هو الأرجح. وقرأ الأعرج ومجاهد والجحدري والأعمش: «وأملي لهم» بضم الهمزة وكسر اللام وإرسال ياء المتكلم، ورواها الخفاف عن أبي عمرو «وأملي» بفتح الياء على بناء الفعل للمفعول، وهي قراءة شيبة وابن سيرين والجحدري وعيسى البصري وعيسى الهمذاني، وهذا يحتمل فاعله من الخلاف ما في القراءة الأولى. وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا الآية، قيل إنها نزلت في بني إسرائيل الذين تقدم ذكرهم في تفسير قوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا وروي أن قوما من قريظة والنضير كانوا يعدون المنافقين في أمر رسول الله ﷺ والخلاف عليه بنصر وموازرة، وذلك قولهم سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ. وقرأ جمهور القراء «أسرارهم» بفتح الهمزة، وذلك على جمع سر، لأن أسرارهم كانت كثيرة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «إسرارهم» بكسر الهمزة، وهي قراءة ابن وثاب وطلحة والأعمش، وهو مصدر اسم الجنس.

стр. 2367

وقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الآية، يحتمل أن يتوعدوا به على معنيين: أحدهما هذا هلعهم وجزعهم لفرض القتال وفراع الأعداء، فَكَيْفَ فزعهم وجزعهم إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ؟ والثاني أن يريد: هذه معاصيهم وعنادهم وكفرهم، فَكَيْفَ تكون حالهم مع الله إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ؟ وقال الطبري: المعنى وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ فَكَيْفَ علمه بها إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ. الْمَلائِكَةُ هنا: ملك الموت والمصرفون معه. والضمير في يَضْرِبُونَ ل الْمَلائِكَةُ، وفي نحو هذا أحاديث تقتضي صفة الحال ومن قال إن الضمير في: يَضْرِبُونَ للكفار الذين يتوفون، فذلك ضعيف. و: ما أَسْخَطَ اللَّهَ هو الكفر. والرضوان هنا: الشرع والحق المؤدي إلى رضوان، وقد تقدم القول في تفسير قوله: فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ. وقرأ الأعمش: «فكيف إذا توفاهم الملائكة» . قوله : [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٢٩ الى ٣٢] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) هذه الآية توبيخ للمنافقين وفضح لهم. وقوله: أَمْ حَسِبَ توقيف وهي أَمْ المنقطعة، وتقدم تفسير مرض القلب. وقوله: أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ أي يبديها من مكانها في نفوسهم. والضغن: الحقد. وقوله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ مقاربة في شهرتهم، ولكنه تعالى لم يعينهم قط بالأسماء والتعريف التام إبقاء عليهم وعلى قرابتهم، وإن كانوا قد عرفوا ب لَحْنِ الْقَوْلِ وكانوا في الاشتهار على مراتب كعبد الله بن أبيّ والجد بن قيس وغيرهم ممن دونهم في الشهرة. والسيما: العلامة التي كان تعالى يجعل لهم لو أراد التعريف التام بهم. وقال ابن عباس والضحاك: إن الله تعالى قد عرفه بهم في سورة براءة. في قوله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [التوبة: ٨٤] وفي قوله: فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا [التوبة: ٨٣] . قال القاضي أبو محمد: وهذا في الحقيقة ليس بتعريف تام، بل هو لفظ يشير إليهم على الإجمال لا أنه سمى أحدا. وأعظم ما روي في اشتهارهم أن رسول الله ﷺ أمر يوما فأخرجت منهم جماعة من المسجد كأنه وسمهم بهذا لكنهم أقاموا على التبري من ذلك وتمسكوا بلا إله إلا الله فحقنت دماؤهم. وروي عن حذيفة ما يقتضي أن النبي ﵇ عرفه بهم أو ببعضهم، وله في ذلك كلام مع عمر ﵁. ثم أخبر تعالى أنه سيعرفهم فِي لَحْنِ الْقَوْلِ، ومعناه في مذهب القول ومنحاه

стр. 2368

ومقصده، وهذا هو كما يقول لك إنسان معتقده وتفهم أنت من مقاطع كلامه وهيئته وقرائن أمره أنه على خلاف ما يقول، وهذا معنى قوله: فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ومن هذا المعنى قول النبي ﵇: «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» ، الحديث أي أذهب بها في جهات الكلام، وقد يكون هذا اللحن متفقا عليه: أن يقول الإنسان قولا يفهم السامعون منه معنى، ويفهم الذي اتفق مع المتكلم معنى آخر، ومنه الحديث الذي قال سعد بن معاذ وابن رواحة لرسول الله ﷺ : عضل والقارة وفي هذا المعنى قول الشاعر [مالك بن أسماء] : [الخفيف] وخير الحديث ما كان لحنا أي ما فهمه عنك صاحبك وخفي على غيره، فأخبر الله محمدا رسوله ﵇ أن أقوالهم المحرقة التي هي على خلاف عقدهم ستتبين له فيعرفهم بها، واحتج بهذه الآية من جعل في التعريض بالقذف. وقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ مخاطبة للجميع من مؤمن وكافر. وقرأ جمهور القراء: «ولنبلونكم» بالنون، وكذلك «نعلم» وكذلك «نبلوا» ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: «وليبلونكم الله» ، وكذلك «يعلم» «ويبلو» . وروى رويس عن يعقوب: «ويبلو» بالرفع على القطع والإعلام بأن ابتلاءه دائم. وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا، فإنك إن ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا. وقوله تعالى: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ أي حتى يعلمهم مجاهدين قد خرج جهادهم إلى الوجود وبان تكسبهم الذي به يتعلق ثوابهم، وعلم الله بالمجاهدين قديم أزلي، وإنما المعنى ما ذكرناه. وقوله تعالى: وَصَدُّوا يحتمل أن يكون المعنى: وَصَدُّوا غيرهم، ويحتمل أن يكون غير متعد، بمعنى: وصدوهم في أنفسهم. وقوله: وَشَاقُّوا الرَّسُولَ معناه: خالفوه، فكانوا في شق وهو في شق. وقوله: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى قالت فرقة: نزلت في قوم من بني إسرائيل فعلوا هذه الأفاعيل بعد تبينهم لأمر محمد ﵇ من التوراة. وقالت فرقة: نزلت في قوم من المنافقين حدث النفاق في نفوسهم بعد ما كان الإيمان داخلها. وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين سفرة بدر، و: «تبين الهدى» هو وجوده عند الداعي إليه. وقالت فرقة: بل هي عامة في كل كافر، وألزمهم أنه قد تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى من حيث كان الهدى بينا في نفسه، وهذا كما تقول لإنسان يخالفك في احتجاج على معنى التوبيخ له: أنت تخالف في شيء لا خفاء به عليك، بمعنى أنه هكذا هو في نفسه. وقوله: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ تحقير لهم. وقوله: وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ إما على قول من يرى أن أعمالهم الصالحة من صلة رحم ونحوه تكتب فيجيء هذا الإحباط فيها متمكنا، وإما على قول من لا يرى ذلك، فمعنى وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ أنها عبارة عن إعدامه أعمالهم وإفسادها، وأنها لا توجد شيئا منتفعا به، فذلك إحباط على تشبيه واستعارة.

стр. 2369

قوله : [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٣٣ الى ٣٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) روي أن هذه الآية نزلت في بني أسد من العرب، وذلك أنهم أسلموا وقالوا لرسول الله ﵇: نحن قد آثرناك على كل شيء وجئناك بنفوسنا وأهلنا، كأنهم منوا بذلك، فنزل فيهم: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [الحجرات: ١٧] ونزلت فيهم هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: فإن كان هذا فالإبطال الذي نهوا عنه ليس بمعنى الإفساد التام، لأن الإفساد التام لا يكون إلا بالكفر، وإلا فالحسنات لا تبطلها المعاصي، وإن كانت الآية عامة على ظاهرها نهي الناس عن إبطال أعمالهم بالكفر، والإبطال هو الإفساد التام. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ روي أنها نزلت بسبب عدي بن حاتم قال: يا رسول الله إن حاتما كانت له أفعال بر فما حاله؟ فقال رسوله الله ﷺ «هو في النار» ، فبكى عدي وولى، فدعاه رسول الله ﷺ فقال له: أبي وأبوك وأبو إبراهيم خليل الرحمن في النار ونزلت هذه الآية في ذلك، وظاهر الآية العموم في كل ما تناولته الصفة. وقوله تعالى: فَلا تَهِنُوا معناه: فلا تضعفوا، من وهن الرجل إذا ضعف. وقرأ جمهور الناس: «وتدعوا» وقرأ أبو عبد الرحمن: «وتدّعوا» بشد الدال. وقرأ جمهور القراء: «إلى السلم» بفتح السين. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: «إلى السلم» بكسر السين. وهي قراءة الحسن وأبي رجاء والأعمش وعيسى وطلحة وهو بمعنى المسالمة. وقال الحسن بن أبي الحسن وفرقة ممن كسر السين إنه بمعنى إلى الإسلام، أي لا تهنوا وتكونوا داعين إلى الإسلام فقط دون مقاتلين بسببه. وقال قتادة معنى الآية: لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت للأخرى. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن ملتئم مع قوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: ٦١] . وقوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يحتمل موضعين أحدهما: أن يكون في موضع الحال، المعنى: لا تهنوا وأنتم في هذه الحال. والمعنى الثاني: أن يكون إخبارا بنصره ومعونته. و «يتر» ، معناه ينقص ويذهب، ومنه قوله ﵇: «من ترك صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» أي ذهب بجميع ذلك على جهة التغلب والقهر، والمعنى: لن يتركم ثواب أعمالكم وجزاء أعمالكم. واللفظة مأخوذة من الوتر الذي هو الدحل، وذهب قوم إلى أنه مأخوذ من الوتر الذي هو الفرد، المعنى لن يفردكم من ثواب أعمالكم، والأول أصح، وفسر ابن عباس وأصحابه يَتِرَكُمْ بيظلمكم.

стр. 2370

قوله : [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٣٦ الى ٣٨] إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨) قوله تعالى: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ تحقير لأمر الدنيا، أي فلا تهنوا في الجهاد بسببها، ووصفها باللعب واللهو هو على أنها وما فيها مما يختص بها لعب، وإلا ففي الدنيا ما ليس بلعب ولا لهو، وهو الطاعة وأمر الآخرة وما جرى مجراه. وقوله تعالى: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ معناه هذا هو المطلوب منكم لا غيره، لا تسألون أموالكم أن تنفقوها في سبيل الله. وقال سفيان بن عيينة: لا يسألكم كثيرا من أموالكم إحفاء إنما يسألكم غيضا من فيض ربع العشر فطيبوا أنفسكم، ثم قال تعالى منبها على خلق ابن آدم إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا والإحفاء هو أشد السؤال وهو المخجل المخرج ما عند المسئول كرها، ومنه حفاء الرجل. والتحفي من البحث عن الشيء. وقوله: تَبْخَلُوا جزم على جواب شرط. وقرأ جمهور القراء: «ويخرج» جزما على تَبْخَلُوا. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: «ويخرج» بالرفع على القطع، بمعنى هو يخرج، وحكاها أبو حاتم عن عيسى وقرأت فرقة: وَبالنصب على معنى: يكن بخل وإخراج، فلما جاءت العبارة بفعل دل على أن التي مع الفعل بتأويل المصدر الذي هو الإخراج، والفاعل في قوله: وَيُخْرِجْ على كل الاختلافات يحتمل أن يكون الله، ويحتمل أن يكون البخل الذي تضمنه اللفظ، ويحتمل أن يكون السؤال الذي يتضمنه اللفظ أيضا. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن سيرين وابن محيصن وأيوب: «يخرج» بفتح الياء «أضغانكم» رفعا على أنها فاعلة وروي عنهم: «وتخرج» بضم التاء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله. وقرأ يعقوب: «ونخرج» بضم النون وكسر الراء «أضغانكم» نصبا. والأضغان كما قلنا معتقدات السوء، وهذا الذي كان يخاف أن يعتري المسلمين هو الذي تقرب به محمد بن مسلمة إلى كعب بن الأشرف حين قال له: إن هذا الرجل قد أكثر علينا وطلب منا الأموال ثم وقف تعالى عباده المؤمنين على جهة التوبيخ لبعضهم ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ وكرر هاء التنبيه تأكيدا. وقوله: عَنْ نَفْسِهِ يحتمل معنيين، أحدهما: فإنما يبخل عن شح نفسه، والآخر أن يكون بمنزلة على، لأنك تقول: بخلت عليك وبخلت عنك، بمعنى: أمسكت عنك. وقوله تعالى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ معنى مطرد في قليل الأشياء وكثيرها.

стр. 2371

وقوله تعالى: يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ قيل الخطاب لقريش، والقوم الغير هم أهل المدينة. وقال عبد الرحمن بن جبير وشريح بن عبيد: الخطاب لمن حضر المدينة. والقوم الغير: فارس. وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن هذا وكان سلمان إلى جنبه فوضع يده على فخذه وقال: قوم هذا، لو كان الدين بالثريا لناله رجال من أهل فارس. وقوله: أَمْثالَكُمْ معناه في الخلاف والتولي والبخل بالأموال ونحو هذا، وحكى الثعلبي أن القوم الغير: هم الملائكة. نجز تفسير سورة القتال، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

стр. 2372

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الفتح هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ منصرفه من الحديبية، وفي ذلك أحاديث كثيرة عن أنس وابن مسعود وغيرهما تقتضي صحته وهي بهذا في حكم المدني. وقال الزهراوي عن مجاهد وعن ابن عباس: إنها نزلت بالمدينة، والأول أصح، ويشبه أن منها بعضا نزل بالمدينة، وأما صدر السورة ومعظمها فكما قلنا، ويقضي بذلك قول النبي ﵇ لعمر وهما في تلك السفرة: «لقد نزلت عليّ الليلة سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها» . قال القاضي أبو محمد: ذكر مكي هنا أن المعنى بشرط أن تبقى الدنيا ولا تفنى، وفي هذا نظر. وكان رسول الله ﷺ خرج في تلك الوجهة ليعتمر بمكة، فصده المشركون، القصة المشهورة سنة ست من الهجرة. قوله : [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) قال قوم فيما حكى الزهراوي فَتَحْنا لَكَ يريد به فتح مكة، وحكاه الثعلبي أيضا، ونسبه النقاش إلى الكلبي. وأخبره تعالى به على معنى: قضينا به. والفتاح: القاضي بلغة اليمن، وقيل المراد: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ بأن هديناك إلى الإسلام ليغفر. وقال جمهور الناس: والصحيح الذي تعضده قصة الحديبية أن قوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ إنما معناه: إن ما يسر الله لك في تلك الخرجة فتح مبين تستقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين، لأنهم كانوا استوحشوا من رد قريش لهم ومن تلك المهادنة التي هادنهم النبي ﵇ فنزلت السورة مؤنسة لهم في صدهم عن البيت ومذهبه: ما كان في قلوبهم، ومنه حديث عمر الشهير وما قاله للنبي ﵇ ولأبي بكر واستقبل رسول الله ﷺ في تلك السفرة أنه هادن عدوه ريثما يتقوى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية حيث وضع فيه سهمه وثاب الماء حتى كفى الجيش، واتفقت بيعة الرضوان وهي الفتح الأعظم، قاله جابر بن عبد الله والبراء بن عازب. وبلغ هديه محله، قاله الشعبي واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين خيرا، ولم يفتحها إلا أهل الحديبية ولم يشركهم فيها أحد.

стр. 2373

قال القاضي أبو محمد: وفيه نظر، لأن أصحاب السفينة مع جعفر بن أبي طالب شاركوهم في القسم، فينبغي أن يقال لم يشاركهم أحد من المتخلفين عن الحديبية، واتفقت في ذلك الوقت ملحمة عظيمة بين الروم وفارس ظهرت فيها الروم، فكانت من جملة الفتح على رسول الله ﷺ ، وسر بها هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس وانخضاد الشوكة العظمى من الكفر. ثم عظم الله أمر نبيه بأن نبأه أنه غفر له ما تَقَدَّمَ من ذنبه وَما تَأَخَّرَ، فقوله: لِيَغْفِرَ هي لام كي، لكنها تخالفها في المعنى والمراد هنا أن الله فتح لك لكي يجعل ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك، فكأنها لام صيرورة، ولهذا قال ﵇: «لقد أنزلت عليّ الليلة سورة هي أحب إليّ من الدنيا» . وقال الطبري وابن كيسان المعنى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فسبح بحمد ربك واستغفره ليغفر لك، وبنيا هذه الآية مع قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١] السورة إلى آخرها. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف من وجهين أحدهما: أن سورة، إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١] إنما نزلت من آخر مدة النبي ﵇ ناعية له نفسه حسبما قال ابن عباس عند ما سأل عمر عن ذلك. والآخر: أن تخصيص النبي ﵇ بالتشريف كان يذهب، لأن كل أحد من المؤمنين هو مخاطب بهذا الذي قال الطبري، أي سبح واستغفر لكي يغفر الله، ولا يتضمن هذا أن الغفران قد وقع، وما قدمناه أولا يقتضي وقوع الغفران للنبي ﵇، ويدل على ذلك قول الصحابة له حين قام حتى تورمت قدماه: أتفعل هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا» فهذا نص في أن الغفران قد وقع. وقال منذر بن سعيد المعنى: مجاهدتك بالله المقترنة بالفتح هي ليغفر. وحكى الثعلبي عن الحسن بن الفضل أن المعنى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فاستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات لِيَغْفِرَ لَكَ الآية، وهذا نحو قول الطبري. وقوله: ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ قال سفيان الثوري: ما تَقَدَّمَ يريد قبل النبوءة. وَما تَأَخَّرَ كل شيء لم تعلمه وهذا ضعيف، وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم ولو لم تكن له ذنوب البتة، وأجمع العلماء على عصمة الأنبياء ﵈ من الكبائر ومن الصغائر التي هي رذائل، وجوز بعضهم الصغائر التي ليست برذائل، واختلفوا هل وقع ذلك من محمد ﵇ أو لم يقع، وحكى الثعلبي عن عطاء الخراساني أنه قال: ما تَقَدَّمَ هو ذنب آدم وحواء، أي ببركتك وَما تَأَخَّرَ هي ذنوب أمتك بدعائك. قال الثعلبي: الإمامية لا تجوز الصغائر على النبي ولا على الإمام، والآية ترد عليهم. وقال بعضهم: وما تَقَدَّمَ هو قوله يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد» . وَما تَأَخَّرَ هو قوله يوم حنين: «لن نغلب اليوم من قلة» . قال القاضي أبو محمد: وإتمام النعمة عليه، هو إظهاره وتغلبه على عدوه والرضوان في الآخرة. وقوله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً معناه: إلى صراط، فحذف الجار فتعدى الفعل، وقد يتعدى هذا بغير حرف جر، والنصر العزيز: هو الذي معه غلبة العدو والظهور عليه، والنصر غير العزيز: هو الذي مضمنه الحماية ودفع العدو فقط. وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين: وهي فعلية من السكون هو

стр. 2374

تسكينها لتلك الهدنة مع قريش حتى اطمأنت، وعلموا أن وعد الله على لسان رسوله حق فازدادوا بذلك إيمانا إلى إيمانهم الأول وكثر تصديقهم. قال ابن عباس: لما آمنوا بالتوحيد زادهم العبادات شيئا شيئا. فكانوا يزيدون إيمانا حتى قال لهم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] فمنحهم أكمل إيمان أهل السماوات والأرض لا إله إلا الله. وفسر ابن عباس السَّكِينَةَ بالرحمة. وقوله: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إشارة إلى تسكين النفوس أيضا وأن تكون مسلمة، لأنه ينصر متى شاء وعلى أي صورة شاء مما لا يدبره البشر، ومن جنده: السَّكِينَةَ التي أنزلها في قلوب أصحاب محمد فثبت بصائرهم. وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ أي كان ويكون، فهي دالة على الوجود بهذه الصفة لا معينة وقتا ماضيا. والعلم والإحكام: صفتان مقتضيتان عزة النصر لمن أراد الموصوف بهما نصره. قوله : [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٥ الى ٧] لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧) قوله تعالى: لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ [الفتح: ٤] معناه: فازدادوا وتلقوا ذلك. فتمكن بعد ذلك قوله: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ أي بتكسبهم القبول لما أنزل الله عليهم. ويروى في معنى هذه الآية أنه لما نزلت: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: ٩] تكلم فيها أهل الكتاب وقالوا: كيف نتبع من لا يدري ما يفعل به وبالناس معه؟ فبين الله في هذه السورة ما يفعل به بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] فلما سمعها المؤمنون، قالوا: هنيئا مريئا، هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فنزلت هذه الآية: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إلى قوله: وَساءَتْ مَصِيراً فعرفه الله تعالى ما يفعل به وبالمؤمنين والكافرين. وذكر النقاش أن رجلا من عك قال: هذه لك يا رسول الله، فما لنا؟ فقال النبي ﷺ : «هي لي ولأمتي كهاتين» ، وجمع بين أصبعيه. وقوله: وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ فيه ترتيب الجمل في السرد لا ترتيب وقوع معانيها، لأن تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة. وقوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ قيل معناه من قولهم: لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ [الفتح: ١٢] ، فكأنهم ظنوا بالله ظن السوء في جهة الرسول والمؤمنين، وقيل: ظنوا بالله ظن سوء، إذ هم يعتقدونه بغير صفاته، فهي ظنون سوء من حيث هي كاذبة مؤدية إلى عذابهم في نار جهنم. وقوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ كأنه يقوي التأويل الآخر، أي أصابهم ما أرادوه بكم، وقرأ

стр. 2375

جمهور القراء: «دائرة السوء» كالأول، ورجحها الفراء، وقال: قل ما تضم العرب السين. قال أبو علي: هما متقاربان، والفتح أشد مطابقة في اللفظ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «ظن السوء» بفتح السين. و: «دائرة السوء» بضم السين، وهو اسم، أي «دائرة السوء» الذي أرادوه بكم في ظنهم السوء. وقرأ الحسن: بضم السين في الموضعين، وروى ذلك عن أبي عمرو ومجاهد، وسمى المصيبة التي دعا بها عليهم: دائِرَةُ، من حيث يقال في الزمان إنه يستدير، ألا ترى أن السنة والشهر كأنها مستديرات، تذهب على ترتيب، وتجيء من حيث هي تقديرات للحركة العظمى، ومنه قول النبي ﷺ : «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» فيقال الأقدار والحوادث التي هي في طي الزمان دائرة، لأنها تدور بدوران الزمان، كأنك تقول: إن أمرا كذا يكون في يوم كذا من سنة كذا، فمن حيث يدور ذلك اليوم حتى يبرز إلى الوجود تدور هي أيضا فيه، وقد قالوا: أربعاء لا تدور، ومن هذا قول الشاعر: [الرجز] ودائرات الدهر قد تدور ومنه قول الآخر: [الطويل] ويعلم أن النائبات تدور وهذا كثير ويحسن أن تسمى المصيبة دائرة من حيث كمالها أن تحيط بصاحبها كما يحيط شكل الدائرة على السواء من النقطة، وقد أشار النقاش إلى هذا المعنى وَغَضِبَ اللَّهُ تعالى متى قصد به الإرادة فهو صفة ذات، ومتى قصد به ما يظهر من الأفعال على المغضوب عليه فهي صفة فعل. وَلَعَنَهُمْ معناه: أبعدهم من رحمته، وقال تعالى في هذه وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً فذكر صفة العزة من حيث تقدم الانتقام من الكفار، وفي التي قبل قرن بالحكمة والعلم من حيث وعده بمغيبات، وقرن باللفظتين ذكر جنود الله تعالى التي منها السكينة ومنها نقمة من المنافقين والمشركين، فلكل لفظ وجه من المعنى، وقال ابن المبارك في كتاب النقاش: جنود الله في السماء، الملائكة، وفي الأرض الغزاة في سبيل الله. قال عبد الحق: وهذا بعض من كل. قوله : [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٨ الى ١٠] إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠) من جعل الشاهد محصل الشهادة من يوم يحصلها، فقوله: شاهِداً حال واقعة. ومن جعل الشاهد مؤدي الشهادة، فهي حال مستقبلة. وهي التي يسميها النحاة المقدرة، المعنى: شاهِداً على الناس بأعمالهم وأقوالهم حين بلغت إليهم الشرع وَمُبَشِّراً معناه: أهل الطاعة برحمة الله وَنَذِيراً معناه: أهل الكفر تنذرهم من عذاب الله.

стр. 2376

وقرأ جمهور الناس في كل الأمصار: «لتؤمنوا بالله» على مخاطبة الناس، على معنى قل لهم، وكذلك الأفعال الثلاثة بعد، وقرأ أبو عمرو بن العلاء وابن كثير وأبو جعفر: «ليؤمنوا» بالياء على استمرار خطاب محمد ﵇، وكذلك الأفعال الثلاثة بعد. وقرأ الجحدري: «وتعزروه» بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي. وقرأ محمد بن السميفع اليماني وابن عباس: «وتعززوه» بزاءين، من العزة. وقرأ جعفر بن محمد: «وتعزروه» بفتح التاء وسكون العين وكسر الزاي ومعنى: تُعَزِّرُوهُ تعظموه وتكبروه، قاله ابن عباس: وقال قتادة معناه: تنصروه بالقتال وقال بعض المتأولين: الضمائر في قوله: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ هي كلها لله تعالى. وقال الجمهور: تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ هما للنبي ﵇، وَتُسَبِّحُوهُ هي لله، وهي صلاة البردين. وقرأ عمر بن الخطاب: «وتسبحوا الله» ، وفي بعض ما حكى أبو حاتم: «وتسبحون الله» ، بالنون، وقرأ ابن عباس: «ولتسبحوا الله» . والبكرة: الغدو. والأصيل: العشي. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة حين أخذ رسول الله ﷺ الأهبة لقتال قريش لما بلغه قتل عثمان بن عفان رسوله إليهم، وذلك قبل أن ينصرف من الحديبية، وكان في ألف وأربعمائة رجل. قال النقاش: وقيل كان في ألف وثمانمائة، وقيل وسبعمائة، وقيل وستمائة، وقيل ومائتين. قال القاضي أبو محمد: وبايعهم رسول الله ﷺ على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد، حتى قال سلمة بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله ﷺ على الموت، وقال عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا نفر. والمبايعة في هذه الآية مفاعلة من البيع، لأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وبقي اسم البيعة بعد معاقدة الخلفاء والملوك، وعلى هذا سمت الخوارج أنفسهم الشراة، أي اشتروا بزعمهم الجنة بأنفسهم. ومعنى: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أن صفقتهم إنما يمضيها ويمنح ثمنها الله تعالى. وقرأ تمام بن العباس بن عبد المطلب: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ. قال أبو الفتح: ذلك على حذف المفعول لدلالة الأول عليه وقربه منه. وقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ قال جمهور المتأولين: اليد، بمعنى: النعمة، أي نعمة الله في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها. فَوْقَ أَيْدِيهِمْ التي مدوها لبيعتك. وقال آخرون: يَدُ اللَّهِ هنا، بمعنى: قوة الله فوق قواهم، أي في نصرك ونصرهم، فالآية على هذا تعديد نعمة عليهم مستقبلة مخبر بها، وعلى التأويل الأول تعديد نعمة حاصلة تشرف بها الأمر. قال النقاش يَدُ اللَّهِ في الثواب. وقوله: فَمَنْ نَكَثَ أي فمن نقض هذا العهد فإنما يجني على نفسه وإياها يهلك، فنكثه عليه لا له. وقرأ جمهور القراء: «بما عاهد عليه الله» بالنصب على التعظيم. وقرأ ابن أبي إسحاق: «ومن أوفى

стр. 2377

بما عاهد عليه الله» بالرفع، على أن الله هو المعاهد. وقرأ حفص عن عاصم: «عليه» مضمومة الهاء، وروي ذلك عن ابن أبي إسحاق. والأجر العظيم: الجنة، لا يفنى نعيمها ولا ينقضي أمرها. وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي والعامة: «فسيؤتيه» بالياء. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: «فسنؤتيه» بالنون. وفي مصحف ابن مسعود: «فسيؤتيه الله» . وقوله : [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١١ الى ١٢] سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره: هم جهينة ومزينة ومن كان حول المدينة من القبائل، فإنهم في خروج رسول الله ﷺ إلى عمرته عام الحديبية رأوا أنه يستقبل عدوا عظيما من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تمكن إيمان أولئك الأعراب المجاورين للمدينة فقعدوا عن النبي ﵇ وتخلفوا، وقالوا لن يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم الله في هذه الآية، وأعلم محمد بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، فكان كذلك، قالوا: شغلتنا الأموال والأهلون فاستغفر لنا، وهذا منهم خبث وإبطال، فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قال الرماني: لا يقال أعرابي إلا لأهل البوادي خاصة، ثم قال لنبيه ﵇ قُلْ لهم: فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي من يحمي منه أموالكم وأهليكم إن أراد بكم فيها سوءا. وقرأ جمهور القراء: «إن أراد بكم ضرا» بفتح الضاد. وقرأ حمزة والكسائي: «ضرا» بالضم، ورجحها أبو علي وهما لغتان. وفي مصحف ابن مسعود. «إن أراد بكم سوءا» . ثم رد عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً، ثم فسر لهم العلة التي تخلفوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ الآية، وفي قراءة عبد الله: «إلى أهلهم» بغير ياء. و: بُوراً معناه: فاسدين هلكى بسبب فسادهم. والبوار: الهلاك. وبارت السلعة، مأخوذ من هذا. وبور: يوصف به الجمع والإفراد، ومنه قول ابن الزبعرى: [الخفيف] يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور والبور في لغة أزد عمان: الفاسد، ومنه قول أبي الدرداء: فأصبح ما جمعوا بورا، أي فاسدا ذاهبا، ومنه قول حسان بن ثابت: لا ينفع الطول من نوك القلوب وقد ... يهدي الإله سبيل المعشر البور وقال الطبري في قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ يعني به قولهم: فَاسْتَغْفِرْ

стр. 2378

لَنا لأنهم قالوا ذلك مصانعة من غير توبة ولا ندم، قال وقوله تعالى: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ الآية، معناه: وما ينفعكم استغفاري، وهل أملك لكم شيئا والله قد أراد ضركم بسبب معصيتكم كما لا أملك إن أراد بكم النفع في أموالكم وأهليكم. قوله : [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٣ الى ١٥] وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥) لما قال لهم: وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً [الفتح: ١٢] توعدهم بعد ذلك بقوله: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية، وأنتم هكذا فأنتم ممن أعدت لهم السعير، وهي النار المؤججة. والمسعر: ما يحرك به النار، ومنه قوله ﵇: «ويل من مسعر حرب» . ثم رجى بقوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، الآية: لأن القوم لم يكونوا مجاهرين بالكفر، فلذلك جاء وعيدهم وتوبيخهم ممزوجا فيه بعض الإمهال والترجية، لأن الله تعالى قد كان علم منهم أنهم سيؤمنون، ثم إن الله تعالى أمر نبيه على ما روي بغزو خيبر ووعده بفتحها، وأعلمه أن المخلفين إذا رأوا مسير رسول الله ﷺ إلى يهود وهم عدو مستضعف، طلبوا الكون معه رغبة في عرض الدنيا والغنيمة فكان كذلك. وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: يريدون أن يغيروا وعده لأهل الحديبية بغنيمة خيبر. وقال عبد الله بن زيد بن أسلم كَلامَ اللَّهِ قوله تعالى: فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا [التوبة: ٨٣] وهذا قول ضعيف، لأن هذه الآية نزلت في رجوع رسول الله ﷺ من تبوك، وهذا في آخر عمره، وآية هذه السورة نزلت سنة الحديبية، وأيضا فقد غزت جهينة ومزينة بعد هذه المدة مع رسول الله ﷺ ، وقد فضلهم رسول الله بعد ذلك على تميم وغطفان وغيرهم من العرب، الحديث المشهور فأمره الله تعالى أن يقول لهم في هذه الغزوة إلى خيبر: لَنْ تَتَّبِعُونا وخص الله بها أهل الحديبية. وقوله تعالى: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وقول الأعراب: بَلْ تَحْسُدُونَنا معناه: بل يعز عليكم أن نصيب مغنما ومالا، فرد الله على هذه المقالة بقوله: بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي لا يفقهون من الأمور مواضع الرشد، وذلك هو الذي خلفهم عن رسول الله ﷺ حتى كان ذلك سببا إلى منعهم من غزوة خيبر. وقرأ أبو حيوة: «تحسدوننا» بكسر السين. وقرأ الجمهور من القراء: «كلام» قال أبو علي: هو أخص بما كان مفيدا حديثا. وقرأ الكسائي وحمزة وابن مسعود وطلحة وابن وثاب: «كلم» والمعنى فيهما متقارب.

стр. 2379

قوله : [سورة الفتح (٤٨) : آية ١٦] قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) أمر الله نبيه ﵇ بالتقدمة إلى هؤلاء المخلفين بأنهم سيؤمرون بقتال عدو بئيس، وهذا يدل على أنهم كانوا يظهرون الإسلام، وإلا فلم يكونوا أهلا لهذا الأمر، واختلف الناس من القوم المشار إليهم في قوله: إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فقال عكرمة وابن جبير وقتادة: هم هوازن ومن حارب رسول الله ﷺ في حنين. قال القاضي أبو محمد: ويندرج في هذا القول عندي من حورب وغلب في فتح مكة. وقال كعب: هم الروم الذين خرج إليهم رسول الله ﷺ عام تبوك والذين بعث إليهم في غزوة مؤتة. وقال الزهري والكلبي: هم أهل الردة وبنو حنيفة باليمامة. وقال منذر بن سعيد: يتركب على هذا القول أن الآية مؤذنة بخلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄، يريد لما كشف الغيب أنهما دعوا إلى قتال أهل الردة. وحكى الثعلبي عن رافع بن خديج أنه قال: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم من هم، حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم أريدوا. وقال ابن عباس وابن أبي ليلى: هم الفرس. وقال الحسن: هم فارس والروم. وقال أبو هريرة: هم قوم لم يأتوا بعد، والقولان الأولان حسنان، لأنهما الذي كشف الغيب وباقيهما ضعيف. وقال منذر بن سعيد: رفع الله في هذه الجزية، وليس إلا القتال أو الإسلام، وهذا لا يوجد إلا في أهل الردة. قال القاضي أبو محمد: وهو من حورب في فتح مكة. وقرأ الجمهور من القراء: «أو يسلمون» على القطع، أي أو هم يسلمون دون حرب. وقرأ أبيّ بن كعب فيما حكى الكسائي: «أو يسلموا» بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، ومثله من الشعر قول امرئ القيس: [الطويل] فقلت له لا تبك عيناك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا يروى: «نموت» بالنصب. و «نموت» بالرفع، فالنصب على تقدير: أو يكون أن نموت، والرفع على القطع، أو نحن نموت. وقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا معناه: فيما تدعون إليه، والعذاب الذي توعدهم: يحتمل أن يريد به عذاب الدنيا، وأما عذاب الآخرة فبين فيه. وقوله :

стр. 2380

[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٧ الى ١٩] لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) لما بالغ في عتب هؤلاء المتخلفين من القبائل المجاورة للمدينة لجهينة ومزينة وغفار وأسلم وأشجع، عقب ذلك بأن عذر أهل الأعذار من العرج والعمى والمرض جملة ورفع الحرج عنهم والضيق والمأثم، وهذا حكم هؤلاء المعاذير في كل جهاد إلى يوم القيامة، إلا أن يحزب حازب في حضرة ما، فالفرض متوجه بحسب الوسع، ومع ارتفاع الحرج فجائز لهم الغزو وأجرهم فيه مضاعف، لأن الأعرج أحرى الناس بالصبر وأن لا يفر، وقد غزا ابن أم مكتوم، وكان يمسك الراية في بعض حروب القادسية، وقد خرج النسائي هذا المعنى وذكر ابن أم مكتوم ﵀. وقرأ الجمهور من القراء: «يدخله» بالياء. وقرأ ابن عامر ونافع وأبو جعفر والأعرج والحسن وشيبة وقتادة: «ندخله» بالنون، وكذلك «نعذبه» و: «يعذبه» . وقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ تشريف وإعلام برضاه عنهم حين البيعة، وبهذا سميت بيعة الرضوان. والرضى بمعنى الإرادة، فهو صفة ذات. ومن جعل إِذْ مسببة بمعنى لأنهم بايعوا تحت الشجرة، جاز أن يجعل رَضِيَ بمعنى إظهار النعم عليهم بسبب بيعتهم، فالرضى على هذا صفة فعل، وقد تقدم القول في المبايعة ومعناها. وكان سبب هذه المبايعة أن رسول الله ﷺ أراد أن يبعث إلى مكة رجلا يبين على قريش أن النبي ﷺ لا يريد حربا، وإنما جاء معتمرا، فبعث إليهم خراش بن أمية الخزاعي وحمله على جمل يقال له الثعلب، فلما كلمهم، عقروا الجمل، وأرادوا قتل خراش، فمنعه الأحابيش، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأراد بعث عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله أنا قد علمت فظاظتي على قريش وهم يبغضونني، وليس هناك من بني عدي بن كعب من يحميني، ولكن ابعث عثمان بن عفان، فبعثه رسول الله ﷺ ، فذهب فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي، فنزل عن دابته فحمله عليها وأجاره، حتى إذا جاء قريشا فأخبرهم، فقالوا له: إن شئت يا عثمان أن تطوف بالبيت فطف، وأما دخولكم علينا فلا سبيل إليه، فقال عثمان: ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله ﷺ ، ثم إن بني سعيد بن العاصي حبسوا عثمان على جهة المبرة، فأبطأ على رسول الله ﷺ وكانت الحديبية من مكة على عشرة أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول الله ﷺ ، فحمى رسول الله ﷺ والمؤمنون، وقالوا: لا نبرح إن كان هذا حتى نلقى القوم، فدعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، ونادى مناديه: أيها الناس، البيعة البيعة، نزل روح القدس، فما تخلف عن البيعة أحد ممن شهد الحديبية إلا الجد بن قيس المنافق،

стр. 2381

وحينئذ جعل رسول الله ﷺ يده على يده وقال: هذه يد لعثمان، وهي خير من يد عثمان ثم جاء عثمان بعد ذلك سالما. والشَّجَرَةِ سمرة كانت هنالك، ذهبت بعد سنين، فمر عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته فاختلف أصحابه في موضعها، فقال عمر سيروا هذا التكلف. وقوله تعالى: فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ قال قوم معناه: من كراهة البيعة على الموت ونحوه وهذا ضعيف، فيه مذمة للصحابة. وقال الطبري ومنذر بن سعيد معناه: من الإيمان وصحته والحب في الدين والحرص عليه، وهذا قول حسن، لكنه من كانت هذه حاله فلا يحتاج إلى نزول ما يسكنه، أما أنه يحتمل أن يجازى ب السَّكِينَةَ والفتح القريب والمغانم. وقال آخرون معناه: من الهم بالانصراف عن المشركين والأنفة في ذلك على نحو ما خاطب فيه عمر وغيره، وهذا تأويل حسن يترتب معه نزول السَّكِينَةَ والتعريض بالفتح القريب. والسَّكِينَةَ هنا تقرير قلوبهم وتذليلها لقبول أمر الله تعالى والصبر له. وقرأ الناس: «وأثابهم» قال هارون وقد قرئت: «وأتابهم» بالتاء بنقطتين والفتح القريب: خيبر، وذلك أن رسول الله ﷺ انصرف بالمؤمنين إلى المدينة وقد وعده الله بخيبر وخرج إليها لم يلبث، قال أبو جعفر النحاس، وقد قيل: الفتح القريب: فتح مكة، والمغانم الكثيرة: فتح خيبر. وقرأ يعقوب في رواية رويس: «تأخذونها» على مخاطبتهم بالتاء من فوق. وقرأ الجمهور: «يأخذونها» على الغيبة. واختلف في عدة المبايعين فقيل: ألف وخمسمائة، قاله قتادة، وقيل: وأربعمائة قاله جابر بن عبد الله، وقيل: وخمسمائة وخمسة وعشرون، قاله ابن عباس، وقيل: وثلاثمائة قاله ابن أبي أوفى، وقيل غير هذا مما ذكرناه من قبل، وأول من بايع في ذلك رجل من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب قاله الشعبي. قوله : [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٠ الى ٢٤] وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) قوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ الآية مخاطبة للمؤمنين ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة، قاله مجاهد وغيره.

стр. 2382

وقوله: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يريد خيبر، وقال زيد بن أسلم وابنه، المغانم الكثيرة: خيبر، و: هذِهِ إشارة إلى البيعة والتخلص من أمر قريش، وقاله ابن عباس: وقوله وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يريد من ولي عورة المدينة بعد خروج النبي ﷺ والمؤمنين منها، وذلك أنه كان من أحياء العرب ومن اليهود من يعادي وكانت قد أمكنتهم فرصة فكفهم الله عن ذراري المسلمين وأموالهم، وهذه للمؤمنين العلامة على أن الله ينصرهم ويلطف لهم، قاله قتادة. وحكى الثعلبي أنه قال: كف الله غطفان ومن معها عن النبي ﷺ حين جاؤوا لنصر أهل خيبر، وذكره النقاش وقال الثعلبي أيضا عن بعضهم إنه أراد كف قريش. وقوله: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال عبد الله بن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم. وقال الضحاك: الإشارة إلى خيبر. وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مكة، وهذا هو القول الذي يتسق معه المعنى ويتأيد. وقوله: قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها معناه بالقدرة والقهر لأهلها، أي قد سبق في علمه ذلك وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها. وقوله: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ إشارة إلى قريش ومن والاها في تلك السنة، قاله قتادة، وفي هذا تقوية لنفوس المؤمنين، وقال بعض المفسرين: أراد الروم وفارس. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما الإشارة إلى العدو الأحضر. وقوله: سُنَّةَ اللَّهِ إشارة إلى وقعة بدر، وقيل إشارة إلى عادة الله من نصر الأنبياء قديما، ونصب سُنَّةَ على المصدر، ويجوز الرفع ولم يقرأ به. وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ الآية، روي في سببها أن قريشا جمعت جماعة من فتيانها وجعلوهم مع عكرمة بن أبي جهل وخرجوا يطلبون غرة في عسكر رسول الله ﷺ ، واختلف الناس في عدد هؤلاء اختلافا متفاوتا، فلذلك اختصرته فلما أحس بهم المسلمون بعث رسول الله ﷺ في أثرهم خالد بن الوليد وسماه حينئذ سيف الله في جملة من المسلمين، ففروا أمامهم حتى أدخلوهم بيوت مكة وأسروا منهم جملة، فسيقوا إلى رسول الله ﷺ فمن عليهم وأطلقهم، فهذا هو أن كف الله أيديهم عن المسلمين بالرعب وكف أيدي المسلمين عنهم بالنهي في بيوت مكة وغيرها وذلك هو «بطن مكة» . وقال قتادة: أسر النبي الله ﷺ هذه الجملة بالحديبية عند عسكره ومن عليهم، وذلك هو «بطن مكة» . قال النقاش: الحرام كله مَكَّةَ، والظفر عليهم هو أسر من أسر منهم، وباقي الآية تحريض على العمل الصالح، لأن من استشعر أن الله يبصر عمله أصلحه. وقرأ الجمهور من القراء: «بما تعملون» بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو عمرو وحده: «بما يعملون» بالياء على ذكر الكفار وتهددهم.

стр. 2383

قوله : [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٦] هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦) يريد بقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أهل مكة الذين تقدم ذكرهم. وقوله وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ هو منعهم النبي ﷺ وأصحابه من العمرة عام الحديبية، وذلك أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد العمرة وتعظيم البيت، وخرج معه بمائة بدنة، قاله النقاش، وقيل بسبعين، قاله المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، فلما دنا من مكة، قال أهل مكة هذا محمد الذي قد حاربنا وقتل فينا، يريد أن يدخل مكة مراغمة لنا، والله لا تركناه حتى نموت دون ذلك، فاجتمعوا لحربه، واستنجدوا بقبائل من العرب وهم الأحابيش وبعثوا فغوروا لرسول الله ﷺ المياه التي تقرب من مكة، فجاء رسول الله ﷺ حتى نزل على بئر الحديبية، وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمرا حتى كفى الجيش، ثم إن رسول الله ﷺ بعث إلى مكة عثمان، وبعث أهل مكة إليه رجالا منهم: عروة بن مسعود، وبديل بن ورقاء، وتوقف رسول الله ﷺ هناك أياما حتى سفر سهيل بن عمرو، وبه انعقد الصلح على أن ينصرف رسول الله ﷺ عنهم ويعتمر من العام القادم، فهذا كان صدهم إياه وهو مستوعب في كتب السير، فلذلك اختصرناه. وقرأ الجمهور: «والهدي» بسكون الدال.. وقرأ الأعرج والحسن بن أبي الحسن: «والهديّ» بكسر الدال وشد الياء، وهما لغتان، وهو معطوف على الضمير في قوله: وَصَدُّوكُمْ أي وصدوا الهدي. و: مَعْكُوفاً حال، ومعناه: محبوسا، تقول: عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وقد قال أبو علي: إن عكف لا يعرفه متعديا، وحكى ابن سيده وغيره: تعديه، وهذا العكف الذي وقع للهدي كان من قبل المشركين بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونظرهم في أمرهم فحبسوا هديهم. وأَنْ في قوله: أَنْ يَبْلُغَ يحتمل أن يعمل فيها الصد، كأنه قال: وصدوا الهدي كراهة أن أو عن أن، ويحتمل أن يعمل فيها العكف فتكون مفعولا من أجله، أي الهدي المحبوس لأجل أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، ومَحِلَّهُ مكة. وذكر الله تعالى العلة في أن صرف المسلمين ولم يمكنهم من دخول مكة في تلك الوجهة، وهو أنه كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خفي إيمانهم، فلو استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين. قال قتادة: فدفع الله عن المشركين ببركة أولئك المؤمنين، وقد يدفع بالمؤمنين عن الكفار.

стр. 2384

وقوله تعالى: لَمْ تَعْلَمُوهُمْ صفة للمذكورين. وقوله: أَنْ تَطَؤُهُمْ يحتمل أن تكون أَنْ بدلا من رِجالٌ، كأنه قال: ولولا قوم مؤمنون أن تطؤوهم، أي لولا وطئكم قوما مؤمنين، فهو على هذا في موضع رفع، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بدلا من الضمير في قوله: لَمْ تَعْلَمُوهُمْ كأنه قال: لم تعلموا وطأهم أنه وطء المؤمنين، والوطء هنا: الإهلاك بالسيف وغيره على وجه التشبيه، ومنه قول الشاعر [زهير] : [الكامل] ووطئتنا وطئا على حنق ... وطء المقيد ثابت الهرم ومنه قول النبي ﷺ : «اللهم اشدد وطأتك على مضر» ، ومنه قول النبي ﷺ «إن آخر وطأة الرب يوم وج بالطائف» لأنها كانت آخر وقعة للنبي ﷺ ، فيها ذكر هذا المعنى النقاش: و «المعرة» السوء والمكروه اللاصق، مأخوذ من العر والعرة وهي الجرب الصعب اللازم. واختلف الناس في تعيين هذه المعرة، فقال ابن زيد: هي المأثم وقال ابن إسحاق: هي الدية. قال القاضي أبو محمد: وهذان ضعيفان، لأنه لا إثم ولا دية في قتل مؤمن مستور الإيمان من أهل الحرب. وقال الطبري حكاه الثعلبي: هي الكفارة. وقال منذر: المعرة: أن يعيبهم الكفار ويقولوا قتلوا أهل دينهم. وقال بعض المفسرين: هي الملام والقول في ذلك، وتألم النفس منه في باقي الزمن. قال القاضي أبو محمد: وهذه أقوال حسان. وجواب لَوْلا محذوف تقديره: لمكناكم من دخول مكة وأيدناكم عليهم. وقرأ الأعمش: «فتنالكم منه معرة» . واللام في قوله: لِيُدْخِلَ يحتمل أن يتعلق بمحذوف من القول، تقديره: لولا هؤلاء لدخلتم مكة، لكن شرفنا هؤلاء المؤمنين بأن رحمناهم ودفعنا بسببهم عن مكة لِيُدْخِلَ اللَّهُ: أي ليبين للناظر أن الله تعالى يدخل من يشاء في رحمته، أو ليقع دخولهم في رحمة الله ودفعه عنهم، ويحتمل أن تتعلق بالإيمان المتقدم الذكر، فكأنه قال: ولولا قوم مؤمنون آمنوا ليدخل الله من يشاء في رحمته، وهذا مذكور، لكنه ضعيف، لأن قوله: مَنْ يَشاءُ يضعف هذا التأويل. ثم قال تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا أي لو ذهبوا عن مكة، تقول: أزلت زيدا عن موضعه إزالة، أي أذهبته، وليس هذا الفعل من زال يزول، وقد قيل هو منه. وقرأ أبو حيوة وقتادة: بألف بعد الزاي، أي «لو تزايلوا» ، أي ذهب هؤلاء عن هؤلاء وهؤلاء عن هؤلاء. وقوله: مِنْهُمْ لبيان الجنس إذا كان الضمير في تَزَيَّلُوا للجميع من المؤمنين والكافرين وقال النحاس: وقد قيل إن قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ الآية. يريد من في أصلاب الكافرين من سيؤمن في غابر الدهر، وحكاه الثعلبي والنقاش عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 2385

مرفوعا. والعامل في قوله: إِذْ جَعَلَ قوله: لَعَذَّبْنَا ويحتمل أن يكون المعنى: أذكر إذ جعلنا. و: الْحَمِيَّةَ التي جعلوها هي حمية أهل مكة في الصد، قال الزهري: وحمية سهيل ومن شاهد عقد الصلح في أن منعوا أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولجوا حتى كتب باسمك اللهم، وكذلك منعوا أن يثبت: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. ولجوا حتى قال ﷺ لعلي: امح واكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله الحديث وجعلها تعالى «حمية جاهلية» ، لأنها كانت بغير حجة وفي غير موضعها، لأن رسول الله ﷺ لو جاءهم محاربا لعذرهم في حميتهم، وإنما جاء معظما للبيت لا يريد حربا، فكانت حميتهم جاهلية صرفا. والسكينة هي الطمأنينة إلى أمر رسول الله ﷺ والثقة بوعد الله والطاعة وزوال الأنفة التي لحقت عمر وغيره. و: كَلِمَةَ التَّقْوى قال الجمهور: هي لا إله إلا الله، وروي ذلك عن النبي ﷺ . وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال أبو هريرة وعطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال علي بن أبي طالب: هي لا إله إلا الله والله أكبر، وحكاه الثعلبي عن ابن عمر. قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها أقوال متقاربة حسان، لأن هذه الكلمة تقي النار، فهي كَلِمَةَ التَّقْوى. وقال الزهري عن المسور ومروان: كَلِمَةَ التَّقْوى المشار إليها هي بسم الله الرحمن الرحيم وهي التي أباها كفار قريش، فألزمها الله المؤمنين وجعلهم أَحَقَّ بِها قال القاضي أبو محمد: ولا إله إلا الله أحق باسم: كَلِمَةَ التَّقْوى. من: بسم الله الرحمن الرحيم. وفي مصحف ابن مسعود: «وكانوا أهلها وأحق بها» . والمعنى: كانوا أهلها على الإطلاق في علم الله وسابق قضائه لهم، وقيل أَحَقَّ بِها من اليهود والنصارى في الدنيا، وقيل أهلها في الآخرة بالثواب. وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية، فيروى أنه لما انعقد، أمن الناس في تلك المدة الحرب والفتنة، وامتزجوا، وعلت دعوة الإسلام، وانقاد إليه كل من كان له فهم من العرب، وزاد عدد الإسلام أضعاف ما كان قبل ذلك. قال القاضي أبو محمد: ويقتضي ذلك أن رسول الله ﷺ كان في عام الحديبية في أربع عشرة مائة، ثم سار إلى مكة بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس ﷺ . قوله :
следующие страницы →