← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

الأحاديث وقد مضى القول في ذكرها واختلاف الأحاديث فيها في سورة النساء. وتحرير القول في الكبائر أنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا، أو توعد بنار في الآخرة، أو لعنة ونحو هذا خاصا بها فهي كثيرة العدد، ولهذا قال ابن عباس حين قيل له أسبع هي؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وقال زيد بن أسلم: «كبير الإثم» هنا يراد به: الكفر. والْفَواحِشَ هي المعاصي المذكورة. وقوله: إِلَّا اللَّمَمَ هو استثناء يصح أن يكون متصلا، وإن قدرته منقطعا ساغ ذلك، واختلف في معنى اللَّمَمَ فقال ابن عباس وابن زيد معناه: ما ألموا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل الإسلام. قال الثعلبي عن ابن عباس وزيد بن ثابت وزيد بن أسلم وابنه: إن سبب الآية أن الكفار قالوا للمسلمين: قد كنتم بالأمس تعملون أعمالنا، فنزلت الآية وهي مثل قوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٣] وقال ابن عباس وغيره: ما ألموا من المعاصي الفلتة والسقطة دون دوام ثم يتوبون منه، ذكر الطبري عن الحسن أنه قال في اللمة: من الزنا والسرقة والخمر ثم لا يعود. قال القاضي أبو محمد: وهذا كالذي قبله، فكأن هذا التأويل يقتضي الرفق بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى، إذ الغالب في المؤمنين مواقعة المعاصي، وعلى هذا أنشدوا وقد تمثل به النبي ﷺ : [الرجز] إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما وقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي وغيرهم: اللَّمَمَ صغار الذنوب التي بين الحدين الدنيا والآخرة وهي ما لا حد فيه ولا وعيد مختصا بها مذكورا لها، وإنما يقال صغار بالإضافة إلى غيرها، وإلا فهي بالإضافة إلى الناهي عنها كبائر كلها، ويعضد هذا القول، قول النبي ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فإن تقدم فرجه فهو زان، وإلا فهو اللمم» . وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار فالناس لا يتخلصون من مواقعة هذه الصغائر ولهم مع ذلك الحسنى إذا اجتنبوا التي هي في نفسها كبائر. وتظاهر العلماء في هذا القول، وكثر المائل إليه. وذكر الطبري عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال: اللَّمَمَ ما دون الشرك، وهذا عندي لا يصح عن عبد الله بن عمرو. وذكر المهدوي عن ابن عباس والشعبي: اللَّمَمَ ما دون الزنا. وقال نفطويه: اللَّمَمَ ما ليس بمعتاد. وقال الرماني: اللَّمَمَ الهم بالذنب وحديث النفس به دون أن يواقع. وحكى الثعلبي عن سعيد بن المسيب: أنه ما خطر على القلب، وذلك هو لمة الشيطان. قال الزهراوي وقيل: اللَّمَمَ نظرة الفجأة، وقاله الحسين بن الفضل. ثم أنس تعالى بعد هذا بقوله: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ. وقوله تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ الآية، روي عن عائشة أنها نزلت بسبب قوم من اليهود كانوا يعظمون أنفسهم ويقولون للطفل إذا مات لهم هذا صديق عند الله، ونحو هذا من الأقاويل المتوهمة، فنزلت الآية فيهم، ثم هي بالمعنى عامة جميع البشر، وحكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم، وقوله: أَعْلَمُ بِكُمْ قال مكي بن أبي طالب في المشكل معناه: هو عالم بكم. وقال

стр. 2452

جمهور أهل المعاني: بل هو التفضيل بالإطلاق، أي هو أعلم من الموجودين جملة، والعامل في إِذْ أَعْلَمُ، وقال بعض النحاة العامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكروا إذ، والمعنى الأول أبين، لأن تقديره: فإذا كان علمه قد أحاط بكم وأنتم في هذه الأحوال فأحرى أن يقع بكم وأنتم تعقلون وتجترحون، والإنشاء من الأرض: يراد به خلق آدم ﵇، ويحتمل أن يراد به إنشاء الغذاء. و: أَجِنَّةٌ جمع جنين. وقوله: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ظاهره النهي عن أن يزكي نفسه، ويحتمل أن يكون نهيا عن أن يزكي بعض الناس بعضا وإذا كان هذا فإنما ينهى عن تزكية السمعة والمدح للدنيا والقطع بالتزكية، ومن ذلك الحديث في عثمان بن مظعون عند موته. وأما تزكية الإمام والقدرة أحدا ليؤتم به أوليتهم الناس بالخير فجائز، وقد زكى رسول الله ﷺ بعض أصحابه أبا بكر وغيره، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة للضرورة إليها، وأصل التزكية إنما هو التقوى، والله تعالى هو أعلم بتقوى الناس منكم. وقوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى الآية، قال مجاهد وابن زيد وغيرهما نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي وذلك أنه سمع قراءة النبي ﷺ وجلس إليه ووعظه رسول الله، فقرب من الإسلام، وطمع النبي ﵇ فيه، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دينك واثبت عليه وأنا أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما هم به من الإسلام وضل ضلالا بعيدا، وأعطى بعض ذلك المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح، فنزلت الآية فيه. وذكر الثعلبي عن قوم أنها نزلت في عثمان بن عفان في قصة جرت له مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح وذلك كله عندي باطل، وعثمان ﵁ منزه عن مثله، وقال السدي: نزلت في العاصي بن وائل، فقوله: وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى، وعلى هذا القول في المال، وقال مقاتل بن حيان في كتاب الثعلبي المعنى: وأعطى من نفسه قليلا من قربه من الإيمان ثم أَكْدى أي انقطع ما أعطى، وهذا بين من اللفظ، والآخر يحتاج إلى رواية. و: تَوَلَّى معناه: أدبر وأعرض ومعناه عن أمر الله. وَأَكْدى معناه: انقطع عطاؤه وهو مشبه بالحافر في الأرض، فإذا انتهى إلى كدية، وهي ما صلب من الأرض وقف وانقطع حفره، وكذلك أجبل الحافر إذ انتهى إلى جبل، ثم قيل لمن انقطع عمله: أكدى وأجبل. وقوله تعالى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى معناه: أعلم من الغيب أن من تحمل ذنوب آخر فإن المتحمل عنه ينتفع بذلك، فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وهو له فيه بصيرة أم هو جاهل لم ينبأ أي يعلم ما في صحف موسى وهي التوراة وفي صحف إبراهيم وهي كتب نزلت عليه من السماء من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، أي لا تحمل حاملة حمل أخرى، وإنما يؤخذ كل واحد بذنوب نفسه، أي فلما كان جاهلا بهذا وقع في عطاء ماله للذي قال له: إني أتحمل عنك درك الآخرة. واختلف المفسرون في معنى قوله: وَفَّى ما هو الموفى؟ فقال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي في القتل ونحوه فوفى إبراهيم وبلغ هذا الحكم من أنه لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وقال ابن عباس أيضا والربيع: وفى طاعة الله في أمر ذبح ابنه. وقال الحسن وابن جبير وقتادة وغيره، وفى

стр. 2453

تبليغ رسالته والظاهر في ذات ربه، وقال عكرمة، وفي هذه العشر الآيات، أَلَّا تَزِرُ وما بعدها، وقال ابن عباس وقتادة وغيره وَفَّى ما افترض عليه من الطاعات على وجهها وتكلمت له شعب الإيمان والإسلام فأعطاه الله براءته من النار. قال ابن عباس: وفي شرائع الإسلام ثلاثين سهما. وقال أبو أمامة ورفعه إلى النبي ﵇ وَفَّى أربع صلوات في كل يوم، والأقوى من هذه الأقوال كلها القول العام لجميع الطاعات المستوفية لدين الإسلام، فروي أنها لم تفرض على أحد مكملة فوفاها الأعلى وإبراهيم ومحمد ﵉ ومن الحجة لذلك قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة: ١٢٤] . وقرأ ابن جبير وأبو مالك وابن السميفع: «وفى» مخففة الفاء، والخلاف فيما وفى به كالخلاف فيما وفاه على القراءة الأولى التي فسرنا، ورويت القراءة عن النبي ﵇، وقرأها أبو أمامة. والوزر: الثقل، وأنث الوازرة إما لأنه أراد النفس وإما أراد المبالغة كعلامة ونسابة وما جرى مجراها و «أن» في قوله: أَلَّا تَزِرُ مخففة من الثقيلة، وتقديرها أنه لا تزر، وحسن الحائل بينها وبين الفعل إن بقي الفعل مرتفعا، فهي كقوله: أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى [المزمل: ٢٠] ونحوه، و «أن» في موضع رفع أو خفض، كلاهما مرتب. قوله : [سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣٩ الى ٥١] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) قوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ وقوله بعد ذلك وَأَنَّهُ، وَأَنَّهُ معطوف كل ذلك على أن المقدرة أولا في قوله: «أنه لا تزر» وهي كلها بفتح الألف في قراءة الجمهور. وقرأ أبو السمال قعنب «وإن إلى ربك» بكسر الهمزة فيهما وفيما بعدها وروي عن ابن عباس ﵁ أن قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى منسوخ بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١] وهذا لا يصح عندي على ابن عباس، لأنه خبر لا ينسخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا، اللهم إلا أن يتجوز في لفظة النسخ ليفهم سائلا، وقال عكرمة: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلها سعي غيرها، والدليل حديث سعد بن عبادة قال: يا رسول الله هل لأمي إن تطوعت عنها؟ قال: نعم. وقال الربيع بن أنس: «الإنسان» الذي في هذه الآية هو الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره. وسأل عبد الله بن طاهر بن الحسين والي خراسان الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٦١] فقال ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بفضل الله ما شاء الله، فقبل عبد الله رأس الحسين. وقال الجمهور: الآية محكمة. والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو

стр. 2454

في اللام من قوله: لِلْإِنْسانِ فإذا حققت الشيء الذي هو حق الإنسان يقول فيه لي كذا لم يجده إلا سعيه، وما بعد من رحمة ثم شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمد بفضل ورحمة دون هذا كله فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة. واحتج بهذه الآية من يرى أنه لا يعمل أحد عن أحد بعد موته ببدن ولا مال. وفرق بعض العلماء بين البدن والمال، وهي عندي كلها فضائل للعامل وحسنات تذكر للمعمول عنه، وقد أمر رسول الله ﷺ سعدا بالصدقة عن أمه، والسعي: التكسب. وقوله: يُرى فاعله حاضر والقيامة، أي يراه الله ومن شاهد الأمر، وفي عرض الأعمال على الجميع تشريف للمحسنين وتوبيخ للمسيئين، ومنه قول النبي ﷺ : «من سمع بأخيه فيما يكره سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة» . وفي قوله: ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وعيد للكافرين ووعد للمؤمنين. و: الْمُنْتَهى يحتمل أن يريد به الحشر، والمصير بعد الموت فهو منتهى بالإضافة إلى الدنيا وإن كان بعده منتهى آخر وهو الجنة أو النار، ويحتمل أن يريد ب الْمُنْتَهى: الجنة أو النار، فهو منتهى على الإطلاق، لكن في الكلام حذف مضاف إلى عذاب ربك أو رحمته. وقال أبي بن كعب قال النبي ﵇ في قوله تعالى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى لا فكرة في الرب. وروى أنس أن النبي ﷺ قال: «إذا ذكر الرب فانتهوا» . وقال أبو هريرة: خرج رسول الله ﷺ يوما إلى أصحابه فقال: «فيم أنتم» ؟ قالوا: نتفكر في الخالق، فقال: «تفكروا في الخلق، لا تتفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط به الفكرة» الحديث، وذكر الضحك والبكاء لأنهما صفتان تجمعان أصنافا كثيرة من الناس، إذ الواحدة دليل السرور، والأخرى دليل الحزن في الدنيا والآخرة، فنبه تعالى على هاتين الخاصتين اللتين هما للإنسان وحده، وقال مجاهد المعنى: أَضْحَكَ الله أهل الجنة وَأَبْكى أهل النار. وحكى الثعلبي في هذا أقوالا استعارية كمن قال أَضْحَكَ الأرض بالنبات، وَأَبْكى السماء بالمطر، ونحوه: وأَماتَ وَأَحْيا. وحكى الثعلبي قولا إنه أحيا بالإيمان وأمات بالكفر. والزَّوْجَيْنِ في هذه الآية يريد به المصطحبين من الناس من الرجل والمرأة وما ضارع من الحيوان، والخنثى متميز ولا بد لأحد الجهتين. والنطفة في اللغة: القطعة من الماء كانت يسيرة أو كثيرة. ويراد بها هاهنا ماء الذكران. وقوله: تُمْنى يحتمل أن يكون من قولك: أمنى الرجل: إذا خرج منه المني، ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الشيء: إذا خلقه، فكأنه قال: إذا تخلق وتقدر، و: النَّشْأَةَ الْأُخْرى هي إعادة الأجسام إلى الحشر بعد البلي في التراب. وقرأ الناس: «النشأة» بسكون الشين والهمز والقصر، وقرأ أبو عمرو والأعرج: «النشآة» ممدودة. وَأَقْنى معناه: أكسب، يقال: قنبت المال، أي كسبته، ثم يعدى بعد ذلك بالهمزة، وقد يعدى بالتضعيف، ومنه قول الشاعر: [البسيط] كم من غني أصاب الدهر ثروته ... ومن فقير يقنى بعد إقلال وعبر المفسرون عن أَقْنى بعبارات مختلفة. وقال بعضهم: أَقْنى معناه: أكسب ما يقتني،

стр. 2455

وقال مجاهد معناه: أغنى وأرضى. وقال حضرمي معناه: أغنى عن نفسه وَأَقْنى أفقر عباده إليه. وقال الأخفش: أَقْنى أفقر، وهذه عبارات لا تقتضيها اللفظة، والوجه فيها بحسب اللغة أكسب ما يقتني. وقال ابن عباس: أَقْنى قنع. والقناعة خير قنية، والغنى عرض زائل، فلله در ابن عباس. و: الشِّعْرى نجم في السماء، قال مجاهد وابن زيد: هو من زمر الجوزاء وهما شعريان، إحداهما: الغميصاء، والأخرى العبور، لأنها عبرت المجرة، وكانت خزاعة ممن يعبد هذه الشِّعْرى، ومنهم أبو كبشة، ذكره الزهراوي واسمه عبد العزى، فلذلك خصت بالذكر، أي وهو رب هذا المعبود الذي لكم. وعاد: هم قوم هود، واختلف في معنى وصفها ب الْأُولى، فقال ابن زيد والجمهور: ذلك لأنها في وجه الدهر وقديمه، فهي أولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرة، وقال الطبري: سميت أولى، لأن ثم عادا أخيرة وهي قبيلة كانت بمكة مع العماليق وهم بنو لقيم بن هزال. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أبين، لأن هذا الأخير لم يصح. وقال المبرد عادا الأخيرة هي ثمود، والدليل قول زهير: [الطويل] كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم ذكره الزهراوي، وقيل الأخيرة: الجبارون. وقرأ ابن كثير وعاصم، وابن عامر وحمزة، والكسائي «عاد الأولى» منونة وبهمز. وقرأ نافع فيما روي عنه: «عادا الأولى» بإزالة التنوين والهمز. وهذا كقراءة من قرأ «أحد الله» وكقول الشاعر [أبو الأسود الدؤلي] : [المتقارب] ولا ذاكر الله إلا قليلا وقرأ قوم: عاداً الْأُولى والنطق بها «عادن الأولى» . واجتمع سكون نون التنوين وسكون لام التعريف فكسرت النون للالتقاء، ولا فرق بينهما وبين قراءة الجمهور ولا ترك الهمز. وقرأ نافع أيضا وأبو عمرو بالوصل والإدغام «عاد الولي» بإدغام النون في اللام ونقل حركة الهمزة إلى اللام. وعاب أبو عثمان المازني والمبرد هذه القراءة، وقال: إن هذا النقل لا يخرج اللام عن حد السكون وحذف ألف الوصل أن تبقى كما تقول العرب إذا نقلت الهمزة من قولهم الأحمر فإنهم يقولون الحمر جاء فكذلك يقال هاهنا «عادا الولي» ، قال أبو علي: والقراءة سائغة، وأيضا فمن العرب من يقول: لحمر جاء فيحذف الألف مع النقل ويعتد بحركة اللام ولا يراها في حكم السكون، وقرأ نافع فيما روي عنه «عادا الأولى» بهمز الواو، ووجه ذلك أنه لما لم يكن بين الواو والضمة حائل تخيل الضمة عليها فهمزها كما تهمز الواو المضمومة، وكذلك فعل من قرأ: «على سؤقه» ، وكما قال الشاعر [جرير] : [الوافر] لحبّ المؤقدان إلى موسى وهي لغة. وقرأ الجمهور: «وثمودا» بالنصب عطفا على عاد. وقرأ عاصم وحمزة والحسن وعصمة «وثمود» بغير صرف، وهي في مصحف ابن مسعود بغير ألف بعد الدال.

стр. 2456

وقوله: فَما أَبْقى ظاهره: فَما أَبْقى عليهم، وتأول ذلك بعضهم فَما أَبْقى منهم عينا تطرف، وقد قال ذلك الحجاج حين سمع قول من يقول إن ثقيفا من ثمود فأنكر ذلك وقال: إن الله تعالى قال: وَثَمُودَ فَما أَبْقى. وهؤلاء يقولون بقي منهم باقية. قوله : [سورة النجم (٥٣) : الآيات ٥٢ الى ٦٢] وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) نصب قَوْمَ نُوحٍ عطفا على «ثمود» وقوله: مِنْ قَبْلُ لأنهم كانوا أول أمة كذبت من أهل الأرض، ونُوحٍ أول الرسل، وجعلهم أَظْلَمَ وَأَطْغى: لأنهم سبقوا إلى التكذيب دون اقتداء بأحد قبلهم، وأيضا فإنهم كانوا في غاية من العتو، وكان عمر نوح قد طال في دعائهم، فكان الرجل يأتي إليه مع ابنه فيقول: أحذرك من هذا الرجل فإنه كذاب، ولقد حذرني منه أبي وأخبرني أن جدي حذره منه، فمشت على ذلك أخلافهم ألفا إلا خمسين عاما. والْمُؤْتَفِكَةَ قرية قوم لوط بإجماع من المفسرين، ومعنى الْمُؤْتَفِكَةَ: المنقلبة لأنها أفكت فائتفكت، ومنه الإفك، لأنه قلب الحق كذبا، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «والمؤتفكات أهوى» على الجمع. وأَهْوى معناه: طرحها من هواء عال إلى أسفل، هذا ما روي من أن جبريل ﵇ اقتلعها بجناحه حتى بلغ بها قرب السماء ثم حولها قلبها فهبط الجميع واتبعوا حجارة وهي التي غشاها الله تعالى. وقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى مخاطبة للإنسان الكافر، كأنه قيل له: هذا هو الله الذي له هذه الأفاعيل، وهو خالقك المنعم عليك بكل النعم، ففي أيها تشك. و: تَتَمارى معناه: تتشكك. وقرأ يعقوب «ربك تمّارى» بتاء واحدة مشددة. وقال أبو مالك الغفاري إن قوله: أَلَّا تَزِرُ [النجم: ٣٨] إلى قوله: تَتَمارى هو في صحف إبراهيم وموسى. وقوله: هذا نَذِيرٌ يحتمل أن يشير إلى محمد ﷺ ، وهذا قول قتادة وأبي جعفر ومحمد بن كعب القرظي، ويحتمل أن يشير إلى القرآن، وهو تأويل قوم، وقال أبو مالك: الإشارة بهذا النذير إلى ما سلف من الأخبار عن الأمم. و: نَذِيرٌ يحتمل أن يكون بناء اسم فاعل، ويحتمل أن يكون مصدرا، ونذر جمع نذير. وقال الْأُولى بمعنى أنه في الرتبة والمنزلة والأوصاف من تلك المتقدمة، والأشبه أن تكون الإشارة إلى محمد. وقوله: أَزِفَتِ معناه: قربت القريبة. و: الْآزِفَةُ عبارة عن القيامة بإجماع من المفسرين.

стр. 2457

وأزف معناه: قرب جدا، قال كعب بن زهير: [البسيط] بان الشباب وأمسى الشيب قد أزفا ... ولا أرى لشباب ذاهب خلفا وقوله: كاشِفَةٌ يحتمل أن يكون صفة لمؤنث، التقدير: حالة كاشِفَةٌ، أو منة كاشِفَةٌ. قال الرماني أو جماعة، ويحتمل أن يكون مصدرا كالعاقبة وخائِنَةَ الْأَعْيُنِ [غافر: ١٩] . ويحتمل أن يكون بمعنى كاشف، والهاء للمبالغة، كما قال: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ [الحاقة: ٨] وأما معنى كاشِفَةٌ فقال الطبري والزجاج: هو من كشف السر، أي ليس من دون الله من يكشف وقتها ويعلمه. وقال الزهراوي عن منذر بن سعيد: هو من كشف الضر ودفعه، أي ليس من يكشف خطبها وهولها. وقرأ طلحة: لَيْسَ لَها مما تدعون مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ وهي على الظالمين سوءات الغاشية، وهذا الحديث هو القرآن. وقوله: أَفَمِنْ توقيف وتوبيخ. وفي حرف أبيّ وابن مسعود: «تعجبون» «تضحكون» بغير واو العطف، وفي قوله : وَلا تَبْكُونَ حض على البكاء عند سماع القرآن. وروى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا القرآن أنزل يخوف، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» ذكره الثعلبي، والسامد: اللاعب اللاهي، وبهذا فسر ابن عباس وغيره من المفسرين. وقال الشاعر [هذيلة بنت بكر] : [مجزوء الكامل] قيل قم فانظر إليهم ... ثم دع عنك السمود وسمد بلغة حمير غنى، وهو معنى كله قريب من بعض، وأسند الطبري عن أبي خالد الوالي قال: خرج علينا عليّ ونحن قيام ننتظر الصلاة فقال: ما لي أراكم سامدين. قال القاضي أبو محمد: يشبه أنه رآهم في أحاديث ونحوه مما يظن أنه غفلة ما. وقد قال إبراهيم كانوا يكرهون أن ينتظروا خروج الإمام قياما، وفي الحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» . ثم أمر تعالى بالسجود وعبادة الله تحذيرا وتخويفا، وهاهنا سجدة في قول كثير من أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب ﵁ وردت بها أحاديث صحاح، وليس يراها مالك ﵀، وقال زيد بن وثاب إنه قرأ بها عند النبي ﷺ فلم يسجد.

стр. 2458

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة القمر وهي مكية بإجماع إلا آية واحدة اختلف فيها، فقال جمهور الناس هي مكية، وقال قوم هي مما نزل ببدر، وقيل بالمدينة وهي: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ [القمر: ٤٥] الآية وسيأتي القول في ذلك. قوله : [سورة القمر (٥٤) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) اقْتَرَبَتِ معناه: قربت إلا أنه أبلغ، كما أن اقتدر أبلغ من قدر. و: السَّاعَةُ القيامة وأمرها مجهول التحديد لم يعلم، إلا أنها قربت دون تحديد، وقال النبي ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين» ، وأشار بالسبابة والوسطى. وقال أنس: خطب رسول الله ﷺ وقد كادت الشمس تغيب فقال: «ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقي من هذا اليوم» . وقال النبي ﷺ : «إني لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم» ، وهذا منه على جهة الرجاء والظن لم يجزم به خبرا، فأناب الله به على أمله وأخر أمته أكثر من رجائه، وكل ما يروى عن عمر الدنيا من التحديد فضعيف واهن. وقوله: انْشَقَّ الْقَمَرُ إخبار عما وقع في ذلك، وذكر الثعلبي أنه قيل إن المعنى ينشق القمر يوم القيامة، وهذا ضعيف الأمة على خلافه، وذلك أن قريشا سألت رسول الله آية فقيل مجملة، وهذا قول الجمهور، وقيل بل عاينوا شق القمر، ذكره الثعلبي عن ابن عباس فأراهم الله انشقاق القمر، فرآه رسول الله وجماعة من المسلمين والكفار، فقال رسول الله «اشهدوا» ، وممن قال من الصحابة رأيته: عبد الله بن مسعود وجبير بن مطعم وأخبر به عبد الله بن عمر وأنس وابن عباس وحذيفة بن اليمان، وقال المشركون عند ذلك: سحرنا محمد. وقال بعضهم: سحر القمر وقالت قريش استخبروا المسافرين القادمين عليكم، فما

стр. 2459

ورد أحد إلا أخبر بانشقاقه وقال ابن مسعود: رأيته انشق فذهبت فرقة وراء جبل حراء، وقال ابن زيد: كان يرى نصفه على قعيقعان والآخر على أبي قبيس. وقرأ حذيفة: «اقتربت الساعة وقد انشق القمر» ، وذكر الثعلبي عنه أن قراءته: «اقتربت الساعة انشق القمر» دون واو. وقوله: وَإِنْ يَرَوْا جاء اللفظ مستقبلا لينتظم ما مضى وما يأتي، فهو إخبار بأن حالهم هكذا، واختلفت الناس في معنى: مُسْتَمِرٌّ فقال الزجاج قيل معناه: دائم متماد. وقال قتادة ومجاهد والكسائي والفراء معناه: مار ذاهب عن قريب يزول. وقال أبو العالية والضحاك معناه: مشدود من مرائير الحبل كأنه سحر قد أمر، أي أحكم. ومنه قول الشاعر [لقيط بن زرارة] : [البسيط] حتى استمرت على شزر مريرته ... صدق العزيمة لا رتّا ولا ضرعا ثم أخبر تعالى بأنهم كذبوا واتبعوا شهواتهم وما يهوون من الأمور لا بدليل ولا بتثبت، ثم قال على جهة الخبر الجزم، وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ يقول: وكل شيء إلى غاية فالحق يستقر ظاهرا ثابتا، والباطل يستقر زاهقا ذاهبا. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «وكل مستقر» بجر «مستقر» ، يعني بذلك أشراطها. والجمهور على كسر القاف من «مستقر» وقرأ نافع وابن نصاح بفتحها، قال أبو حاتم: لا وجه لفتح القاف. و: الْأَنْباءِ جمع نبأ، ويدخل في هذا جميع ما جاء به القرآن من المواعظ والقصص ومثلات الأمم الكافرة، و: مُزْدَجَرٌ معناه: موضع زجر وانتهاء، وأصله: مزتجر، قلبت التاء دالا ليناسب مخرجها مخرج الزاي، وكذلك تبدل تاء افتعل من كل فعل أوله زاي كازدلف وازداد ونحوه. وقوله: حِكْمَةٌ مرتفع إما على البدل من ما في قوله: ما فِيهِ، وإما على خبر ابتداء تقديره: هذه حكمة و: بالِغَةٌ معناه: يبلغ المقصد بها من وعظ النفوس والبيان لمن له عقل. وقوله: فَما تُغْنِ النُّذُرُ، يحتمل أن تكون «ما» نافية، أي ليس تغني مع عتو هؤلاء الناس، ويحتمل أن تكون «ما» استفهاما بمعنى التقرير، أي فما غناء النذر مع هؤلاء الكفرة، ثم سلى نبيه بقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي لا تذهب نفسك عليهم حسرات، وتم القول في قوله: عَنْهُمْ ثم ابتدأ وعيدهم، والعامل في يَوْمَ قوله: يَخْرُجُونَ، و: خُشَّعاً حال من الضمير في يَخْرُجُونَ وتصرف الفعل يقتضي تقدم الحال، قال المهدوي: ويجوز أن يكون حالا من الضمير في عَنْهُمْ. قال الرماني المعنى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ واذكر يَوْمَ. وقال الحسن المعنى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ إلى يَوْمَ، وانحذفت الواو من يَدْعُ لأن كتبة المصحف اتبعوا اللفظ لا ما يقتضيه الهجاء، وأما حذف الياء من: الدَّاعِ ونحوه، فقال سيبويه: حذفوه تخفيفا. وقال أبو علي: حذفت مع الألف واللام إذ هي تحذف مع معاقبهما وهو التنوين. وقرأ جمهور الناس: «نكر» بضم الكاف. وقرأ ابن كثير وشبل والحسن: «نكر» بكسر الكاف، وقرأ مجاهد والجحدري وأبو قلابة: «نكر» بكسر الكاف وفتح الراء على أنه فعل مبني للمفعول، والمعنى في ذلك كله

стр. 2460

أنه منكور غير معروف ولا مرئي مثله. قال الخليل: النكر: نعت للأمر الشديد والرجل الداهية. وقال مالك بن عوف النصري: [الرجز] أقدم محاج إنه يوم نكر ... مثلي على مثلك يحمى ويكر ونكر فعل وهو صفة، وذلك قليل في الصفات، ومنه مشية سجح وقال الشاعر [حسان بن ثابت الأنصاري] : [البسيط] دعوا التخاجؤ وامشوا مشية سجحا ... إن الرجال ذوو عصب وتذكير ومنه رجل شلل وناقة أجد. وقرأ جمهور القراء: «خشعا» وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة والحسن وقتادة. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: «خاشعا» ، وهي قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري، وهو إفراد بمعنى الجمع، ونظيره قول الشاعر [الحارث بن أوس الإيادي] : [الرمل] وشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد ورجح أبو حاتم هذه القراءة وذكر أن رجلا من المتطوعة قال قبل أن يستشهد: رأيت النبي ﷺ في النوم فسألته عن «خشعا وخاشعا» فقال: «خاشعا» بالألف، وفي مصحف أبيّ بن كعب وعبد الله: «خاشعة» . وخص الأبصار بالخشوع لأنه فيها أظهر منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء أو صلف أو خوف ونحوه إنما يظهر في البصر. و: الْأَجْداثِ جمع جدث وهو القبر، وشبههم بالجراد المنتشر، وقد شبههم في أخرى ب الفراش الْمَبْثُوثِ [القارعة: ٤] ، وفيهم من كل هذا شبه، وذهب بعض المفسرين إلى أنهم أولا كالفراش حين يموجون بعض في بعض ثم في رتبة أخرى كالجراد إذا توجهوا نحو المحشر والداعي، وفي الحديث: إن مريم بنت عمران دعت للجراد فقالت: اللهم اعشها بغير رضاع وتابع بينها بغير شباع. والمهطع: المسرع في مشيه نحو الشيء مع هز ورهق ومد بصر نحو المقصد، إما لخوف أو طمع أو نحوه، ويَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ لما يرون من مخايل هوله وعلامات مشقته. قوله : [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٩ الى ١٧] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) سوق هذه القصة وعيد لقريش وضرب مثل لهم، وقوله: وَازْدُجِرَ إخبار من الله أنهم زجروا نوحا

стр. 2461

بالسب والنجه والتخويف، قاله ابن زيد وقرأ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء: ١١٦] ، وذهب مجاهد إلى أن وَازْدُجِرَ من كلام قَوْمُ نُوحٍ، كأنهم قالوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، والمعنى: استطير جنونا واستعر جنونا، وهذا قول فيه تعسف وتحكم. وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم والأعرج والحسن «أني» بفتح الألف، أي «بأنه» كأن دعاءه كان هذا المعنى. وقرأ عاصم أيضا وابن أبي إسحاق وعيسى «إني» بكسر الألف كأن دعاءه كان هذا اللفظ قال سيبويه: المعنى قال إني. وذهب جمهور المفسرين إلى أن المعنى أني قد غلبني الكفار بتكذيبهم وتخويفهم، انتصر لي منهم بأن تهلكهم، ويحتمل أن يريد: فانتصر لنفسك إذ كذبوا رسولك. ويؤيده قول ابن عباس إن المراد بقوله: لمن كان كفر الله تعالى، فوقعت الإجابة على نحو ما دعا نوح ﵇، وذهبت المتصوفة إلى أن المعنى: إني قد غلبتني نفسي في إفراطي في الدعاء على قومي فانتصر مني يا رب بمعاقبة إن شئت. والقول الأول هو الحق إن شاء الله يدل على ذلك اتصال قوله: فَفَتَحْنا الآية، وذلك هو الانتصار من الكفار. وقرأ جمهور القراء: «ففتحنا» بتخفيف التاء. وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج: «ففتّحنا» بشدها على المبالغة ورجحها أبو حاتم لقوله تعالى: مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ [ص: ٥٠] ، قال النقاش: يعني بالأبواب المجرة وهي شرج السماء كشرج العبية، وقال قوم من أهل التأويل: الأبواب حقيقة فتحت في السماء أبواب جرى منها الماء. وقال جمهور المفسرين: بل هو مجاز وتشبيه، لأن المطر كثر كأنه من أبواب. والمنهمر الشديد الوقوع الغزير. قال امرؤ القيس: [الرمل] راح تمريه الصبا ثم انتحى ... فيه شؤبوب جنوب منهمر وقرأ الجمهور: «وفجّرنا» بشد الجيم. وقرأ ابن مسعود وأصحابه وأبو حيوة عن عاصم: «وفجرنا» بتخفيفها. وقرأ الجمهور: «فالتقى الماء» على اسم الجنس الذي يعم ماء السماء وماء العيون. وقرأ الحسن وعلي بن أبي طالب وعاصم الجحدري. «فالتقى الماءان» ويروى عن الحسن: «فالتقى الماوان» . وقوله: عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ قال فيه الجمهور على رتبة وحالة قد قدرت في الأزل وقضيت. وقال جمهور من المتأولين المعنى: على مقادير قد قدرت ورتبت وقت التقائه، ورووا أن ماء الأرض علا سبعة عشر ذراعا وكان ماء السماء ينزل عليه بقية أربعين ذراعا أو نحو هذا لأنه مما اختلفت فيه الروايات ولا خبر يقطع العذر في شيء من هذا التحرير. وقرأ أبو حيوة: «قدّر» بشد الدال. وذات الألواح والدسر: هي السفينة قيل كانت ألواحها وخشبها من ساج، والدسر: المسامير، واحدها: دسار، وهذا هو قول الجمهور، وهو عندي من الدفع المتتابع، لأن المسمار يدفع أبدا حتى يستوي. وقال الحسن وابن عباس أيضا: الدسر: مقادم السفينة، لأنها تدسر الماء أي تدفعه. والدسر: الدفع. وقال مجاهد وغيره: نطق السفينة. وقال أيضا: هو أرض السفينة. وقال أيضا: أضلاع السفينة، وقد تقدم القول في شرح قصة السفينة مستوعبا، وجمهور الناس على أنها كانت على هيئة السفن اليوم كجؤجؤ الطائر، وورد في بعض الكتب أنها

стр. 2462

كانت مربعة، طويلة في السماء، واسعة السفل، ضيقة العلو، وكان أعلاها مفتوحا للهواء والتنفس، قال: لأن الغرض منها إنما كانت السلامة حتى ينزل الماء، ولم يكن طلب الجري وقصد المواضع المعينة، ومع هذه الهيئة فلها مجرى ومرسى، والله أعلم كيف كانت، والكل محتمل. وقوله: بِأَعْيُنِنا قال الجمهور معناه: بحفظنا وحفايتنا وتحت نظرنا لأهلها، فسمى هذه الأشياء أعينا تشبيها، إذ الحافظ المتحفي من البشر إنما يكون ذلك الأمر نصب عينه، وقيل المراد من حفظها من الملائكة سماهم عيونا، وقال الرماني وقيل إن قوله: بِأَعْيُنِنا يريد العيون المفجرة من الأرض. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقرأ أبو السمال: «بأعينا» مدغمة. وقرأ جمهور الناس: «كفر» بضم الكاف وكسر الفاء، واختلفوا في المعنى فقال ابن عباس ومجاهد: «من» ، يراد بها الله تعالى كأنه قال: غضبا وانتصارا لله، أي انتصر لنفسه فأنجى المؤمنين وأغرق الكافرين. وقال مكي وقيل «من» ، يراد بها نوح والمؤمنين، لأنهم كفروا من حيث كفر بهم فجازاهم الله بالنجاة. وقرأ يزيد بن رومان وعيسى وقتادة: «كفر» بفتح الكاف والفاء، والضمير في: تَرَكْناها قال مكي بن أبي طالب هو عائد على هذه الفعلة والقصة. وقال قتادة والنقاش وغيره: هو عائد على هذه السفينة، قالوا وإن الله تعالى أرسلها على الجودي حين تطاولت الجبال وتواضع وهو جبيل بالجزيرة بموضع يقال له باقردى، وأبقى خشبها هنالك حتى رأت بعضه أوائل هذه الأمة. وقال قتادة: وكم من سفينة كانت بعدها صارت رصودا و: مُدَّكِرٍ أصله: مذتكر، أبدلوا من التاء ذالا ليناسب الدال في النطق، ثم أدغموا الدال في الدال، وهي قراءة الناس، قال أبو حاتم: رويت عن النبي ﷺ بإسناد صحيح وقرأ قتادة: «مذكر» بالذال على إدغام الثاني في الأول، قال أبو حاتم: وذلك رديء ويلزمه أن يقرأ واذكر بعد أمة وتذخرون في بيوتكم. وقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ توقيف لقريش وتوبيخ، والنذر: هنا جمع نذير، المصدر بمعنى كان عاقبة إنذاري لمن لم يجعل به كأنتم أيها القوم. و: يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ معناه: سهلناه وقربناه و «الذكر» : الحفظ عن ظهر قلب، قال ابن جبير: لم يستظهر من كتب الله سوى القرآن. قال القاضي أبو محمد: يسر بما فيه من حسن النظم وشرف المعاني فله لوطة بالقلوب، وامتزاج بالعقول السليمة. وقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ استدعاء وحض على ذكره وحفظه لتكون زواجره وعلومه وهداياته حاضرة في النفس. قال مطرف في قوله تعالى: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ هل من طالب علم فيعان عليه. قال القاضي أبو محمد: الآية تعديد نعمة في أن الله يسر الهدى ولا بخل من قبله، فلله در من قبل وهدى. وقد تقدم تعليل: مُدَّكِرٍ. قوله : [سورة القمر (٥٤) : الآيات ١٨ الى ٢٦] كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)

стр. 2463

عادٌ قبيلة وقد تقدم قصصها. وقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ، «كيف» نصب إما على خبر كانَ وإما على الحال. و: كانَ بمعنى وجد ووقع في هذا الوجه. وَنُذُرِ جمع نذير وهو المصدر. وقرأ ورش وحده: «ونذري» بالياء، وقرأ الباقون «ونذر» بغير ياء على خط المصحف. و: «الصرصر» قال ابن عباس وقتادة معناه الباردة وهو الصر. وقال جماعة من المفسرين معناه: المصوتة نحو هذين الحرفين مأخوذ من صوت الريح إذا هبت دفعا، كأنها تنطق بهذين الحرفين، الصاد والراء، وضوعف الفعل كما قالوا: كبكب وكفكف من كب وكب، وهذا كثير، ولم يختلف القراء في سكون الحاء من «نحس» وإضافة اليوم إليه إلا ما روي عن الحسن أنه قرأ: «في يوم» بالتنوين و: «نحس» بكسر الحاء. ومُسْتَمِرٍّ معناه: متتابع، قال قتادة: استمر بهم ذلك النحس حتى بلغهم جهنم. قال الضحاك في كتاب الثعلبي المعنى كان مرا عليهم، وذكره النقاش عن الحسن، وروي أن ذلك اليوم الذي كان لهم فيه نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ كان يوم أربعاء، وورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ: يوم الأربعاء، قتأول في ذلك بعض الناس أنه يصحب في الزمن كله، وهذا عندي ضعيف وإن كان الدولابي أبو بشر قد ذكر حديثا رواه أبو جعفر المنصور عن أبيه محمد عن أبيه علي عن أبيه عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر» ، ويوجد نحو هذا في كلام الفرس والأعاجم، وقد وجد ذكر الأربعاء التي لا تدور في شعر لبعض الخراسانيين المولدين، وذكر الثعلبي عن زر بن حبيش في تفسير هذا اليوم لعاد أنه كل يوم أربعاء لا تدور، وذكره النقاش عن جعفر بن محمد وقال: كان القمر منحوسا بزحل وهذه نزعة سوء عياذا بالله أن تصح عن جعفر بن محمد. وقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ معناه: تنقلهم من مواضعهم نزعا فتطرحهم. وروي عن مجاهد: أنها كانت تلقي الرجل على رأسه فيتفتت رأسه وعنقه وما يلي ذلك من بدنه فلذلك حسن التشبيه ب «أعجاز» النخل وذلك أن المنقعر هو الذي ينقلب من قعره. فذلك التشعث والشعب التي لأعجاز النخل، كان يشبهها ما تقطع وتشعث من شخص الإنسان، وقال قوم: إنما شبههم ب «أعجاز النخل» لأنهم كانوا يحفرون حفرا ليمتنعوا فيها من الريح، فكأنه شبه تلك الحفر بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنخل يذكّر ويؤنث فلذلك قال هنا: مُنْقَعِرٍ وفي غير هذه السورة: خاوِيَةٍ [الحاقة: ٧] والكاف في قوله: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ في موضع الحال، قاله الزجاج، وما روي من خبر الخلجان وغيره وقوتهم ضعيف كله، وفائدة تكرار قوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ التخويف وهز الأنفس قال الرماني: لما كان الإنذار أنواعا، كرر التذكير والتنبيه، وفائدة تكرار قوله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ التأكيد والتحريض وتنبيه الأنفس. وهذا موجود في تكرار الكلام، مثل قول النبي ﷺ : «ألا هل بلغت، ألا هل بلغت» . ومثل

стр. 2464

قوله: «ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول الزور» . وكان ﷺ إذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثا، فهذا كله نحو واحد وإن تنوع، و: ثَمُودُ قبيلة صالح ﵇ وهم أهل الحجر. وقرأ الجمهور: «أبشرا منا واحدا» ونصب قوله «بشرا» بإضمار «فهل» يدل عليه قوله: نَتَّبِعُهُ، و: «واحدا» نعت ل «بشر» . وقرأ أبو السمال: «أبشر منا واحدا نتبعه» ورفعه إما على إضمار فعل مبني للمفعول، التقدير: أينبأ بشر، وإما على الابتداء والخبر في قوله نَتَّبِعُهُ و: «واحدا» على هذه القراءة إما من الضمير في: نَتَّبِعُهُ وإما عن المقدر مع: مِنَّا كأنه يقول: أبشر كائن منا واحدا، وفي هذا نظر. وحكى أبو عمر والداني قراءة أبي السمال: «أبشر منا واحد» بالرفع فيهما. وهذه المقالة من ثمود حسد منهم واستبعاد منهم أن يكون نوع المبشر يفضل بعضه بعضا هذا الفضل فقالوا: أنكون جمعا ونتبع واحدا، ولم يعلموا أن الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء، ويفيض نور الهدى من رضيه. وقوله: في ضَلالٍ معناه: في أمر متلف مهلك بالإتلاف، وَسُعُرٍ معناه: في احتراق أنفس واستعارها حنقا وهما باتباعه، وقيل في السعر: العناء، وقاله قتادة. وقيل الجنون، ومنه قولهم ناقة بمعنى مسعورة، إذا كانت تفرط في سيرها، ثم زادوا في التوقي بقولهم: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا، وأُلْقِيَ بمعنى أنزل، وكأنه يتضمن عجلة في الفعل، والعرب تستعمل هذا الفعل، ومنه قوله تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه: ٣٩] ومنه قوله: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: ٥] ، والذِّكْرُ هنا: الرسالة وما يمكن أن جاءهم به من الحكمة والموعظة، ثم قالوا: بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ أي ليس الأمر كما يزعم، والأشر: البطر والمرح، فكأنهم رموه بأنه أَشِرٌ، فأراد العلو عليهم وأن يقتادهم ويتملك طاعتهم فقال الله تعالى لصالح: سَيَعْلَمُونَ غَداً وهذه بالياء من تحت قراءة علي بن أبي طالب وجمهور الناس. وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم وابن وثاب وطلحة والأعمش «ستعلمون» بالتاء على معنى قل لهم يا صالح. وقوله: غَداً تقريب يريد به الزمان المستقبل، لا يوما بعينه، ونحو المثل: مع اليوم غد. وقرأ جمهور الناس: «الأشر» بكسر السين كحذر بكسر الذال. وقرأ مجاهد فيما ذكر عنه الكسائي: «الأشر» بضم الشين كحذر بضم الذال، وهما بناءان من اسم الفاعل. وقرأ أبو حيوة: «الأشر» بفتح الشين، كأنه وصف بالمصدر. وقرأ أبو قلابة: «الأشرّ» بفتح الشين وشد الراء، وهو الأفعل، ولا يستعمل بالألف واللام وهو كان الأصل لكنه رفض تخفيفا وكثرة استعمال. قوله : [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٢٧ الى ٣٥] إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)

стр. 2465

هذه النَّاقَةِ التي اقترحوها أن تخرج لهم من صخرة صماء من الجبل، وقد تقدم قصصها، فأخبر الله تعالى صالحا على جهة التأنيس أنه يخرج لهم الناقة ابتلاء واختبارا، ثم أمره بارتقاب الفرج وبالصبر. وَاصْطَبِرْ أصله: اصتبر. افتعل، أبدلت التاء طاء لتناسب الصاد. ثم أمره بأن يخبر ثمود أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ: والْماءَ: هو ماء البئر التي كانت لهم، واختلف المتأولون في معنى هذه القسمة، فقال جمهور منهم قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ: يتواسونه في اليوم الذي لا ترده الناقة وذلك فيما روي أن الناقة كانت ترد البئر غبا، وتحتاج جميع مائه يومها، فنهاهم الله عن أن يستأثر أهل اليوم الذي لا ترد الناقة فيه بيومهم، وأمرهم بالتواسي مع الذين ترد الناقة في يومهم. وقال آخرون معناه: الماء بين جميعهم وبين الناقة قسمة. و: مُحْتَضَرٌ معناه: محضور مشهود متواسى فيه، وقال مجاهد المعنى: كُلُّ شِرْبٍ أي من الماء يوما ومن لبن الناقة يوما مُحْتَضَرٌ لهم، فكأنه أنبأهم الله عليهم في ذلك. و: صاحِبَهُمْ هو قدار بن سالف، وبسببه سمي الجزار القدار لشبه في الفعل، قال الشاعر [عدي بن ربيعة] : [الكامل] إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدام وقد تقدم شرح أمر قدار بن سالف. و: «تعاطى» مطاوع عاطى، فكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وأعطاها بعضهم بعضا، فتعاطاها هو وتناول العقر بيده، قاله ابن عباس، ويقال للرجل الذي يدخل نفسه في تحمل الأمور الثقال متعاط على الوجه الذي ذكرناه، والأصل عطا يعطو، إذا تناول، ثم يقال: عاطى، وهو كما تقول: جرى وجارى وتجارى وهذا كثير، ويروى أنه كان مع شرب وهم التسعة الرهط، فاحتاجوا ماء فلم يجدوه بسبب ورد الناقة، فحمله أصحابه على عقرها. ويروى أن ملأ القبيل اجتمع على أن يعقرها، ورويت أسباب غير هذين، وقد تقدم ذلك. والصيحة: يروى أن جبريل ﵇ صاحها في طرف من منازلهم فتفتتوا وهمدوا فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ. والهشيم: ما تفتت وتهشم من الأشياء. وقرأ جمهور الناس: «كهشيم المحتظر» بكسر الظاء، ومعناه: الذي يصنع حظيرة من الرعاء ونحوهم قاله أبو إسحاق السبيعي والضحاك وابن زيد، وهي مأخوذة من الحظر وهو المنع، والعرب وأهل البوادي يصنعونها للمواشي وللسكنى أيضا من الأغصان والشجر المورق والقصب ونحوه، وهذا كله هشيم يتفتت إما في أول الصنعة، وإما عند بلى الحظيرة وتساقط أجزائها. وحكى الطبري عن ابن عباس وقتادة أن «المحتظر» معناه: المحترق. قال قتادة: كهشيم محرق. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء: «المحتظر» بفتح الظاء، ومعناه: الموضع الذي احتظر، فهو مفعل من الحظر، أو الشيء الذي احتظر به. وقد روي عن سعيد بن جبير أنه فسر: كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ بأن قال: هو التراب الذي سقط من الحائط البالي، وهذا متوجه، لأن الحائط حظيرة، والساقط هشيم. وقال أيضا هو وغيره: الْمُحْتَظِرِ، معناه: المحرق بالنار،

стр. 2466

كأنه ما في الموضع المحتظر بالنار، وما ذكرناه عن ابن عباس وقتادة هو على قراءة كسر الظاء، وفي هذا التأويل بعض البعد. وقال قوم: «المحتظر» بالفتح الهشيم نفسه وهو مفتعل، وهو كمسجد الجامع وشبهه. وقد تقدم قصص قوم لوط. والحاصب: السحاب الرامي بالبرد وغيره، وشبه تلك الحجارة التي رمى بها قوم لوط به بالكثرة والتوالي، وهو مأخوذ من الحصباء، كان السحاب يحصب مقصده، ومنه قول الفرزدق: [البسيط] مستقبلين شمال الشام تحصبهم ... بحاصب كنديف القطن منثور وقال ابن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأهل المدينة: مصروف، لأنه نكرة لم يرد به يوم بعينه. وقوله: نِعْمَةً نصب على المصدر، أي فعلنا ذلك إنعاما على القوم الذين نجيناهم، وهذا هو جزاؤنا لمن شكر نعمنا وآمن وأطاع. قوله : [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٣٦ الى ٤٤] وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) المعنى: ولقد أنذر لوط قومه أخذنا إياهم، و: بَطْشَتَنا بهم، أي عذابنا لهم. و: «تماروا» معناه: تشككوا وأهدى بعضهم الشك إلى بعض بتعاطيهم الشبه والضلال. و: «النذر» جمع نذير. وهو المصدر، ويحتمل أن يراد بِالنُّذُرِ هنا وفي قوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ [القمر: ٣٣] جمع نذير، الذي هو اسم الفاعل والضيف: يقع للواحد والجميع، وقد تقدم ذكر أضيافه وقصصهم مستوعبا. وقوله: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ قال قتادة: هي حقيقة، جر جبريل شيئا من جناحه على أعينهم فاستوت مع وجوههم. قال أبو عبيدة: مطموسة بجلد كالوجه. وقال ابن عباس والضحاك: هي استعارة وإنما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئا، فجعل ذلك كالطمس. وقوله تعالى: بُكْرَةً قيل: كان ذلك عند طلوع الفجر، وأدغم ابن محيصن الدال في الصاد من قوله: وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ والجمهور على غير الإدغام. بُكْرَةً نكرة، فلذلك صرفت. وقوله: فَذُوقُوا عَذابِي يحتمل أن يكون من قول الله تعالى لهم، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة، وَنُذُرِ جمع المصدر، أي وعاقبة نذري التي كذبتم بها، وقوله: مُسْتَقِرٌّ في صفة العذاب، لأنه لم يكشف عنهم كاشف، بل اتصل ذلك بموتهم، وهم مدة موتهم تحت الأرض معذبون بانتظار جهنم، ثم يتصل ذلك بعذاب النار، فهو أمر متصل مستقر، وكرر فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ تأكيدا وتوبيخا، وروى ورش عن نافع: «نذري» بياء.

стр. 2467

وآلَ فِرْعَوْنَ: قومه وأتباعه ومنه قول الشاعر [أراكة الثقفي] : [الطويل] فلا تبك ميتا بعد ميت أجنه ... علي وعباس وآل أبي بكر يريد: المسلمين في مواراة النبي ﵇، ويحتمل أن يريد ب آلَ فِرْعَوْنَ: قرابته على عرف الآن، وخصصهم بالذكر، لأنهم عمدة القوم وكبراؤهم. وقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا يحتمل أن يريد آلَ فِرْعَوْنَ المذكورين. و: (أخذناهم) كذلك يريدهم بالضمير، لأن ذلك الإغراق الذي كان في البحر، كان بالعزة والقدرة، ويكون قوله: بِآياتِنا يريد بها: التسع، ثم أكد بكلها، ويحتمل أن يكون قوله: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كلاما تاما، ثم يكون قوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعود الضمير في كُلِّها على جميع من ذكر من الأمم المذكورة. وقوله تعالى: أَكُفَّارُكُمْ الآية خطاب لقريش، وفهم على جهة التوبيخ. أثم خصلة من المال أو قوة أبدان وبسطة أو عقول أو غير ذلك ممنا يقتضي أنكم خير من هؤلاء المعذبين لما كذبوا، فيرجى لكم بذلك الفضل النجاء من العذاب حين كذبتم رسولكم؟ أَمْ لَكُمْ في كتب الله المنزلة بَراءَةٌ من العذاب؟ قاله الضحاك وابن زيد وعكرمة، ثم قال تعالى لمحمد ﷺ : أَمْ يَقُولُونَ نحن واثقون بجماعتنا منتصرون بقوتنا على جهة الإعجاب والتعاطي؟ سيهزمون، فلا ينفع جمعهم. وقرأ أبو حيوة «أم تقولون» بالتاء من فوق. قوله : [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٤٥ الى ٥٥] سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) هذه عدة من الله تعالى لرسوله أن جمع قريش سيهزم نصرة له، والجمهور على أن الآية مكية، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: كنت أقول في نفسي أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثبت في الدرع ويقول سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. قال القاضي أبو محمد: فإنما كان رسول الله ﷺ في بدر مستشهدا بالآية. وقال قوم: إن الآية نزلت يوم بدر. وقال أبو حاتم: وقرأ بعض القراء: «سيهزم» بفتح الياء وكسر الزاي «الجمع» نصبا، قال أبو عمرو الداني قرأ أبو حيوة: «سنهزم» بالنون وكسر الزاي «الجمع» نصبا. «وتولون» بالتاء من فوق، ثم تركت هذه

стр. 2468

الأقوال، وأضرب عنها تهمما بأمر الساعة التي عذابها أشد عليهم من كل هزيمة وقتل فقال: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ. و: أَدْهى أفعل من الداهية: وهي الرزية العظمى تنزل بالمرء. وَأَمَرُّ من المرارة، واللفظة ليست هنا مستعارة، لأنها ليست فيما يذاق. ثم أخبر تعالى عن المجرمين أنهم في الدنيا في حيرة وإتلاف وفقد هدى وفي الآخرة في احتراق وتسعر من حيث هم صائرون إليه، قال ابن عباس المعنى: في خسران وجنون، والسعر الجنون. وأكثر المفسرين على أن الْمُجْرِمِينَ هنا يراد بهم الكفار. وقال قوم المراد ب الْمُجْرِمِينَ: القدرية الذين يقولون إن أفعال العباد ليست بقدر من الله، وهم المتوعدون بالسحب في جهنم، والسحب: الجر. وفي قراءة ابن مسعود: «إلى النار» . وقوله تعالى: ذُوقُوا مَسَّ استعارات، والمعنى: يقال لهم على جهة التوبيخ. واختلف الناس في قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، فقرأ جمهور الناس: «إنا كلّ» بالنصب، والمعنى: خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، وليست خَلَقْناهُ في موضع الصفة لشيء، بل هو فعل دال على الفعل المضمر، وهذا المعنى يقتضي أن كل شيء مخلوق، إلا ما قام دليل العقل على أنه ليس بمخلوق كالقرآن والصفات. وقرأ أبو السمال ورجحه أبو الفتح: «إنا كلّ» بالرفع على الابتداء، والخبر: خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ. قال أبو حاتم: هذا هو الوجه في العربية، وقراءتنا بالنصب مع جماعة، وقرأها قوم من أهل السنة بالرفع، والمعنى عندهم على نحو ما عند الأولى أن كل شيء فهو مخلوق بقدر سابق، و: خَلَقْناهُ على هذا ليست صفة لشيء، وهذا مذهب أهل السنة، ولهم احتجاج قوي بالآية على هذين القولين، وقالت القدرية وهم الذين يقولون: لا قدر، والمرء فاعل وحده أفعاله. القراءة «إنا كلّ شيء خلقناه» برفع «كلّ» : وخَلَقْناهُ في موضع الصفة ب «كلّ» ، أي أن أمرنا وشأننا كلّ شيء خلقناه فهو بقدر وعلى حد ما في هيئته وزمنه وغير ذلك، فيزيلون بهذا التأويل موضع الحجة عليهم بالآية. وقال ابن عباس: إني أجد في كتاب الله قوما يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لأنهم كانوا يكذبون بالقدر، ويقولون: المرء يخلق أفعاله، وإني لا أراهم، فلا أدري أشيء مضى قبلنا أم شيء بقي؟. وقال أبو هريرة: خاصمت قريش رسول الله في القدر فنزلت هذه الآية، قال أبو عبد الرحمن السلمي: فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنفه؟ أم في شيء قد فرغ منه؟ فقال رسول الله ﷺ : «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، سنيسره لليسرى وسنيسره للعسرى» ، وقال أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : «القدرية يقولون الخير والشر بأيدينا، ليس لهم في شفاعتي نصيب ولا أنا منهم ولا هم مني» . وقوله: إِلَّا واحِدَةٌ، أي: إلا قولة واحدة وهي: كن. وقوله: كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ تفهيم للناس بأعجل ما يحسون وفي أشياء أمر الله تعالى أوحى من لمح البصر. والأشياع: الفرق المتشابهة في مذهب ودين، ونحوه الأول شيعة للآخر، الآخر شيعة للأول.

стр. 2469

ثم أخبر تعالى أن كل أفعال الأمم المهلكة مكتوب محفوظ عليهم إلى يوم الحساب، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد. و: مُسْتَطَرٌ مفتعل من السطر، تقول سطرت واستطرت بمعنى، وروي عن عاصم شد الراء في «مستطرّ» ، قال أبو عمرو: وهذا لا يكون إلا عند الوقف لغة معروفة. وقرأ جمهور الناس: «ونهر» بفتح الهاء والنون، على أنه اسم الجنس، يريد به الأنهار، أو على أنه بمعنى: وسعة في الأرزاق والمنازل، ومنه قول قيس بن الخطيم: [الطويل] ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها فقوله: «أنهرت» معناه: جعلت فتقها كنهر. وقرأ زهير الفرقبي والأعمش: «ونهر» بضم النون والهاء، على أنه جمع نهار، إذ لا ليل في الجنة، وهذا سائغ في اللفظ قلق في المعنى، ويحتمل أن يكون جمع نهر. وقرأ مجاهد وحميد وأبو السمال والفياض بن غزوان: «نهر» ساكنة الهاء على الإفراد. وقوله تعالى: مَقْعَدِ صِدْقٍ يحتمل أن يريد به الصدق الذي هو ضد الكذب، أي في المقعد الذي صدقوا في الخبر به، ويحتمل أن يكون من قولك: عود صدق، أي جيد، ورجل صدق، أي خبر وخلال حسان. وقرأ جمهور الناس: «في مقعد» على اسم الجنس. وقرأ عثمان البتي: «في مقاعد» على الجمع. والمليك المقتدر: الله تعالى.

стр. 2470

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الرّحمن وهي مكية فيما قال الجمهور من الصحابة والتابعين. وقال نافع بن أبي نعيم وعطاء وقتادة وكريب وعطاء الخراساني عن ابن عباس: هي مدنية، نزلت عند إباية سهيل بن عمرو وغيره أن يكتب في الصلح بسم الله الرحمن الرحيم، والأول أصح، وإنما نزلت حين قالت قريش بمكة: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ وفي السيرة أن ابن مسعود جهر بقراءتها في المسجد حتى قامت إليه أندية قريش فضربوه، وذلك قبل الهجرة. قوله : [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١ الى ١٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) الرَّحْمنُ بناء مبالغة من الرحمة، وهو اسم اختص الله تعالى بالاتصاف به، وحكى ابن فورك عن قوم أنهم يجعلون الرَّحْمنُ آية تامة، كأن التقدير: الرَّحْمنُ ربنا، قاله الرماني أو أن التقدير: الله الرَّحْمنُ. وقال الجمهور إنما الآية: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ فهو جزء آية. وقوله: عَلَّمَ الْقُرْآنَ تعديد نعمة أي هو من به وعلمه الناس، وخص حفاظه وفهمته بالفضل. قال رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» . ومن الدليل على أن القرآن غير مخلوق: أن الله تعالى ذكر الْقُرْآنَ في كتابه في أربعة وخمسين موضعا ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق ولا أشار إليه، وذكر الْإِنْسانَ على الثلث من ذلك في ثمانية عشر موضعا، كلها نصت على خلقه، وقد اقترن ذكرهما في هذه السورة على هذا النحو، و: «الإنسان» اسم الجنس، حكاه الزهراوي وغيره. و: الْبَيانَ النطق والفهم والإبانة عن ذلك بقول قاله ابن زيد والجمهور، وذلك هو الذي فضل الإنسان من سائر الحيوان، وقال قتادة: هو بيان الحلال والحرام والشرائع، وهذا جزء من «البيان» العام، وقال قتادة: الْإِنْسانَ آدم. وقال ابن كيسان: الْإِنْسانَ: محمد ﷺ .

стр. 2471

قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص لا دليل عليه، وكل المعلومات داخلة في البيان الذي علمه الإنسان، فكأنه قال من ذلك البيان وفيه معتبر كون الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ فحذف هذا كله، ورفع الشَّمْسُ بالابتداء، وهذا ابتداء تعديد نعم. واختلف الناس في قوله: بِحُسْبانٍ فقال مكي والزهراوي عن قتادة: هو مصدر كالحساب في المعنى وكالغفران والطغيان في الوزن. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى والضحاك: هو جمع حساب، كشهاب وشهبان، والمعنى أن هذين لهما في طلوعهما وغروبهما وقطعهما البروج وغير ذلك حسابات شتى، وهذا مذهب ابن عباس وأبي مالك وقتادة. وقال ابن زيد لولا الليل والنهار لم يدر أحد كيف يحسب شيئا، يريد من مقادير الزمان. وقال مجاهد: «الحسبان» الفلك المستدير، شبه بحسبان الرحى، وهو العود المستدير الذي باستدارته تدور المطحنة. وقوله: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ قال ابن عباس والسدي وسفيان: النَّجْمُ. النبات الذي لا ساق له، وسمي نجما لأنه نجم، أي ظهر وطلع، وهو مناسب للشجر نسبة بينة. وقال مجاهد وقتادة والحسن: النَّجْمُ اسم الجنس من نجوم السماء، والنسبة التي لها من السماء هي التي للشجر من الأرض، لأنها في ظاهرهما. وسمي الشَّجَرُ من اشتجار غصونه وهو تداخلها. واختلف الناس في هذا السجود، فقال مجاهد: ذلك في النجم بالغروب ونحوه، وفي الشجر بالظل واستدارته، وكذلك في النجم على القول الآخر. وقال مجاهد أيضا ما معناه: أن السجود في هذا كله تجوز، وهو عبارة عن الخضوع والتذلل، ونحوه قول الشاعر [زيد الخيل] : [الطويل] ترى الأكم فيها سجدا للحوافر وقال: يَسْجُدانِ وهما جمعان، لأنه راعى اللفظ، إذ هو مفرد اسم للنوع وهذا كقول الشاعر [عمير بن شييم القطامي] : [الوافر] ألم يحزنك أن حبال قومي ... وقومك قد تباينتا انقطاعا وقرأ الجمهور: «والسماء رفعها» بالنصب عطفا على الجملة الصغيرة وهي يَسْجُدانِ لأن هذه الجملة من فعل وفاعل وهذه كذلك. وقرأ أبو السمال: «والسماء» بالرفع عطفا على الجملة الكبيرة وهي قوله: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ لأن هذه الجملة من ابتداء وخبر، والأخرى كذلك. وفي مصحف ابن مسعود: «وخفض الميزان» . ومعنى: وَضَعَ أقر وأثبت، والْمِيزانَ: العدل فيما قال الطبري ومجاهد وأكثر الناس. وقال ابن عباس والحسن وقتادة: إنه الميزان المعروف. قال القاضي أبو محمد: والميزان المعروف جزء من «الميزان» الذي يعبر به عن العدل. ويظهر عندي أن قوله: وَضَعَ الْمِيزانَ يريد به العدل. وقوله: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وقوله: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ وقوله: وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ يريد به الميزان المعروف، وكل ما قيل محتمل سائغ.

стр. 2472

وقوله: أَلَّا تَطْغَوْا نهي عن التعمد الذي هو طغيان بالميزان. وأما ما لا يقدر البشر عليه من التحرير بالميزان فذلك موضوع عن الناس. «وأن لا» هو بتقدير لئلا، أو مفعول من أجله. و: تَطْغَوْا نصب، ويحتمل أن تكون «أن» مفسرة، فيكون تَطْغَوْا جزما بالنهي، وفي مصحف ابن مسعود: «لا تطغوا في الميزان» بغير أن. وقرأ جمهور الناس: «ولا تخسروا» من أخسر، أي نقص وأفسد، وقال بلال بن أبي بردة «تخسروا» بفتح التاء وكسر السين من خسر، ويقال خسر وأخسر بمعنى: نقص وأفسد، كجبر وأجبر. وقرأ بلال أيضا فيما حكى ابن جني: «تخسروا» ، بفتح التاء والسين من خسر: بكسر السين. واختلف الناس في: «الأنام» فقال ابن عباس فيما روي عنه هم بنو آدم فقط. وقال الحسن بن أبي الحسن: هم الثقلان: الجن والإنس. وقال ابن عباس أيضا وقتادة وابن زيد والشعبي: هم الحيوان كله. والْأَكْمامِ في النَّخْلُ موجودة في الموضعين، فجملة فروع النخلة في أكمام من ليفها، وطلع النخل في كم من جفه. وقال قتادة: أكمام النخيل رقابها. والكم من النبات: كل ما التف شيء وستره، ومنه كمائم الزهر وبه شبه كم الثوب. وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ هو البر والشعير وما جرى مجراه من الحب الذي له سنبل وأوراق متشعبة على ساقه وهي العصيفة إذا يبست، ومنه قول علقمة بن عبدة: [البسيط] تسقى مذانب قد مالت عصيفتها ... حدورها من أتيّ الماء مطموم قال ابن عباس الْعَصْفِ التبن، وتقول العرب: خرجنا نتعصف، أي يستعجلون عصيفة الزرع. وقرأ ابن عامر وأبو البرهسم: «والحبّ» بالنصب عطفا على الْأَرْضَ «ذا العصف والريحان» إلا أن البرهسم خفض النون. واختلفوا في الرَّيْحانُ، فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك معناه: الرزق، ومنه قول الشاعر وهو النمر بن تولب: [المتقارب] سلام الإله وريحانه ... وجنته وسماء درر وقال الحسن: هو ريحانكم هذا. وقال ابن جبير: هو كل ما قام على ساق، وقال ابن زيد وقتادة: الرَّيْحانُ هو كل مشموم طيب الريح من النبات. وفي هذا النوع نعمة عظيمة. ففيه الأزهار والمندل والعقاقير وغير ذلك. وقال الفراء: الْعَصْفِ فيما يؤكل، والرَّيْحانُ كل ما لا يؤكل. وقرأ جمهور الناس: «والحبّ» بالرفع «ذو العصف والريحان» وهذه قراءة في المعنى كالأولى في الإعراب حسنة الاتساق عطفا على فاكِهَةٌ. وقرأ حمزة والكسائي وابن محيصن: «والحبّ» بالرفع «ذو العصف والريحان» بخفض «الريحان» عطفا على الْعَصْفِ، كأن الحب هما له على أن الْعَصْفِ منه الورق. وكل ما يعصف باليد وبالريح فهو رزق البهائم، وَالرَّيْحانُ منه الحب فهو رزق الناس، «والريحان» على هذه القراءة: الرزق: لا يدخل فيه المشموم بتكلف. وَالرَّيْحانُ هو من ذوات الواو. قال أبو علي: إما أن يكون ريحان اسما ووضع موضع المصدر،

стр. 2473

وإما أن يكون مصدرا على وزن فعلان، كالليان وما جرى مجراه أصله: روحان، أبدلت الواو ياء كما بدلوا الواو ياء في أشاوى وإما أن يكون مصدرا شاذا في المعتل كما شذ كينونة وبينونة، فأصله ريوحان، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فجاء ريحان، فخفف كما قالوا ميت وميت وهين وهين. والآلاء: النعم، واحدها إلى مثل معى وألى مثل قفا، حكى هذين أبو عبيدة، وألي مثل أمر وإلي مثل حصن، حكى هذين الزهراوي. والضمير في قوله: رَبِّكُما للجن والإنس، وساغ ذلك ولم يصرح لهما بذكر على أحد وجهين إما أنهما قد ذكرا في قوله: لِلْأَنامِ على ما تقدم من أن المراد به الثقلان، وإما على أن أمرهما مفسر في قوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ [الرحمن: ١٤] وَخَلَقَ الْجَانَّ [الرحمن: ١٥] فساغ تقديمهما في الضمير اتساعا. وقال الطبري: يحتمل أن يقال هذا من باب ألقيا في جهنم ويا غلام اضربا عنقه. وقال منذر بن سعيد خوطب من يعقل لأن المخاطبة بالقرآن كله هي للإنس والجن، ويروى أن هذه الآية لما قرأها النبي ﷺ سكت أصحابه فقال: «إن جواب الجن خير من سكوتكم، أي لما قرأتها على الجن قالوا: لا، بأيها نكذب يا ربنا» . قوله : [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٤ الى ١٨] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) قال كثير من المفسرين: الْإِنْسانَ آدم. وقال آخرون: أراد اسم الجنس، وساغ ذلك من حيث أبوهم مخلوق من الصلصال. واختلف الناس في اشتقاق الصلصال، فقال مكي فيما حكى النقاش: هو من صلّ اللحم وغيره إذا نتن، فهي إشارة إلى الحمأة. وقال الطبري وجمهور المفسرين: هو من صلّ إذا صوت، وذلك في الطين لكرمه وجودته، فهي إشارة إلى ما كان من تربة آدم من الطين الحر، وذلك أن الله تعالى خلقه من طيب وخبيث ومختلف اللون، فمرة ذكر في خلقه هذا، ومرة هذا، وكل ما في القرآن في ذلك صفات ترددت على التراب الذي خلق منه. و «الفخار» : الطين الطيب إذا مسه الماء فخر أي ربا وعظم. و: الْجَانَّ اسم جنس، كالجنة. و: «المارج» اللهب المضطرب من النار. قال ابن عباس: وهو أحسن النار المختلط من ألوان شتى. وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عمر: «كيف بك إذا كنت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأمانتهم» . وكرر قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ تأكيدا أو تنبيها لنفوس وتحريكا لها، وهذه طريقة من الفصاحة معروفة، وهي من كتاب الله في مواضع، وفي حديث النبي ﷺ ، وفي كلام العرب وذهب قوم منهم ابن قتيبة وغيره إلى أن هذا التكرار إنما هو لما اختلفت النعم المذكورة كرر التوقيف مع كل واحدة منها، وهذا حسن. قال الحسين بن الفضل: التكرار لطرد الغفلة ولا تأكيد.

стр. 2474

وخص ذكر الْمَشْرِقَيْنِ والْمَغْرِبَيْنِ بالتشريف في إضافة الرب إليهما لعظمهما في المخلوقات وأنهما طرفا آية عظيمة وعبرة وهي الشمس وجريها. وحكى النقاش أن الْمَشْرِقَيْنِ مشرقا الشمس والقمر، والْمَغْرِبَيْنِ كذلك على ما في ذلك من العبر، وكل متجه، ومتى وقع ذكر المشرق والمغرب فهي إشارة إلى الناحيتين بجملتهما، ومتى وقع ذكر المشارق والمغارب فهي إشارة إلى تفصيل مشرق كل يوم ومغربه، ومتى ذكر المشرقان والمغربان، فهي إشارة إلى نهايتي المشارق والمغارب، لأن ذكر نهايتي الشيء ذكر لجميعه. قال مجاهد: هو مشرق الصيف ومغربه، ومشرق الشتاء ومغربه. قوله : [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٩ الى ٢٨] مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ معناه: أرسلهما إرسالا غير منحاز بعضهما من بعض، ومنه مرجت الدابة، ومنه الأمر المريج، أي المختلط الذي لم يتحصل منه شيء، ومنه من مارِجٍ مِنْ نارٍ [الرحمن: ١٥] . واختلف الناس في الْبَحْرَيْنِ فقال الحسن وقتادة: بحر فارس وبحر الروم. وقال الحسن أيضا: بحر القلزم واليمن وبحر الشام. وقال ابن عباس وابن جبير: هو بحر في السماء وبحر في الأرض. وقال ابن عباس أيضا هو مطر السماء سماه بحرا وبحر الأرض. والظاهر عندي أن قوله تعالى: الْبَحْرَيْنِ يريد بهما نوعي الماء العذب. والأجاج: أي خلطهما في الأرض وأرسلهما متداخلين في وضعهما في الأرض قريب بعضهما من بعض ولا بغي، والعبرة في هذا التأويل منيرة، وأنشد منذر بن سعيد: [الطويل] وممزوجة الأمواه لا العذب غالب ... على الملح طيبا لا ولا الملح يعذب أما قوله: يَلْتَقِيانِ فعلى التأويلين الأولين معناه: هما معدان للالتقاء، وحقهما أن يلتقيا لولا البرزخ، وعلى القول الثالث روي أنهما يلتقيان كل سنة مرة، فمن ذهب إلى أنه بحر يجتمع في السماء فهو قول ضعيف وإنما يتوجه الالتقاء فيه. وفي القول الرابع بنزول المطر، وفي القول الخامس بالأنهار في البحر وبالعيون قرب البحر. والبرزخ: الحاجز في كل شيء، فهو في بعض هذه الأقوال أجرام الأرض، قاله قتادة. وفي بعضها القدرة والبرزخ أيضا: المدة التي بين الدنيا والآخرة للموتى، فهي حاجز، وقد قال بعض الناس: إن ماء الأنهار لا يختلط بالماء الملح، بل هو بذاته باق فيه، وهذا يحتاج إلى دليل أو حديث صحيح، وإلا فالعيان لا يقتضيه. وذكر الثعلبي في: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ألغازا وأقوالا باطنة لا يجب أن يلتفت إلى شيء منها. واختلف الناس في قوله: لا يَبْغِيانِ فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة معناه: لا يبغي واحد منهما

стр. 2475

على الآخر. وقال قتادة أيضا والحسن: لا يَبْغِيانِ على الناس والعمران. وهذان القولان على أن اللفظة من البغي. وقال بعض المتأولين هي من قولك: بغي إذا طلب، فمعناه: لا يَبْغِيانِ حالا غير حالهما التي خلقا وسخرا لها. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: اللُّؤْلُؤُ: كبار الجوهر وَالْمَرْجانُ: صغاره. وقال ابن عباس أيضا ومرة الهمداني عكس هذا، والوصف بالصغر وهو الصواب في اللُّؤْلُؤُ. وقال ابن مسعود وغيره الْمَرْجانُ: حجر أحمر، وهذا هو الصواب في الْمَرْجانُ. واللُّؤْلُؤُ: بناء غريب لا يحفظ منه في كلام العرب أكثر من خمسة: اللؤلؤ والجؤجؤ والدؤدؤ واليؤيؤ وهو طائر، والبؤبؤ وهو الأصل. واختلف الناس في قوله: مِنْهُمَا فقال أبو الحسن الأخفش في كتابه الحجة، وزعم قوم أنه قد ينفرج اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ من الملح ومن العذب. قال القاضي أبو محمد: ورد الناس على هذا القول، لأن الحس يخالفه ولا يخرج ذلك إلا من الملح وقد رد الناس على الشاعر في قوله: [الطويل] فجاء بها ما شيت من لطمية ... على وجهها ماء الفرات يموج وقال جمهور من المتأولين: إنما يخرج ذلك من الأجاج في المواضع التي تقع فيها الأنهار والمياه العذبة، فلذلك قال: مِنْهُمَا وهذا مشهور عند الغواصين. وقال ابن عباس وعكرمة: إنما تتكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، لأن الصدف وغيرها تفتح أجوافها للمطر، فلذلك قال: مِنْهُمَا وقال أبو عبيدة ما معناه: إن خروج هذه الأشياء إنما هي من الملح، لكنه قال: مِنْهُمَا تجوزا كما قال الشاعر [عبد الله بن الزبعرى] : [مجزوء الكامل مرفّل] متقلدا سيفا ورمحا وكما قال الآخر: علفتها تبنا وماء باردا. فمن حيث هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما وإن كانت تختص عند التفصيل المبالغ بأحدهما، وهذا كما قال تعالى: سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ [نوح: ١٥- ١٦] ، وإنما هو في إحداهن وهي الدنيا إلى الأرض. قال الرماني: العذب فيهما كاللقاح للملح فهو كما يقال: الولد يخرج من الذكر والأنثى. وقرأ نافع وأبو عمرو وأهل المدينة: «يخرج» بضم الياء وفتح الراء. «اللؤلؤ» رفعا. وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: «يخرج» بفتح الياء وضم الراء على بناء الفعل للفاعل، وهي قراءة الحسن وأبي جعفر. وقرأ أبو عمرو في رواية حسين الجعفي عنه: «يخرج» بضم الياء وكسر الراء على إسناده إلى الله تعالى، أي بتمكينه وقدرته، «اللؤلؤ» نصبا، ورواها أيضا عنه بالنون مضمومة وكسر الراء. و: الْجَوارِ جمع جارية، وهي السفن. وقرأ الحسن والنخعي بإثبات الياء. وقرأ الجمهور وأبو جعفر وشيبة بحذفها. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: «المنشآت» بفتح الشين أي أنشأها الله والناس.

стр. 2476

وقرأ حمزة وأبو بكر بخلاف: «المنشئات» بكسر الشين، أي تنشئ هي السير إقبالا وإدبارا، و «الأعلام» الجبال وما جرى مجراها من الظراب والآكام. وقال مجاهد: ما له شراع فهو من الْمُنْشَآتُ، وما لم برفع له شراع فليس من الْمُنْشَآتُ وقوله: كَالْأَعْلامِ هو الذي يقتضي هذا الفرق، وأما لفظة الْمُنْشَآتُ فيعم الكبير والصغير، والضمير في قوله كُلُّ مَنْ عَلَيْها للأرض، وكنى عنها، ولم يتقدم لها ذكر لوضوح المعنى كما قال تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] إلى غير ذلك من الشواهد، والإشارة بالفناء إلى جميع الموجودات على الأرض من حيوان وغيره، فغلب عبارة من يعقل، فلذلك قال: مَنْ. والوجه عبارة عن الذات. لأن الجارحة منفية في حق الله تعالى: وهذا كما تقول: هذا وجه القول والأمر، أي حقيقته وذاته. وقرأ جمهور الناس: «ذو الجلال» على صفة لفظة الوجه. وقرأ عبد الله بن مسعود وأبيّ: «ذي الجلال» على صفات الرب. قوله : [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٢٩ الى ٣٦] يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) قوله: يَسْئَلُهُ يحتمل أن يكون في موضع الحال من الوجه، والعامل فيه يَبْقى [الرحمن: ٢٧] أي هو دائم في هذه الحال، ويحتمل أن يكون فعلا مستأنفا إخبارا مجردا. والمعنى أن كل مخلوق من الأشياء فهو في قوامه وتماسكه ورزقه إن كان مما يرزق بحال حاجة إلى الله تعالى، فمن كان يسأل بنطق فالأمر فيه بين، ومن كان من غير ذلك فحاله تقتضي السؤال، فأسند فعل السؤال إليه. وقوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي يظهر شأن من قدرته التي قد سبقت في الأزل في ميقاته من الزمن من إحياء وإماتة ورفعة وخفض، وغير ذلك من الأمور التي لا يعلم نهايتها إلا هو تعالى. والشأن: اسم جنس للأمور. قال الحسين بن الفضل: معنى الآية، سوق المقادير إلى المواقيت. وورد في بعض الأحاديث، «إن الله تعالى له كل يوم في اللوح المحفوظ ثلاثمائة وستون نظرة، يعز فيها ويذل، ويحيي ويميت، ويغني ويعدم إلى غير ذلك من الأشياء، لا إله إلا هو» . وفي الحديث أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية فقيل له ما هذا الشأن يا رسول الله؟ قال: يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع ويضع. وذكر النقاش أن سبب هذه الآية قول اليهود: إن الله استراح يوم السبت، فلا ينفذ فيه شيئا. وقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ عبارة عن إتيان الوقت الذي قدر فيه وقضى أن ينظر في أمور عباده وذلك يوم القيامة، وليس المعنى: أن ثم شغلا يتفرغ منه، وإنما هي إشارة وعيد، وقد قال رسول الله ﷺ : «لأزب العقبة لأفرغن لك يا خبيث» والتفرغ من كل آدمي حقيقة.

стр. 2477

وفي قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ جرى على استعمال العرب، ويحتمل أن يكون التوعد بعذاب في الدنيا والأول أبين. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر: «سنفرغ» بضم الراء وبالنون. وقرأ الأعرج وقتادة: ذلك بفتح الراء والنون، ورويت عن عاصم، ويقال فرغ بفتح الراء وفرغ بكسرها. ويصح منهما جميعا أن يقال يفرغ بفتح الراء وقرأ عيسى بفتح النون وكسر الراء. وقال أبو حاتم: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: بالياء المفتوحة، قرأ حمزة والكسائي: بضم الراء. وقرأ أبو عمرو: بفتحها. وقرأ الأعمش بخلاف، وأبو حيوة: «سيفرغ» بضم الياء وفتح الراء وبناء الفعل للمفعول. وقرأ عيسى بن عمر أيضا: «سنفرغ» ، بفتح النون وكسر الراء. وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «سنفرغ لكم أيها» . والثَّقَلانِ الإنس والجن، ويقال لكل ما يعظم أمره ثقل، ومنه: أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ٢] . وقال النبي ﵇: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» . ويقال لبيض النعام ثقل. وقال لبيد: [الكامل] فتذكرا ثقلا رئيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر وقال جعفر بن محمد الصادق ﵁: سمي الإنس والجن ثقلين، لأنهما ثقلا بالذنوب وهذا بارع ينظر إلى خلقهما من طين ونار. وقرأ ابن عامر: «أيّه الثقلان» بضم الهاء. واختلف الناس في معنى قوله: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا الآية، فقال الطبري، قال قوم: في الكلام محذوف وتقديره: يقال لكم يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، قالوا وهذه حكاية عن حال يوم القيامة في يَوْمَ التَّنادِ [غافر: ٣٢] على قراءة من شدد الدال. قال الضحاك: وذلك أنه يفر الناس في أقطار الأرض، والجن كذلك، لما يرون من هول يوم القيامة، فيجدون سبعة صفوف من الملائكة قد أحاطت بالأرض، فيرجعون من حيث جاؤوا، فحينئذ يقال لهم: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. وقال بعض المفسرين: بل هي مخاطبة في الدنيا. والمعنى: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ الفرار من الموت ب أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وقال ابن عباس المعنى: إن استطعتم بأذهانكم وفكركم أن تنفذوا فتعلموا علم أقطار السماوات والأرض. والأقطار: الجهات. وقوله: فَانْفُذُوا صيغة الأمر ومعناه التعجيز، والسلطان هنا القوة على غرض الإنسان، ولا يستعمل إلا في الأعظم من الأمر والحجج أبدا من القوي في الأمور، ولذلك يعبر كثير من المفسرين عن السلطان بأنه الحجة. وقال قتادة: السلطان هنا الملك، وليس لهم ملك، والشواظ: لهب النار. قاله ابن عباس وغيره. وقال أبو عمرو بن العلاء: لا يكون الشواظ إلا من النار وشيء معها، وكذلك النار كلها لا تحس إلا وشيء معها. وقال مجاهد: الشواظ، هو اللهب الأخضر المتقطع، ويؤيد هذا القول. قول حسان بن ثابت يهجو أمية بن أبي الصلت: هجوتك فاختضعت حليفا ذل ... بقافية تؤجج كالشواظ

стр. 2478

وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من اللهب وليس بدخان الحطب. وقرأ الجمهور: «شواظ» بضم الشين. وقرأ ابن كثير وحده وشبل وعيسى: «شواظ» بكسر الشين وهما لغتان. وقال ابن عباس وابن جبير: النحاس الدخان، ومنه قول الأعشى: [المتقارب] تضيء كضوء سراج السليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا السليط دهن السراج. في النسخ التي بأيدينا دهن الشيرج. وقرأ جمهور القراء: «ونحاس» بالرفع عطفا على شُواظٌ، فمن قال إن النحاس: هو المعروف، وهو قول مجاهد وابن عباس أيضا قال يرسل عليهما نحاس: أي يذاب ويرسل عليهما. ومن قال هو الدخان، قال ويعذبون بدخان يرسل عليهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والنخعي وابن أبي إسحاق: «ونحاس» بالخفض عطفا على نارٍ، وهذا مستقيم على ما حكيناه عن أبي عمرو بن العلاء. ومن رأى الشواظ يختص بالنار قدر هنا: وشيء من نحاس. وحكى أبو حاتم عن مجاهد أنه قرأ: «ونحاس» بكسر النون والجر. وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه قرأ: «ونحسّ» بفتح النون وضم الحاء والسين المشددة، كأنه يقول: ونقتل بالعذاب. وعن أبي جندب أنه قرأ: «ونحس» ، كما تقول: يوم نحس، وحكى أبو عمرو مثل قراءة مجاهد عن طلحة بن مصرف، وذلك لغة في نحاس، وقيل هو جمع نحس. ومعنى الآية: مستمر في تعجيز الجن والإنس، أي أنتما بحال من يرسل عليه هذا فلا ينتصر. قوله : [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٣٧ الى ٤٥] فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥) جواب «إذا» محذوف مقصود به الإبهام، كأنه يقول: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فما أعظم الهول، وانشقاق السماء انفطارها عند القيامة. وقال قتادة: السماء اليوم خضراء وهي يوم القيامة حمراء، فمعنى قوله: وَرْدَةً أي محمرة كالوردة وهي النوار المعروف. وهذا قول الزجاج والرماني. وقال ابن عباس وأبو صالح والضحاك: هي من لون الفرس الورد، فأنث لكون السَّماءُ مؤنثة. واختلف الناس في قوله: كَالدِّهانِ فقال مجاهد والضحاك: هو جمع دهن، قالوا وذلك أن السماء يعتريها يوم القيامة ذوب وتميع من شدة الهول. وقال بعضهم: شبه لمعانها بلمعان الدهن. وقال جماعة من المتأولين الدهان: الجلد الأحمر، وبه شبهها، وأنشد منذر بن سعيد: [الطويل]

стр. 2479

يبعن الدهان الحمر كل عشية ... بموسم بدر أو بسوق عكاظ وقوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ نفي للسؤال. وفي القرآن آيات تقتضي أن في القيامة سؤالا، وآيات تقتضي نفيه كهذه وغيرها، فقال بعض الناس ذلك في مواطن دون مواطن، وهو قول قتادة وعكرمة. وقال ابن عباس وهو الأظهر في ذلك أن السؤال متى أثبت فهو بمعنى التوبيخ والتقرير، ومتى نفي فهو بمعنى الاستخبار المحض والاستعلام، لأن الله تعالى عليم بكل شيء. وقال الحسن ومجاهد: لا يسأل الملائكة عنهم، لأنهم يعرفونهم بالسيما، والسيما التي يعرف بها الْمُجْرِمُونَ هي سواد الوجوه وزرق العيون في الكفرة، قاله الحسن. ويحتمل أن يكون غير هذا من التشويهات. واختلف المتأولون في قوله تعالى: فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ. فقال ابن عباس: يؤخذ كل كافر بناصيته وقدميه فيطوى ويجمع كالحطب ويلقى كذلك في النار. وقال النقاش: روي أن هذا الطي على ناحية الصلب قعسا وقاله الضحاك. وقال آخرون: بل على ناحية الوجه، قالوا فهذا معنى: فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ. وقال قوم في كتاب الثعلبي: إنما يسحب الكفرة سحبا، فبعضهم يجر بقدميه، وبعضهم بناصيته، فأخبر في هذه الآية أن الأخذ يكون بِالنَّواصِي ويكون ب الْأَقْدامِ. وقوله: هذِهِ جَهَنَّمُ قبله محذوف تقديره: يقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ وفي مصحف ابن مسعود: «هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان تصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان» . وقرأ جمهور الناس: «يطوفون» بفتح الياء وضم الطاء وسكون الواو. وقرأ طلحة بن مصرف: «يطوّفون» بضم الياء وفتح الطاء وشد الواو. وقرأ أبو عبد الرحمن: «يطافون» ، وهي قراءة علي بن أبي طالب. والمعنى في هذا كله أنهم يترددون بين نار جهنم وجمرها وَبَيْنَ حَمِيمٍ وهو ما غلي في جهنم من مائع عذابها. والحميم: الماء السخن. وقال قتادة: إن العذاب الذي هو الحميم يغلي منذ خلق الله جهنم. وأنى الشيء: حضر، وأنى اللحم أو ما يطبخ أو يغلى: نضج وتناهى حره والمراد منه. ويحتمل قوله: آنٍ أن يكون من هذا ومن هذا. وكونه من الثاني أبين، ومنه قوله تعالى: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الأحزاب: ٥٣] ومن المعنى الآخر قول الشاعر [عمرو بن حسان الشيباني] : [الوافر] أنى ولكل حاملة تمام ويشبه أن يكون الأمر في المعنيين قريبا بعضه من بعض، والأول أعم من الثاني. قوله : [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٤٦ الى ٥٧] وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧)

стр. 2480

«من» في قوله تعالى: وَلِمَنْ يحتمل أن تقع على جميع المتصفين بالخوف الزاجر عن معاصي الله تعالى، ويحتمل أن تقع لواحد منهم وبحسب هذا قال بعض الناس في هذه الآية: إن كل خائف له جَنَّتانِ. وقال بعضهم: جميع الخائفين لهم جَنَّتانِ. والمقام هو وقوف العبد بين يدي ربه يفسره: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [المطففين: ٦] وأضاف المقام إلى الله من حيث هو بين يديه. قال الثعلبي وقيل: مَقامَ رَبِّهِ قيامه على العبد، بيانه: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] وحكى الزهراوي هذا المعنى عن مجاهد. وفي هذه الإضافة تنبيه على صعوبة الموقف وتحريض على الخوف الذي هو أسرع المطايا إلى الله . وقال قوم: أراد جنة واحدة، وثنى على نحو قوله: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ [ق: ٢٤] وقول الحجاج: يا غلام اضربا عنقه. وقال أبو محمد: هذا ضعيف، لأن معنى التثنية متوجه فلا وجه للفرار إلى هذه الشاذة، ويؤيد التثنية قوله: ذَواتا أَفْنانٍ وهي تثنية ذات على الأصل. لأن أصل ذات: ذوات. والأفنان يحتمل أن يكون جمع فنن، وهو فنن الغصن، وهذا قول مجاهد، فكأنه مدحها بظلالها وتكائف أغصانها ويحتمل أن يكون جمع فن، وهو قول ابن عباس، فكأنه مدحها بكثرة أنواع فواكهها ونعيمها. و: زَوْجانِ معناه: نوعان. و: مُتَّكِئِينَ حال إما من محذوف تقديره يتنعمون مُتَّكِئِينَ. وإما من قوله: وَلِمَنْ خافَ. والاتكاء جلسة المتنعم المتمتع. وقرأ جمهور الناس: «فرش» بضم الراء. وقرأ أبو حيوة: «فرش» بسكون الراء، وروي في الحديث أنه قيل لرسول الله ﷺ : هذه البطائن مِنْ إِسْتَبْرَقٍ فكيف الظواهر؟ قال: «هي من نور يتلألأ» . والإستبرق ما خشن وحسن من الديباج. والسندس: ما رق منه. وقد تقدم القول في لفظة الإستبرق. وقرأ ابن محيصن «من إستبرق» على أنه فعل والألف وصل. والضمير في قوله: فِيهِنَّ للفرش، وقيل للجنات، إذ الجنتان جنات في المعنى. والجنى ما يجتنى من الثمار، ووصفه بالدنو، لأنه فيما روي في الحديث يتناوله المرء على أي حالة كان من قيام أو جلوس أو اضطجاع لأنه يدنو إلى مشتهيه. و: قاصِراتُ الطَّرْفِ هي الحور العين، قصرن ألحاظهن على أزواجهن. وقرأ أبو عمرو عن الكسائي وحده وطلحة وعيسى وأصحاب علي وابن مسعود: «يطمثهن» بضم الميم. وقرأ جمهور القراء: «يطمثهن» بكسر الميم. والمعنى: لم يفتضهن لأن الطمث دم الفرج، فيقال

стр. 2481

لدم الحيض طمث، ولدم الافتضاض طمث، فإذا نفي الافتضاض، فقد نفي القرب منهن بجهة الوطء. قال الفراء: لا يقال طمث إلا إذا افتض. قال غيره: طمث، معناه: جامع بكرا أو غيرها. واختلف الناس في قوله: وَلا جَانٌّ فقال مجاهد: الجن قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن، إذا لم يذكر الزوج الله تعالى، فتنفي هذه الآية جميع المجامعات. وقال ضمرة بن حبيب: الجن لهم قاصِراتُ الطَّرْفِ من الجن نوعهم، فنفي في هذه الآية الافتضاض عن البشريات والجنيات. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل اللفظ أن يكون مبالغة وتأكيدا، كأنه قال: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ شيء، أراد العموم التام، لكنه صرح من ذلك بالذي يعقل منه أن يطمث. وقال أبو عبيدة والطبري: إن من العرب من يقول: ما طمث هذا البعير حبل قط، أي ما مسه. قال القاضي أبو محمد: فإن كان هذا المعنى ما أدماه حبل، فهو يقرب من الأول. وإلا فهو معنى آخر غير الذي قدمناه. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: «ولا جأن» بالهمز. وقوله : [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٥٨ الى ٦٩] كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ: هي من الأشياء التي قد برع حسنها واستشعرت النفوس جلالتها، فوقع التشبيه بها لا في جميع الأوصاف لكن فيما يشبه ويحسن بهذه المشبهات، ف الْياقُوتُ في إملاسه وشفوفه، ومنه قول النبي ﷺ في صفة المرأة من نساء أهل الجنة: «يرى مخ ساقها من وراء العظم» . وَالْمَرْجانُ في إملاسه وجمال منظره، وبهذا النحو من النظر سمت العرب النساء بهذه الأشياء كدرة بنت أبي لهب. ومرجانة أم سعيد وغير ذلك. وقوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ آية، وعد وبسط لنفوس جميع المؤمنين لأنها عامة. قال ابن المنكدر وابن زيد وجماعة من أهل العلم: هي للبر والفاجر. والمعنى أن جزاء من أحسن بالطاعة أن يحسن إليه بالتنعيم. وحكى النقاش أن النبي ﷺ فسر هذه الآية: «هل جزاء التوحيد إلا الجنة» . وقوله تعالى: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ اختلف الناس في معنى: مِنْ دُونِهِما، فقال ابن زيد وغيره معناه: أن هذين دون تينك في المنزلة والقدرة، والأوليان جنتا السابقين، والأخريان جنتا أصحاب اليمين.

стр. 2482

قال الرماني قال ابن عباس: الجنات الأربع للخائف مَقامَ رَبِّهِ [الرحمن: ٤٦] . وقال الحسن الأوليان للسابقين والأخريان للتابعين. وقال ابن عباس، المعنى: هما دونهما في القرب إلى المنعمين وهاتان المؤخرتان في الذكر أفضل من الأوليين، يدل على ذلك أنه وصف عيني هذه بالنضخ والأخريين بالجري فقط، وجعل هاتين مدهامتين من شدة النعمة، والأوليين ذواتي أفنان، وكل جنة ذات أفنان وإن لم تكن مدهامة. قال القاضي أبو محمد: وأكثر الناس على التأويل الأول، وهذه استدلالات ليست بقواطع. وروي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: جنتان للمقربين من ذهب، وجنتان لأهل اليمين من فضة مما دون الأولين. و: مُدْهامَّتانِ معناه قد علا لونهما دهمة وسواد في النضرة والخضرة، كذا فسره ابن الزبير على المنبر، ومنه قوله تعالى: الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى [الأعلى: ٥] ، والنضاخة الفوارة التي يهيج ماؤها. وقال ابن جبير المعنى: ضَّاخَتانِ بأنواع الفواكه، وهذا ضعيف. وكرر النخل والرمان لأنهما ليسا من الفواكه. وقال يونس بن حبيب وغيره: كررهما وهما من أفضل الفاكهة تشريفا لهما وإشادة بهما كما قال تعالى: وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [البقرة: ٩٨] . قوله تعالى: [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٧٠ الى ٧٨] فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨) خَيْراتٌ جمع خيرة، وهي أفضل النساء، ومنه قول الشاعر [أنشده الطبري] : [الكامل] ربلات هند خيرة الملكات وقالت أم سلمة: قلت يا رسول الله: أخبرني عن قوله تعالى: خَيْراتٌ حِسانٌ قال: «خَيْراتٌ الأخلاق حِسانٌ الوجوه» . وقرأ أبو بكر بن حبيب السهمي: «خيّرات حسان» بشد الياء المكسورة. وقرأ أبو عمرو بفتح الياء. وقوله: مَقْصُوراتٌ أي محجوبات. وكانت العرب تمدح النساء بملازمة البيوت، ومنه قول الشاعر [أبو قيس بن الأسلت] : [الطويل] وتعتل في إتيانهن فتعذر يصف أن جارتها يزرنها ولا تزورهن. ويروى أن بيت الأعشى قد ذم وهو قوله: [البسيط]

стр. 2483

كأن مشيتها من بين جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل فقيل في ذمه: هذه جوالة خراجة ولاجة، ومن مدح القصر قول كثير: [الطويل] وأنت التي حببت كل قصيرة ... إليّ ولم تشعر بذاك القصائر أريد قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطى شر النساء البحاتر قال الحسن: مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ليس بطوافات في الطرق، والْخِيامِ: البيوت من الخشب والثمام وسائر الحشيش، وهي بيوت المرتحلين من العرب، وخيام الجنة بيوت اللؤلؤ. وقال عمر بن الخطاب: هي در مجوف. ورواه ابن مسعود عن النبي ﷺ ، وإذا كان بيت المسكين عند العرب من شعر فهو بيت، ولا يقال له خيمة، ومن هذا قول جرير: [الوافر] متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام ومنه قول امرئ القيس: [المتقارب] أمرخ خيامهم أم عشر يستفهم هل هم منجدون أم غائرون لأن العشر مما لا ينبت إلا في تهامة، والمرخ مما لا ينبت إلا في نجد. والرفرف: ما تدلى من الأسرة من غالي الثياب والبسيط: وكذلك قال ابن عباس وغيره: إنها فضول المحابيس والبسط، وقال ابن جبير، الرفرف: رياض الجنة. قال القاضي أبو محمد: والأول أصوب وأبين، ووجه قول ابن جبير: إنه من رف البيت، إذا تنعم وحسن، وما تدلى حول الخباء من الخرقة الهفافة يسمى رفرفا، وكذلك يسميه الناس اليوم. وقال الحسن ابن أبي الحسن، الرفرف: المرافق، والعبقري: بسط حسان فيها صور وغير ذلك، تصنع بعبقر، وهو موضع يعمل فيه الوشي والديباج ونحوه قال ابن عباس: العبقري: الزرابي. وقال ابن زيد: هي الطنافس. وقال مجاهد: هي الديباج الغليظ. وقرأ زهير الفرقبي: «رفارف» بالجمع وترك الصرف. وقرأ أبو طمعة المدني: وعاصم في بعض ما روي عنه «رفارف» بالصرف، وكذلك قرأ عثمان بن عفان: «رفارف وعباقر» بالجمع والصرف، ورويت عن النبي ﷺ وغلط الزجاج والرماني هذه القراءة. وقرأ أيضا عثمان في بعض ما روي عنه: «عباقر» : بفتح القاف والباء، وهذا على أن اسم الموضع «عباقر» بفتح القاف، والصحيح في اسم الموضع: «عبقر» ، قال الشاعر [امرؤ القيس] : [الطويل] كأن صليل المروحين تشذه ... صليل الزيوف بنتقدن بعبقرا قال الخليل والأصمعي: إذا استحسنت شيئا واستجادته قالت عَبْقَرِيٍّ.

стр. 2484

قال القاضي أبو محمد: ومنه قول النبي ﷺ : فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه وقال عبد الله بن عمر: العبقري سيد القوم وعينهم. وقال زهير: [الطويل] بخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا ويقال عبقر: مسكن للجن. وقال ذو الرمة: [البسيط] حتى كأن رياض القف ألبسها ... من وشي عبقر تجليل وتنجيد وقرأ الأعرج: «خضر» بضم الضاد. وقرأ جمهور الناس: «ذي الجلال» على اتباع الرب. وقرأ ابن عامر وأهل الشام. «ذو» على اتباع الاسم، وكذلك في الأول، وفي حرف أبيّ وابن مسعود، «ذي الجلال» في الموضعين، وهذا الموضع مما أريد فيه بالاسم مسماه. والدعاء بهاتين الكلمتين حسن مرجو الإجابة، وقال رسول الله ﷺ : «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» . نجز تفسير سورة الرحمن: وصلى الله على مولانا محمد سيد ولد عدنان.

стр. 2485

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الواقعة وهي مكية بإجماع ممن يعتد بقوله من المفسرين. وقيل إن فيها آيات مدنية، أو مما نزل في السفر، وهذا كله غير ثابت. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من داوم على سورة الواقعة لم يفتقر أبدا» . ودعا عثمان بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ. فقيل له: خذ للعليا، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، سمعت النبي ﷺ يقول: «من قرأها لم يفتقر أبدا» . قال القاضي أبو محمد: فيها ذكر القيامة، وحظوظ النفس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. قوله : [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١ الى ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) الْواقِعَةُ: اسم من أسماء القيامة ك الصَّاعِقَةُ [البقرة: ٥٥، النساء: ١٥٣] والْآزِفَةِ [غافر: ١٨، النجم: ٥٧] والطَّامَّةُ [النازعات: ٣٤] قاله ابن عباس، وهذه كلها أسماء تقتضي تعظيمها وتشنيع أمرها. وقال الضحاك: الْواقِعَةُ: الصيحة وهي النفخة في الصور. وقال بعض المفسرين: الْواقِعَةُ: صخرة بيت المقدس، تقع عند القيامة، فهذه كلها معان لأجل القيامة. و: كاذِبَةٌ يحتمل أن يكون مصدرا كالعاقبة والعافية وخائنة الأعين. فالمعنى ليس لها تكذيب ولا رد مثنوية، وهذا قول قتادة والحسن ويحتمل أن يكون صفة لمقدر، كأنه قال: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حال كاذِبَةٌ، ويحتمل الكلام على هذا معنيين: أحدهما كاذِبَةٌ، أي مكذوب فيما أخبر به عنها فسماها كاذِبَةٌ بهذا، كما تقول هذه قصة كاذبة أي مكذوب فيها، والثاني حالة كاذبة أي لا يمضي وقوعها، كما تقول: فلان إذا حمل لم يكذب. وقوله: خافِضَةٌ رافِعَةٌ رفع على خبر ابتداء، أي هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.

стр. 2486

وقرأ الحسن وعيسى الثقفي وأبو حيوة: «خافضة رافعة» بالنصب على الحال بعد الحال التي هي لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ولك أن تتابع الأحوال. كما لك أن تتابع أخبار المبتدأ، والقراءة الأولى أشهر وأبرع معنى، وذلك أن موقع الحال من الكلام موقع ما لم يذكر لاستغني عنه وموقع الجمل التي يجزم الخبر بها موقع ما يتهمم به. واختلف الناس في معنى هذا الخفض والرفع في هذه الآية، فقال قتادة وعثمان بن عبد الله بن سراقة: القيامة تخفض أقواما إلى النار، وترفع أقواما إلى النار، وترفع أقواما إلى الجنة. وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الصيحة تخفض قوتها لتسمع الأدنى وترفعها لتسمع الأقصى. وقال جمهور من المتأولين: القيامة بتفطر السماء والأرض والجبال انهدام هذه البنية، ترفع طائفة من الأجرام وتخفض أخرى، فكأنها عبارة عن شدة الهول والاضطراب، والعامل في قوله: إِذا رُجَّتِ، وَقَعَتِ، لأن إِذا هذه بدل من إِذا الأولى، وقد قالوا: إن وَقَعَتِ هو العامل في الأولى، وذلك لأن معنى الشرط فيها قوي، فهي ك «من» و «ما» في الشرط، يعمل فيها ما بعدها من الأفعال، وقد قيل إن إِذا مضافة إلى وَقَعَتِ فلا يصح أن يعمل فيها، وإنما العامل فيها فعل مقدر. ومعنى: رُجَّتِ زلزلت وحركت بعنف، قاله ابن عباس، ومنه ارتج السهم في الغرض إذا اضطرب بعد وقوعه، والرجة في الناس الأمر المحرك. واختلف اللغويون في معنى: بُسَّتِ فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة معناه: فتتت، كما تبس البسيسة وهي السويق، ويقال بسست الدقيق إذا ثريته بالماء وبقي مفتتا، وأنشد الطبري في هذا: [الرجز] لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا وقال هذا قول لص أعجله الخوف عن العجين، فقال لصاحبه هذا. وقال بعض اللغويين: بُسَّتِ معناه سيرت قالوا والخبز سير الشديد وضرب الأرض بالأيدي، والبس: السير الرفيق، وأنشد البيت: [الرجز] لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ... وجنباها نهشلا وعبسا ولا تطيلا بمناخ حبسا ذكر هذا أبو عثمان اللغوي في كتابه في الأفعال. و «الهباء» : ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت من كوة، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال قتادة: الهباء: ما تطاير من يبس النبات. وقال علي بن أبي طالب ﵁ الهباء: ما تطاير من حوافر الخيل والدواب. وقال ابن عباس أيضا، الهباء: ما تطاير من شرر النار، فإذا طفي لم يوجد شيئا. والمنبث: بالتاء المثلثة، الشائع في جميع الهواء. وقرأ النخعي: «منبتا» بالتاء بنقطتين، أي متقطعا، ذكر ذلك الثعلبي. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول في هباء أحسن الأقوال.

стр. 2487

والخطاب في قوله: وَكُنْتُمْ لجميع العالم، لأن الموصوفين من أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ليسوا في أمة محمد، والأزواج: الأنواع والضروب. قال قتادة: هذه منازل الناس يوم القيامة. وقوله تعالى: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ابتداء، و: ما ابتداء ثان. و: أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ خبرها، والجملة خبر الابتداء الأول، وفي الكلام معنى التعظيم، كما تقول زيد ما زيد، ونظير هذا في القرآن كثير، والْمَيْمَنَةِ: أظهر ما في اشتقاقها أنها من ناحية اليمين، وقيل من اليمن، وكذلك الْمَشْئَمَةِ إما أن تكون من اليد الشؤمى، وإما أن تكون من الشؤم، وقد فسرت هذه الآية بهذين المعنيين، إذ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ الميامين على أنفسهم، قاله الحسن والربيع، ويشبه أن اليمن والشؤم إنما اشتقا من اليمنى والشؤمى وذلك على طريقهم في السانح والبارح، وكذلك اليمن والشؤم اشتقا من اليمنى والشؤمى. وقوله: وَالسَّابِقُونَ ابتداء و: السَّابِقُونَ الثاني. قال بعض النحويين: هو نعت للأول، ومذهب سيبويه أنه خبر الابتداء، وهذا كما تقول العرب: الناس الناس، وأنت أنت، وهذا على معنى تفخيم أمر وتعظيمه، ومعنى الصفة هو أن تقول: وَالسَّابِقُونَ إلى الإيمان السَّابِقُونَ إلى الجنة والرحمة أُولئِكَ، ويتجه هذا المعنى على الابتداء والخبر. وقوله: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ابتداء وخبر، وهو في موضع الخبر على قول من قال: السَّابِقُونَ الثاني صفة، و: الْمُقَرَّبُونَ معناه من الله في جنة عدن. قال جماعة من أهل العلم: وهذه الآية متضمنة أن العالم يوم القيامة على ثلاثة أصناف: مؤمنون، هم على يمين العرش، وهنالك هي الجنة، وكافرون، هم على شؤمى العرش، وهنالك هي النار. والقول في يمين العرش وشماله نحو من الذي هو في سورة الكهف في اليمين والشمال. وقد قيل في أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ واليمين: إنهم من أخذ كتابه بيمينه، وفي أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ والشمال: إنهم من أخذه بشماله، فعلى هذا ليست نسبة اليمين والشمال إلى العرش. وقال علي بن أبي طالب ﵁: أصحاب اليمين أطفال المؤمنين، وقيل المراد ميمنة آدم ومشأمته المذكورتان في حديث الإسراء في الأسودة. و: السَّابِقُونَ معناه: قد سبقت لهم السعادة، وكانت أعمالهم في الدنيا سبقا إلى أعمال البر وإلى ترك المعاصي، فهذا عموم في جميع الناس. وخصص المفسرون في هذا أشياء، فقال عثمان بن أبي سودة: هم السَّابِقُونَ إلى المساجد. وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين. وقال كعب: هم أهل القرآن، وقيل غير هذا مما هو جزء من الأعمال الصالحة، وروي أن النبي ﷺ وسئل عن السابقين، فقال: «هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه، وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم» . وقرأ طلحة بن مصرف: «في جنة النعيم» على الإفراد. و: الْمُقَرَّبُونَ عبارة عن أعلى منازل البشر في الآخرة، وقيل لعامر بن عبد قيس في يوم حلبة من سبق فقال الْمُقَرَّبُونَ. قوله : [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١٣ الى ٢٦] ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦)

стр. 2488

الثلة: الجماعة والفرقة، وهو يقع للقليل والكثير، واللفظ في هذا الموضوع يعطي أن الجملة مِنَ الْأَوَّلِينَ أكثر من الجملة مِنَ الْآخِرِينَ، وهي التي عبر عنها بالقليل. واختلف المتأولون في معنى ذلك، فقال قوم حكى قولهم مكي: المراد بذلك الأنبياء، لأنهم كانوا في صدر الدنيا أكثر عددا، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: المراد السابقون من الأمم والسابقون من الأمة، وذلك إما أن يقترن أصحاب الأنبياء بجموعهم إلى أصحاب محمد، فأولئك أكثر لا محالة، وإما أن يقترن أصحاب الأنبياء ومن سبق في أثناء الأمم إلى السابقين من جميع هذه الأمة فأولئك أكثر. وروي أن الصحابة حزنوا لقلة سابق هذه الأمة على هذا التأويل فنزلت: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة: ٣٩- ٤٠] فرضوا. وروي عن عائشة أنها تأولت أن الفرقتين في أمة كل نبي وهي في الصدر ثُلَّةٌ وفي آخر الأمة قَلِيلٌ. وقال النبي ﷺ فيما روي عنه: «الفرقتان في أمتي فسابق أول الأمة ثُلَّةٌ وسابق سائرها إلى يوم القيامة قَلِيلٌ» . وقرأ الجمهور: «سرر» بضم الراء. وقرأ أبو السمال: «سرر» بفتح الراء. والموضونة: المنسوجة بتركيب بعض أجزائها على بعض كحلف الدرع، فإن الدرع موضونة، ومنه قول الأعشى: [المتقارب] ومن نسج داود موضونة ... تسير مع الحي عيرا فعيرا وكذلك سفيفة الخوص ونحوه مَوْضُونَةٍ، ومنه وضين الناقة وهو حزامها، لأنه موضون، فهو كقتيل وجريح، ومنه قول الشاعر: [الرجز] إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها قال ابن عباس: هذه السرر الموضونة هي المرمولة بالذهب، وقال عكرمة: هي مشبكة بالدر والياقوت. و: مُتَّكِئِينَ و: مُتَقابِلِينَ حالان فيهما ضمير مرفوع، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «متكئين عليها ناعمين» . والولدان: صغار الخدم، عبارة عن أنهم صغار الأسنان، ووصفهم بالخلد وإن كان جميع ما في الجنة كذلك إشارة إلى أنهم في حال الولدان مُخَلَّدُونَ لا تكبر بهم سن. وقال مجاهد: لا يموتون. قال الفراء: مُخَلَّدُونَ معناه مقرطون بالخلدات، وهي ضرب من الأقراط، والأول أصوب، لأن العرب تقول للذي كبر ولم يشب: إنه لمخلد. والأكواب: ما كان من أواني الشرب لا أذن له ولا خرطوم، قال ابن عباس: هي جرار من فضة. وقال أبو صالح: مستديرة أفواهها. وقال قتادة والضحاك:

стр. 2489

ليست لها عرى، والإبريق ما له خرطوم، وقال مجاهد وأذن، وهو من أواني الخمر عند العرب، ومنه قول عدي بن زيد: [الخفيف] وتداعوا إلى الصبوح فقامت ... قينة في يمينها إبريق والكأس: الآنية المعدة للشرب بها بشريطة أن يكون فيها خمر أو نبيذ أو ما هو سبيل ذلك، ومتى كان فارغا فينسب إلى جنسه زجاجا كان أو غيره، ولا يقال الآنية فيها ماء ولبن كأس. وقوله: مِنْ مَعِينٍ قال ابن عباس معناه: من خمر سائلة جارية معينة. ولفظة مَعِينٍ يحتمل أن يكون من معن الماء إذا غزر، فوزنها فعيل ويحتمل أن تكون من العين الجارية أو من الباصرة، فوزنها مفعول أصلها معيون، وهذا تأويل قتادة. وقوله: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ذهب أكثر المفسرين إلى أن المعنى: لا يلحق رؤوسهم الصداع الذي يلحق من خمر الدنيا، وقال قوم معناه: لا يفرقون عنها، بمعنى لا تقطع عنهم لذتهم بسبب من الأسباب كما يفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق، وهذا كما قال: «فتصدع السحاب عن المدينة» الحديث. وقوله: وَلا يُنْزِفُونَ قال مجاهد وقتادة وابن جبير والضحاك معناه: لا تذهب عقولهم سكرا، والنزيف: السكران، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شرب النزيف ببرد ماء الحشرج وقرأ ابن أبي إسحاق: «ولا ينزفون» بكسر الزاي وفتح الياء، من نزف البئر إذا استقى ماءها، فهي بمعنى تم خمرهم ونفدت، هكذا قال أبو الفتح. وحكى أبو حاتم عن ابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش وطلحة وابن مسعود وأبي عبد الرحمن وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي. قال معناه: لا يفني شرابهم، والعرب تقول: أنزف الرجل عبرته، وتقول أيضا، أنزف: إذا سكر، ومنه قول الأبيرد: [الطويل] لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبيس الندامى أنتم آل أبجرا وعطف الفاكهة على الكأس والأباريق. وقوله: مِمَّا يَشْتَهُونَ روي فيه أن العبد يرى الطائر يطير فيشتهيه فينزل له كما اشتهاه، وربما أكل منه ألوانا بحسب تصرف شهوته، إلى كثير مما روي في هذا المعنى. وقرأ حمزة والكسائي والمفضل عن عاصم: «وحور عين» بالخفض، وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن والأعمش وأبي القعقاع وعمرو بن عبيد. وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود: «وحورا عينا» بالنصب. وقرأ الباقون من السبعة: «وحور عين» بالرفع، وكل هذه القراءات محمولة الإعراب على المعنى لا على اللفظ. كأن المعنى قبل ينعمون بهذا كله وب «حور عين» ، وهذا المعنى في قراءة النصب ويعطون هذا كله «وحورا عينا» ، وكان المعنى في الرفع: لهم هذا كله «وحور عين» ، ويجوز أن يعطف: وَحُورٌ على الضمير في: مُتَّكِئِينَ. قال أبو علي: ولم يؤكد لكون الكلام بدلا من التأكيد، ويجوز أن يعطف

стр. 2490

على الولدان وإن كان طواف الحور يقلق، ويجوز أن يعطف على الضمير المقدر في قوله: عَلى سُرُرٍ وفي هذا كله نظر، وقد تقدم معنى: حُورٌ عِينٌ. وقرأ إبراهيم النخعي: «وحير عين» . وخص الْمَكْنُونِ من اللُّؤْلُؤِ لأنه أصفى لونا وأبعد عن الغير، وسألت أم سلمة رسول الله ﷺ عن هذا التشبيه فقال: «صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي» . و: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي هذه الرتب والنعم هي لهم بحسب أعمالهم، لأنه روي أن المنازل والقسم في الجنة، هي مقتسمة على قدر الأعمال، ونفس دخول الجنة هو برحمة الله وفضله لا بعمل عامل، فأما هذا الفضل الأخير أن دخولها ليس بعمل عامل، ففيه حديث صحيح، قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل أحد الجنة بعمله» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة» . واللغو: سقط القول من فحش وغيره. والتأثيم: مصدر، بمعنى: لا يؤثم أحد هناك غيره ولا نفسه بقول. فكان يسمع ويتألم بسماعه. و: قِيلًا مستثنى، والاستثناء متصل، وقال قوم: هو منقطع. و: سَلاماً نعت للقيل، كأنه قال: إلا قِيلًا سالما من هذه العيوب وغيرها. وقال أبو إسحاق الزجاج أيضا: سَلاماً مصدر، وناصبه قِيلًا كأنه يذكر أنهم يقول بعضهم لبعض سَلاماً سَلاماً. وقال بعض النحاة سَلاماً منتصب بفعل مضمر تقديره: أسلموا سلاما. قوله : [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٢٧ الى ٤٠] وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) السدر: شجر معروف، وهو الذي يقال له شجر أم غيلان، وهو من العضاه، له شوك، وفي الجنة شجر على خلقته، له ثمر كقلال هجر، طيب الطعم والريح، وصفه تعالى بأنه مَخْضُودٍ، أي مقطوع الشوك، لا أذى فيه، وقال أمية بن أبي الصلت: إن الحدائق في الجنان ظليلة ... فيها الكواعب سدرها مخضود وعبر بعض المفسرين عن مَخْضُودٍ بأنه الموقر حملا، وقال بعضهم: هو قطع الشوك، وهو الصواب، أما إن وقره هو كرمه، وروي عن الضحاك أن بعض الصحابة أعجبهم سدروج فقالوا: ليتنا في الآخرة في مثل هذا، فنزلت الآية. قال القاضي أبو محمد: ولأهل تحرير النظر هنا إشارة في أن هذا الخضد بإزاء أعمالهم التي سلموا
следующие страницы →