Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
وقول الجن: إِنَّا سَمِعْنا الآيات، هو خطاب منهم لقومهم الذين ولوا إليهم منذرين، وقُرْآناً عَجَباً معناه ذا عجب، لأن العجب مصدر يقع من سامع القرآن لبراعته وفصاحته ومضمناته، وليس نفس القرآن هو العجب. وقرأ جمهور الناس «إلى الرّشد» بضم الراء وسكون الشين. وقرأ عيسى الثقفي «إلى الرّشد» بفتح الراء والشين. وقرأ عيسى «إلى الرّشد» ومن كسر الألف من قوله «وإنه تعالى» فعلى القطع ويعطف الجملة على قوله إِنَّا سَمِعْنا، ومن فتح الألف من قوله وَأَنَّهُ تَعالى اختلفوا في تأويل ذلك، فقال بعضهم هي عطف على أَنَّهُ اسْتَمَعَ، فيجيء على هذا قوله تَعالى مما أمر أن يقول إنه أوحي إليه وليس يكون من كلام الجن، وفي هذا قلق. وقال بعضهم بل هي عطف على الضمير في بِهِ فكأنه يقول فآمنا به وبأنه تعالى. وهذا القول ليس في المعنى، لكن فيه من جهة النحو العطف على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض وذلك لا يحسن. وقرأ جمهور الناس «جدّ ربنا» بفتح الجيم وضم الدال وإضافته إلى الرب، وقال جمهور المفسرين معناه عظمته.
وروي عن أنس أنه قال: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد في أعيننا أي عظم. وقال أنس بن مالك والحسن: جَدُّ رَبِّنا معناه، فهذا هو من الجد الذي قال فيه النبي ﷺ :
«ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ، وقال مجاهد: ذكره كله متجه لأن الجد هو حظ المجدود من الخيرات والأوصاف الجميلة، فجد الله تعالى هو الحظ الأكمل من السلطان الباهر والصفات العلية والعظمة، ومن هذا قول اليهودي حين قدم النبي ﷺ المدينة: «يا بني قيلة هذا جدكم الذي تنتظرون» أي حظكم من الخيرات وبختكم. وقال علي بن الحسين ﵁ وأبو جعفر الباقر وابنه جعفر والربيع بن أنس ليس لله جد، وهذه مقالة قوم جهلة من الجن، جعلوا الله جدا أبا أب. قال كثير من المفسرين هذا قول ضعيف. وقوله: وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً يدفعه، وكونهم فيما روي على شريعة متقدمة وفهمهم للقرآن. وقرأ محمد بن السميفع اليماني «جد ربنا» وهو من الجد والنفع. وقرأ عكرمة «جدّ ربّنا» بفتح الجيم وضم الدال وتنوينه ورفع الرب كأنه يقول تعالى عظيم هو ربنا ف «ربنا» بدل والجد العظيم في اللغة.
وقرأ حميد بن قيس «جد ربنا» بضم الجيم. ومعناه ربنا العظيم حكاه سيبويه وبإضافته إلى الرب فكأنه قال عظيم، وهذه إضافة تجديد يوقع النحاة هذا الاسم إذا أضيفت الصفة إلى الموصوف، كما تقول جاءني كريم زيد تريد زيدا الكريم ويجري مجرى هذا عند بعضهم.
قول المتنبي [البسيط] عظيم الملك في المقل أراد الملك العظيم قال بعض النحاة، وهذا المثال يعترض بأنه أضاف إلى جنس فيه العظيم والحقير، وقرأ عكرمة أيضا «جدا ربّنا» بفتح الجيم والدال وتنوينها ورفع الرب ونصب «جدا» على التمييز كما تقول تفقأت شحما وتصببت عرقا، وقرأ قتادة «جدا ربّنا» بكسر الجيم ورفع الباء وشد الدال، فنصب جدا على الحال ومعناه تعالى حقيقة ومتمكنا. وهذا معنى غير الأول، وقرأ أبو الدرداء «تعالى ذكر ربنا» ، وروي عنه «تعالى جلال ربنا» . وقوله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ لا خلاف أن هذا من قول الجن، وكسر
стр. 2627
الألف فيه أبين وفتحها لا وجه له إلا اتباع العطف على الضمير. كأنهم قالوا الآن بأن سَفِيهُنا كان قوله شَطَطاً. والسفيه المذكور قال جميع المفسرين هو إبليس لعنه الله. وقال آخرون هو اسم جنس لكل سفيه منهم. ولا محالة أن إبليس صدر في السفهاء وهذا القول أحسن. والشطط: التعدي وتجاوز الحد بقول أو فعل ومنه قول الأعشى: [البسيط]
أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
وقوله تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا هو كلام أولئك النفر لا يحتمل غير ذلك، وكسر الألف فيه أبين.
والمعنى: إنا كنا نظن قبل إيماننا أن الأقوال التي تسمع من إبليس وغواة الجن والإنس في جهة الآلهة وما يتعلق بذلك حق وليست بكذب، لأنا كنا نظن بهم أنهم لا يكذبون على الله ولا يرضون ذلك. وقرأ جمهور الناس «تقول» . وقرأ الحسن والجحدري وابن أبي بكرة ويعقوب «تقوّل» بفتح القاف والواو وشد الواو، والتقول خاص بالكذب، والقول عام له وللصدق، ولكن قولهم كَذِباً يرد القول هنا معنى التقول.
قوله :
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ٦ الى ١٠]
وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠)
هذه الألف من أَنَّهُ كان مما اختلف في فتحها وكسرها والكسر أوجه. والمعنى في الآية ما كانت العرب تفعله في أسفارها وتعزبها في الرعي وغيره، فإن جمهور المفسرين رووا أن الرجل كان إذا أراد المبيت أو الحلول في واد، صاح بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك فيعتقد بذلك أن الجني الذي بالوادي يمنعه ويحميه، فروي أن الجن كانت عند ذلك تقول: ما نملك لكم ولأنفسنا من الله شيئا. قال مقاتل: أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا ذلك في العرب. وروي عن قتادة أن الجن لذلك كانت تحتقر بني آدم وتزدريهم لما ترى من جهلهم، فكانوا يزيدونهم مخافة ويتعرضون للتخيل لهم بمنتهى طاقاتهم ويغوونهم في إرادتهم لما رأوا رقة أحلامهم، فهذا هو الرهق الذي زادته الجن ببني آدم. وقال مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير: بنو آدم زادوا الجن رَهَقاً وهي الجرأة والانتخاء عليهم والطغيان وغشيان المحارم والإعجاب، لأنهم قالوا سدنا الجن والإنس، وقد فسر قوم الرهق بالإثم وأنشد الطبري في ذلك بيت الأعشى: [البسيط]
لا شيء ينفعني من دون رؤيتها ... لا يشتفي وامق ما لم يصب رهقا
قال معناه ما لم يغش محرما فالمعنى زادت الإنس والجن مأثما لأنهم عظموهم فزادوهم استحلالا لمحارم الله. وقوله وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ يريد به بني آدم الكفار. وقوله كَما ظَنَنْتُمْ، مخاطبة
стр. 2628
لقومهم من الجن. وقولهم أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً، يحتمل معنيين أحدهما: بعث الحشر من القبور، والآخر بعث آدمي رسولا. وأَنْ في قوله أَنْ لَنْ مخففة من «أن» الثقيلة وهي تسد مسد المفعولين.
وذكر المهدوي تأويلا أن المعنى وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الإنس فهي مخاطبة من الله تعالى. وقولهم وَأَنَّا لَمَسْنَا قال معناه التمسنا ويظهر بمقتضى كلام العرب أنها استعارة لتجربتهم أمرها وتعرضهم لها فسمي ذلك لمسا إذ كان اللمس غاية غرضهم ونحو هذا قول المتنبي: [الطويل]
تعد القرى والمس بنا الجيش لمسة ... نبادر إلى ما تشتهي يدك اليمنى
فعبر عن صدم الجيش بالجيش وحربه باللمس، وهذا كما تقول المس فلانا في أمر كذا، أي جرب مذهبه فيه، ومُلِئَتْ إما أن يكون في موضع المفعول الثاني ل «وجدنا» ، وإما أن يقصر الفعل على مفعول واحد ويكون مُلِئَتْ في موضع الحال، وكان الأعرج يقرأ «مليت» لا يهمز، والشهب: كواكب الرجم، والحرس: يحتمل أن يريد الرمي بالشهب. وكرر المعنى بلفظ مختلف، ويحتمل أن يريد الملائكة، ومَقاعِدَ جمع مقعد، وقد فسر رسول الله ﷺ صورة قعود الجن أنهم كانوا واحدا فوق واحد، فمتى أحرق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون معها ثم يزيد الكهان بالكلمة مائة كذبة، وقوله: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ الآية قطع على أن كل من استمع الآن أحرقه شهاب. فليس هنا بعد سمع، إنما الإحراق عند الاستماع، وهذا يقتضي أن الرجم كان في الجاهلية. ولكنه لم يكن يستأصل وكان الحرس ولكنه لم يكن شديدا، فلما جاء الإسلام اشتد الأمر حتى لم يكن فيه ولا يسير سماحة، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ لأصحابه وقد رأى كوكبا راجما: «ماذا كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟ قالوا كنا نقول: ولد ملك، مات ملك، فقال النبي ﷺ : ليس الأمر كذلك، ثم وصف صورة قعود الجن» . وقد قال عوف بن الجزع وهو جاهلي: [الكامل]
فانقض كالدري يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا
وهذا في أشعارهم كثير، ورَصَداً نعت لشهاب ووصفه بالمصدر، وقوله: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ الآية، معناه لا ندري أيؤمن الناس بهذا النبي فيرشدون، أم يكفرون به فينزل بهم الشر.
قوله :
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ١١ الى ١٥]
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥)
وقولهم وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ، أي غير الصالحين كأنه قال: ومنا قوم أو فرقة دون صالحين، وهي لفظة
стр. 2629
تقع أحيانا موقع غير. والطرائق: السير المختلفة، والقدد كذلك هي الأشياء المخالفة، كأنه قد قدّ بعضها من بعض وفصل. قال ابن عباس وعكرمة وقتادة: طَرائِقَ قِدَداً أهواء مختلفة. قال غيره فرق مختلفون.
قال الكميت: [البسيط]
جمعت بالرأي منهم كل رافضة ... إذ هم طرائق في أهوائهم قدد
وقولهم وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ الظن هنا بمعنى العلم. وهذا إخبار منهم عن حالهم بعد إيمانهم بما سمعوا من محمد ﷺ ، والْهُدى، يريد القرآن، سموه هدى من حيث هو سبب الهدى، والبخس: النقص، والرهق: تحميل ما لا يطاق وما يثقل من الأنكاد ويقرح. قال ابن عباس:
البخس: نقص الحسنات، والرهق: الزيادة في السيئات. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب «فلا يخف» بالجزم دون ألف، وقسم الله تعالى بعد ذلك حال الناس في الآخرة على نحو ما قسم قائل الجن، فقوله:
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ والقاسط: الظالم، قاله مجاهد وقتادة والناس، ومنه قول الشاعر:
[الكامل]
قوم هم قتلوا ابن هند عنوة ... عمرا وهم قسطوا على النعمان
والمقسط: العادل، وإنما هذا التقسيم ليذكر حال الطريقين من النجاة والهلكة، ويرغب في الإسلام من لم يدخل فيه، فالوجه أن يكون فَمَنْ أَسْلَمَ، مخاطبة من الله تعالى لمحمد ﷺ ، ويؤيده ما بعده من الآيات، وتَحَرَّوْا: معناه طلبوا باجتهادهم، ومنه قوله ﷺ : «لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها» .
وقوله تعالى: جَهَنَّمَ حَطَباً
نظير قوله تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [البقرة: ٢٤، التحريم: ٦] .
قوله :
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ١٦ الى ٢٢]
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠)
قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢)
الضمير في قوله اسْتَقامُوا قال أبو مجلز والفراء والربيع بن أنس وزيد بن أسلم والضحاك بخلاف عنه: الضمير عائد على قوله من أَسْلَمَ [الجن: ١٤] ، والطَّرِيقَةِ طريقة الكفر، لو كفر من أسلم من الناس لَأَسْقَيْناهُمْ إملاء لهم واستدراجا. وقال قتادة وابن جبير وابن عباس ومجاهد الضمير عائد على «القاسطين» . والمعنى على طريقة الإسلام والحق لأنعمنا عليهم، وهذا المعنى نحو قوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ [المائدة: ٦٥] ، وقوله لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
стр. 2630
[المائدة: ٦٦] . وهذا قول أبين لأن استعارة الاستقامة للكفر قلقة. وقرأ الأعمش وابن وثاب «وأن لو» بضم الواو. وقال أبو الفتح هذا تشبيه بواو الجماعة اشتروا الضلالة، والماء الغدق: هو الماء الكثير. وقرأ جمهور الناس «غدقا» بفتح الدال، وقرأ عاصم في رواية الأعشى عنه بكسرها. وقوله تعالى: لِنَفْتِنَهُمْ إن كان المسلمون فمعناه لنختبرهم، وإن كان القاسطون فمعناه لنمتحنهم ونستدرجهم، وقال عمر بن الخطاب ﵁: حيث يكون الماء فثم المال، وحيث يكون المال فثم الفتنة، ونزع بهذه الآية، وقال الحسن وابن المسيب وجماعة من التابعين: كانت الصحابة سامعين مطيعين، فلما فتحت كنوز كسرى وقيصر وثب بعثمان فقتل وثارت الفتن. ويَسْلُكْهُ معناه يدخله، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الياء أي «يسلكه» الله، وقرأ بعض التابعين «يسلكه» بضم الياء من أسلك وهما بمعنى، وقرأ باقي السبعة «نسلكه» بنون العظمة، وقرأ ابن جبير «نسلكه» بنون مضمومة ولام مكسورة. وصَعَداً معناه شاقا، تقول فلان في صعد من أمره أي في مشقة، وهذا أمر يتصعدني، وقال عمر: ما تصعدني شيء كما تصعدني خطبة النكاح، وقال أبو سعيد الخدري وابن عباس: صعد جبل في النار، وقرأ قوم «صعودا» بضم الصاد والعين، وقرأ الجمهور بفتح الصاد والعين، وقرأ ابن عباس والحسن بضم الصاد وفتح العين، وقال الحسن: معناه لا راحة فيه، ومن فتح الألف من أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ جعلها عطفا على قوله قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ [الجن: ١] ، ذكره سيبويه، والْمَساجِدَ قيل أراد بها البيوت التي هي للعبادة والصلاة في كل ملة.
وقال الحسن: أراد كل موضع سجد فيه كان مخصوصا لذلك أو لم يكن، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة. وروي أن هذه الآية نزلت بسبب تغلب قريش على الكعبة، حينئذ فقيل لمحمد ﷺ : المواضع كلها لله فاعبده حيث كان وقال ابن عطاء: «المساجد» : الآراب التي يسجد عليها، واحدها مسجد بفتح الجيم، وقال سعيد بن جبير: نزلت الآية لأن الجن قالت يا رسول الله: كيف نشهد الصلاة معك على نأينا عنك: فنزلت الآية يخاطبهم بها على معنى أن عبادتكم حيث كنتم مقبولة. وقال الخليل بن أحمد: معنى الآية، ولأن الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا أي لهذا السبب، وكذلك عنده لِإِيلافِ قُرَيْشٍ [قريش: ١] لْيَعْبُدُوا
[قريش: ٣] وكذلك عنده وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً [الأنبياء: ٩٢، المؤمنون: ٥٢] . و «المساجد» المخصوصة بينة التمكن في كونها لله تعالى فيصح أن تفرد للصلاة والدعاء وقراءة العلم، وكل ما هو خالص لله تعالى، وأن لا يتحدث بها في أمور الدنيا. ولا يتخذ طريقا، ولا يجعل فيها لغير الله نصيب، ولقد قعدت للقضاء بين المسلمين في المسجد الجامع بالمرية مدة، ثم رأيت فيه من سوء المتخاصمين وأيمانهم وفجور الخصام وعائلته ودخول النسوان ما رأيت تنزيه البيت عنه فقطعت القعود للأحكام فيه. وقوله : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، ويحتمل أن يكون إخبارا عن الجن، وقرأ بعض القراء على ما تقدم «وأنه» بفتح الألف، وهذا عطف على قوله أَنَّهُ اسْتَمَعَ [الجن: ١] ، والعبد على هذه القراءة قال قوم: هو نوح، والضمير في كادُوا لكفار قومه، وقال آخرون، هو محمد، والضمير في كادُوا للجن. المعنى أنهم كادُوا يتقصفون عليه لاستماع القرآن، وقرأ آخرون منهم «وإنه لما قام» بكسر الألف، والعبد محمد ﵇، والضمير في كادُوا يحتمل أن يكون للجن على المعنى الذي ذكرناه، ويحتمل أن يكون لكفار قومه
стр. 2631
وللعرب في اجتماعهم على رد أمره، ولا يتجه أن يكون العبد نوحا إلا على تحامل في تأويل نسق الآية، وقال ابن جبير: معنى الآية، إنما قول الجن لقومهم يحكون، والعبد محمد ﷺ .
والضمير في كادُوا لأصحابه الذين يطوعون له ويقتدون به في الصلاة، فهم عليه لبد. واللبد الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض، ومنه قول عبد بن مناف بن ربع: [البسيط]
صافوا بستة أبيات وأربعة ... حتى كأن عليهم جانيا لبدا
يريد الجراد سماه جانيا لأنه يجني كل شيء، ويروى جابيا بالباء لأنه يجبي الأشياء بأكله، وقرأ جمهور السبعة وابن عباس: «لبدا» بكسر اللام جمع لبدة، وقال ابن عباس: أعوانا. وقرأ ابن عامر بخلاف عنه وابن مجاهد وابن محيصن: «لبدا» بضم اللام وتخفيف الباء المفتوحة وهو جمع أيضا. وروي عن الجحدري: «لبدا» بضم اللام والباء. وقرأ أبو رجاء: «لبدا» بكسر اللام، وهو جمع لا بد فإن قدرنا الضمير للجن فتقصفهم عليه لاستماع الذكر، وهذا تأويل الحسن وقتادة وأَدْعُوا معناه أعبده، وقرأ جمهور السبعة وعلي بن أبي طالب: «قال إنما» ، وهذه قراءة تؤيد أن العبد نوح، وقرأ عاصم وحمزة بخلاف عنه:
«قال إنما» وهذه تؤيد بأنه محمد ﵇ وإن كان الاحتمال باقيا من كليهما. واختلف القراء في فتح الياء من رَبِّي وفي سكونها. ثم أمر تعالى محمدا نبيه ﵇ بالتبري من القدرة وأنه لا يملك لأحد ضَرًّا وَلا رَشَداً، بل الأمر كله لله. وقرأ الأعرج «رشدا» بضم الراء والشين، وقرأ أبيّ بن كعب «لكم غيا ولا رشدا» . وقولهم مِنْ دُونِهِ أي من عند سواه. و «الملتحد» : الملجأ الذي يمال إليه ويركن، ومنه الإلحاد الميل، ومنه اللحد الذي يمال به إلى أحد شقي القبر.
قوله :
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٨]
إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧)
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)
اختلف الناس في تأويل قوله إِلَّا بَلاغاً: فقال الحسن ما معناه أنه استثناء منقطع، والمعنى لن يجيرني من الله أحد إِلَّا بَلاغاً، فإني إن بلغت رحمني بذلك، والإجارة: للبلاغ مستعارة إذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته، وقال بعض النحاة على هذا المعنى هو استثناء متصل. والمعنى لن أجد ملتحدا إِلَّا بَلاغاً، أي شيئا أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع، فيجبرني الله. وقال قتادة: التقدير لا أملك إِلَّا بَلاغاً إليكم، فأما الإيمان أو الكفر فلا أملكه. وقال بعض المتأولين إِلَّا بتقدير الانفصال، و «إن»
стр. 2632
شرط و «لا» نافية كأنه يقول: ولن أجد ملتحدا إن لم أبلغ من الله ورسالته، ومِنَ في قوله مِنَ اللَّهِ لابتداء الغاية. وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ يريد الكفر بدليل الخلود المذكور. وقرأ طلحة وابن مصرف، «فإن له» على معنى فجزاؤه أن له، وقوله حَتَّى إِذا رَأَوْا، ساق الفعل في صيغة الماضي تحقيقا لوقوعه. وقوله تعالى: مَنْ أَضْعَفُ يحتمل أن تكون مَنْ في موضع رفع على الاستفهام والابتداء وأَضْعَفُ خبرها، ويحتمل أن تكون في موضع نصب ب «سيعلمون» ، وأَضْعَفُ خبر ابتداء مضمر، ثم أمره تعالى بالتبري من معرفة الغيب في وقت عذابهم الذي وعدوا به، والأمد: المدة والغاية، وعالِمُ يحتمل أن يكون بدلا من رَبِّي [الجن: ٢٠] ويحتمل أن يكون خبر ابتداء مضمر على القطع، وقرأ السدي: «عالم الغيب» على الفعل الماضي ونصب الباء، وقرأ الحسن: «فلا يظهر» بفتح الياء والهاء «أحد» بالرفع. وقوله تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ معناه فإنه يظهره على ما شاء مما هو قليل من كثير، ثم يبث تعالى حول ذلك الملك الرسول حفظة رَصَداً لإبليس وحزبه من الجن والإنس، وقوله تعالى: لِيَعْلَمَ قال قتادة معناه لِيَعْلَمَ محمد أن الرسل قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وحفظوا ومنع منهم. وقال سعيد بن جبير: معناه يعلم محمد أن الملائكة الحفظة، الرصد النازلين بين يديه جبريل وخلفه قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وقال مجاهد لِيَعْلَمَ من كذب وأشرك أن الرسل قد بلغت.
قال القاضي أبو محمد: وهذا العلم لا يقع لهم إلا في الآخرة، وقيل معناه لِيَعْلَمَ الله رسالته مبلغة خارجة إلى الوجود لأن علمه بكل شيء قد تقدم، وقرأ الجمهور: «ليعلم» بفتح الياء أي الله تعالى.
وقرأ ابن عباس: «ليعلم» بضم الياء، وقرأ أبو حيوة: «رسالة ربهم» على التوحيد، وقرأ ابن أبي عبلة:
«وأحيط» على ما لم يسم فاعله، وقوله تعالى: وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ معناه كل شيء معدود، وقوله تعالى:
لِيَعْلَمَ الآية، مضمنه أنه تعالى قد علم ذلك، فعلى هذا الفعل المضمر انعطف وَأَحاطَ، وَأَحْصى والله المرشد للصواب بمنه.
стр. 2633
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المزّمّل
وهي مكية كلها في قول المهدوي وجماعة، وقال الجمهور: هي مكية إلا قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ [الزمل: ٢٠] إلى آخر السورة، فإن ذلك نزل بالمدينة.
قوله :
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١ الى ١٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤)
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩)
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ نداء للنبي ﷺ ، واختلف الناس لم نودي بهذا، فقالت عائشة والنخعي وجماعة: لأنه كان وقت نزول الآية متزملا بكساء، والتزمل: الالتفاف في الثياب بضم وتشمير، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]
كأن أبانا في أفانين ودقة ... كبير أناس في بجاد مزمل
أي ملفوف، وخفض مزمل في هذا البيت هو على الجوار، وإنما هو نعت لكبير، فهو ﵇ على قول هؤلاء، إنما دعي بهيئة في لباسه. وقال قتادة، كان تزمل في ثيابه للصلاة واستعد فنودي على معنى يا أيها المستعد للعبادة المتزمل لها، وهذا القول مدح له ﷺ . وقال عكرمة معناه:
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ للنبوءة وأعبائها، أي المتشمر المجدّ. وقال جمهور المفسرين والزهري بما في البخاري من أنه ﵇ لما جاءه الملك في غار حراء وحاوره بما حاوره رجع رسول الله ﷺ إلى خديجة فقال: زملوني زملوني: فنزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر: ١] ، وعلى هذا نزلت يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب «يا أيها المتزمل» . وقرأ بعض السلف «يا أيها المزمّل» بفتح الزاي وتخفيفها وفتح الميم وشدها، والمعنى الذي زمله أهله أو زمل للنبوءة. وقرأ عكرمة «يا أيها المزمّل» بكسر الميم المشددة وتخفيف الزاي أي المزمل نفسه، واختلف الناس في هذا الأمر بقيام الليل كيف كان؟ فقال جمهور أهل العلم: هو أمر على جهة الندب مذ كان لم يفرض قط، ويؤيد هذا: الحديث
стр. 2634
الصحيح أن رسول الله ﷺ قام ليلة في رمضان خلف حصير احتجره فصلى وصلى بصلاته ناس ثم كثروا من الليلة القابلة ثم غص المسجد بهم في الثالثة أو الرابعة فلم يخرج رسول الله ﷺ فحصبوا بابه فخرج مغضبا وقال: «إني إنما تركت الخروج لأني خفت أن يفرض عليكم» . وقيل إنه لم يكلمهم إلا بعد الصبح. وقال آخرون: كان فرضا في وقت نزول هذه الآية. واختلف هؤلاء فقال بعضهم: كان فرضا على النبي ﷺ خاصة، وبقي كذلك حتى توفي ﵇، وقيل:
بل نسخ عنه ولم يمت إلا والقيام تطوع، وقال بعضهم: كان فرضا على الجميع ودام الأمر على ما قال سعيد بن جبير عشر سنين، وقالت عائشة وابن عباس دام عاما، وروي عنها أيضا ثمانية أشهر ثم رحمهم الله تعالى. فنزلت: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ [المزمل: ٢٠] فخفف عنهم. وقال قتادة بقي عاما أو عامين. وقرأ أبو السمال «قم الليل» بضم الميم لاجتماع الساكنين، والكسر في الكلام العرب أكثر كما قرأ الناس، وقوله تعالى: نِصْفَهُ يحتمل أن يكون بدلا من قوله قَلِيلًا، وكيف ما تقلب المعنى، فإنه أمر بقيام نصف الليل أو أكثر شيء أو أقل شيء، فالأكثر عند العلماء لا يزيد على الثلثين، والأقل لا ينحط عن الثلث ويقوي هذا حديث ابن عباس في بيت ميمونة قال: فلما انتصف الليل أو قبله بقليل قام رسول الله ﷺ ، ويلزم على هذا الذي ذكرناه أن يكون نصف الليل قد وقع عليه الوصف بقليل، وقد يحتمل عندي قوله إِلَّا قَلِيلًا، أن يكون استثناء من القيام، فيجعل الليل اسم جنس، ثم قال إِلَّا قَلِيلًا، أي الليالي التي تخل بقيامها عند العذر البين. وهذا النظر يحسن مع القول مع الندب جدا. وقد تكلم الجرجاني ﵀ في نظمه في هذه الآية بتطويل وتدقيق غير مفيد أكثره غير صحيح. وقرأ الجمهور: «أو انقص» بضم الواو، وقرأ الحسن وعاصم وحمزة بكسر الواو، وقرأ عيسى بالوجهين، والضمير في مِنْهُ وعَلَيْهِ عائدان على النصف، وقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ معناه في اللغة تمهل وفرق بين الحروف لتبين. والمقصد أن يجد الفكر فسحة للنظر وفهم المعاني، وبذلك يرق القلب ويفيض عليه النور والرحمة. قال ابن كيسان: المراد تفهمه تاليا له ومنه الثغر الرتل الذي بينه فسخ وفتوح. وروي أن قراءة رسول الله ﷺ كانت بينة مترسلة لو شاء أحد أن يعد الحروف لعدها. والقول الثقيل: هو القرآن. واختلف الناس لم سماه ثَقِيلًا، فقالت جماعة من المفسرين: لما كان يحل في رسول الله من ثقل الجسم حتى أنه كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته بركت به، وحتى كادت فخذه أن ترض فخذ زيد بن ثابت ﵀. وقال أبو العالية والقرطبي: بل سماه ثَقِيلًا لثقله على الكفار والمنافقين بإعجازه ووعيده ونحو ذلك. وقال حذاق العلماء: معناه ثقيل المعاني من الأمر بالطاعات والتكاليف الشرعية من الجهاد ومزاولة الأعمال الصالحة دائمة، قال الحسن: إن الهذ خفيف ولكن العمل ثقيل. وقوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً، قال ابن جبير وابن زيد هي لفظة حبشية نشأ الرجل إذا قام من الليل، ف ناشِئَةَ على هذا، جمع ناشئ، أي قائم، وأَشَدُّ وَطْئاً معناه ثبوتا واستقلالا بالقيام، وَأَقْوَمُ قِيلًا، أي بخلو أفكارهم وإقبالهم على ما يقرأونه.
وقال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين: ناشِئَةَ اللَّيْلِ ما بين المغرب والعشاء، وقالت عائشة ومجاهد: القيام بعد النوم، ومن قام أول الليل قبل النوم فلم يقم ناشئة، وقال ابن جبير وابن زيد
стр. 2635
وجماعة: ناشِئَةَ اللَّيْلِ ساعاته كلها لأنها تنشأ شيئا بعد شيء. وقال أبو مجلز وابن عباس وابن الزبير والحسن: ما كان بعد العشاء فهو ناشِئَةَ، وما كان قبلها فليس ب ناشِئَةَ، قال ابن عباس:
كانت صلاتهم أول الليل فهي أَشَدُّ وَطْئاً أي أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليكم من القيام لأن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ؟ وقال الكسائي: ناشِئَةَ اللَّيْلِ أوله، وقال ابن عباس وابن الزبير: الليل كله ناشِئَةَ وأَشَدُّ وَطْئاً، على هذا يحتمل أن يكون أشد ثبوتا فيكون نسب الثبوت إليها من حيث هو القائم فيها. ويحتمل أن يريد أنها صعبة القيام لمنعها النوم كما قال «اللهم اشدد وطأتك على مضر» فذكرها تعالى بالصعوبة ليعلم عظم الأجر فيها كما وعد على الوضوء على المكاره والمشي في الظلام إلى المساجد ونحوه. وقرأ الجمهور: «وطئا» بفتح الواو وسكون الطاء، وقرأ أبو عمرو ومجاهد وابن الزبير وابن عباس: «وطاء» على وزن فعال، والمعنى موافقة لأنه يخلو البال من أشغال النهار وأشغابه، فيوافق قلب المرء لسانه، وفكره عبارته فهذه مواطأة صحيحة، وبهذا المعنى فسر اللفظ مجاهد وغيره، وقرأ قتادة في رواية حسين: «وطاء» بكسر الواو وسكون الطاء والهمزة مقصورة، وقرأ أنس «وأصوب قيلا» ، فقيل له إنما هو أَقْوَمُ، فقال: أقوم وأصوب وأهيأ واحد. وقوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا أي تصرفا وترددا في أمورك كما يتردد السابح في الماء. ومنه سمي الفرس سابحا لتثنيه واضطرابه، وقال قوم من أهل العلم إنما معنى الآية التنبيه على أنه إن فات حزب الليل بنوم أو عذر فليخلف بالنهار فإن فيه سَبْحاً طَوِيلًا، وقرأ يحيى بن يعمر وعكرمة: «سبخا طويلا» بالخاء منقوطة، ومعناه خفة لك من التكاليف، والتسبيخ التخفيف، ومنه قول النبي ﷺ : «ولا تسبخي عنه» لعائشة في السارق الذي سرقها، فكانت تدعو عليه، معناه لا تخففي عنه. قال أبو حاتم: فسر يحيى السبح بالنوم.
وقال سهل: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ يراد اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتك، وَتَبَتَّلْ معناه: انقطع من كل شيء إلا منه وافرغ إليه. قال زيد بن أسلم: التبتل رفض الدنيا ومنه تبتل الحبل، وقولهم في الهبات ونحوها بتلة، ومنه البتول، وتَبْتِيلًا مصدر على غير المصدر، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: «ربّ المشرق» بالخفض على البدل من رَبِّكَ، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: «ربّ» على القطع أي هو رب أو على الابتداء والخبر لا إِلهَ إِلَّا هُوَ. وقرأ ابن عباس وأصحاب عبد الله: «رب المشارق والمغارب» بالجمع. والوكيل: القائم بالأمر الذي يوكل إليه الأشياء، وقوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ الآية، قيل هي موادعة منسوخة بآية السيف، والمراد بالآية قريش. وقال بعض العلماء: قوله وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا منسوخ، وأما الصبر على ما يقولون فقد يتوجه أحيانا ويبقى حكمه، وفيما يتوجه من الهجر الجميل من المسلمين، قال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتقليهم. والقول الأول أظهر لأن الآية إنما هي في كفر قريش وردهم رسالته وإعلائهم بذلك لا يمكن أن يكون الحكم في هذه المعاني باقيا.
قوله :
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١١ الى ١٨]
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥)
فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨)
стр. 2636
قوله تعالى: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ وعيد لهم، ولم يتعرض أحد لمنعه منهم، لكنه إبلاغ بمعنى لا تشغل بهم فكرا، وكلهم إليّ. والنَّعْمَةِ غضارة العيش وكثرة المال. والمشار إليهم كفار قريش أصحاب القليب ببدر. ويروى أنه لم يكن بين نزول الآية وبين بدر إلا مدة يسيرة نحو عام وليس الأمر كذلك، والتقدير الذي يعضده الدليل من إخبار رسول الله ﷺ يقتضي أن بين الأمرين نحو العشرة الأعوام، ولكن ذلك قليل أمهلوه، ولَدَيْنا بمنزلة عندنا، و «الأنكال» جمع نكل، وهو القيد من الحديد، ويروى أنها قيود سود من نار، و «الطعام ذو الغصة» ، شجرة الزقوم قاله مجاهد وغيره، وقيل شوك من نار وتعترض في حلوقهم لا تخرج ولا تنزل قاله ابن عباس، وكل مطعوم هنالك فهو ذو غصة، وروي أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية فصعق، والعامل في قوله يَوْمَ تَرْجُفُ، الفعل الذي تضمنه قوله إِنَّ لَدَيْنا، وهو استقرار أو ثبوت، والرجفان: الاهتزاز والاضطراب من فزع وهول، و «المهيل» اللين الرخو الذي يذهب بالريح ويجيء مهيلة. والأصل مهيول استثقلت الضمة على الياء فسكنت واجتمع ساكنان فحذفت الواو وكسرت الهاء بسبب الياء. وقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ الآية خطاب للعالم، لكن المواجهون قريش، وقوله شاهِداً عَلَيْكُمْ نحو قوله وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] ، وتمثيله لهم أمرهم بفرعون وعيد كأنه يقول: فحالهم من العذاب والعقاب إن كفروا سائرة إلى مثل حال فرعون، وقوله تعالى: فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ يريد موسى ﵇، والألف واللام للعهد. والوبيل: الشديد الرديء العقبى، ويقال: كلأ وبيل ومستوبل إذا كان ضارا لما يرعاه. وقوله تعالى: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ معناه تجعلون لأنفسكم، ويَوْماً مفعول ب تَتَّقُونَ، وقيل هو مفعول ب كَفَرْتُمْ على أن يجعله بمنزلة جحدتم، ف تَتَّقُونَ على هذا من التقوى، أي تَتَّقُونَ عقاب الله يَوْماً، ويَجْعَلُ يصح أن يكون مسندا إلى اسم الله تعالى، ويصح أن يكون مسندا إلى اليوم.
وقوله تعالى: الْوِلْدانَ شِيباً يريد صغار الأطفال، وقال قوم هذه حقيقة تشيب رؤوسهم من شدة الهول كما قد ترى الشيب في الدنيا من الهم المفرط كهول البحر ونحوه. وقال آخرون من المتأولين: هو تجوز وإبلاغ في وصف هول ذلك اليوم. وواحد «الولدان» وليد، وواحد الشيب أشيب. وقوله تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ قيل هذا على النسب أي ذات انفطار كامرأة حائض وطالق، وقيل السماء تذكر وتؤنث، وينشد في التذكير: [الوافر]
فلو رفع السماء إليه قوما ... لحقنا بالسماء مع السحاب
وقيل من حيث لم يكن تأنيثها حقيقيا، جاز أن تسقط علامة التأنيث لها، وقيل لم يرد اللفظ قصد السماء بعينها وإنما أراد ما علا من مخلوقات الله كأنه قصد السقف فذكر على هذا المعنى، قاله منذر بن
стр. 2637
سعيد وأبو عبيدة معمر والكسائي: و «الانفطار» التصدع والانشقاق على غير نظام، بقصد، والضمير في بِهِ، قال المنذر وغيره: هو عائد على اليوم، وقال مجاهد: هو عائد على الله تعالى، وهذا نظير قوله يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: ٢٥] الذي هو ظل يأتي الله فيها. والمعنى يأتي أمره وقدرته، وكذلك هنا مُنْفَطِرٌ بِهِ أي بأمره وسلطانه، والضمير في قوله وَعْدُهُ ظاهر أنه لله تعالى. ويحتمل أن يكون لليوم لأنه يضاف إليه من حيث هو منه.
قوله :
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
الإشارة ب هذِهِ يحتمل أن تكون إلى ما ذكر من الأنكال والجحيم والأخذ الوبيل ونحوه. ويحتمل أن تكون إلى السورة بأجمعها ويحتمل أن تكون إلى القرآن، أي أن هذه الأقوال المنصوصة، فيه، تَذْكِرَةٌ، والتذكرة مصدر كالذكر. وقوله تعالى: فَمَنْ شاءَ الآية، ليس معناه إباحة الأمر وضده، بل يتضمن معنى الوعد والوعيد. والسبيل هنا: سبيل الخير والطاعة. وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ الآية نزلت تخفيفا لما كان استمر استعماله من قيام الليل إما على الوجوب أو على الندب حسب الخلاف الذي ذكرناه، ومعنى الآية: أن الله تعالى يعلم أنك تقوم أنت وغيرك من أمتك قياما مختلفا فيه، مرة يكثر ومرة يقل، ومرة أدنى من الثلثين، ومرة أدني من الثلث، وذلك لعدم تحصيل البشر لمقادير الزمن مع عدم النوم، وتقدير الزمان حقيقة إنما هو لله تعالى، وأما البشر فلا يحصي ذلك فتاب الله عليهم، أي رجع بهم من الثقل إلى الجنة وأمرهم بقراءة ما تَيَسَّرَ، ونحو هذا يعطي عبارة الفراء ومنذر فإنهما قالا تُحْصُوهُ تحفظوه، وهذا التأويل هو على قراءة من قرأ «ونصفه وثلث» بالخفض عطفا على الثلثين، وهي قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر. وأما من قرأ «ونصفه وثلثه» بالنصب عطفا على أَدْنى وهي قراءة باقي السبعة، فالمعنى عنده آخر، وذلك أن الله تعالى قرر أنهم يقدرون الزمان على نحو ما أمر به في قوله نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل: ٣- ٤] ، فلم يبق إلا أن يكون قوله لَنْ تُحْصُوهُ لن تستطيعوا قيامه لكثرته وشدته فخفف الله عنكم فضلا منه لا لقلة جهلهم بالتقدير وإحصاء الوقت، ونحو هذا تعطي عبارة الحسن وابن جبير تُحْصُوهُ تطيعوه، وقرأ جمهور القراء والناس «وثلثه» بضم اللام، وقرأ ابن كثير في رواية شبل عنه:
«وثلثه» بسكون اللام. وقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ إباحة، هذا قول الجمهور، وقال ابن جبير وجماعة هو فرض لا بد منه ولو خمسين آية، وقال الحسن وابن سيرين قيام الليل فرض، ولو قدر
стр. 2638
حلب شاة، إلا أن الحسن قال: من قرأ مائة آية لم يحاجه القرآن، واستحسن هذا جماعة من العلماء، قال بعضهم: والركعتان بعد العتمة مع الوتر مدخلتان في حكم امتثال هذا الأمر، ومن زاد زاده الله ثوابا.
وإِنَّ في قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ مخففة من الثقيلة. والتقدير أنه يكون، فجاءت السين عوضا من المحذوف، وكذلك جاءت لا في قول أبي محجن: [الطويل]
ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
والضرب في الأرض: هو السفر للتجارة، وضرب الأرض هو المشي للتبرز والغائط. فذكر الله تعالى أعذار بني آدم التي هي حائلة بينهم وبين قيام الليل وهي المرض والسفر في تجارة أو غزو، فخفف عنه القيام لها. وفي هذه الآية فضيلة الضرب في الأرض بل تجارة وسوق لها مع سفر الجهاد، وقال عبد الله بن عمر: أحب الموت إليّ بعد القتل في سبيل الله أن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، ثم كرر الأمر. بقراءة ما تيسر منه تأكيدا و «الصلاة» و «الزكاة» هما المفروضتان، ومن قال إن القيام بالليل غير واجب قال معنى الآية خذوا من هذا الثقل بما تيسر وحافظوا على فرائضكم، ومن قال إن شيئا من القيام واجب قال: قرنه الله بالفرائض لأنه فرض. وإقراض الله تعالى: هو إسلاف العمل الصالح عنده. وقرأ جمهور الناس «هو خيرا» على أن يكون هو فصلا، وقرأ محمد بن السميفع وأبو السمال «هو خير» بالرفع على أن يكون هُوَ ابتداء، و «خير» خبره والجملة تسد مسد المفعول الثاني ل تَجِدُوهُ.
ثم أمر تعالى بالاستغفار وأوجب لنفسه صفة الغفران لا إله غيره، قال بعض العلماء فالاستغفار بعد الصلاة مستنبط من هذه الآية ومن قوله تعالى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: ١٧] .
قال القاضي أبو محمد: وعهدت أبي ﵀ يستغفر إثر كل مكتوبة ثلاثا بعقب السلام ويأثر في ذلك حديثا، فكأن هذا الاستغفار من التقصير وتفلت الفكر أثناء الصلاة، وكان السلف الصالح يصلون إلى طلوع الفجر ثم يجلسون للاستغفار إلى صلاة الصبح.
نجز تفسير سورة «المزمل» بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد وآله.
стр. 2639
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المدّثر
وهي مكية بإجماع من أهل التأويل.
قوله :
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ١ الى ١٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)
عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)
اختلف القراء في الْمُدَّثِّرُ على نحو ما ذكرناه في الْمُزَّمِّلُ [المزمل: ١] ، وفي حرف أبيّ بن كعب الْمُدَّثِّرُ ومعناه المتدثر بثيابه، و «الدثار» ، ما يتغطى الإنسان به من الثياب، واختلف الناس لم ناداه ب الْمُدَّثِّرُ، فقال جمهور المفسرين بما ورد في البخاري من أنه لما فرغ من رؤية جبريل على كرسي بين السماء والأرض فرعب منه ورجع إلى خديجة فقال: زملوني زملوني نزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وقال النخعي وقتادة وعائشة نودي وهو في حال تدثر فدعي بحال من أحواله. وروي أنه كان يدثر في قطيفة. وقال آخرون: معناه أيها النائم. وقال عكرمة معناه يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ للنبوة وأثقالها، واختلف الناس في أول ما نزل من كتاب الله تعالى فقال جابر بن عبد الله وأبو سلمة والنخعي ومجاهد هو يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ الآيات. وقال الزهري والجمهور هو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق: ١] وهذا هو الأصح. وحديث صدر كتاب البخاري نص في ذلك. وقوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ بعثة عامة إلى جميع الخلق. قال قتادة، المعنى أنذر عذاب الله ووقائعه بالأمم، وقوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ معناه عظمه بالعبادة وبث شرعه.
وروي عن أبي هريرة أن بعض المؤمنين قال: بم نفتتح صلاتنا؟ فنزلت وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. واختلف المتأولون في معنى قوله وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، فقال ابن سيرين وابن زيد بن أسلم والشافعي وجماعة: هو أمر بتطهير الثياب حقيقة، وذهب الشافعي وغيره من هذه الآية إلى وجوب غسل النجاسات من الثياب، وقال الجمهور:
هذه الألفاظ استعارة في تنقية الأفعال والنفس والعرض، وهذا كما تقول فلان طاهر الثوب، ويقال للفاجر دنس الثوب، ومنه قول الشاعر [غيلان بن سلمة الثقفي] : [الطويل]
وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من خزية أتقنع
وقال الآخر: [الرجز]
لاهم إن عامر ابن جهم ... أو ذم حجّا في ثياب دهم
стр. 2640
أي دنسه. وقال ابن عباس والضحاك وغيره، المعنى لا تلبسها على غدرة ولا فجور، وقال ابن عباس: المعنى لا تلبسها من مكسب خبيث، وقال النخعي: المعنى طهرها من الذنوب، وهذا كله معنى قريب بعضه من بعض، وقال طاوس: المعنى قصرها وشمرها، فذلك طهرة للثياب. وقرأ جمهور الناس «والرّجز» بكسر الراء، وقرأ حفص عن عاصم والحسن ومجاهد وأبو جعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن والنخعي وابن وثاب وقتادة وابن أبي إسحاق والأعرج: و «الرّجز» بضم الراء. فقيل هما بمعنى يراد بهما الأصنام والأوثان، وقيل هما لمعنيين الكسر للنتن والتقابض وفجور الكفار والضم لصنمين: «إساف ونائلة» ، قاله قتادة. وقيل للأصنام عموما، قاله مجاهد وعكرمة والزهري. وقال ابن عباس «الرجز» السخط، فالمعنى اهجر ما يؤدي إليه ويوجبه، وقال الحسن: كل معصية رجز، وروى جابر أن النبي ﷺ فسر هذه الآية بالأوثان. واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ. فقال ابن عباس وجماعة معه: لا تعط عطاء لتعطى أكثر منه، فكأنه من قولهم، من إذا أعطى، قال الضحاك، وهذا خاص بالنبي ﵇، ومباح لأمته لكن لا أجر لهم فيه. قال مكي: وهذا معنى قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [الروم: ٣٩] ، وهذا معنى أجنبي من معنى هذه السورة. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ لا تقل دعوت فلم أجب وروى قتادة أن المعنى لا تدل بعملك، ففي هذا التأويل تحريض على الجد وتخويف، وقال ابن زيد:
معناه وَلا تَمْنُنْ على الناس بنبوءتك تَسْتَكْثِرُ بأجر أو بكسب تطلبه منهم. وقال الحسن بن أبي الحسن: معناه وَلا تَمْنُنْ على الله بجدك تَسْتَكْثِرُ أعمالك ويقع لك بها إعجاب، فهذه كلها من المن الذي هو تعديد اليد وذكرها. وقال مجاهد: معناه ولا تضعف تَسْتَكْثِرُ ما حملناك من أعباء الرسالة وتستكثر من الخير، فهذه من قولهم حبل منين أي ضعيف، وفي قراءة ابن مسعود: «ولا تمنن أن تستكثر» ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «تستكثر» بجزم الراء، وذلك كأنه قال لا تستكثر، وقرأ الأعمش: «تستكثر» بنصب الراء، وذلك على تقدير أن مضمرة وضعف أبو حاتم الجزم، وقرأ ابن أبي عبلة: «ولا تمنن فتستكثر» بالفاء العاطفة والجزم، وقرأ أبو السمال: «ولا تمنّ» بنون واحدة مشددة. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ، أي لوجه ربك وطلب رضاه كما تقول فعلت لله تعالى، والمعنى على الأدنى من الكفار وعلى العبادة وعن السهوات وعلى تكاليف النبوة، قال ابن زيد وعلى حرب الأحمر والأسود لقد حمل أمرا عظيما.
والنَّاقُورِ الذي ينفخ فيه وهو الصور، قاله ابن عباس وعكرمة. وقال خفاف بن ندبة: [الوافر]
إذا ناقورهم يوما تبدى ... أجاب الناس من غرب وشرق
وهو فاعول من النقر، وقال أبو حباب:
أمنا زرارة بن أوفى فلما بلغ في الناقور خر ميتا.
وروي أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ» ففزع أصحاب النبي ﷺ فقالوا: كيف نقول يا رسول الله؟
قال: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» . ويَوْمٌ عَسِيرٌ معناه في عسر في الأمور الجارية على
стр. 2641
الكفار فوصف اليوم بالعسر لكونه ظرف زمان له. وكذلك تجيء صفته باليسر. وقرأ الحسن «عسر» بغير ياء.
قوله :
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ١١ الى ٢٥]
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)
كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)
ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)
قوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وعيد محض، المعنى أنا أكفي عقابه وشأنه كله. ولا خلاف بين المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، فروي أنه كان يلقب الوحيد، أي لأنه لا نظير له في ماله وشرفه في بيته، فذكر الوحيد في الآية في جملة النعمة التي أعطي وإن لم يثبت هذا، فقوله تعالى: خَلَقْتُ وَحِيداً معناه منفردا قليلا ذليلا، فجعلت له المال والبنين، فجاء ذكر الوحدة مقدمة حسن معها وقوع المال والبنين، وقيل المعنى خلقته وحدي لم يشركني فيه أحد، ف وَحِيداً حال من التاء في خَلَقْتُ، والمال الممدود: قال مجاهد وابن جبير هو ألف دينار، وقال سفيان: بلغني أنه أربعة آلاف دينار وقاله قتادة، وقيل: عشرة آلاف دينار، فهذا مد في العدد، وقال النعمان بن بشير هي الأرض لأنها مدت، وقال عمر بن الخطاب:
المال الممدود الربع المستغل مشاهرة، فهو مد في الزمان لا ينقطع، وشُهُوداً معناه حضورا متلاحقين، قال مجاهد وقتادة: كان له عشرة من الولد، وقال ابن جبير: ثلاثة عشر، والتمهيد: التوطئة والتهيئة، قال سفيان: المعنى بسطت له العيش بسطا. وقوله تعالى: ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ وصفه بجشع الوليد وعتبة في الازدياد من الدنيا، وقوله تعالى: كَلَّا زجر ورد على أمنية هذا المذكور، ثم أخبر عنه أنه كان معاندا مخالفا لآيات الله وعبره، يقال بعير عنود للذي يمشي مخالفا للإبل. ويحتمل أن يريد بالآيات آيات القرآن وهو الأصح في التأويل سبب كلام الوليد في القرآن بأنه سحر، و «أرهقه» معناه أكلفه بمشقة وعسر، وصَعُوداً: عقبة في جهنم، روى ذلك أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ كلما وضع عليها شيء من الإنسان ذاب، والصعود في اللغة: العقبة الشاقة. وقوله تعالى مخبرا عن الوليد إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ الآية، روى جمهور المفسرين أن الوليد سمع من القرآن ما أعجبه ومدحه، ثم سمع كذلك مرارا حتى كاد أن يقارب الإسلام، ودخل إلى أبي بكر الصديق مرارا، فجاءه أبو جهل فقال: يا وليد، أشعرت أن قريشا قد ذمتك بدخولك إلى ابن أبي قحافة وزعمت أنك إنما تقصد أن تأكل طعامه، فقد أبغضتك لمقاربتك أمر محمد، وما يخلصك عندهم إلا أن تقول في هذا الكلام قولا يرضيهم، ففتنه أبو جهل فافتتن، وقال: افعل ذلك ثم فكر فيما عسى أن يقول في القرآن، فقال: أقول شعر ما هو بشعر، أقول
стр. 2642
هو كاهن؟ ما هو بكاهن، أقول هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ هو قول البشر، أي لبس منزل من عند الله قال أكثر المفسرين، فقوله تعالى: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ هو دعاء عليه وتقبيح لحاله أي أنه ممن يستحق ذلك. وروي عن الزهري وجماعة غيره أن الوليد حاج أبا جهل وجماعة من قريش في أمر القرآن وقال: والله إن له لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لحياة وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو ولا يعلى ونحو هذا من الكلام فخالفوه فقالوا له: هو شعر، فقال والله ما هو بشعر، ولقد عرفنا الشعر هزجه وبسيطه، قالوا: فهو كاهن، قال والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان وزمزمتهم، قالوا: هو مجنون، قال: والله ما هو بمجنون، ولقد رأينا المجنون وخنقه، قالوا: هو سحر، قال أما هذا فيشبه أنه سحر ويقول أقوال نفسه.
قال القاضي أبو محمد: فيحتمل قوله تعالى: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ أن يكون دعاء عليه على معنى تقبيح حاله، ويحتمل أن يكون دعاء مقتضاه استحسان منزعه الأول ومدحه القرآن، وفي نفيه الشعر والكهانة والجنون عنه فيجري هذا مجرى قول النبي ﷺ لأبي جندل بن سهيل: «ويل أمه مسعر حرب» ، ومجرى قول عبد الملك بن مروان: قاتل الله كثيرا كأنه رآنا حين قال كذا، وهذا معنى مشهور في كلام العرب، ثم وصف تعالى إدباره واستكباره وأنه ضل عند ذلك وكفر، وإذا قلنا إن ذلك دعاء على مستحسن فعله فيجيء قوله تعالى: ثُمَّ نَظَرَ، معناه نظر فيما احتج به القرآن فرأى ما فيه من علو مرتبة محمد ﵇ ف عَبَسَ لذلك وَبَسَرَ أي قطب وقبض ما بين عينيه وأربد وجهه حسدا له فأدبر واستكبر، أي ارتكس في ضلاله وزال إقباله أولا ليهتدي ولحقته الكبرياء، وقال هذا سحر، ويُؤْثَرُ معناه يروى ويحمل، أي يحمله محمد عن غيره، وعلى التأويل أن الدعاء عليه دعاء على مستقبح فعله يجيء قوله ثُمَّ نَظَرَ معناه معادا بعينه لأن فَكَّرَ وَقَدَّرَ يقتضيه لكنه إخبار بترديده النظر في الأمر، وقد روي أن النبي ﷺ دعا الوليد فقال له: انظر وفكر فلما فكر قال ما تقدم.
قوله :
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٢٦ الى ٣٠]
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)
سَقَرَ هو الدرك السادس من جهنم على ما روي، و «أصليه» معناه أجعله فيها مباشرا لنارها، وقوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ هو على معنى التعجب من عظم أمرها وعذابها ثم بين ذلك بقوله لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ المعنى: لا تُبْقِي على من ألقي فيها، وَلا تَذَرُ غاية من العذاب إلا وصلته إليها، وقوله تعالى: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو رزين وجمهور الناس: معناه، مغيرة للبشرات، محرقة للجلود مسودة لها، و «البشر» جمع بشرة، وتقول العرب: لاحت النار الشيء إذا أحرقته وسودته، وقال الشاعر [الأعشى] : [الخفيف]
стр. 2643
لاحة الصيف والغيار وإشفا ... ق على سقبة كقوس الضال
وأنشد أبو عبيدة: [الرجز] يا بنت عمي لاحني الهواجر وقال الحسن وابن كيسان: لَوَّاحَةٌ بناء مبالغة من لاح يلوح إذا ظهر، والمعنى أنها تظهر للناس وهم البشر من مسيرة خمسمائة عام، وذلك لعظمها وهولها وزفيرها. وقرأ عطية العوفي «لواحة» بالنصب، وقوله تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ابتداء وخبره مقدم في المجرور، ولا خلاف بين العلماء أنهم خزنة جهنم المحيطون بأمرها الذين إليهم جماع أمر زبانيتها، وقد قال بعض الناس: إنهم على عدد حروف بسم الله الرحمن الرحيم لأن بها تقووا، وروي أن قريشا لما سمعت هذا كثر إلغاطهم فيه وقالوا: لو كان هذا حقا، فإن هذا العدد قليل، فقال أبو جهل: هؤلاء تسعة عشر، وأنتم الدهم، أفيعجز عشرة منا عن رجل منهم، وقال أبو الأشدي الجمحي: أنا أجهضهم على النار، إلى غير هذا من أقوالهم السخيفة، فنزلت في أبي جهل: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة: ٣٤- ٣٥] الآية، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وطلحة بن شبل «تسعة عشر» بسكون العين، وذلك لتوالي الحركات، وقرأ أنس بن مالك وأبو حيوة «تسعة عشر» برفع التاء، وروي عن أنس بن مالك أنه قرأ «تسعة أعشر» ، وضعفها أبو حاتم.
قوله :
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٣١ الى ٤٢]
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)
نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠)
عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)
وقوله تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً تبيين لفساد أقوال قريش، أي إن جعلناهم خلقا لا قبل لأحد من الناس بهم وجعلنا عدتهم هذا القدر فتنة للكفار ليقع منهم من التعاطي والطمع في المبالغة ما وقع ولِيَسْتَيْقِنَ أهل الكتاب: التوراة والإنجيل أن هذا القرآن من عند الله، إذ هم يجدوه هذه العدة في كتبهم المنزلة التي لم يقرأها محمد ﷺ ولا هو من أهلها، ولكن كتابه يصدق ما بين يديه من كتب الأنبياء إذ جميع ذلك حق يتعاضد منزل من عند الله، قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد وغيرهم، وبورود الحقائق من عند الله يزداد كل ذي إيمان إيمانا ويزول الريب عن المصدقين من أهل الكتاب ومن المؤمنين، وقوله تعالى: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الآية، نوع من الفتنة لهذا الصنف المنافق أو الكافر، أي جاروا وضلوا ولم يهتدوا لقصد الحق فجعلوا يستفهم بعضهم بعضا عن مراد الله تعالى بهذا المثل استبعادا أن يكون هذا من عند الله، قال الحسين بن الفضل: السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق فإنما المرض في هذه الآية الاضطراب وضعف الإيمان.
قوله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ أي بهذه الصفة وهذا الرّين على القلوب يضل، ثم أخبر
стр. 2644
تعالى أنه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ من المؤمنين لما ورد بذلك لعلمهم بالقدرة ووقوف عقولهم على كنه سلطان الله تعالى، فهم موقنون متصورون صحة ما أخبرت به الأنبياء وكتب الله تعالى، ثم قال: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ إعلاما بأن الأمر فوق ما يتوهم وأن الخبر إنما هو عن بعض القدرة لا عن كلها، والسماء كلها عامرة بأنواع من الملائكة كلهم في عبادة متصلة وخشوع دائم وطاعة لا فترة في شيء من ذلك ولا دقيقة واحدة. وقوله تعالى: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ قال مجاهد الضمير في قوله وَما هِيَ للنار المذكورة، أي يذكرها البشر فيخافونها فيطيعون الله تعالى. وقال بعض الحذاق. قوله تعالى: ما هِيَ يراد بها الحال والمخاطبة والنذارة، قال الثعلبي: وقيل وَما هِيَ، يراد نار الدنيا، أي إن هذه تذكرة للبشر بنار الآخرة، وقوله : كَلَّا رد على الكافرين وأنواع الطاغين على الحق، ثم أقسم ب الْقَمَرِ، تخصيص تشريف وتنبيه على النظر في عجائبه وقدرة الله تعالى في حركاته المختلفة التي هي مع كثرتها واختلافها على نظام واحد لا يختل، وكذلك هو القسم ب اللَّيْلِ وب الصُّبْحِ، فيعود التعظيم في آخر الفكرة وتحصيل المعرفة إلى الله تعالى مالك الكل وقوام الوجود ونور السماء والأرض، لا إله إلا هو العزيز القهار. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «إذ أدبر» بفتح الدال والباء، وهي قراءة ابن عباس وابن المسيب وابن الزبير ومجاهد وعطاء ويحيى بن يعمر وأبي جعفر وشيبة وأبي الزناد وقتادة وعمر بن عبد العزيز والحسن وطلحة. وقرأ نافع وحمزة وحفص عن عاصم، «إذا أدبر» بسكون الدال وبفعل رباعي، وهي قراءة سعيد بن جبير وأبي عبد الرحمن والحسن بخلاف عنهم والأعرج وأبي شيخ وابن محيصن وابن سيرين، قال يونس بن حبيب: «دبر» معناه انقضى و «أدبر» معناه تولى. وفي مصحف ابن مسعود وأبيّ بن كعب «إذ أدبر» بفتح الدال وألف وبفعل رباعي وهي قراءة الحسن وأبي رزين وأبي رجاء ويحيى بن يعمر. وسأل مجاهد ابن عباس عن دبر الليل فتركه حتى إذا سمع المنادي الأول للصبح قال له: يا مجاهد، هذا حين دبر الليل، وقال قتادة: دبر الليل ولى. قال الشاعر [الأصمعي] : [الكامل]
وأبي الذي ترك الملوك وجمعهم ... بهضاب هامدة كأمس الدابر
والعرب تقول في كلامها كأمس المدبر، قال أبو علي الفارسي: فالقراءتان جميعا حسنتان و «أسفر الصبح» أضاء وانتشر ضوءه قبل طلوع الشمس بكثير والإسفار رتب أول ووسط وآخر، ومن هذه اللفظة السّفر، والسفر بفتح السين، والسفير وسفرت المرأة عن وجهها كلها ترجع إلى معنى الظهور والانجلاء، وقرأ عيسى بن الفضيل وابن السميفع: «إذا أسفر» ، فكأن المعنى طرح الظلمة عن وجهه وضعفها أبو حاتم، وقوله تعالى: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ قال قتادة وأبو رزين وغيره: الضمير لجهنم، ويحتمل أن يكون الضمير للنذارة، وأمر الآخرة فهو للحال والقصة، وتكون هذه الآية مثل قوله قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٨] ، و «الكبر» ، جمع كبيرة، وقرأ جمهور القراء «لإحدى» بهمزة في ألف إحدى، وروي عن ابن كثير أنه قرأ «لاحدى» دون همزة، وهي قراءة نصر بن عاصم، قال أبو علي:
التخفيف في لَإِحْدَى الْكُبَرِ، أن تجعل الهمزة فيها بين بين، فأما حذف الهمزة فليس بقياس وقد جاء حذفها. قال أبو الأسود الدؤلي: [الكامل]
يا أبا المغيرة رب أمر معضل ... فرجته بالنكر مني والدّها
стр. 2645
وأنشد ثعلب: [الكامل]
إن لم أقاتل فالبسوني برقعا ... وفتخات في اليدين أربعا
وقوله تعالى: نَذِيراً لِلْبَشَرِ قال الحسن بن أبي الحسن: لا نذير إذ هي من النار. وهذا القول يقتضي أن نَذِيراً حال من الضمير في إِنَّها. أو من قوله لَإِحْدَى، وكذلك أيضا على الاحتمال في أن تكون إِنَّها يراد بها قصة الآخرة وحال العالم، وقال أبو رزين: الله جل ذكره هو النذير، فهذا القول يقتضي أن نَذِيراً معمول الفعل تقديره: ليس نذيرا للبشر أو ادعوا نذيرا للبشر، وقال ابن زيد محمد ﵇ هو النذير: فهذا القول يقتضي أن نَذِيراً معمول لفعل. وهذا اختيار الخليل في هذه الآية ذكره الثعلبي قال: ولذلك يوصف به المؤنث، وقرأ ابن أبي عبلة «نذير» بالرفع على إضمار هو، وقوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ، قال الحسن هو وعيد نحو قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩] ، وقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ [الحجر: ٢٤] .
قال القاضي أبو محمد: هو بيان في النذارة وإعلام أن كل أحد يسلك طريق الهدى والحق إذا حقق النظر، أي هو بعينه يتأخر عن هذه الرتبة بغفلته وسوء نظره ثم قوي هذا المعنى بقوله: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إذ ألزم بهذا القول أن المقصر مرتهن بسوء عمله. وقال الضحاك: المعنى كل نفس حقت عليها كلمة العذاب، ولا يرتهن تعالى أحدا من أهل الجنة إن شاء الله، والهاء في رَهِينَةٌ للمبالغة، أو على تأنيث اللفظ لا على معنى الإنسان وقوله تعالى: إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ، استثناء ظاهر الانفصال، وتقديره لكن أصحاب اليمين، وذلك لأنهم لم يكتسبوا ما هم به مرتهنون، وقال علي بن أبي طالب ﵁: أصحاب الْيَمِينِ في هذه الآية، أطفال المسلمين، وقال ابن عباس: هم الملائكة، وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وقال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون وليسوا بمرتهنين، ثم ذكر تعالى حال أصحاب الْيَمِينِ وأنهم في جنات يسأل بعضهم بعضا عمن غاب من معارفه، فإذا علموا أنهم مجرمون في النار، قالوا لهم أو قالت الملائكة: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟
وسلك معناه: أدخل، ومنه قول أبي وجزة السعدي:
حتى سلكن الشوى منهن في مسك ... من نسل جوابة الآفاق مهداج
قوله :
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٤٣ الى ٥٦]
قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧)
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢)
كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)
стр. 2646
هذا هو اعتراف الكفار على أنفسهم وفي نفي الصلاة يدخل الإيمان بالإيمان بالله والمعرفة به والخشوع والعبادة. والصلاة تنتظم على عظم الدين وأوامر الله تعالى وواجبات العقائد، وإطعام المساكين ينتظم الصدقة فرضا وطواعية، وكل إجمال ندبت إليه الشريعة بقول أو فعل والخوض مَعَ الْخائِضِينَ عرفه في الباطل، قال قتادة: المعنى كلما غوى غاو غووا معه، والتكذيب بِيَوْمِ الدِّينِ كفر صراح وجهل بالله تعالى، والْيَقِينُ معناه عندي صحة ما كانوا يكذبون به من الرجوع إلى الله تعالى والدار الآخرة، وقال المفسرون: الْيَقِينُ الموت، وذلك عندي هنا متعقب لأن نفس الموت يقين عند الكافر وهو حي، فإنما الْيَقِينُ الذي عنوا في هذه الآية الشيء الذي كانوا يكذبون به وهم أحياء في الدنيا فتيقنوه بعد الموت.
وإنما يتفسر اليقين بالموت في قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩] . ثم أخبر تعالى أن شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ لا تنفعهم فتقرر من ذلك أن ثم شافعين، وفي صحة هذا المعنى أحاديث:
قال ﷺ : «يشفع الملائكة ثم النبيون ثم العلماء ثم الشهداء ثم الصالحون، ثم يقول الله تعالى: شفع عبادي وبقيت شفاعة أرحم الراحمين، فلا يبقى في النار من كان له إيمان» ، وروى الحسن أن الله تعالى يدخل الجنة بشفاعة رجل من هذه الأمة مثل ربيعة ومضر وفي رواية أبي قلابة أكثر من بني تميم، وقال الحسن كنا نتحدث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته، ثم قال : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ أي والحال المنتظرة هي هذه الموصوفة، وقوله تعالى في صفة الكفار المعرضين بتول واجتهاد في نفور كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ إثبات لجهالتهم لأن الحمر من جاهل الحيوان جدا، وقرأ الأعمش:
«حمر» بإسكان الميم، وفي حرف ابن مسعود «حمر نافرة» ، وقرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم:
«مستنفرة» بفتح الفاء، وقرأ الباقون بكسرها، واختلف عن نافع وعن الحسن والأعرج ومجاهد، فأما فتح الفاء فمعناها استنفرها فزعها من القسورة، وأما كسر الفاء فعلى أن نفر واستنفر بمعنى واحد مثل عجب واستعجب وسخر واستسخر فكأنها نفرت هي، ويقوي ذلك قوله تعالى: فَرَّتْ وبذلك رجح أبو علي قراءة كسر الفاء، واختلف المفسرون في معنى القسورة فقال ابن عباس وأبو موسى الأشعري وقتادة وعكرمة: «القسورة» الرماة، وقال ابن عباس أيضا وأبو هريرة وجمهور من اللغويين: «القسورة» الأسد، ومنه قول الشاعر: [الرجز]
مضمر تحذره الأبطال ... كأنه القسورة الرئبال
وقال ابن جبير: «القسورة» : رجال القنص، وقاله ابن عباس أيضا، وقيل: «القسورة» ركز الناس، وقيل: «القسورة» الرجال الشداد، قال لبيد:
إذا ما هتفنا هتفة في ندينا ... أتانا الرجال العاندون القساور
وقال ثعلب: «القسورة» سواد أول الليل خاصة لآخره أو اللفظة مأخوذة من القسر الذي هو الغلبة والقهر، وقوله تعالى: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً معناه من هؤلاء المعارضين، أي يريد كل إنسان منهم أن ينزل عليه كتاب من الله، وكان هذا من قول عبد الله بن أبي أمية وغيره. وروي أن
стр. 2647
بعضهم قال إن كان يكتب في صحف ما يعمل كل إنسان فلتعرض ذلك الصحف علينا فنزلت الآية، ومُنَشَّرَةً: معناه منشورة غير مطوية، وقرأ سعيد بن جبير «صحفا» بسكون الحاء وهي لغة يمانية، وقرأ:
«منشرة» بسكون النون وتخفيف الشين، وهذا على أن يشبه نشرت الثوب بأنشر الله الميت إذا لطى كالموت، وقد عكس التيمي التشبيه في قوله: [الكامل]
ردت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور
ولا يقال في الميت يحيى منشور إلا على تشبيه بالثوب وأما محفوظ اللغة فنشرت الصحيفة وأنشر الله الميت، وقد جاء عنهم نشر الله الميت، وقوله تعالى: كَلَّا رد على إرادتهم أي ليس الأمر كذلك، ثم قال: بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ المعنى هذه العلة والسبب في إعراضهم فكان جهلهم بالآخرة سبب امتناعهم للهدى حتى هلكوا، وقرأ أبو حيوة: «تخافون» بالتاء من فوق رويت عن ابن عامر، ثم أعاد الرد والزجر بقوله تعالى: كَلَّا وأخبر أن هذا القول والبيان وهذه المحاورة بجملتها تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ وفقه الله تعالى لذلك ذكر معاده فعمل له، ثم أخبر تعالى أن ذكر الإنسان معاده وجريه إلى فلاحه إنما هو كله بمشيئة الله تعالى وليس يكون شيء إلّا بها، وقرأ نافع وأهل المدينة وسلام ويعقوب: «تذكرون» بالتاء من فوق، وقرأ أبو جعفر وعاصم وأبو عمرو والأعمش وطلحة وابن كثير وعيسى والأعرج: «يذكرون» بالياء من تحت، وروي عن أبي جعفر بالتاء من فوق وشد الذال كأنه تتذكرون فأدغم، وقوله تعالى: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ خبر جزم معناه:
أن الله تعالى أهل بصفاته العلى ونعمه التي لا تحصى ونقمه التي لا تدفع لأن يتقى ويطاع ويحذر عصيانه وخلاف أمره، وأنه بفضله وكرمه أهل أن يغفر لعباده إذا اتقوه، وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ فسر هذه الآية فقال: يقول ربكم جلت قدرته وعظمته: أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله غيري ومن اتقى أن يجعل معي إلها غيري فأنا أغفر له، وقال قتادة: معنى الآية هو أهل أن تتقى محارمه وأهل أن يغفر الذنوب.
نجز تفسير سورة المدثر والحمد لله كثيرا.
стр. 2648
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة القيمة
وهي مكية بإجماع من المفسرين وأهل التأويل، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال:
من سأل عن القيامة أو أراد أن يعرف حقيقة وقوعها، فليقرأ هذه السورة، وقال المغيرة بن شعبة: يقول الناس القيامة القيامة، وإنما قيامة المرء موته، وروي أيضا عن ابن جبير أنه حضر جنازة رجل فقال: أما هذا فقد قامت قيامته. ويروى مثله عن علقمة، وذكره الثعلبي.
قال القاضي أبو محمد: وقيامة الرجل في خاصته ليست بالقيامة الجامعة لجميع الخلق بعد البعث.
لكن المغيرة ﵁ كأنه قال: هذا لمن يستبعد قيام الآخرة، ويظن طول الأمد بينه وبينها فتوعده بقيام نفسه.
قوله :
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١ الى ١٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥)
قرأ جمهور السبعة: «لا أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوامة» وقرأ ابن كثير والحسن بخلاف عنه والأعرج «لأقسم بيوم القيامة ولأقسم بالنفس» ، فأما القراءة الأولى فاختلف في تأويلها فقال ابن جبير: «لا» استفتاح كلام بمنزلة ألا وأنشدوا على ذلك [المتقارب]
فلا وأبيك ابنة العامري ... لا يعلم القوم أني أفر
وقال أبو علي الفارسي: «لا» صلة زائدة كما زيدت في قوله لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: ٢٩] ويعترض هذا بأن هذه في ابتداء كلام. ولا تزاد «لا» وما نحوها من الحروف إلا في تضاعيف كلام.
فينفصل عن هذا بأن القرآن كله كالسورة الواحدة وهو في معنى الاتصال فجاز فيه هذا، وقال الفراء: «لا» نفي لكلام الكفار وزجر لهم ورد عليهم، ثم استأنف على هذه الأقوال الثلاثة قوله: أُقْسِمُ، ويوم القيامة أقسم الله به تنبيها منه لعظمه وهوله. وقوله تعالى: «ولا أقسم بالنفس اللوامة» القول في «لا» على نحو ما
стр. 2649
تقدم، وأما القراءة الثانية فتحتمل أمرين. إما أن تكون اللام دخلت على فعل الحال. التقدير لأنا أقسم فلا تلحق لأن النون نون التوكيد إنما تدخل في الأكثر لتفرق بين فعل الحال والفعل المستقبل فهي تلزم المستقبل في الأكثر، وإما أن يكون الفعل خالصا للاستقبال فكأن الوجه والأكثر أن تلحق النون إما الخفيفة وإما الثقيلة، لكن قد ذكر سيبويه أن النون قد تسقط مع إرادة الاستقبال وتغني اللام عنها. كما تسقط اللام وتغني النون عنها وذلك في قول الشاعر: [الكامل]
وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فرغ وإن قتيلهم لم يثأر
المراد لأثارن، وأما قوله «ولا أقسم بالنفس اللوامة» فقيل «لا» نافية، وإن الله تعالى أقسم بيوم القيامة، ونفى أن يقسم بالنفس اللوامة نص عليه الحسن، وقد ذهب هذا المذهب قوم ممن قرأ «لا أقسم ولأقسم» ، وذلك قلق وهو في القراءة الثانية أمكن وجمهور المتأولين على أن الله تعالى أقسم بالأمرين، واختلف الناس في النفس اللَّوَّامَةِ ما معناه، فقال الحسن هي اللَّوَّامَةِ لصاحبها في ترك الطاعة ونحوه، فهي على هذا ممدوحة، ولذلك أقسم الله تعالى بها، وقال ابن عباس: هي الفاجرة الجشعة اللَّوَّامَةِ لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها فهي على هذا ذميمة وعلى هذا التأويل يحسن نفي القسم بها والنفس في الآية اسم جنس لنفوس البشر، وقال ابن جبير ما معناه: إن القسم بها هي اسم الجنس لأنها تلوم على الخير وعلى الشر، وقيل المراد نفس آدم لأنها لم تزل اللائمة له على فعله الذي أخرجه من الجنة.
قال القاضي أبو محمد: وكل نفس متوسطة ليست بالمطمئنة ولا بالأمارة بالسوء، فإنها لوامة في الطرفين مرة تلوم على ترك الطاعة، ومرة تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنت خلصت وصفت. وقوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ تقرير وتوبيخ، والْإِنْسانُ اسم جنس وهذه أقوال كانت لكفار قريش فعليها هو الرد، وقرأ جمهور الناس: «نجمع عظامه» بالنون ونصب الميم من العظام، وقرأ قتادة «أن لن يجمع عظامه» بالياء ورفع الميم من العظام، ومعنى ذلك في القيامة وبعد البعث من القبور، وقرأ أبو عمرو بإدغام العين ثم قال تعالى: بَلى وهي إيجاب ما نفي، وبابها أن تأتي بعد النفي والمعنى بل يجمعها قادِرِينَ بنصب قادِرِينَ على الحال. وقرأ ابن أبي عبلة «قادرون» بالرفع، وقال القتبي: نُسَوِّيَ بَنانَهُ معناه نتقنها سوية، والبنان: الأصابع، فكأن الكفار لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والإرمام، قيل لهم إنما تجمع ويسوى أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء وهي عظام الأنامل ومفاصلها، وهذا كله عند البعث، وقال ابن عباس وجمهور المفسرين: نُسَوِّيَ بَنانَهُ معناه نجعلها في حياته هذه بضعة أو عظما واحدا كخف البعير لا تفاريق فيه، فكأن المعنى قادرين لأن في الدنيا على أن نجعلها دون تفرق، فتقل منفعته بيده، فكأن التقدير بَلى نحن أهل أن نجمعها قادِرِينَ على إزالة منفعة بيده، ففي هذا توعد ما، والقول الأول أحرى مع رصف الكلام، ولكن على هذا القول جمهور العلماء، وقوله تعالى: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ قال بعض المتأولين: الضمير في أَمامَهُ عائد على الْإِنْسانُ، ومعنى الآية أن الإنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أبدا قدما راكب رأسه ومطيع أمله ومسوفا بتوبته، قاله مجاهد والحسن وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي، وقال السدي: المعنى ليظلم على قدر طاقته، وقال الضحاك
стр. 2650
المعنى يركب رأسه في طلب الدنيا دائما، وقوله تعالى: لِيَفْجُرَ أَمامَهُ تقديره لكن يفجر، وقال ابن عباس ما يقتضي أن الضمير في أَمامَهُ عائد على يوم الْقِيامَةِ، والمعنى أن الإنسان هو في زمن وجوده أمام يوم القيامة وبين يديه، ويوم القيامة خلفه فهو يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث وغير ذلك بين يدي يوم القيامة، وهو لا يعرف قدر الضرر الذي هو فيه، ونظيره قوله تعالى: لِيَفْجُرَ قول قيس بن سعد (أردت لكيما يعرف الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود) .
وبَلْ في أول الآية هي إضراب على معنى الترك لا على معنى إبطال الكلام الأول، وقد تجيء بل لإبطال القول الذي قبلها، وسؤال الكافر أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ هو على معنى التكذيب والهزء كما تقول لمحدث بأمر تكذبه متى يكون هذا؟ وأَيَّانَ لفظة بمعنى متى، وهي مبينة لتضمنها معنى الاستفهام فأشبهت الحروف المتضمنة للمعاني. وكان حقها أن تبنى على السكون، لكن فتحت النون لالتقاء الساكنين الألف وهي وقرأ أبو عمرو والحسن ومجاهد وقتادة والجحدري وعاصم والأعمش وأبو جعفر وشيبة «برق البصر» بكسر الراء بمعنى شخص وشق وحار. وقرأ نافع وعاصم بخلاف، وعبد الله بن أبي إسحاق وزيد بن ثابت ونصر بن عاصم «برق» بفتح الراء، بمعنى لمع وصار له بريق وحار عند الموت، والمعنى متقارب في القراءتين، وقال أبو عبيدة «برق» بالفتح شق، وقال مجاهد هذا عند الموت، وقال الحسن هذا في يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس: «وخسف القمر» على أنه فاعل، وقرأ أبو حيوة: «خسف» بضم الخاء وكسر السين و «القمر» مفعول لما يسم فاعله. يقال خسف القمر وخسفه الله، وكذلك الشمس، وقال أبو عبيدة وجماعة من اللغويين الخسوف والكسوف بمعنى واحد، قال ابن أبي أويس: الكسوف ذهاب بعض الضوء والخسوف ذهاب جميعه، وروي عن عروة وسفيان أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقولوا كسفت الشمس ولكن قولوا خسفت» . وقوله تعالى: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ غلب عليه التذكير على التأنيث، وقيل ذلك لأن تأنيث الشمس غير حقيقي، وقيل المراد بين الشمس والقمر، وكذلك قرأ ابن أبي عبلة. واختلف المتأولون في معنى الجمع بينهما فقال عطاء بن يسار: يجمعان فيقذفان في النار، وقيل في البحر، فتصير نار الله العظمى، وقيل يجمع الضوءان فيذهب بهما، وقرأ جمهور الناس «أين المفر» بفتح الميم والفاء على المصدر أي أين الفرار، وقرأ ابن عباس والحسن وعكرمة وأيوب السختياني وكلثوم بن عياض ومجاهد ويحيى بن يعمر وحماد بن سلمة وأبو رجاء وعيسى وابن أبي إسحاق: «أين المفر» بفتح الميم وكسر الفاء على معنى أين موضع الفرار، وقرأ الزهري: «أين المفر» بكسر الميم وفتح الفاء بمعنى أين الجيد الفرار، وكَلَّا زجر يقال للإنسان يومئذ ثم يعلن أنه لا وَزَرَ له أي ملجأ، وعبر المفسرون عن الوزر بالحبل، قال مطرف بن الشخير وغيره، وهو كان وزر فرار العرب في بلادهم، فلذلك استعمل، والحقيقة أنه الملجأ كان جبلا أو حصنا أو سلاحا أو رجلا أو غيره. وقوله تعالى: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
معناه إلى حكم ربك أو نحوه من التقدير والْمُسْتَقَرُّ
رفع بالابتداء وخبره في المقدر الذي يتعلق به المجرور المتقدم. تقدير الكلام المستقر ثابت أو كائن إلى ربك يومئذ، والْمُسْتَقَرُّ
: موضع الاستقرار، وقوله تعالى: بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
قسمة تستوي في كل عمل، أي يعلم بكل ما فعل ويجده محصلا، قال ابن عباس وابن مسعود المعنى بِما قَدَّمَ
في حياته وَأَخَّرَ
من سنة يعمل بها بعده، وقال ابن عباس أيضا:
стр. 2651
بِما قَدَّمَ
من المعاصي وَأَخَّرَ
من الطاعات، وقال زيد بن أسلم: بِما قَدَّمَ
لنفسه من ماله وبما أخر منه للوارث، وقوله تعالى: بَلِ الْإِنْسانُ
إضراب بمعنى الترك لا على معنى إبطال القول الأول، وبَصِيرَةٌ
يحتمل أن يكون خبرا عن الإنسان ولحقته هاء التأنيث كما لحقت علامة ونسابة، والمعنى فيه وفي عقله وفطرته حجة وطليعة وشاهد مبصر على نفسه، والهاء للتأنيث، ويراد ب «البصيرة» جوارحه أو الملائكة الحفظة وهذا تأويل ابن عباس، و «المعاذير» هنا قال الجمهور: هي الأعذار جمع معذرة، وقال السدي والضحاك: هي الستور بلغة اليمن يقولون للستر المعذار، وقال الحسن: المعنى بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ
بلية ومحنة، كأنه ذهب إلى البصيرة التي هي طريقة الدم وداعية طلب الثأر وفي هذا نظر.
قوله :
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١٦ الى ٣٠]
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠)
وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥)
كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)
الضمير في بِهِ
عائد على كتاب الله تعالى ولم يجر له ذكر، ولكن القرائن تبينه، فهذا كقوله تعالى: تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] ، وكقوله تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ يعني النفس، واختلف المتأولون في السبب الموجب أن يؤمر رسول الله ﷺ هذا الأمر، فقال الشعبي: كان رسول الله ﷺ لحرصه على أداء الرسالة والاجتهاد في ذات الله تعالى ربما أراد النطق ببعض ما أوحي إليه قبل كمال إيراد الوحي، فأمر أن لا يجعل بالقرآن من قبل أن يفضى إليه وحيه. وجاءت هذه الآية في هذا المعنى. وقال الضحاك: كان سببها أن رسول الله ﷺ كان يخاف أن ينسى القرآن فكان يدرسه حتى غلب ذلك عليه وشق، فنزلت الآية في ذلك، وقال كثير من المفسرين وهو في صحيح البخاري عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه مخافة أن يذهب عنه ما يوحى إليه، فنزلت الآية بسبب ذلك وأعلمه الله تعالى أنه يجمعه له في صدره، وَقُرْآنَهُ
يحتمل أن يريد به وقراءته أي تقرأه أنت يا محمد، والقرآن مصدر كالقراءة ومنه قول الشاعر [حسان بن ثابت] في عثمان ﵁ وأرضاه: [البسيط]
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
ويحتمل أن يريد إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ
وتأليفه في صدر صدرك فهو مصدر من قولك قرأت أي جمعت، ومنه قولهم في المرأة التي لم تلد ما قرأت سلاقط، ومنه قول الشاعر [عمرو بن كلثوم] : [الوافر]
ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا
وقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
أي قراءة الملك الرسول عنا. وقوله تعالى: فَاتَّبِعْ
يحتمل
стр. 2652
أن يريد بذهنك وفكرك، أي فاستمع قراءته وقاله ابن عباس، ويحتمل أن يريد فَاتَّبِعْ
في الأوامر والنواهي، قاله ابن عباس أيضا وقتادة والضحاك. وقرأ أبو العالية: «قرته» ، «فإذا قرته فاتبع قرته» بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف في الثالثة، وقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، قال قتادة وجماعة معه: معناه أن نبينه لك ونحفظكه، وقال كثير من المتأولين معناه أن تبينه أنت، وقال قتادة أيضا وغيره معناه أن نبين حلاله وحرامه ومجمله ومفسره، وقوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ رجوع إلى مخاطبة قريش، فرد عليهم وعلى أقوالهم في رد الشريعة بقوله: كَلَّا ليس ذلك كما تقولون. وإنما أنتم قوم قد غلبتكم الدنيا بشهواتها، فأنتم تحبونها حبا تتركون معه الآخرة والنظر في أمرها. وقرأ الجمهور «تحبون» بالتاء على المخاطبة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن ومجاهد والجحدري وقتادة «يحبون» بالياء على ذكر الغائب وكذلك «يذرون» . ولما ذكر الآخرة أخبر بشيء من حال أهلها بقوله: وُجُوهٌ رفع بالابتداء وابتداء بالنكرة لأنها تخصصت بقوله يَوْمَئِذٍ وناضِرَةٌ خبر وُجُوهٌ. وقوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ جملة هي في موضع خبر بعد خبر، وقال بعض النحويين: ناضِرَةٌ نعت ل وُجُوهٌ، وإِلى رَبِّها ناظِرَةٌ خبر عن وُجُوهٌ، فعلى هذا كثر تخصص الوجوه فحسن الابتداء بها. وناضِرَةٌ معناه ناعمة، والنضرة النعمة وجمال البشرة، قال الحسن: وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وقوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ حمل هذه الآية أهل السنة على أنها متضمنة رؤية المؤمنين لله تعالى، وهي رؤية دون محاذاة ولا تكييف ولا تحديد كما هو معلوم، موجود لا يشبه الموجودات كذلك هو لا يشبه المرئيات في شيء، فإنه ليس كمثله شيء لا إله إلا هو، وروى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: «حدثتكم عن الدجال أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» ، وقال ﷺ : «إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» ، وقال الحسن: تنظرون إلى الله تعالى بلا إحاطة، وأما المعتزلة الذين ينفون رؤية الله تعالى، فذهبوا في هذه الآية إلى أن المعنى إلى رحمة ربها ناظرة أو إلى ثوابه أو ملكه، فقدروا مضافا محذوفا، وهذا وجه سائغ في العربية كما تقول، فلان ناظر إليك في كذا، أي إلى صنعك في كذا. والرواية إنما تثبتها بأدلة قاطعة غير هذه الآية، فإذا
ثبتت حسن تأويل أهل السنة في هذه الآية وقوي، وذهب بعض المعتزلة في هذه الآية إلى أن قوله إِلى ليست بحرف الجر وإنما هي إلى واحد الآلاء فكأنه قال نعمة ربها منتظرة، أو ناظِرَةٌ من النظر بالعين، ويقال نظرتك بمعنى انتظرتك، ومنه قول الحطيئة: [البسيط]
وقد نظرتكم أبناء عائشة ... للخمس طال بها حبسي وتبساسي
والتبساس أن يقال للناقة بس بس لتدر على الحالب، وفسر أبو عبيدة في غريبه هذا البيت على رواية أخرى وهي: طال بها حوزي وتنساسي بالنون وهو السير الشديد فتأمله، و «الباسرة» العابسة المغمومة النفوس. والبسور أشد العبوس، وإنما ذكر تعالى الوجوه لأنه فيها يظهر ما في النفس من سرور أو غم، والمراد أصحاب الوجوه، وقوله تعالى: تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ إن جعلناه بمعنى توقن فهو لم يقع بعد على ما بيناه وإن جعلنا الظن هنا على غلبته، فذلك محتمل، و «الفاقرة» : المصيبة التي تكسر فقار الإنسان، قال ابن المسيب: هي قاصمة الظهر، وقال أبو عبيدة: هي من فقرت البعير إذا وسمت أنفه بالنار، وقوله
стр. 2653
تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ زجر آخر لقريش وتذكير لهم بموطن من مواطن الهول وأمر الله تعالى الذي لا محيد لبشر عنه وهي حالة الموت والمنازعة التي كتبها الله على كل حيوان، وبَلَغَتِ يريد النفس، والتَّراقِيَ ترقوة وهي عظام أعلى الصدر، ولكل أحد ترقوتان، لكن من حيث هذا الأمر في كثير من جمع، إذ النفس المرادة اسم جنس، والتَّراقِيَ هي موازية للحلاقيم، فالأمر كله كناية عن حال الحشرجة ونزاع الموت، يسره الله علينا بمنه، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: مَنْ راقٍ
فقال ابن عباس والضحاك وقتادة وأبو قلابة: معناه من يرقى ويطب ويشفى ونحو هذا مما يتمناه أهل المريض، وقال ابن عباس أيضا وسليمان التيمي ومقاتل وابن سليمان: هذا القول للملائكة: والمعنى من يرقى بروحه، أي يصعد إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقرأ حفص عن عاصم بالوقف على مَنْ
ويبتدىء راقٍ
. وأدغم الجمهور، قال أبو علي: لا أعرف وجه قراءة عاصم، وكذلك قرأ «بل ران» ، وقوله تعالى:
وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ يريد وتيقن المريض أنه فراق الأحبة والأهل والمال والحياة، وهذا يقين فيما لم يقع بعد ولذلك استعملت فيه لفظة الظن، وقرأ ابن عباس «أيقن أنه الفراق» ، وقال في تفسيره ذهب الظن واختلف في معنى قوله وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، فقال ابن عباس والحسن والربيع بن أنس وإسماعيل بن أبي خالد هذه استعارة لشدة كرب الدنيا في آخر يوم منها وشدة كرب الآخرة في أول يوم منها لأنه بين الحالين قد اختلطا له، وهذا كما تقول شمرت الحرب عن ساق، وعلى بعض التأويلات في قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [القلم: ٤٢] وقال ابن المسيب والحسن: هي حقيقة، والمراد ساق الميت عند تكفينه أي لفهما الكفن. وقال الشعبي وأبو مالك وقتادة: هو التفافهما بشدة المرض لأنه يقبض ويبسط ويركب هذا على هذا، وقال الضحاك: المراد أسوق حاضريه من الإنس والملائكة لأن هؤلاء يجهزون روحه إلى السماء وهولاء بدنه إلى قبره، وقوله تعالى: إِلى رَبِّكَ معناه إلى حكم ربك وعدله، فإما إلى جنة وإما إلى نار، والْمَساقُ مصدر من السوق.
قوله :
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٣١ الى ٤٠]
فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)
قال جمهور المتأولين: هذه الآية كلها إنما نزلت في أبي جهل بن هشام.
قال القاضي أبو محمد: ثم كادت هذه الآية أن تصرح له في قوله تعالى: يَتَمَطَّى فإنها كانت مشية بني مخزوم، وكان أبو جهل يكثر منها، وقوله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى تقديره فلم يصدق ولم يصل، وهذا نحو قول الشاعر [طرفة بن العبد] : [الطويل]
فأي خميس فإنا لا نهابه ... وأسيافنا يقطرن من كبشه دما
стр. 2654
وقول الآخر [أبي خيراش الهذلي] : [الرجز]
إن تغفر اللهم تغفر جمّا ... وأي عبد لك لا ألمّا
فَلا في الآية عاطفة، وصَدَّقَ معناه برسالة الله ودينه، وذهب قوم إلى أنه من الصدقة، والأول أصوب، ويَتَمَطَّى معناه يمشي المطيطى وهي مشية بتبختر قال زيد بن أسلم: كانت مشية بني مخزوم، وهي مأخوذة من المطا وهو الظهر لأنه يتثنى فيها، وقال النبي ﷺ : «إذا مشت أمتي المطيطى وخدمتهم الروم وفارس سلط بعضهم على بعض» . وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أبي جهل ... وقوله تعالى: أَوْلى لَكَ وعيد ثان ثم كرر ذلك تأكيدا، والمعنى أَوْلى لَكَ الازدجار والانتهاء وهو مأخوذ من ولى، والعرب تستعمل هذه الكلمة زجرا، ومنه قوله تعالى: فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ [محمد: ٢٠] ، وروي أن رسول الله ﷺ لبب أبا جهل يوما في البطحاء وقال له: «إن الله يقول لك أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» ، فنزل القرآن على نحوها. وفي شعر الخنساء: [المتقارب]
سئمت بنفسي كل الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها
وقوله تعالى: أَيَحْسَبُ توقيف وتوبيخ، وسُدىً معناه مهملا لا يؤمر ولا ينهى، ثم قرر تعالى على أحوال ابن آدم في بدايته التي إذا تؤملت لم ينكر معها جواز البعث من القبور عاقل. وقرأ الجمهور:
«ألم يك» بالياء من تحت، وقرأ الحسن: «ألم تك» بالتاء من فوق، و «النطفة» : القطعة من الماء. يقال ذلك للقليل والكثير، و «المني» معروف، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو عمرو بخلاف وابن محيصن والجحدري وسلام ويعقوب: «يمنى» بالياء، يراد بذلك المني، ويحتمل أن يكون يمنى من قولك أمنى الرجل، ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الخلق، فكأنه قال: من مني تخلق، وقرأ جمهور السبعة والناس. «تمنى» بالتاء، يراد بذلك النطفة، و «تمنى» يحتمل الوجهين اللذين ذكرت، و «العلقة» : القطعة من الدم، لأن الدم هو العلق، وقوله تعالى: فَخَلَقَ فَسَوَّى معناه فخلق الله منه بشرا مركبا من أشياء مختلفة فسواه شخصا مستقلا، وفي مصحف ابن مسعود «يخلق» بالياء فعلا مستقبلا، والزَّوْجَيْنِ:
النوعين، ويحتمل أن يريد المزدوجين من البشر، ثم وقف تعالى توقيف التوبيخ وإقامة الحجة بقوله:
أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى وقرأ الجمهور بفتح الياء الأخيرة من «يحيي» ، وقرأ طلحة بن مصرف وسليمان والفياض بن غزوان بسكونها، وهي تنحذف من اللفظ لسكون اللام من الْمَوْتى، ويروى أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية قال: «سبحانك اللهم وبحمدك وبلى» ، ويروى أنه كان يقول: «بلى» فقط.
نجز تفسير سورة الْقِيامَةِ والحمد لله رب العالمين.
стр. 2655
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الإنسان
قال بعض المفسرين هي مكية كلها، وحكى النقاش والثعلبي عن مجاهد وقتادة أنها مدنية، وقال الحسن وعكرمة: منها آية مكية وهي قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [الإنسان: ٢٤] ، والباقي مدني، وأنها نزلت في صنيع علي بن أبي طالب في إطعامه عشاءه وعشاء أهله وولده لمسكين ليلة، ثم ليتيم ليلة، ثم لأسير ليلة متواليات، وقيل نزلت في صنيع ابن الدحداح والله أعلم.
قوله :
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤)
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦)
هَلْ في كلام العرب قد يجيء بمعنى «قد» . حكاه سيبويه. لكنها لا تخلو من تقرير وبابها المشهور الاستفهام المحض والتقرير أحيانا. فقال ابن عباس وقتادة هي هنا بمعنى «قد» ، والْإِنْسانِ يراد به آدم ﵇، و «الحين» : هي المدة التي بقي طينا قبل أن ينفخ فيه الروح أي أنه شيء ولم يكن مذكورا منوها به في العالم وفي حالة العدم المحض قبل لَمْ يَكُنْ شَيْئاً ولا مَذْكُوراً، وقال أكثر المتأولين: هَلْ تقرير، و «الإنسان» اسم الجنس، أي إذا تأمل كل إنسان نفسه علم بأنه قد مر حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ عظيم لَمْ يَكُنْ هو فيه شَيْئاً مَذْكُوراً، أي لم يكن موجودا، وقد يسمى الموجود شَيْئاً فهو مذكور بهذا الوجه، و «الحين» هنا: المدة من الزمن غير محدودة تقع للقليل والكثير، وإنما تحتاج إلى تحديد الحين في الأيمان، فمن حلف أن لا يكلم أخاه حينا، فذهب بعض الفقهاء إلى أن الحين سنة، وقال بعضهم: ستة أشهر، والقوي في هذا أن «الإنسان» اسم جنس وأن الآية جعلت عبرة لكل أحد من الناس ليعلم أن الصانع له قادر على إعادته.
وقوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ هو هنا اسم الجنس بلا خلاف. لأن آدم لم يخلق مِنْ نُطْفَةٍ، وأَمْشاجٍ معناه أخلاط واحدها مشج بفتح الميم والشين قاله ابن السكيت وغيره، وقيل: مشج مثل عدل
стр. 2656
وأعدال، وقيل: مشيج مثل شريف وأشراف، واختلف في المقصود من الخلط، فقيل هو أَمْشاجٍ ماء الرجل بماء المرأة، وأسند الطبري حديثا وهو أيضا في بعض المصنفات «إن عظام ابن آدم وعصبة من ماء الرجل، ولحمه وشحمه من ماء المرأة» . وقيل هو اختلاط أمر الجنين بالنقلة من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى غير ذلك. فهو أمر مختلط، وقيل هو اختلاط الدم والبلغم والصفراء والسوداء فيه، ونَبْتَلِيهِ معناه نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا هو حال من الضمير في خَلَقْنَا كأنه قال: مختبرين له بذلك، وقوله تعالى: فَجَعَلْناهُ عطف جملة تعم على جملة تعم، وقال بعض النحويين إنما المعنى فنبتليه جعلناه سَمِيعاً بَصِيراً، ثم ترتب اللفظ موجزا متداخلا كأنه قال نَبْتَلِيهِ فلذلك جعلناه، والابتلاء على هذا إنما هو بالإسماع والإبصار لا بالإيجاب وليس نَبْتَلِيهِ حالا، وقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ يحتمل أن يريد السَّبِيلَ العامة للمؤمن والكافر فذلك يختلق الحواس وموهبة الفطرة ونصب الصنعة الدالة على الصانع، ف هَدَيْناهُ على هذا بمعنى أرشدناه كما يرشد الإنسان إلى الطريق ويوقف عليه، ويحتمل أن يريد السَّبِيلَ اسم الجنس، أي هدى المؤمن لإيمانه والكافر لكفره ف هَدَيْناهُ على هذا معناه أريناه وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وقوله تعالى: إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً. حالان وقسمتهما إِمَّا، قاله أبو عمرو الداني، وقرأ أبو العاج «إما شاكرا وإما كفورا» وأبو العاج كثير بن عبد الله السلمي شامي ولى البصرة لهشام بن عبد الملك، وأَعْتَدْنا معناه أعددناه، وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم «سلاسلا» بالصرف وهذا على ما حكاه الأخفش من لغة من يصرف كل ما لا يصرف إلا أفعل وهي لغة الشعراء. ثم كثر حتى جرى في كلامهم، وقد علل بعبة وهي أنه لما كان هذا الضرب من الجموع يجمع لشبه الآحاد فصرف، وذلك من شبه الآحاد موجود في قولهم صواحب وصاحبات وفي قول الشاعر [الفرزدق] : [الكامل] نواكسي الأبصار بالياء جمع نواكس، وهذا الإجراء في «سلاسلا وقواريرا» أثبت في مصحف ابن مسعود ومصحف أبيّ بن كعب ومصحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة: «سلاسل» ، على ترك الصرف في الوقف والوصل، وهي قراءة طلحة وعمرو بن عبيد، وقرأ أبو عمرو وحمزة فيما روي عنهما:
«سلاسل» في الوصل و «سلاسلا» دون تنوين في الوقف، ورواه هشام عن ابن عامر لأن العرب من يقول رأيت عمرا يقف بألف، وأيضا فالوقوف، بالألف «سلاسلا» اتباع لخط المصحف، و «الأبرار» جمع بار كشاهد وأشهاد، وقال الحسن هم الذين لا يؤذون الذر، ولا يرضون الشر، و «الكأس» : ما فيه نبيذ ونحوه مما يشرب به، قال ابن كيسان: ولا يقال الكأس إلا لما فيه نبيذ ونحوه، ولا يقال ظعينة إلا إذا كان عليها امرأة ولا مائدة إلا وعليها طعام وإلا فهي خوان. والمزاج: ما يمزج به الخمر ونحوها، وهي أيضا مزاج له لأنهما تمازجا مزاجا، قال بعض الناس: «المزاج» نفس الكافور، وقال قتادة نعم قوم يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك، وقال الفراء: يقال إنه في الجنة عين تسمى كافُوراً. وقال بعض المتأولين إنما أراد كافُوراً في النكهة والعرف كما تقول إذا مزجت طعاما هذا الطعام مسك. وقوله تعالى: عَيْناً هو بدل من قوله كافُوراً، وقيل هو مفعول بقوله يَشْرَبُونَ، أي يَشْرَبُونَ ماء هذه العين من كأس
стр. 2657
عطرة كالكافور، وقيل نصب عَيْناً على المدح أو بإضمار أعني، وقوله يَشْرَبُ بِها بمنزلة يشربها. فالباء زائدة، وقال الهذلي: شربن بماء البحر. أي شربن ماء البحر، وقرأ ابن أبي عبلة: «يشربها عباد الله» ، وعِبادُ اللَّهِ هنا خصوص في المؤمنين الناعمين لأن جميع الخلق عباده، ويُفَجِّرُونَها معناه يبثقونها بعود قصب ونحوه حيث شاؤوا، فهي تجري عند كل أحد منهم، هكذا ورد الأثر، وقال الثعلبي: وقيل هي عين في دار النبي ﷺ تفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين، وهذا قول حسن.
قوله :
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٧ الى ١٣]
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١)
وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣)
وصف الله تعالى حال الأبرار أنهم كانوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، أي بكل ما نذروه وأعطوا به عهدا. يقال وفى الرجل وأوفى، و «اليوم» المشار إليه يوم القيامة، ومُسْتَطِيراً معناه متصلا شائعا كاستطارة الفجر والصدع في الزجاجة. وبه شبه في القلب، ومن ذلك قول الأعشى: [المتقارب]
فبانت وقد أسأرت في الفؤاد ... صدعا على نأيها مستطيرا
وقول ذي الرمة: [الوافر]
أراد الظاعنون لحيزنوني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطاروا
وقوله تعالى: عَلى حُبِّهِ يحتمل أن يعود الضمير على الطعام، أي وهو محبوب للفاقة والحاجة.
وهذا قول ابن عباس ومجاهد. ويحتمل أن يعود على الله تعالى أي لوجهه وابتغاء مرضاته، قاله أبو سليمان الدراني. والأول أمدح لهم لأن فيه الإيثار على النفس. وعلى الاحتمال الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر.
وقال الحسين بن الفضل: الضمير عائد على الإطعام، أي محبين في فعلهم ذلك لا رياء فيه ولا تكلف، و «المسكين» الطواف المتكشف في السؤال، و «اليتيم» الصبي الذي لا أب له من الناس. والذي لا أم له من البهائم وهي صفة قبل البلوغ، وقال النبي ﷺ : «لا يتم بعد حلم» . و «الأسير» معروف. فقال قتادة: أراد أسرى الكفار وإن كانوا على غير الإسلام، وقال الحسن: ما كان أسراهم إلا مشركين، لأن كل كبد رطبة ففيها أجر. وقال بعض العلماء: هذا إما نسخ بآية السيف وإما أنه محكم لتحفظ حياة الأسير إلى أن يرى الإمام فيه ما يرى، وقال مجاهد وابن جبير وعطاء: أراد المسجونين من الناس. ولهذا يحض على صدقة السجن، فهذا تشبيه، ومن قول عمر بن الخطاب ﵁: لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول. وروى الخدري أن النبي ﷺ فسر الأسير هنا بالمملوك والمسجون. وقال: أراد أسرى المسلمين الذين تركوا في بلاد الحرب رهائن وخرجوا في طلب الفداء،
стр. 2658
وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير هنا المرأة، ودليله قوله ﷺ : «استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم» ، وقوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ المعنى يقولون لهم عند الإطعام، وهذا إما أن يكون المطعم يقول ذلك نصا فحكي ذلك. وإما أن يكون ذلك مما يقال في الأنفس وبالنية فمدح بذلك، هذا هو تأويل ابن مجاهد وابن جبير، وقرأ أبو عمرو في رواية عباس بجزم الميم من «نطعمكم» ، قال أبو علي أسكن تخفيفا، و «الشكور» : مصدر الشكر، ووصف اليوم بعبوس هو على التجوز، كما تقول ليل نائم أي فيه نوم، و «القمطرير» والقماطر: هو في معنى العبوس والارتداد، تقول اقمطر الرجل إذا جمع ما بين عينيه غضبا، ومنه قول الشاعر [القرطبي] : [الطويل]
بني عمنا هل تذكرون بلاءنا ... عليكم إذا ما كان يوم قماطر
وقال آخرون:
ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها ... ولج بها اليوم العبوس القماطر
وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه مثل القطران. وعبر ابن عباس عن «القمطرير» بالطويل. وعبر عنه ابن الكلبي بالشديد، وذلك كله قريب في المعنى. وقرأ الجمهور «فوقاهم» بتخفيف القاف. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «فوقّاهم» بشد القاف. و «النضرة» : جمال البشرة، وذلك لا يكون إلا مع فرح النفس وقرة العين. وقرأ علي بن أبي طالب «وجازاهم» بألف، وقوله بِما صَبَرُوا، عام عن الشهوات وعلى الطاعات والشدائد، ففي هذا يدخل كل ما خصص الناس من صوم وفقر ونحوه.
ومُتَّكِئِينَ حال من الضمير المنصوب في جَزاهُمْ وهو الهاء والميم، وقرأ أبو جعفر وشيبة «متكيين» بغير همز، و «الأرائك» السرر المستورة بالحجال، هذا شرط لبعض اللغويين، وقال بعض اللغويين: كل ما يتوسد ويفترش مما له حشو فهو أريكة وإن لم يكن في حجلة، وقوله تعالى: لا يَرَوْنَ فِيها الآية عبارة عن اعتدال مس هوائها وذهاب ضرري الحر والقر عنها، وكون هوائها سجسجا كما في الحديث المأثور ومس الشمس وهو أشد الحر، و «الزمهرير» : هو أشد البرد، وقال ثعلب: «الزمهرير» بلغة طيّىء القمر.
قوله :
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١٤ الى ٢٠]
وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨)
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠)
اختلف النحويون في إعراب قوله تعالى: وَدانِيَةً، فقال الزجاج وغيره: هو حال عطفا على مُتَّكِئِينَ [الإنسان: ١٣] ، وقال أيضا: ويجوز أن يكون صفة للجنة، فالمعنى وجزاهم جنة دانية. وقرأ جمهور الناس «دانية» . وقرأ الأعمش «ودانيا عليهم» . وقرأ أبو جعفر «ودانية» بالرفع. وقرأ أبيّ بن كعب
стр. 2659
«ودان» مفرد مرفوع في الإعراب، ودنو الظلال بتوسط أنعم لها، لأن الشيء المظل إذا بعد فترة ظله لا سيما من الأشجار والتذليل أن تطيب الثمرة فتتدلى وتنعكس نحو الأرض، و «التذليل» في الجنة هو بحسب إرادة ساكنيها. قال قتادة ومجاهد وسفيان: إن كان الإنسان قائما تناول الثمر دون كلفة وإن كان قاعدا فكذلك.
وإن كان مضطجعا فكذلك. فهذا تذليلها لا يرد اليد عنها بعد ولا شوك. ومن اللفظة قول امرئ القيس:
[الطويل] كأنبوب السقي المذلل ومنه قول الأنصاري: والنخل قد ذللت فهي مطوقة بثمرها. و «القطوف» : جمع قطف وهو العنقود من النخل والعنب ونحوه. و «آنية» جمع إناء. و «الكوب» ما لا عروة له ولا أذن من الأواني. وهي معروفة الشكل في تلك البلاد. وهو الذي تقول له العامة القب، لكنها تسمي بذلك ما له عروة. وذلك خطأ أيضا. وقال قتادة: الكوب القدح. والقوارير: الزجاج. واختلف القراء فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم «قواريرا قواريرا» بالإجراء فيهما على ما قد تقدم في قوله «سلاسلا» ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «قوارير قوارير» بترك الإجراء فيهما. وقرأ ابن كثير «قواريرا» بالإجراء في الأول، «قوارير» بترك الإجراء في الثاني، وقرأ أبو عمرو «قواريرا» ووقف بألف دون تنوين «قوارير» بترك الإجراء في الثاني. وقوله تعالى: مِنْ فِضَّةٍ يقتضي أنها من زجاج ومن فضة وذلك متمكن لكونه من زجاج في شفوفه ومِنْ فِضَّةٍ في جوهره، وكذلك فضة الجنة شفافة. وقال أبو علي جعلها مِنْ فِضَّةٍ لصفائها وملازمتها لتلك الصفة وليست من فضة في حقيقة أمرها. وإنما هذا كما قال الشاعر [البعيث] : [الطويل]
ألا أصبحت أسماء جاذمة الوصل ... وضنت عليها والضنين من البخل
وقوله تعالى: قَدَّرُوها يحتمل أن يكون الضمير للملائكة، ويحتمل أن يكون للطائفين، ويحتمل أن يكون للمنعمين، والتقدير إما أن يكون على قدر الأكف قاله الربيع، أو على قدر الري قاله مجاهد، وهذا كله على قراءة من قرأ «قدروها» بتخفيف القاف، وقرأ ابن أبزى وعلي والجحدري وابن عباس والشعبي وقتادة: «قدروها» بضم القاف وكسر الدال، قال أبو علي: كأن اللفظ قدروا عليها، وفي المعنى قلب لأن حقيقة المعنى أن يقال: قدرت عليهم فهي مثل قوله: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ [القصص: ٧٦] ، ومثل قول العرب: إذا طلعت الجوزاء، ألفى العود على الحرباء، حكاه أبو علي، وكون الزنجبيل مزاجها هو على ما ذكرناه في العرف ولذع اللسان. وذلك من لذات المشروب، و «الزنجبيل» :
طيب حار، وقال الشاعر [الأعشى] : [الرجز]
كأن جنيا من الزنجبيل ... بات بفيها وأريا مشورا
وقال المسيب بن علس: [الكامل]
وكأن طعم الزنجبيل به ... إذ ذقته وسلافة الخمر
وقال قتادة: «الزنجبيل» ، اسم لعين في الجنة يشرب منها المقربون صرفا، وتمزج لسائر أهل
стр. 2660
الجنة، وعَيْناً بدل من كأس أو من عين على القول الثاني، وسَلْسَبِيلًا قيل هو اسم بمعنى السلس المنقاد الجرية، وقال مجاهد: حديدة الجرية، وقيل: هي عبارة عن حسن إيساغها، قال ابن الأعرابي: لم أسمع هذه اللفظة إلا في القرآن، وقال آخرون: سَلْسَبِيلًا صفة لقوله عَيْناً. وتسمى بمعنى توصف وتشهر وكونه مصروفا مما يؤكد كونه صفة للعين لا اسما، وقال بعض المقرءين والتصحيح من الألوسي:
سَلْسَبِيلًا أمر للنبي ﷺ ولأمته بسؤال السبيل إليها. وهذا قول ضعيف لأن براعة القرآن وفصاحته لا تجيء هكذا، واللفظة معروفة في اللسان وأن السلسل والسلسبيل، بمعنى واحد ومتقارب. ومُخَلَّدُونَ قال جمهور الناس: معناه باقون من الخلود، وجعلهم ولدانا لأنهم في هيئة الولدان في السن لا يتغيرون عن تلك الحال، وقال أبو عبيدة وغيره مُخَلَّدُونَ معناه مقرطون، والخلدات حلي يعلق في الآذان، ومنه قول الشاعر: [الكامل]
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوب الكثبان
وشهرة هذه اللغة في حمير، وشبههم ب «اللؤلؤ المنثور» في بياضهم وانتشارهم في المساكن يجيئون ويذهبون وفي جمالهم، ومنه سميت المرأة درة وجوهرة، ثم كرر ذكر الرؤية مبالغة، وثَمَّ ظرف والعامل فيه رَأَيْتَ أو معناه؟ وقال الفراء التقدير: رَأَيْتَ ما ثَمَّ وحذفت ما، وقرأ حميد الأعرج «ثم» بضم الثاء، و «النعيم» : ما هم فيه من حسن عيش، و «الملك الكبير» : قال سفيان: هو استئذان الملائكة وتسليمهم عليهم وتعظيمهم لهم، فهم في ذلك كالملوك، وقال أكثر المفسرين: «الملك الكبير» اتساع مواضعهم، فروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام كلهم مختلف شغله من شغل أصحابه، وأدنى أهل الجنة منزلة من ينظر من ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه.
قوله :
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٢١ الى ٢٦]
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥)
وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦)
قرأ نافع وحمزة وأبان عن عاصم: «عاليهم» على الرفع بالابتداء وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة وابن محيصن وابن عباس بخلاف عنه، وقرأ الباقون وعاصم «عاليهم» بالنصب على الحال، والعامل فيه لَقَّاهُمْ [الإنسان: ١١] أو جَزاهُمْ [الإنسان: ١٢] ، وهي قراءة عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن ومجاهد والجحدري وأهل مكة، وقرأ الأعمش وطلحة: «عاليتهم» ، وكذلك هي في مصحف عبد الله، وقرأ أيضا الأعمش «عاليتهم» بالنصب على الحال، وقد يجوز في النصب في القراءتين أن يكون
стр. 2661
على الظرف لأنه بمعنى فوقهم، وقرأت عائشة ﵂ «علتهم» بتاء فعل ماض، وقرأ مجاهد وقتادة وابن سيرين وأبو حيوة «عليهم» ، و «السندس» : رقيق الديباج والمرتفع منه، وقيل «السندس» : الحرير الأخضر، و «الإستبرق» والدمقس هو الأبيض، والأرجوان هو الأحمر، وقرأ حمزة والكسائي «خضر وإستبرق» بالكسر فيهما وهي قراءة الأعمش وطلحة، ورويت عن الحسن وابن عمر بخلاف عنه على أن «خضر» نعت للسندس، وجائز جمع صفة الجنس إذا كان اسما مفردا كما قالوا: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم الأبيض، وفي هذا قبح، والعرب تفرد اسم الجنس وهو جمع أحيانا فيقولون: حصى أبيض، وفي القرآن الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ [يس: ٨٠] ونَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: ٢٠] فكيف بأن لا يفرد هذا الذي هو صفة لواحد في معنى جمع. «وإستبرق» في هذه القراءة عطف على سُندُسٍ، وقرأ نافع وحفص عن عاصم والحسن وعيسى خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ بالرفع فيهما، «خضر» نعت ل ثِيابُ. و «إستبرق» عطف على الثياب. وقرأ أبو عمرو وابن عامر «خضر» بالرفع صفة ل ثِيابُ، «وإستبرق» خفضا، عطف على سُندُسٍ، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر «خضر» خفضا «وإستبرق» رفعا فخفض «خضر» على ما تقدم أولا. «وإستبرق» على الثياب. والإستبرق غليظ الديباج، وقرأ ابن محيصن: «وإستبرق» موصولة الألف مفتوحة القاف كأنه مثال الماضي من برق وإستبرق وتعجب واستعجب، قال أبو حاتم: لا يجوز، والصواب أنه اسم جنس لا ينبغي أن يحمل ضميرا، ويؤيد ذلك دخول اللام المعرفة عليه، والصواب فيه الألف وإجراؤه على قراءة الجماعة، وقرأ أبو حيوة «عليهم ثياب» بالرفع «سندس خضر وإستبرق» رفعا في الثلاثة، وقوله تعالى: وَحُلُّوا أي جعل لهم حلي، و «أساور» جمع أسورة وأسورة جمع سوار وهي من حلي الذراع، وقوله تعالى: شَراباً طَهُوراً قال أبو قلابة والنخعي معناه لا يصير بولا بل يكون رشحا من الأبدان أطيب من المسك، وهنا محذوف يقتضيه القول تقديره يقول الله لهم والملائكة عنه: إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً الآية، وقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا الآية تثبيت لمحمد ﵇ وتقوية لنفسه على أفعال قريش وأقوالهم وحكم ربه هو أن يبلغ ويكافح ويتحمل المشقة ويصبر على الأذى ليعذر الله إليهم، وقوله تعالى: آثِماً أَوْ كَفُوراً هو تخيير في أن يعرف الذي ينبغي أن لا يطيعه بأي وصف كان من هذين لأن كل واحد منهم فهو آثم وهو كفور، ولم تكن الأمة حينئذ من الكثرة بحيث يقع الإثم على العاصي.
قال القاضي أبو محمد: واللفظ أيضا يقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من العصاة أو كفور من المشركين، وقال أبو عبيدة: أَوْ بمعنى الواو وليس في هذا تخيير، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأبا بُكْرَةً وَأَصِيلًا ومن الليل بالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة، ويحتمل أن يريد قول سبحان الله، وذهب قوم من أهل العلم إلى أن هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس منهم ابن حبيب وغيره. فالبكرة: صلاة الصبح، والأصيل: الظهر والعصر وَمِنَ اللَّيْلِ: المغرب والعشاء، وقال ابن زيد وغيره كان هذا فرضا ونسخ فلا فرض إلا الخمس، وقال قوم هو محكوم على وجه الندب.
قوله :
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٢٧ الى ٣١]
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١)
стр. 2662
الإشارة ب هؤُلاءِ إلى كفار قريش، و «العاجلة» الدنيا وحبهم لها، لأنهم لا يعتقدون غيرها، وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ معناه فيما يأتي من الزمن بعد موتهم، وقال لبيد: [الطويل]
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... أدب مع الولدان إن خف كالنسر
ووصف اليوم بالثقل على جهة النسب، أي: ذا ثقل من حيث الثقل فيه على الكفار، فهو كليل نائم، ثم عدد النعمة على عباده في خلقهم وإيجادهم وإتقان بنيتهم وشدّ خلقتهم، والأسر: الخلقة واتساع الأعضاء والمفاصل، وقد قال أبو هريرة والحسن والربيع الأسر: المفاصل والأوصال، وقال بعضهم الأسر: القوة، ومنه قل الشاعر: [الوافر]
فأنجاه غداة الموت مني ... شديد الأسر عض على اللجام
وقول آخر [الأخطل] : [الكامل]
من كل محتدب شديد أسره ... سلس القياد تخاله مختالا
قال الطبري ومنه قول العامة: خذه بأسره يريدون خذه كله.
قال القاضي أبو محمد: وأصل هذا في ما له شد ورباط كالعظم ونحوه، وليس هذا مما يختص بالعامة بل هو من فصيح كلام العرب. اللهم إلا أن يريد بالعامة جمهور العرب ومن اللفظة الإسار وهو القيد الذي يشد به الأسير، ثم توعد تعالى بالتبديل واجتمع من القولين تعديد النعمة والوعيد بالتبدل احتجاجا على منكري البعث، أي من هذا الإيجاد والتبديل إذا شاء في قدرته، فكيف تتعذر عليه الإعادة، وقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يحتمل أن يشير إلى هذه الآية أو إلى السورة بأسرها أو إلى الشريعة بجملتها.
وقوله تعالى: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ ليس على جهة التخيير بل فيه قرينة التحذير، والحض على اتخاذ السبيل، و «السبيل» هنا: ليس النجاة، وقوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نفي لقدرتهم على الاختراع وإيجاد المعاني في نفوسهم، ولا يرد هذا وجود ما لهم من الاكتساب والميل إلى الكفر.
وقرأ عبد الله «وما تشاؤون إلا ما شاء الله» . وقرأ يحيى بن وثاب «تشاؤون» بكسر التاء. وقوله تعالى:
عَلِيماً حَكِيماً معناه يعلم ما ينبغي أن ييسر عبده إليه، وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلا هو. وَالظَّالِمِينَ نصب بإضمار فعل تقديره ويعذب الظالمين أعد لهم، وفي قراءة ابن مسعود «وللظالمين أعد لهم» بتكرير اللام، وقرأ جمهور السبعة «وما تشاؤون» بالتاء على المخاطبة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «يشاؤون» بالياء، وقرأ ابن الزبير وأبان بن عثمان وابن أبي عبلة «والظالمون» بالرفع، قال أبو الفتح: وذلك على ارتجال جملة مستأنفة. (انتهى) .
نجز تفسير سورة الْإِنْسانِ بحمد الله وعونه.
стр. 2663
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المرسلات
وهي مكية في قول جمهور المفسرين، وحكى النقاش أنه قيل إن فيها من المدني قوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ [المرسلات: ٤٨] على قول من قال إنها حكاية عن حال المنافقين في القيامة، وإنها بمعنى قوله تعالى: يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢] وقال ابن مسعود: نزلت هذه السورة ونحن مع رسول الله ﷺ بحراء، الحديث بطوله.
قوله :
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١ الى ١٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤)
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩)
وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
قال كثير من المفسرين: الْمُرْسَلاتِ، الرسل إلى الناس من الأنبياء كأنه قال: والجماعات المرسلات، وقال أبو صالح ومقاتل وابن مسعود: الْمُرْسَلاتِ الملائكة المرسلة بالوحي، وبالتعاقب على العباد طرفي النهار، وقال ابن مسعود أيضا وابن عباس ومجاهد وقتادة: الْمُرْسَلاتِ، الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: الْمُرْسَلاتِ السحاب. وعُرْفاً معناه على القول الأول عُرْفاً من الله وإفضالا على عباده ببعثة الرسل.
ومنه قول الشاعر [الحطيئة] : [البسيط]
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بقوله عُرْفاً أي متتابعة على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: الناس إلى فلان عرف واحد إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد بالعرف أي بالحق، والأمر بالمعروف، وهذه الأقوال في عرف تتجه في قول من قال في الْمُرْسَلاتِ إنها الملائكة، ومن قال إن الْمُرْسَلاتِ الرياح اتجه في العرف القول الأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة وبها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا فقه فيه، ويكون الصنف الآخر من الرياح في قوله فَالْعاصِفاتِ
стр. 2664
عَصْفاً، ويحتمل أن يكون بمعنى وَالْمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي «العاصفات» ، ويحتمل أن يريد بالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب هب عرف من ريح، والقول في العرف مع أن الْمُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن الْمُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى «عرفا» بضم الراء، و «العاصفات» من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره، واختلف الناس في قولهم وَالنَّاشِراتِ، فقال مقاتل والسدي هي الملائكة تنشر صحف العباد بالأعمال، وقال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: النَّاشِراتِ الرمم الناشرات في بعث يوم القيامة يقال نشرت الميت، ومنه قول الأعشى:
[السريع] يا عجبا للميت الناشر وقال آخرون: النَّاشِراتِ التي تجيء بالأمطار تشبه بالميت ينشر، وقال أبو صالح: النَّاشِراتِ الأمطار التي تحيي الأرض، وقال بعض المتأولين: النَّاشِراتِ طوائف الملائكة التي تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث فكأنهم يحيونهم، و «الفارقات» قال ابن عباس وابن مسعود وأبو صالح ومجاهد والضحاك: هي الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام. وقال قتادة والحسن وابن كيسان:
«الفارقات» ، آيات القرآن، وأما الملقيات ذِكْراً فهي في قول الجمهور الملائكة. قال مقاتل جبريل وقال آخرون هي الرسل، وقرأ جمهور الناس: «فالملقيات» بسكون اللام أي تلقيه من عند الله أو بأمره إلى الرسل.
وقرأ ابن عباس فيما ذكر المهدوي، «فالملقيات» بفتح اللام والقاف وشدها، أي تلقيه من قبل الله تعالى، وقرأ ابن عباس أيضا «فالملقيات» بفتح اللام وشد القاف وكسرها، أي تلقيه هي الرسل، و «الذكر» الكتب المنزلة والشرائع ومضمناتها. واختلف القراء في قوله تعالى: عُذْراً أَوْ نُذْراً، فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو جعفر وشيبة بسكون الذال في «عذر» وضمها في «نذر» ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وإبراهيم التيمي بسكون الذال فيهما، وقرأ طلحة وعيسى والحسن بخلاف، وزيد بن ثابت وأبو جعفر وأبو حيوة والأعمش عن أبي بكر عن عاصم بضمها فيهما.
فإسكان الذال على أنهما مصدران يقال عذر وعذير ونذر ونذير كنكر ونكير، وضم الذال يصح معه المصدر، ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قوله عُذْراً أَوْ نُذْراً فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من الذكر، ويصح أن يكون على المفعول للذكر كأنه قال فَالْمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْراً، ويصح أن يكون عُذْراً مفعولا لأجله أي يلقي الذكر من أجل الإعذار، وأما إذا كان عُذْراً أَوْ نُذْراً جمعا فالنصب على الحال. وقرأ إبراهيم التيمي «عذرا ونذرا» بواو بدل أَوْ. وقوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ هو الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و «طمس النجوم» : إزالة ضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و «فرج السماء» : هو بانفطارها حتى يحدث فيها فروج، و «نسف
стр. 2665
الجبال» : هو بعد التسيير وقيل كونها هباء وهو تفريقها بالريح. وقرأ جمهور القراء: «أقتت» بالهمز وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمزة عيسى وخالد، وقرأ أبو عمرو وحده «وقتت» بالواو، وأبو الأشهب وعيسى وعمرو بن عبيد، قال عيسى هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبو جعفر بواو واحدة خفيفة القاف وهي قراءة ابن مسعود والحسن، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «ووقت» بواوين على وزن فوعلت، والمعنى جعل لها وقت منتظر فجاء وحان. والواو في هذا كله الأصل والهمزة بدل. وقوله تعالى: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ تعجيب على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فسر تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله لِيَوْمِ الْفَصْلِ يعني بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الأحكام ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم تعالى يوم الفصل بقوله: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ على نحو قوله تعالى:
وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ٢] وغير ذلك، ثم أثبت الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و «الويل» : هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير وعمار بن ياسر أن واديا في جهنم اسمه «ويل» .
قوله :
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١٦ الى ٢٨]
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠)
فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥)
أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)
قرأ جمهور القراء «ثم نتبعهم» بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه «ثم نتبعهم» بجزم العين عطفا على نُهْلِكِ وهي قراءة الأعرج وبحسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في الْأَوَّلِينَ، فمن قرأ الأولى جعل الْأَوَّلِينَ الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر أنه يتبع الْآخِرِينَ من قريش وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم. ومن قرأ الثانية جعل الْأَوَّلِينَ قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، والْآخِرِينَ قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد ﷺ . وفي حرف عبد الله «وسنتبعهم» ثم قال كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي في المستقبل فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار، وأما تكرار وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ في هذه السورة فقيل إن ذلك لمعنى التأكيد فقط، وقيل بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب بذلك الذي في الآية. ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث. و «الماء المهين» : معناه الضعيف وهو المني من الرجل والمرأة. و «القرار المكين» : الرحم أو بطن المرأة، و «القدر المعلوم» : وقت الولادة ومعلوم عند الله في شخص، فأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه. وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ ونافع والكسائي «فقدّرنا» بشد الدال، وقرأ الباقون «فقدرنا» بتخفيف الدال، وهما بمعنى من القدرة، والقدر من التقدير والتوقيف. وقوله الْقادِرُونَ يرجح قراءة الجماعة. أما أن ابن
следующие страницы →