← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وحينئذ جعل رسول الله ﷺ يده على يده وقال: هذه يد لعثمان، وهي خير من يد عثمان ثم جاء عثمان بعد ذلك سالما. والشَّجَرَةِ سمرة كانت هنالك، ذهبت بعد سنين، فمر عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته فاختلف أصحابه في موضعها، فقال عمر سيروا هذا التكلف. وقوله تعالى: فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ قال قوم معناه: من كراهة البيعة على الموت ونحوه وهذا ضعيف، فيه مذمة للصحابة. وقال الطبري ومنذر بن سعيد معناه: من الإيمان وصحته والحب في الدين والحرص عليه، وهذا قول حسن، لكنه من كانت هذه حاله فلا يحتاج إلى نزول ما يسكنه، أما أنه يحتمل أن يجازى ب السَّكِينَةَ والفتح القريب والمغانم. وقال آخرون معناه: من الهم بالانصراف عن المشركين والأنفة في ذلك على نحو ما خاطب فيه عمر وغيره، وهذا تأويل حسن يترتب معه نزول السَّكِينَةَ والتعريض بالفتح القريب. والسَّكِينَةَ هنا تقرير قلوبهم وتذليلها لقبول أمر الله تعالى والصبر له. وقرأ الناس: «وأثابهم» قال هارون وقد قرئت: «وأتابهم» بالتاء بنقطتين والفتح القريب: خيبر، وذلك أن رسول الله ﷺ انصرف بالمؤمنين إلى المدينة وقد وعده الله بخيبر وخرج إليها لم يلبث، قال أبو جعفر النحاس، وقد قيل: الفتح القريب: فتح مكة، والمغانم الكثيرة: فتح خيبر. وقرأ يعقوب في رواية رويس: «تأخذونها» على مخاطبتهم بالتاء من فوق. وقرأ الجمهور: «يأخذونها» على الغيبة. واختلف في عدة المبايعين فقيل: ألف وخمسمائة، قاله قتادة، وقيل: وأربعمائة قاله جابر بن عبد الله، وقيل: وخمسمائة وخمسة وعشرون، قاله ابن عباس، وقيل: وثلاثمائة قاله ابن أبي أوفى، وقيل غير هذا مما ذكرناه من قبل، وأول من بايع في ذلك رجل من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب قاله الشعبي. قوله : [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٠ الى ٢٤] وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) قوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ الآية مخاطبة للمؤمنين ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة، قاله مجاهد وغيره.

стр. 2382

وقوله: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يريد خيبر، وقال زيد بن أسلم وابنه، المغانم الكثيرة: خيبر، و: هذِهِ إشارة إلى البيعة والتخلص من أمر قريش، وقاله ابن عباس: وقوله وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يريد من ولي عورة المدينة بعد خروج النبي ﷺ والمؤمنين منها، وذلك أنه كان من أحياء العرب ومن اليهود من يعادي وكانت قد أمكنتهم فرصة فكفهم الله عن ذراري المسلمين وأموالهم، وهذه للمؤمنين العلامة على أن الله ينصرهم ويلطف لهم، قاله قتادة. وحكى الثعلبي أنه قال: كف الله غطفان ومن معها عن النبي ﷺ حين جاؤوا لنصر أهل خيبر، وذكره النقاش وقال الثعلبي أيضا عن بعضهم إنه أراد كف قريش. وقوله: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال عبد الله بن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم. وقال الضحاك: الإشارة إلى خيبر. وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مكة، وهذا هو القول الذي يتسق معه المعنى ويتأيد. وقوله: قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها معناه بالقدرة والقهر لأهلها، أي قد سبق في علمه ذلك وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها. وقوله: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ إشارة إلى قريش ومن والاها في تلك السنة، قاله قتادة، وفي هذا تقوية لنفوس المؤمنين، وقال بعض المفسرين: أراد الروم وفارس. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما الإشارة إلى العدو الأحضر. وقوله: سُنَّةَ اللَّهِ إشارة إلى وقعة بدر، وقيل إشارة إلى عادة الله من نصر الأنبياء قديما، ونصب سُنَّةَ على المصدر، ويجوز الرفع ولم يقرأ به. وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ الآية، روي في سببها أن قريشا جمعت جماعة من فتيانها وجعلوهم مع عكرمة بن أبي جهل وخرجوا يطلبون غرة في عسكر رسول الله ﷺ ، واختلف الناس في عدد هؤلاء اختلافا متفاوتا، فلذلك اختصرته فلما أحس بهم المسلمون بعث رسول الله ﷺ في أثرهم خالد بن الوليد وسماه حينئذ سيف الله في جملة من المسلمين، ففروا أمامهم حتى أدخلوهم بيوت مكة وأسروا منهم جملة، فسيقوا إلى رسول الله ﷺ فمن عليهم وأطلقهم، فهذا هو أن كف الله أيديهم عن المسلمين بالرعب وكف أيدي المسلمين عنهم بالنهي في بيوت مكة وغيرها وذلك هو «بطن مكة» . وقال قتادة: أسر النبي الله ﷺ هذه الجملة بالحديبية عند عسكره ومن عليهم، وذلك هو «بطن مكة» . قال النقاش: الحرام كله مَكَّةَ، والظفر عليهم هو أسر من أسر منهم، وباقي الآية تحريض على العمل الصالح، لأن من استشعر أن الله يبصر عمله أصلحه. وقرأ الجمهور من القراء: «بما تعملون» بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو عمرو وحده: «بما يعملون» بالياء على ذكر الكفار وتهددهم.

стр. 2383

قوله : [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٦] هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦) يريد بقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أهل مكة الذين تقدم ذكرهم. وقوله وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ هو منعهم النبي ﷺ وأصحابه من العمرة عام الحديبية، وذلك أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد العمرة وتعظيم البيت، وخرج معه بمائة بدنة، قاله النقاش، وقيل بسبعين، قاله المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، فلما دنا من مكة، قال أهل مكة هذا محمد الذي قد حاربنا وقتل فينا، يريد أن يدخل مكة مراغمة لنا، والله لا تركناه حتى نموت دون ذلك، فاجتمعوا لحربه، واستنجدوا بقبائل من العرب وهم الأحابيش وبعثوا فغوروا لرسول الله ﷺ المياه التي تقرب من مكة، فجاء رسول الله ﷺ حتى نزل على بئر الحديبية، وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمرا حتى كفى الجيش، ثم إن رسول الله ﷺ بعث إلى مكة عثمان، وبعث أهل مكة إليه رجالا منهم: عروة بن مسعود، وبديل بن ورقاء، وتوقف رسول الله ﷺ هناك أياما حتى سفر سهيل بن عمرو، وبه انعقد الصلح على أن ينصرف رسول الله ﷺ عنهم ويعتمر من العام القادم، فهذا كان صدهم إياه وهو مستوعب في كتب السير، فلذلك اختصرناه. وقرأ الجمهور: «والهدي» بسكون الدال.. وقرأ الأعرج والحسن بن أبي الحسن: «والهديّ» بكسر الدال وشد الياء، وهما لغتان، وهو معطوف على الضمير في قوله: وَصَدُّوكُمْ أي وصدوا الهدي. و: مَعْكُوفاً حال، ومعناه: محبوسا، تقول: عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وقد قال أبو علي: إن عكف لا يعرفه متعديا، وحكى ابن سيده وغيره: تعديه، وهذا العكف الذي وقع للهدي كان من قبل المشركين بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونظرهم في أمرهم فحبسوا هديهم. وأَنْ في قوله: أَنْ يَبْلُغَ يحتمل أن يعمل فيها الصد، كأنه قال: وصدوا الهدي كراهة أن أو عن أن، ويحتمل أن يعمل فيها العكف فتكون مفعولا من أجله، أي الهدي المحبوس لأجل أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، ومَحِلَّهُ مكة. وذكر الله تعالى العلة في أن صرف المسلمين ولم يمكنهم من دخول مكة في تلك الوجهة، وهو أنه كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خفي إيمانهم، فلو استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين. قال قتادة: فدفع الله عن المشركين ببركة أولئك المؤمنين، وقد يدفع بالمؤمنين عن الكفار.

стр. 2384

وقوله تعالى: لَمْ تَعْلَمُوهُمْ صفة للمذكورين. وقوله: أَنْ تَطَؤُهُمْ يحتمل أن تكون أَنْ بدلا من رِجالٌ، كأنه قال: ولولا قوم مؤمنون أن تطؤوهم، أي لولا وطئكم قوما مؤمنين، فهو على هذا في موضع رفع، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بدلا من الضمير في قوله: لَمْ تَعْلَمُوهُمْ كأنه قال: لم تعلموا وطأهم أنه وطء المؤمنين، والوطء هنا: الإهلاك بالسيف وغيره على وجه التشبيه، ومنه قول الشاعر [زهير] : [الكامل] ووطئتنا وطئا على حنق ... وطء المقيد ثابت الهرم ومنه قول النبي ﷺ : «اللهم اشدد وطأتك على مضر» ، ومنه قول النبي ﷺ «إن آخر وطأة الرب يوم وج بالطائف» لأنها كانت آخر وقعة للنبي ﷺ ، فيها ذكر هذا المعنى النقاش: و «المعرة» السوء والمكروه اللاصق، مأخوذ من العر والعرة وهي الجرب الصعب اللازم. واختلف الناس في تعيين هذه المعرة، فقال ابن زيد: هي المأثم وقال ابن إسحاق: هي الدية. قال القاضي أبو محمد: وهذان ضعيفان، لأنه لا إثم ولا دية في قتل مؤمن مستور الإيمان من أهل الحرب. وقال الطبري حكاه الثعلبي: هي الكفارة. وقال منذر: المعرة: أن يعيبهم الكفار ويقولوا قتلوا أهل دينهم. وقال بعض المفسرين: هي الملام والقول في ذلك، وتألم النفس منه في باقي الزمن. قال القاضي أبو محمد: وهذه أقوال حسان. وجواب لَوْلا محذوف تقديره: لمكناكم من دخول مكة وأيدناكم عليهم. وقرأ الأعمش: «فتنالكم منه معرة» . واللام في قوله: لِيُدْخِلَ يحتمل أن يتعلق بمحذوف من القول، تقديره: لولا هؤلاء لدخلتم مكة، لكن شرفنا هؤلاء المؤمنين بأن رحمناهم ودفعنا بسببهم عن مكة لِيُدْخِلَ اللَّهُ: أي ليبين للناظر أن الله تعالى يدخل من يشاء في رحمته، أو ليقع دخولهم في رحمة الله ودفعه عنهم، ويحتمل أن تتعلق بالإيمان المتقدم الذكر، فكأنه قال: ولولا قوم مؤمنون آمنوا ليدخل الله من يشاء في رحمته، وهذا مذكور، لكنه ضعيف، لأن قوله: مَنْ يَشاءُ يضعف هذا التأويل. ثم قال تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا أي لو ذهبوا عن مكة، تقول: أزلت زيدا عن موضعه إزالة، أي أذهبته، وليس هذا الفعل من زال يزول، وقد قيل هو منه. وقرأ أبو حيوة وقتادة: بألف بعد الزاي، أي «لو تزايلوا» ، أي ذهب هؤلاء عن هؤلاء وهؤلاء عن هؤلاء. وقوله: مِنْهُمْ لبيان الجنس إذا كان الضمير في تَزَيَّلُوا للجميع من المؤمنين والكافرين وقال النحاس: وقد قيل إن قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ الآية. يريد من في أصلاب الكافرين من سيؤمن في غابر الدهر، وحكاه الثعلبي والنقاش عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 2385

مرفوعا. والعامل في قوله: إِذْ جَعَلَ قوله: لَعَذَّبْنَا ويحتمل أن يكون المعنى: أذكر إذ جعلنا. و: الْحَمِيَّةَ التي جعلوها هي حمية أهل مكة في الصد، قال الزهري: وحمية سهيل ومن شاهد عقد الصلح في أن منعوا أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولجوا حتى كتب باسمك اللهم، وكذلك منعوا أن يثبت: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. ولجوا حتى قال ﷺ لعلي: امح واكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله الحديث وجعلها تعالى «حمية جاهلية» ، لأنها كانت بغير حجة وفي غير موضعها، لأن رسول الله ﷺ لو جاءهم محاربا لعذرهم في حميتهم، وإنما جاء معظما للبيت لا يريد حربا، فكانت حميتهم جاهلية صرفا. والسكينة هي الطمأنينة إلى أمر رسول الله ﷺ والثقة بوعد الله والطاعة وزوال الأنفة التي لحقت عمر وغيره. و: كَلِمَةَ التَّقْوى قال الجمهور: هي لا إله إلا الله، وروي ذلك عن النبي ﷺ . وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال أبو هريرة وعطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال علي بن أبي طالب: هي لا إله إلا الله والله أكبر، وحكاه الثعلبي عن ابن عمر. قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها أقوال متقاربة حسان، لأن هذه الكلمة تقي النار، فهي كَلِمَةَ التَّقْوى. وقال الزهري عن المسور ومروان: كَلِمَةَ التَّقْوى المشار إليها هي بسم الله الرحمن الرحيم وهي التي أباها كفار قريش، فألزمها الله المؤمنين وجعلهم أَحَقَّ بِها قال القاضي أبو محمد: ولا إله إلا الله أحق باسم: كَلِمَةَ التَّقْوى. من: بسم الله الرحمن الرحيم. وفي مصحف ابن مسعود: «وكانوا أهلها وأحق بها» . والمعنى: كانوا أهلها على الإطلاق في علم الله وسابق قضائه لهم، وقيل أَحَقَّ بِها من اليهود والنصارى في الدنيا، وقيل أهلها في الآخرة بالثواب. وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية، فيروى أنه لما انعقد، أمن الناس في تلك المدة الحرب والفتنة، وامتزجوا، وعلت دعوة الإسلام، وانقاد إليه كل من كان له فهم من العرب، وزاد عدد الإسلام أضعاف ما كان قبل ذلك. قال القاضي أبو محمد: ويقتضي ذلك أن رسول الله ﷺ كان في عام الحديبية في أربع عشرة مائة، ثم سار إلى مكة بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس ﷺ . قوله :

стр. 2386

[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٩] لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩) روي في تفسير هذه الآية، أن رسول الله ﷺ رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه، بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون. وقال مجاهد: أرى ذلك بالحديبية، فأخبر الناس بهذه الرُّؤْيا، ووثق الجميع بأن ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سبق في علم الله تعالى أن ذلك يكون. لكن ليس في تلك الجهة. وروي أن رؤياه إنما كانت أن ملكا جاءه فقال له: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ، وإنه بهذا أعلم الناس فلما قضى الله في الحديبية بأمر الصلح، وأخذ رسول الله ﷺ في الصد، وقال المنافقون: وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ. و: صَدَقَ هذه تتعدى إلى مفعولين، تقول صدقت زيدا الحديث: واللام في: لَتَدْخُلُنَّ لام القسم الذي تقتضيه صَدَقَ لأنها من قبيل تبين وتحقق، ونحوها مما يعطي القسم. واختلف الناس في معنى الاستثناء في هذه الآية، فقال بعض المتأولين هو استثناء من الملك المخبر للنبي ﵇ في نومه، فذكر الله تعالى مقالته كما وقعت، وقال آخرون هو أخذ من الله تعالى عباده بأدبه في استعماله في كل فعل يوجب وقوعه، كان ذلك مما يكون ولا بد، أو كان مما قد يكون وقد لا يكون، وقال بعض العلماء: إنما استثنى من حيث كل واحد من الناس متى رد هذا الوعد إلى نفسه أمكن أن يتم الوعد فيه وأن لا يتم، إذ قد يموت الإنسان أو يمرض أو يغيب، وكل واحد في ذاته محتاج إلى الاستثناء، فلذلك استثنى في الجملة، إذ فيهم ولا بد من يموت أو يمرض. وقال آخرون: استثنى لأجل قوله: آمِنِينَ لأجل إعلامه بالدخول، فكأن الاستثناء مؤخر عن موضعه، ولا فرق بين الاستثناء من أجل الأمن أو من أجل الدخول، لأن الله تعالى قد أخبر بهما ووقت الثقة بالأمرين، فالاستثناء من أيهما كان فهو استثناء من واجب. وقال قوم: إِنْ بمعنى إذ فكأنه قال: إذ شاء الله. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن في معناه، ولكن كون إِنْ بمعنى إذ غير موجود في لسان العرب، وللناس بعد في هذا الاستثناء أقوال مخلطة غير هذه، اختصرت ذكرها، لأنها لا طائل فيها. وقرأ ابن مسعود: «إن شاء الله لا تخافون» بدل آمِنِينَ. ولما نزلت هذه الآية، علم المسلمون أن تلك الرؤيا فيما يستأنفون من الزمن، واطمأنت قلوبهم

стр. 2387

بذلك وسكنت، وخرجت في العام المقبل، خرج رسول الله ﷺ إلى مكة في ذي القعدة سنة سبع، ودخلها ثلاثة أيام هو وأصحابه، وصدقت رؤياه ﷺ . وقوله: فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه، وما كان أيضا بمكة من المؤمنين دفع الله بهم. وقوله تعالى: مِنْ دُونِ ذلِكَ، أي من قبل ذلك وفيما يدنو إليكم. واختلف الناس في الفتح القريب، فقال كثير من الصحابة: هو بيعة الرضوان وروي عن مجاهد وابن إسحاق. أنه الصلح بالحديبية. وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للنبي ﷺ : أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم. وقال ابن زيد: الفتح القريب: خيبر حسبما تقدم من ذكر انصراف رسول الله ﷺ إلى فتحها. وقال قوم: الفتح القريب: فتح مكة، وهذا ضعيف، لأن فتح مكة لم يكن من دون دخول رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، بل كان بعد ذلك بعام، لأن الفتح كان سنة ثمان من الهجرة ويحسن أن يكون الفتح هنا اسم جنس يعم كل ما وقع مما للنبي ﷺ فيه ظهور وفتح عليه. وقد حكى مكي في ترتيب أعوام هذه الأخبار عن قطرب قولا خطأ جعل فيه الفتح سنة عشر، وجعل حج أبي بكر قبل الفتح، وذلك كله تخليط وخوض فيما لم يتقنه معرفة. وقوله : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ الآية تعظيم لأمر رسول الله ﷺ وإعلام بأنه يظهره على جميع الأديان. ورأى بعض الناس لفظة: لِيُظْهِرَهُ تقتضي محو غيره به، فلذلك قالوا: إن هذا الخبر يظهر للوجود عند نزول عيسى ابن مريم ﵇، فإنه لا يبقى في وقته غير دين الإسلام وهو قول الطبري والثعلبي. ورأى قوم أن الإظهار هو الإعلاء وإن بقي من الدين الآخر أجزاء، وهذا موجود الآن في دين الإسلام، فإنه قد عم أكثر الأرض وظهر على كل دين. وقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً معناه: شاهدا، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما شاهدا عندكم بهذا الخبر ومعلما به. والثاني: شاهدا على هؤلاء الكفار المنكرين أمر محمد الرادين في صدره ومعاقبا لهم بحكم الشهادة، والآية على هذا وعيد للكفار الذين شاحوا في أن يكتب محمد رسول الله، فرد عليهم بهذه الآية كلها. وقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قال جمهور الناس: هو ابتداء وخبر استوفي فيه تعظيم منزلة النبي ﷺ . وقوله: والَّذِينَ مَعَهُ ابتداء وخبره: أَشِدَّاءُ ورُحَماءُ خبر ثان. وقال قوم من المتأولين: مُحَمَّدٌ «ابتداء» و: رَسُولُ اللَّهِ صفة له وَالَّذِينَ عطف عليه. و: أَشِدَّاءُ خبر عن الجميع. و: رُحَماءُ خبر بعد خبر، ففي القول الأول اختص النبي ﷺ بوصفه وهؤلاء بوصفهم، وفي القول الثاني اشترك الجميع في الشدة والرحمة. قال القاضي أبو محمد: والأول عندي أرجح، لأنه خبر مضاد لقول الكفار لا نكتب محمد رسول الله. وقوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن

стр. 2388

الإشارة إلى من شهد الحديبية: ب الَّذِينَ مَعَهُ. و: أَشِدَّاءُ جمع شديد، أصله: أشدداء، أدغم لاجتماع المثلين. وقرأ الجمهور: «أشداء» «رحماء» بالرفع، وروى قرة عن الحسن: «أشداء» «رحماء» بنصبهما قال أبو حاتم: ذلك على الحال والخبر: تَراهُمْ. قال أبو الفتح: وإن شئت نصبت «أشداء» على المدح. وقوله: تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً، أي ترى هاتين الحالتين كثيرا فيهم. و: يَبْتَغُونَ معناه يطلبون. وقرأ عمر وابن عبيد: «ورضوانا» بضم الراء. وقوله: سِيماهُمْ معناه: علامتهم. واختلف الناس في تعيين هذه السيما، فقال مالك بن أنس: كانت جباههم متربة من كثرة السجود في التراب، كان يبقى على المسح أثره، وقاله عكرمة. وقال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقال ابن عباس وخالد الحنفي وعطية: هو وعد بحالهم يوم القيامة من أن الله تعالى يجعل لهم نورا مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. قال القاضي أبو محمد: كما يجعل غرة من أثر الوضوء الحديث، ويؤيد هذا التأويل اتصال القول بقوله: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً كأنه قال: علامتهم في تحصيلهم الرضوان يوم القيامة: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. ويحتمل أن تكون السيما بدلا من قوله: فَضْلًا. وقال ابن عباس: السمت الحسن: هو السيما، وهو الخشوع خشوع يبدو على الوجه. قال القاضي أبو محمد: وهذه حالة مكثري الصلاة، لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتقل الضحك وترد النفس بحالة تخشع معها الأعضاء. وقال الحسن بن أبي الحسن وشمر بن عطية: السيما: بياض وصفرة وبهيج يعتري الوجوه من السهر. وقال منصور: سألت مجاهدا: أهذه السيما هي الأثر يكون بين عيني الرجل؟ فقال: لا، وقد تكون مثل ركبة البعير، وهو أقسى قلبا من الحجارة. وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: السيما: حسن يعتري وجوه المصلين. قال القاضي أبو محمد: وذلك لأن الله تعالى يجعل لها في عين الرأي حسنا تابعا للإجلال الذي في نفسه، ومتى أجل الإنسان أمرا حسن عنده منظره، ومن هذا الحديث الذي في الشهاب: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» . قال القاضي أبو محمد: وهذا حديث غلط فيه ثابت بن موسى الزاهد، سمع شريك بن عبد الله يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ثم نزع شريك لما رأى ثابت الزاهد فقال: يعنيه من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، فظن ثابت أن هذا الكلام متركب على السند المذكور فحدث به عن شريك. وقرأ الأعرج: «من إثر» بسكون الثاء وكسر الهمزة. قال أبو حاتم هما بمعنى. وقرأ قتادة: «من آثار» ، جمعا.

стр. 2389

وقوله تعالى: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ الآية، المثل هنا الوصف أو الصفة. وقال بعض المتأولين: التقدير الأمر ذلِكَ وتم الكلام. ثم قال: مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ. وقال مجاهد وجماعة من المتأولين: المعنى ذلِكَ الوصف هو مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ وتم القول، و: كَزَرْعٍ ابتداء تمثيل يختص بالقرآن. وقال الطبري وحكاه عن الضحاك المعنى: ذلِكَ الوصف هو مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وتم القول، ثم ابتدأ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ. وقال آخرون: المثلان جميعا هي في التوراة وهي في الإنجيل. وقوله تعالى: كَزَرْعٍ، هو على كل الأقوال وفي أي كتاب منزل: فرض مثل للنبي ﷺ وأصحابه، في أن النبي ﷺ بعث وحده، فكان كالزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء: وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل، يقال: أشطأت الشجرة إذا خرجت غصونها، وأشطأ الزرع: إذا خرج شطأه. وقرأ ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر: «شطأ» بفتح الطاء والهمز دون مد، وقرأ الباقون بسكون الطاء، وقرأ عيسى بن عمر: «شطاه» بفتح الطاء دون همز، وقرأ أبو جعفر: «شطه» رمى بالهمزة وفتح الطاء، ورويت عن نافع وشيبة. وروي عن عيسى: «شطاءه» بالمد والهمز، وقرأ الجحدري: «شطوه» بالواو. قال أبو الفتح هي لغة أو بدل من الهمزة، ولا يكون الشطو إلا في البر والشعير، وهذه كلها لغات. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: الزرع: النبي ﷺ ، فَآزَرَهُ. علي بن أبي طالب ﵁ فَاسْتَغْلَظَ بأبي بكر، فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ: بعمر بن الخطاب. وقوله تعالى: فَآزَرَهُ وزنه: أفعله، أبو الحسن ورجحه أبو علي. وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: «فأزره» على وزن: فعله دون مد، ولذلك كله معنيان: أحدهما ساواه طولا، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] بمحنية قد آزر الضال نبتها ... بجر جيوش غانمين وخيب أي هو موضع لم يزرع فكمل نبته حتى ساوى شجر الضال، فالفاعل على هذا المعنى: الشطء والمعنى الثاني: إن آزره وأزره بمعنى: أعانه وقواه، مأخوذ ذلك من الأزر وشده، فيحتمل أن يكون الفاعل الشطء، ويحتمل أن يكون الفاعل الزرع، لأن كل واحد منهما يقوي صاحبه وقال ابن مجاهد وغيره «آزره» وزنه: فاعله، والأول أصوب أن وزنه: أفعله، ويدلك على ذلك قول الشاعر: [المنسرح] لا مال إلا العطاف تؤزره ... أم ثلاثين وابنة الجبل وقرأ ابن كثير: «على سؤقه» بالهمز، وهي لغة ضعيفة، يهمزون الواو التي قبلها ضمة ومنه قول الشاعر [جرير] : وجعدة إذا أضاءهما الوقود و: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ جملة في موضع الحال، وإذا أعجب الزُّرَّاعَ، فهو أحرى أن يعجب غيرهم

стр. 2390

لأنه لا عيب فيه، إذ قد أعجب العارفين بالعيوب ولو كان معيبا لم يعجبهم، وهنا تم المثل. وقوله تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ابتداء كلام قبله محذوف تقديره: جعلهم الله بهذه الصفة لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، والْكُفَّارِ هنا المشركون. قال الحسن: من غيظ الكفار قول عمر بمكة: لا عبد الله سرا بعد اليوم. وقوله تعالى: مِنْهُمْ هي لبيان الجنس وليست للتبعيض، لأنه وعد مرجّ للجميع.

стр. 2391

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الحجرات وهي مدنية بإجماع من أهل التأويل ﵃. قوله : [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) كانت عادة العرب وهي إلى الآن الاشتراك في الآراء وأن يتكلم كل بما شاء ويفعل ما أحب، فمشى بعض الناس ممن لم تتمرن نفسه مع النبي ﷺ على بعض ذلك، قال قتادة: فربما قال قوم: لو نزل كذا وكذا في معنى كذا وكذا وينبغي أن يكون كذا، وأيضا فإن قوما ذبحوا ضحاياهم قبل النبي ﷺ ، حكاه الحسن بن أبي الحسن، وقوما فعلوا في بعض حروبه وغزواته أشياء بآرائهم، فنزلت هذه الآية ناهية عن جميع ذلك، وحكى الثعلبي عن مسروق أنه قال: دخلت على عائشة في يوم الشك فقالت للجارية: اسقه عسلا، فقلت: إني صائم، فقالت: نهى رسول الله ﷺ عن صيام هذا اليوم، وفيه نزلت: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وقال ابن زيد: معنى لا تُقَدِّمُوا لا تمشوا بَيْنَ يَدَيِ رسول الله، وكذلك بين يدي العلماء فإنهم ورثة الأنبياء. وتقول العرب: تقدمت في كذا وكذا وتقدمت فيه: إذا قلت فيه. وقرأ الجمهور من القراء: «تقدموا» بضم التاء وكسر الدال. وقرأ ابن عباس والضحاك ويعقوب بفتح التاء والدال على معنى: لا تتقدموا، وعلى هذا يجيء تأويل ابن زيد في المشي. والمعنى على ضم التاء بَيْنَ يَدَيِ قول الله ورسوله. وروي أن سبب هذه الآية هو أن وفد بني تميم لما قدم قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله لو أمرت الأقرع بن حابس. وقال عمر بن الخطاب: لا يا رسول الله، بل أمر القعقاع بن معبد، فقال له أبو بكر: ما أردت إلى خلافي، ويروى إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتها فنزلت الآية في ذلك. وذهب بعض قائلي هذه المقالة إلى أن قوله: لا تُقَدِّمُوا معناه: لا تُقَدِّمُوا ولاة، فهو من تقديم

стр. 2392

الأمراء، وعموم اللفظ أحسن، أي اجعلوه مبدأ في الأقوال والأفعال. و: سَمِيعٌ معناه: لأقوالكم. عَلِيمٌ معناه: بأفعالكم ومقتضى أقوالكم. وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا الآية هي أيضا في ذلك الفن المتقدم، وروى حيح أنها نزلت بسبب عادة الأعراب من الجفاء وعلو الصوت والعنجهية، وكان ثابت بن قيس بن شماس ﵁ في صوته جهارة، فلما نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه وجلس في بيته لم يخرج، وهو كئيب حزين حتى عرف رسول الله ﷺ خبره فبعث فيه فأنسه وقال له: «امش في الأرض بسطا فإنك من أهل الجنة» . وقال له مرة: «أما ترضى أن تعيش حميدا وتموت شهيدا» ، فعاش كذلك، ثم قتل باليمامة يوم مسيلمة. وفي قراءة ابن مسعود: «لا ترفعوا بأصواتكم» بزيادة الباء. وقوله: كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أي كحال جهركم في جفائه وكونه مخاطبة بالأسماء والألقاب، وكانوا يدعون النبي ﷺ . با محمد يا محمد، قاله ابن عباس وغيره، فأمرهم الله بتوقيره، وأن يدعوه بالرسالة والنبوءة والكلام اللين، فتلك حالة الموقر، وكره العلماء رفع الصوت عند قبر النبي ﷺ . وبحضرة العالم وفي المساجد، وفي هذه كلها آثار. وقوله تعالى: أَنْ تَحْبَطَ مفعول من أجله، أي مخافة أَنْ تَحْبَطَ، والحبط: إفساد العمل بعد تقرره، يقال حبط بكسر الباء وأحبطه الله، وهذا الحبط إن كانت الآية معرضة بمن يفعل ذلك استخفافا واستحقارا وجرأة فذلك كفر. والحبط معه على حقيقته، وإن كان التعريض للمؤمن الفاضل الذي يفعل ذلك غفلة وجريا على طبعه، فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي ﷺ وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك، فكأنه قال: أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها. ويحتمل أن يكون المعنى: أن تأثموا ويكون ذلك سببا إلى الوحشة في نفوسكم، فلا تزال معتقداتكم تتجرد القهقرى حتى يؤول ذلك إلى الكفر فتحبط الأعمال حقيقة. وظاهر الآية أنها مخاطبة لفضلاء المؤمنين الذين لا يفعلون ذلك احتقارا، وذلك أنه لا يقال لمنافق يعمل ذلك جرأة وأنت لا تشعر، لأنه ليس له عمل يعتقده هو عملا. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: «فتحبط أعمالكم» . ثم مدح الصنف المخالف لمن تقدم ذكره، وهم الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عند النبي ﷺ . وغض الصوت: خفضه وكسره، وكذلك البصر، ومنه قول جرير: [الوافر] فغض الطرف إنك من نمير وروي أن أبا بكر وعمر كانا بعد ذلك لا يكلمان رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار، وأن النبي ﷺ كان يحتاج مع عمر بعد ذلك إلى استعادة اللفظ، لأنه كان لا يسمعه من إخفائه إياه. و: امْتَحَنَ اللَّهُ معناه اختبر وظهر كما يمتحن الذهب بالنار فيسرها وهيأها للتقوى. وقال عمر بن الخطاب: امتحن للتقوى أذهب عنها الشهوات. قال القاضي أبو محمد: من غلب شهوته وغضبه، فذلك الذي امْتَحَنَ اللَّهُ قلبه للتقوى، وبذلك تكون الاستقامة.

стр. 2393

قوله : [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٤ الى ٨] إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ إلى قوله رَحِيمٌ نزلت في وفد بني تميم حيث كان الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وغيرهم، وذلك أنهم وفدوا على رسول الله ﷺ فدخلوا المسجد ودنوا من حجر أزواج النبي ﷺ وهي تسعة، فجعلوا ولم ينتظروا، فنادوا بجملتهم: يا محمد اخرج إلينا يا محمد اخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير، فتربص رسول الله ﷺ ثم خرج إليهم، فقال له الأقرع بن حابس: يا محمد إن مدحي زين وذمي شين، فقال له رسول الله ﷺ : «ويلك، ذلك الله تعالى» واجتمع الناس في المسجد، فقام خطيبهم وفخر، فأمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس فخطب وذكر الله والإسلام، فأربى على خطيبهم، ثم قام شاعرهم فأنشد مفتخرا، فقام حسان بن ثابت ففخر بالله وبالرسول وبالبسالة، فكان أشعر من شاعرهم، فقال بعضهم لبعض: والله إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ثم نزلت فيهم هذه الآية. هذا تلخيص ما تظاهرت به الروايات في هذه الآية، وقد رواه موسى بن عقبة عن أبي سلمة عن الأقرع بن حابس، وفي مصحف ابن مسعود: «أكثرهم بنو تميم لا يعقلون» ، و: الْحُجُراتِ: جمع حجرة. وقرأ جمهور القراء: «الحجرات» بضم الحاء والجيم، وقرأ أبو جعفر القاري وحده: «الحجرات» بضم الحاء وفتح الجيم. وقوله تعالى: لَكانَ خَيْراً لَهُمْ يعني في الثواب عند الله وفي انبساط نفس النبي ﷺ وقضائه لحوائجهم ووده لهم، وذلك كله خير، لا محالة أن بعضه انزوى بسبب جفائهم. وقوله تعالى: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ترجية لهم وإعلام بقبوله توبة التائب وغفرانه ورحمته لمن أناب ورجع. وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ سببها أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقا، فروي أنه كان معاديا لهم فأراد إذايتهم، فرجع من

стр. 2394

بعض طريقه وكذب عليهم، قاله الضحاك، وقال للنبي ﷺ : إنهم منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا، فغضب رسول الله ﷺ وهم بغزوهم، ونظر في ذلك، وبعث خالد بن الوليد إليهم، فورده وفدهم منكرين لذلك، وروي عن أم سلمة وابن عباس أن الوليد بن عقبة لما قرب منهم خرجوا إليه متلقين له، فرآهم على بعد، ففزع منهم، وظن بهم الشر وانصرف، فقال ما ذكرناه، وروي أنه لما قرب منهم بلغه عنهم أنهم قالوا: لا نعطيه الصدقة ولا نعطيه، فعمل على صحة هذا الخبر وانصرف، فقال ما ذكرناه فنزلت الآية بهذا السبب، والوليد على ما ذكر مجاهد هو المشار إليه بالفاسق وحكى الزهراوي قالت أم سلمة: هو الوليد بن عقبة. قال القاضي أبو محمد: ثم هي باقية فيمن اتصف بهذه الصفة غابر الدهر. والفسق: الخروج عن نهج الحق، وهو مراتب متباينة، كلها مظنة للكذب وموضع تثبت وتبين، وتأنس القائلون بقبول خبر الواحد بما يقتضيه دليل خطاب هذه الآية، لأنه يقتضي أن غير الفاسق إذا جاء بنبإ أن يعمل بحسبه، وهذا ليس باستدلال قوي وليس هذا موضع الكلام على مسألة خبر الواحد. وقرأ الجمهور من القراء: «فتبينوا» من التبين. وقرأ الحسن وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى: «فتثبتوا» . وإِنْ في قوله: أَنْ تُصِيبُوا مفعول من أجله، كأنه قال: مخافة أَنْ تُصِيبُوا. قال قتادة: وقال رسول الله ﷺ عند ما نزلت هذه الآية: التثبت من الله والعجلة من الشيطان. قال منذر بن سعيد هذه الآية ترد على من قال: إن المسلمين كلهم عدول حتى تثبت الجرحة، لأن الله تعالى أمر بالتبين قبل القبول. قال القاضي أبو محمد: فالمجهول الحال يخشى أن يكون فاسقا والاحتياط لازم. قال النقاش «تبينوا» أبلغ، لأنه قد يتثبت من لا يتبين. وقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ توبيخ للكذبة ووعيد للفضيحة، أي فليفكر الكاذب في أن الله يفضحه على لسان رسوله ثم قال: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ أي لشقيتم وهلكتم، والعنت: المشقة، أي لو يطيعكم أيها المؤمنون في كثير مما ترونه باجتهادكم وتقدمكم بين يديه. وقوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الآية، كأنه قال: ولكن الله أنعم بكذا وكذا، وفي ذلك كفاية وأمر لا تقومون بشكره فلا تتقدموا في الأمور، واقنعوا بإنعام الله عليكم، وحبب الله تعالى الإيمان وزينه بأن خلق في قلوب المؤمنين حبه وحسنه، وكذلك تكريه الكفر والفسق والعصيان، وحكى الرماني عن الحسن أنه قال: حبب الإيمان بما وصف من الثواب عليه وكره الثلاثة المقابلة للإيمان بما وصف من العقاب عليها. وقوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ رجوع من الخطاب إلى ذكر الغيب، كأنه قال: ومن فعل هذا وقبله وشكر عليه فأولئك هم الراشدون.

стр. 2395

وقوله تعالى: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً مصدر مؤكد لنفسه، لأن ما قبله هو بمعناه، إن التحبيب والتزيين هو نفس الفضل، وقد يجيء المصدر مؤكدا لما قبله إذا لم يكن هو نفس ما قبله، كقولك جاءني زيد حقا ونحوه وكان قتادة ﵀ يقول: قد قال الله تعالى لأصحاب محمد ﷺ : وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ، وأنتم والله أسخف الناس رأيا، وأطيش أحلاما، فليتهم رجل نفسه، ولينتصح كتاب الله تعالى. قوله : [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٩ الى ١٠] وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) طائِفَتانِ مرفوع بإضمار فعل. والطائفة: الجماعة. وقد تقع على الواحد، واحتج لذلك بقوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢] . ورأى بعض الناس أن يشهد حدا لزناة رجل واحد. فهذه الآية الحكم فيها في الأفراد وفي الجماعات واحد. واختلف الناس في سبب هذه الآية. فقال أنس بن مالك والجمهور سببها: ما وقع بين المسلمين والمتحزبين منهم مع عبد الله بن أبي ابن سلول حين مر به رسول الله ﷺ وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه. فقال عبد الله بن أبيّ لما غشيه حمار رسول الله ﷺ : لا تغبروا علينا ولقد آذانا نتن حمارك. فرد عليه عبد الله بن رواحة الحديث بطوله. فتلاحى الناس حتى وقع بينهم ضرب بالجريد، ويروى بالحديد. وقال أبو مالك والحسن سببها: أن فرقتين من الأنصار وقع بينهما قتال. فأصلحه رسول الله ﷺ بعد جهد ونزلت الآية في ذلك وقال السدي: كانت بالمدينة امرأة من الأنصار يقال لها أم بدر ولها زوج من غيرهم. فوقع بينهما شيء أوجب أن يأنف لها قومها وله قومه. فوقع قتال نزلت الآية بسببه. و: بَغَتْ معناه: طلبت العلو بغير الحق، ومدافعة الفئة الباغية متوجه في كل حال وأما التهيؤ لقتالها فمع الولاة. وقيل لعلي بن أبي طالب ﵁: أمشركون أهل صفين والجمل؟ قال: لا. من الشرك فروا. قيل أفمنافقون؟ قال: لا. لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وقال النبي ﷺ : حكم الله في الفئة الباغية أن لا يجهز على جريح. ولا يطلب هارب. ولا يقتل أسير. و: تَفِيءَ معناه: ترجع. والإقساط: الحكم بالعدل. وقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ يريد إخوة الدين. وقرأ الجمهور من القراء: «بين أخويكم» وذلك رعاية لحال أقل عدد يقع فيه القتال والتشاجر والجماعة متى فصل الإصلاح فإنما هو بين رجلين رجلين. وقرأ ابن عامر والحسن بخلاف عنه: «بين إخوتكم» .

стр. 2396

وقرأ ابن سيرين وزيد بن ثابت وابن مسعود والحسن وعاصم الجحدري وحماد بن سلمة: «بين إخوانكم» . وهي حسنة. لأن الأكثر من جمع الأخ في الدين ونحوه من النسب إخوان. والأكثر في جمعه من النسب إخوة وإخاء. قال الشاعر: [الطويل] وجدتم أخاكم دوننا إذ نسيتم ... وأي بني الإخاء تنبو مناسبه وقد تتداخل هذه الجموع في كتاب الله. فمنه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ أو بيوت إخوانكم فهذا جاء على الأقل من الاستعمال. قوله : [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١١ الى ١٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) هذه الآيات والتي بعدها نزلت في خلق أهل الجاهلية. وذلك لأنهم كانوا يجرون مع الشهوات نفوسهم لم يقومهم أمر من الله ولا نهي. فكان الرجل يسطو ويهمز ويلمز وينبز بالألقاب ويظن الظنون. فيتكلم بها. ويغتاب ويفتخر بنسبه إلى غير ذلك من أخلاق النفوس البطالة. فنزلت هذه الآية تأديبا لأمة محمد ﷺ . وذكر بعض الناس لهذه الآيات أسبابا. فمما قيل: إن هذه الآية: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ نزلت بسبب عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه كان يمشي بالمدينة مسلما، فقال له قوم: هذا ابن فرعون هذه الأمة، فعز ذلك عليه وشكاه إلى رسول الله ﷺ . وقال القاضي أبو محمد: والقوي عندي أن هذه الآية نزلت تقويما كسائر أمر الشرع ولو تتبعت الأسباب لكانت أكثر من أن تحصى. و: يَسْخَرْ معناه: يستهزىء. والهزء إنما يترتب متى ضعف امرؤ إما لصغر وإما لعلة حادثة، أو لرزية أو لنقيصة يأتيها، فنهي المؤمنون عن الاستهزاء في هذه الأمور وغيرها نهيا عاما، فقد يكون ذلك المستهزأ به خيرا من الساخر، والقوم في كلام العرب: واقع على الذكران، وهو من أسماء الجمع: كالرهط والنفر. وقول من قال: إنه من القيام أو جمع قائم ضعيف، ومنه قول الشاعر وهو زهير: [الوافر] وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء وهذه الآية أيضا تقتضي اختصاص القوم بالذكران، وقد يكون مع الذكران نساء فيقال لهم قوم على تغليب حال الذكور، ثم نهى تعالى النساء عمّا نهى عنه الرجال من ذلك.

стр. 2397

وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود: «عسوا أن يكونوا» ، «وعسين أن يكن» . و: تَلْمِزُوا، معناه: يطعن بعضكم على بعض بذكر النقائص ونحوه، وقد يكون اللمز بالقول وبالإشارة ونحوه مما يفهمه آخر، والهمز لا يكون إلا باللسان، وهو مشبه بالهمز بالعود ونحوه مما يقتضي المماسة، قال الشاعر [رؤبة] : ومن همزنا عزه تبركعا وقيل لأعرابي: أتهمز الفأرة؟ فقال الهر يهمزها. وحكى الثعلبي أن اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب. وحكى الزهراوي عن علي بن سليمان عكّه من ذلك فقال: الهمز أن يعيب حضرة واللمز في الغيبة. ومنه قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١] ومنه قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [التوبة: ٥٨] . وقرأ الجمهور: «تلمزوا» بكسر الميم. وقرأ الأعرج والحسن: «تلمزوا» بضم الميم. قال أبو عمرو بن العلاء: هي عربية. قراءتنا بالضم وأحيانا بالكسر. وقوله تعالى: أَنْفُسَكُمْ معناه: بعضكم بعضا كما قال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] كأن المؤمنين كنفس واحدة إذ هم إخوة. فهم كما قال ﷺ : «كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالسهر والحمى» وهم كما قال أيضا: «كالبنيان يشد بعضه بعضا» . والتنابز: التلقب والنبز واللقب واحد. أو اللقب: هو ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي يكره سماعها. وروي أن بني سلمة كانوا قد كثرت فيهم الألقاب، فدعا رسول الله ﷺ رجلا منهم فقال له: يا فلان، فقيل له: إنه يغضب من هذا الاسم، ثم دعا آخر كذلك. فنزلت الآية في هذا. وليس من هذا قول المحدثين سليمان الأعمش. وواصل الأحدب. ونحوه مما تدعو الضرورة إليه وليس فيه قصد استخفاف وأذى. وقد قال عبد الله بن مسعود لعلقمة: وتقول أنت ذلك يا أعور. وأسند النقاش إلى عطاء قال رسول الله ﷺ : كنوا أولادكم؟ قال عطاء: مخافة الألقاب. وقال ابن زيد. معنى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ أي لا يقول أحد لأحد: يا يهودي بعد إسلامه. ولا يا فاسق بعد توبته. ونحو هذا. وحكى النقاش أن كعب بن مالك وابن أبي حدرد تلاحيا، فقال له كعب: يا أعرابي. يريد أن يبعده من الهجرة. فقال له الآخر: يا يهودي. يريد لمخالطة الأنصار اليهود في يثرب. فنزلت الآية. وقوله تعالى: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يحتمل معنيين: أحدهما: بئس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فساقا بالمعصية بعد إيمانكم. والثاني: بئس ما يقول الرجل لأخيه: يا فاسق بعد إيمانه. وقال الرماني: هذه الآية تدل على أنه لا يجتمع الفسق والإيمان. قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة اعتزالية ثم شدد تعالى عليهم النهي. بأن حكم بظلم من لم يتب ويقلع عن هذه الأشياء التي نهى عنها. ثم أمر تعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن. وأن لا يعملوا ولا يتكلموا بحسبه، لما في ذلك وفي التجسس

стр. 2398

من التقاطع والتدابر. وحكم على بعضه بأنه إِثْمٌ: إذ بعضه ليس بإثم.. ولا يلزم اجتنابه وهو ظن الخير بالناس وحسنه بالله تعالى. والمظنون من شهادات الشهود والمظنون به من أهل الشر. فإن ذلك سقوط عدالته وغير ذلك هي من حكم الظن به. وظن الخير بالمؤمن محمود والظن المنهي عنه: هو أن تظن سوءا برجل ظاهره الصلاح. بل الواجب تنزيل الظن وحكمه وتتأول الخير. وقال بعض الناس: إِثْمٌ معناه: كذب. ومنه قول النبي ﷺ : إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث. وقال بعض الناس. معنى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ أي إذا تكلم الظان أثم. وما لم يتكلم فهو في فسحة. لأنه لا يقدر على دفع الخواطر التي يبيحها قول النبي ﷺ : «الحزم سوء الظن» . قال القاضي أبو محمد: وما زال أولو العلم يحترسون من سوء الظن ويسدون ذرائعه. قال سلمان الفارسي: إني لأعد غراف قدري مخافة الظن. وذكر النقاش عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: احترسوا من الناس بسوء الظن. وكان أبو العالية يختم على بقية طعامه مخافة سوء الظن بخادمه. وقال ابن مسعود: الأمانة خير من الخاتم. والخاتم خير من ظن السوء. وقوله: وَلا تَجَسَّسُوا أي لا تبحثوا على مخبآت أمور الناس وادفعوا بالتي هي أحسن. واجتزوا بالظواهر الحسنة. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين والهذليون: «لا تحسسوا» بالحاء غير منقوطة. وقال بعض الناس: التجسس بالجيم في الشر. والتحسس بالحاء في الخير. وهكذا ورد القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال. وقال أبو عمرو بن العلاء: التجسس: ما كان من وراء وراء. والتحسس بالحاء: الدخول والاستعلام. وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» . وذكر الثعلبي حديث حراسة عمرو بن عوف ووجودهما الشرب في بيت ربيعة بن أمية بن خلف. وذكر أيضا حديثه في ذلك مع أبي محجن الثقفي. وقال زيد بن وهب. قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا؟ فقال: إنا نهينا عن التحسس. فإن يظهر لنا شيء أخذنا به. وَلا يَغْتَبْ معناه: ولا يذكر أحدكم من أخيه شيئا هو فيه يكره سماعه. وروي أن عائشة قالت عن امرأة: ما رأيت أجمل منها إلا أنها قصيرة، فقال لها النبي ﷺ : «اغتبتها، نظرت إلى أسوأ ما فيها فذكرته» وقد قال النبي ﷺ : «إذا ذكرت ما في أخيك فقد اغتبته. وإذا ذكرت ما ليس فيه فقد بهته» . وفي حديث آخر: «الغيبة أن تذكر المؤمن بما يكره» . قيل: وإن كان حقا. قال: إذا قلت باطلا فذلك هو البهتان» . وقال معاوية بن قرة وأبو إسحاق السبيعي: إذا مر بك رجل أقطع. فقلت: ذلك الأقطع، كان ذلك غيب. وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «الغيبة أشد من الزنا، لأن الزاني يتوب فيتوب الله عليه. والذي يغتاب يتوب فلا يتاب عليه حتى يستحل» . قال القاضي أبو محمد: وقد يموت من اغتيب، أو يأبى. وروي أن رجلا قال لابن سيرين: إني قد اغتبتك فحللني. فقال له ابن سيرين إني لا أحل ما حرم

стр. 2399

الله. والغيبة مشتقة من غاب يغيب. وهي القول في الغائب واستعملت في المكروه. ولم يبح في هذا المعنى إلا ما تدعو الضرورة إليه من تجريح في الشهود وفي التعريف لمن استنصح في الخطاب ونحوهم لقول النبي ﷺ : «أما معاوية فصعلوك لا مال له» . وما يقال في الفسقة أيضا وفي ولاة الجور ويقصد به التحذير منه. ومنه قول النبي ﷺ : «أعن الفاجر ترعون؟ اذكروا الفاجر بما فيه حتى يعرفه الناس إذا لم تذكروه» ومنه قوله ﷺ : «بئس ابن العشيرة» . ثم مثل تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت، والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم. فمنه قول الشاعر [سويد بن أبي كاهل اليشكري] : [الرمل] فإذا لاقيته عظّمني ... وإذا يخلو له لحمي رتع ويروى فيحييني إذا لاقيته. ومنه قول الآخر: [المقنع الكندي] . وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا فوقفهم الله تعالى على جهة التوبيخ بقوله: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فالجواب عن هذا: لا. وهم في حكم من يقولها. فخوطبوا على أنهم قالوا لا. فقيل لهم: فَكَرِهْتُمُوهُ وبعد هذا مقدر تقديره: فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك. وعلى هذا المقدر يعطف قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ قاله أبو علي الفارسي. وقال الرماني: كراهية هذا اللحم يدعو إليها الطبع. وكراهية الغيبة يدعو إليها العقل. وهو أحق أن يجاب. لأنه بصير عالم. والطبع أعمى جاهل. وقرأ الجمهور: «ميتا» بسكون الياء. وقرأ نافع وابن القعقاع وشيبة ومجاهد: «ميّتا» بكسرها والشد. وقرأ أبو حيوة: «فكرّهتموه» بضم الكاف وشد الراء. ورواها أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ . ثم أعلم بأنه تَوَّابٌ رَحِيمٌ إبقاء منه تعالى وإمهالا وتمكينا من التوبة. قوله : [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١٣ الى ١٤] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) قوله تعالى: مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى يحتمل أن يريد آدم وحواء. فكأنه قال: إنا خلقنا جميعكم من آدم وحواء. ويحتمل أن يريد الذكر والأنثى اسم الجنس. فكأنه قال: إنا خلقنا كل واحد منكم من ماء ذكر وماء أنثى. وقصد هذه الآية التسوية بين الناس. ثم قال تعالى: وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا أي لئلا تفاخروا ويريد بعضكم أن يكون أكرم من بعض. فإن الطريق إلى الكرم غير هذا: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وروى أبو بكرة: قيل يا رسول الله: من خير الناس؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله» . وفي

стр. 2400

حديث آخر من خير الناس؟ قال: «آمرهم بالمعروف. وأنهاهم عن المنكر. وأوصلهم للرحم وأتقاهم» . وحكى الزهراوي أن سبب هذه الآية غضب الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد حين أذن بلال يوم فتح مكة على الكعبة، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن سببها قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح عند النبي ﷺ : يا ابن فلانة، فوبخه النبي ﷺ ، وقال له: «إنك لا تفضل أحدا إلا في الدين والتقوى» ، فنزلت هذه الآية ونزل الأمر بالتفسح في ذلك أيضا، والشعوب: جمع شعب وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطا بنسب واحد، ويتلوه القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الأسرة والفصيلة: وهما قرابة الرجل الأدنون فمضر وربيعة وحمير شعوب، وقيس وتميم ومذحج ومراد، قبائل مشبهة بقبائل الرأس، «لأنها قطع تقابلت» وقريش ومحارب وسليم عمارات، وبنو قصي وبنو مخزوم بطون، وبنو هاشم وبنو أمية أفخاذ، وبنو عبد المطلب أسرة وفصيلة، وقال ابن جبير: الشعوب: الأفخاذ. وروي عن ابن عباس الشعوب: البطون، وهذا غير ما تمالأ عليه اللغويون. قال الثعلبي، وقيل: الشعوب في العجم والقبائل في العرب، والأسباط في بني إسرائيل. وأما الشعب الذي هو في همدان الذي ينسب إليه الشعبي فهو بطن يقال له الشعب. قال القاضي أبو محمد: وقيل للأمم التي ليست بعرب: شعوبية، نسبة إلى الشعوب، وذلك أن تفصيل أنسابها خفي فلم يعرف أحد منهم إلا بأن يقال: فارسي تركي رومي زناتي. فعرفوا بشعوبهم وهي أعم ما يعبر به عن جماعتهم، ويقال لهم الشعوبية بفتح الشين، وهذا من تغيير النسب، وقد قيل فيهم غير ما ذكرت، وهذا أولى عندي. وقرأ الأعمش: «لتتعارفوا» وقرأ عبد الله بن عباس: «لتعرفوا أن» ، على وزن تفعلوا بكسر العين وفتح الألف من «أن» ، وبإعمال «لتعرفوا» فيها، ويحتمل على هذه القراءة أن تكون اللام في قوله: «لتعرفوا» لام كي، ويضطرب معنى الآية مع ذلك، ويحتمل أن تكون لام الأمر، وهو أجود في المعنى، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفا تقديره: الحق، وإذا كانت لام كي فكأنه قال: يا أيها الناس أنتم سواء من حيث أنتم مخلوقون لأن تتعارفوا ولأن تعرفوا الحقائق، وأما الشرف والكرم فهو بتقوى الله تعالى وسلامة القلوب. وقرأ ابن مسعود: «لتعارفوا بينكم وخيركم عند الله أتقاكم» . وروي أن النبي ﷺ قال: «من سره أن يكون أكرم الناس، فليتق الله» . ثم نبه تعالى على الحذر بقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ أي بالمتقي الذي يستحق رتبة الكرم في الإيمان، أي لم تصدقوا بقلوبكم وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا. والإسلام يقال بمعنيين، أحدهما: الدين يعم الإيمان والأعمال، وهو الذي في قوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] والذي في قوله ﷺ : «بني الإسلام على خمس» والذي في تعليم النبي ﷺ لجبريل حين قال له: ما الإسلام؟ قال: بأن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، والذي في قوله لسعد بن أبي وقاص: «أو مسلما، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه» الحديث، فهذا الإسلام ليس هو في قوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا والمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم، وهذا هو الإسلام في قوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، والْإِيمانُ الذي هو التصديق أخص من الأول وأعم بوجه، ثم صرح لهم بأن

стр. 2401

الْإِيمانُ لم يدخل قلوبهم ثم فتح لهم باب التوبة بقوله: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ الآية، وطاعة الله ورسوله في ضمنها الإيمان والأعمال. وقرأ جمهور القراء: «لا يلتكم» من لات يليت إذا نقص، يقال: لاته حقه إذا نقصه منه، ولت السلطان إذا لم يصدقه فيما سأل عنه. وقرأ أبو عمرو والأعرج والحسن وعمرو: «لا يألتكم» من ألت يألت وهو بمعنى: لات، وكذلك يقال: ألت بكسر اللام يألت، ويقال أيضا في معنى لات، ألت يولت ولم يقرأ بهذه اللغة وباقي الآية ترجية. قوله : [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١٥ الى ١٨] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وقوله تعالى: إِنَّمَا في هذه الآية حاصرة يعطي ذلك المعنى. وقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا أي لم يشكوا في إيمانهم ولم يداخلهم ريب وهُمُ الصَّادِقُونَ، إذ جاء فعلهم مصدقا لقولهم، ثم أمره تعالى بتوبيخهم بقوله: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ، أي بقولكم: آمَنَّا [الحجرات: ١٤] وهو يعلم منكم خلاف ذلك، لأنه العليم بكل شيء. وقوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا نزلت في بني أسد أيضا، وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات للنبي ﷺ : إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك كما فعلت محارب خصفة وهوازن غطفان وغيرهم، فنزلت هذه الآية، حكاه الطبري وغيره. وقرأ ابن مسعود: «يمنون عليك إسلامهم» . وقوله يحتمل أن يكون مفعولا صريحا. ويحتمل أن يكون مفعولا من أجله. وقوله: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ بزعمكم إذ تقولون آمنا، فقد لزمكم أن الله مان عليكم، ويدلك على هذا المعنى قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فتعلق عليهم الحكمان هم ممنون عليهم على الصدق وأهل أن يقولوا أسلمنا من حيث هم كذبة. وقرأ ابن مسعود: «إذ هداكم» . وقوله تعالى: يَمُنُّ عَلَيْكُمْ يحتمل أن يكون بمعنى: ينعم كما تقول: من الله عليك، ويحتمل أن يكون بمعنى: يذكر إحسانه فيجيء معادلا ل يَمُنُّونَ عَلَيْكَ، وقال الناس قديما: إذا كفرت النعمة حسنت المنة. وإنما المنة المبطلة للصدقة المكروهة ما وقع دون كفر النعمة. وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة وقتادة وابن وثاب: «تعملون» بالتاء على الخطاب. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبان: «يعملون» بالياء من تحت على ذكر الغيب.

стр. 2402

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة ق وهي مكية بإجماع من المتأولين، روى أبيّ بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ سورة «ق» هون الله عليه الموت وسكراته» . قوله : [سورة ق (٥٠) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) قال ابن عباس: ق اسم من أسماء القرآن. وقال أيضا اسم من أسماء الله تعالى. وقال قتادة والشعبي: هو اسم السورة، وقال يزيد وعكرمة ومجاهد والضحاك: هم اسم الجبل المحيط بالدنيا، وهو فيما يزعمون من زمردة خضراء، منها خضرة السماء وخضرة البحر. والْمَجِيدِ الكريم في أوصافه الذي جمع كل معلوة. و: ق على هذه الأقوال: مقسم به وب الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وجواب القسم منتظر. واختلف الناس فيه، فقال ابن كيسان جوابه: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ [ق: ١٨] ، وقيل الجواب: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق: ٣٧] وقال الزهراوي عن سعيد الأخفش الجواب: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وضعفه النحاس، وقال الكوفيون من النحاة الجواب: بَلْ عَجِبُوا، والمعنى: لقد عجبوا. قال منذر بن سعيد: إن جواب القسم في قوله: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: ٢٩] ، وفي هذه الأقوال تكلف وتحكم على اللسان. وقال الزجاج والمبرد والأخفش: الجواب مقدر تقديره: ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وهذا قول حسن وأحسن منه: أن يكون الجواب الذي يقع عنه الإضراب ب بَلْ، كأنه قال. ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ما ردوا أمرك بحجة، أو ما كذبوك ببرهان، ونحو هذا مما لا بد لك من تقديره بعد الذي قدر

стр. 2403

الزجاج، لأنك إذا قلت الجواب: لتبعثن فلا بد بعد ذلك أن يقدر خبر عنه يقع الإضراب، وهذا الذي جعلناه جوابا وجاء المقدر أخصر. وقال جماعة من المفسرين في قوله: ق إنه حرف دال على الكلمة، على نحو قول الشاعر [الوليد بن المغيرة] : [الرجز] قلت لها قفي فقالت قاف واختلفوا بعد، فقال القرطبي: هو دال على أسماء الله تعالى هي: قادر، وقاهر، وقريب، وقاض، وقابض، وقيل المعنى: قضي الأمر من رسالتك ونحوه، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، فجواب القسم في الكلام الذي يدل عليه قاف. وقال قوم المعنى: قف عند أمرنا. وقيل المعنى: قهر هؤلاء الكفرة، وهذا أيضا وقع عليه القسم ويحتمل أن يكون المعنى: قيامهم من القبور حق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، فيكون أول السورة من المعنى الذي اطرد بعد، وعلى هذه الأقوال فثم كلام مضمر عنه وقع الإضراب، كأنه قال: ما كذبوك ببرهان، ونحو هذا مما يليق مظهرا. وقرأ جمهور من القراء ق بسكون الفاء. قال أبو حاتم: ولا يجوز غيرها إلا جواز سوء. قال القاضي أبو محمد: وهذه القراءة تحسن مع أن يكون ق حرفا دالا على كلمة. وقرأ الثقفي وعيسى: قاف بفتح الفاء، وهذه تحسن مع القول بأنها اسم للقرآن أو لله تعالى، وكذلك قرأ الحسن وابن أبي إسحاق بكسر الفاء، وهي التي في رتبة التي قبلها في أن الحركة للالتقاء وفي أنها اسم للقرآن. والْمَجِيدِ الكريم الأوصاف الكثير الخير. واختلف الناس في الضمير في: عَجِبُوا لمن هو فقال جمهور المتأولين: هو لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم لأن كل مفطور عجب من بعثة بشر رسول الله، لكن المؤمنون نظروا واهتدوا، والكافرون بقوا في عمايتهم وصموا وحاجوا بذلك العجب، ولذلك قال تعالى: فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ. وقال آخرون بل الضمير في عَجِبُوا للكافرين، وكرر الكلام تأكيدا ومبالغة. والإشارة بهذا يحتمل أن تكون إلى نفس مجيء البشر. ويحتمل أن تكون إلى القول الذي يتضمنه الإنذار، وهو الخبر بالبعث، ويؤيد هذا القول ما يأتي بعد. وقرأ الأعرج وشيبة وأبو جعفر «إذا» على الخبر دون استفهام، والعامل رَجْعٌ بَعِيدٌ، قال ابن جني ويحتمل أن يكون المعنى «أإذا متنا بعد رجعنا» ، فيدل: ذلك رَجْعٌ بَعِيدٌ على هذا الفعل الذي هو بعد ويحل محل الجواب لقولهم: «إذا» . والرجع: مصدر رجعته. وقوله بَعِيدٌ في الأوهام والفكر كونه فأخبر الله تعالى ردا على قولهم بأنه يعلم ما تأكل الأرض من ابن آدم وما تبقى منه، وإن ذلك في الكتاب، وكذلك يعود في الحشر معلوما ذلك كله. و «الحفيظ» : الجامع الذي لم يفته شيء. وقال الرماني: حَفِيظٌ متبع أن يذهب ببلى ودروس، وروي في الخبر الثابت: أن الأرض تأكل ابن آدم إلا عجب الذنب، وهو عظم كالخردلة، فمنه يركب ابن آدم، وحفظ ما تنقص الأرض إنما هو ليعود بعينه يوم القيامة، وهذا هو «الحق» . وذهب بعض الأصوليين إلى أن الأجساد المبعثرة المبعوثة يجوز أن تكون غير هذه، وهذا عندي خلاف لظاهر كتاب الله ولو كانت

стр. 2404

غيرها فكيف كانت تشهد الأيدي والأرجل على الكفرة إلى غير ذلك مما يقتضي أن أجساد الدنيا هي التي تعود. وقال ابن عباس ومجاهد والجمهور، المعنى: ما تنقص من لحومهم وأبشارهم وعظامهم. وقال السدي معنى قوله: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ أي ما يحصل في بطنها من موتاهم، وهذا قول حسن مضمنه الوعيد. وقال ابن عباس أيضا في ما حكى الثعلبي، معناه: قد علمنا ما تنقص أرض الإيمان من الكفرة الذين يدخلون في الإيمان، وهذا قول أجنبي من المعنى الذي قبل وبعد، وقيل قوله: بَلْ كَذَّبُوا مضمر، عنه وقع الإضراب تقديره: ما أجادوا النظر أو نحو هذا، والذي يقع عنه الإضراب ب بَلْ، الأغلب فيه أنه منفي تقضي بَلْ بفساده، وقد يكون أمرا موجبا تقضي بَلْ بترك القول فيه لا بفساده، وقرأ الجمهور: «لمّا» بفتح اللام وشد الميم. وقرأ الجحدري: «لما» بكسر اللام وتخفيف الميم، قال أبو الفتح: هي كقولهم: أعطيته لما سأل، وكما في التاريخ: لخمس خلون، ونحو هذا، ومنه قوله تعالى: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها [الأعراف: ١٨٧] ومنه قول الشاعر: [الوافر] إذا هبت لقاربها الرياح و: «المريج» : معناه: المختلط، قاله ابن زيد، أي بعضهم يقول ساحر، وبعضهم كاهن، وبعضهم شاعر إلى غير ذلك من تخليطهم، وكذلك عادت فكرة كل واحد منهم مختلطة في نفسها، قال ابن عباس: المريج: المنكر. وقال مجاهد: الملتبس، والمريج المضطرب أيضا، وهو قريب من الأول، ومنه الحديث: مرجت عهود الناس ومنه مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان: ٥٣، الرحمن: ١٩] وقال الشاعر [أبو دؤاد] : مرج الدين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد ثم دل تعالى على العبرة بقوله: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ الآية، وَزَيَّنَّاها معناه: بالنجوم. و «الفروج» الفطور والشقوق خلالها وأثناءها، قاله مجاهد وغيره، وحكى النقاش أن هذه الآية تعطي أن السماء مستديرة، وليس الأمر كما حكي، إذا تدبر اللفظ وما يقتضي. و «الرواسي» : الجبال. و «الزوج» : النوع. و «البهيج» قال ابن عباس وقتادة وابن زيد هو: الحسن المنظر، وقوله : تَبْصِرَةً وَذِكْرى منصوب على المصدر بفعل مضمر. و: «المنيب» الراجع إلى الحق عن فكرة ونظر. قال قتادة: هو المقبل بقلبه إلى الله وخص هذه الصنيفة بالذكر تشريفا من حيث هي المنتفعة بالتبصرة والذكرى، وإلا فهذه المخلوقات هي تبصرة وذكرى لكل بشر. وقال بعض النحويين: تَبْصِرَةً وَذِكْرى مفعولان من أجله، وهذا يحتمل والأول أرجح. قوله : [سورة ق (٥٠) : الآيات ٩ الى ١٥] وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)

стр. 2405

قوله تعالى: ماءً مُبارَكاً قيل يعني جميع المطر، كله يتصف بالبركة وإن ضر بعضه أحيانا، فقيه مع ذلك الضر الخاص البركة العامة. وقال أبو هريرة: كان النبي ﷺ إذا جاء المطر فسالت الميازيب قال: «لا محل عليكم العام» وقال بعض المفسرين: ماءً مُبارَكاً يريد به ماء مخصوصا خالصا للبركة ينزله الله كل سنة، وليس كل المطر يتصف بذلك. وَحَبَّ الْحَصِيدِ الحنطة. و: باسِقاتٍ معناه: طويلات ذاهبات في السماء، ومنه قول ابن نوفل في ابن هبيرة: [مجزوء الكامل مرفّل] يا ابن الذين لمجدهم ... بسقت على قيس فزاره وروى قطبة بن مالك عن النبي ﷺ أنه قرأ: «باصقات» بالصاد، قال أبو الفتح الأصل: السين وإنما الصاد بدل منه، لاستعلاء القاف. و «الطلع» أول ظهور التمر في الكفرى وهو أبيض منضد كحب الرمان. فما دام ملتصقا بعضه ببعض فهو نَضِيدٌ، فإذا خرج من الكفرى تفرق فليس بنضيد. و: رِزْقاً نصب على المصدر والضمير في: بِهِ عائد على المطر. ووصف البلدة ب «ميت» على تقدير القطر والبلد. وقرأ الناس «ميتا» مخففا، وقرأ أبو جعفر وخالد «ميّتا» بالتثقيل. ثم بين تعالى موضع الشبه فقال: كَذلِكَ الْخُرُوجُ، هذه الآيات كلها إنما هي أمثلة وأدلة على البعث. والْخُرُوجُ يريد به من القبور، وَأَصْحابُ الرَّسِّ قوم كان لهم بئر عظيمة وهي الرَّسِّ، وكل ما لم يطو من بئر أو معدن أو نحوه فهو رسّ. وأنشد أبو عبيدة للنابغة الجعدي: سبقت إلى قرطبا هل ... تنابلة يحفرون الرساسا وجاءهم نبي يسمى حنظلة بن صفوان فيما روي فجعلوه في الرَّسِّ وردموا عليه. فأهلكهم الله، وقال كعب الأحبار في كتاب الزهراوي: أَصْحابُ الرَّسِّ هم أصحاب الأخدود وهذا ضعيف. لأن أصحاب الأخدود لم يكذبوا نبيا، إنما هو ملك أحرق قوما. وقال الضحاك الرَّسِّ: بئر قتل فيها صاحب ياسين، قال منذر وروي عن ابن عباس أنهم قوم عاد. والْأَيْكَةِ: الشجر الملتف، وهم قوم شعيب، والألف واللام من الْأَيْكَةِ غير معرفة، لأن «أيكة» اسم علم كطلحة يقال أيكة وليكة، فهي كالألف واللام في الشمس والقمر وفي الصفات الغالبة وفي هذا نظر. وقرأ «الأيكة» بالهمز أبو جعفر ونافع وشيبة وطلحة. وَقَوْمُ تُبَّعٍ هم حمير وتُبَّعٍ- سم فيهم، يذهب تبع ويجيء تبع ككسرى في الفرس وقيصر في الروم، وكان أسعد أبو كرب أحد التبابعة رجلا صالحا صحب حبرين فتعلم منهما دين موسى ﵇ ثم إن قومه أنكروا ذلك عليه فندبهم إلى محاجة الحبرين، فوقعت بينهم مجادلة، واتفقوا على أن يدخلوا

стр. 2406

جميعهم النار التي في القربان، فمن أكلته فهو المبطل، فدخلوها فاحترق قَوْمُ تُبَّعٍ، وخرج الحبران تعرق جباههما، فهلك القوم المخالفون وآمن سائر قَوْمُ تُبَّعٍ بدين الحبرين. وفي الحديث اختلاف كثير. أثبت أصح ذلك على ما في سير ابن هشام. وذكر الطبري عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «لا تلعنوا تبعا، فإنه كان قد أسلم» وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن تبعا كان نبيا. وقوله تعالى: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ قال سيبويه، التقدير: كلهم وحذف لدلالة كل عليه إيجازا. و «الوعيد» الذي حق: هو ما سبق به القضاء من تعذيب الكفرة وإهلاك الأمم المكذبة، ففي هذا تخويف من كذب محمدا ﷺ . وقوله تعالى: أَفَعَيِينا توقيف للكفار وتوبيخ وإقامة للحجة الواضحة عليهم، وذلك أن جوابهم على هذا التوقيف هو لم يقع عي، ثم هم مع ذلك في لبس من الإعادة. وهذا تناقض، ويقال عيى يعيى إذا عجز عن الأمر ويلح به، ويدغم هذا الفعل الماضي من هذا الفعل ولا يدغم المستقبل منه فيقال عي، ومنه قول الشاعر [عبيد بن الأبرص] : عيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضتها الحمامه و «الخلق الأول» إنشاء الإنسان من نطفة على التدريج المعلوم، وقال الحسن: «الخلق الأول» آدم ﵇، حكاه الرماني، واللبس: الشك والريب واختلاط النظر. والخلق الجديد: البعث في القبور. قوله : [سورة ق (٥٠) : الآيات ١٦ الى ٢١] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) هذه آيات فيها إقامة حجج على الكفار في إنكارهم البعث والجزاء. والخلق: إنشاء الشيء على ترتيب وتقدير حكمي. و: الْإِنْسانَ اسم الجنس. قال بعض المفسرين الْإِنْسانَ هنا آدم ﵇ وتُوَسْوِسُ معناه: تتحدث في فكرتها، وسمي صوت الحلي وسواسا لخفائه، والوسوسة إنما تستعمل في غير الخير، وقوله تعالى: نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ عبارة عن قدرة الله على العبد، وكون العبد في قبضة القدرة، والعلم قد أحيط به، فالقرب هو بالقدرة والسلطان، إذ لا ينحجب عن علم الله باطن ولا ظاهر، وكل قريب من الأجرام فبينه وبين قلب الإنسان حجب. و: الْوَرِيدِ عرق كبير في العنق، يقال: إنهما وريدان عن يمين وشمال. قال الفراء: هو ما بين الحلقوم والعلباوين وقال الحسن: الْوَرِيدِ الوتين. قال الأثرم: هو نهر الجسد هو في القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر، وفي الذراع والفخذ: الأكحل والنسا وفي الخنصر: إلا سليم، «والحبل» : اسم مشترك فخصصه بالإضافة إلى الْوَرِيدِ، وليس هذا

стр. 2407

بإضافة الشيء إلى نفسه بل هي كإضافة الجنس إلى نوعه كما تقول: لا يجوز حي الطير بلحمه. وأما قوله تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ فقال المفسرون العامل في: إِذْ، أَقْرَبُ، ويحتمل عندي أن يكون العامل فيه فعلا مضمرا تقديره: اذكر إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ، ويحسن هذا المعنى، لأنه أخبر خبرا مجردا بالخلق والعلم بخطرات الأنفس والقرب بالقدرة والملك، فلما تم الإخبار، أخبر بذكر الأحوال التي تصدق هذا الخبر وتبين وروده عند السامع، فمنها إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ، ومنها مجيء سكرة الموت، ومنها النفخ في الصور ومنها مجيء كل نفس، والْمُتَلَقِّيانِ: الملكان الموكلان بكل إنسان: ملك اليمين الذي يكتب الحسنات، وملك الشمال الذي يكتب السيئات. قال الحسن: الحفظة: أربعة، اثنان بالنهار واثنان باليل. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد ذلك الحديث، «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» الحديث بكامله. ويروى أن ملك اليمين أمير على ملك الشمال، وأن العبد إذا أذنب يقول ملك اليمين للآخر تثبت لعله يتوب رواه إبراهيم التيمي وسفيان الثوري. وقَعِيدٌ معناه: قاعد، وقال قوم هو بمنزلة أكيل، فهو بمعنى مقاعد وقال الكوفيون: أراد قعودا فجعل الواحد موضع الجنس، والأول أصوب لأن المقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان، وقال مجاهد: قَعِيدٌ: رصد ومذهب سيبويه أن التقدير عن اليمين قعيد، فاكتفى بذكر الآخر عن ذكر الأول ومثله عنده قول الشاعر [كثير عزة] : [الطويل] وعزة ممطول معنّى غريمها ومثله قول الفرزدق: [الكامل] إني ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبي وكان وكنت غير غدور وهذه الأمثلة كثيرة، ومذهب المبرد: أن التقدير عن اليمين قَعِيدٌ وعن الشمال فأخر قَعِيدٌ عن مكانه ومذهب الفراء أن لفظ قَعِيدٌ يدل على الاثنين والجمع فلا يحتاج إلى تقدير غير الظاهر وقوله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: يكتب الملكان الكلام فيثبت الله من ذلك الحسنات، والسيئات، ويمحو غير ذلك، وهذا هو ظاهر الآية، قال أبو الجوزاء ومجاهد: يكتبان عليه كل شيء حتى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: المعنى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ خير أو شر، وأما ما خرج من هذا فإنه لا يكتب والأول أصوب، وروي أن رجلا قال لجمله: حل، فقال ملك اليمين لا أكتبها، وقال ملك الشمال لا أكتبها، فأوحى الله إلى ملك الشمال أن اكتب ما ترك ملك اليمين، وروي نحوه عن هشام الحمصي وهذه اللفظة إذا اعتبرت فهي بحسب مشيه ببعيره، فإن كان في طاعة فحل حسنة، وإن كان في معصية فهي سيئة والمتوسط بين هذين عسير الوجود ولا بد أن يقترن بكل أحوال المرء قرائن تخلصها للخير أو لخلافه. وحكى الثعلبي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إن مقعد الملكين على الثنيتين، قلمهما اللسان، ومدادهما الريق» وقال الضحاك والحسن: مقعدهما تحت الشعر، وكان الحسن يحب أن ينظف غفقته لذلك قال الحسن: حتى إذا مات طويت صحيفته وقيل له يوم

стр. 2408

القيامة: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: ١٤] عدل والله عليه من جعله حسيب نفسه. والرقيب: المراقب. والعتيد: الحاضر وقوله: وَجاءَتْ عطف عندي على قوله: إِذْ يَتَلَقَّى فالتقدير: وإذ تجيء سكرة الموت، وجعل الماضي في موضع المستقبل تحقيقا وتثبيتا للأمر، وهذا أحث على الاستعداد واستشعار القرب، وهذه طريقة العرب في ذلك، ويبين هذا في قوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ فإنها ضرورة بمعنى الاستقبال. وقرأ أبو عمرو: وَجاءَتْ سَكْرَةُ بإدغام التاء في السين. وسَكْرَةُ الْمَوْتِ: ما يعتري الإنسان عند نزاعه والناس فيها مختلفة أحوالهم، لكن لكل واحد سكرة، وكان رسول الله ﷺ في نزاعه يقول: «إن للموت لسكرات» . وقوله: بِالْحَقِّ معناه: بلقاء الله وفقد الحياة الدنيا. وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «وجاءت سكرة الحق بالموت» . وقرأها ابن جبير وطلحة، ويروى أن أبا بكر الصديق ﵁ قالها كذلك لابنته عائشة وذلك أنها قعدت عند رأسه وهو ينازع فقالت: [الطويل] لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر ففتح أبو بكر ﵁ عينه فقال: لا تقولي هكذا، وقولي: «وجاءت سكرة الحق بالموت» ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ. وقد روي هذا الحديث على مشهور القراءة وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ فقال أبو الفتح: إن شئت علقت الباء ب جاءَتْ، كما تقول: جئت بزيد، وإن شئت كانت بتقدير: ومعها الموت. واختلف المتأولون في معنى: «وجاءت سكرة الحق بالموت» فقال الطبري وحكاه الثعلبي: «الحق» الله تعالى، وفي إضافة السكرة إلى اسم الله تعالى بعد وإن كان ذلك سائغا من حيث هي خلق له، ولكن فصاحة القرآن ورصفه لا يأتي فيه هذا. وقال بعض المتأولين المعنى: وجاءت سكرة فراق الحياة بالموت وفراق الحياة حق يعرفه الإنسان ويحيد منه بأمله. ومعنى هذا الحيد: أنه يقول: أعيش كذا وكذا، فمتى فكر في قرب الموت حاد بذهنه وأمله إلى مسافة بعيدة من الزمن، وأيضا فحذر الموت وتحرزاته ونحو هذا حيد كله. وقد تقدم القول في النفخ في الصور مرارا. و: يَوْمُ الْوَعِيدِ هو يوم القيامة وأضافه إلى الوعيد تخويفا. وقوله تعالى: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها وقرأ طلحة بن مصرف: «محّها» بالحاء المثقلة. والسائق: الحاث على السير. واختلف الناس في السائق والشهيد، فقال عثمان بن عفان ومجاهد وغيره: ملكان موكلان بكل إنسان أحدهما يسوقه والآخر من حفظته يشهد عليه. وقال أبو هريرة: السائق ملك، والشهيد: العمل وقال منذر بن سعيد: السائق: الملك والشهيد: النبي ﷺ ، قال وقيل: الشهيد: الكتاب الذي يلقاه منشورا. وقال بعض النظار: سائِقٌ، اسم جنس، وشَهِيدٌ كذلك، فالساقة للناس ملائكة يوكلون بذلك، والشهداء: الحفظة في الدنيا وكل ما يشهد.

стр. 2409

وقال ابن عباس والضحاك: السائق ملك، والشهيد: جوارح الإنسان، وهذا يبعد على ابن عباس، لأن الجوارح إنما تشهد بالمعاصي. وقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ يعم الصالحين، فإنما معناه: وشهيد بخيره، وشره، ويقوى في: شَهِيدٌ اسم الجنس، فتشهد بالخير الملائكة والبقاع، ومنه قول النبي ﷺ : «لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» . وكذلك يشهد بالشر الملائكة والبقاع والجوارح. وقال أبو هريرة: السائق: ملك، والشهيد: العمل. وقال ابن مسلم: السائق: شيطان. حكاه عنه الثعلبي والقول في كتاب منذر بن سعيد وهو ضعيف. قوله : [سورة ق (٥٠) : الآيات ٢٢ الى ٢٨] لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) قرأ الجحدري: «لقد كنت» على مخاطبة النفس وكذلك كسر الكافات بعد. وقال صالح بن كيسان والضحاك وابن عباس معنى قوله: لَقَدْ كُنْتَ أي يقال للكافر الغافل من ذوي النفس التي معها السائق والشهيد إذا حصل بين يدي الرحمن وعاين الحقائق التي كان لا يصدق بها في الدنيا ويتغافل عن النظر فيها، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا، فلما كشف الغطاء عنك الآن احتد بصرك أي بصيرتك وهذا كما تقول: فلان حديد الذهن والفؤاد ونحوه، وقال مجاهد: هو بصر العين إذا احتد التفاته إلى ميزانه وغير ذلك من أهوال القيامة. وقال زيد بن أسلم قوله تعالى: ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: ١٩] وقوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ الآية، مخاطبة لمحمد ﷺ ، والمعنى أنه خوطب بهذا في الدنيا، أي لقد كنت يا محمد في غفلة من معرفة هذا القصص والغيب حتى أرسلناك وأنعمنا عليك وعلمناك، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، وهذا التأويل يضعف من وجوه، أحدها أن الغفلة إنما تنسب أبدا إلى مقصر، ومحمد ﷺ لا تقصير له قبل بعثه ولا بعده وثان: أن قوله: بعد هذا: وَقالَ قَرِينُهُ يقتضي أن الضمير إنما يعود على أقرب مذكور، وهو الذي يقال له فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وإن جعلناه عائدا على ذي النفس في الآية المتقدمة جاء هذا الاعتراض لمحمد ﷺ بين الكلامين غير متمكن فتأمله. وثالث: أن معنى توقيف الكافر وتوبيخه على حاله في الدنيا يسقط، وهو أحرى بالآية وأولى بالرصف، والوجه عندي ما قاله الحسن وسالم بن عبد الله إنها مخاطبة للإنسان ذي النفس المذكورة من مؤمن وكافر. و: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ، قال ابن عباس: هي الحياة بعد الموت، وينظر إلى معنى كشف

стр. 2410

الغطاء قول النبي ﷺ : «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» . وقوله تعالى: وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ، قال جماعة من المفسرين: قَرِينُهُ من زبانية جهنم، أي قال هذا العذاب الذي لدي لهذا الإنسان الكافر حاضر عتيد، ففي هذا تحريض على الكافر واستعجال به. وقال قتادة وابن زيد: قَرِينُهُ الملك الموكل بسوقه، فكأنه قال: هذا الكافر الذي جعل إلى سوقه، فهو لدي حاضر. وقال الزهراوي وقيل: قَرِينُهُ شيطانه. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما أوقع فيه أن القرين في قوله: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ هو شيطانه في الدنيا ومغويه بلا خلاف. ولفظ القرين: اسم جنس، فسائقه قرين، وصاحبه من الزبانية قرين، وكاتب سيئاته في الدنيا قرين وتحتمله هذه الآية، أي هذا الذي أحصيته عليه عتيد لدي، وهو موجب عذابه، ومماشي الإنسان في طريقه قرين، وقال الشاعر [عدي بن زيد العبادي] : [الطويل] عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي والقرين الذي في هذه الآية، غير القرين الذي في قوله: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ إذ المقارنة تكون على أنواع، وقال بعض العلماء: قَرِينُهُ في هذه الآية: عمله قلبا وجازحا، وقوله : أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ معناه: يقال أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ. واختلف الناس لم يقال ذلك؟ فقال جماعة من المفسرين: هو قول الملكين من ملائكة العذاب. وقال عبد الرحمن بن زيد في كتاب الزهراوي: هو قول للسائق والشهيد، وحكى الزهراوي أن المأمور بإلقاء الكافر في النار اثنان، وعلى هذين القولين لا نظر في قوله: أَلْقِيا. وقال مجاهد وجماعة من المتأولين: هو قول للقرين: إما السائق، وإما الذي هو من الزبانية حسبما تقدم واختلف أهل هذه المقالة في معنى قوله: أَلْقِيا وهو مخاطبة لواحد، فقال المبرد معناه: الق الق، فإنما أراد تثنية الأمر مبالغة وتأكيدا، فرد التثنية إلى الضمير اختصارا كما قال [امرؤ القيس] : لفتك الأمين على نابل يريد ارم ارم. وقال بعض المتأولين: «ألقين» فعوض من النون ألف كما تعوض من التنوين. وقال جماعة من أهل العلم بكلام العرب: هذا جرى على عادة العرب، وذلك أنها كان الغالب عندها أن تترافق في الأسفار ونحوها ثلاثة، فكل واحد منهم يخاطب اثنين، فكثر ذلك في أشعارها وكلامها حتى صار عرفا في المخاطبة، فاستعمل في الواحد، ومن هذا قولهم في الأشعار: خليلي، وصاحبي، وقفا نبك ونحوه، وقد جرى المحدثون على هذا الرسم، فيقول الواحد: حدثنا، وإن كان سمع وحده، ونظير هذه الآية في هذا القول قول الزجاج: يا حارسي اضربا عنقه، وهو دليل على عادة العرب، ومنه قول الشاعر [سويد بن كراع العكلي] : [الطويل] فإن تزجراني بابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا

стр. 2411

وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «ألقين» بتنوين الياء و: كَفَّارٍ مبالغة. و: عَنِيدٍ معناه: عاند عن الحق أي منحرف عنه. وقوله تعالى: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ لفظ عام للمال والكلام الحسن والمعاون على الأشياء. وقال قتادة ومجاهد وعكرمة، معناه: الزكاة المفروضة، وهذا التخصيص ضعيف، و: مُعْتَدٍ معناه: بلسانه ويده. و: مُرِيبٍ معناه: متلبس بما يرتاب به، أراب الرجل: إذا أتى بريبة ودخل فيها. قال الثعلبي قيل نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال الحسن: مُرِيبٍ شاك في الله تعالى ودينه. وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ الآية يحتمل أن يكون الَّذِي بدلا من كَفَّارٍ ويحتمل أن يكون صفة له من حيث تخصص كَفَّارٍ بالأوصاف المذكورة فجاز وصفه بهذه المعرفة، ويحتمل أن يكون الَّذِي ابتداء وخبره قوله: فَأَلْقِياهُ ودخلت الفاء في قوله: فَأَلْقِياهُ للإبهام الذي في الَّذِي، فحصل الشبه بالشرط وفي هذا نظر. قال القاضي أبو محمد: ويقوى عندي أن يكون الَّذِي ابتداء، ويتضمن القول حينئذ بني آدم والشياطين المغوين لهم في الدنيا، ولذلك تحرك القرين الشيطان المغوي في الدنيا، فرام أن يبرئ نفسه ويخلصها بقوله: رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ لأنه كذب من نفي الإطغاء عن نفس جملة، والحقيقة أنه أطغاه بالوسوسة والتزين، وأطغاه الله بالخلق، والاختراع حسب سابق قضائه الذي هو عدل منه، لا رب غيره، وبوصف الضلال بالبعيد مبالغة، أي لتعذر رجوعه إلى الهدى. وقوله تعالى: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ معناه: قال الله لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ بهذا النوع من المقاولة التي لا تفيد شيئا إذ قد استوجب جميعكم النار، وقد أخبر بأنه تقع الخصومة لديه في الظلامات ونحوها مما فيه اختصاص. واقتضاء فائدة بقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر: ٣١] ، وجمع الضمير في قوله: لا تَخْتَصِمُوا يريد بذلك مخاطبة جميع القرناء، إذ هو أمر شائع لا يقف على اثنين فقط، وهذا كما يقول الحاكم لخصمين: لا تغلطوا علي، يريد الخصمين ومن هو في حكمهما. وتقدمته إلى الناس بالوعيد هو ما جاءت به الرسل والكتب من تعظيم الكفرة. قوله : [سورة ق (٥٠) : الآيات ٢٩ الى ٣٥] ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥) المعنى: قدمت بالوعيد أني أعذب الكفار في ناري، فلا يبدل قولي ولا ينقص ما أبرمه كلامي، ثم أزال موضع الاعتراض بقوله: وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي هذا عدل فيهم، لأني أعذرت وأمهلت

стр. 2412

وأنعمت بالإدراكات وهديت السبيل والنجدين وبعثت الرسل وقال الفراء معنى قوله: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ما يكذب لدي، لعلمي بجميع الأمور. قال القاضي أبو محمد: فتكون الإشارة على هذا إلى كذب الذي قال: ما أَطْغَيْتُهُ [ق: ٢٧] وقوله تعالى: يَوْمَ نَقُولُ يجوز أن يعمل في الظرف قوله: بِظَلَّامٍ ويجوز أن يعمل فيه فعل مضمر. وقرأ جمهور من القراء وحفص عن عاصم: «نقول» بالنون، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر والأعمش ورجحها أبو علي بما تقدم من قوله: «قدمت وما أنا» وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: «يقول» على معنى يقول الله، وهي قراءة الأعرج وشيبة وأهل المدينة، وقرأ ابن مسعود والحسن والأعمش أيضا: «يقال» على بناء الفعل للمفعول. وقوله: هَلِ امْتَلَأْتِ تقرير وتوقيف، واختلف الناس هل وقع هذا التقرير؟ وهي قد امتلأت أو هي لم تمتلئ فقال بكل وجه جماعة من المتأولين وبحسب ذلك تأولوا قولها: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. فمن قال إنها كانت ملأى جعل قولها: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ على معنى التقرير ونفي المزيد، أي هل عندي موضع يزاد فيه شيء ونحو هذا التأويل قول النبي ﷺ : «وهل ترك لنا عقيل منزلا» ، وهو تأويل الحسن وعمرو وواصل، ومن قال: إنها كانت غير ملأى جعل قولها هَلْ مِنْ مَزِيدٍ على معنى السؤال والرغبة في الزيادة. قال الرماني وقيل المعنى: وتقول خزنتها، والقول إنها القائلة أظهر. واختلف الناس أيضا في قول جهنم هل هو حقيقة أو مجاز؟ أي حالها حال من لو نطق لقال كذا وكذا فيجري هذا مجرى: شكا إلي جملي طول السرى، ومجرى قول ذي الرمة: تكلمني أحجاره وملاعبه. والذي يترجح في قول جهنم: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ أنها حقيقة وأنها قالت ذلك وهي غير ملأى وهو قول أنس بن مالك، وبين ذلك الحديث الصحيح المتواتر قول النبي ﷺ : «يقول الله لجهنم هل امتلأت؟ وتقول: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حتى يضع الجبار فيها قدمه، فتقول قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض» واضطرب الناس في معنى هذا الحديث، وذهبت جماعة من المتكلمين، إلى أن الجبار اسم جنس، وأنه يريد المتجبرين من بني آدم، وروي أن الله تعالى يعد من الجبابرة طائفة يملأ بهم جهنم آخرا. وروي عن النبي ﷺ : «إن جلدة الكافر يصير في غلظها أربعون ذراعا» ويعظم بدنه على هذه النسبة، وهذا كله من ملء جهنم وذهب الجمهور إلى أن الجبار اسم الله تعالى، وهذا هو الصحيح، فإن في الحديث الصحيح: «فيضع رب العالمين فيها قدمه» وتأويل هذا: ان القدم لها من خلقه وجعلهم في علمه ساكنيها، ومنه قول الله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس: ٢] فالقدم هنا ما قدم من شيء ومنه قول الشاعر [الوضاح الخصي] : [المنسرح] صل لربك واتخذ قدما ... ينجيك يوم العثار والزلل ومنه قول العجاج: [الرمل] وسنى الملك لملك ذي قدم

стр. 2413

أي ذي شرف متقدم، وهذا التأويل مروي عن ابن المبارك وعن النضر بن شميل، وهو قول الأصوليين. وفي كتاب مسلم بن الحجاج: فيضع الجبار فيها رجله، ومعناه: الجمع الذي أعد لها يقال للجمع الكثير من الناس: رجل تشبيها برجل الجراد، قال الشاعر: فمر بها رجل من الناس وانزوى ... إليها من الحي اليمانين أرجل. وملاك النظر في هذا الحديث: أن الجارحة والتشبيه وما جرى مجراه منتف كل ذلك فلم يبق إلا إخراج ألفاظ على هذه الوجوه السابقة في كلام العرب. و: أُزْلِفَتِ معناه: قربت، و: غَيْرَ بَعِيدٍ تأكيد وبيان أن هذا التقدير هو في المسافة، لأن قربت كان يحتمل أن معناه: بالوعد والإخبار، فرفع الاحتمال بقوله: غَيْرَ بَعِيدٍ. وقوله تعالى: هذا ما تُوعَدُونَ الآية، يحتمل أن يكون معناه: يقال لهم في الآخرة عند إزلاف الجنة هذا هو الذي كنتم توعدون في الدنيا، ويحتمل أن يكون المعنى خطاب لأمة محمد ﷺ ، أي هذا الذي توعدون به أيها الناس لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ. والأواب: الرجاع إلى الطاعة وإلى مراشد نفسه. وقال ابن عباس وعطاء: الأواب: المسبح لقوله: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: ١٠] . وقال الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه فيستغفر. وقال المحاسبي: هو الراجح بقلبه إلى ربه. وقال عبيد بن عمير: كنا نحدث أنه الذي إذا قام من مجلسه استغفر الله مما جرى في ذلك المجلس وكذلك كان النبي ﷺ يفعل. والحفيظ معناه: بأوامر الله فيمتثلها، أو لنواهيه فيتركها. وقال ابن عباس: حَفِيظٍ لذنوبه حتى يرجع عنها. وقوله تعالى: مَنْ خَشِيَ يحتمل أن يكون مَنْ نعت الأواب أو بدلا. ويحتمل أن يكون رفعا بالابتداء والخبر يقال لهم (ادخلوا) ، ويحتمل أن تكون شرطية فيكون الجواب يقال لهم ادخلوها. وقوله: بِالْغَيْبِ أي غير مشاهد له إنما يصدق رسوله ويسمع كلامه وجاء معناه يوم القيامة. والمنيب الراجع إلى الخير المائل إليه. وقوله تعالى: ادْخُلُوها تقديره يقال لهم على ما تقدم. وبِسَلامٍ معناه بأمن وسلامة من جميع الآفات. وقوله تعالى: ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ معادل لقوله قبل في الكفار ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق: ٢٠] . وقوله تعالى: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ خبر بأنهم يعطون آمالهم أجمع. ثم أبهم تعالى الزيادة التي عنده للمؤمنين المنعمين، وكذلك هي مبهمة في قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] وقد فسر ذلك الحديث الصحيح قوله ﷺ : «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بل ما أطلعتهم عليه» . وقد ذكر الطبري وغيره في تعيين هذا المزيد أحاديث مطولة وأشياء ضعيفة، لأن الله تعالى يقول: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ [السجدة: ١٧] وهم يعينونها تكلفا وتعسفا. وروي عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن المزيد: النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف.

стр. 2414

قوله : [سورة ق (٥٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٠] وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠) كَمْ للتكثير وهي خبرية، المعنى كثيرا أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ. والقرن: الأمة من الناس الذين يمر عليهم قدر من الزمن. واختلف الناس في ذلك القدر، فقال الجمهور: مائة سنة، وقيل غير هذا، وقد تقدم القول فيه غير مرة. وشدة البطش: هي كثرة القوة والأموال والملك والصحة والأدهان إلى غير ذلك. وقرأ جمهور من الناس: «فنقّبوا» بشد القاف المفتوحة على إسناد الفعل إلى القرون الماضية، والمعنى: ولجوا البلاد من أنقابها. وفي الحديث: «أن على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» . والمراد تطوفوا ومشوا طماعين في النجاة من الهلكة ومنه قول الشاعر [امرؤ القيس] : [الوافر] وقد نقبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب ومنه قول الحارث بن حلزة: [الخفيف] نقبوا في البلاد من حذر الموت ... وجالوا في الأرض كل مجال وقرأ ابن يعمر وابن عباس ونصر بن سيار وأبو العالية: «فنقّبوا» بشد القاف المكسورة على الأمر لهؤلاء الحاضرين. و: هَلْ مِنْ مَحِيصٍ توقيف وتقرير، أي لا محيص، والمحيص: المعدل موضع الحيص وهو الروغان والحياد، قال قتادة: حاص الكفرة فوجدوا أمر الله منيعا مدركا، وفي صدر البخاري فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب. وقال ابن عبد شمس في وصف ناقته: [الوافر] إذا حاص الدليل رأيت منها ... جنوحا للطريق على اتساق وقرأ أبو عمرو في رواية عبيد عنه: «فنقبوا» بفتح القاف وتخفيفها هي بمعنى التشديد، واللفظة أيضا قد تقال بمعنى البحث والطلب، تقول: نقب عن كذا أي استقصى عنه، ومنه نقيب القوم لأنه الذي يبحث عن أمورهم ويباحث عنها، وهذا عندي تشبيه بالدخول من الأنقاب. وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني إهلاك من مضى، والذكرى: التذكرة، والقلب: عبارة عن العقل إذ هو محله. والمعنى: لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ واع ينتفع به. وقال الشبلي معناه: قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين.

стр. 2415

وقوله تعالى: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ معناه: صرف سمعه إلى هذه الأنباء الواعظة وأثبته في سماعها، فذلك إلقاء له عليها، ومنه قوله تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه: ٣٩] أي أثبتها عليك، وقال بعض الناس قوله تعالى: أَلْقَى السَّمْعَ، وقوله: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ [الكهف: ١١] وقوله: سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٤٩] هي كلها مما قل استعمالها الآن وبعدت معانيها. قال القاضي أبو محمد: وقول هذا القائل ضعيف، بل هي بينة المعاني، وقد تقدمت في موضعها. وقوله تعالى: وَهُوَ شَهِيدٌ قال بعض المتأولين: معناه: وهو مشاهد مقبل على الأمر غير معرض ولا منكر في غير ما يسمع. وقال قتادة: هي إشارة إلى أهل الكتاب، فكأنه قال: إن هذه العبرة التذكرة لمن له فهم فيتدبر الأمر أو لمن سمعها من أهل الكتاب فيشهد بصحتها لعلمه بها من كتابه التوراة وسائر كتب بني إسرائيل: ف شَهِيدٌ على التأويل الأول من المشاهدة، وعلى التأويل الثاني من الشهادة. وقرأ السدي: «ألقى السمع» قال ابن جني ألقى السمع منه حكى أبو عمرو الداني أن قراءة السدي ذكرت لعاصم فمقت السدي وقال: أليس الله يقول: يُلْقُونَ السَّمْعَ [الشعراء: ٢٢٣] . وقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية خبر مضمنه الرد على اليهود الذين قالوا إن الله خلق الأشياء كلها في ستة أيام ثم استراح يوم السبت فنزلت: وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ واللغوب: الإعياء والنصب والسأم، يقال لغب الرجل يلغب إذا أعيى. وقرأ السلمي وطلحة: «لغوب» بفتح اللام. وتظاهرت الأحاديث بأن خلق الأشياء كان يوم الأحد وفي كتاب مسلم وفي الدلائل لثابت حديث مضمنه: أن ذلك كان يوم السبت وعلى كل قول فأجمعوا على أن آدم خلق يوم الجمعة. فمن قال إن البداءة يوم السبت جعل خلق آدم كخلق بنيه لا يعد مع الجملة الأولى وجعل اليوم الذي كملت المخلوقات عنده يوم الجمعة. وقوله تعالى: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ قال بعض المفسرين: أراد أهل الكتاب لقولهم، ثم استراح يوم السبت. قال القاضي أبو محمد: وهذه المقالات من أهل الكتاب كانت بمكة قبل الهجرة. وقال النظار من المفسرين قوله تعالى: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ يراد به أهل الكتاب وغيرهم من الكفرة، وعم بذلك جميع الأقوال الزائغة من قريش وغيرهم، وعلى هذا التأويل يجيء قول من قال: الآية منسوخة بآية السيف. وَسَبِّحْ معناه: صل بإجماع من المتأولين وقوله: بِحَمْدِ رَبِّكَ الباء للاقتران أي سبح سبحة يكون معها حمد ومثله «تنبت بالدهن» على بعض الأقوال فيها و: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هي الصبح وَقَبْلَ الْغُرُوبِ هي العصر قاله قتادة وابن زيد والناس، وقال ابن عباس: قَبْلَ الْغُرُوبِ هي العصر والظهر وَمِنَ اللَّيْلِ هي صلاة العشاءين وقال ابن زيد هي العشاء فقط. وقال مجاهد: هي صلاة الليل وقوله: وَأَدْبارَ السُّجُودِ قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ وأبو هريرة والحسن والشعبي وإبراهيم، ومجاهد والأوزاعي: هي الركعتان بعد المغرب

стр. 2416

وأسنده الطبري عن ابن عباس عن النبي ﷺ كأنه روعي إدبار صلاة النهار كما روعي إدبار النجوم في صلاة الليل، فقيل هي الركعتان مع الفجر. وروي عن ابن عباس أن أَدْبارَ السُّجُودِ: الوتر، حكاه الثعلبي وقال ابن زيد وابن عباس أيضا ومجاهد: هي النوافل إثر الصلوات وهذا جار مع لفظ الآية، وقال بعض العلماء العارفين: هي صلاة الليل، قال الثعلبي: وقال بعض العلماء في قوله: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هي ركعتا الفجر وَقَبْلَ الْغُرُوبِ الركعتان قبل المغرب وقال بعض التابعين: رأيت أصحاب محمد يهبون إليها كما يهبون إلى المكتوبة، وقال قتادة: ما أدركت أحدا يصلي الركعتين قبل المغرب إلا أنسا وأبا برزة. وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعيسى وشبل وطلحة والأعمش «وإدبار» بكسر الألف وهي مصدر أضيف إليه وقت، ثم حذف الوقت، كما قالوا: جئتك مقدم الحاج وخفوق النجم ونحوه، وقرأ الباقون والحسن والأعرج، «وأدبار» بفتح الهمزة وهو جمع دبر كطنب وأطناب، أي وفي «أدبار السجود» أي في أعقابه وقال أوس بن حجر: [الطويل] على دبر الشهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدب سنون تلمع قوله : [سورة ق (٥٠) : الآيات ٤١ الى ٤٥] وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥) قوله تعالى: وَاسْتَمِعْ بمنزلة، وانتظر، وذلك أن محمدا ﷺ لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء، لأن كل من فيه يستمع وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار، وقيل لمحمد تحسس وتسمع هذا اليوم وارتقبه، وهذا كما تقول لمن تعده بورود فتح استمع كذا وكذا، أي كن منتظرا له مستمعا، وعلى هذا فنصب يَوْمَ إنما هو على المفعول الصريح. وقرأ ابن كثير: «المنادي» بالياء في الوصل والوقف على الأصل الذي هو ثبوتها، إذا الكلام غير تام وإنما الحذف أبدا في الفواصل، والكلام التام تشبيها بالفواصل. وقرأ أبو عمرو ونافع، بالوقف بغير ياء لأن الوقف موضع تغيير، ألا ترى أنها تبدل من التاء فيه الهاء في نحو طلحة وحمزة، ويبدل من التنوين الألف ويضعف فيه الحرف كقولك هذا فرج، ويحذف فيه الحرف في القوافي، وقرأ الباقون وطلحة والأعمش وعيسى بحذف الياء في الوصل والوقف جميعا وذلك اتباع لخط المصحف، وأيضا فإن الياء تحذف مع التنوين فوجب أن تحذف مع معاقب التنوين وهي الألف واللام. وقوله تعالى: مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قيل وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق. وروي عن النبي ﷺ : «أن ملكا ينادي من السماء: أيتها الأجسام الهامدة والعظام البالية والرمم الذاهبة، هلم إلى الحساب الوقوف بين يدي الله» . وقال كعب الأحبار وقتادة وغيرهما: المكان صخرة بيت المقدس

стр. 2417

واختلفوا في معنى صفته بالقرب فقال قوم: وصفها بذلك لقربها من النبي ﷺ أي من مكة. وقال كعب الأحبار: وصفه بالقرب من السماء، وروي أنها أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، وهذا الخبر إن كان بوحي، وألا سبيل للوقوف على صحته. و: الصَّيْحَةَ هي صيحة المنادي و: الْخُرُوجِ هو من القبور، و: «يومه» هو يوم القيامة، ويَوْمُ الْخُرُوجِ في الدنيا هو يوم العيد قال حسان بن ثابت: [الكامل] ولأنت أحسن إذ برزت لنا ... يوم الخروج بساحة القصر من درة أغلى الملوك بها ... مما تربّب حائر البحر وقوله تعالى: يَوْمَ تَشَقَّقُ العامل في يَوْمَ، الْمَصِيرُ. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: «تشّقق» بتشديد الشين. وقرأ الباقون: «تشقق» بتخفيف الشين و: سِراعاً حال قال بعض النحويين وهي من الضمير في قوله: عَنْهُمْ والعامل في الحال تَشَقَّقُ وقال بعضهم التقدير: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ يخرجون سِراعاً فالحال من الضمير في: «يخرجون» ، والعامل «يخرجون» . وقوله تعالى: ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ كلام معادل لقول الكفرة: ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣] . وقوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وعيد محض للكفرة. واختلف الناس في معنى قوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ. فقال قتادة: نهى الله عن التجبر وتقدم فيه، فمعناه: وما أنت عليهم بمتعظم من الجبروت. وقال الطبري وغيره معناه: وما أنت عليهم بمسلط تجبرهم على الإيمان، ويقال جبرته على كذا، أي قسرته ف «جبار» بناء مبالغة من جبر وأنشد المفضل: [الوافر] عصينا عزمة الجبار حتى ... صحبنا الخوف إلفا معلمينا قال: أراد ب «الجبار» النعمان بن المنذر لولايته، ويحتمل أن نصب عزمة على المصدر وأراد عصينا مقدمين عزمة جبار، فمدح نفسه وقومه بالعتو والاستعلاء أخلاق الجاهلية والحياة الدنيا، وروى ابن عباس أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ. قال القاضي أبو محمد: ولو لم يكن هذا سببا فإنه لما أعلمه أنه ليس بمسلط على جبرهم، أمره بالاقتصار على تذكير الخائفين من الناس.

стр. 2418

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الذّاريات وهي مكية بإجماع من المفسرين. قوله : [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١ الى ١٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات تنبيها عليها وتشريفا لها ودلالة على الاعتبار فيها حتى يصير الناظر فيها إلى توحيد الله تعالى. وَالذَّارِياتِ الرياح بإجماع من المتأولين، يقال: ذرت الريح وأذرت بمعنى: وفي الرياح معتبر من شدتها حينا، ولينها حينا وكونها مرة رحمة ومرة عذابا إلى غير ذلك. وذَرْواً نصب على المصدر. و: الحاملات وِقْراً قال علي بن أبي طالب ﵁ هي السحاب الموقرة بالماء. وقال ابن عباس وغيره هي السفن الموقرة بالناس وأمتاعهم. وقال جماعة من العلماء هي أيضا مع هذا جميع الحيوان الحامل، وفي جميع ذلك معتبر. و: وِقْراً مفعول صريح، و: الجاريات يُسْراً قال علي بن أبي طالب وغيره: هي السفن في البحر وقال آخرون: هي السحاب بالريح وقال آخرون: هي الجواري من الكواكب، واللفظ يقتضي جميع هذا. ويُسْراً نعت لمصدر محذوف وصفات المصادر المحذوفة تعود أحوالا، و: يُسْراً معناه: بسهولة وقلة تكلف، و: المقسمات أَمْراً الملائكة والأمر هنا اسم الجنس، فكأنه قال: والجماعات التي تقسم أمور الملكوت من الأرزاق والآجال والخلق في الأرحام وأمر الرياح والجبال وغير ذلك، لأن كل هذا إنما هو بملائكة تخدمه، فالآية تتضمن جميع الملائكة لأنهم كلهم في أمور مختلفة، وأنث «المقسمات» من

стр. 2419

وقال أبو طفيل عامر بن واثلة كان علي بن أبي طالب ﵁ على المنبر فقال: لا تسألوني عن آية من كتاب الله أو سنة ماضية إلا قلت، فقام إليه ابن الكواء فسأله عن هذه، فقال: الذَّارِياتِ الرياح. و «الحاملات» السحاب، و «الجاريات» السفن، و «المقسمات» الملائكة. ثم قال له سل سؤال تعلم ولا تسأل سؤال تعنت وهذا القسم واقع على قوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ، وتُوعَدُونَ يحتمل أن يكون من الإيعاد، ويحتمل أن يكون من الوعد، وأيها كان فالوصف له بالصدق صحيح و: (صادق) هنا موضوع بدل صدق، ووضع الاسم موضع المصدر. و: الدِّينَ الجزاء. وقال مجاهد الحساب، والأظهر في الآية أنها للكفار وأنها وعيد محض بيوم القيامة. ثم أقسم تعالى بمخلوق آخر فقال: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ فظاهر لفظة السَّماءِ أنها لجميع السماوات، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: هي السماء السابعة. و: الْحُبُكِ بضم الحاء والباء: الطرائق التي هي على نظام في الأجرام، فحبك الرمان والماء: الطرائق التي تصنع فيها الريح الهابة عليها، ومنه قول زهير: مكلل بعميم النبت تنسجه ... ريح خريف لضاحي مائه حبك وحبك الدرع: الطرائق المتصلة في موضع اتصال الحلق بعضها ببعض، وفي بعض أجنحة الطير حبك على نحو هذا، ويقال لتكسر الشعر حبك، وفي الحديث: «أن من ورائكم الكذاب المضل، وأن من ورائه حبكا حبكا» يعني جعودة شعره فهو يكسره، ويظهر في المنسوجات من الأكسية وغيرها طرائق في موضع تداخل الخيوط هي حبك، ويقال نسج الثوب فأجاد حبكه، فهذه هي الحبك في اللغة. وقال منذر بن سعيد: إن في السماء في تألق جرمها هي هكذا لها حبك، وذلك لجودة خلقتها وإتقان صنعتها، ولذلك عبر ابن عباس في تفسير قوله وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ بأن قال: حبكها حسن خلقتها، وقال ابن جبير: الْحُبُكِ: الزينة. وقال الحسن: حبكها كواكبها، وقال ابن زيد: الْحُبُكِ: الشدة، وحبكت شدت، وقرأ سَبْعاً شِداداً [النبأ: ١٢] وقال ابن جني: الْحُبُكِ طرائق الغيم ونحو هذا، وواحد الْحُبُكِ: حباك، ويقال للظفيرة التي يشد بها حظار القصب ونحوه، وهي مستطيلة تمنع في ترجيب الغرسات المصطفة حباك وقد يكون واحد الْحُبُكِ حبيكة، وقال الراجز: [الوافر] كأنما جللها الحواك، ... طنفسة في وشيها حباك وقرأ جمهور الناس: «الحبك» بضم الحاء والباء. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو مالك الغفاري بضم الحاء وسكون الباء تخفيفا، وهي لغة بني تميم كرسل في رسل، وهي قراءة أبي حيوة وأبي السمال. وقرأ الحسن أيضا وأبو مالك الغفاري: «الحبك» بكسر الحاء والباء على أنها لغة كإبل وإطل. وقرأ الحسن أيضا فيما روي عنه: «الحبك» بكسر الحاء وسكون الباء كما قالوا على جهة التخفيف: إبل وإطل بسكون الباء والطاء. وقرأ ابن عباس: «الحبك» بفتح الحاء والباء. وقرأ الحسن أيضا فيما روي عنه «الحبك» بكسر الحاء وضم الباء وهي لغة شاذة غير متوجهة، وكأنه أراد كسرهما ثم توهم «الحبك» قراءة الضم بعد أن كسر الحاء فضم الباء، وهذا على تداخل اللغات وليس في كلام العرب هذا البناء. وقرأ

стр. 2420

عكرمة «الحبك» بضم الحاء وفتح الباء جمع حبكة، وهذه كلها لغات والمعنى ما ذكرناه. والفرس المحبوك الشديد الخلقة الذي له حبك في مواضع من منابت شعره، وذلك دليل على حسن بنيته. وقوله تعالى إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يحتمل أن يكون خطابا لجميع الناس مؤمن وكافر، أي اختلفتم بأن قال فريق منكم: آمنا بمحمد وكتابه، وقال فريق آخر: كفرنا، وهذا قول قتادة. ويحتمل أن يكون خطابا للكفرة فقط، أي: أنتم في جنس من الأقوال مختلف في نفسه، قوم منكم يقولون: ساحر، وقوم: كاهن، وقوم: شاعر، وقوم: مجنون إلى غير ذلك، وهذا قول ابن زيد والضمير في: عَنْهُ قال الحسن وقتادة: هو عائد على محمد أو كتابه وشرعه. و: يُؤْفَكُ معناه: يصرف، فالمعنى: يصرف عن كتاب الله من صرف ممن غلبت شقاوته، وكان قتادة يقول: المأفوك منا اليوم عن كتاب الله كثيرا، ويحتمل أن يعود الضمير على القول، أي: يصرف بسببه من أراد الإسلام، بأن يقال له هو سحر، هو كهانة وهذا حكاه الزهراوي. ويحتمل أن يعود الضمير في عَنْهُ على القول، أي يصرف عنه بتوفيق الله إلى الإسلام من غلبت سعادته، وهذا على أن يكون قوله: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ للكفار فقط. قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه حسن لا يخلّ به، إلا أن عرف الاستعمال في «أفك» ، إنما هو في الصرف من خير إلى شر، وتأمل ذلك تجدها أبدا في المصروفين المذمومين، وحكى أبو عمرو عن قتادة أنه قرأ «من أفك» بفتح الهمزة والفاء. وقوله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ دعاء عليهم، كما تقول: قاتلك الله وقتلك الله، وعقرى حلقى ونحوه، وقال بعض المفسرين معناه: لعن الخراصون، وهذا تفسير لا تعطيه اللفظة. والخراص: المخمن القائل بظنه فتحته الكاهن والمرتاب وغيره ممن لا يقين له، والإشارة إلى مكذبي محمد على كل جهة من طروقهم. والغمرة: ما يغشى الإنسان ويغطيه كغمرة الماء، والمعنى في غمرة من الجهالة. و: ساهُونَ معناه عن أنهم فِي غَمْرَةٍ وعن غير ذلك من وجوه النظر. وقوله تعالى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ معناه: يقولون متى يوم الدين؟ على معنى التكذيب، وجائز أن يقترن بذلك من بعضهم هزء وأن لا يقترن. وقرأ السلمي والأعمش: «إيان» بكسر الهمزة وفتح الياء المخففة. وقوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ قال الزجاج: نصبوا يَوْمَ على الظرف من مقدر تقديره: هو كائن يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ ونحو هذا، وقال الخليل وسيبويه: نصبه على البناء لما أضيف إلى غير متمكن. قال بعض النحاة: وهو في موضع رفع على البدل من يَوْمُ الدِّينِ. و: يُفْتَنُونَ معناه: يحرقون ويعذبون في النار، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والجميع، ومنه قيل للحرة: فتين، كأن الشمس أحرقت حجارتها. ومنه قول كعب بن مالك: معاطي تهوى إليها الحقو ... ق يحسبها من وراءها الفتينا
следующие страницы →