Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
وأسنده الطبري عن ابن عباس عن النبي ﷺ كأنه روعي إدبار صلاة النهار كما روعي إدبار النجوم في صلاة الليل، فقيل هي الركعتان مع الفجر. وروي عن ابن عباس أن أَدْبارَ السُّجُودِ: الوتر، حكاه الثعلبي وقال ابن زيد وابن عباس أيضا ومجاهد: هي النوافل إثر الصلوات وهذا جار مع لفظ الآية، وقال بعض العلماء العارفين: هي صلاة الليل، قال الثعلبي: وقال بعض العلماء في قوله: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هي ركعتا الفجر وَقَبْلَ الْغُرُوبِ الركعتان قبل المغرب وقال بعض التابعين: رأيت أصحاب محمد يهبون إليها كما يهبون إلى المكتوبة، وقال قتادة: ما أدركت أحدا يصلي الركعتين قبل المغرب إلا أنسا وأبا برزة.
وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعيسى وشبل وطلحة والأعمش «وإدبار» بكسر الألف وهي مصدر أضيف إليه وقت، ثم حذف الوقت، كما قالوا: جئتك مقدم الحاج وخفوق النجم ونحوه، وقرأ الباقون والحسن والأعرج، «وأدبار» بفتح الهمزة وهو جمع دبر كطنب وأطناب، أي وفي «أدبار السجود» أي في أعقابه وقال أوس بن حجر: [الطويل]
على دبر الشهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدب سنون تلمع
قوله :
[سورة ق (٥٠) : الآيات ٤١ الى ٤٥]
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)
قوله تعالى: وَاسْتَمِعْ بمنزلة، وانتظر، وذلك أن محمدا ﷺ لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء، لأن كل من فيه يستمع وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار، وقيل لمحمد تحسس وتسمع هذا اليوم وارتقبه، وهذا كما تقول لمن تعده بورود فتح استمع كذا وكذا، أي كن منتظرا له مستمعا، وعلى هذا فنصب يَوْمَ إنما هو على المفعول الصريح.
وقرأ ابن كثير: «المنادي» بالياء في الوصل والوقف على الأصل الذي هو ثبوتها، إذا الكلام غير تام وإنما الحذف أبدا في الفواصل، والكلام التام تشبيها بالفواصل. وقرأ أبو عمرو ونافع، بالوقف بغير ياء لأن الوقف موضع تغيير، ألا ترى أنها تبدل من التاء فيه الهاء في نحو طلحة وحمزة، ويبدل من التنوين الألف ويضعف فيه الحرف كقولك هذا فرج، ويحذف فيه الحرف في القوافي، وقرأ الباقون وطلحة والأعمش وعيسى بحذف الياء في الوصل والوقف جميعا وذلك اتباع لخط المصحف، وأيضا فإن الياء تحذف مع التنوين فوجب أن تحذف مع معاقب التنوين وهي الألف واللام.
وقوله تعالى: مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قيل وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق. وروي عن النبي ﷺ : «أن ملكا ينادي من السماء: أيتها الأجسام الهامدة والعظام البالية والرمم الذاهبة، هلم إلى الحساب الوقوف بين يدي الله» . وقال كعب الأحبار وقتادة وغيرهما: المكان صخرة بيت المقدس
стр. 2417
واختلفوا في معنى صفته بالقرب فقال قوم: وصفها بذلك لقربها من النبي ﷺ أي من مكة. وقال كعب الأحبار: وصفه بالقرب من السماء، وروي أنها أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، وهذا الخبر إن كان بوحي، وألا سبيل للوقوف على صحته. و: الصَّيْحَةَ هي صيحة المنادي و: الْخُرُوجِ هو من القبور، و: «يومه» هو يوم القيامة، ويَوْمُ الْخُرُوجِ في الدنيا هو يوم العيد قال حسان بن ثابت: [الكامل]
ولأنت أحسن إذ برزت لنا ... يوم الخروج بساحة القصر
من درة أغلى الملوك بها ... مما تربّب حائر البحر
وقوله تعالى: يَوْمَ تَشَقَّقُ العامل في يَوْمَ، الْمَصِيرُ. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر:
«تشّقق» بتشديد الشين. وقرأ الباقون: «تشقق» بتخفيف الشين و: سِراعاً حال قال بعض النحويين وهي من الضمير في قوله: عَنْهُمْ والعامل في الحال تَشَقَّقُ وقال بعضهم التقدير: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ يخرجون سِراعاً فالحال من الضمير في: «يخرجون» ، والعامل «يخرجون» .
وقوله تعالى: ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ كلام معادل لقول الكفرة: ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣] .
وقوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وعيد محض للكفرة. واختلف الناس في معنى قوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ. فقال قتادة: نهى الله عن التجبر وتقدم فيه، فمعناه: وما أنت عليهم بمتعظم من الجبروت.
وقال الطبري وغيره معناه: وما أنت عليهم بمسلط تجبرهم على الإيمان، ويقال جبرته على كذا، أي قسرته ف «جبار» بناء مبالغة من جبر وأنشد المفضل: [الوافر]
عصينا عزمة الجبار حتى ... صحبنا الخوف إلفا معلمينا
قال: أراد ب «الجبار» النعمان بن المنذر لولايته، ويحتمل أن نصب عزمة على المصدر وأراد عصينا مقدمين عزمة جبار، فمدح نفسه وقومه بالعتو والاستعلاء أخلاق الجاهلية والحياة الدنيا، وروى ابن عباس أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ.
قال القاضي أبو محمد: ولو لم يكن هذا سببا فإنه لما أعلمه أنه ليس بمسلط على جبرهم، أمره بالاقتصار على تذكير الخائفين من الناس.
стр. 2418
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الذّاريات
وهي مكية بإجماع من المفسرين.
قوله :
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤)
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)
أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات تنبيها عليها وتشريفا لها ودلالة على الاعتبار فيها حتى يصير الناظر فيها إلى توحيد الله تعالى.
وَالذَّارِياتِ الرياح بإجماع من المتأولين، يقال: ذرت الريح وأذرت بمعنى: وفي الرياح معتبر من شدتها حينا، ولينها حينا وكونها مرة رحمة ومرة عذابا إلى غير ذلك.
وذَرْواً نصب على المصدر. و: الحاملات وِقْراً قال علي بن أبي طالب ﵁ هي السحاب الموقرة بالماء. وقال ابن عباس وغيره هي السفن الموقرة بالناس وأمتاعهم. وقال جماعة من العلماء هي أيضا مع هذا جميع الحيوان الحامل، وفي جميع ذلك معتبر. و: وِقْراً مفعول صريح، و: الجاريات يُسْراً قال علي بن أبي طالب وغيره: هي السفن في البحر وقال آخرون: هي السحاب بالريح وقال آخرون: هي الجواري من الكواكب، واللفظ يقتضي جميع هذا. ويُسْراً نعت لمصدر محذوف وصفات المصادر المحذوفة تعود أحوالا، و: يُسْراً معناه: بسهولة وقلة تكلف، و: المقسمات أَمْراً الملائكة والأمر هنا اسم الجنس، فكأنه قال: والجماعات التي تقسم أمور الملكوت من الأرزاق والآجال والخلق في الأرحام وأمر الرياح والجبال وغير ذلك، لأن كل هذا إنما هو بملائكة تخدمه، فالآية تتضمن جميع الملائكة لأنهم كلهم في أمور مختلفة، وأنث «المقسمات» من
стр. 2419
وقال أبو طفيل عامر بن واثلة كان علي بن أبي طالب ﵁ على المنبر فقال: لا تسألوني عن آية من كتاب الله أو سنة ماضية إلا قلت، فقام إليه ابن الكواء فسأله عن هذه، فقال: الذَّارِياتِ الرياح.
و «الحاملات» السحاب، و «الجاريات» السفن، و «المقسمات» الملائكة. ثم قال له سل سؤال تعلم ولا تسأل سؤال تعنت وهذا القسم واقع على قوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ، وتُوعَدُونَ يحتمل أن يكون من الإيعاد، ويحتمل أن يكون من الوعد، وأيها كان فالوصف له بالصدق صحيح و: (صادق) هنا موضوع بدل صدق، ووضع الاسم موضع المصدر. و: الدِّينَ الجزاء. وقال مجاهد الحساب، والأظهر في الآية أنها للكفار وأنها وعيد محض بيوم القيامة.
ثم أقسم تعالى بمخلوق آخر فقال: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ فظاهر لفظة السَّماءِ أنها لجميع السماوات، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: هي السماء السابعة. و: الْحُبُكِ بضم الحاء والباء:
الطرائق التي هي على نظام في الأجرام، فحبك الرمان والماء: الطرائق التي تصنع فيها الريح الهابة عليها، ومنه قول زهير:
مكلل بعميم النبت تنسجه ... ريح خريف لضاحي مائه حبك
وحبك الدرع: الطرائق المتصلة في موضع اتصال الحلق بعضها ببعض، وفي بعض أجنحة الطير حبك على نحو هذا، ويقال لتكسر الشعر حبك، وفي الحديث: «أن من ورائكم الكذاب المضل، وأن من ورائه حبكا حبكا» يعني جعودة شعره فهو يكسره، ويظهر في المنسوجات من الأكسية وغيرها طرائق في موضع تداخل الخيوط هي حبك، ويقال نسج الثوب فأجاد حبكه، فهذه هي الحبك في اللغة. وقال منذر بن سعيد: إن في السماء في تألق جرمها هي هكذا لها حبك، وذلك لجودة خلقتها وإتقان صنعتها، ولذلك عبر ابن عباس في تفسير قوله وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ بأن قال: حبكها حسن خلقتها، وقال ابن جبير: الْحُبُكِ: الزينة. وقال الحسن: حبكها كواكبها، وقال ابن زيد: الْحُبُكِ: الشدة، وحبكت شدت، وقرأ سَبْعاً شِداداً [النبأ: ١٢] وقال ابن جني: الْحُبُكِ طرائق الغيم ونحو هذا، وواحد الْحُبُكِ: حباك، ويقال للظفيرة التي يشد بها حظار القصب ونحوه، وهي مستطيلة تمنع في ترجيب الغرسات المصطفة حباك وقد يكون واحد الْحُبُكِ حبيكة، وقال الراجز: [الوافر]
كأنما جللها الحواك، ... طنفسة في وشيها حباك
وقرأ جمهور الناس: «الحبك» بضم الحاء والباء. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو مالك الغفاري بضم الحاء وسكون الباء تخفيفا، وهي لغة بني تميم كرسل في رسل، وهي قراءة أبي حيوة وأبي السمال.
وقرأ الحسن أيضا وأبو مالك الغفاري: «الحبك» بكسر الحاء والباء على أنها لغة كإبل وإطل.
وقرأ الحسن أيضا فيما روي عنه: «الحبك» بكسر الحاء وسكون الباء كما قالوا على جهة التخفيف:
إبل وإطل بسكون الباء والطاء. وقرأ ابن عباس: «الحبك» بفتح الحاء والباء. وقرأ الحسن أيضا فيما روي عنه «الحبك» بكسر الحاء وضم الباء وهي لغة شاذة غير متوجهة، وكأنه أراد كسرهما ثم توهم «الحبك» قراءة الضم بعد أن كسر الحاء فضم الباء، وهذا على تداخل اللغات وليس في كلام العرب هذا البناء. وقرأ
стр. 2420
عكرمة «الحبك» بضم الحاء وفتح الباء جمع حبكة، وهذه كلها لغات والمعنى ما ذكرناه. والفرس المحبوك الشديد الخلقة الذي له حبك في مواضع من منابت شعره، وذلك دليل على حسن بنيته.
وقوله تعالى إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يحتمل أن يكون خطابا لجميع الناس مؤمن وكافر، أي اختلفتم بأن قال فريق منكم: آمنا بمحمد وكتابه، وقال فريق آخر: كفرنا، وهذا قول قتادة. ويحتمل أن يكون خطابا للكفرة فقط، أي: أنتم في جنس من الأقوال مختلف في نفسه، قوم منكم يقولون: ساحر، وقوم: كاهن، وقوم:
شاعر، وقوم: مجنون إلى غير ذلك، وهذا قول ابن زيد والضمير في: عَنْهُ قال الحسن وقتادة: هو عائد على محمد أو كتابه وشرعه. و: يُؤْفَكُ معناه: يصرف، فالمعنى: يصرف عن كتاب الله من صرف ممن غلبت شقاوته، وكان قتادة يقول: المأفوك منا اليوم عن كتاب الله كثيرا، ويحتمل أن يعود الضمير على القول، أي: يصرف بسببه من أراد الإسلام، بأن يقال له هو سحر، هو كهانة وهذا حكاه الزهراوي.
ويحتمل أن يعود الضمير في عَنْهُ على القول، أي يصرف عنه بتوفيق الله إلى الإسلام من غلبت سعادته، وهذا على أن يكون قوله: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ للكفار فقط.
قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه حسن لا يخلّ به، إلا أن عرف الاستعمال في «أفك» ، إنما هو في الصرف من خير إلى شر، وتأمل ذلك تجدها أبدا في المصروفين المذمومين، وحكى أبو عمرو عن قتادة أنه قرأ «من أفك» بفتح الهمزة والفاء.
وقوله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ دعاء عليهم، كما تقول: قاتلك الله وقتلك الله، وعقرى حلقى ونحوه، وقال بعض المفسرين معناه: لعن الخراصون، وهذا تفسير لا تعطيه اللفظة. والخراص: المخمن القائل بظنه فتحته الكاهن والمرتاب وغيره ممن لا يقين له، والإشارة إلى مكذبي محمد على كل جهة من طروقهم. والغمرة: ما يغشى الإنسان ويغطيه كغمرة الماء، والمعنى في غمرة من الجهالة.
و: ساهُونَ معناه عن أنهم فِي غَمْرَةٍ وعن غير ذلك من وجوه النظر.
وقوله تعالى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ معناه: يقولون متى يوم الدين؟ على معنى التكذيب، وجائز أن يقترن بذلك من بعضهم هزء وأن لا يقترن.
وقرأ السلمي والأعمش: «إيان» بكسر الهمزة وفتح الياء المخففة.
وقوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ قال الزجاج: نصبوا يَوْمَ على الظرف من مقدر تقديره: هو كائن يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ ونحو هذا، وقال الخليل وسيبويه: نصبه على البناء لما أضيف إلى غير متمكن. قال بعض النحاة: وهو في موضع رفع على البدل من يَوْمُ الدِّينِ. و: يُفْتَنُونَ معناه:
يحرقون ويعذبون في النار، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والجميع، ومنه قيل للحرة: فتين، كأن الشمس أحرقت حجارتها.
ومنه قول كعب بن مالك:
معاطي تهوى إليها الحقو ... ق يحسبها من وراءها الفتينا
стр. 2421
وفتنت الذهب أحرقته، ولما كان لا يحرق إلا لمعنى الاختبار قيل لكل اختبار فتنة، واستعملوا:
فتن، بمعنى اختبر، وعلى هنا موصلة إلى معنى في، وفي قوله تعالى: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ معناه: يقال لهم ذوقوا حرقكم وعذابكم، قاله قتادة وغيره، والذوق: هنا استعارة، وهذا إشارة إلى حرقهم واستعجالهم: هو قولهم: أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ وغير ذلك من الآيات التي تقتضي استعجالهم على جهة التكذيب منهم.
ولما ذكر تعالى حالة الكفرة وما يلقون من عذاب الله، عقب ذلك بذكر المتقين وما يلقون من النعيم ليبين الفرق ويتبع الناس طريق الهدى، والجنات والعيون معروف. والمتقي في الآية مطلق في اتقاء الكفر والمعاصي.
وقوله تعالى: آخِذِينَ نصب على الحال. وقرأ ابن أبي عبلة: «آخذون» بواو. وقال ابن عباس المعنى: آخِذِينَ في دنياهم ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ من أوامره ونواهيه وفرائضه وشرعه، فالحال على هذا محكية وهي متقدمة في الزمان على كذبهم في جنات وعيون. وقال جماعة من المفسرين معنى قوله:
آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ أي محصلين لنعم الله التي أعطاهم من جنته ورضوانه، وهذه حال متصلة في المعنى بكونهم في الجنات. وهذا التأويل أرجح عندي لاستقامة الكلام به. وقوله: قَبْلَ ذلِكَ يريد في الدنيا محسنين بالطاعة والعمل الصالح.
قوله :
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٧ الى ٢٦]
كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١)
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)
معنى قوله : كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ أن نومهم كان قليلا لاشتغالهم بالصلاة والعبادة، فالمراد من كل ليلة، والهجوع: النوم.
وقال الأحنف بن قيس: لست من أهل هذه الآية، وهذا إنصاف منه. وقيل لبعض التابعين مدح الله قوما كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ، ونحن قليل من الليل ما نقوم، فقال رحم الله عبدا رقد، إذا نعس، وأطاع ربه إذا استيقظ. وفسر أنس بن مالك هذه الآية بأنهم كانوا ينتفلون بين المغرب والعشاء، وقال الربيع بن خيثم، المعنى: كانوا يصيبون من الليل حظا. وقال مطرف بن عبد الله، المعنى: قل ليلة أتت عليهم هجوعها كله، وقاله ابن أبي نجيح ومجاهد، فالمراد عند هؤلاء بقوله: مِنَ اللَّيْلِ أي من الليالي. وظاهر الآية عندي أنهم كانوا يقومون الأكثر من ليلهم، أي من كل ليلة وقد قال الحسن في تفسير هذه الآية: كابدوا قيام الليل لا ينامون منه إلا قليلا.
وأما إعراب الآية: فقال الضحاك في كتاب الطبري ما يقتضي أن المعنى كانُوا قَلِيلًا في عددهم
стр. 2422
وتم خبر كان، ثم ابتدأ مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ف ما: نافية. وقَلِيلًا وقف حسن.
وقال بعض النحاة: ما زائدة، وقَلِيلًا مفعول مقدم ب يَهْجَعُونَ. وقال جمهور النحويين ما مصدرية وقَلِيلًا خبر «كان» ، والمعنى كانوا قليلا من الليل هجوعهم. والهجوع مرتفع ب «قليل» على أنه فاعل، وعلى هذا الإعراب يجيء قول الحسن وغيره، وهو الظاهر عندي أن المراد كان هجوعهم من الليل قليلا. وفسر ابن عمر والضحاك يَسْتَغْفِرُونَ ب «يصلون» . وقال الحسن معناه: يدعون في طلب المغفرة، و «الأسحار» مظنة الاستغفار. ويروى أن أبواب الجنة تفتح سحر كل يوم. وفي قصة يعقوب ﵇ في قوله: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [يوسف: ٩٨] قال أخر الاستغفار لهم إلى السحر. قال ابن زيد في كتاب الطبري: السحر: السدس الآخر من الليل.
وقوله تعالى: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ الصحيح أنها محكمة، وأن هذا الحق هو على وجه الندب، لا على وجه الفرض، و: مَعْلُومٌ يراد به متعارف، وكذلك قيام الليل الذي مدح به ليس من الفرائض، وأكثر ما تقع الفريضة بفعل المندوبات، وقال منذر بن سعيد: هي الزكاة المفروضة وهذا ضعيف، لأن السورة مكية وفرض الزكاة بالمدينة. وقال قوم من المتأولين: كان هذا ثم نسخ بالزكاة، وهذا غير قوي وما شرع الله بمكة قبل الهجرة شيئا من أخذ الأموال.
واختلف الناس في الْمَحْرُومِ اختلافا، هو عندي تخليط من المتأخرين، إذ المعنى واحد، وإنما عبر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات فجعلها المتأخرون أقوالا وحصرها مكي ثمانية.
و: الْمَحْرُومِ هو الذي تبعد عنه ممكنات الرزق بعد قربها منه فيناله حرمان وفاقة، وهو مع ذلك لا يسأل، فهذا هو الذي له حق في أموال الأغنياء كما للسائل حق، قال الشعبي: أعياني أن أعلم ما الْمَحْرُومِ؟ وقال ابن عباس: الْمَحْرُومِ: المعارف الذي ليس له في الإسلام سهم مال، فهو ذو الحرفة المحدود. وقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من أصحاب النبي ﷺ : هذا الْمَحْرُومِ. وقال زيد بن أسلم: هو الذي أجيحت ثمرته من المحرومين، والمعنى الجامع لهذه الأقوال أنه الذي لا مال له لحرمان أصابه، وإلا فالذي أجيحت ثمرته وله مال كثير غيرها فليس في هذه الآية بإجماع، وبعد هذا مقدر من الكلام تقديره: فكونوا مثلهم أيها الناس وعلى طريقتهم فإن النظر المؤدي إلى ذلك متوجه، ف فِي الْأَرْضِ آياتٌ لمن اعتبر وأيقن.
قال القاضي أبو محمد: وهذه إشارة إلى لطائف الحكمة وعجائب الخلقة التي في الأرضين والجبال والمعادن والعيون وغير ذلك. وقرأ قتادة: «آية» على الإفراد.
وقوله تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ إحالة على النظر في شخص الإنسان فإنه أكثر المخلوقات التي لدينا عبرة لما جعل الله فيه مع كونه من تراب من لطائف الحواس ومن أمر النفس وجهاتها ونطقها، واتصال هذا الجزء منها بالعقل، ومن هيئة الأعضاء واستعدادها لتنفع أو تجمل أو تعين. قال ابن زيد: إنما القلب مضغة في جوف ابن آدم جعل الله فيه العقل، أفيدري أحد ما ذاك العقل؟ وما صفته؟ وكيف هو؟ وقال الرماني:
النفس خاصة: الشيء التي لو بطل ما سواها مما ليست مضمنة به لم تبطل، وهذا تعمق لا أحمده. وقوله:
أَفَلا تُبْصِرُونَ توقيف وتوبيخ.
стр. 2423
وقوله تعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ. قال الضحاك وابن جبير: أراد المطر والثلج. وقال واصل الأحدب ومجاهد: أراد القضاء والقدر، أي الرزق عند الله يأتي به كيف يشاء، لا رب غيره. وقرأ ابن محيصن «وفي السماء رازقكم» .
و: تُوعَدُونَ يحتمل أن يكون من الوعد، ويحتمل أن يكون من الوعيد، والكل في السماء. قال الضحاك المراد: من الجنة والنار. وقال مجاهد المراد: الخير والشر. وقال ابن سيرين المراد: الساعة.
ثم أقسم تعالى بنفسه على صحة هذا القول والخبر وشبهه في اليقين به بالنطق من الإنسان، وهو عنده في غاية الوضوح، ولا يمكن أن يقع فيه من اللبس ما يقع في الرؤية والسمع، بل النطق أشد تخلصا من هذه واختلف القراء في قوله: مِثْلَ ما، فقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر «مثل» بالرفع، ورويت عن الحسن وابن أبي إسحاق والأعمش بخلاف عنهم. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر وأهل المدينة وجل الناس: «مثل» بالنصب، فوجه الأولى الرفع على النعت، وجاز نعت النكرة بهذا الذي قد أضيف إلى المعرفة من حيث كان لفظ مثل شائعا عاما لوجوه كثيرة، فهو لا تعرفه الإضافة إلى معرفة، لأنك إذا قلت: رأيت مثل زيد فلم تعرف شيئا، لأن وجوه المماثلة كثيرة، فلما بقي الشياع جرى عليه حكم النكرة فنعتت به النكرة. وما زائدة تعطي تأكيدا، وإضافة «مثل» هي إلى قوله:
أَنَّكُمْ. ووجه قراءة النصب أحد ثلاثة وجوه: إما أن يكون مثل قد بني لما أضيف إلى غير متمكن وهو في موضع رفع على الصفة لَحَقٌّ ولحقه البناء، لأن المضاف إليه قد يكسب المضاف بعض صفته كالتأنيث في قوله: شرقت صدر القناة. ونحوه، وكالتعريف في غلام زيد إلى غير ذلك، ويجري «مثل» حينئذ مجرى عَذابِ يَوْمِئِذٍ [المعارج: ١١] على قراءة من فتح الميم، ومنه قول الشاعر [النابغة الذبياني] : [الطويل] على حين عاتبت المشيب على الصبا ومنه قول الآخر: [البسيط] لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت ف «غير» فاعلة ولكنه فتحها. والوجه الثاني وهو قول المازني إن «مثل» بني لكونه مع ما شيئا واحدا، وتجيء على هذا في مضمار ويحما وأينما، ومنه قول حميد بن ثور: [الطويل]
ألا هيما مما لقيت وهيما ... وويها لمن لم يدر ما هن ويحما
فلولا البناء وجب أن يكون منونا، وكذلك قول الشاعر [حسان بن ثابت] : [الطويل] فأكرم بنا أما وأكرم بنا ابن ما والوجه الثالث: أن تنصب «مثل» على الحال من قوله: لَحَقٌّ وهي حال من نكرة وفيه خلاف لكن جوز ذلك الجرمي، وأما غيره فيراه حالا من الذكر المرفوع في قوله لَحَقٌّ لأن التقدير لَحَقٌّ هو، وفي هذا نظر. والنطق في هذه الآية: الكلام بالحروف والأصوات في ترتيب المعاني. وروي أن بعض الأعراب الفصحاء سمع هذه الآية فقال: من أحوج الكريم إلى أن يحلف؟ والحكاية وقعت في كتاب الثعلبي وسبل
стр. 2424
الخيرات متممة عن الأصمعي، وروي أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله قوما أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدقوه» ، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «لو فر أحدكم من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت» ، وأحاديث الرزق والأشعار فيه كثيرة.
وقوله: هَلْ أَتاكَ تقرير لتجتمع نفس المخاطب، وهذا كما تبدأ المرء إذا أردت أن تحدثه بعجيب فتقرره هل سمع منك أم لا؟ فكأنه تقتضي منه أن يقول لا ويستطعمك الحديث. و: ضَيْفِ اسم جنس يقع للجميع والواحد. وروي أن أضياف إبراهيم هؤلاء: جبريل ومكائيل وإسرافيل وأتباع لهم من الملائكة. وجعلهم تعالى «مكرمين» إما لأنهم عنده كذلك، وهذا قول الحسن. وإما من حيث أكرمهم إبراهيم وخدمهم هو وسارة. وذبح لهم العجل. وقيل من حيث رفع مجالسهم و: سَلاماً منصوب على المصدر كأنهم قالوا: تسلم سلاما: أو سلمت سلاما، ويتجه فيه أن يعمل فيه (قالوا) على أن نجعل سَلاماً بمنزلة قولا. ويكون المعنى حينئذ أنهم قالوا تحية وقولا معناه: سَلاماً، وهذا قول مجاهد.
وقوله: سَلامٌ مرتفع على خبر ابتداء. أي أمر سَلامٌ. أو واجب لكم سَلامٌ، أو على الابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: سلام عليكم وإبراهيم ﵇ قد حيا بأحسن لأن قولهم دعاء وقوله واجب قد تحصل لهم.
وقرأ ابن وثاب والنخعي وحمزة والكسائي وطلحة وابن جبير قال: «سلم» بكسر السين وسكون اللام. والمعنى نحن سلم وأنتم سلم.
وقوله: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ معناه: لا نميزهم ولا عهد لنا بهم. وهذا أيضا على تقدير: أنتم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في تلك الأرض وفي ذلك الزمن و: «راغ» معناه مضى إثر حديثه مخفيا زواله مستعجلا. كأنه لم يرد أن يفارقهم فمضى إلى ناحية من داره مستعجلا ورجع من حينه. وهذا تشبيه بالروغان المعروف، لأن الرائغ يوهم أنه لم يزل. والعجل: هو الذي حنذه، والقصة قد مضت مستوعبة في غير هذه السورة، وروي عن قتادة أن أكثر مال إبراهيم كان البقر وكان مضيافا. وحسبك أنه أوقف للضيافة أوقافا تمضيها الأمم على اختلاف أديانها وأجناسها.
قوله :
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٧ الى ٣٦]
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)
قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)
المعنى فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ فأمسكوا عنه فقال: أَلا تَأْكُلُونَ فيروى في الحديث أنهم قالوا: لا
стр. 2425
نأكل إلا ما أدينا ثمنه. فقال إبراهيم وأنا لا أبيحه لكم إلا بثمن. قالوا: وما هو؟ قال: أن تسموا الله تعالى عند الابتداء وتحمدوه عند الفراغ من الأكل. فقال بعضهم لبعض: بحق اتخذه الله خليلا. فلما استمروا على ترك الأكل أوجس مِنْهُمْ خِيفَةً. والوجيس تحسيس النفس وخواطرها في الحذر. وذلك أن أكل الضيف أمنة ودليل على انبساط نفسه والطعام حرمة وذمام. والامتناع منه وحشة. فخشي إبراهيم ﵇ أن امتناعهم من أكل طعامه إنما هو لشر يريدونه، فقالوا له: لا تَخَفْ وعرفوه أنهم ملائكة، وَبَشَّرُوهُ وبشروا سارة معه بِغُلامٍ عَلِيمٍ. أي عالم في حال تكليفه وتحصيله، أي سيكون عليما و: عَلِيمٍ بناء مبالغة. وجمهور الناس على أن الغلام هنا إسحاق ابن سارة الذي ذكرت البشارة به في غير موضع. وقال مجاهد، وهذا الغلام هو إسماعيل. والأول أرجح، وهذا وهم. ويروى أنه إنما عرف كونهم ملائكة استدلالا من بشارتهم إياه بغيب.
وقوله تعالى: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ يحتمل أن يكون قربت إليهم من ناحية من نواحي المنزل، ويحتمل أن يكون هذا الإقبال كما تقول: أقبل فلان يشتمني، أو يفعل كذا إذا جد في ذلك وتلبس به، والصرة:
الصيحة، كذا فسره ابن عباس ومجاهد وسفيان والضحاك، والمصطر الذي يصيح وقال قتادة معناه: في رقة. وقال الطبري قال بعضهم أوه بصياح وتعجب. قال النحاس: وقيل: فِي صَرَّةٍ في جماعة نسوة يتبادرن نظرا إلى الملائكة.
وقوله: فَصَكَّتْ وَجْهَها، معناه: ضربت وجهها، قال ابن عباس: لطمت، وهذا مما يفعله الذي يرد عليه أمر يستهوله. وقال سفيان والسدي ومجاهد معناه: ضربت بكفها جبهتها وهذا مستعمل في الناس حتى الآن. وقولها: عَجُوزٌ عَقِيمٌ، إما أن يكون تقديره: أنا عَجُوزٌ عَقِيمٌ فكيف ألد؟ وإما أن يكون التقدير: عَجُوزٌ عَقِيمٌ تكون منها ولادة، وقدره الطبري: أتلد عَجُوزٌ عَقِيمٌ. ويروى أنها كانت لم تلد قط. والعقيم من النساء التي لا تلد، ومن الرياح التي لا تلقح شجرا، فهي لا بركة فيها، وقولهم:
كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ أي كقولنا الذي أخبرناك قال ربك أن يكون. و: الْحَكِيمُ ذو الحكمة.
و: الْعَلِيمُ معناه بالمصالح وغير ذلك من العلومات ثم قال إبراهيم ﵇ للملائكة: فَما خَطْبُكُمْ والخطب: الأمر المهم، وقل ما يعبر به إلا عن الشدائد والمكاره حتى قالوا: خطوب الزمان ونحو هذا، فكأنه يقول لهم: ما هذه الطامة التي جئتم لها؟ فأخبروه حينئذ أنهم أرسلوا إلى سدوم قرية لوط بإهلاك أهلها الكفرة العاصين المجرمين. والمجرم: فاعل الجرائم، وهي صعاب المعاصي: كفر ونحوه واحدتها جريمة. وقولهم: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ أي لنهلهكم بهذه الحجارة. ومتى اتصلت «أرسل» ب «على» : فهي بمعنى المبالغة في المباشرة والعذاب. ومتى اتصلت ب «إلى» ، فهي أخف. وانظر ذلك تجده مطردا.
وقوله تعالى: حِجارَةً مِنْ طِينٍ بيان يخرج عن معتاد حجارة البرد التي هي من ماء. ويروى أنه طين طبخ في نار جهنم حتى صار حجارة كالآجر. و: مُسَوَّمَةً نعت ل حِجارَةً، وقيل معناه متروكة وسومها من الإهلاك والانصباب. وقيل معناه: معلمة بعلامتها من السيما والسومى وهي العلامة، أي إنها ليست من حجارة الدنيا، وقال الزهراوي والرماني، وقيل معناه: على كل حجر اسم المضروب به. وقال
стр. 2426
الرماني وقيل كان عليها أمثال الخواتم. وقال ابن عباس: تسويمها إن كان في الحجارة السود نقط بيض وفي البيض سود. ويحتمل أن يكون المعنى: أنها بجملتها معلومة عند ربك لهذا المعنى معلمة له. لا أن كل واحد منها له علامة خاصة به. والمسرف: الذي يتعدى الطور، فإذا جاء مطابقا فهو لأبعد الغايات الكفر فما دونه.
ثم أخبر تعالى أنه أخرج بأمره من كان في قرية لوط مِنَ الْمُؤْمِنِينَ منجيا لهم. وأعاد الضمير على القرية. ولم يصرح لها قبل ذلك بذكر لشهرة أمرها. ولأن القوم المجرمين معلوم أنهم في قرية ولا بد. قال المفسرون: ولا فرق بين تقدم ذكر المؤمنين وتأخره، وإنما هما وصفان ذكرهم أولا بأحدهما ثم آخر بالثاني. قال الرماني: الآية دالة على أن الإيمان هو الإسلام.
قال القاضي أبو محمد: ويظهر إليّ أن في المعنى زيادة تحسن التقديم للإيمان، وذلك أنه ذكره مع الإخراج من القرية، كأنه يقول: نفذ أمرنا بإخراج كل مؤمن، ولا يشترط فيه أن يكون عاملا بالطاعات. بل التصديق بالله فقط.
ثم لما ذكر حال الموحدين ذكرهم بالصفة التي كانوا عليها، وهي الكاملة التصديق والأعمال، والبيت من المسلمين: هو بيت لوط، وكان هو وابنتاه، وقيل وبنته. وفي كتاب الثعلبي: وقيل لوط وأهل بيته ثلاثة عشر، وهلكت امرأته فيمن هلك، وهذه القصة بجملتها ذكرت على جهة المثال لقريش. أي أنهم إذا كفروا وأصابهم مثل ما أصاب هؤلاء المذكورين.
قوله :
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٣٧ الى ٤٤]
وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)
ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)
المعنى: وَتَرَكْنا في القرية المذكورة، وهي سدوم أثرا من العذاب باقيا مؤرخا لا يفنى ذكره فهو:
آيَةً أي علامة على قدرة الله وانتقامه من الكفرة. ويحتمل أن يكون. والمعنى: وَتَرَكْنا في أمرها كما قال: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ [يوسف: ٧] وقال ابن جريج: ترك فيها حجرا منضودا كثيرا جدا.
و: لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ هم العارفون بالله تعالى.
وقوله تعالى: وَفِي مُوسى يحتمل أن يكون عطفا على قوله فِيها أي وتركنا في موسى وقصته أثرا أيضا هو آية. ويحتمل أن يكون عطفا على قوله قيل: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ [الذاريات: ٢٠] ، وَفِي مُوسى. و: فِرْعَوْنَ هو صاحب مصر. والسلطان في هذه الآية الحجة و: (تولى) معناه: فأعرض وأدبر عن أمر الله و: بِرُكْنِهِ بسلطانه وجنده وشدة أمره. وهو الأمر الذي يركن فرعون إليه ويسند في
стр. 2427
شدائده. قال ابن زيد: بِرُكْنِهِ بجموعه قال قتادة: بقومه. وقول فرعون في موسى ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ هو تقسيم ظن أن موسى لا بد أن يكون أحد هذين. وقال أبو عبيدة: أَوْ هنا بمعنى الواو. واستشهد ببيت جرير: [الوافر]
أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا
والخشاب: بيوت في بني تميم، وقول أبي عبيدة ضعيف لا داعية إليه في هذا الموضع.
و: (نبذناهم) معناه: طرحناهم و: ْيَمِ
البحر. وفي مصحف ابن مسعود: «فنبذناه» ، و «المليم» :
الذي أتى من المعاصي ونحوها ما يلام عليه وقال أمية بن أبي الصلت: [الوافر] ومن يخذل أخاه فقد ألاما وقوله: وَفِي عادٍ عطف على قوله: وَفِي مُوسى، وعادٍ هي قبيلة هود النبي ﵇.
والْعَقِيمَ التي لا بركة فيها ولا تلقح شجرا ولا تسوق مطرا. وقال سعيد بن المسيب: كانت ريح الجنوب. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: كانت نكباء. وهذا عندي لا يصح عن علي ﵁ لأنه مردود بقوله ﷺ : «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» و: تَذَرُ معناه: تدع. وقوله تعالى: مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ يعني مما أذن لها في إهلاكه. و: «الرميم» الفاني المتقطع يبسا أو قدما من الأشجار والورق والحبال والعظام، ومنه قوله تعالى مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨] أي في قوام الرمال وروي أن تلك الريح كانت تهب على الناس فيهم العادي وغيره، فتنتزع العادي من بين الناس وتذهب به.
وقوله تعالى: وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ يحتمل أن يريد إذ قيل لهم في أول بعث صالح آمنوا وأطيعوا فتمتعوا متاعا حسنا إلى آجالكم، وهو الحين على هذا التأويل وهو قول الحسن حكاه عن الرماني، ويجيء قوله تعالى: فَعَتَوْا مرتبا لفظا في الآية ومعنى في الوجود متأخرا عن القول لهم تَمَتَّعُوا، ويحتمل أن يريد: إذ قيل لهم بعد عقر الناقة: تَمَتَّعُوا في داركم ثلاثة، وهي الحين على هذا التأويل وهو قول الفراء، ويجيء قوله: فَعَتَوْا غير مرتب المعنى في وجوده، لأن عتوهم كان قبل أن يقال لهم تَمَتَّعُوا وكأن المعنى فكان من أمرهم قبل هذه المقالة أن عتوا وهو السبب في أن قيل لهم ذلك وعذبوا.
وقرأ جمهور القراء: «الصاعقة» وقرأ الكسائي وهي قراءة عمر وعثمان «الصعقة» ، وهي على القراءتين الصيحة العظيمة، ومنه يقال للوقعة الشديدة من الرعد: صاعقة. وهي التي تكون معها النار التي يروى في الحديث أنها من المخراق الذي بيد ملك يسوق السحاب.
وقوله: وَهُمْ يَنْظُرُونَ يحتمل أن يريد فجأة وهم يبصرون بعيونهم حالهم، وهذا قول الطبري ويحتمل أن يريد: وَهُمْ يَنْظُرُونَ ذلك في تلك الأيام الثلاثة التي أعلموا به فيها ورأوا علاماته في تلونه، وهذا قول مجاهد حسبما تقدم تفسيره، وانتظارهم العذاب هو أشد من العذاب.
стр. 2428
قوله :
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٤٥ الى ٥٢]
فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)
قال بعض المفسرين: مِنْ قِيامٍ معناه: ما استطاعوا أن يقوموا من مصارعهم. وقال قتادة وغيره معناه: ما قيام بالأمر ودفعه كما تقول: ما ان له بكذا وكذا قيام، أي استضلاع وانتهاض.
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم: «وقوم نوح» بالنصب، وهو عطف إما على الضمير في قوله:
فَأَخَذَتْهُمُ ٤٤ [الذاريات: ٤٤] إذ هو بمنزلة أهلكناهم، وإما على الضمير في قوله: نَبَذْناهُمْ
[الذاريات: ٤٠] ، وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث: «وقوم نوح» بالرفع وذلك على الابتداء وإضمار الخبر وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: «وقوم» بالخفض عطفا على ما تقدم من قوله: وَفِي ثَمُودَ [الذاريات: ٤٣] وقد روي النصب عن أبي عمرو.
وقوله: وَالسَّماءَ نصب بإضمار فعل تقديره: وبنينا السماء بنيناها. والأيد: القوة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، ووقعت في المصحف بياءين وذلك على تخفيف الهمز، وفي هذا نظر.
وقوله: لَمُوسِعُونَ يحتمل أن يريد: إنا نوسع الأشياء قوة وقدرة كما قال تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ [البقرة: ٢٣٦] أي الذي يوسع أهله إنفاقا، ويحتمل أن يريد: لَمُوسِعُونَ في بناء السماء، أي جعلناها واسعة وهذا تأويل ابن زيد وقال الحسن: أوسع الرزق بمطر السماء و «الماهد» المهيئ الموطئ للموضع الذي يتمهد ويفترش.
وقوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ أي مصطحبين ومتلازمين، فقال مجاهد معناه أن هذه إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء كالليل والنهار والشقوة والسعادة والهدى والضلالة والأرض والسماء والسواد والبياض والصحة والمرض والكفر والإيمان ونحو هذا، ورجحه الطبري بأنه دل على القدرة التي توجد الضدين، بخلاف ما يفعل بطبعه فعلا واحدا كالتسخين والتبريد. وقال ابن زيد وغيره:
هي إشارة إلى الأنثى والذكر من كل حيوان والترجي الذي في قوله: لَعَلَّكُمْ هو بحسب خلق البشر وعرفها. وقرأ الجمهور «تذكرون» بشد الذال والإدغام. وقرأ أبي بن كعب: «تتذكرون» بتاءين وخفة الذال.
وقوله: فَفِرُّوا أمر بالدخول في الإيمان وطاعة الله، وجعل الأمر بذلك بلفظ الفرار لينبه على أن وراء الناس عقابا وعذابا وأمرا حقه أن يفر منه، فجمعت لفظة «فروا» بين التحذير والاستدعاء، وينظر إلى هذا المعنى قول النبي ﷺ : «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» الحديث، قال الحسن بن الفضل: من فر إلى غير الله.
стр. 2429
وقوله: وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ الآية نهي عن عبادة الأصنام والشياطين وكل مدعو من دون الله وفائدة تكرار قوله: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ الإبلاغ وهز النفس وتحكيم التحذير وإعادة الألفاظ بعينها في هذه المعاني بليغة بقرينة شدة الصوت.
وقوله تعالى: كَذلِكَ تقديره: سيرة الأمم كذلك، أو الأمر في القديم كذلك. وقوله: إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ معناه: إلا قال بعض: هذا وبعض: الجميع ألا ترى أن قوم نوح لم يقولوا قط: ساحِرٌ وإنما قالوا: بِهِ جِنَّةٌ [سبأ: ٨] فلما اختلف الفرق جعل الخبر عن ذلك بإدخال أو بين الصفتين، وليس المعنى أن كل أمة قالت عن نبيها إنه ساحر أو هو مجنون، فليست هذه كالمتقدمة في فرعون، بل هذه كأنه قال: إلا قالوا هو ساحر وهو مجنون.
قوله :
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٥٣ الى ٦٠]
أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)
قوله تعالى: أَتَواصَوْا بِهِ توقيف وتعجيب من توارد نفوس الكفرة في تكذيب الأنبياء على تفرق أزمانهم أي أنهم لم يتواصوا، لكنهم فعلوا فعل من يتواصى.
والعلة في ذلك أن جميعهم طاغ، والطاغي: المستعلي في الأرض المفسد العاتي على الله.
وقوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي عن الحرص المفرط عليهم، وذهاب النفس حسرات، ويحتمل أن يراد: فقول عن التعب المفرط في دعائهم وضمهم إلى الإسلام فلست بمصيطر عليهم ولست بِمَلُومٍ إذ قد بلغت، فنح نفسك عن الحزن عليهم، وذكر فقط، فإن الذكرى نافعة للمؤمنين ولمن قضي له أن يكون منهم في ثاني حال، وعلى هذا التأويل: فلا نسخ في الآية. إلا في معنى الموادعة التي فيها، إن آية السيف نسخت جميع الموادعات.
وروى قتادة وذكره الطبري عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه لما نزلت فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ حزن المسلمون وظنوا أنه مر بالتوالي عن الجميع وأن الوحي قد انقطع حتى نزلت: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فسروا بذلك.
وقوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ اختلف الناس في معناه مع إجماع أهل السنة على أن الله تعالى لم يرد أن تقع العبادة من الجميع، لأنه لو أراد ذلك لم يصح وقوع الأمر بخلاف إرادته، فقال ابن عباس وعلي بن أبي طالب ﵄ المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا لأمرهم بعبادتي، وليقروا لي بالعبودية فعبر عن ذلك بقوله: لِيَعْبُدُونِ إذ العبادة هي مضمن الأمر، وقال زيد بن
стр. 2430
أسلم وسفيان: المعنى خاص، والمراد: وَما خَلَقْتُ الطائعين من الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لعبادتي، ويؤيد هذا التأويل أن ابن عباس روى عن النبي ﷺ أنه قرأ: «وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدوني» ، وقال ابن عباس أيضا معنى: لِيَعْبُدُونِ أي ليتذللوا لي ولقدرتي، وإن لم يكن ذلك على قوانين الشرع.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل فجميع الجن والإنس عابد متذلل والكفار كذلك، ألا تراهم عند القحط والأمراض وغير ذلك. وتحتمل الآية، أن يكون المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا معدين ليعبدون، وكأن الآية تعديد نعمة، أي خلقت لهم حواس وعقولا وأجساما منقادة نحو العبادة، وهذا كما تقول: البقر مخلوقة للحرث، والخيل للحرب، وقد يكون منها ما لا يحارب به أصلا، فالمعنى أن الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة، لكن بعضهم تكسب صرف نفسه عن ذلك، ويؤيد هذا المنزع قول النبي ﷺ : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» . وقوله: «كل مولود يولد على الفطرة» والحديث، وقوله: مِنْ رِزْقٍ أي أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم.
وقوله: أَنْ يُطْعِمُونِ إما أن يكون المعنى أن يطعموا خلقي فأضيف ذلك إلى الضمير على جهة التجوز، وهذا قول ابن عباد. وإما أن يكون الإطعام هنا بمعنى النفع على العموم، كما تقول: أعطيت فلانا كذا وكذا طعمة، وأنت قد أعطيته عرضا أو بلدا يحييه، ونحو هذا فكأنه قال: ولا أريد أن ينفعوني، فذكر جزءا من المنافع وجعله دالا على الجميع.
وقرأ الجميع: «إن الله هو الرزاق» . وروى أبو إسحاق السبيعي عن عبد الله بن يزيد، قال أبو عمرو الداني عن ابن مسعود قال: أقراني رسول الله ﷺ «إني أنا الرزاق» وقرأ الجمهور: «إن الله هو الرزاق» وقرأ ابن محيصن «هو الرزاق» وقرأ جمهور القراء: «المتين» بالرفع إما على أنه خبر بعد خبر، أو صفة ل الرَّزَّاقُ. وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش «المتين» بالخفض على النعت ل الْقُوَّةِ، وجاز ذلك من حيث تأنيث الْقُوَّةِ غير حقيقي. فكأنه قال: ذو الأيد، أو ذو الحبل ونحوه فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ [البقرة: ٢٧٥] وجوز أبو الفتح أن يكون خفض «المتين» على الجواز و: الْمَتِينُ: الشديد.
وقوله تعالى: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يريد أهل مكة، وهذه آية وعيد صراح، وقرأ الأعمش «فإن للذين كفروا» . والذنوب: الحظ والنصيب، وأصله من الدلو، وذلك أن الذنوب هو ملء الدلو من الماء، وقيل الذنوب: الدلو العظيمة، ومنه قول الشاعر: [الرجز]
إنا إذا نازلنا غريب ... له ذنوب ولنا ذنوب
فإن أبيتم فلنا القليب وهو السجل، ومنه قول علقمة بن عبدة: [الطويل]
وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب
فيروى أن الملك لما سمع هذا البيت قال نعم وأذنبة، ومنه قول حسان: [الطويل]
стр. 2431
لا يبعدن ربيعة بن مكدم ... وسقى الغوادي قبره بذنوب
وأَصْحابِهِمْ يريد به من تقدم من الأمم المعذبة. وقوله: فَلا يَسْتَعْجِلُونِ تحقيق للأمر، بمعنى هو نازل بهم لا محالة في وقته المحتوم، فلا يستعجلوه، وقرأ يحيى بن وثاب: «فلا تستعجلون» بالتاء من فوق.
ثم أوجب تعالى لهم الويل من يومهم الذي يأتي فيه عذابهم. والويل: الشقاء والهم، وروي أن في جهنم واديا يسمى: ويلا. والطبري يذهب أبدا إلى أن التوعد إنما هو به، وذلك في هذا الموضع قلق، لأن هذا الويل إنما هو مِنْ يَوْمِهِمُ الذي هو في الدنيا، و: مِنْ لابتداء الغاية. وقال جمهور المفسرين:
هذا التوعد هو بيوم القيامة. وقال آخرون ذكره الثعلبي هو يوم بدر. وفي: يُوعَدُونَ ضمير عائد، التقدير: يوعدون به، أو يوعدونه.
نجز تفسير سورة «الذاريات» والحمد لله رب العالمين كثيرا، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعن جميع تابعيه.
стр. 2432
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الطّور
وهي مكية بإجماع من المفسرين والرواة.
قوله تعالى:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩)
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤)
هذه مخلوقات أقسم الله بها تنبيها منها وتشريفا، وليكون ذلك سبب النظر فيها والاعتبار بها، وذلك يؤول إلى التوحيد والمعرفة بحقوق الله.
وَالطُّورِ قال بعض أهل اللغة: كل جبل: طور، فكأنه أقسم بالجبال، إذ هو اسم جنس وقال آخرون: «الطور» كل جبل أجرد لا ينبت شجرا. وقال مجاهد في كتاب الطبري: «الطور» الجبل بالسريانية، وهذا ضعيف، لأن ما حكاه في العربية يقضي على هذا، ولا خلاف أن في الشام جبلا يسمى ب «الطور» ، وهو طور سيناء. وقال نوف البكالي: إنه الذي أقسم الله به لفضله على الجبال. إذ قد روي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال إني مهبط على أحدكم أمري. يريد رسالة موسى ﵇، فتطاولت كلها إلا الطور فإنه استكان لأمر الله وقال حسبي الله، فأهبط الله الأمر عليه. ويقال إنه بمدين. وقال مقاتل بن حيان هما طوران. والكتاب المسطور: معناه بإجماع: المكتوب أسطارا.
واختلف الناس في هذا المكتوب المقسم به، فقال بعض المفسرين: هو الكتاب المنتسخ من اللوح المحفوظ للملائكة لتعرف منه ما تفعله وتصرفه في العالم.
وقال آخرون: بل أقسم الله تعالى بالقرآن، فإنه قد كان علم أنه يتخلد فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ.
وقال آخرون: أقسم بالكتب القديمة المنزلة: الإنجيل والتوراة والزبور. وقال الفراء فيما حكى الرماني: أقسم بالصحف التي تعطى وتؤخذ يوم القيامة بالأيمان والشمائل. وقال قوم: أقسم بالكتاب الذي فيه أعمال الخلق، وهو الذي لا بغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
стр. 2433
وكتب بعض الناس، «مصطورا» بالصاد. والقصد بذلك تشابه النطق بالحروف، والجمهور على السين. والرق: الورق المعدة للكتب وهي مرققة فلذلك سميت رقا، وقد غلب الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان. والمنشور: خلاف المطوي، وقد يحتمل أن يكون نشره بمعنى بشره وترقيقه وصنعته. وقرأ أبو السمال: «في رق» بكسر الراء.
واختلف الناس في الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فقال الحسن بن أبي الحسن البصري: هي الكعبة. وقال علي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس وعكرمة: هو بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة، ويقال الضريح، ذكر ذلك الطبري وهو الذي ذكر في حديث الإسراء. قال جبريل ﵇:
هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم وبهذا عمارته. ويروى أنه في السماء السابعة. وقيل في السادسة وقيل إنه مقابل الكعبة لو خر لسقط عليها. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: في كل سماء بيت معمور، وفي كل أرض كذلك. وهي كلها على خط مع الكعبة. وقال علي بن أبي طالب ﵁: وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ: السماء وَالسَّقْفِ طول في انحناء، ومنه أسقف النصارى، ومنه السقف، لأن الجدار وسقفه فيهما طول في انحناء.
واختلف الناس في معنى: الْمَسْجُورِ فقال مجاهد وشمر بن عطية معناه: الموقد نارا. وروي أن البحر هو جهنم. وقال علي بن أبي طالب ﵁ ليهودي: أين جهنم؟ فقال هي البحر، فقال علي:
ما أظنه إلا صادقا، وقرأ: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، ومنه ما روي عن النبي ﷺ «أن البحر طبق جهنم» . قال الثعلبي: وروي أن النبي ﷺ قال: «لا يركبن البحر إلا حاج أو معتمر أو مجاهد فإن تحت البحر نارا» .
وفي حديث آخر: «فإن البحر نار في نار» . وقال قتادة: الْمَسْجُورِ المملوء. وهذا معروف في اللغة. ورجحه الطبري بوجود نار البحر كذلك، وإلى هذا يعود القول الأول لأن قولهم: سجرت التنور معناه: ملأتها بما يحترق ويتقد و: الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ المملوء ماء، وهكذا هو معرض للعبرة، ومن هذا قول النمر بن تولب: [المتقارب]
إذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النبع والسماسما
سقتها رواعد من صي ... ف وإن من خريف فلن يعدما
يصف ثورا أو عينا مملوءة ماء، وقال ابن عباس: هو الذي ذهب ماؤه ف الْمَسْجُورِ: الفارغ، ويروى أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة وقيل يوقد البحر نارا يوم القيامة فذلك هو سجره. وقال ابن عباس أيضا: الْمَسْجُورِ: المحبوس، ومنه ساجور الكلب: وهو القلادة من عود أو حديد التي تمسكه، وكذلك لولا أن البحر يمسك لفاض على الأرض. وقال علي بن أبي طالب أيضا وعبد الله بن عمر ﵄: البحر المقسم به هو في السماء تحت العرش، والجمهور على أنه بحر الدنيا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ [التكوير: ٦] .
стр. 2434
وقال منذر بن سعيد: إن المعنى هو القسم بجهنم وسماها بحرا لسعتها وتموجها كما قال ﷺ في الفرس: «وإن وجدناه لبحر» والقسم واقع على قوله: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ويريد عذاب الآخرة للكفار. قال قتادة: والعامل في: يَوْمَ «واقع» ويجوز أن يكون العامل فيه دافِعٍ، والأول أبين. وقال مكي: لا يعمل فيه دافِعٍ. و: تَمُورُ معناه: تذهب وتجيء بالرياح متقطعة متفتتة، والغبار الموار: الذي يجتمع ويذهب ويجيء بالريح، ثم هو كله إلى الذهاب، ومنه قول الأعرابي:
وغادرت التراب مورا يصف سنة قحط. وأنشد معمر بن المثنى بيت الأعشى: [البسيط] مور السحابة لا ريث ولا عجل أراد مضيها، وقال الضحاك: تَمُورُ تموج. وقال مجاهد: تدور. وقال ابن عباس: تشقق، وهذه كلها تفاسير بالمعنى، لأن السماء العلو يعتريها هذا كله، وسير الجبال هو في أول الأمر، ثم تتفتت أثناء السير حتى تصير آخرا كالعهن المنفوش والفاء في قوله: فَوَيْلٌ عاطفة جملة على جملة وهي تتضمن ربط المعنى وتأكيده وإثبات الويل للمكذبين. والويل: السوء والمشقة والهم الأطول، ويروى أن في جهنم واديا يسمى: ويلا والخوض التخبط في الأباطيل، يشبه بخوض الماء، ومنه قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا [الأنعام: ٦٨] و: يَوْمَ الثاني بدل من: يَوْمَئِذٍ و: يُدَعُّونَ قال ابن عباس معناه: يدفعون في أعناقهم بشدة وإهانة وتعتعة، ومنه قوله تعالى: يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: ٢] وفي الكلام محذوف مختصر تقديره: يقال لهم هذه النار، وإخبارهم بهذا على جهة التوبيخ والتقريع وقرأ أبو رجاء العطاردي: «يوم يدعون إلى نار جهنم» من الدعاء بسكون الدال وفتح العين.
قوله :
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١٥ الى ٢٠]
أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)
مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)
لما قيل لهم هذه النار، وقفوا بعد ذلك على الجهتين التي يمكن منها دخول الشك في أنها النار وهي إما أن يكون ثم سحر يلبس ذات المرء، وإما أن يكون في بصر الناظر اختلال، وأمرهم بصليها على جهة التقريع، ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم: اصبروا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ أي عذابكم حتم، فسواء جزعكم وصبركم لا بد من جزاء أعمالكم. وقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ الآية يحتمل أن يكون خطاب أهل النار، فيكون إخبارهم بذلك زيادة في غمهم وسوء حالهم، ويحتمل وهو الأظهر أن يكون إخبارا لمحمد ﷺ ومعاصريه لما فرغ من ذكر عذاب الكفار عقب ذلك بنعيم
стр. 2435
المتقين ليبين الفرق ويقع التحريض على الإيمان. والمتقون هنا: متقو الشرك. لأنهم لا بد من مصيرهم إلى الجنات، وكلما زادت الدرجة في التقوى قوي الحصول في حكم الآية، حتى أن المتقين على الإطلاق هم في حكم الآية قطعا على الله بحكم خبره الصادق.
وقرأ الجمهور: «فاكهين» ومعناه: فرحين مسرورين. وقال أبو عبيدة: هو من باب لابن وتامر أي لهم فاكهة.
قال القاضي أبو محمد: والمعنى الأول أبرع.
وقرأ خالد فيما حكى أبو حاتم «فاكهين» والفكه والفاكه: المسرور المتنعم.
وقوله: بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ: أي من إنعامه ورضاه عنهم وقوله: وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ هذا متمكن ومتقي المعاصي الذي لا يدخل النار ويكون متقي الشرك الذي ينفذ عليه الوعيد بمعنى:
ووقاهم ربهم عذاب الخلود في الجحيم. ويحتمل أن يكون الْجَحِيمِ من طبقات جهنم ليست بمأوى للعصاة المؤمنين، بل هي مختصة بالكفرة فهم وإن عذبوا في نار فليسوا في عذاب الجحيم.
وقرأ جمهور الناس: «ووقاهم» بتخفيف القاف. وقرأ أبو حيوة: «ووقّاهم» بتشديدها على المبالغة، وذلك كله مشتق من الوقاية، وهي الحائل بين الشيء وما يضره والمعنى: يقال لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا.
وقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ معناه: أن رتب الجنة ونعيمها هو بحسب الأعمال وأما نفس دخولها فهو برحمة الله وتغمده، والأكل والشرب والتهني ليس من الدخول في شيء، وأعمال العباد الصالحة لا توجب على الله التنعيم إيجابا، لكنه قد جعلها أمارة على من سبق تنعيمه، وعلق الثواب والعقاب بالتكسب الذي في الأعمال. وقوله تعالى: مُتَّكِئِينَ نصب على الحال على حد قوله: فاكِهِينَ والعامل في هاتين الحالتين الفعل المقدر في قوله: فِي جَنَّاتٍ ويجوز غير هذا، وفي ذلك نظر، وقرأ أبو السمال: «على سرر» بفتح الراء الأولى. و: زَوَّجْناهُمْ معناه: جعلنا لكل فرد منهم زوجا، والحور: جمع حوراء، وهي البيضاء القوية بياض بياض العين وسواد سوادها، و «العين» جمع عيناء وهي الكبيرة العينين مع جمالهما.
وفي قراءة ابن مسعود وإبراهيم النخعي: «وزوجناهم بعيس عين» ، قال أبو الفتح: العيساء البيضاء. وقرأ عكرمة: «وزوجناهم حورا عينا» . وحكى أبو عمرو عن عكرمة أنه قرأ «بعيس عين» على إضافة «عيس» إلى «عين» .
قوله :
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢١ الى ٢٨]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥)
قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)
стр. 2436
وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطلحة والحسن وقتادة وأهل مكة: «واتبعتهم ذريتهم» «بهم ذريتهم» . وقرأ نافع وأبو جعفر وابن مسعود بخلاف عنه وشيبة والجحدري وعيسى، «وأتبعناهم ذريتهم» «بهم ذرياتهم» . وروى خارجة عنه مثل قراءة حمزة. وقرأ ابن عامر وابن عباس وعكرمة وابن جبير والضحاك: «واتبعتهم ذريتهم» «بهم ذريتهم» . وقرأ أبو عمرو والأعرج وأبو رجاء والشعبي وابن جبير والضحاك: «وأتبعناهم ذريتهم» «بهم ذريتهم» . فكون الذرية جمعا في نفسه حسن الإفراد في هذه القراءات، وكون المعنى يقتضي انتشار أو كثرة حسن جمع الذرية في قراءة «ذرياتهم» .
واختلف الناس في معنى الآية، قال ابن عباس وابن جبير والجمهور: أخبر الله تعالى أن المؤمنين تتبعهم ذريتهم في الإيمان. فيكونون مؤمنين كآبائهم. وإن لم يكونوا في التقوى والأعمال كالآباء، فإنه يلحق الأبناء بمراتب أولئك الآباء كرامة للآباء.
وقد ورد في هذا المعنى حديث النبي ﷺ فجعلوا الحديث تفسير الآية وكذلك وردت أحاديث تقتضي «أن الله تعالى يرحم الآباء رعيا للأبناء الصالحين» . وذهب بعض الناس إلى إخراج هذا المعنى من هذه الآية، وذلك لا يترتب إلا بأن يجعل اسم الذرية بمثابة نوعهم على نحو قوله تعالى أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس: ٤١] وفي هذا نظر. وقال ابن عباس أيضا والضحاك معنى هذه الآية: أن الله تعالى يحلق الأبناء الصغار بأحكام الآباء المؤمنين. يعني في الوراثة والدفن في قبور الإسلام وفي أحكام الآخرة في الجنة. وحكى أبو حاتم عن الحسن أنه قال: الآية في الكبار من الذرية وليس فيها من الصغار شيء. وقال منذر بن سعيد هي في الصغار لا في الكبار. وحكى الطبري قولا معناه أن الضمير في قوله: بِهِمْ عائد على ذرية، والضمير الذي بعده في: ذُرِّيَّتُهُمْ عائد على الَّذِينَ أي اتبعتهم الكبار وألحقنا نحن الكبار الصغار. وهذا قول مستكره.
وقوله: بِإِيمانٍ هو في موضع الحال. فمن رأى أن الآية في الأبناء الصغار. فالحال من الضمير في قوله: اتَّبَعَتْهُمْ فهو من المفعولين، ومن رأى أن الآية في الأبناء الكبار فيحتمل أن تكون الحال من المفعولين، ويحتمل أن تكون من المتبعين الفاعلين، وأرجح الأقوال في هذه الآية القول الأول. لأن الآيات كلها في صفة إحسان الله تعالى إلى أهل الجنة فذكر من جملة إحسانه أنه يرعى المحسن في المسيء. ولفظة أَلْحَقْنا تقتضي أن للملحق بعض التقصير في الأعمال.
وقرأ جمهور القراء: «ألتناهم» بفتح الألف من ألت. وقرأ ابن كثير وأبو يحيى وشبل: «ألتناهم» من ألت بكسر اللام. وقرأ الأعرج: «ألتناهم» على وزن أفعلناهم. وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود: «لتناهم» من لات، وهي قراءة ابن مصرف. ورواها القواس عن ابن كثير، وتحتمل قراءة من قرأ: «ألتناهم» بالفتح أن تكون من ألات، فإنه قال: ألات يليت إلاتة. ولات يليت ليتا. وآلت يولت إيلاتا، وألت يألت. وولت يلت ولتا. وكلها بمعنى نقص ومعنى هذه الآية: أن الله يلحق المقصر بالمحسن، ولا ينقص المحسن من أجره شيئا وهذا تأويل ابن عباس وابن جبير والجمهور، ويحتمل قوله تعالى: وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ
стр. 2437
شَيْءٍ بأن يريد من عملهم المحسن والقبيح، ويكون الضمير في عَمَلِهِمْ عائد على الأبناء، وهذا تأويل ابن زيد، ويحسن هذا الاحتمال قوله تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ، والرهين المرتهن، وفي هذه الألفاظ وعيد.
وحكى أبو حاتم عن الأعمش أنه قرأ: «وما لتناهم» بغير ألف وفتح اللام. قال أبو حاتم: لا تجوز هذه القراءة على وجه من الوجوه. وأمددت الشيء: إذا سربت إليه شيئا آخر يكثره أو يكثر لديه. وقوله:
مِمَّا يَشْتَهُونَ إشارة إلى ما روي من أن المنعم إذا اشتهى لحما نزل ذلك الحيوان بين يديه على الهيئة التي اشتهاه فيها، وليس يكون في الجنة لحم يخزن ولا يتكلف فيه الذبح والسلخ والطبخ. وبالجملة: لا كلفة في الجنة، و: يَتَنازَعُونَ معناه: يتعاطون، ومنه قول الأخطل: [البسيط]
نازعته طيب الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقعة الساري
والكأس: الإناء وفيه الشراب. ولا يقال في فارغ كأس، قاله الزجاج.
وقرأ جمهور من السبعة وغيرهم «لا لغو» بالرفع «ولا تأثيم» كذلك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن: «لا لغو ولا تأثيم» بالنصب على التبرية وعلى الوجهين. فقوله فِيها هو في موضع الخبر، وأغنى خبر الأولين عن ذكر خبر الثاني. واللغو: السقط من القول. والتأثيم: يلحق خمر الدنيا في نفس شربها وفي الأفعال التي تكون من شرابها، وذلك كله مرتفع في الآخرة. و: «اللؤلؤ المكنون» أجمل اللؤلؤ لأن الصون والكن يحسنه. وقال ابن جبير: أراد أنه الذي في الصدف لم تنله الأيدي، وقيل للنبي ﷺ : إذا كان الغلمان كاللؤلؤ المكنون، فكيف المخدومون؟ قال: «هم كالقمر ليلة البدر» . ثم وصف عنهم أنهم في جملة تنعمهم يتساءلون عن أحوالهم وما قال كل أحد منهم، وأنهم يتذكرون حال الدنيا وخشيتهم فيها عذاب الآخرة. وحكى الطبري عن ابن عباس قال: تساؤلهم إذا بعثوا في النفخة الثانية. والإشفاق أشد الخشية ورقة القلب.
وقرأ أبو حيوة: «ووقانا» بشد القاف. وقراءة الجمهور بتخفيفها. وأمال عيسى الثقفي: «ووقانا» بتخفيف القاف.
و: السَّمُومِ الحار. قال الرماني: هو الذي يبلغ مسام الإنسان، وهو النار في هذه الآية. وقد يقال في حر الشمس وفي الريح سموم. وقال الحسن: السَّمُومِ اسم من أسماء جهنم و: نَدْعُوهُ يحتمل أن يريد نعبده، ويحسن هذا على قراءة من قرأ: «أنه» بفتح الألف. وهي قراءة نافع. بخلاف والكسائي وأبي جعفر والحسن وأبي نوفل أي من أجل أنه. وقرأ باقي السبعة والأعرج وجماعة «أنه» على القطع والاستئناف، ويحسن مع هذه القراءة أن يكون نَدْعُوهُ بمعنى نعبده. أو بمعنى الدعاء نفسه، ومن رأى:
نَدْعُوهُ بمعنى الدعاء نفسه فيحتمل أن يجعل قوله: «أنه» بالفتح هو نفس الدعاء الذي كان في الدنيا.
و: الْبَرُّ هو الذي يبر ويحسن، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط]
جاءت من البيض زعر لا لباس لها ... إلا الدهاس وأم برة وأب
стр. 2438
قوله :
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢٩ الى ٣٦]
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦)
هذا أمر لرسول الله ﷺ بالدعاء إلى الله ومتابعة نشر الرسالة، ثم قال مؤنسا له:
فَما أَنْتَ بإنعام الله عليك أو لطفه بك بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ. وكانت العرب قد عهدت ملابسة الجن والإنس بهذين الوجهين، فنسبت محمدا ﷺ إلى ذلك فنفى الله تعالى عنه ذلك.
وقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ الآية، روي أن قريشا اجتمعت في دار الندوة فكثرت آراؤهم في محمد ﷺ حتى قال قائل منهم: تربصوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ فإنه شاعر سيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى وغيرهم، فافترقوا على هذه المقالة فنزلت الآية في ذلك، والتربص: الانتظار ومنه قول الشاعر: [الطويل]
تربص بها ريب المنون لعلها ... تطلق يوما أو يموت حليلها
وأنشد الطبري: [الطويل] لعلها سيهلك عنها زوجها أو ستجنح وقوله تعالى: قُلْ تَرَبَّصُوا وعيد في صيغة أمر، و: الْمَنُونِ من أسماء الموت، وبه فسر ابن عباس، ومن أسماء الدهر أيضا، وبه فسر مجاهد وقال الأصمعي: الْمَنُونِ واحد لا جمع له وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له.
قال القاضي أبو محمد: والريب هنا: الحوادث والمصائب، لأنها تريب من نزلت به ومنه قول النبي ﷺ في أمر ابنته فاطمة حين ذكر أن عليا يتزوج بنت أبي جهل: «إنما فاطمة بضعة مني، يريبني ما أرابها» . يقال أراب وراب، ومنه: [الطويل] فقد رابني منها الغداة سفورها وقول الآخر: [المتقارب] وقد رابني قولها يا هناه وأمر الله تعالى نبيه ﷺ بتوعدهم بقوله: قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ وقوله تعالى: بِهذا يحتمل أن يشير إلى هذه المقالة: هو شاعر، ويحتمل أن يشير إلى ما هم عليه من
стр. 2439
الكفر وعبادة الأصنام. والأحلام: العقول. و: أَمْ المتكررة في هذه الآية قدرها بعض النحاة بألف الاستفهام، وقدرها مجاهد ب «بل» . والنظر المحرر في ذلك أن منها ما يتقدر ببل، والهمزة على حد قول سيبويه في قولهم: إنها لا بل أم شاء، ومنها ما هي معادلة، وذلك قوله: أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ.
وقرأ مجاهد: «بل هم قوم طاغون» وهو معنى قراءة الناس، إلا أن العبارة ب أَمْ خرجت مخرج التوقيف والتوبيخ. وحكى الثعلبي عن الخليل أنه قال: ما في سورة «الطور» من أَمْ كله استفهام وليست بعطف. و: تَقَوَّلَهُ معناه: قال عن الغير إنه قاله. فهي عبارة عن كذب مخصوص. ثم عجزهم تعالى بقوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ والمماثلة المطلوبة منهم هي في النظم والرصف والإيجاز.
واختلف الناس هل كانت العرب قادرة على الإتيان بمثل القرآن قبل مجيء محمد ﷺ ، فقال شداد: يسمون أهل الصرفة كانت قادرة وصرفت، وقال الجمهور: لم تكن قط قادرة ولا في قدرة البشر أن يأتي بمثله. لأن البشر لا يفارقه النسيان والسهو والجهل والله تعالى محيط علمه بكل شيء.
فإذا ترتبت اللفظة في القرآن، علم بالإحاطة التي يصلح أن تليها ويحسن معها المعنى. وذلك متعذر في البشر، والهاء في مِثْلِهِ عائدة على القرآن.
وقرأ الجحدري «بحديث مثله» بإضافة الحديث إلى مثل. فالهاء على هذا عائدة على محمد ﷺ .
وقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ قال الطبري معناه: أم خلقوا خلق الجماد من غير حي فهم لا يؤمرون ولا ينهون كما هي الجمادات عليه. وقال آخرون معناه: خلقوا لغير علة ولا لغير عقاب ولا ثواب. فهم لذلك لا يسمعون ولا يتشرعون. وهذا كما تقول: فعلت كذا وكذا من غير علة، أي لغير علة.
ثم وقفهم على جهة التوبيخ على أنفسهم: أهم الذين خلقوا الأشياء؟ فهم لذلك يتكبرون، ثم خصص من الأشياء السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لعظمها وشرفها في المخلوقات، ثم حكم عليهم بأنهم لا يُوقِنُونَ ولا ينظرون نظرا يؤديهم إلى اليقين.
قوله :
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٣٧ الى ٤٤]
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)
قوله تعالى: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ بمنزلة قوله: أم عندهم الاستغناء عن الله في جميع الأمور، لأن المال والصحة والقوة غير ذلك من الأشياء كلها من خزائن الله كلها. قال الزهراوي وقيل يريد ب «الخزائن» : العلم، وهذا قول حسن إذا تأمل وبسط. وقال الرماني: خزائنه تعالى: مقدوراته،
стр. 2440
و: «المصيطر» المسلط القاهر، وبذلك فسر ابن عباس وأصله السين، ولكن كتبه بعض الناس. وقرأه بالصاد مراعاة للطاء ليتناسب النطق. وحكى أبو عبيدة: تسيطرت علي إذا اتخذتني خولا. والسلم: السبب الذي يصعد به كان ما كان من خشب أو بناء أو حبال. ومنه قول ابن مقبل: [البسيط]
لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا ... تبنى له في السماوات السلاليم
وحكى الرماني قال: لا يقال سلم لما يبنى من الأدراج، وإنما السلم المشبك، وبيت الشعر يرد عليه، والمعنى: ألهم سُلَّمٌ إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أي عليه ومنه، وهذه حروف يسد بعضها مسد بعض، والمعنى: يستمعون الخبر بصحة ما يدعونه فليأتوا بالحجة المبينة في ذلك وقوله تعالى: أَمْ لَهُ الْبَناتُ الآية، معناه: أم هم أهل الفضيلة علينا فيلزم لذلك انتخاؤهم وتكبرهم، ثم قال تعالى:
أَمْ تَسْأَلُهُمْ يا محمد على الإيمان بالله وشرعه أجرة يثقلهم غرمها فهم لذلك يكرهون الدخول فيما يوجب غرامتهم ثم قال تعالى: أَمْ عِنْدَهُمُ علم الْغَيْبُ فهم يبينون ذلك للناس سننا وشرعا يكتبونه وذلك عبادة الأوثان وتسييب السوائب وغير ذلك من سيرهم. وقيل المعنى: فهم يعلمون متى يموت محمد الذي يتربصون به، و: يَكْتُبُونَ بمعنى يحكمون، وقال ابن عباس: يعني أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون به. ثم قال تعالى: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً بك وبالشرع، ثم جزم الخبر بأنهم هُمُ الْمَكِيدُونَ، أي المغلوبون، فسمى غلبتهم كَيْداً إذ كانت عقوبة الكيد. ثم قال تعالى: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يعصمهم ويمنعهم منهم ويدفع في صدر إهلاكهم. ثم نزه تعالى نفسه عَمَّا يُشْرِكُونَ به من الأصنام والأوثان، وهذه الأشياء التي وقفهم تعالى عليها حصرت جميع المعاني التي توجب الانتخاء والتكبر والبعد من الائتمار، فوقفهم تعالى عليها أي ليست لهم ولا بقي شيء يوجب ذلك إلا أنهم قوم طاغون. وهذه صفة فيها تكسبهم وإيثارهم فيتعلق بذلك عقابهم. ثم وصفهم تعالى بأنهم على الغاية من العتو والتمسك بالأقوال الباطلة في قوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً الآية، وذلك أن قريشا كان في جملة ما اقترحت به أن تنزل من السماء عليها كسف وهي القطع، واحدها كسفة، وتجمع أيضا على كسف كثمرة وتمر، قال الرماني: هي التي تكون بقدر ما يكسف ضوء الشمس. فأخبر الله عنهم في هذه الآية أنهم لو رأوا كسفا ساقِطاً حسب اقتراحهم لبلغ بهم العتو والجهل والبعد عن الحق أن يغالطوا أنفسهم وغيرهم ويقولوا هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ. أي كثيف قد تراكم بعضه فوق بعض، ولهذه الآية نظائر في آيات أخر.
قوله :
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٤٥ الى ٤٩]
فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)
قوله: فَذَرْهُمْ وما جرى مجراه من الموادعة منسوخ بآية السيف.
وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو بخلاف عنه «يلقوا» ، والجمهور على «يلاقوا» .
стр. 2441
واختلف الناس في اليوم الذي توعدوا به، فقال بعض المتأولين: هو موتهم واحدا واحدا وهذا على تجوز، والصعق: التعذب في الجملة وإن كان الاستعمال قد كثر فيه فيما يصيب الإنسان من الصيحة المفرطة ونحوه. ويحتمل أن يكون اليوم الذي توعدوا به يوم بدر، لأنهم عذبوا فيه، وقال الجمهور: التوعد بيوم القيامة، لأن فيه صعقة تعم جميع الخلائق، لكن لا محالة أن بين صعقة المؤمن وصعقة الكافر فرقا.
وقرأ جمهور القراء: «يصعقون» من صعق الرجل بكسر العين. وقرأ أبو عبد الرحمن: «يصعقون» بفتح الياء وكسر العين. وقرأ عاصم وابن عامر وأهل مكة في قول شبل: «يصعقون» بضم الياء، وذلك من أصعق الرجل غيره. وحكى الأخفش: صعق الرجل بضم الصاد وكسر العين.
قال أبو علي: فجائز أن يكون منه فهو مثل يضربون، قال أبو حاتم: وفتح أهل مكة الياء في قول إسماعيل. و: يُغْنِي يكون منه غناء ودفاع.
ثم أخبر تعالى بأنهم لهم دون هذا اليوم، أي قبله عذاب، واختلف الناس في تعيينه، فقال ابن عباس وغيره: هو بدر والفتح ونحوه. وقال مجاهد: هو الجوع الذي أصاب قريشا. وقال البراء بن عازب وابن عباس أيضا: هو عذاب القبر، ونزع ابن عباس وجود عذاب القبر بهذه الآية. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا في الأجسام وفي الأحبة وفي الأموال، هي للمؤمنين رحمة وللكافرين عذاب، وفي قراءة ابن مسعود:
دون ذلك قريبا وَلكِنَّ لا يَعْلَمُونَ. ثم أمر تعالى نبيه بالصبر لحكم الله والمضي على نذارته ووعده بقوله: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا، ومعناه بإدراكنا وأعين حفظنا وحيطتنا كما تقول: فلان يرعاه الملك بعين، وهذه الآية ينبغي أن يقررها كل مؤمن في نفسه، فإنها تفسح مضايق الدنيا. وقرأ أبو السمال: «بأعينا» بنون واحدة مشددة.
واختلف الناس في قوله: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ فقال أبو الأحوص عوف بن مالك: هو التسبيح المعروف، أن يقول في كل قيام له سبحان الله وبحمده. وقال عطاء: المعنى: حين تقوم من كل مجلس.
وقال ابن زيد: التسبيح هنا هو صلاة النوافل. وقال الضحاك وابن زيد: هذه إشارات إلى الصلاة المفروضة ف حِينَ تَقُومُ: الظهر والعصر، أي حِينَ تَقُومُ من نوم القائلة. وَمِنَ اللَّيْلِ المغرب والعشاء. وَإِدْبارَ النُّجُومِ الصبح. ومن قال هي النوافل جعل إدبارهم النُّجُومِ: ركعتي الفجر، وعلى هذا القول جماعة كثيرة، منهم عمر وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة والحسن ﵃. وقد روي مرفوعا ومن جعله التسبيح المعروف، جعل قوله: حِينَ تَقُومُ مثالا، أي حين تقوم وحين تقعد وفي كل تصرفك. وحكى منذر عن الضحاك أن المعنى: حِينَ تَقُومُ في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام فقل.
«سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، الحديث» .
وقرأ سالم بن أبي الجعد ويعقوب: «وأدبار» بفتح الهمزة بمعنى: وأعقاب، ومنه قول الشاعر [قيس بن الملوح] : [الطويل]
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرب
وقرأ جمهور الناس: «وإدبار» بكسر الهمزة.
стр. 2442
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة النجم
وهي مكية بإجماع من المتأولين وهي أول سورة أعلن بها رسول الله ﷺ وجهر بقراءتها في الحرم والمشركون يستمعون، وفيها سجد وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس غير أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته وقال يكفيني هذا وسبب هذه السورة أن المشركين قالوا إن محمدا يتقول القرآن ويختلق أقواله فنزلت السورة في ذلك.
قوله :
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١)
أقسم الله تعالى بهذا المخلوق تشريفا له وتنبيها منه ليكون معتبرا فيه حتى تولى العبرة إلى معرفة الله تعالى. وقال الزهري، المعنى: ورب النجم، وفي هذا قلق مع لفظ الآية. واختلف المتأولون في تعيين النجم المقسم به فقال ابن عباس ومجاهد والفراء، وبينه منذر بن سعيد هو الجملة من القرآن إذا تنزلت، وذلك أنه روي أن القرآن نزل على محمد ﷺ نجوما أي أقدارا مقدرة في أوقات ما، ويجيء هَوى على هذا التأويل بمعنى: نزل، وفي هذا الهوى بعد وتحامل على اللغة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: ٧٥] والخلاف في هذا كالخلاف في تلك، وقال الحسن ومعمر بن المثنى وغيرهما: النَّجْمِ هنا اسم جنس، أرادوا النجوم إذا هوت، واختلف قائلو هذه المقالة في معنى: هَوى فقال جمهور المفسرين: هَوى إلى الغروب، وهذا هو السابق إلى الفهم من كلام العرب، وقال الحسن بن أبي الحسن وأبو حمزة الثمالي هَوى عند الانكدار في القيامة فهي بمعنى. قوله: وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ. [الانفطار: ٢] وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي هو في الانقضاض في أثر العفرية وهي رجوم الشياطين، وهذا القول تسعده اللغة، والتأويلات في هَوى محتملة، كلها قوية ومن الشاهد في النجم الذي هو اسم الجنس قول الراعي:
فتاقت تعد النجم في مستحيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها
يصف إهالة صافية، والمستحيرة: القدر التي يطبخ فيها، قاله الزجاج. وقال الرماني وغيره: هي
стр. 2443
شحمة صافية حين ذابت، وقال مجاهد وسفيان: النَّجْمِ في قسم الآية الثريا، وسقوطها مع الفجر هو هويها والعرب لا تقول النجم مطلقا إلا للثريا، ومنه قول العرب [مجزوء الرمل]
طلع النجم عشاء ... فابتغى الراعي كساء
طلع النجم غدية ... فابتغى الراعي شكية
وهَوى على هذا القول يحتمل الغروب ويحتمل الانكدار، وهَوى في اللغة معناه: خرق الهوى ومقصده السفل أو مسيره إن لم يقصده إليه، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل]
هوى ابني شفا جبل ... فزلّت رجله ويده
وقول الشاعر: [الطويل]
وإن كلام المرء في غير كنهه ... لك النبل تهوي ليس فيها نصالها
وقول زهير:
هوي الدلو أسلمها الرشاء ومنه قولهم للجراد: الهاوي، ومنه هوى العقاب.
والقسم واقع على قوله: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى والضلال أبدا يكون من غير قصد من الإنسان إليه. والغي كأنه شيء يكتسبه الإنسان ويريده، نفى الله تعالى عن نبيه هذين الحالين، وغَوى:
الرجل يغوي إذا سلك سبيل الفساد والعوج، ونفى الله تعالى عن نبيه أن يكون ضل في هذه السبيل التي أسلكه الله إياها، وأثبت له تعالى في الضحى أنه قد كان قبل النبوءة ضالا بالإضافة إلى حاله من الرشد بعدها.
وقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى يريد محمدا ﷺ أنه ليس يستكلم عن هواه، أي بهواه وشهوته. وقال بعض العلماء: المعنى: وما ينطق القرآن المنزل عن هوى وشهوة، ونسب النطق إليه من حيث تفهم عنه الأمور كما قال: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ [الجاثية: ٢٩] وأسند الفعل إلى القرآن ولم يتقدم له ذكر لدلالة المعنى عليه.
وقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى يراد به القرآن بإجماع، والوحي: إلقاء المعنى في خفاء، وهذه عبارة تعم الملك والإلهام والإشارة وكل ما يحفظ من معاني الوحي.
والضمير في قوله: عَلَّمَهُ يحتمل أن يكون للقرآن، والأظهر أنه لمحمد ﷺ .
وأما المعلم فقال قتادة والربيع وابن عباس: هو جبريل ﵇، أي علم محمدا القرآن. وقال الحسن المعلم الشديد القوى هو الله تعالى. والْقُوى جمع قوة، وهذا في جبريل مكتمن، ويؤيده قوله تعالى:
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ٢٠] . وذُو مِرَّةٍ معناه: ذو قوة، قاله قتادة وابن زيد والربيع، ومنه قول النبي ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» . وأصل المرة
стр. 2444
من مرائر الحبل، وهي فتله وإحكام عمله، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] بكل ممر الفتل شد بيذبل وقال قوم ممن قال إن ذا المرة جبريل. معنى: ذُو مِرَّةٍ ذو هيئة حسنة وقال آخرون: بل معناه ذو جسم طويل حسن.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف.
و (استوى) مستند إلى الله تعالى في قول الحسن الذي قال: إنه لمتصف: ب شَدِيدُ الْقُوى، وكذلك يجيء قوله: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى صفة الله تعالى على معنى وعظمته وقدرته وسلطانه تتلقى نحو «الأفق الأعلى» ، ويجيء المعنى نحو قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥] ، ومن قال إن المتصف ب شَدِيدُ الْقُوى هو جبريل ﵇ قال: إن (استوى) مستند إلى جبريل، واختلفوا بعد ذلك، فقال الربيع والزجاج: المعنى: فَاسْتَوى جبريل في الجو، وهو إذ ذاك، بِالْأُفُقِ الْأَعْلى إذ رآه رسول الله ﷺ بحراء قد سد الأفق، له ستمائة جناح، وحينئذ دنا من محمد حتى كان قابَ قَوْسَيْنِ، وكذلك هو المراد في هذا القول النزلة الأخرى في صفته العظيمة له ستمائة جناح عند السدرة وقال الطبري والفراء المعنى: فَاسْتَوى جبريل.
وقوله: وَهُوَ يعني محمدا ﷺ ، وقد تقدم ذكره في الضمير في عَلَّمَهُ. وفي هذا التأويل العطف على المضمر المرفوع دون أن يؤكد، وذلك عند النحاة مستقبح، وأنشد الفراء على قوله:
[الطويل]
ألم تر أن النبع يصلب عوده ... ولا يستوي والخروع المتقصف
وقد ينعكس هذا الترتيب فيكون «استوى» لمحمد وهو لجبريل ﵇، وأما الْأَعْلى فهو عندي لقمة الرأس وما جرى معه. وقال الحسن وقتادة: هو أفق مشرق الشمس وهذا التخصيص لا دليل عليه. واختلف الناس إلى من استند قوله. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فقال الجمهور: استند إلى جبريل ﵇، أي دنا إلى محمد في الأرض عند حراء. وقال ابن عباس وأنس في حديث الإسراء ما يقتضي أنه يستند إلى الله تعالى، ثم اختلف المتأولون، فقال مجاهد: كان الدنو إلى جبريل. وقال بعضهم: كان إلى محمد.
و: دَنا فَتَدَلَّى على هذا القول معه حذف مضاف. أي دنا سلطانه ووحيه وقدره لا الانتقال، وهذه الأوصاف منتفية في حق الله تعالى. والصحيح عندي أن جميع ما في هذه الآيات هو مع جبريل، بدليل قوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣] فإن ذلك يقضي بنزلة متقدمة، وما روي قط أن محمدا رأى ربه قبل ليلة الإسراء، أما أن الرؤية بالقلب لا تمنع بحال ودَنا أعم من: «تدلى» ، فبين تعالى بقوله:
فَتَدَلَّى هيئة الدنو كيف كانت، و: قابَ معناه: قدر. وقال قتادة وغيره: معناه من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال الحسن ومجاهد: من الوتر إلى العود في وسط القوس عند المقبض.
وقرأ محمد بن السميفع اليماني: «فكان قيس قوسين» ، والمعنى قريب من قابَ، ومن هذه
стр. 2445
اللفظة قول النبي ﵇: «لقاب قوس أحدكم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» وفي حديث آخر:
«لقاب قوس أحدكم في الجنة» .
وقوله: أَوْ أَدْنى معناه: على مقتضى نظر البشر، أي لو رآه أحدكم لقال في ذلك قوسان أو أدنى من ذلك، وقال أبو زيد ليست بهذه القوس، ولكن قدر الذراعين أو أدنى، وحكى الزهراوي عن ابن عباس أن القوس في هذه الآية ذراع تقاس به الأطوال، وذكره الثعلبي وأنه من لغة الحجاز.
وقوله تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
، قال ابن عباس المعنى: فَأَوْحى
الله إِلى عَبْدِهِ
جبريل ما أَوْحى
. وفي قوله: ما أَوْحى
إبهام على جهة التفخيم والتعظيم، والذي عرف من ذلك فرض الصلاة، وقال الحسن المعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى كالأولى في الإبهام، وقال ابن زيد المعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى الله إلى جبريل.
وقوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى قرأ جمهور القراء بتخفيف الذال على معنى لم يكذب قلب محمد الشيء الذي رأى، بل صدقه وتحققه نظرا، وكَذَبَ يتعدى، وقال أهل التأويل ومنهم ابن عباس وأبو صالح: رأى محمد الله تعالى بفؤاده. وقال النبي ﷺ : «جعل الله نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي» . وقال آخرون من المتأولين المعنى: ما رأى بعينه لم يكذب ذلك قلبه، بل صدقه وتحققه، ويحتمل أن يكون التقدير فيما رأى، وقال ابن عباس فيما روي عنه وعكرمة وكعب الأحبار إن محمدا ﷺ رأى ربه بعيني رأسه. وبسط الزهراوي هذا الكلام عنهم وأبت ذلك عائشة، وقالت: أنا سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآيات، فقال لي: «هو جبريل فيها كلها» . وقال الحسن المعنى: ما رأى من مقدورات الله وملكوته. وسأل أبو ذر رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: هو نور إني أراه، وهذا قول الجمهور، وحديث عائشة عن النبي ﷺ قاطع بكل تأويل في اللفظ، لأن قول غيرها إنما هو منتزع من ألفاظ القرآن. وقرأ ابن عامر فيما روى عنه هشام: «ما كذّب» بشد الذال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي جعفر وقتادة والجحدري وخالد، ومعناه بين على بعض ما قلناه، وقال كعب الأحبار: إن الله تعالى قسم الكلام والرؤية بين موسى ومحمد، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، وقالت عائشة ﵂: لقد وقف شعري من سماع هذا وتلت:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام: ١٠٣] . وذهبت هي وابن مسعود وقتادة وجمهور العلماء إلى أن المرئي هو جبريل ﵇ في المرتين: في الأرض وعند سدرة المنتهى ليلة الإسراء، وقد ذكرتها في سورة «سبحان» وهي مشهورة في الكتب الصحاح.
وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آيها وأمال عاصم في رواية أبي بكر:
«رأى» . وقرأ نافع وأبو عمرو بين الفتح. وأمال حمزة والكسائي جميع ما في السورة، وأمال أبو عمرو فيما روى عنه عبيد: «الأعلى» و: «تدلى» .
قوله :
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١٢ الى ١٨]
أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦)
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)
стр. 2446
قوله تعالى: أَفَتُمارُونَهُ خطاب لقريش، وهو من الصراء والمعنى أتجادلونه في شيء رآه وأبصره، وهذه قراءة الجمهور وأهل المدينة، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وحمزة والكسائي:
«أفتمرونه» بفتح التاء دون ألف بعد الميم، والمعنى: أفتجدونه؟ وذلك أن قريشا لما أخبرها رسول الله ﷺ بأمره في الإسراء مستقصى، كذبوا واستخفوا حتى وصف لهم بيت المقدس وأمر عيرهم وغير ذلك مما هو في حديث الإسراء مستقصى، ورواها سعيد عن النخعي: «أفتمرونه» بضم التاء، قال أبو حاتم: وذلك غلط من سعيد. وقوله: يَرى مستقبلا والرؤية قد مضت عبارة تعم جميع ما مضى وتشير إلى ما يمكن أن يقع بعد، وفي هذا نظر.
واختلف الناس في الضمير في قوله: وَلَقَدْ رَآهُ حسبما قدمناه، فقال ابن عباس وكعب الأحبار: هو عائد على الله، وقال ابن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع: هو عائد على جبريل. و: نَزْلَةً معناه: مرة، ونصبه على المصدر في موضع الحال. و: سِدْرَةِ الْمُنْتَهى هي شجرة نبق، قال كعب: هي في السماء السابعة، وروى ذلك مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ . وقال ابن مسعود: في السماء السادسة. وقيل لها: سِدْرَةِ الْمُنْتَهى لأنها إليها ينتهي علم كل عالم، ولا يعلم ما وراءها صعدا إلا الله تعالى. وقيل سميت بذلك لأنها إليها ينتهي من مات على سنة النبي ﷺ .
قال القاضي أبو محمد: هم المؤمنون حقا من كل جيل.
وقيل سميت بذلك، لأن ما نزل من أمر الله فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة العلو، وما صعد من الأرض فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة السفل. وروي عن النبي ﵇ أن الأمة من الأمم تستظل بظل الفنن منها، وقال رسول الله ﷺ : «رفعت لي سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة» .
وقوله تعالى: عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى قال الجمهور: أراد أن يعظم مكان السدرة ويشرفه بأن جَنَّةُ الْمَأْوى عندها. قال الحسن: وهي الجنة التي وعد بها العالم المؤمن. وقال قتادة وابن عباس بخلاف هي جنة يأوي إليها أرواح الشهداء والمؤمنين، وليست بالجنة التي وعد بها المؤمنون جنة النعيم، وهذا يحتاج إلى سند وما أراه يصح عن ابن عباس.
وقرأ علي بن أبي طالب وابن الزبير بخلاف، وأنس بن مالك بخلاف، وأبو الدرداء وزر بن حبيش وقتادة ومحمد بن كعب: «جنه المأوى» بالهاء في جنة، وهو ضمير محمد ﷺ ، والمعنى:
ستره وضمه إيواء الله تعالى وجميل صنعه به، يقال: جنه وأجنه، وردت عائشة وصحابة معها هذه القراءة وقالوا: أجن الله من قرأها. والجمهور قرأ: «جنة» كالآية الأخرى: فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا [السجدة: ١٩] وحكى الثعلبي أن معنى «جنه المأوى» : ضمه المبيت والليل.
وقوله: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى التعامل في: إِذْ، رَآهُ. المعنى: رآه في هذه الحال.
стр. 2447
وما يَغْشى معناه من قدرة الله، وأنواع الصفات التي يخترعها لها، وذلك منهم على جهة التفخيم والتعظيم، وقال مجاهد تبدل أغصانها درا وياقوتا ونحوه. وقال ابن مسعود ومسروق ومجاهد: ذلك جراد من ذهب كان يغشاها. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «رأيتها ثم حال دونها فراش الذهب» . وقال الربيع وأبو هريرة: كان تغشاها الملائكة كما تغشى الطير الشجر، وقيل غير هذا مما هو تكلف في الآية، لأن الله تعالى أبهم ذلك وهم يريدون شرحه، وقد قال رسول الله ﷺ :
«فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟» وقوله تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ قال ابن عباس معناه: ما جال هكذا ولا هكذا. وقوله: وَما طَغى معناه: ولا تجاوز المرئي، بل وقع عليه وقوعا صحيحا، وهذا تحقيق للأمر ونفي لوجود الريب عنه.
وقوله تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى قال جماعة من أهل التأويل معناه: رأى الكبرى من آيات ربه، والمعنى مِنْ آياتِ رَبِّهِ التي يمكن أن يراها البشر، ف الْكُبْرى على هذا مفعول ب رَأى. وقال آخرون المعنى: لَقَدْ رَأى بعضا مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى، ف الْكُبْرى على هذا وصف للآيات، والجمع مما لا يعقل في المؤنث يوصف أبدا على حد وصف الواحدة. وقال ابن عباس وابن مسعود: رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سد الأفق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في صورته التي هو بها في السماوات.
قوله :
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١٩ الى ٢٦]
أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦)
قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ مخاطبة لقريش، وهي من رؤية العين، لأنه أحال على أجرام مرئية، ولو كانت: أرأيت: التي هي استفتاء لم تتعد. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وقدرته، قال على جهة التوقيف:
أرأيتم هذه الأوثان وحقارتها وبعدها عن هذه القدرة والصفات العلية و: اللَّاتَ اسم صنم كانت العرب تعظمه، قال أبو عبيدة وغيره: كان في الكعبة، وقال قتادة: كان بالطائف. وقال ابن زيد: كان بنخلة عند سوق عكاظ، وقول قتادة أرجح يؤيده قول الشاعر: [المتقارب]
وفرّت ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الخائب الخاسر
والتاء في: اللَّاتَ لام فعل كالباء من باب، وقال قوم هي تاء تأنيث، والتصريف يأبى ذلك، وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: «اللاتّ» بشد التاء، وقالوا: كان هذا الصنم حجرا وكان عنده رجل من بهز يلت سويق الحاج على ذلك الحجر ويخدم الأصنام، فلما مات عبدوا الحجر الذي كان عنده إجلالا لذلك الرجل وسموه باسمه، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير وابن عامر، وَالْعُزَّى: صخرة بيضاء
стр. 2448
كانت العرب تعبدها وتعظمها، قاله سعيد بن جبير وقال ابن مجاهد: كانت شجيرات تعبد ثم ببلاها انتقل أمرها إلى صخرة. و «عزى» مؤنثة عزيز ككبرى وعظمى، وكانت هذه الأوثان تعظم الوثن منها قبيلة وتعبدها، ويجيء كل من عز من العرب فيعظمها بتعظيم حاضرها. وقال أبو عبيدة معمر: كانت الْعُزَّى وَمَناةَ في الكعبة، وقال ابن زيد: وكانت الْعُزَّى بالطائف، وقال قتادة: كانت بنخلة وأما مَناةَ فكانت بالمشلل من قديد، وذلك بين مكة والمدينة، وكانت أعظم هذه الأوثان قدرا وأكثرها عابدا، وكانت الأوس والخزرج تهل لها، ولذلك قال تعالى: الثَّالِثَةَ الْأُخْرى فأكدها بهاتين الصفتين، كما تقول رأيت فلانا وفلانا ثم تذكر ثالثا أجل منهما، فتقول وفلانا الآخر الذي من أمره وشأنه.
ولفظة آخر وأخرى يوصف به الثالث من المعدودات، وذلك نص في الآية، ومنه قول ربيعة بن مكدم: [الكامل] ولقد شفعتهما بآخر ثالث وهو التأويل الصحيح في قول الشاعر [عبيد بن الأبرص] : [مجزوء الكامل]
جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه
وقرأ ابن كثير وحده: «ومناءة» بالهمز والمد وهي لغة فيها، والأول أشهر وهي قراءة الناس، ومنها قول جرير: [الوافر]
أزيد مناة توعد بابن تيم ... تأمل أين تاه بك الوعيد
ووقف تعالى الكفار على هذه الأوثان وعلى قولهم فيها، لأنهم كانوا يقولون: هي بنات الله، فكأنه قال: أرأيتم هذه الأوثان وقولكم هي بنات الله أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى، أي النوع المستحسن المحبوب هو لكم وموجود فيكم؟ والمذموم المستثقل عندكم هو له بزعمكم، ثم قال تعالى على جهة الإنكار: تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى أي عوجاء، قاله مجاهد، وقيل ضِيزى معناه: جائرة، قاله ابن عباس وقتادة، وقال سفيان معناه: منقوصة، وقال ابن زيد معناه: مخالفة، والعرب تقول: ضزته حقه أضيزه، بمعنى: منعته منه وظلمته فيه، و: ضِيزى من هذا التصريف وأصلها فعلى بضم الفاء ضوزى لأنه القياس، إذ لا يوجد في الصفات فعلى بكسر الفاء، كذا قال سيبويه وغيره، فإذا كان هذا فهي ضوزى: كسر أولها كما كسر أول عين وبيض طلبا للتخفيف، إذ الكسرة والياء أخف من الضمة والواو كما قالوا بيوت وعصى هي في الأصل فعول بضم الفاء، وتقول العرب: ضزته أضوزه فكان يلزم على هذا التصريف أن يكون ضوزى فعلى، وفي جميع هذا نظر. وقرأ ابن كثير: «ضئيزى» بالهمز على أنه مصدر كذكرى، وقرأ الجمهور بغير همز.
ثم قال تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ يعني أن هذه الأوصاف من أنها إناث وأنها تعبد آلهة ونحو هذا إلا أسماء، أي تسميات اخترعتموها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ لا حقيقة لها ولا أنزل الله تعالى بها برهانا ولا حجة، وقرأ عيسى بن عمر: «سلطان» بضم اللام، وقرأ هو وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب وطلحة والأعمش «إن تتبعون» بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وعاصم ونافع والأعمش أيضا والجمهور: «يتبعون» بالياء
стр. 2449
على الحكاية عن الغائب والظَّنَّ: ميل النفس إلى أحد معتقدين متخالفين دون أن يكون ميلها بحجة ولا برهان وهوى الأنفس: هو إرادتها الملذة لها وإنما تجد هوى النفس أبدا فيترك الأفضل، لأنها مجبولة بطبعها على حب الملذ، وإنما يردعها ويسوقها إلى حسن العاقبة العقل والشرع.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى اعتراض بين الكلام فيه توبيخ لهم، لأن سرد القول إنما هو يتبعون ولا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ، أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى، وقف على جهة التوبيخ والإنكار لحالهم ورأيهم، ثم اعترض بعد قوله: وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى جملة في موضع الحال، والهدى المشار إليه، محمد وشرعه.
وقرأ ابن مسعود وابن عباس: «ولقد جاءكم من ربكم» بالكاف فيهما، وقال الضحاك إنهما قرآ «ولقد جاءك من ربك» .
و «الإنسان» في قوله: أَمْ لِلْإِنْسانِ، اسم الجنس، كأنه يقول ليست الأشياء بالتمني والشهوات، إنما الأمر كله لله والأعمال جارية على قانون أمره ونهيه فليس لكم، أيها الكفرة مرادكم في قولكم هذه آلهتنا وهي تنفعنا وتقربنا زلفى ونحو هذا. وقال ابن زيد والطبري: «الإنسان» هنا: محمد، بمعنى أنه لم ينل كرامتنا بتأميل، بل بفضل الله أو بمعنى بل إنه تمنى كرامتنا فنالها، إذ الكل لله يهب ما شاء، وهذا لا تقتضيه الآيات، وإن كان اللفظ يعمه. و: الْآخِرَةُ وَالْأُولى الداران، أي له كل أمرهما ملكا ومقدورا وتحت سلطانه.
وقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ الآية، رد على قريش في قولهم: الأوثان شفعاؤنا، كأنه يقول: هذه حال الملائكة الكرام، فكيف بأوثانكم، وكَمْ للتكثير وهي في موضع رفع بالابتداء والخبر: لا تُغْنِي والغناء جلب النفع ودفع الضر بحسب الأمر الذي يكون فيه الغناء وجمع الضمير في شَفاعَتُهُمْ على معنى: كَمْ ومعنى الآية: أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ في أن يشفع لشخص ما ويرضى عنه كما أذن في قوله:
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ [غافر: ٧] .
قوله :
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٢٧ الى ٣١]
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ هم كفار العرب، وقوله: لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ معناه: ليصفون الملائكة بأوصاف الأنوثة وأخبر تعالى عنهم أنهم لا علم لهم بذلك، وإنما هي ظنون منهم لا حجة لهم عليها وقرأ ابن مسعود: «من علم إلا اتباع الظن» .
стр. 2450
وقوله: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً أي في المعتقدات المواضع التي يريد الإنسان أن يحرر ما يعقل ويعتقد فإنها مواضع حقائق لا تنفع الظنون فيها، وأما في الأحكام وظواهرها فيجتزى فيها بالظنونات، ثم سلى تعالى نبيه وأمره بالإعراض عن هؤلاء الكفرة، وما في الآية من موادعتهم منسوخ بآية السيف.
وقوله: وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا معناه لا يصدق بغيرها، فسعيه كله وعمله إنما هو لدنياه.
وقوله تعالى: ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ معناه هنا انتهى تحصيلهم من المعلومات، وذلك أن المعلومات منها ما هي معقولات نافعة في الآخرة، ومنها ما هي أمور فانية وأشخاص بادية كالفلاحة وكثير من الصنائع وطلب الرئاسة على الناس بالمخرقة، فكلها معلومات ولها علم ومبلغ الكفرة إنما هو في هذه الدنياويات.
وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ الآية تصل بمعنى التسلية في قوله: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا، وقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ الآية، ووعيد للكفار ووعد للمؤمنين، وأسند الضلالة والهدى إليهم بكسبهم وإن كان الجميع خلقا له واختراعا، واللام في قوله: لِيَجْزِيَ متعلقة بقوله: ضَلَّ وبقوله:
اهْتَدى فكأنه قال: ليصير أمرهم جميعا إلى أن يجزى.
وقوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ اعتراض بين الكلام بليغ، وقال بعض النحويين اللام متعلقة بما في المعنى من التقدير، لأن تقديره: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يضل من يشاء ويهدي من يشاء لِيَجْزِيَ والنظر الأول أقل تكلفا من هذا الإضمار. وقال قوم: اللام متعلقة في أول السورة:
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٤] وهذا بعيد، و: (الحسنى) هي الجنة ولا حسنى دونها.
وقوله :
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣٢ الى ٣٨]
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦)
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨)
قوله: الَّذِينَ نعت ل الَّذِينَ [النجم: ٣١] المتقدم قبله، و: يَجْتَنِبُونَ معناه: يدعون جانبا. وقرأ جمهور القراء والناس: «كبائر الإثم» وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى وحمزة والكسائي: «كبير الإثم» على الإفراد الذي يراد به الجمع وهذا كقوله: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠] ، وكقوله: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] ونحو هذا.
واختلف الناس في الكبائر ما هي؟ فذهب الجمهور إلى أنها السبع الموبقات التي وردت في
стр. 2451
الأحاديث وقد مضى القول في ذكرها واختلاف الأحاديث فيها في سورة النساء. وتحرير القول في الكبائر أنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا، أو توعد بنار في الآخرة، أو لعنة ونحو هذا خاصا بها فهي كثيرة العدد، ولهذا قال ابن عباس حين قيل له أسبع هي؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وقال زيد بن أسلم: «كبير الإثم» هنا يراد به: الكفر. والْفَواحِشَ هي المعاصي المذكورة.
وقوله: إِلَّا اللَّمَمَ هو استثناء يصح أن يكون متصلا، وإن قدرته منقطعا ساغ ذلك، واختلف في معنى اللَّمَمَ فقال ابن عباس وابن زيد معناه: ما ألموا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل الإسلام. قال الثعلبي عن ابن عباس وزيد بن ثابت وزيد بن أسلم وابنه: إن سبب الآية أن الكفار قالوا للمسلمين: قد كنتم بالأمس تعملون أعمالنا، فنزلت الآية وهي مثل قوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٣] وقال ابن عباس وغيره: ما ألموا من المعاصي الفلتة والسقطة دون دوام ثم يتوبون منه، ذكر الطبري عن الحسن أنه قال في اللمة: من الزنا والسرقة والخمر ثم لا يعود.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كالذي قبله، فكأن هذا التأويل يقتضي الرفق بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى، إذ الغالب في المؤمنين مواقعة المعاصي، وعلى هذا أنشدوا وقد تمثل به النبي ﷺ : [الرجز]
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما
وقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي وغيرهم: اللَّمَمَ صغار الذنوب التي بين الحدين الدنيا والآخرة وهي ما لا حد فيه ولا وعيد مختصا بها مذكورا لها، وإنما يقال صغار بالإضافة إلى غيرها، وإلا فهي بالإضافة إلى الناهي عنها كبائر كلها، ويعضد هذا القول، قول النبي ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فإن تقدم فرجه فهو زان، وإلا فهو اللمم» . وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار فالناس لا يتخلصون من مواقعة هذه الصغائر ولهم مع ذلك الحسنى إذا اجتنبوا التي هي في نفسها كبائر. وتظاهر العلماء في هذا القول، وكثر المائل إليه. وذكر الطبري عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال:
اللَّمَمَ ما دون الشرك، وهذا عندي لا يصح عن عبد الله بن عمرو. وذكر المهدوي عن ابن عباس والشعبي: اللَّمَمَ ما دون الزنا. وقال نفطويه: اللَّمَمَ ما ليس بمعتاد. وقال الرماني: اللَّمَمَ الهم بالذنب وحديث النفس به دون أن يواقع. وحكى الثعلبي عن سعيد بن المسيب: أنه ما خطر على القلب، وذلك هو لمة الشيطان. قال الزهراوي وقيل: اللَّمَمَ نظرة الفجأة، وقاله الحسين بن الفضل. ثم أنس تعالى بعد هذا بقوله: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ.
وقوله تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ الآية، روي عن عائشة أنها نزلت بسبب قوم من اليهود كانوا يعظمون أنفسهم ويقولون للطفل إذا مات لهم هذا صديق عند الله، ونحو هذا من الأقاويل المتوهمة، فنزلت الآية فيهم، ثم هي بالمعنى عامة جميع البشر، وحكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم، وقوله: أَعْلَمُ بِكُمْ قال مكي بن أبي طالب في المشكل معناه: هو عالم بكم. وقال
стр. 2452
جمهور أهل المعاني: بل هو التفضيل بالإطلاق، أي هو أعلم من الموجودين جملة، والعامل في إِذْ أَعْلَمُ، وقال بعض النحاة العامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكروا إذ، والمعنى الأول أبين، لأن تقديره:
فإذا كان علمه قد أحاط بكم وأنتم في هذه الأحوال فأحرى أن يقع بكم وأنتم تعقلون وتجترحون، والإنشاء من الأرض: يراد به خلق آدم ﵇، ويحتمل أن يراد به إنشاء الغذاء. و: أَجِنَّةٌ جمع جنين.
وقوله: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ظاهره النهي عن أن يزكي نفسه، ويحتمل أن يكون نهيا عن أن يزكي بعض الناس بعضا وإذا كان هذا فإنما ينهى عن تزكية السمعة والمدح للدنيا والقطع بالتزكية، ومن ذلك الحديث في عثمان بن مظعون عند موته. وأما تزكية الإمام والقدرة أحدا ليؤتم به أوليتهم الناس بالخير فجائز، وقد زكى رسول الله ﷺ بعض أصحابه أبا بكر وغيره، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة للضرورة إليها، وأصل التزكية إنما هو التقوى، والله تعالى هو أعلم بتقوى الناس منكم.
وقوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى الآية، قال مجاهد وابن زيد وغيرهما نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي وذلك أنه سمع قراءة النبي ﷺ وجلس إليه ووعظه رسول الله، فقرب من الإسلام، وطمع النبي ﵇ فيه، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دينك واثبت عليه وأنا أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما هم به من الإسلام وضل ضلالا بعيدا، وأعطى بعض ذلك المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح، فنزلت الآية فيه. وذكر الثعلبي عن قوم أنها نزلت في عثمان بن عفان في قصة جرت له مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح وذلك كله عندي باطل، وعثمان ﵁ منزه عن مثله، وقال السدي: نزلت في العاصي بن وائل، فقوله: وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى، وعلى هذا القول في المال، وقال مقاتل بن حيان في كتاب الثعلبي المعنى: وأعطى من نفسه قليلا من قربه من الإيمان ثم أَكْدى أي انقطع ما أعطى، وهذا بين من اللفظ، والآخر يحتاج إلى رواية. و: تَوَلَّى معناه: أدبر وأعرض ومعناه عن أمر الله. وَأَكْدى معناه: انقطع عطاؤه وهو مشبه بالحافر في الأرض، فإذا انتهى إلى كدية، وهي ما صلب من الأرض وقف وانقطع حفره، وكذلك أجبل الحافر إذ انتهى إلى جبل، ثم قيل لمن انقطع عمله: أكدى وأجبل.
وقوله تعالى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى معناه: أعلم من الغيب أن من تحمل ذنوب آخر فإن المتحمل عنه ينتفع بذلك، فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وهو له فيه بصيرة أم هو جاهل لم ينبأ أي يعلم ما في صحف موسى وهي التوراة وفي صحف إبراهيم وهي كتب نزلت عليه من السماء من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، أي لا تحمل حاملة حمل أخرى، وإنما يؤخذ كل واحد بذنوب نفسه، أي فلما كان جاهلا بهذا وقع في عطاء ماله للذي قال له: إني أتحمل عنك درك الآخرة.
واختلف المفسرون في معنى قوله: وَفَّى ما هو الموفى؟ فقال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي في القتل ونحوه فوفى إبراهيم وبلغ هذا الحكم من أنه لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وقال ابن عباس أيضا والربيع: وفى طاعة الله في أمر ذبح ابنه. وقال الحسن وابن جبير وقتادة وغيره، وفى
стр. 2453
تبليغ رسالته والظاهر في ذات ربه، وقال عكرمة، وفي هذه العشر الآيات، أَلَّا تَزِرُ وما بعدها، وقال ابن عباس وقتادة وغيره وَفَّى ما افترض عليه من الطاعات على وجهها وتكلمت له شعب الإيمان والإسلام فأعطاه الله براءته من النار. قال ابن عباس: وفي شرائع الإسلام ثلاثين سهما. وقال أبو أمامة ورفعه إلى النبي ﵇ وَفَّى أربع صلوات في كل يوم، والأقوى من هذه الأقوال كلها القول العام لجميع الطاعات المستوفية لدين الإسلام، فروي أنها لم تفرض على أحد مكملة فوفاها الأعلى وإبراهيم ومحمد ﵉ ومن الحجة لذلك قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة: ١٢٤] .
وقرأ ابن جبير وأبو مالك وابن السميفع: «وفى» مخففة الفاء، والخلاف فيما وفى به كالخلاف فيما وفاه على القراءة الأولى التي فسرنا، ورويت القراءة عن النبي ﵇، وقرأها أبو أمامة.
والوزر: الثقل، وأنث الوازرة إما لأنه أراد النفس وإما أراد المبالغة كعلامة ونسابة وما جرى مجراها و «أن» في قوله: أَلَّا تَزِرُ مخففة من الثقيلة، وتقديرها أنه لا تزر، وحسن الحائل بينها وبين الفعل إن بقي الفعل مرتفعا، فهي كقوله: أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى [المزمل: ٢٠] ونحوه، و «أن» في موضع رفع أو خفض، كلاهما مرتب.
قوله :
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣٩ الى ٥١]
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣)
وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨)
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١)
قوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ وقوله بعد ذلك وَأَنَّهُ، وَأَنَّهُ معطوف كل ذلك على أن المقدرة أولا في قوله: «أنه لا تزر» وهي كلها بفتح الألف في قراءة الجمهور. وقرأ أبو السمال قعنب «وإن إلى ربك» بكسر الهمزة فيهما وفيما بعدها وروي عن ابن عباس ﵁ أن قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى منسوخ بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١] وهذا لا يصح عندي على ابن عباس، لأنه خبر لا ينسخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا، اللهم إلا أن يتجوز في لفظة النسخ ليفهم سائلا، وقال عكرمة: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلها سعي غيرها، والدليل حديث سعد بن عبادة قال: يا رسول الله هل لأمي إن تطوعت عنها؟ قال: نعم.
وقال الربيع بن أنس: «الإنسان» الذي في هذه الآية هو الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره.
وسأل عبد الله بن طاهر بن الحسين والي خراسان الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٦١] فقال ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بفضل الله ما شاء الله، فقبل عبد الله رأس الحسين. وقال الجمهور: الآية محكمة. والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو
стр. 2454
في اللام من قوله: لِلْإِنْسانِ فإذا حققت الشيء الذي هو حق الإنسان يقول فيه لي كذا لم يجده إلا سعيه، وما بعد من رحمة ثم شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمد بفضل ورحمة دون هذا كله فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة.
واحتج بهذه الآية من يرى أنه لا يعمل أحد عن أحد بعد موته ببدن ولا مال. وفرق بعض العلماء بين البدن والمال، وهي عندي كلها فضائل للعامل وحسنات تذكر للمعمول عنه، وقد أمر رسول الله ﷺ سعدا بالصدقة عن أمه، والسعي: التكسب.
وقوله: يُرى فاعله حاضر والقيامة، أي يراه الله ومن شاهد الأمر، وفي عرض الأعمال على الجميع تشريف للمحسنين وتوبيخ للمسيئين، ومنه قول النبي ﷺ : «من سمع بأخيه فيما يكره سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة» . وفي قوله: ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وعيد للكافرين ووعد للمؤمنين. و: الْمُنْتَهى يحتمل أن يريد به الحشر، والمصير بعد الموت فهو منتهى بالإضافة إلى الدنيا وإن كان بعده منتهى آخر وهو الجنة أو النار، ويحتمل أن يريد ب الْمُنْتَهى: الجنة أو النار، فهو منتهى على الإطلاق، لكن في الكلام حذف مضاف إلى عذاب ربك أو رحمته. وقال أبي بن كعب قال النبي ﵇ في قوله تعالى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى لا فكرة في الرب. وروى أنس أن النبي ﷺ قال: «إذا ذكر الرب فانتهوا» . وقال أبو هريرة: خرج رسول الله ﷺ يوما إلى أصحابه فقال: «فيم أنتم» ؟ قالوا: نتفكر في الخالق، فقال: «تفكروا في الخلق، لا تتفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط به الفكرة» الحديث، وذكر الضحك والبكاء لأنهما صفتان تجمعان أصنافا كثيرة من الناس، إذ الواحدة دليل السرور، والأخرى دليل الحزن في الدنيا والآخرة، فنبه تعالى على هاتين الخاصتين اللتين هما للإنسان وحده، وقال مجاهد المعنى: أَضْحَكَ الله أهل الجنة وَأَبْكى أهل النار. وحكى الثعلبي في هذا أقوالا استعارية كمن قال أَضْحَكَ الأرض بالنبات، وَأَبْكى السماء بالمطر، ونحوه:
وأَماتَ وَأَحْيا. وحكى الثعلبي قولا إنه أحيا بالإيمان وأمات بالكفر. والزَّوْجَيْنِ في هذه الآية يريد به المصطحبين من الناس من الرجل والمرأة وما ضارع من الحيوان، والخنثى متميز ولا بد لأحد الجهتين.
والنطفة في اللغة: القطعة من الماء كانت يسيرة أو كثيرة. ويراد بها هاهنا ماء الذكران.
وقوله: تُمْنى يحتمل أن يكون من قولك: أمنى الرجل: إذا خرج منه المني، ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الشيء: إذا خلقه، فكأنه قال: إذا تخلق وتقدر، و: النَّشْأَةَ الْأُخْرى هي إعادة الأجسام إلى الحشر بعد البلي في التراب. وقرأ الناس: «النشأة» بسكون الشين والهمز والقصر، وقرأ أبو عمرو والأعرج: «النشآة» ممدودة.
وَأَقْنى معناه: أكسب، يقال: قنبت المال، أي كسبته، ثم يعدى بعد ذلك بالهمزة، وقد يعدى بالتضعيف، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
كم من غني أصاب الدهر ثروته ... ومن فقير يقنى بعد إقلال
وعبر المفسرون عن أَقْنى بعبارات مختلفة. وقال بعضهم: أَقْنى معناه: أكسب ما يقتني،
стр. 2455
وقال مجاهد معناه: أغنى وأرضى. وقال حضرمي معناه: أغنى عن نفسه وَأَقْنى أفقر عباده إليه. وقال الأخفش: أَقْنى أفقر، وهذه عبارات لا تقتضيها اللفظة، والوجه فيها بحسب اللغة أكسب ما يقتني.
وقال ابن عباس: أَقْنى قنع. والقناعة خير قنية، والغنى عرض زائل، فلله در ابن عباس.
و: الشِّعْرى نجم في السماء، قال مجاهد وابن زيد: هو من زمر الجوزاء وهما شعريان، إحداهما:
الغميصاء، والأخرى العبور، لأنها عبرت المجرة، وكانت خزاعة ممن يعبد هذه الشِّعْرى، ومنهم أبو كبشة، ذكره الزهراوي واسمه عبد العزى، فلذلك خصت بالذكر، أي وهو رب هذا المعبود الذي لكم.
وعاد: هم قوم هود، واختلف في معنى وصفها ب الْأُولى، فقال ابن زيد والجمهور: ذلك لأنها في وجه الدهر وقديمه، فهي أولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرة، وقال الطبري: سميت أولى، لأن ثم عادا أخيرة وهي قبيلة كانت بمكة مع العماليق وهم بنو لقيم بن هزال.
قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أبين، لأن هذا الأخير لم يصح. وقال المبرد عادا الأخيرة هي ثمود، والدليل قول زهير: [الطويل] كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم ذكره الزهراوي، وقيل الأخيرة: الجبارون.
وقرأ ابن كثير وعاصم، وابن عامر وحمزة، والكسائي «عاد الأولى» منونة وبهمز. وقرأ نافع فيما روي عنه: «عادا الأولى» بإزالة التنوين والهمز. وهذا كقراءة من قرأ «أحد الله» وكقول الشاعر [أبو الأسود الدؤلي] : [المتقارب] ولا ذاكر الله إلا قليلا وقرأ قوم: عاداً الْأُولى والنطق بها «عادن الأولى» . واجتمع سكون نون التنوين وسكون لام التعريف فكسرت النون للالتقاء، ولا فرق بينهما وبين قراءة الجمهور ولا ترك الهمز. وقرأ نافع أيضا وأبو عمرو بالوصل والإدغام «عاد الولي» بإدغام النون في اللام ونقل حركة الهمزة إلى اللام. وعاب أبو عثمان المازني والمبرد هذه القراءة، وقال: إن هذا النقل لا يخرج اللام عن حد السكون وحذف ألف الوصل أن تبقى كما تقول العرب إذا نقلت الهمزة من قولهم الأحمر فإنهم يقولون الحمر جاء فكذلك يقال هاهنا «عادا الولي» ، قال أبو علي: والقراءة سائغة، وأيضا فمن العرب من يقول: لحمر جاء فيحذف الألف مع النقل ويعتد بحركة اللام ولا يراها في حكم السكون، وقرأ نافع فيما روي عنه «عادا الأولى» بهمز الواو، ووجه ذلك أنه لما لم يكن بين الواو والضمة حائل تخيل الضمة عليها فهمزها كما تهمز الواو المضمومة، وكذلك فعل من قرأ: «على سؤقه» ، وكما قال الشاعر [جرير] : [الوافر] لحبّ المؤقدان إلى موسى وهي لغة. وقرأ الجمهور: «وثمودا» بالنصب عطفا على عاد. وقرأ عاصم وحمزة والحسن وعصمة «وثمود» بغير صرف، وهي في مصحف ابن مسعود بغير ألف بعد الدال.
следующие страницы →