Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
على الظرف لأنه بمعنى فوقهم، وقرأت عائشة ﵂ «علتهم» بتاء فعل ماض، وقرأ مجاهد وقتادة وابن سيرين وأبو حيوة «عليهم» ، و «السندس» : رقيق الديباج والمرتفع منه، وقيل «السندس» : الحرير الأخضر، و «الإستبرق» والدمقس هو الأبيض، والأرجوان هو الأحمر، وقرأ حمزة والكسائي «خضر وإستبرق» بالكسر فيهما وهي قراءة الأعمش وطلحة، ورويت عن الحسن وابن عمر بخلاف عنه على أن «خضر» نعت للسندس، وجائز جمع صفة الجنس إذا كان اسما مفردا كما قالوا: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم الأبيض، وفي هذا قبح، والعرب تفرد اسم الجنس وهو جمع أحيانا فيقولون: حصى أبيض، وفي القرآن الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ [يس: ٨٠] ونَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: ٢٠] فكيف بأن لا يفرد هذا الذي هو صفة لواحد في معنى جمع. «وإستبرق» في هذه القراءة عطف على سُندُسٍ، وقرأ نافع وحفص عن عاصم والحسن وعيسى خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ بالرفع فيهما، «خضر» نعت ل ثِيابُ. و «إستبرق» عطف على الثياب. وقرأ أبو عمرو وابن عامر «خضر» بالرفع صفة ل ثِيابُ، «وإستبرق» خفضا، عطف على سُندُسٍ، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر «خضر» خفضا «وإستبرق» رفعا فخفض «خضر» على ما تقدم أولا. «وإستبرق» على الثياب. والإستبرق غليظ الديباج، وقرأ ابن محيصن: «وإستبرق» موصولة الألف مفتوحة القاف كأنه مثال الماضي من برق وإستبرق وتعجب واستعجب، قال أبو حاتم: لا يجوز، والصواب أنه اسم جنس لا ينبغي أن يحمل ضميرا، ويؤيد ذلك دخول اللام المعرفة عليه، والصواب فيه الألف وإجراؤه على قراءة الجماعة، وقرأ أبو حيوة «عليهم ثياب» بالرفع «سندس خضر وإستبرق» رفعا في الثلاثة، وقوله تعالى: وَحُلُّوا أي جعل لهم حلي، و «أساور» جمع أسورة وأسورة جمع سوار وهي من حلي الذراع، وقوله تعالى: شَراباً طَهُوراً قال أبو قلابة والنخعي معناه لا يصير بولا بل يكون رشحا من الأبدان أطيب من المسك، وهنا محذوف يقتضيه القول تقديره يقول الله لهم والملائكة عنه: إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً الآية، وقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا الآية تثبيت لمحمد ﵇ وتقوية لنفسه على أفعال قريش وأقوالهم وحكم ربه هو أن يبلغ ويكافح ويتحمل المشقة ويصبر على الأذى ليعذر الله إليهم، وقوله تعالى: آثِماً أَوْ كَفُوراً هو تخيير في أن يعرف الذي ينبغي أن لا يطيعه بأي وصف كان من هذين لأن كل واحد منهم فهو آثم وهو كفور، ولم تكن الأمة حينئذ من الكثرة بحيث يقع الإثم على العاصي.
قال القاضي أبو محمد: واللفظ أيضا يقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من العصاة أو كفور من المشركين، وقال أبو عبيدة: أَوْ بمعنى الواو وليس في هذا تخيير، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأبا بُكْرَةً وَأَصِيلًا ومن الليل بالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة، ويحتمل أن يريد قول سبحان الله، وذهب قوم من أهل العلم إلى أن هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس منهم ابن حبيب وغيره. فالبكرة: صلاة الصبح، والأصيل: الظهر والعصر وَمِنَ اللَّيْلِ: المغرب والعشاء، وقال ابن زيد وغيره كان هذا فرضا ونسخ فلا فرض إلا الخمس، وقال قوم هو محكوم على وجه الندب.
قوله :
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٢٧ الى ٣١]
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١)
стр. 2662
الإشارة ب هؤُلاءِ إلى كفار قريش، و «العاجلة» الدنيا وحبهم لها، لأنهم لا يعتقدون غيرها، وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ معناه فيما يأتي من الزمن بعد موتهم، وقال لبيد: [الطويل]
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... أدب مع الولدان إن خف كالنسر
ووصف اليوم بالثقل على جهة النسب، أي: ذا ثقل من حيث الثقل فيه على الكفار، فهو كليل نائم، ثم عدد النعمة على عباده في خلقهم وإيجادهم وإتقان بنيتهم وشدّ خلقتهم، والأسر: الخلقة واتساع الأعضاء والمفاصل، وقد قال أبو هريرة والحسن والربيع الأسر: المفاصل والأوصال، وقال بعضهم الأسر: القوة، ومنه قل الشاعر: [الوافر]
فأنجاه غداة الموت مني ... شديد الأسر عض على اللجام
وقول آخر [الأخطل] : [الكامل]
من كل محتدب شديد أسره ... سلس القياد تخاله مختالا
قال الطبري ومنه قول العامة: خذه بأسره يريدون خذه كله.
قال القاضي أبو محمد: وأصل هذا في ما له شد ورباط كالعظم ونحوه، وليس هذا مما يختص بالعامة بل هو من فصيح كلام العرب. اللهم إلا أن يريد بالعامة جمهور العرب ومن اللفظة الإسار وهو القيد الذي يشد به الأسير، ثم توعد تعالى بالتبديل واجتمع من القولين تعديد النعمة والوعيد بالتبدل احتجاجا على منكري البعث، أي من هذا الإيجاد والتبديل إذا شاء في قدرته، فكيف تتعذر عليه الإعادة، وقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يحتمل أن يشير إلى هذه الآية أو إلى السورة بأسرها أو إلى الشريعة بجملتها.
وقوله تعالى: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ ليس على جهة التخيير بل فيه قرينة التحذير، والحض على اتخاذ السبيل، و «السبيل» هنا: ليس النجاة، وقوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نفي لقدرتهم على الاختراع وإيجاد المعاني في نفوسهم، ولا يرد هذا وجود ما لهم من الاكتساب والميل إلى الكفر.
وقرأ عبد الله «وما تشاؤون إلا ما شاء الله» . وقرأ يحيى بن وثاب «تشاؤون» بكسر التاء. وقوله تعالى:
عَلِيماً حَكِيماً معناه يعلم ما ينبغي أن ييسر عبده إليه، وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلا هو. وَالظَّالِمِينَ نصب بإضمار فعل تقديره ويعذب الظالمين أعد لهم، وفي قراءة ابن مسعود «وللظالمين أعد لهم» بتكرير اللام، وقرأ جمهور السبعة «وما تشاؤون» بالتاء على المخاطبة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «يشاؤون» بالياء، وقرأ ابن الزبير وأبان بن عثمان وابن أبي عبلة «والظالمون» بالرفع، قال أبو الفتح: وذلك على ارتجال جملة مستأنفة. (انتهى) .
نجز تفسير سورة الْإِنْسانِ بحمد الله وعونه.
стр. 2663
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المرسلات
وهي مكية في قول جمهور المفسرين، وحكى النقاش أنه قيل إن فيها من المدني قوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ [المرسلات: ٤٨] على قول من قال إنها حكاية عن حال المنافقين في القيامة، وإنها بمعنى قوله تعالى: يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢] وقال ابن مسعود: نزلت هذه السورة ونحن مع رسول الله ﷺ بحراء، الحديث بطوله.
قوله :
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١ الى ١٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤)
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩)
وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
قال كثير من المفسرين: الْمُرْسَلاتِ، الرسل إلى الناس من الأنبياء كأنه قال: والجماعات المرسلات، وقال أبو صالح ومقاتل وابن مسعود: الْمُرْسَلاتِ الملائكة المرسلة بالوحي، وبالتعاقب على العباد طرفي النهار، وقال ابن مسعود أيضا وابن عباس ومجاهد وقتادة: الْمُرْسَلاتِ، الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: الْمُرْسَلاتِ السحاب. وعُرْفاً معناه على القول الأول عُرْفاً من الله وإفضالا على عباده ببعثة الرسل.
ومنه قول الشاعر [الحطيئة] : [البسيط]
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بقوله عُرْفاً أي متتابعة على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: الناس إلى فلان عرف واحد إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد بالعرف أي بالحق، والأمر بالمعروف، وهذه الأقوال في عرف تتجه في قول من قال في الْمُرْسَلاتِ إنها الملائكة، ومن قال إن الْمُرْسَلاتِ الرياح اتجه في العرف القول الأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة وبها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا فقه فيه، ويكون الصنف الآخر من الرياح في قوله فَالْعاصِفاتِ
стр. 2664
عَصْفاً، ويحتمل أن يكون بمعنى وَالْمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي «العاصفات» ، ويحتمل أن يريد بالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب هب عرف من ريح، والقول في العرف مع أن الْمُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن الْمُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى «عرفا» بضم الراء، و «العاصفات» من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره، واختلف الناس في قولهم وَالنَّاشِراتِ، فقال مقاتل والسدي هي الملائكة تنشر صحف العباد بالأعمال، وقال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: النَّاشِراتِ الرمم الناشرات في بعث يوم القيامة يقال نشرت الميت، ومنه قول الأعشى:
[السريع] يا عجبا للميت الناشر وقال آخرون: النَّاشِراتِ التي تجيء بالأمطار تشبه بالميت ينشر، وقال أبو صالح: النَّاشِراتِ الأمطار التي تحيي الأرض، وقال بعض المتأولين: النَّاشِراتِ طوائف الملائكة التي تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث فكأنهم يحيونهم، و «الفارقات» قال ابن عباس وابن مسعود وأبو صالح ومجاهد والضحاك: هي الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام. وقال قتادة والحسن وابن كيسان:
«الفارقات» ، آيات القرآن، وأما الملقيات ذِكْراً فهي في قول الجمهور الملائكة. قال مقاتل جبريل وقال آخرون هي الرسل، وقرأ جمهور الناس: «فالملقيات» بسكون اللام أي تلقيه من عند الله أو بأمره إلى الرسل.
وقرأ ابن عباس فيما ذكر المهدوي، «فالملقيات» بفتح اللام والقاف وشدها، أي تلقيه من قبل الله تعالى، وقرأ ابن عباس أيضا «فالملقيات» بفتح اللام وشد القاف وكسرها، أي تلقيه هي الرسل، و «الذكر» الكتب المنزلة والشرائع ومضمناتها. واختلف القراء في قوله تعالى: عُذْراً أَوْ نُذْراً، فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو جعفر وشيبة بسكون الذال في «عذر» وضمها في «نذر» ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وإبراهيم التيمي بسكون الذال فيهما، وقرأ طلحة وعيسى والحسن بخلاف، وزيد بن ثابت وأبو جعفر وأبو حيوة والأعمش عن أبي بكر عن عاصم بضمها فيهما.
فإسكان الذال على أنهما مصدران يقال عذر وعذير ونذر ونذير كنكر ونكير، وضم الذال يصح معه المصدر، ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قوله عُذْراً أَوْ نُذْراً فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من الذكر، ويصح أن يكون على المفعول للذكر كأنه قال فَالْمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْراً، ويصح أن يكون عُذْراً مفعولا لأجله أي يلقي الذكر من أجل الإعذار، وأما إذا كان عُذْراً أَوْ نُذْراً جمعا فالنصب على الحال. وقرأ إبراهيم التيمي «عذرا ونذرا» بواو بدل أَوْ. وقوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ هو الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و «طمس النجوم» : إزالة ضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و «فرج السماء» : هو بانفطارها حتى يحدث فيها فروج، و «نسف
стр. 2665
الجبال» : هو بعد التسيير وقيل كونها هباء وهو تفريقها بالريح. وقرأ جمهور القراء: «أقتت» بالهمز وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمزة عيسى وخالد، وقرأ أبو عمرو وحده «وقتت» بالواو، وأبو الأشهب وعيسى وعمرو بن عبيد، قال عيسى هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبو جعفر بواو واحدة خفيفة القاف وهي قراءة ابن مسعود والحسن، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «ووقت» بواوين على وزن فوعلت، والمعنى جعل لها وقت منتظر فجاء وحان. والواو في هذا كله الأصل والهمزة بدل. وقوله تعالى: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ تعجيب على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فسر تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله لِيَوْمِ الْفَصْلِ يعني بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الأحكام ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم تعالى يوم الفصل بقوله: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ على نحو قوله تعالى:
وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ٢] وغير ذلك، ثم أثبت الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و «الويل» : هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير وعمار بن ياسر أن واديا في جهنم اسمه «ويل» .
قوله :
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١٦ الى ٢٨]
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠)
فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥)
أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)
قرأ جمهور القراء «ثم نتبعهم» بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه «ثم نتبعهم» بجزم العين عطفا على نُهْلِكِ وهي قراءة الأعرج وبحسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في الْأَوَّلِينَ، فمن قرأ الأولى جعل الْأَوَّلِينَ الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر أنه يتبع الْآخِرِينَ من قريش وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم. ومن قرأ الثانية جعل الْأَوَّلِينَ قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، والْآخِرِينَ قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد ﷺ . وفي حرف عبد الله «وسنتبعهم» ثم قال كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي في المستقبل فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار، وأما تكرار وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ في هذه السورة فقيل إن ذلك لمعنى التأكيد فقط، وقيل بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب بذلك الذي في الآية. ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث. و «الماء المهين» : معناه الضعيف وهو المني من الرجل والمرأة. و «القرار المكين» : الرحم أو بطن المرأة، و «القدر المعلوم» : وقت الولادة ومعلوم عند الله في شخص، فأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه. وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ ونافع والكسائي «فقدّرنا» بشد الدال، وقرأ الباقون «فقدرنا» بتخفيف الدال، وهما بمعنى من القدرة، والقدر من التقدير والتوقيف. وقوله الْقادِرُونَ يرجح قراءة الجماعة. أما أن ابن
стр. 2666
مسعود روى عن النبي ﷺ أنه فسر القادرين بالمقدرين. وقدر ابن أبي عبلة «فقدّرنا» بشد الدال «فنعم المقتدرون» ، و «الكفات» : الستر والوعاء الجامع للشيء بإجماع، تقول كفت الرجل شعره إذا جمعه بخرقة، فالأرض تكفت الأحياء على ظهرها، وتكفت الأموات في بطنها وأَحْياءً على هذا التأويل معمول لقوله كِفاتاً لأنه مصدر. وقال بعض المتأولين أَحْياءً وَأَمْواتاً، إنما هو بمعنى أن الأرض فيها أقطار أحياء وأقطار أموات يراد ما ينبت وما لا ينبت، فنصب أَحْياءً على هذا إنما هو على الحال من الْأَرْضَ، والتأويل الأول أقوى.
وقال بنان خرجنا مع الشعبي إلى جنازة فنظر إلى الجبانة فقال: هذه كفات الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الأحياء، وكانت العرب تسمي بقيع الغرقد كفتة لأنها مقبرة تضم الموتى، وفي الحديث «خمروا آنيتكم وأوكئوا أسقيتكم واكفتوا صبيانكم وأجيفوا أبوابكم وأطفئوا مصابيحكم» . ودفن ابن مسعود قملة في المسجد ثم قرأ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً.
قال القاضي أبو محمد: ولما كان القبر كِفاتاً كالبيت قطع من سرق منه. و «الرواسي» : الجبال، لأنها رست أي ثبتت، و «الشامخ» : المرتفع، ومنه شمخ بأنفه أي ارتفع واستعلى شبه المعنى بالشخص، و «أسقى» معناه: جعله سقيا للغلات والمنافع، وسقى معناه للشفة خاصة، هذا قول جماعة من أهل اللغة.
وقال آخرون هما بمعنى واحد. و «الفرات» : الصافي العذب، ولا يقال للملح فرات وهي لفظة تجمع ماء المطر ومياه الأنهار وخص النهر المشهور بهذا تشريفا له وهو نهر الكوفة، وسيحان هو نهر بلخ، وجيحان هو دجلة، والنيل نهر مصر. وحكي عن عكرمة أن كل ماء في الأرض فهو من هذه، وفي هذا بعد والله أعلم.
قوله :
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٢٩ الى ٤٠]
انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)
فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)
الضمير في قوله انْطَلِقُوا، هو لِلْمُكَذِّبِينَ [الإنسان: ١٩- ٢٤] الذين لهم الويل يقال لهم انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ من عذاب الآخرة، ولا خلاف في كسر اللام من قوله انْطَلِقُوا في هذا الأمر الأول، وقرأ يعقوب في رواية رويس «انطلقوا إلى ظل» بفتح اللام على معنى الخبر، وقرأ جمهور الناس «انطلقوا» بكسر اللام على معنى تكرار، الأمر الأول وبيان المنطلق إليه، وقال عطاء الظل الذي له ثَلاثِ شُعَبٍ هو دخان جهنم، وروي أنه يعلو من ثلاثة مواضع يراه الكفار فيظنون أنه مغن فيهرعون إليه فيجدونه على أسوأ وصف. وقال ابن عباس: المخاطبة إنما تقال يومئذ لعبدة الصليب إذا اتبع كل واحد ما كان يعبد فيكون المؤمنون في ظل الله ولا ظل إلا ظله، ويقال لعبدة الصليب انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ معبودكم
стр. 2667
وهو الصليب وله ثَلاثِ شُعَبٍ، والتشعب تفرق الجسم الواحد فرقا ثم نفى عنه تعالى محاسن الظل، والضمير في إِنَّها لجهنم، وقرأ عيسى بن عمر «بشرار» بألف جمع شرارة وهي لغة تميم، و «القصر» في قول ابن عباس وجماعة من المفسرين اسم نوع القصور وهو إلا دورا لكبار مشيدة، وقد شبهت العرب بها النوق ومن المعنى قول الأخطل: [البسيط]
كأنها برج رومي يشيده ... لز بجص وآجر وجيار
وقال ابن عباس أيضا: «القصر» : خشب كان في الجاهلية يقطع من جزل الحطب من النخل وغيره على قدر الذراع وفوقه ودونه يستعد به للشتاء يسمى «القصر» واحده قصرة وهو المراد في الآية، وإنما سمي القصّار لأنه يخبط بالقصرة، وقال مجاهد: «القصر» حزم الحطب. وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس وابن جبير «القصر» جمع قصرة وهي أعناق النخل والإبل وكذلك أيضا هي في الناس، وقال ابن عباس جذور النخل، وقرأ ابن جبير أيضا والحسن: «كالقصر» بكسر القاف وفتح الصاد، وهي جمع قصرة كحلقة وحلق من الحديد، واختلف الناس في «الجمالات» ، فقال جمهور من المفسرين: هو جمع جمال على تصحيح البناء كرجال ورجالات، وقال آخرون أراد ب «الصفر» السود، وأنشد على ذلك بيت الأعشى:
[الخفيف]
تلك خيلي منه، وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب
وقال جمهور الناس: بل «الصفر» الفاقعة لأنها أشبه بلون الشرر بالجمالات، وقرأ الحسن «صفر» بضم الصاد والفاء، وقال ابن عباس وابن جبير: «الجمالات» قلوس من السفن وهي حبالها العظام إذا جمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء منها أجرام عظام، وقال ابن عباس: «الجمالات» قطع النحاس الكبار وكان اشتقاق هذه من اسم الجملة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «جمالة» بكسر الجيم لحقت التاء جمالا لتأنيث الجمع فهي كحجر وحجارة، وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن والأعمش:
«جمالة» بضم الجيم، وقرأ باقي السبعة والجمهور وعمر بن الخطاب «جمالات» على ما تفسر بكسر الجيم، وقرأ ابن عباس أيضا وقتادة وابن جبير والحسن وأبو رجاء بخلاف عنهم «جمالات» بضم الجيم، واختلف عن نافع وأبي جعفر وشيبة وكان ضم الجيم فيهما من الجملة لا من الجمل وكسرها من الجمل لا من الجملة. ولما ذكر تعالى المكذبين قال مخاطبا لمحمد ﷺ هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ أي يوم القيامة أسكتتهم الهيبة وذل الكفر، وهذا في موطن قاض بأنهم لا يَنْطِقُونَ فيه إذ قد نطق القرآن بنطقهم ربنا أخرجنا، ربنا أمتنا. فهي مواطن. ويَوْمُ مضاف إلى قوله لا يَنْطِقُونَ. وقرأ الأعرج والأعمش وأبو حيوة «هذا يوم» بالنصب لما أضيف إلى غير متمكن بناه فهي فتحة بناء وهو في موضع رفع، ويحتمل أن يكون ظرفا وتكون الإشارة ب هذا إلى رميها بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ، وقوله فَيَعْتَذِرُونَ معطوف على يُؤْذَنُ ولم ينصب في جواب النفي لتشابه رؤوس الآي، والوجهان جائزان، وقوله تعالى: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ مخاطبة للكفار يومئذ. و «الأولون» المشار إليهم قوم نوح وغيرهم
стр. 2668
ممن جاء في صدر الدنيا وعلى وجه الدهر، ثم وقف تعالى عبيده الكفار المستوجبين عقابه بقوله: فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ أي إن كان لكم حيلة أو مكيدة تنجيكم فافعلوها.
قوله :
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٤١ الى ٥٠]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)
ذكر تعالى حالة الْمُتَّقِينَ بعقب ذكر حالة أهل النار ليبين الفرق، و «الظلال» في الجنة عبارة عن تكائف الأشجار وجودة المباني وإلا فلا شمس تؤذي هنالك حتى يكون ظل يجير من حرها. وقرأ الجمهور «في ظلال» ، وقرأ الأعرج والأعمش «في ظلل» بضم الظاء، و «العيون» : الماء النافع، وقوله تعالى: مِمَّا يَشْتَهُونَ إعلام بأن المأكل والمشرب هنالك إنما يكون برسم شهواتهم بخلاف ما هي الدنيا عليه، فإن ذلك فيه شاذ ونادر، والعرف أن المرء يرد شهوته إلى ما يقتضيه وجده. وهنا محذوف يدل عليه اللفظ تقديره يقال لهم كُلُوا وهَنِيئاً نصب على الحال، ويجوز أن يكون نصبه على جهة الدعاء، والكاف في قوله إِنَّا كَذلِكَ كاف تشبيه، والإشارة بذلك إلى ما ذكره من تنعيم أهل الجنة، وقوله تعالى: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا مخاطبة لقريش على معنى قل لهم يا محمد، وهذه صيغة أمر معناها التهديد والوعيد، وقد بين ذلك قوله قَلِيلًا، ثم قرر لهم الإجرام الموجب لتعذيبهم، وقال من جعل السورة كلها مكية: إن هذه الآية نزلت في المنافقين، وقال مقاتل: نزلت في ثقيف لأنهم قالوا للنبي ﷺ : حط عنا الصلاة فإنا لا ننحني فإنها سبة، فأبى رسول الله ﷺ وقال: «لا خير في دين لا صلاة فيه» .
وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ قيل هي حكاية عن حال المنافقين في الآخرة إذا سجد الناس فأرادوا هم السجود فانصرفت أصلابهم إلى الأرض وصارت فقاراتهم كصياصي البقر، قاله ابن عباس وغيره. وقال قتادة في آخرين هذه حال كفار قريش في الدنيا كان رسول الله ﷺ يدعوهم وهم لا يجيبون، وذكر الركوع عبارة عن جميع الصلاة، هذا قول الجمهور، وقال بعض المتأولين عنى بالركوع التواضع كما قال الشاعر: [الطويل] ترى الأكم فيها سجدا للحوافر أي متذللة، وتأول قتادة الآية قاصدة الركوع نفسه. وقال: عليكم بحسن الركوع، والذي أقول إن ذكر الركوع هنا وتخصيصه من بين سائر أحوال العبادة إنما كان لأن كثيرا من العرب كان يأنف من الركوع والسجود ويراها هيئة منكرة لما كان في أخلاقهم من العجرفة، ألا ترى أن بعضهم قد سئل فقيل له: كيف
стр. 2669
تقول؟ استخذأت أو استخذيت؟ فقال: كل لا أقول. فقيل له لم؟ قال: لأن العرب لا تستخذي، فظن أنه سئل عن المعنى ولم يفهم أنه سئل عن اللفظ. وفي كتاب السير عن بعض العرب أنه استعفى متكلما عن قومه ونفسه رسول الله ﷺ الصلاة فلم يجبه رسول الله ﷺ بل قال له: «لا بد من الصلاة» ، فقال عند ذلك سنؤتيكها، وإن كانت دناءة، وقوله تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ يؤيد أن الآية كلها في قريش، والحديث الذي يقتضيه الضمير هو القرآن، وهذا توقيف وتوبيخ، وروي عن يعقوب أنه قرأ «تؤمنون» بالتاء من فوق على المواجهة ورويت عن ابن عامر. (انتهى) .
стр. 2670
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة النّبإ
وهي مكية بإجماع، وليس فيها نسخ ولا حكم إلا ما قاله بعض الناس في قوله تعالى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [النبأ: ٢٣] من أنه منسوخ وهو قول خلف لأن الأخبار لا تنسخ وإنما ذكرنا هذا القول تنبيها على فساده.
قوله :
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤)
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦)
أصل عَمَّ «عن ما» ، ثم أدغمت النون بعد قلبها فبقي «عما» في الخبر والاستفهام، ثم حذفوا الألف في الاستفهام فرقا بينه وبين الخبر، ثم من العرب من يخفف الميم تخفيفا فيقول: «عم» ، وهذا الاستفهام ب عَمَّ هو استفهام توقيف وتعجب منهم، وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود وعكرمة وعيسى: «عما» بالألف، وقرأ الضحاك: «عمه» بهاء، وهذا إنما يكون عند الوقف. والنَّبَإِ الْعَظِيمِ قال ابن عباس وقتادة هو الشرع الذي جاء به محمد، وقال مجاهد وقتادة: هو القرآن خاصة، وقال قتادة أيضا: هو البعث من القبور، ويحتمل الضمير في يَتَساءَلُونَ أن يريد جميع العالم فيكون الاختلاف حينئذ يراد به تصديق المؤمنين وتكذيب الكافرين ونزغات الملحدين. ويحتمل أن يراد بالضمير الكفار من قريش، فيكون الاختلاف شك بعض وتكذيب بعض. وقولهم سحر وكهانة وشعر وجنون وغير ذلك. وقال أكثر النحاة قوله: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ، متعلق ب يَتَساءَلُونَ الظاهر كأنه قال: لم يتساءلون عن هذا النبأ، وقال الزجاج: الكلام تام في قوله: عَمَّ يَتَساءَلُونَ ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول: يتساءلون عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ، فاقتضى إيجاز القرآن وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي تقتضيه الحال والمجاورة اقتضابا للحجة وإسراعا إلى موضع قطعهم، وهذا نحو قوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ [الأنعام: ١٩] وأمثلة كثيرة، وقد وقع التنبيه عليها في مواضعها. وقرأ السبعة والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعمش: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ بالياء في الموضعين على ذكر الغائب، فظاهر الكلام أنه رد على
стр. 2671
الكفار في تكذيبهم وعيد لهم في المستقبل وكرر الزجر تأكيدا، وقال الضحاك المعنى: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يعني الكفار على جهة الوعيد، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ: يعني المؤمنين على جهة الوعد. وقرأ ابن عامر فيما روى عنه مالك بن دينار والحسن بخلاف: «كلا ستعلمون» بالتاء في الموضعين على مخاطبة الحاضر كأنه تعالى يقول: قل لهم يا محمد وكرر عليهم الزجر والوعيد تأكيدا وكل تأويل في هذه القراءة غير هذا فمتعسف وقرأ ... «كلا سيعلمون» بالياء على جهة الرد والوعيد للكفار، «ثم كلا ستعلمون» بالتاء من فوق على جهة الرد على الكفار والوعد والمؤمنين. والعلم في هذه الآية بمعنى ستعرفون، فلذلك لم يتعد، ثم وقفهم تعالى على آياته وغرائب مخلوقاته وقدرته التي يوجب النظر فيها الإقرار بالبعث والإيمان بالله تعالى.
و «المهاد» : الفراش الممهد الوطيء وكذلك الأرض لبنيتها، وقرأ مجاهد وعيسى وبعض الكوفيين «مهدا» ، والمعنى نحو الأول، وشبه الْجِبالَ ب «الأوتاد» لأنها تمسك وتثقل وتمنع الأرض أن تميد، وأَزْواجاً معناه أنواعا في ألوانكم وصوركم وألسنتكم، وقال الزجاج وغيره معناه مزدوجين ذكرا وأنثى، و «السبات» :
السكون، وسبت الرجل معناه استراح واتدع وترك الشغل، ومنه السبات وهي علة معروفة سميت بذلك لأن السكون والسكوت أفرط على الإنسان حتى صار ضارا قاتلا، والنوم شبيه به إلا في الضرر، وقال أبو عبيدة: سُباتاً قطعا للأعمال والتصرف، والسبت: القطع ومنه سبت الرجل رأسه إذا قطع شعره، ومنه النعال السبتية وهي التي قطع عنها الشعر، ولِباساً مصدر، وكان الميل كذلك من حيث يغشي الأشخاص، فهي تلبسه وتتدرعه، وقال بعض المتأولين: جعله لِباساً لأنه يطمس نور الأبصار، ويلبس عليها الأشياء والتصريف يضعف هذا القول، لأنه كان يجب أن يكون ملبسا، ولا يقال لِباساً إلا من لبس الثياب والنَّهارَ مَعاشاً على حذف مضاف أو على النسب، وهذا كما تقول ليل نائم، و «السبع الشداد» : السموات. والأفصح في لفظة السماء التأنيث ووصفها بالشدة، لأنه لا يسرع إليها فساد لوثاقتها، و «السراج» : الشمس، و «الوهاج» : الحار المضطرم الاتقاد المتعالي اللهب، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الشمس في السماء الرابعة إلينا طهرها ولهبها مضطرم علوا. واختلف الناس في الْمُعْصِراتِ، فقال الحسن بن أبي الحسن وأبيّ بن كعب وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة: هي السموات. وقال ابن عباس وأبو العالية والربيع والضحاك: الْمُعْصِراتِ السحاب القاطرة، وهو مأخوذ من العصر، لأن السحاب ينعصر فيخرج منه الماء وهذا قول الجمهور وبه فسر عبيد الله بن الحسن بن محمد العنبري القاضي بيت حسان: [الكامل] كلتاهما حلب العصير وقال بعض من سميت هي السحاب التي فيها الماء تمطر كالمرأة المعصر وهي التي دنا حيضها ولم تحض بعد، وقال ابن الكيسان: قيل للسحاب معصرات من حيث تغيث فهي من المعصرة ومنه قوله تعالى: وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف: ٤٩] . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: الْمُعْصِراتِ الرياح، لأنها تعصر السحاب، وقرأ ابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس وقتادة وعكرمة: «وأنزلنا بالمعصرات» ، فهذا يقوي أنه أراد الرياح، و «الثجاج» : السريع الاندفاع كما يندفع الدم عن عروق الذبيحة، ومنه قول النبي ﷺ وقد قيل له: ما أفضل الحج؟ قال: «العج والثج» أراد التضرع إلى الله بالدعاء الجهير
стр. 2672
وذبح الهدي، و «الحب» : جنس الحبوب الذي ينتفع به الحيوان، و «النبات» : العشب الذي يستعمل رطبا لإنسان أو بهيمة، فذكر الله تعالى موضع المنفعتين وأَلْفافاً جمع لف بضم اللام، ولف جمع لفاء. والمعنى ملتفات الأغصان والأوراق، وذلك موجود مع النضرة والري، وقال جمهور اللغويين أَلْفافاً جمع لفّ بكسر اللام، واللف: الجنة الملتفة بالأغصان، وقال الكسائي: أَلْفافاً، جمع لفيف. وقد قال الشاعر: [الطويل]
أحابيش ألفاف تباين فرعهم ... وجذمهم عن نسبة المتقرب
قوله :
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١٧ الى ٢٣]
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١)
لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣)
يَوْمَ الْفَصْلِ هو يوم القيامة، لأن الله تعالى يفصل فيه بين المؤمنين والكافرين، وبين الحق والباطل. و «الميقات» مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد، وقوله: يَوْمَ يُنْفَخُ بدل من اليوم الأول، و «الصور» : القرن الذي ينفخ فيه لبعث الناس. هذا قول الجمهور، ويحتمل هذا الموضع أن يكون «الصور» فيه جمع صورة أي يوم يرد الله فيه الأرواح إلى الأبدان، هذا قول بعضهم في الصُّورِ وجوزه أبو حاتم، والأول أشهر وبه تظاهرت الآثار، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى [الزمر: ٦٨] .
وقرأ أبو عياض «في الصور» بفتح الواو، و «الأفواج» : الجماعات يتلو بعضها بعضا، واحدها فوج، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة والحسن: «وفتّحت» ، بشد التاء على المبالغة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «وفتحت» دون شد. وقوله تعالى: فَكانَتْ أَبْواباً قيل معناه: تتفطر وتتشقق حتى يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدارات، وقال آخرون فيما حكى مكي بن أبي طالب: الأبواب هنا فلق الخشب التي تجعل أبوابا لفتوح الجدارات أي تتقطع السماء قطعا صغارا حتى تكون كألواح الأبواب.
والقول الأول أحسن، وقال بعض أهل العلم: تتفتح في السماء أبواب للملائكة من حيث يصعدون وينزلون. وقوله تعالى: فَكانَتْ سَراباً عبارة عن تلاشيها وفنائها بعد كونها هباء منبثا، ولم يرد أن الجبال تعود تشبه الماء على بعد من الناظر إليها، ومِرْصاداً: موضع الرصد، ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ١٤] ، وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: «لا يدخل أحد الجنة حتى يجوز على جهنم، فمن كانت عنده أسباب نجاة نجا وإلا هلك» . وقال قتادة: تعلمن أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وفي الحديث الصحيح: «إن الصراط جسر ينصب على متن جهنم ثم يجوز عليه الناس فناج ومكردس» ، وقال بعض المتأولين: مِرْصاداً مفعال بمعنى راصد، وقرأ أبو معمر المنقري: «أن جهنم» بفتح الألف والجمهور: على كسرها، و «الطاغون» : الكافرون، و «المآب» : المرجع،
стр. 2673
و «الأحقاب» : جمع حقب بفتح القاف، وحقب: بكسر الحاء، وحقب: بضم القاف، وهو جمع حقبة ومنه قول متمم: [الطويل]
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن تصدعا
وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة، ويقال للسنة أيضا حقبة، وقال بشر بن كعب: حدها على ما ورد في الكتب المنزلة ثلاثمائة سنة، وقال هلال الهجري: ثمانون سنة قالا في كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم من ألف سنة. وقال ابن عباس وابن عمر: الحقب ستون ألف سنة، وقال الحسن:
الحقب سبعون ألف سنة، وقيل: خمسون ألف سنة، وقال أبو أمامة عن النبي ﷺ : إنه ثلاثون ألف سنة وكثر الناس في هذا اللازم أن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يلبثون أَحْقاباً كلما مر حقب جاء غيره إلى ما لا نهاية، قال الحسن: ليس لها عدة إلا الخلود في النار، ومن الناس من ظن لذكر الأحقاب أن مدة العذاب تنحصر وتتم فطلبوا التأويل لذلك، فقال مقاتل بن حيان: الحقب سبعة عشر ألف سنة، وهي منسوخة بقوله تعالى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [النبأ: ٣٠] ، وقد ذكرنا فساد هذا القول، وقال آخرون الموصوفون باللبث أَحْقاباً عصاة المؤمنين، وهذا أيضا ضعيف ما بعده في السورة يدل عليه، وقال آخرون: إنما المعنى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً غير ذائقين بردا ولا شرابا، فهذه الحال يلبثون أحقابا ثم يبقى العذاب سرمدا وهم يشربون أشربة جهنم، وقرأ الجمهور «لابثين» ، وقرأ حمزة وحده وابن مسعود وعلقمة وابن وثاب وعمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل وابن جبير: «لبثن» جمع لبث، وهي قراءة معترضة لأن فعلا إنما يكون فيما صار خلقا كحذر وفرق، وقد جاء شاذا فيما ليس بخلق وأنشد الطبري وغيره في ذلك بيت لبيد: [الكامل]
أو مسحل عمل عضادة سمحج ... بسراته ندب له وكلوم
قال المعترض في القراءة: لا حجة في هذا البيت لأن عملا قد صار كالخلق الذي واظب على العمل به حتى أنه ليسمى به في وقت لا يعمل فيه كما تقول كاتب لمن كانت له صناعة وإن لم يكتب أكثر أحيانه، قال المحتج لها: شبه لبث بدوامه بالخلق لما صار اللبث من شأنه.
قوله :
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٢٤ الى ٣٧]
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨)
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣)
وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧)
قال أبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد ومعاذ النحوي: «البرد» في هذه الآية: النوم، والعرب
стр. 2674
تسمه بذلك لأنه يبرد سؤر العطش، ومن كلامهم منع البرد البرد، وقال جمهور الناس: «البرد» في الآية:
مسر الهواء البارد وهو القر، أي لا يمسهم منه ما يستلذ ويكسر غرب الحر، فالذوق على هذين القولين مستعار، وقال ابن عباس: «البرد» : الشراب المستلذ، ومنه قول حسان بن ثابت: [الكامل]
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل
ومنه قول الآخر: [الطويل]
أماني من سعدى حسان كأنما ... سقتني بها سعدى على ظمأ بردا
ثم قال تعالى: وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً فالاستثناء متصل و «الحميم» : الحار الذائب وأكثر استعماله في الماء السخن والعرق ومنه الحمام، وقال ابن زيد: «الحميم» : دموع أعينهم، وقال النقاش: ويقال «الحميم» : الصفر المذاب المتناهي الحر، واختلف الناس في «الغساق» ، فقال قتادة والنخعي وجماعة:
هو ما يسيل من أجسام أهل النار من صديد ونحوه، يقال: غسق الجرح: إذا سال منه قيح ودم، وغسقت العين: إذا دمعت وإذا خرج قذاها، وقال ابن عباس ومجاهد: «الغساق» : مشروب لهم مفرط الزمهرير، كأنه في الطرف الثاني من الحميم يشوي الوجوه ببرده. وقال عبد الله بن بريدة: «الغساق» : المنتن، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم وجماعة من الجمهور: «غساقا» ، بتخفيف السين وهو اسم على ما قدمناه، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن أبي إسحاق السبيعي والحكم بن عتبة وقتادة وابن وثاب: «غسّاقا» مشددة السين وهي صفة أقيمت مقام الموصوف، كأنه قال ومشروب غساق أي سائل من أبدانهم، وقوله تعالى: وِفاقاً معناه لأعمالهم وكفرهم أي هو جزاؤهم الجدير بهم الموافق مع التحذير لأعمالهم فهي كفر، و «الجزاء» : نار، ويَرْجُونَ قال أبو عبيدة وغيره: معناه: يخافون، وقال غيره: الرجاء هنا على بابه، ولا رجاء إلا وهو مقترن بخوف ولا خوف إلا وهو مقترن برجاء، فذكر أحد القسمين لأن المقصد العبارة عن تكذيبهم كأنه قال: إنهم كانوا لا يصدقون بالحساب، فلذلك لا يرجونه ولا يخافونه، وقرأ جمهور الناس: «كذابا» بشد الذال وكسر الكاف وهو مصدر بلغة بعض العرب، وهي يمانية ومنه قول أحدهم وهو يستفتي:
ألحلق أحب إليك أم القصار؟
ومنه قول الشاعر: [الطويل]
لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي ... وعن حاجة قضاؤها من شفائيا
وهذا عندهم مصدر من فعّل، وقال الطبري: لم يختلف القراء في هذا الموضع في كِذَّاباً.
قال القاضي أبو محمد: وأراه أراد السبعة، وأما في الشاذ، فقرأ علي بن أبي طالب وعوف الأعرابي وعيسى والأعمش وأبو رجاء: «كذابا» بكسر الكاف وبتخفيف الذال، وقرأ عبد الله بن عمر بن عبد العزيز:
«كذّابا» بضم الكاف وشد الذال على أنه جمع كاذب ونصبه على الحال قاله أبو حاتم. وقوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ، يريد كل شيء شأنه أن يحضر في هذا الخبر وربط لآخر القصة بأولها أي هم مكذبون
стр. 2675
وكافرون، ونحن قد أحصينا، فالقول لهم في الآخرة ذوقوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ ، ولما ذكر تعالى أمر أهل النار عقب بذكر أهل الجنة ليبين الفرق. و «المفاز» :
موضع الفوز لأنهم زحزحوا عن النار وأدخلوا الجنة. و «الحدائق» : البساتين التي عليها حلق وجدارات وحظائر. وأَتْراباً معناه: على سن واحدة، والتربان هما اللذان مسا التراب في وقت واحد، و «الدهاق» : المترعة فيما قال الجمهور، وقال ابن جبير معناه: المتتابعة وهي من الدهق، وقال عكرمة:
هي الصفية، وفي البخاري قال ابن عباس: سمعت أبي في الجاهلية يقول للساقي: اسقنا كأسا دهاقا، و «اللغو» : سقط الكلام وهو ضروب، وقد تقدم القول في كِذَّاباً إلا أن الكسائي من السبعة قرأ في هذا الموضع «كذابا» بالتخفيف وهو مصدر، ومنه قول الأعشى: [مجزوء الكامل]
فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه
واختلف المتأولون: في قوله: حِساباً، فقال جمهور المفسرين واللغويين معناه: محسبا، كافيا في قولهم أحسبني هذا الأمر أي كفاني، ومنه حسبي الله، وقال مجاهد معناه: إن حِساباً معناه بتقسط على الأعمال لأن نفس دخول الجنة برحمة الله وتفضله لا بعمل، والدرجات فيها والنعيم على قدر الأعمال، فإذا ضاعف الله لقوم حسناتهم بسبعمائة مثلا ومنهم المكثر من الأعمال والمقل أخذ كل واحد سبعمائة بحسب عمله وكذلك في كل تضعيف، فالحساب ها هو موازنة أعمال القوم. وقرأ الجمهور «حسابا» : بكسر الحاء وتخفيف السين المفتوحة، وقرأ ابن قطب «حسابا» : بفتح الحاء وشد الشين، قال أبو الفتح جاء بالاسم من أفعل على فعال، كما قالوا أدرك فهو: دراك، فقرأ ابن عباس وسراج: «عطاء حسنا» بالنون من الحسن وحكى عنه المهدوي أنه قرأ «حسبا» بفتح الحاء وسكون السين وبالباء، وقرأ شريح بن يزيد الحمصي: «حسّابا» بكسر الحاء وشد السين المفتوحة، وقرأ نافع وأبو عمرو والأعرج وأبو جعفر وشيبة وأهل الحرمين: «ربّ» بالرفع، وكذلك «الرحمن» ، وقرأ ابن عامر وعاصم وابن مسعود وابن أبي إسحاق وابن محيصن والأعمش «رب» وكذلك «الرحمن» وقرأ حمزة والكسائي «ربّ» : بالخفض و «الرحمن» بالرفع وهي قراءة الحسين وابن وثاب وابن محيصن بخلاف عنه ووجوه هذه القراءات بينة، وقوله تعالى: لا يَمْلِكُونَ الضمير للكفار أي لا يَمْلِكُونَ من أفضاله وأجماله أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها، وهذا في موطن خاص.
قوله :
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)
اختلف الناس في الرُّوحُ المذكورة في هذا الموضع، فقال الشعبي والضحاك: هو جبريل ﵇ ذكره خاصة من بين الملائكة تشريفا، وقال ابن مسعود: هو ملك كريم أكبر الملائكة خلقة يسمى
стр. 2676
ب «الروح» ، وقال ابن زيد: كان أبي يقول هو القرآن، وقد قال الله تعالى: أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: ٥٢] أي من أمرنا.
قال القاضي أبو محمد: فالقيام فيه مستعار يراد ظهوره ومثول آثاره، والأشياء الكائنة عن تصديقه أو تكذيبه ومع هذا ففي القول قلق، وقال مجاهد: الرُّوحُ خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون، وقال ابن عباس عن النبي ﷺ : «الروح خلق غير الملائكة لهم حفظة للملائكة كما الملائكة حفظة لنا» ، وقال ابن عباس والحسن وقتادة: الرُّوحُ هنا اسم جنس: يراد به أرواح بني آدم والمعنى يوم تقوم الروح في أجسادها إثر البعث والنشأة الآخرة، ويكون الجميع من الإنس والملائكة صَفًّا ولا يتكلم أحد هيبة وفزعا إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ من ملك أو نبي وكان أهلا أن يقول صَواباً في ذلك الموطن، وقال ابن عباس: الضمير في يَتَكَلَّمُونَ عائد على الناس خاصة و «الصواب» المشار إليه لا إله إلا الله، قال عكرمة أي قالها في الدنيا. وقوله تعالى: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ أي الحق كونه ووجوده، وفي قوله: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مكانا وعد ووعيد وتحريض، و «المآب» :
المرجع وموضع الأوبة، والضمير الذي هو الكاف والميم في نْذَرْناكُمْ
هو لجميع العالم وإن كانت المخاطبة لمن حضر النبي ﷺ من الكفار، و «العذاب القريب» : عذاب الآخرة، ووصفه بالقرب لتحقق وقوعه وأنه آت وكل آت قريب والجميع داخل في النذارة منه، ونظر المرء إلى اقَدَّمَتْ يَداهُ
من عمل قيام الحجة عليه، وقال ابن عباسْ مَرْءُ
هنا المؤمن، وقرأ ابن أبي إسحق: «المرء» بضم الميم وضعفها أبو حاتم، وقوله تعالى: يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
قيل إن هذا تمنّ أن يكون شيئا حقيرا لا يحاسب ولا يلتفت إليه، وهذا قد نجده في الخائفين من المؤمنين فقد قال عمر بن الخطاب:
ليتني كنت بعرة، وقال أبو هريرة وعبد الله بن عمر: إن الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة فيقتص لبعضها من بعض ثم يقول لها من بعد ذلك: كوني ترابا، فيعود جميعها ترابا، فإذا رأى الكافر ذلك تمنى مثله، قال أبو القاسم بن حبيب: رأيت في بعض التفاسير أنْ كافِرُ
هنا إبليس إذا رأى ما حصل للمؤمنين من بني آدم من الثواب قال: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
، أي كآدم الذي خلق من تراب واحتقره هو أولا.
نجز تفسير سورة النَّبَإِ والحمد لله حق حمده.
стр. 2677
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة النّازعات
وهي مكية بإجماع من المتأولين.
قوله :
[سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤)
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩)
يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١)
قال ابن مسعود وابن عباس: النَّازِعاتِ، الملائكة تنزع نفوس بني آدم، وغَرْقاً على هذا القول إما أن يكون مصدر بمعنى الإغراق والمبالغة في الفعل، وإما أن يكون كما قال علي وابن عباس:
تغرق نفوس الكفرة في نار جهنم، وقال السدي وجماعة: النَّازِعاتِ: النفوس تنزع بالموت إلى ربها، وغَرْقاً هنا بمعنى الإغراق أي تغرق في الصدر، وقال عطاء فيما روي عنه: النَّازِعاتِ، الجماعات النازعات بالقسي، وغَرْقاً بمعنى الإغراق، وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة وابن كيسان والأخفش:
النَّازِعاتِ: النجوم لأنها تنزع من أفق إلى أفق، وقال قتادة: النَّازِعاتِ، النفوس التي تحن إلى أوطانها وتنزع إلى مذاهبها ولها نزاع عند الموت، وقال مجاهد: النَّازِعاتِ المنايا لأنها تنزع نفوس الحيوان، وقال عطاء وعكرمة: النَّازِعاتِ القسي أنفسها لأنها تنزع بالسهام. واختلف المتأولون في النَّاشِطاتِ، فقال ابن عباس ومجاهد: هي الملائكة لأنها تنشط النفوس عند الموت، أي تحلها كحل العقال وتنشط بأمر الله أي حيث كان، وقال مجاهد: النَّاشِطاتِ: المنايا، وقال ابن عباس أيضا وقتادة والأخفش والحسن: النَّاشِطاتِ النجوم لأنها تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب وتسير بسرعة، ومن ذلك قيل البقر الوحش النواشط لأنهن يذهبن بسرعة من موضع إلى آخر، وقال عطاء: النَّاشِطاتِ في الآية: البقرة الوحشية وما جرى مجراها من الحيوان الذي ينشط من قطر إلى قطر، ومن هذا المعنى قول الشاعر [همان بن قحافة] : [الرجز]
أرى همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طورا وطورا واسطا
وكأن هذه اللفظة في هذا التأويل مأخوذة من النشاط، وقال عطاء أيضا وعكرمة: النَّاشِطاتِ الأوهان. ويقال: نشطت البعير والإنسان إذا ربطته ونشطته: إذا حللته، وحكاه الفراء وخولف فيه ومنه
стр. 2678
الحديث «كأنما أنشط من عقال» ، وقال ابن عباس أيضا: النَّاشِطاتِ النفوس المؤمنة تنشط عند الموت للخروج، و «السبح» : العوم في الماء، وقد يستعمل مجازا في خرق الهواء والتقلب فيه، واختلف في السَّابِحاتِ في الآية، فقال قتادة والحسن: هي النجوم لأنها تسبح في فلك، وقال مجاهد وعلي ﵁: هي الملائكة لأنها تتصرف في الآفاق بأمر الله تجيء وتذهب، وقال أبو روق: السَّابِحاتِ:
الشمس والقمر والليل والنهار، وقال بعض المتأولين: السَّابِحاتِ: السماوات، لأنها كالعائمة في الهواء، وقال عطاء وجماعة: السَّابِحاتِ: الخيل، ويقال للفرس: سابح، وقال آخرون: السَّابِحاتِ الحيتان، دواب البحر فما دونها وذلك من عظيم المخلوقات، فروي أن الله تعالى بث في الدنيا ألف نوع من الحيوان، منها أربعمائة في البر وستمائة في البحر، وقال عطاء أيضا: السَّابِحاتِ: السفن، وقال مجاهد أيضا: السَّابِحاتِ: المنايا تسبح في نفوس الحيوان. واختلف الناس في «السابقات» ، فقال مجاهد: هي الملائكة، وقيل الرياح، وقال عطاء هي الخيل، وقيل: النجوم، وقيل المنايا تسبق الآمال، وقال الشاعر [عدي بن زيد] : [الخفيف] لا أرى الموت يسبق الموت شيء وأما «المدبرات» ، فلا أحفظ خلافا أنها الملائكة ومعناه أنها تدبر الأمور التي سخرها الله تعالى وصرفها فيها كالرياح والسحاب وسائر المخلوقات، وقال ابن زيد: الرَّاجِفَةُ: الأرض تهتز بأهلها لنفخة الصور الأولى، وقيل الرَّاجِفَةُ: النفخة نفسها، والرَّادِفَةُ: النفخة الأخرى، ويروى أن بينهما أربعين سنة، وقال عطاء: الراجفة: القيامة نفسها، والرَّادِفَةُ: البعث، وقال ابن زيد:
الرَّاجِفَةُ: الموت، والرَّادِفَةُ: الساعة. وقال أبي بن كعب: كان النبي ﷺ إذا ذهب ربع الليل قام وقال: «يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» ، ثم أخبر تعالى عن قلوب تجف ذلك اليوم، أي ترتعد خوفا وفرقا من العذاب، ووجيف القلب يكون من الفزع ويكون من الإشفاق، ومنه قول الشاعر قيس بن الحطيم: [المنسرح]
إن بني جحجما وأسرتهم ... أكبادنا من ورائهم تجف
ورفع قُلُوبٌ بالابتداء وجاز ذلك وهي نكرة لأنها قد تخصصت بقوله: يَوْمَئِذٍ، واختلف الناس في جواب القسم أي هو، فقال الفراء والزجاج: هو محذوف دل الظاهر عليه تقديره: لتبعثن أو لتعاقبن يوم القيامة، وقال بعض النحاة: هو في قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى [النازعات: ٢٦] ، وهذا ضعيف لبعد القول ولأن المعنى هالك يستحق ابن، وقال آخرون: هو في قوله يَوْمَ على تقدير حذف اللام كأنه قال ليوم، وقال آخرون: وهو موجود في جملة قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ كأنه قال: لتجفن قلوب يوم كذا، ولما دلت على أصحابها ذكر بعد ذلك أبصارها، وخشوعها ذلها، وما يظهر فيها من الهم بالحال، وقوله تعالى: يَقُولُونَ هي حكاية حالهم في الدنيا، معناه: هم الذين يقولون وقولهم أَإِنَّا هو على جهة الاستخفاف والعجب والتكذيب، وقرأ ابن أبي إسحاق وابن يعمر: «أإنا» بهمزتين ومدة على الاستفهام، وقرأ جمهور القراء: «أإنا» باستفهام وهمزة
стр. 2679
واحدة، والْحافِرَةِ لفظة توقعها العرب على أول أمر رجع إليه من آخره، يقال: عاد فلان في الحافرة، إذا ارتكس في حال من الأحوال ومنه قول الشاعر: [الوافر]
أحافرة على صلع وشيب ... معاذ الله من سفه وعار
والمعنى: أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ إلى الحياة بعد مفارقتها بالموت، وقال مجاهد والخليل: الْحافِرَةِ:
الأرض فاعلة بمعنى محفورة، وقيل بل هو على النسب أي ذات حفر، والمراد: القبور لأنها حفرت للموتى، فالمعنى أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ أحياء في قبورنا، وقال زيد بن أسلم: الْحافِرَةِ في النار، وقرأ أبو حيوة «في الحفرة» بغير ألف، فقيل: هو بمعنى الْحافِرَةِ، وقيل هي الأرض المنتنة المتغيرة بأجساد موتاها من قولهم حفرت أسنانه إذا تأكلت وتغير ريحها، و «الناخرة» : المصوتة بالريح المجوفة، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وأخليتها من مخها فكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تنخر
ويروى تصفر وناخرة، هي قراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر وعمر بن الخطاب وابن مسعود وأبيّ بن كعب وابن عباس وابن الزبير ومسروق ومجاهد وجماعة سواهم، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والحسن والأعرج وأبو رجاء وجعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن وابن جبير وأهل مكة وشبل وقتادة وأيوب والنخعي: «نخرة» ، دون ألف بعد النون، ومعناه:
بالية متعفنة قد صارت رميما، يقال: نخر العود والعظم: إذا بلي وصار يتفتت، وحكي عن أبي عبيدة وأبي حاتم والفراء وغيرهم أن الناخرة والنخرة بمعنى واحد كطامع وطمع وحاذر وحذر، والأكثر من الناس على ما قدمناه. قال أبو عمرو بن العلاء: «الناخرة» التي لم تنخر بعد والنخرة التي قد بليت.
قوله :
[سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١٢ الى ٢٤]
قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦)
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١)
ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)
ذكر الله تعالى عنهم قولهم: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ وذلك أنهم لتكذيبهم بالبعث، وإنكارهم، قالوا: لو كان هذا حقا، لكانت كرتنا ورجعتنا خاسرة وذلك لهم إذ هي النار، وقال الحسن: خاسِرَةٌ معناه: كاذبة أي ليست بكائنة، وروي أن بعض صناديد مكة قال ذلك، ثم أخبر الله تعالى عن حال القيامة، فقال فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، أي نفخة في الصور فإذا الناس قد نشروا وصاروا أحياء على وجه الأرض، وفي قراءة عبد الله «فإنما هي رقة واحدة» ، و «الساهرة» : وجه الأرض، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الوافر]
стр. 2680
وفيها لحم ساهرة وبحر ... وما فاهوا به فلهم مقيم
وقال وهب بن منبه: «الساهرة» : جبل بالشام يمده الله لحشر الناس يوم القيامة كيف شاء، وقال أبو العالية وسفيان: «الساهرة» : أرض قريبة من بيت المقدس، وقال قتادة: «الساهرة» : جهنم، لأنه لا نوم لمن فيها وقال ابن عباس: «الساهرة» : أرض مكة، وقال الزهري: «الساهرة» : الأرض كلها، ثم وقف تعالى نبيه محمدا ﷺ على جهة جمع النفس لتلقي الحديث، فقال: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى الآية، و «الوادي المقدس» : واد بالشام، قال منذر بن سعيد: هو بين المدينة ومصر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والأعمش وابن إسحاق: «طوى» بكسر الطاء منونة، ورويت عن عاصم، وقرأ الجمهور: «طوى» بضمها، وأجرى بعض القراء «طوى» وترك إجراءه ابن كثير وأبو عمرو ونافع وجماعة، وقد تقدم شرح اللفظة في سورة طه. وقوله تعالى: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ تفسير النداء الذي ناداه به، ويحتمل أن يكون المعنى قال اذْهَبْ وفي هذه الألفاظ استدعاء حسن، وذلك أنه أمر أن يقول به: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى، وهذا قول جواب كل عاقل عنده نعم أريد أن أتزكى، والتزكي هو التطهر من النقائص، والتلبس بالفضائل، وفسر بعضهم: تَزَكَّى بتسلم وفسرها بقول: لا إله إلا الله، وهذا تخصيص وما ذكرناه يعم جميع هذا، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بخلاف عنه: «تزّكى» بشد الزاي، وقرأ الباقون: «تزكى» بتخفيف الزاي، ثم أمر موسى أن يفسر له التزكي الذي دعاه إليه بقوله: وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى، والعلم تابع للهدى والخشية تابعة للعلم، إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] ، والْآيَةَ الْكُبْرى: العصا واليد، قاله مجاهد وغيره، وهما نصب موسى للتحدي فوقعت المعارضة في الواحدة وانقلب فيها فريق الباطل. وقال بعض المفسرين: أَدْبَرَ يَسْعى حقيقة قام من موضعه موليا فارا بنفسه عن مجالسة موسى ﵇، وقال مجاهد: أَدْبَرَ كناية عن إعراضه عن الإيمان، ويَسْعى معناه:
يتحذم حل أمر موسى ﵇ والرد في وجه شرعه، وقوله فَحَشَرَ معناه: جمع أهل مملكته ثم ناداهم بقوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى. وروي عن ابن عباس أنه قال: المعنى: فنادى فحشر، وقوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى نهاية في المخرقة ونحوها باق في ملوك مصر وأتباعهم.
قوله :
[سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٢٥ الى ٣٦]
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩)
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤)
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦)
نَكالَ منصوب على المصدر، قال قوم الْآخِرَةِ قوله: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] ، والْأُولى قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] ، وروي أنه مكث بعد قوله:
стр. 2681
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] أربعين سنة، وقيل هذه المدة بين الكلمتين، وقال ابن عباس:
الْأُولى قوله: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] ، والْآخِرَةِ قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] . وقال أبو زيد: الْأُولى كفره وعصيانه، والْآخِرَةِ قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات:
٢٤] وقال ابن زيد: الْأُولى الدنيا، والْآخِرَةِ: الدار الآخرة، أي أخذه الله بعذاب جهنم وبالغرق في الدنيا، وقال مجاهد: عبارة عن أول معاصيه وكفره وآخرها أي نكل بالجميع، ونَكالَ نصب على المصدر، والعامل فيه على رأي سيبويه «أخذ» لأنه في معناه، وعلى رأي أبي العباس المبرد فعل مضمر من لفظ نَكالَ، ثم وقف تعالى على موضع العبرة بحال فرعون وتعذيبه، وفي الكلام وعيد للكفار المخاطبين برسالة محمد ﵇، ثم وقفهم مخاطبة منه تعالى للعالم والمقصد الكفار، ويحتمل أن يكون المعنى: قل لهم يا محمد أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً الآية، وفي هذه الآية دليل على أن بعث الأجساد من القبور لا يتعذر على قدرة الله تعالى، و «السمك» : الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها، وقوله تعالى: فَسَوَّاها يحتمل أن يريد جعلها ملساء مستوية ليس فيها مرتفع ومنخفض، ويحتمل أن يكون عبارة عن إتقان خلقها ولا يقصد معنى إملاس سطحها والله تعالى أعلم كيف هي.
وَأَغْطَشَ معناه: أظلم، والأغطش الأعمى ومنه قول الشاعر [الأعشى] : [المتقارب]
نحرت لهم موهنا ناقتي ... وليلهم مدلهمّ غطش
ونسب الليل والضحى إليها من حيث هما ظاهران منها وفيها، وقوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها متوجه على أن الله تعالى خلق الأرض ولم يدحها، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فخلقها وبناها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقرأ مجاهد: و «الأرض مع ذلك» ، وقال قوم: إن بَعْدَ ذلِكَ معناه مع ذلك، والذي قلناه تترتب عليه آيات القرآن كلها، ونسب الماء والمرعى إلى الأرض حيث هما يظهران فيها، ودحو الأرض بسطها ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل]
دار دحاها ثم أسكننا بها ... وأقام بالأخرى التي هي أمجد
وقرأ الجمهور: «والأرض» نصبا، وقرأ الحسن وعيسى: «والأرض» بالرفع، وقرأ الجمهور:
و «الجبال» نصبا، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: «والجبال» رفعا، وأَرْساها معناه: أثبتها، وجمع هذه النعم إذا تدبرت فهي متاع للناس، و «الأنعام» يتمتعون فيها وبها، وقرأ الجمهور: «متاعا» بالنصب، وقرأ ابن أبي عبلة: «متاع» بالرفع، والطَّامَّةُ الْكُبْرى هي القيامة، قاله ابن عباس والضحاك، وقال الحسن وابن عباس أيضا: النفخة الثانية، وقوله: ما سَعى معناه: ما عمل من سائر عمله، ويتذكر ذلك بما يرى من جزائه، وقرأ جمهور الناس: «وبرّزت» بضم الباء وشد الراء المكسورة، وقرأ عكرمة ومالك بن دينار وعائشة: «وبرزت» بفتح الباء والراء، وقرأ جمهور الناس: «لمن يرى» بالياء أي لمن يبصر ويحصل، وقرأ عكرمة ومالك بن دينار وعائشة: «لمن ترى» بالتاء أي تراه أنت، فالإشارة إلى كفار مكة أو إشارة إلى الناس، والمقصد كفار مكة، ويحتمل أن يكون المعنى: لمن تراه الجحيم كما قال تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [الفرقان: ١٢] وقرأ ابن مسعود: «لمن رأى» على فعل ماض.
стр. 2682
قوله :
[سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٣٧ الى ٤٦]
فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١)
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)
طَغى معناه: تجاوز الحدود التي ينبغي للإنسان أن يقف عندها بأن كفر وآثر الحياة الدنيا على الآخرة لتكذيبه بالآخرة. والْمَأْوى والمسكن حيث يأوي المرء ويلازم، ومَقامَ رَبِّهِ هو القيامة، وإنما المراد مقامه بين يدي ربه، فأضاف المقام إلى الله من حيث بين يديه وفي ذلك تفخيم للمقام وتعظيم لهوله وموقعه من النفوس، قال ابن عباس: المعنى خافه عند المعصية فانتهى عنها، والْهَوى:
هو شهوات النفس وما جرى مجراها، وأكثر استعماله إنما هو في غير المحمود، قال سهل التستري: لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين، وقال بعض الحكماء: إذا أردت الصواب فانظر هواك فخالفه، وقال الفضيل: أفضل الأعمال خلاف الهوى، وقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ الآية نزلت بسبب أن قريشا كانت تلح في البعث عن وقت الساعة التي كان رسول الله ﷺ يخبرهم بها ويتوعدهم بها ويكثر من ذلك، و: أَيَّانَ مُرْساها معناه: متى ثبوتها ووقت رسوها أي ثبوتها كأنه يسر إلى غاية ما ثم يقف كما تفعل السفينة التي ترسو. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: «إيان» بكسر الألف. ثم قال لنبيه ﵇ على جهة التوقيف فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها أي من ذكر تحديدها ووقتها أي لست من ذلك في شيء إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ، وقالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يسأل عن الساعة كثيرا، فلما نزلت هذه الآية انتهى. وقرأ أبو جعفر وعمر بن عبد العزيز وأبو عمرو بخلاف، وابن محيصن والأعرج وطلحة وعيسى: «منذر» بتنوين الراء، وقرأ جمهور القراء: «منذر» بإضافة «منذر» إلى مَنْ، ثم قرب تعالى أمر الساعة بإخباره أن الإنسان عند رؤيته إياها لم يلبث إلا عشية يوم أو بكرته، فأضاف الضحى إلى العشية من حيث هما طرفان للنهار، وقد بدأ بذكر أحدهما فأضاف الآخر إليه تجوزا وإيجازا.
نجز تفسير النَّازِعاتِ والحمد لله كثيرا.
стр. 2683
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة عبس
وهي مكية بإجماع المفسرين، قصص هذه السورة التي لا تتفهم السورة إلا به أن رسول الله ﷺ كان شديد الحرص على إسلام قريش وأشرافهم، وكان يتحفى بدعائهم إلى الله تعالى، فبينما هو يوما مع رجل من عظمائهم قيل الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيل عتيبة بن ربيعة، وقيل شيبة وقيل العباس، وقيل أمية بن خلف، وقال ابن عباس: كان في جمع منهم فيهم عتبة والعباس وأبو جهل إذ أقبل عبد الله بن أم مكتوم القرشي الفهري من بني عامر بن لؤي وهو رجل أعمى يقوده رجل آخر فأومأ رسول الله ﷺ إلى قائده أن يؤخر عنه ففعل فدفعه عبد الله نحو رسول الله ﷺ ، وقال: استدنني يا محمد، علمني مما علمك الله، وكان في ذلك كله قطع لحديث رسول الله ﷺ مع الرجل المذكور من قريش، وكان رسول الله ﷺ قد قرأ عليه القرآن، ثم قال له: أترى بما أقول بأسا، فكان ذلك الرجل يقول: لا والدمى يعني الأصنام، ويروى: لا والدماء، يعني الذبائح للأصنام، فلما شغب عليه أمر عبد الله بن أم مكتوم عبس وأعرض عنه، وذهب ذلك الرجل فروي أن النبي ﷺ انصرف إلى بيته فلوى رأسه وشخص بصره، وأنزلت عليه هذه السورة. قال سفيان الثوري: فكان بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم بسط له رداءه، وقال له أنس بن مالك: رأيته يوم القادسية وعليه درع ومعه راية سوداء، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة مرتين.
قوله :
[سورة عبس (٨٠) : الآيات ١ الى ١٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩)
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧)
«العبوس» : تقطب الوجه واربداده عند كراهية أمر، وفي مخاطبته بلفظ ذكر الغائب مبالغة في العتب لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال كثير من العلماء وابن زيد وعائشة وغيرها من الصحابة: لو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا من الوحي، لكتم هذه الآيات، وآيات قصة زيد وزينب بنت جحش،
стр. 2684
و «التولي» : هنا الإعراض، وأَنْ: مفعول من أجله، وقرأ الحسن أَنْ جاءَهُ بمدة تقرير وتوقيف والوقف مع هذه القراءة على تَوَلَّى وهي قراءة عيسى. وذكر الله تعالى ابن مكتوم بصفة العمى ليظهر المعنى الذي شأن البشر احتقاره، وبين أمره بذكر ضده من غنى ذلك الكافر، وفي ذلك دليل على أن ذكر هذه العاهات متى كانت المنفعة أو لأن شهرتها تعرف السامع صاحبها دون لبس جائز، ومنه قول المحدثين سلمان الأعمش وعبد الرحمن الأعرج وسالم الأفطس ونحو هذا.
ومتى ذكرت هذه الأشياء على جهة التنقيص فتلك الغيبة، وقد سمع رسول الله ﷺ عائشة تذكر امرأة، فقالت: إنها القصيرة. فقال لها: لقد قلت كلمة لو مزجت بالبحر لمزجته ثم خاطب تعالى نبيه فقال: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أي وما يطلعك على أمره وعقبى حاله، ثم ابتدأ القول: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أي تنمو بركته وتطهره لله وينفعه إيمانه، وأصل يَزَّكَّى: يتزكى، فأدغم التاء في الزاي وكذلك يَذَّكَّرُ، وقرأ الأعرج. «يذكر» بسكون الذال وضم الكاف، ورويت عن عاصم، وقرأ جمهور السبعة: «فتنفعه» بضم العين على العطف، وقرأ عاصم وحده والأعرج: «فتنفعه» بالنصب في جواب التمني، لأن قوله أَوْ يَذَّكَّرُ في حكم قوله: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، ثم أكد تعالى عتب نبيه ﵇ بقوله: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى أي بماله، و: تَصَدَّى معناه: تتعرض بنفسك، وقرأ ابن كثير ونافع: «تصدى» بشد الصاد على إدغام التاء، وقرأ الباقون والأعرج والحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى والأعمش: «تصدى» ، بتخفيف الصاد على حذف التاء وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «تصدى» ، بضم التاء وتخفيف الصاد على بناء الفعل للمجهول، أي تصديك حرصك على هؤلاء الكفار أن يسلموا، تقول: تصدى الرجل وصديته، كما تقول: تكسب وكسبته، ثم قال تعالى محتقرا لشأن الكفار: وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وما يضرك ألا يفلح، فهذا حض على الإعراض عن أمرهم، وترك الاكتراث بهم، ثم قال مبالغا في العتب: وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى أي يمشي، وقيل المعنى: يَسْعى في شؤونه وأمر دينه وتقربه منك، وَهُوَ يَخْشى الله تعالى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، أي تشتغل، تقول لهيت عن الشيء ألهى إذا اشتغلت وليس من اللهو الذي هو من ذوات الواو، وإما أن المعنى يتداخل، وقرأ الجمهور من القراء: «تلهى» بفتح التاء على حذف التاء الواحدة، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه، «تلهى» بالإدغام، وقرأ طلحة بن مصرف: «تتلهى» بتاءين، وروي عنه «تلهى» بفتح التاء وسكون اللام وتخفيف الهاء المفتوحة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «تلهى» بضم التاء وسكون اللام أي يلهيك حرصك على أولئك الكفار، وفي حديث النبي ﷺ : «وما استأثر الله به فاله عنه» ، وقوله تعالى في هاتين: وَأَمَّا مَنْ فالسبب ما ذكر من كفار قريش وعبد الله بن أم مكتوم، ثم هي بعد تتناول من شركهم في هذه الأوصاف، فحمله الشرع والعلم مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير وتقديمه على الشريف العاري من الخير، بمثل ما خوطب به النبي ﷺ في هذه السورة، ثم قال: كَلَّا يا محمد أي ليس الأمر في حقه كما فعلت إن هذه السورة والقراءة التي كنت فيها مع ذلك الكافر تَذْكِرَةٌ لجميع العالم لا يؤثر فيها أحد دون أحد، وقيل المعنى أن هذه المعتبة تذكرة لك يا محمد ففي هذا التأويل إجلال لمحمد ﷺ وتأنيس له، وقوله تعالى: فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ يتضمن وعدا ووعيدا على نحو قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ
стр. 2685
إِلى رَبِّهِ مَآباً
[النبأ: ٣٩] وقوله تعالى: فِي صُحُفٍ يتعلق بقوله: إِنَّها تَذْكِرَةٌ، وهذا يؤيد أن التذكرة يراد بها جميع القرآن، وقال بعض المتأولين: الصحف هنا اللوح المحفوظ، وقيل: صحف الأنبياء المنزلة، وقيل: مصاحف المسلمين، واختلف الناس في «السفرة» ، فقال ابن عباس: هم الملائكة لأنهم كتبة يقال: سفرت أي كتبت، ومنه السفر، وقال ابن عباس أيضا: الملائكة سفرة لأنهم يسفرون بين الله تعالى وبين أنبيائه، وقال قتادة: هم القراء وواحد السفرة سافر، وقال وهب بن منبه: هم الصحابة لأنهم بعضهم يسفر إلى بعض في الخبر والتعلم، والقول الأول أرجح، ومن اللفظة قول الشاعر: [الوافر] .
وما أدع السفارة بين قومي ... وما أسعى بغش إن مشيت
و «الصحف» على هذا صحف عند الملائكة أو اللوح، وعلى القول الآخر هي المصاحف، وقوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ دعاء على اسم الجنس وهو عموم يراد به الخصوص، والمعنى: قتل الإنسان الكافر، ومعنى قُتِلَ أي هو أهل أن يدعى عليه بهذا، وقال مجاهد: قُتِلَ بمعنى لعن، وهذا تحكم، وقوله تعالى: ما أَكْفَرَهُ يحتمل معنى التعجب، ويحتمل معنى الاستفهام توقيفا أي أيّ شيء أَكْفَرَهُ أي جعله كافرا، وقيل إن هذه الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب، وذلك أنه غاضب أباه فأتى النبي ﷺ ثم إن أباه استصلحه وأعطاه مالا وجهزه إلى الشام، فبعث عتبة إلى النبي ﷺ وقال: إني كافر برب النجم إذا هوى، فيروى أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم ابعث عليه كلبك حتى يأكله» ، ويروى أنه قال: «ما يخاف أن يرسل الله عليك كلبه» ، ثم إن عتبة خرج في سفرة فجاء الأسد فأكله بين الرفقة.
قوله :
[سورة عبس (٨٠) : الآيات ١٨ الى ٣٢]
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)
كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧)
وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)
قوله تعالى: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ استفهام على معنى التقرير على تفاهة الشيء الذي خلق الإنسان منه، وهي عبارة تصلح للتحقير والتعظيم والقرينة تبين الغرض، وهذا نظير قوله: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ [المرسلات: ١٣] واللفظ المشار إليه ماء الرجل وماء المرأة، وقرأ جمهور الناس: «فقدّره» بشد الدال، وقرأ بعض القراء: «فقدره» بتخفيفها، والمعنى جعله بقدر واحد معلوم من الأعضاء والخلق والأجل وغير ذلك من أنحائه حسب إرادته تعالى في إنسان إنسان، واختلف المتأولون في معنى قوله: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ فقال ابن عباس وقتادة وأبو صالح والسدي: هي سبيل الخروج من بطن المرأة ورحمها، وقال الحسن ما معناه: إن السَّبِيلَ هي سبيل النظر القويم المؤدي إلى الإيمان، وتيسره له هو هبة العقل، وقال
стр. 2686
مجاهد: أراد السَّبِيلَ عامة اسم الجنس في هدى وضلال أي يسر قوما لهذا كقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان: ٣] ، وقوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] وقوله تعالى:
فَأَقْبَرَهُ معناه أمر أن يجعل له قبر، وفي ذلك تكريم لئلا يطرح كسائر الحيوان، والقابر هو الذي يتناول جعل الميت في قبره، والمقبر الذي يأمر بقبر الميت، ويقرره، وأَنْشَرَهُ معناه: أحياه، يقال: نشر الميت وأنشره الله، وقوله: إِذا شاءَ يريد إذا بلغ الوقت الذي شاءه وهو يوم القيامة، وقرأ بعض القراء:
شاءَ أَنْشَرَهُ بتحقيق الهمزتين، وقرأ جمهور الناس: شاءَ أَنْشَرَهُ بمدة وتسهيل الهمزة الأولى، وقرأ شعيب بن أبي حمزة: «شاء نشره» ، وقرأ الأعمش: «شاء انشره» بهمزة واحدة، وقوله تعالى: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ رد لما عسى أن للكفار من الاعتراضات في هذه الأقوال المسرودة ونفي مؤكد لطاعة الإنسان لربه وإثبات أنه ترك حق الله تعالى، ولم يقض ما أمره، قال مجاهد: لا يقضي أحد أبدا ما افترض عليه، ثم أمر تعالى الإنسان بالعبرة والنظر إلى طعامه والدليل فيه، وذهب أبيّ بن كعب وابن عباس والحسن ومجاهد وغيره إلى أن المراد إِلى طَعامِهِ إذا صار رجيعا ليتأمل حيث تصير عاقبة الدنيا، وعلى أي شيء يتفانى أهلها وتستدير رحاها، وهذا نظير ما روي عن ابن عمر: أن الإنسان إذا أحدث فإن ملكا يأخذ بناصيته عند فراغه فيرد بصره إلى نحوه موقفا له ومعجبا فينفع ذلك من له عقل، وذهب الجمهور إلى أن معنى الآية: فلينظر إلى مطعوماته وكيف يسرها الله تعالى له بهذه الوسائط المذكورة من صب الماء وشق الأرض، ويروى أن رجلا أضافه عابد فقدم إليه رغيفا قفارا فكأن الرجل استخشنه فقال له: كله فإن الله تعالى لم ينعم به وكمله حتى سخر فيه ثلاثمائة وستين عاملا الماء والريح والشمس ثلاثة من ذلك، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «أنّا صببنا» بفتح الألف على البدل وهي قراءة الأعرج وابن وثاب والأعمش، ورد على هذا الإعراب قوم بأن الثاني ليس الأول وليس كما ردوا لأن المعنى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إلى إنعامنا في طعامه فترتب البدل وصح، «وأنا» في موضع خفض، وقرأ الجمهور: «إنا» بكسر الألف على استئناف تفسير الطعام، وقرأ بعض القراء: «أنى» بمعنى كيف ذكرها أبو حاتم، و «صب الماء» : هو المطر، و «شق الأرض» : هو بالنبات، و «الحب» : جمع حبة بفتح الحاء وهو كل ما يتخذه الناس ويربونه كالقمح والشعير ونحوه، والحبة بكسر الحاء كل ما ينبت من البزور ولا يحفل به ولا هو بمتخذ، و «القضب» قال بعض اللغويين: هي الفصافص، وهذا عندي ضعيف، لأن الفصافص هي للبهائم فهي دخل في الأبّ، وقال أبو عبيدة: «القضب» الرطبة، قال ثعلب: لأنه يقضب كل يوم. والذي أقوله إن «القضب» هنا هو كل ما يقضب ليأكله ابن آدم، وغضا من النبات كالبقول والهليون ونحوه، فإنه من المطعوم جزء عظيم ولا ذكر له في الآية إلا في هذه اللفظة، والغلب الغلاظ الناعمة، و «الحديقة» الشجر الذي قد أحدق بجدار أو نحوه، و «الأبّ» : المرعى قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة، وقال الضحاك: «الأبّ» : التبن، وفي اللفظة غرابة وقد توقف في تفسيرها أبو بكر وعمر ﵄، ومَتاعاً نصب على المصدر، والمعنى تتمتعون به أنتم وأنعامكم، فابن آدم في السبعة المذكورة والأنعام في الأبّ.
стр. 2687
قوله :
[سورة عبس (٨٠) : الآيات ٣٣ الى ٤٢]
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)
الصَّاخَّةُ: اسم من أسماء القيامة، واللفظة في حقيقتها إنما هي لنفخة الصور التي تصخ الآذان أي تصمها، ويستعمل هذا اللفظ في الداهية التي يصم نبؤها الآذان لصعوبته، وهذه استعارة وكذلك في الصيحة المفرطة التي يصعب وقعها على الأذن، ثم ذكر تعالى فرار المرء من القوم الذين معهودهم أن لا يفر عنهم في الشدائد، ثم رتبهم تعالى الأول فالأول محبة وحنوا، وقرأ أبو أناس جوية «من أخيه وأمه وأبيه» بضم الهاء في كلها، وقال منذر بن سعيد وغيره: هذا الفرار هو خوف من أن يتبع بعضهم بعضا بتبعات إذ الملابسة تعلق المطالبة، وقال جمهور الناس: إنما ذلك لشدة الهول على نحو ما روي أن الرسل تقول يومئذ نفسي نفسي لا أسألك غيري، و «الشأن الذي يغنيه» : هو فكرة في سيئاته وخوفه على نفسه من التخليد في النار، والمعنى يُغْنِيهِ عن اللقاء مع غيره والفكرة في أمره، قال قتادة: أفضى كل إنسان إلى ما يشغله عن غيره. وقال النبي ﷺ لعائشة: «لا يضرك في القيامة كان عليك ثياب أم لا» ، وقرأ هذه الآية وقال نحوه: لسودة، وقد قالتا: وا سوأتاه ينظر بعض الناس إلى بعض يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس:
«يغنيه» بالغين منقوطة وضم الياء على ما فسرناه، وقرأ ابن محيصن والزهري وابن السميفع: «يعنيه» بفتح الياء والعين غير منقوطة من قولك عناني الأمر أي قصدني وأردني. ثم ذكر تعالى اختلاف الوجوه من المؤمنين الواثقين برحمة الله حين بدت لهم تباشيرها من الكفار، ومُسْفِرَةٌ: معناه: نيرة باد ضوؤها وسرورها، وتَرْهَقُها معناه تلح عليها، و: «القترة» الغبار و «الغبرة» الأولى إنما هي العبوس والهم كما يرى على وجه المهموم والميت والمريض شبه الغبار، وأما «القترة» : فغبار الأرض ويقال إن ذلك يغشاهم من التراب الذي تعوده البهائم، ثم فسر تعالى أصحاب هذه الوجوه المغبرة بأنهم الكفرة قريش يومئذ ومن جرى مجراهم قديما وحديثا.
نجز تفسير سورة عَبَسَ والحمد الله كثيرا.
стр. 2688
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة التّكوير
وهي مكية بإجماع من المتأولين.
قوله :
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)
هذه كلها أوصاف يوم القيامة، و «تكوير الشمس» : هو أن تدار ويذهب بها إلى حيث شاء الله كما يدار كور العمامة، وعبر المفسرون عن ذلك بعبارات، فمنهم من قال: ذهب نورها قاله قتادة، ومنهم من قال: رمي بها، قاله الربيع بن خيثم وغير ذلك مما هو أشياء توابع لتكويرها، و «انكدار النجوم» : هو انقضاضها وهبوطها من مواضعها، ومنه قول الراجز [العجاج] : [الرجز]
أبصر خربان فلاة فانكدر ... تقضّي البازي إذا البازي كسر
وقال ابن عباس: انْكَدَرَتْ: تغيرت، من قولهم: ماء كدر، أي متغير اللون، وتسيير الجبال هو قبل نسفها، وإنما ذلك في صدر هول القيامة، و: الْعِشارُ جمع عشراء وهي الناقة التي قد مر لحملها عشرة أشهر، وهي أنفس ما عند العرب وتهممهم بها عظيم للرغبة في نسلها، فإنها تعطل عند أشد الأهوال، وقرأ مضر عن اليزيدي: «عطلت» بتخفيف الطاء، و «حشر الوحوش» : جمعها، واختلف الناس في هذا الجمع ما هو؟ فقال ابن عباس: حُشِرَتْ بالموت لا تبعث في القيامة ولا يحضر في القيامة غير الثقلين، وقال قتادة وجماعة: حُشِرَتْ للجمع يوم القيامة، ويقتص للجماء من القرناء فجعلوا ألفاظ هذا الحديث حقيقة لا مجازا مثالا في العدل. وقال أبيّ بن كعب: حُشِرَتْ في الدنيا في أول هول يوم القيامة فإنها تفر في الأرض وتجتمع إلى بني آدم تأنيسا بهم، وقرأ الحسن: «حشرت» بشد الشين على المبالغة، و «تسجير البحار» ، قال قتادة والضحاك معناه: فرغت من مائها وذهب حيث شاء الله وقال الحسن: يبست، وقال الربيع بن خيثم معناه: ملئت، وفاضت وفجرت من أعاليها، وقال أبي بن كعب وابن عباس وسفيان
стр. 2689
ووهب وابن زيد: معناه: أضرمت نارا كما يسجر التنور، وقال ابن عباس: جهنم في البحر الأخضر، ويحتمل أن يكون المعنى ملكت، وقيد اضطرابها حتى لا تخرج على الأرض بسبب الهول فتكون اللفظة مأخوذة من ساجور الكلب، وقيل: هذه مجاز في جهنم، تسجر يوم القيامة وقد تقدم نظير هذه الأقوال منصوصة لأهل العلم في تفسير قوله تعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [الطور: ٦] . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سجرت» بتخفيف الجيم، وقرأ الباقون: بشدها، وهي مترجحة بكون البحار جميعا كما قال كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [الإسراء: ١٣] ، وكما قال: صُحُفاً مُنَشَّرَةً [المدثر: ٥٢] ، ومثله قَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج: ٤٥] وبُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: ٧٨] ، لأنها جماعة، وذهب قوم من الملحدين إلى أن هذه الأشياء المذكورة استعارات في كل ابن آدم وأحواله عند موته، والشمس نفسه والنجوم عيناه وحواسه، والعشار ساقاه، وهذا قول سوء وخيم غث ذاهب إلى إثبات الرموز في كتاب الله تعالى، و «تزويج النفوس» : هو تنويعها، لأن الأزواج هي الأنواع والمعنى: جعل الكافر مع الكافر والمؤمن مع المؤمن وكل شكل مع شكله، رواه النعمان بن بشير عن النبي ﷺ ، وقاله عمر بن الخطاب وابن عباس، وقال: هذا نظير قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] وفي الآية على هذا حض على خليل الخبر، فقد قال ﵇: «المرء مع من أحب» ، وقال: «فلينظر أحدكم من يخالل» ، وقال الله تعالى:
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] ، وقال مقاتل بن سليمان: زوجت نفوس المؤمنين بزوجاتهم من الحور وغيرهن. وقال عكرمة والضحاك والشعبي: زوجت الأرواح الأجساد، وقرأ عاصم: «زوجت» غير مدغم، والْمَوْؤُدَةُ: اسم معناه المثقل عليها، ومنه: وَلا يَؤُدُهُ [البقرة: ٢٥٥] ومنه اتأد، أي توقد، وأثقل وعرف هذا الاسم في البنات اللواتي كان قوم من العرب يدفنونهن أحياء يحفر الرجل شبه البر أو القبر ثم يسوق ابنته فيلقيها فيها، وإذا كانت صغيرة جدا خدّ لها في الأرض ودفنها، وبعضهم: كان يفعل ذلك خشية الإملاق وعدم المال، وبعضهم: غيرة وكراهية للبنات وجهالة. وقرأ الجمهور: «الموءودة» بالهمز من وأد في حرف ابن مسعود: «وإذا الماودة» ، وقرأ البزي:
«الموودة» بضم الواو الأولى وتسهيل الهمزة، وقرأ الأعمش: «المودة» بسكون الواو على وزن: الفعلة، وقرأ بعض السلف: «المودّة» بفتح الواو والدال المشددة، جعل البنت مودة، وقرأ جمهور الناس: «سئلت» ، وهذا على جهة التوبيخ للعرب الفاعلين ذلك، لأنها تسأل ليصير الأمر إلى سؤال الفاعل، ويحتمل أن تكون مسؤولة عنها مطلوبا الجواب منهم. كما قال تعالى: إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [الإسراء: ٣٤] ، وكما يسأل التراث والحقوق.
وقرأ ابن عباس وأبيّ بن كعب وجابر بن زيد وأبو الضحى ومجاهد وجماعة كثيرة منهم ابن مسعود والربيع بن خيثم: «سألت» ، ثم اختلف هؤلاء فقرأ أكثرهم: «قتلت» بفتح التاء وسكون اللام، وقرأ أبو جعفر: «قتّلت» بشد التاء على المبالغة، وقرأ ابن عباس وجابر وأبو الضحى ومجاهد:
«قتلت» بسكون اللام وضم التاء، وقرأ الأعرج والحسن: «سيلت» بكسر السين وفتح اللام دون همز، واستدل ابن عباس بهذه الآية في أن أولاد المشركين في الجنة لأن الله تعالى قد انتصر لهم من ظلمهم، و «الصحف المنشورة» : قيل هي صحف الأعمال تنشر ليقرأ كل امرئ كتابه، وقيل هي
стр. 2690
الصحف التي تتطاير بالأيمان، والشمائل بالجزاء، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج والحسن وأبو رجاء وقتادة: «نشرت» بتخفيف الشين المكسورة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي:
«نشّرت» بشد الشين على المبالغة، و «الكشط» : التقشير، وذلك كما يكشط جلد الشاة حين تسلخ، و «كشط السماء» : هو طيها كطي السجل، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «قشطت» بالقاف وهما بمعنى واحد، وسُعِّرَتْ معناه: أضرمت نارها، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: «سعرت» بشد العين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: بتخفيفها وهي قراءة علي بن أبي طالب ﵁. وقال قتادة: سعرها غضب الله تعالى وذنوب بني آدم وأُزْلِفَتْ الجنة معناه: قربت ليدخلها المؤمنون، وقرأ عمر بن الخطاب وجماعة من المفسرين إلى هذين، انتهى الحديث وذلك أن الغرض المقصود بقوله وَإِذَا وَإِذَا في جميع ما ذكر إما تم بقوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ، أي ما أحضرت من شر فدخلت به جهنم أو من خير فدخلت به الجنة، ونَفْسٌ هنا اسم جنس، أي عملت النفوس ووقع الإفراد لتنبيه الذهن على حقارة المرء الواحد وقلة دفاعه عن نفسه.
قوله :
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١٥ الى ٢٩]
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)
قوله تعالى: فَلا إما أم تكون «لا» زائدة، وإما أن يكون رد القول قريش في تكذيبهم بنبوة محمد ﵇، وقولهم إنه ساحر وكاهن ونحو ذلك، ثم أقسم الله تعالى بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ فقال جمهور المفسرين: إن ذلك الدراري السبعة: الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والزهرة والمشتري، وقال علي بن أبي طالب: المراد الخمسة دون الشمس والقمر. وذلك أن هذه الكواكب تخنس في جريها أي تتقهقر فيما ترى العين، وهو جوار في السماء، وأثبت يعقوب الياء في «الجواري» في الوقف وحذفها الباقون وهي تكنس في أبراجها أي تستتر، وقال علي بن أبي طالب أيضا والحسن وقتادة: المراد النجوم كلها لأنها تخنس بالنهار حين تختفي، وقال عبد الله بن مسعود والنخعي وجابر بن زيد وجماعة من المفسرين: المراد بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ: بقر الوحش لأنها تفعل هذه الأفعال في كناسها وهي المواضع التي تأوي إليها من الشجر والغيران ونحوه، وقال ابن عباس وابن جبير والضحاك: هي الظباء، وذهب هؤلاء في الخنس إلى أنه من صفة الأنوف لأنها يلزمها الخنس، وكذلك هي بقر الوحش أيضا ومن ذلك قول الشاعر [الطويل]
سوى نار بض أو غزال صريمة ... أغن من الخنس المناخر توأم
стр. 2691
«وعسعس الليل» في اللغة: إذا كان غير مستحكم الإظلام، وقال الحسن بن أبي الحسن: ذلك في وقت إقباله وبه وقع القسم، وقال زيد بن أسلم وابن عباس ومجاهد وقتادة: ذلك عند إدباره وبه وقع القسم، ويرجح هذا قوله بعد: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ، فكأنهما حالان متصلتان ويشهد له قول علقمة بن قرط:
[الرجز]
حتى إذا الصبح لها تنفّسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا
وقال المبرد أبو العباس: أقسم بإقباله وإدباره، قال الخليل: يقال عسعس الليل وسعسع إذا أقبل وأدبر، و «تنفس الصبح» : استطار واتسع ضوؤه، وقال علوان بن قس: [الطويل]
وليل دجوجي تنفس فجره ... لهم بعد أن خالوه لن يتنفسا
والضمير في إِنَّهُ للقرآن، و «الرسول الكريم» في قول جمهور المتأولين: جبريل ﵇، وقال آخرون: هو محمد ﵇ في الآية، والقول الأول أصح، وكَرِيمٍ في هذه الآية يقتضي رفع المذام، ثم وصفه بقوة منحه الله إياها، واختلف الناس في تعليق: عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ، فذهب بعض المتأولين إلى تعلقه بقوله: ذِي قُوَّةٍ، وذهب آخرون إلى أن الكلام تم في قوله: ذِي قُوَّةٍ وتعلق الظرف: ب مَكِينٍ، ومَكِينٍ معناه: له مكانة ورفعة، وقوله تعالى: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ أي مقبول القول مصدق بقوله مؤتمن على ما يرسل به، ويؤدي من وحي وامتثال أمر، وقرأ أبو جعفر: «ثم أمين» بضم الثاء، وذكر الله تعالى نفسه بالإضافة إلى عرشه تنبيها على عظم ملكوته، وأجمع المفسرون على أن قوله: وَما صاحِبُكُمْ يراد به محمد ﷺ ، والضمير في رَآهُ: جبريل ﵇، وهذه الرؤية التي كانت بعد أمر غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض. وقيل هذه الرؤيا التي رآه عند سدرة المنتهى في الإسراء، وسمى ذلك الموضع أفقا مجازا، وقد كانت لرسول الله ﷺ رؤية ثانية بالمدينة، وليست هذه، ووصف الأفق ب الْمُبِينِ، لأنه كان بالشرق من حيث تطلع الشمس، قاله قتادة، وأيضا فكل أفق فهو في غاية البيان، وقوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ بالضاد بمعنى: بخيل أي يشح به، ولا يبلغ ما قيل له، ويبخل كما يفعل الكاهن حتى يعطى حلوانه، وبالضاد هي خطوط المصاحف كلها، فيما قاله الطبري وهي قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة وعثمان بن عفان وابن عباس والحسن وأبي رجاء والأعرج وأبي جعفر وشيبة وجماعة وافرة. وقرأ ابن كثير وعمرو والكسائي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وعائشة وعمر بن عبد العزيز وابن جبير وعروة بن الزبير ومسلم وابن جندب ومجاهد وغيرهم: «بظنين» ، بالظاء أي بمتهم، وهذا في المعنى نظير وصفه ب أَمِينٍ، وقيل معناه: بضعف القوة عن التبليغ من قولهم: بئر ظنون إذا كانت قليلة الماء، ورجح أبو عبيد قراءة: الظاء مشالة لأن قريشا لم تبخل محمدا ﷺ فيما يأتي به وإنما كذبته، فقيل ما هو بمتهم، ثم نفى تعالى عن القرآن أن يكون كلام شيطان على ما قالت قريش: إن محمدا كاهن، ورَجِيمٍ معناه: مرجوم مبعد بالكواكب واللعنة وغير ذلك، وقوله تعالى: فَأَيْنَ
стр. 2692
تَذْهَبُونَ توقيف وتقرير على معنى: أين المذهب لأحد عن هذه الحقائق، و «الذكر» هنا: مصدر بمعنى التذكرة، ثم خصص تعالى من شاء الاستقامة بالذكر تشريفا وتنبيها وذكرا لتكسبهم أفعال الاستقامة، ثم بين تعالى أن تكسب المرء على العموم في استقامة وغيرها إنما يكون مع خلق الله تعالى واختراعه الإيمان في صدر المرء، وروي أنه نزل قوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ فقال أبو جهل: هذا أمر قد وكل إلينا، فإن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فنزلت وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يقول الله تعالى: يا ابن آدم:
تريد وأريد فتتعب فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد.
стр. 2693
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الانفطار
وهي مكية بإجماع.
قوله :
[سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢)
هذه أوصاف يوم القيامة، و «انفطار السماء» : تشققها على غير نظام مقصود إنما هو انشقاق لتزول بنيتها وانتثار الكواكب سقوطها من مواضعها التي هي فيها كنظام، و «تفجير البحار» : يحتمل أن يكون من امتلائها فتفجر من أعاليها وتفيض على ما وليها، ويحتمل أن يكون تفجير تفريع، ويحتمل أن يكون فيضانها، فيذهب الله ماءها حيث شاء، وقيل: فجر بعضها إلى بعض فاختلط العذب بالملح وصارت واحدا، وهذا نحو الاختلاف في سُجِّرَتْ [التكوير: ٦] في السورة التي قبل، وقرأ مجاهد والربيع بن خيثم: «فجرت» بتخفيف الجيم، و «بعثرة القبور» : نبشها عن الموتى الذين فيها، وقوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ هو جواب إِذَا، ونَفْسٌ هنا اسم الجنس وإفرادها لتبين لذهن السامع حقارتها وقلتها وضعفها عن منفعة ذاتها إلا من رحم الله تعالى، وقال كثير من المفسرين في معنى قوله تعالى: ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ إنها عبارة عن جميع الأعمال لأن هذا التقسيم يعم الطاعات المعمولة والمتروكة وكذلك المعاصي. وقال ابن عباس والقرظي محمد بن كعب: ما قَدَّمَتْ في حياتها وما أَخَّرَتْ مما سنته فعمل به بعد موتها، ثم خاطب تعالى جنس ابن آدم على جهة التوبيخ والتنبيه على أي شيء أوجب أن يغتر بربه الكريم فيعصيه ويجعل له ندا وغير ذلك من أنواع الكفر وهو الخالق الموجد بعد العدم، وروي أن النبي ﷺ قرأ: «جهله» وقاله عمر وقرأ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢] ، وقال قتادة: عدوه المسلط عليه، وقال بعض العلماء: غره ستر الله عليه، وقال غيره: غره كرم الله، ولفظة
стр. 2694
الكريم تلقن هذا الجواب، فهذا من لطف الله تعالى لعباده العصاة من المؤمنين، وقرأ ابن جبير والأعمش:
«ما أغرك» على وزن أفعلك، والمعنى ما دعاك إلى الاغترار أن يكون المعنى تعجبا محضا، وقرأ الجمهور: «فعدّلك» بتشديد الدال، وكان ﷺ : إذا نظر إلى الهلال، قال: «آمنت بالذي خلقك فسواك فعدلك» لم يختلف الرواة في شد الدال، وقرأ الكوفيون والحسن وأبو جعفر وطلحة والأعمش وأبو رجاء وعيسى بن عبيد: «فعدلك» بتخفيف الدال، والمعنى عدل أعضاءك بعضها ببعض أي وازن بينها، وقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ، ذهب الجمهور إلى أن فِي متعلقة ب رَكَّبَكَ، أي في قبيحة أو حسنة أو مشوهة أو سليمة ونحو هذا، وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ: بمعنى إلى أي صورة حتى قال بعضهم: المعنى: لم يجعلك في صورة خنزير ولا حمار، وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى: الوعيد والتهديد، أي الذي إن شاء ركبك في صورة حمار أو خنزير أو غيره، وما في قوله: ما شاءَ، زائدة فيها معنى التأكيد، والتركيب والتأليف وجمع الشيء إلى شيء، وروى خارجة عن نافع: «ركبك كلا» بإدغام الكاف في الكاف، ثم رد على سائر أقوالهم ورد عنها بقوله: كَلَّا، ثم أثبت لهم تكذيبهم بالدين، وهذا الخطاب عام ومعناه الخصوص في الكفار، وقرأ جمهور الناس: «تكذبون» بالتاء من فوق، وقرأ الحسن وأبو جعفر: «يكذبون» بالياء، و «الدين» هنا يحتمل أن يريد الشرع، ويحتمل أن يريد الجزاء والحساب. و «الحافظون» : هم الملائكة الذين يكتبون أعمال ابن آدم، وقد وصفهم بالكرم الذي هو نفي المذام. ويَعْلَمُونَ ما يفعل ابن آدم لمشاهدتهم حاله، وقد روي حديث ذكره سفيان: يقتضي أن العبد إذا عمل سيئة مما لا ترى ولا تسمع، مثل الخواطر المستصحبة ونحوها أن الملك يجد ريح تلك الخطرة الخفية بإدراك قد خلقه الله لهم.
قوله :
[سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١٣ الى ١٩]
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧)
ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)
«الأبرار» : جمع بر وهو الذي قد اطرد بره عموما فيرونه في طاعته إياه، وبر أبويه وبر الناس في دفع ضره عنهم وجلب ما استطاع الخير إليهم، وبر الحيوان وغير ذلك في أن لم يفسد شيئا منها عبثا ولغير منفعة مباحة، و «الفجار» : الكفار، و «يصلون» معناه: يباشرون حرّها بأبدانهم، ويَوْمَ الدِّينِ هو يوم الجزاء، وقوله تعالى: وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ قال بعض المتأولين: هذا تأكد في الإخبار عن أنهم يصلونها، وأنهم لا يمكنهم الغيب عنها يومئذ، وقال آخرون: وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ في البرزخ، كأنه تعالى لما أخبر عن صليهم إياها يوم الدين وذلك أنهم يرون مقاعدهم من النار غدوة وعشية فهم مشاهدون لها، ثم عظم تعالى قدر هول يوم القيامة بقوله: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ ما أَدْراكَ وقرأ ابن كثير وأبو
стр. 2695
عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى وابن جندب: «يوم لا تملك» برفع الميم من «يوم» على معنى هو يوم، وقرأ الباقون والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج: «يوم» بالنصب على الظرف، والمعنى: الجزاء يوم فهو ظرف في معنى خبر الابتداء، ثم أخبر تعالى بضعف الناس يومئذ وأنه لا يغني بعضهم عن بعض وأن الأمر له ﵎، وقال قتادة كذلك: هو اليوم ولكنه هنالك لا ينازعه أحد ولا يمكن هو أحدا من شيء منه كما يمكنه في الدنيا.
стр. 2696
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المطفّفين
وهي مكية في قول جماعة من المفسرين، واحتجوا لذكر الأساطير، وهذا على أن هذا تطفيف الكيل والوزن كان بمكة حسبما هو في كل أمة لا سيما مع كفرهم، وقال ابن عباس والسدي والنقاش وغيره:
السورة مدنية، قال السدي: كان بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له مكيالان يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص، فنزلت السورة فيه، يقال إنها أول سورة نزلت بالمدينة، وقال ابن عباس أيضا فيما روي عنه: نزل بعضها بمكة ونزل أمر التطفيف بالمدينة، لأنهم كانوا أشد الناس فسادا في هذا المعنى فأصلحهم الله تعالى بهذه السورة، وقال آخرون: نزلت السورة بين مكة والمدينة، وذلك ليصلح الله تعالى أمرهم قبل ورود رسوله عليهم.
قال القاضي أبو محمد: وأمر الكيل والوزن وكيد جدا، وتصرفه في المدن ضروري في الأموال التي هي حرام بغير حق والفساد فيه كبير لا تنفع فيما وقع منه التوبة، ولا يخلص إلا رد المظلمة إلى صاحبها، وقال مالك بن دينار: احتضر جار لي فجعل يقول: جبلان من نار، فقلت له ما هذا؟ فقال لي: يا أخي، كان لي مكيالان، آخذ بالوافي وأعطي بالناقص، وقال عكرمة: أشهد على كل كيال أو وزان أنه في النار، وقال بعض العرب: لا تلتمسوا المروءة ممن مروءته في رؤوس المكاييل وألسنة الموازين.
قوله :
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦)
وَيْلٌ معناه: الثبور والحزن والشقاء الأدوم، وقد روي عن ابن مسعود وغيره أن واديا في جهنم يسمى «ويلا» ، ورفع وَيْلٌ على الابتداء، ورفع على معنى ثبت لهم واستقر وما كان في حيز الدعاء والترقب فهو منصوب نحو قولهم: رعيا وسقيا، و «المطفف» : الذي ينقص الناس حقوقهم، والتطفيف:
النقصان أصله في الشيء الطفيف وهو النزر، والمطفف إنما يأخذ بالميزان شيئا طفيفا، وقال سلمان:
الصلاة مكيال، فمن أوفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين، وقال بعض العلماء:
يدخل التطفيف في كل قول وعمل، ومنه قول عمر طففت، ومعناه: نقصت الأجر والعمل وكذا قال مالك ﵀: يقال لكل شيء وفاء وتطفيف فقد جاء بالنقيضين، وقد ذهب بعض الناس إلى أن التطفيف هو
стр. 2697
تجاوز الحد في وفاء ونقصان، والمعنى والقرائن بحسب قول قول تبين المراد وهذا عندي جد صحيح، وقد بين تعالى أن التطفيف إنما أراد به أمر الوزن والكيل، واكْتالُوا عَلَى النَّاسِ معناه: قبضوا منهم وكالُوهُمْ معناه: قبضوهم، يقال: كلت منك واكتلت عليك، ويقال: وكلت لك فلما حذفت اللام تعدى الفعل، قال الفراء والأخفش.
وأنشد أبو زيد: [الكامل]
ولقد جنتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
وعلى هذا المعنى هي قراءة الجمهور، وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين ويقف على «كالوا» و «وزنوا» بمعنى: هم يخسرون إذا كالوا ووزنوا. ورويت عن حمزة، فقوله: «هم» تأكيد للضمير، وظاهر هذه الآية يقتضي أن الكيل والوزن على البائع وليس ذلك بالجلي، وصدر الآية هو في المشترين، فذمهم بأنهم يَسْتَوْفُونَ ويشاحون في ذلك، إذ لا تمكنهم الزيادة على الاستيفاء لأن البائع يحفظ نفسه، فهذا مبلغ قدرتهم في ترك الفضيلة والسماحة المندوب إليها، ثم ذكر أنه إذا باعوا أمكنهم من الظلم والتطفيف أن يخسروا لأنهم يتولون الكيل للمشتري منهم وذلك بحالة من يخسر البائع إن قدر، ويُخْسِرُونَ معدى بالهمزة يقال: خسر الرجل وأخسره غيره، والمفعول ل كالُوهُمْ محذوف، ثم وقفهم تعالى على أمر القيامة وذكرهم بها وهذا مما يؤيد أنها نزلت بالمدينة في قوم من المؤمنين وأريد بها مع ذلك من غبر من الأمة، ويَظُنُّ هنا بمعنى: يعلم ويتحقق، و «اليوم العظيم» : يوم القيامة، ويَوْمَ ظرف عمل فيه فعل مقدر يبعثون ونحوه، وقال الفراء: هو بدل من لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، لكنه بني ويأبى ذلك البصريون، لأنه مضاف إلى معرب، وقام الناس فيه لِرَبِّ الْعالَمِينَ يختلف الناس فيه بحسب منازلهم، فروى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «يقام فيه خمسين ألف سنة» . وهذا بتقدير شدته، وقيل: ثلاثمائة سنة، قاله النبي ﷺ ، وقال ابن عمر: مائة سنة وقيل ثمانون سنة، وقال ابن مسعود:
أربعون سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يؤمرون ولا يكلمون، وقيل غير هذا، ومن هذا كله آثار مروية ومعناها: إن لكل قوم مدة ما تقتضي حالهم وشدة أمرهم ذلك. وروي أن القيام فيه على المؤمن على قدر ما بين الظهر إلى العصر، وروي عن بعض الناس: على قدر صلاة، وفي هذا القيام هو إلجام العرق للناس، وهو أيضا مختلف، ويروى عن النبي ﷺ من طريق عقبة بن عامر: «أنه يلجم الكافر إلجاما» ، ويروى أن بعض الناس يكون فيه إلى أنصاف ساقيه وبعضهم إلى فوق، وبعضهم إلى أسفل.
قوله :
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٧ الى ١٧]
كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)
وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦)
ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)
стр. 2698
هذه الآية وما بعدها يظهر أنها من نمط المكي، وهذا أحد الأقوال التي ذكرناها قبل، وكَلَّا يجوز أن يكون ردّا لأقوال قريش، ويحتمل أن يكون استفتاحا بمنزلة «ألا» ، وهذا قول أبي حاتم واختياره، و «الفجار» الكفار، وكتابهم يراد فيه الذي فيه تحصيل أمرهم وأفعالهم، ويحتمل عندي أن يكون المعنى وعدادهم وكتاب كونهم هو في سجين، أي هنالك كتبوا في الأزل، وقرأ أبو عمرو والأعرج وعيسى:
الفُجَّارِ بالإمالة والْأَبْرارِ [المطففين: ١٨] بالفتح قاله أبو حاتم، واختلف الناس في: سِجِّينٍ ما هو؟ فقال الجمهور: هو فعيل من السجن كسكير وشريب أي في موضع ساجن، فجاء بناء مبالغة، قال مجاهد: وذلك في صخرة تحت الأرض السابعة، وقال كعب حاكيا عن التوراة وأبيّ بن كعب: هو في شجرة سوداء هنالك، وقيل عن النبي ﷺ : في بر: هنالك وقيل تحت خد إبليس، وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وقاله البراء بن عازب عن النبي ﷺ وقال عكرمة:
سِجِّينٌ، عبارة عن الخسران والهوان، كما نقول: بلغ فلان الحضيض إذا صار في غاية الخمول، وقال قوم من اللغويين: سِجِّينٌ نونه بدل من لام هو بدل من «السجيل» . وقوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ تعظيم لأمر هذا السجين وتعجب منه، ويحتمل أن يكون تقرير استفهام، أي هذا مما لم يكن يعرفه قبل الوحي. وقوله تعالى: كِتابٌ مَرْقُومٌ من قال بالقول الأول في سِجِّينٍ ف كِتابٌ مرتفع عنده على خبر إِنَّ، والظرف الذي هو: لَفِي سِجِّينٍ ملغى، ومن قال في سِجِّينٍ بالقول الثاني ف كِتابٌ مرتفع على خبر ابتداء مضمر، والتقدير هو كتاب مرقوم، ويكون هذا الكلام مفسر في السجين ما هو؟ ومَرْقُومٌ معناه: مكتوب، رقم لهم بشر، ثم أثبته تعالى لِلْمُكَذِّبِينَ بيوم الحساب والدين بالويل، وقوله: يَوْمَئِذٍ، إشارة إلى ما يتضمنه المعنى في قوله كِتابٌ مَرْقُومٌ، وذلك أنه يتضمن أنه يرتفع ليوم عرض وجزاء، وبهذا يتم الوعيد ويتجه معناه و «المتعدي» : الذي يتجاوز حدود الأشياء، و «الأثيم» : بناء مبالغة في آثم، وقرأ الجمهور: «تتلى» ، بالتاء، وقرأ أبو حيوة: «يتلى» ، بالياء من تحت، و «الأساطير» : جمع أسطورة وهي الحكايات التي سطرت قديما، وقيل هو جمع: أسطار، وأسطار: جمع سطر، ويروى أن هذه الآية نزلت بمكة في النضر بن الحارث بن كلدة وهو الذي كان يقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وكان هو قد كتب بالحيرة أحاديث رستم واسبنذباذ، وكان يحدث بها أهل مكة، ويقول أنا أحسن حديثا من محمد، فإنما يحدثكم ب أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وقوله تعالى: كَلَّا زجر ورد لقولهم: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، ثم أوجب أن ما كسبوا من الكفر والطغيان والعتو، قد رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ، أي غطى عليها وغلب فهم مع ذلك لا يبصرون رشدا ولا يخلص إلى قلوبهم خير، ويقال: رانت الخمر على عقل شاربها وران الغش على قلب المريض، وكذلك الموت، ومنه قول الشاعر: [الخفيف] ثم لما رآه رانت به الخمر وإن لا يرينه باتقاء
стр. 2699
والبيت لأبي زيد، وقال الحسن وقتادة: الرين الذنب على الذنب حتى يموت القلب، ويروى عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل إذا أذنب صارت نقطة سوداء على قلبه ثم كذلك حتى يتغطى» فذلك الرين الذي قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: بَلْ رانَ بإدغام في الراء، وقرأ نافع: بَلْ رانَ غير مدغمة، وقرأ عاصم: بَلْ ويقف ثم يبتدئ رانَ، وقرأ حمزة والكسائي: بالإدغام وبالإمالة في رانَ، وقرأ نافع أيضا: بالإدغام والإمالة، قال أبو حاتم: القراءة بالفتح والإدغام، وعلق اللوم بهم فيما كسبوه وإن كان ذلك بخلق منه واختراع لأن الثواب والعقاب متعلق بكسب العبد، وكَلَّا في قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يصلح فيها الوجهان اللذان تقدم ذكرهما، والضمير في قوله: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ هو للكفار، قال بالرؤية وهو قول أهل السنة، قال إن هؤلاء لا يرون ربهم فهم محجوبون عنه، واحتج بهذه الآية مالك بن أنس عن مسألة الرؤية من جهة دليل الخطاب وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصص، وقال الشافعي: لما حجب قوم بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضى، ومن قال بأن لا رؤية وهو قول المعتزلة، قال في هذه الآية: إنهم محجوبون عن رحمة ربهم وغفرانه، وصلي الجحيم مباشرة حر النار دون حائل، وقوله تعالى: ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي، على معنى التوبيخ لهم والتقريع، وقوله تعالى: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ، مفعول لم يسم فاعله لأنه قول بني له الفعل الذي يقال، وقوله: هذَا، إشارة إلى تعذيبهم وكونهم في الجحيم.
قوله :
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٨ الى ٢٩]
كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)
عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)
لما ذكر تعالى أمر كِتابَ الفُجَّارِ [المطففين: ٧] ، عقب بذكر كتاب ضدهم ليبين الفرق، و «الأبرار» جمع بر، وقرأ ابن عامر: «الأبرار» بكسر الراء، وقرأ نافع وابن كثير بفتحها، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: بإمالتها، وعِلِّيُّونَ قيل هو جمع على وزن فعل بناء مبالغة يريد بذلك الملائكة، فلذلك أعرب بالواو والنون، وقيل يريد المواضع العلية لأنه علو فوق علو، فلما كان هذا الاسم على هذا الوزن لا واحد له أشبه عشرين فأعرب بإعراب الجموع إذ أشبهها، وهذا أيضا كقنسرين فإنك تقول طابت قنسرين ودخلت قنسرين، واختلف الناس في الموضع المعروف، ب عِلِّيِّينَ ما هو؟ فقال قتادة: قائمة العرش اليمنى، وقال ابن عباس: السماء السابعة تحت العرش، وروي عن النبي ﷺ .
وقال الضحاك: هو عند سدرة المنتهى، وقال ابن عباس: عِلِّيُّونَ: الجنة، وقال مكي: هو في السماء
стр. 2700
الرابعة، وقال الفراء عن بعض العلماء: في السماء الدنيا، والمعنى أن كتابهم الذي فيه أعمالهم هنالك تهمما بها وترفيعا لها، وأعمال الفجار في سجين في أسفل سافلين، لأنه روي عن أبيّ بن كعب وابن عباس: أن أعمالهم يصعد بها إلى السماء فتأباها، ثم ترد إلى الأرض فتأباها أرض بعد أرض حتى تستقر في سجن تحت الأرض السابعة، وكِتابٌ مَرْقُومٌ في هذه الآية خبر إِنَّ والظرف ملغى، والْمُقَرَّبُونَ في هذه الآية: الملائكة المقربون عند الله تعالى أهل كل سماء، قاله ابن عباس وغيره، والْأَرائِكِ: جمع أريكة وهي السرر في الحجال، ويَنْظُرُونَ معناه إلى ما عندهم من النعيم، ويحتمل أن يريد ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل عن النبي ﷺ : «ينظرون إلى أعدائهم في النار كيف يعذبون» ، وقرأ جمهور الناس «تعرف» على مخاطبة محمد ﷺ بفتح التاء وكسر الراء، «نضرة» نصبا. وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق وطلحة ويعقوب: «تعرف» بضم التاء وفتح الراء، «نضرة» رفعا، وقرأ «يعرف» بالياء، لأن تأنيث النضرة ليس بحقيقي والنضرة النعمة والرونق و «الرحيق» :
الخمر الصافية، ومنه قول حسان: [الكامل]
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل
ومَخْتُومٍ، يحتمل أن يختم على كؤوسه التي يشرب بها تهمما وتنظيفا، والأظهر أنه مختوم شرابه بالرائحة المسكية حسبما فسر قوله تعالى: خِتامُهُ مِسْكٌ، واختلف المتأولون في قوله: خِتامُهُ مِسْكٌ فقال علقمة وابن مسعود معناه: خلطه ومزاجه، فقال ابن عباس والحسن وابن جبير معناه: خاتمته أن يجد الرائحة عند خاتمته. الشرب رائحة المسك، وقال أبو علي: المراد لذاذة المقطع وذكاء الرائحة مع طيب الطعم، وكذلك قوله: كانَ مِزاجُها كافُوراً [الإنسان: ٥] ، وقوله تعالى: زَنْجَبِيلًا [الإنسان: ١٧] أي يحذي اللسان، وقد قال ابن مقبل: [البسيط]
مما يفتق في الحانوت ناطقها ... بالفلفل الجوز والرمان مختوم
قال مجاهد معناه: طينه الذي يختم به مسك بدل الطين الذي في الدنيا، وهذا إنما يكون في الكؤوس لأن خمر الآخرة ليست في دنان إنما هي في أنهار، وقرأ الجمهور: «ختامه» ، وقرأ الكسائي وعلي بن أبي طالب والضحاك والنخعي: «خاتمه» ، وهذه بينة المعنى: أنه يراد بها الطبع على الرحيق، وروي عنهم أيضا كسر التاء، ثم حرض تعالى على الجنة بقوله: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ، والتنافس في الشيء المغالاة فيه وأن يتبعه كل واحد نفسه، فكأن نفسيهما يتباريان فيه، وقيل هو من قولك شيء نفسي، فكان هذا يعظمه ثم يعظمه الآخر ويستبقان إليه، و «المزاج» : الخلط، والضمير عائد على الرحيق، واختلف الناس في تَسْنِيمٍ، فقال ابن عباس وابن مسعود: تَسْنِيمٍ أشرف شراب في الجنة وهو اسم مذكر لماء عين في الجنة وهي عين يشربها المقربون صرفا. ويمزج رحيق الأبرار بها، قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن وأبو صالح وغيرهم، وقال مجاهد ما معناه: إن تسنيما مصدر من سنمت إذا عليت ومنه السنام، فكأنها عين قد عليت على أهل الجنة فهي تنحدر،
следующие страницы →