Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
«الكبد» ، فقال جمهور الناس: «الإنسان» اسم الجنس كله، و «الكبد» المشقة والمكابدة، أي يكابد أمر الدنيا والآخرة، ومن ذلك قول لبيد: [المنسرح]
يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد
وقول ذي الإصبع: [البسيط]
لي ابن عم لو ان الناس في كبد ... لظل محتجرا بالنبل يرميني
وبالمشقة في أنواع أحوال الإنسان فسره الجمهور، وقال الحسن: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم، وقال ابن عباس وعبد الله بن شداد وأبو صالح والضحاك ومجاهد فِي كَبَدٍ معناه: منتصف القامة واقفا، وقال ابن زيد: «الإنسان» : آدم ﵇، وفِي كَبَدٍ معناه: في السماء سماها كبدا، وهذان قولان قد ضعفا والقول الأول هو الصحيح، وروي أن سبب الآية وما بعدها هو أبو الأشدين رجل من قريش شديد القوة، اسمه أسيد بن كلدة الجمحي، كان يحسب أن أحدا لا يقدر عليه، ويقال بل نزلت في عمرو بن ود، ذكره النقاش، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة وقتله علي بن أبي طالب خلف الخندق، وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، أذنب فاستفتى النبي ﷺ فأمره بالكفارة فقال: لقد أَهْلَكْتُ مالًا في الكفارات والنفقات مذ تبعت محمدا، وكان كل واحد منهم قد ادعى أنه أنفق مالا كثيرا على إفساد أمر النبي ﷺ أو في الكفارات على ما تقدم، فوقف القرآن على جهة التوبيخ للمذكور، وعلى جهة التوبيخ لاسم الجنس كله. ويَقْدِرَ نصب ب لَنْ وأَنْ مخففة من الثقيلة، وكان قول هذا الكافر: أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً كذبا منه، فلذلك قال: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ أي أنه رئي وأحصي فعله فما باله يكذب؟ ومن قال إن المراد اسم الجنس غير مفرد، جعل قوله تعالى:
أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ بمعنى أيظن الإنسان أن ليس عليه حفظة يرون أعماله ويحصونها إلى يوم الجزاء، وقال النبي ﷺ : «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وجسمه فيما أبلاه وماله من أين كسبه وأين أنفقه» ، واختلف القراء في قوله «لبدا» ، فقرأ جمهور القراء بضم اللام وفتح الباء، وقرأ مجاهد «لبدا» بضمهما وذلك جمع لبدة أو جمع لبود بفتح اللام، وقرأ أبو جعفر يزيد «لبّدا» بضم اللام وفتح الباء وشدها فيكون مفردا نحو «زمّل» ويكون جمع لا بد، وقد روي عن أبي جعفر «لبدا» بسكون الباء، والمعنى في هذه القراءات كلها مالا كثيرا متلبدا بعضه فوق بعض من التكاثف والكثرة، وقرأ الأعمش: «لم يره» بسكون الراء لتوالي الحركات، ثم عدد تعالى على الإنسان نعمه التي بها تقوم الحجة، وهي جوارحه. وقرن تعالى «الشفتين» باللسان لأن نعمة العبارة والكلام، لا يصح إلا بالجميع.. وفي الحديث: يقول الله تعالى: «ابن آدم إن نازعك لسانك إلى ما لا يحل، فقد أعنتك عليه بشفتين فأطبقهما عليه» . واختلف الناس في النَّجْدَيْنِ فقال ابن مسعود وابن عباس والناس: طريقا الخير والشر، أي عرضنا عليه طريقهما، وليست الهداية هنا بمعنى الإرشاد. وقال ابن عباس أيضا والضحاك: «النجدان» :
ثديا الأم وهذا مثال، والنجد: الطريق المرتفع، وأنشد الأصمعي: [الطويل]
كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الأرزاء طلاع أنجد
стр. 2732
قوله :
[سورة البلد (٩٠) : الآيات ١١ الى ٢٠]
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥)
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)
في هذه الآية على عرف كلام العرب، استعارة لهذا العمل الشاق على النفس من حيث هو بذل مال تشبيه بعقبة الجبل، وهي ما صعب منه وكان صعودا، واقْتَحَمَ معناه: دخلها وجاوزها بسرعة وضغط وشدة، وأما المفسرون فرأوا أن الْعَقَبَةَ يراد بها جبل في جهنم، لا ينجي منه إلا هذه الأعمال ونحوها، قاله ابن عباس وقتادة، وقال الحسن: الْعَقَبَةُ جهنم، قال هو وقتادة فاقتحموها بطاعة الله، وفي الحديث: «إن اقتحامها للمؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء» ، واختلف الناس في قوله فَلَا فقال جمهور المتأولين: هو تحضيض بمعنى «فألا» ، وقال آخرون وهو دعاء بمعنى أنه ممن يستحق أن يدعى عليه بأن لا يفعل خيرا، وقيل هي نفي، أي «فما اقتحم» ، وقال أبو عبيدة والزجاج وهذا نحو قوله تعالى:
فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى [القيامة: ٣١] فهو نفي محض كأنه قال: وهبنا له الجوارح ودللناه على السبيل فما فعل خيرا، ثم عظم الله تعالى أمر العقبة في النفوس بقوله: وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ؟ ثم فسر اقتحام العقبة بقوله فَكُّ رَقَبَةٍ وذلك أن التقدير وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ هذا على قراءة من قرأ «فكّ رقبة» بالرفع على المصدر، وأما من قرأ «فكّ» على الفعل الماضي ونصب الرقبة، فليس يحتاج أن يقدر وَما أَدْراكَ ما اقتحام، بل يكون التعظيم للعقبة نفسها، ويجيء «فكّ» بدلا من اقْتَحَمَ ومبينا. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة «فك رقبة أو إطعام» ، وقرأ أبو عمرو «فك رقبة» بالنصب، «أو أطعم» ، وقرأ بعض التابعين «فكّ رقبة» بالخفض، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أيضا والكسائي «فكّ رقبة» بالنصب «أو إطعام» .
وترتيب هذه القراءات ووجوهها بينة، وفك الرقبة معناه: بالعتق من رقبة الأسر أو الرق، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار» . وقال أعرابي للنبي ﷺ : دلني على عمل أنجو به، فقال: «لئن قصرت القول لقد عرضت المسألة فك رقبة، وأعتق النسمة» ، فقال الأعرابي: أليس هما واحد؟ فقال النبي ﷺ :
«لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها» .
قال القاضي أبو محمد: وكذلك فك الأسير إن شاء الله، وفداؤه أن ينفرد الفادي به، ثم قال النبي ﷺ للأعرابي: «وأبق على ذي الرحمن الظالم، فإن لم تطق هذا كله، فكف لسانك إلا من خير» ، و «المسغبة» : المجاعة. والساغب: الجائع. وقرأ جمهور الناس «ذي مسغبة» على نعت يَوْمٍ، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن وأبو رجاء «ذا مسغبة» على أن يعمل فيها «أطعم» أو «إطعام» على القراءتين المذكورتين، وفي هذا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لأن التقدير إنسانا ذا مسغبة ووصفت الصفة لما قامت مقام موصوفها المحذوف، وأشبهت الأسماء، و «المسغبة» : الجوع العام، وقد
стр. 2733
يقال في الخاص: سغب الرجل إذا جاع. وقوله تعالى: ذا مَقْرَبَةٍ معناه: ذا مقربة لتجتمع الصدقة والصلة، وهذا نحو ما قال رسول الله ﷺ لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: «تصدقي على زوجك فهي صدقة لك وصلة» ، وأَوْ في قوله أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ فيها معنى الإباحة ومعنى التخيير، لأن الكلام يتضمن معنى الحض والأمر فيها أيضا معنى التفضيل المجرد، لأن الكلام يجري مجرى الخبر الذي لا تكون أَوْ فيه إلا منفصلة، وأما معنى الشك أو الإبهام فلا مدخل لها في هذه الآية، والإبهام نحو قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ [سبأ: ٢٤] ، وقول أبي الأسود: [الوافر]
أحب محمدا حبا شديدا ... وعباسا وحمزة أو عليا
وذا مَتْرَبَةٍ معناه: مذقعا قد لصق بالتراب وهذا مما ينحو إلى أن المسكين أشد فاقة من الفقير، قال سفيان: هم المطروحون على ظهر الطريق قعودا على التراب لا بيوت لهم. وقال ابن عباس هو الذي يخرج من بيته ثم يقلب وجهه إلى بيته مستيقنا أنه ليس فيه إلا التراب، وقوله تعالى: ثُمَّ كانَ معطوف على قوله اقْتَحَمَ وتوجه فيه معاني، فَلَا اقْتَحَمَ المذكورة من النفي والتحضيض والدعاء، ورجح أبو عمرو بن العلاء قراءته فك بقوله ثُمَّ كانَ، ومعنى قوله ثُمَّ كانَ أي كان وقت اقتحامه العقبة مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وليس المعنى أنه يقتحم، ثم يكون بعد ذلك لأن الاقتحام كان يقع من غير مؤمن وذلك غير نافع.
وقوله تعالى: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ معناه: على طاعة الله وبلائه وقضائه وعن الشهوات والمعاصي.
وبِالْمَرْحَمَةِ، قال ابن عباس: كل ما يؤدي إلى رحمة الله تعالى. وقال آخرون: هو التراحم وعطف بعض من الناس على بعض، وفي ذلك قوام الناس ولو لم يتراحموا جملة هلكوا، والْمَيْمَنَةِ مفعلة، وهي فيما روي عن يمين العرش، وهو موضع الجنة ومكان المرحومين من الناس، والْمَشْأَمَةِ الجانب الأشأم وهو الأيسر، وفيه جهنم، وهو طريق المعذبين يؤخذ بهم ذات الشمال، وهذا مأخوذ من اليمن والشام للواقف بباب الكعبة متوجها إلى مطلع الشمس، واليد الشؤمى هي اليسرى، وذهب الزجاج وقوم إلى ذلك من اليمن والشؤم، وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم «موصدة» على وزن موعدة وكذلك في سورة الهمزة، وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم «مؤصدة» بهمز الواو في السورتين، ومعناهما جميعا، مطبقة معلقة. يقال: أوصدت وآصدت، بمعنى أطبقت وأغلقت، فهي «موصدة» دون همز من أوصدت، وقد يحتمل أن يهمز من يراها من أوصدت من حيث قبل الواو حرف مضموم على لغة من قرأ بالسوق، ومنه قول الشاعر [جرير] :
أحب المؤقدان إليّ مؤسى بالهمز فيهما، و «مؤصدة» من آصدت، ويحتمل أن تسهل الهمزة فتجيء «موصدة» من أصدت ومن اللفظة الوصيد. وقال الشاعر [الأعشى] : [الكامل]
قوما يعالج قملا أبناؤهم ... وسلاسلا حلقا وبابا موصدا
стр. 2734
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الشمس
وهي مكية.
قوله :
[سورة الشمس (٩١) : الآيات ١ الى ١٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤)
وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩)
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤)
وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)
أقسم الله تعالى ب الشَّمْسِ إما على التنبيه منها وإما على تقدير ورب الشمس، و «الضّحى» بضم الضاد والقصر: ارتفاع الضوء وكماله، وبهذا فسر مجاهد. وقال قتادة: هو النهار كله، وقال مقاتل:
ضُحاها حرها كقوله تعالى في سورة (طه) وَلا تَضْحى [طه: ١١٩] ، و «الضّحاء» بفتح الضاد والمد ما فوق ذلك إلى الزوال، وَالْقَمَرِ يتلو الشمس من أول الشهر إلى نصفه في الغروب تغرب هي ثم يغرب هو ويتلوها في النصف الآخر بنحو وآخر، وهي أن تغرب هي فيطلع هو، وقال الحسن بن أبي الحسن:
تَلاها معناه: تبعها دأبا في كل وقت لأنه يستضيء منها فهو يتلوها لذلك.
قال القاضي أبو محمد: فهذا اتباع لا يختص بنصف أول من الشهر ولا بآخره، وقاله الفراء أيضا، وقال الزجاج وغيره: تَلاها: معناه امتلأ واستدار، فكان لها تابعا في المنزلة والضياء والقدر، لأنه ليس في الكواكب شيء يتلو الشمس في هذا المعنى غير القمر، قال قتادة: وإنما ذلك ليلة البدر تغيب هي فيطلع هو.
وَالنَّهارِ ظاهر هذه السورة والتي بعدها أنه من طلوع الشمس، وكذلك قال الزجاج في كتاب «الأنواء» وغيره: واليوم من طلوع الفجر، ولا يختلف أن نهايتهما مغيب الشمس، والضمير في جَلَّاها يحتمل أن يعود على الشَّمْسِ ويحتمل أن يعود على الأرض أو على الظلمة وإن كان لم يجر له ذكر فالمعنى يقتضيه، قاله الزجاج. و «جلى» معناه كشف وضوى، والفاعل بجلّى على هذا التأويلات
стр. 2735
النَّهارِ، ويحتمل أن يكون الفاعل الله تعالى كأنه قال: والنهار إذا جلى الله الشمس، فأقسم بالنهار في أكمل حالاته، ويغشى معناه: يغطي: والضمير للشمس على تجوز في المعنى أو للأرض، وقوله تعالى:
وَما بَناها وكل ما بعده من نظائره في السورة، يحتمل أن يكون ما فيه بمعنى الذي قال أبو عبيدة: أي ومن بناها، وهو قول الحسن ومجاهد، لأن ما، تقع عامة لمن يعقل ولما لا يعقل، فيجيء القسم بنفسه تعالى، ويحتمل أن تكون ما في جميع ذلك مصدرية، قاله قتادة والمبرد والزجاج كأنه قال والسماء وبنيانها، و «طحا» بمعنى «دحا» و «طحا» أيضا في اللغة بمعنى ذهب كل مذهب، ومنه قول علقمة بن عبدة: [الطويل]
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عمر حان مشيب
والنفس التي أقسم بها، اسم الجنس، وتسويتها إكمال عقلها ونظرها، ولذلك ربط الكلام بقوله تعالى: فَأَلْهَمَها الآية، فالفاء تعطي أن التسوية هي هذا الإلهام، ومعنى قوله تعالى: فُجُورَها وَتَقْواها أي عرفها طرق ذلك وجعل لها قوة يصح معها اكتساب الفجور أو اكتساب التقوى، وجواب القسم في قوله قَدْ أَفْلَحَ، التقدير: لقد أفلح، والفاعل ب «زكى» يحتمل أن يكون الله تعالى، وقاله ابن عباس وغيره كأنه قال: قد أفلحت الفرقة أو الطائفة التي زكاها الله تعالى، ومَنْ: تقع على جمع وإفراد، ويحتمل أن يكون الفاعل ب «زكى» الإنسان وعليه تقع مَنْ وقاله الحسن وغيره، كأنه قال: قَدْ أَفْلَحَ من زكى نفسه أي اكتسب الزكاء الذي قد خلقه الله، وزَكَّاها معناه: طهرها ونماها بالخيرات، ودَسَّاها معناه: أخفاها وحقرها أي وصغر قدرها بالمعاصي والبخل بما يجب، يقال دسا يدسو ودسّى بشد السين يدسي وأصله دسس، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
ودسست عمرا في التراب فأصبحت ... حلائله يبكين للفقد ضعفا
ويروى أن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية قال: «اللهم آت نفسي تقواها وزكّها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها» ، هذا الحديث يقوي أن المزكي هو الله تعالى، وقال ثعلب معنى الآية وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها في أهل الخير بالرياء وليس منهم في حقيقته، ولما ذكر تعالى خيبة من دسى نفسه، ذكر فرقة فعلت ذلك يعتبر بهم وينتهى عن مثل فعلهم، و «الطغوى» مصدر، وقرأ الحسن وحماد بن سليمان «بطغواها» بضم الطاء مصدر كالعقبى والرجعى، وقال ابن عباس: «الطغوى» هنا العذاب كذبوا به حتى نزل بهم، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [الحاقة: ٥] ، وقال جمهور المتأولين الباء سببية، والمعنى كذبت ثمود بنبيها بسبب طغيانها وكفرها، وانْبَعَثَ عبارة عن خروجه إلى عقر الناقة بنشاط وحرص، وأَشْقاها هو قد أربى سالف وهو أحد التسعة الرهط المفسدين، ويحتمل أن يقع أَشْقاها على جماعة حاولت العقر، ويروى أنه لم يفعل فعله بالناقة حتى مالأه عليه جميع الحي، فلذلك قال تعالى: فَعَقَرُوها لكونهم متفقين على ذلك ورسول الله صالح ﵇، وقوله تعالى: ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها نصب بفعل مضمر تقديره احفظوا أو ذروا أو احذروا على معنى: احذروا الإخلال بحق ذلك، وقد تقدم أمر الناقة والسقيا في غير هذه السورة بما أغنى عن إعادتها، وقدم تعالى التكذيب على العقر لأنه
стр. 2736
كان سبب العقر، ويروى أنهم كانوا قد أسلموا قبل ذلك وتابعوا صالحا مدة ثم كذبوا وعثروا، والجمهور من المفسرين على أنهم كانوا على كفرهم، و «دمدم» معناه: أنزل العقاب مقلقا لهم مكررا ذلك وهي الدمدمة، وفي بعض المصاحف «فدهدم» وهي قراءة ابن الزبير بالهاء بين الدالين، وفي بعضهم «فدمر» ، وفي مصحف ابن مسعود «فدماها عليهم» ، وقوله تعالى: بِذَنْبِهِمْ أي بسبب ذنبهم، وقوله تعالى:
فَسَوَّاها، معناه: فسوى القبيلة في الهلاك لم ينج منهم أحد، وقرأ نافع وابن عامر والأعرج وأهل الحجاز وأبي بن كعب: «فلا يخاف» بالفاء وكذلك في مصاحف أهل المدينة والشام، وقرأ الباقون «ولا» بالواو وكذلك في مصاحفهم، وروي عن النبي ﷺ أنه «ولم يخف عقباها» ، والفاعل ب يَخافُ على قراءة من قرأ بالفاء يحتمل أن يكون الله تعالى، والمعنى فلا درك على الله في فعله بهم لا يسأل عما يفعل، وهذا قول ابن عباس والحسن، وفي هذا المعنى احتقار للقوم وتعفية لأثرهم، ويحتمل أن يكون صالحا ﵇، أي لا يخاف عقبى هذه الفعلة بهم إذ كان قد أنذرهم وحذرهم، ومن قرأ «ولا يخاف» بالواو فيحتمل الوجهين اللذين ذكرنا، ويحتمل أن يكون الفاعل ب يَخافُ أَشْقاها المنبعث، قاله الزجاج وأبو علي، وهو قول السدي والضحاك ومقاتل، وتكون الواو واو الحال كأنه قال انبعث لعقرها وهو لا يخاف عقبى فعله لكفره وطغيانه، والعقبى: جزاء المسيء وخاتمته وما يجيء من الأمور بعقبه، واختلف القراء في ألفات هذه السورة والتي بعدها ففتحها ابن كثير وعاصم وابن عامر، وقرأ الكسائي ذلك كله بالإضجاع، وقرأ نافع ذلك كله بين الفتح والإمالة، وقرأ حمزة «ضحاها» مكسورة و «تليها وضحاها» مفتوحتين وكسر سائر ذلك، واختلف عن أبي عمرو فمرة كسر الجميع ومرة كقراءة نافع، قال الزجاج سمى الناس الإمالة كسرا وليس بكسر صحيح، والخليل وأبو عمرو يقولان إمالة. (انتهى) .
نجز تفسيرها والحمد لله كثيرا.
стр. 2737
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الليل
وهي مكية في قول الجمهور، وقال المهدوي وقيل هي مدنية وقيل فيها مدني وعددها عشرون آية بإجماع.
قوله :
[سورة الليل (٩٢) : الآيات ١ الى ٢١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩)
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤)
لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩)
إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)
أقسم الله ب اللَّيْلِ إِذا يَغْشى الأرض وجميع ما فيها وب النَّهارِ إِذا تَجَلَّى، أي ظهر وضوى الآفاق، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
تجلى السرى من وجهه عن صحيفة ... على السير مشراق كريم شجونها
وقوله تعالى: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى يحتمل أن تكون بمعنى الذي كما قالت العرب في سبحان ما سبح الرعد بحمده، وقال أبو عمرو وأهل مكة يقولون للرعد سبحان ما سبحت له، ويحتمل أن تكون ما مصدرية، وهو مذهب الزجاج. وقرأ جمهور الصحابة «وما خلق الذكر» ، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وعبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وسمعها من النبي ﷺ وعلقمة وأصحاب عبد الله: «والذكر والأنثى» وسقط عندهم وَما خَلَقَ. وذكر ثعلب أن من السلف من قرأ «وما خلق الذكر والأنثى» بخفض «الذكر» على البدل من ما على أن التقدير وما خلق الله وقراءة علي ومن ذكر تشهد لهذه، وقال الحسن: المراد هنا ب الذَّكَرَ وَالْأُنْثى آدم وحواء، وقال غيره عام، و «السعي» العمل. فأخبر تعالى مقسما أن أعمال العباد شتى، أي مفترقة جدا بعضها في رضى الله وبعضها في سخطه، ثم قسم تعالى الساعين فذكر أن من أعطى وظاهر ذلك إعطاء المال، وهي أيضا تتناول إعطاء الحق في كل شيء، قول وفعل، وكذلك البخل المذكور بعد أن يكون بالإيمان وغيره من الأقوال التي حق الشريعة أن لا يبخل
стр. 2738
بها، ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وذلك أنه كان يعتق ضعفة العبيد الذين أسلموا وكان ينفق في رضى رسول الله ﷺ ماله، وكان الكفار بضد ذلك، وهذا قول من قال السورة كلها مكية، قال عبد الله بن أبي أوفى: نزلت هذه السورة في أبي بكر الصديق وأبي سفيان بن حرب، وقال مقاتل: مر أبو بكر على أبي سفيان وهو يعذب بلالا فاشتراه منه، وقال السدي: نزلت هذه الآية بسبب أبي الدحداح الأنصاري، وذلك أن نخلة لبعض المنافقين كانت مطلة على دار امرأة من المسلمين لها أيتام فكانت التمر تسقط عليهم فيأكلونه فمنعهم المنافق من ذلك، واشتد عليهم، فقال له رسول الله ﷺ : «بعنيها بنخلة في الجنة» ، فقال: لا أفعل، فبلغ ذلك أبا الدحداح فذهب إليه واشترى منه النخلة بحائط له، وجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: أنا أشتري النخلة في الجنة بهذه، ففعل ذلك رسول الله ﷺ ، فكان رسول الله ﷺ يمر على الحائط الذي أعطى أبو الدحداح وقد تعلقت أقناؤه فيقول: «وكم قنو معلق لأبي الدحداح في الجنة» ، وفي البخاري أن هذا اللفظ كان رسول الله ﷺ يقوله في الأقناء التي كان أبو الدحداح يعلقها في المسجد صدقة، وهذا كله قول من يقول بعض السورة مدني. واختلف الناس في «الحسنى» ما هي في هذه السورة، فقال أبو عبد الرحمن السلمي وغيره: هي لا إله إلا الله، وقال ابن عباس وعكرمة وجماعة: هي الخلف الذي وعد الله تعالى به، وذلك نص في حديث الملكين إذ يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا. وقال مجاهد والحسن وجماعة: «الحسنى» :
الجنة. وقال كثير من المفسرين «الحسنى» : الأجر والثواب مجملا. وقوله تعالى: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، ومعناه: سيظهر تيسيرنا إياه يتدرج فيه من أعمال الخير وختم بتيسير قد كان في علم الله أولا، و «اليسرى» :
الحال الحسنة المرضية في الدنيا والآخرة، و «العسرى» : الحال السيئة في الدنيا والآخرة ولا بد ومن جعل بخل في المال خاصة جعل استغنى في المال أيضا لتعظم المذمة، ومن جعل البخل عاما في جميع ما ينبغي أن يبذل من قول وفعل قال استغنى عن الله ورحمته بزعمه، ثم وقف تعالى على موضع غناء ماله عنه وقت ترديه، وهذا يدل على أن الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما ماله عنه وقت ترديه، وهذا يدل على أن الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما في المال، واختلف الناس في معنى تَرَدَّى: فقال قتادة وأبو صالح معناه تَرَدَّى في جهنم، أي سقط من حافاتها، وقال مجاهد: تَرَدَّى معناه هلك من الردى، وقال قوم معناه تَرَدَّى بأكفانه من الرداء، ومنه قول مالك بن الربيب: [الطويل]
وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي ... وردّا على عينيّ فضل ردائيا
ومنه قول الآخر: [الطويل]
نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءان تلوى فيهما وحنوط
ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعا، أي تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم الإدراك، كما قال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [النحل: ٩] ثم كل أحد بعد يتكسب ما قدر له، وليست هذه الهداية بالإرشاد إلى الإيمان، ولو كان كذلك لم يوجد كافر. ثم أخبر تعالى أن «الآخرة والأولى» أي الدارين.
стр. 2739
وقوله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ إما مخاطبة منه وإما على معنى قل لهم يا محمد، وقرأ جمهور السبعة «تلظى» بتخفيف التاء، وقرأ البزي عن ابن كثير بشد التاء وإدغام الراء فيها. وقرأها كذلك عبيد بن عمير، وروي أيضا عنه «تتلظى» بتاءين وكذلك قرأ ابن الزبير وطلحة، وقوله تعالى: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى أي لا يَصْلاها صلي خلود، ومن هنا ضلت المرجئة لأنها أخذت نفي الصلي مطلقا في قليله وكثيره، والْأَشْقَى هنا، الكافر بدليل قوله الذي كذب، والعرب تجعل أفعل في موضع فاعل مبالغة كما قال طرفة: [الطويل]
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
ولم يختلف أهل التأويل أن المراد ب الْأَتْقَى إلى آخر السورة أبو بكر الصديق، ثم هي تتناول كل من دخل في هذه الصفات، وقوله تعالى: يَتَزَكَّى معناه: يتطهر ويتنمى وظاهر هذه الآية أنه في المندوبات، وقوله تعالى: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ الآية، المعنى: وليس إعطاؤه ليجزي نعما قد أزلت إليه، بل هو مبتدئ ابتغاء وجه الله تعالى، وروي في سبب هذا أن قريشا قالوا لما أعتق أبو بكر بلالا كانت لبلال عنده يد، وذهب الطبري إلى أن المعنى وليس يعطي ليبث نعما يجزي بها يوما ما وينتظر ثوابها، وحوم في هذا المعنى وحلق بتطويل غير مغن ويتجه المعنى الذي أراد بأيسر من قوله وذلك أن التقدير وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ إعطاء ليقع عليه من ذلك لأحد جزاء بل هو لمجرد ثواب الله تعالى وجزائه، وقوله تعالى: إِلَّا ابْتِغاءَ نصب بالاستثناء المنقطع وفيه نظر والابتغاء الطلب، ثم وعده تعالى بالرضى في الآخرة، وهذه عدة لأبي بكر ﵁، وقرأ «يرضى» بضم الياء على بناء الفعل للمفعول، وهذه الآية تشبه الرضى في قوله تعالى: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر: ٣١] الآية. انتهى.
стр. 2740
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الضّحى
وهي مكية لا خلاف في ذلك بين الرواة.
قوله :
[سورة الضحى (٩٣) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤)
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩)
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)
تقدم تفسير الضُّحى بأنه سطوع الضوء وعظمه، وقال قتادة: الضُّحى هنا، النهار كله، وسَجى معناه سكن واستقر ليلا تاما. وقال بعض المفسرين سَجى معناه أقبل، وقال آخرون:
معناه أدبر والأول أصح، ومنه قول الشاعر [الحارثي] : [الرجز]
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النساج
ويقال بحر ساج أي ساكن ومنه قول الأعشى: [الطويل]
وما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم ... وبحرك ساج لا يواري الدعامصا
وطرف ساج إذا كان ساكنا غير مضطرب النظر، وقرأ جمهور الناس «ودّعك» بشد الدال من التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام «ودعك» بتخفيف الدال من التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام «ودعك» بتخفيف الدال بمعنى ترك، وقَلى معناه: أبغض. واختلف في سبب هذه الآية فقال ابن عباس وغيره:
أبطأ الوحي مرة عن رسول الله ﷺ وهو بمكة مدة اختلفت في حدها الروايات حتى شق ذلك عليه فجاءت امرأة من الكفار هي أم جميل امرأة أبي لهب، فقالت: يا محمد: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت الآية بسبب ذلك. وقال ابن وهب عن رجال عن عروة بن الزبير أن خديجة قالت له: ما أرى الله إلا قد خلاك لإفراط جزعك لبطء الوحي عنك، فنزلت الآية بسبب ذلك، وقال زيد بن أسلم: إنما احتبس عنه جبريل لجرو كلب كان في بيته، وقوله تعالى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى يحتمل أن يريد الدارين الدنيا والآخرة، وهذا تأويل ابن إسحاق وغيره، ويحتمل أن يريد حاليه في الدنيا قبل نزول السورة
стр. 2741
وبعدها فوعده الله تعالى على هذا التأويل بالنصر والظهور، وكذلك قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ الآية، قال جمهور الناس: ذلك في الآخرة، وقال بعضهم من أهل البيت هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى لأن رسول الله ﷺ لا يرضى وأحد من أمته في النار، وروي أنه ﵇ لما نزلت قال:
«إذا لا أرضى وأحد من أمتي في النار» ، وقال ابن عباس: رضاه أن لا يدخل أحد من أهل بيته في النار، وقال ابن عباس أيضا: رضاه أن الله تعالى وعده بألف قصر في الجنة بما يحتاج إليه من النعم والخدم، وقال بعض العلماء رضاه في الدنيا بفتح مكة وغيره، وفي مصحف ابن مسعود: «ولسيعطيك ربك فترضى» ، ثم وقفه تعالى على المراتب التي رجه عنها بإنعامه ويتمه، كان فقد أبيه وكونه في كنف عمه أبي طالب، وقيل لجعفر بن محمد الصادق لم يتم النبي ﵇ من أبويه، فقال لئلا يكون عليه حق لمخلوق، وقرأ الأشهب العقيلي «فأوى» بالقصر بمعنى رحم، تقول أويت لفلان أي رحمته، وقوله تعالى:
وَوَجَدَكَ ضَالًّا أي وجده إنعامه بالنبوة والرسالة على غير الطريقة التي هو عليها في نبوته، وهذا قول الحسن والضحاك وفرقة، والضلال يختلف، فمنه القريب ومنه البعيد، فالبعيد ضلال الكفار الذين يعبدون الأصنام ويحتجون لذلك ويعتبطون به، وكان هذا الضلال الذي ذكره الله تعالى لنبيه ﵇ أقرب ضلال وهو الكون واقفا لا يميز المهيع لا أنه تمسك بطريق أحد بل كان يرتاد وينظر، وقال السدي:
أقام على أمر قومه أربعين سنة، وقيل معنى وَجَدَكَ ضَالًّا أي تنسب إلى الضلال، وقال الكلبي ووجدك في قوم ضلال فكأنك واحد منهم.
قال القاضي أبو محمد: ورسول الله ﷺ لم يعبد صنما قط، ولكنه أكل ذبائحهم حسب حديث زيد بن عمرو في أسفل بارح وجرى على يسير من أمرهم وهو مع ذلك ينظر خطأ ما هم فيه ودفع من عرفات وخالفهم في أشياء كثيرة، وقال ابن عباس هو ضلاله وهو صغير في شعاب مكة، ثم رده الله تعالى إلى جده عبد المطلب، وقيل هو ضلاله من حليمة مرضعته، وقال الترمذي وعبد العزيز بن يحيى: ضَالًّا معناه خامل الذكر لا يعرفك الناس فهداهم إليك ربك، والصواب أنه ضلال من توقف لا يدري كما قال : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: ٥٢] قال ثعلب قال أهل السنة: هو تزويجه بنته في الجاهلية ونحوه، والعائل الفقير، وقرأ اليماني «عيّلا» بشد الياء المكسورة ومنه قول الشاعر [أحيحة] : [الوافر]
وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل
وأعال: كثر عياله، وعال: افتقر، ومنه قول الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [التوبة: ٢٨] وقوله تعالى: فَأَغْنى قال مقاتل معناه رضاك بما أعطاك من الرزق، وقيل فقيرا إليه فأغناك به، والجمهور على أنه فقر المال وغناه، والمعنى في النبي ﷺ أنه أغني بالقناعة والصبر وحببا إليه فقر الحال وغناه، وقيل أغني بالكفاف لتصرفه في مال خديجة ولم يكن النبي ﷺ قط كثير المال ورفعه الله عن ذلك، وقال: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكنه غنى النفس» . وكما عدد الله عليه هذه النعم الثلاث وصاه بثلاث وصايا في كل نعمة وصية مناسبة لها، فبإزاء قوله أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى قوله
стр. 2742
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وبإزاء قوله وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى قوله وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، هذا عليه قول من قال إن السَّائِلَ هنا هو السائل عن العلم والدين وليس بسائل المال، وهو قول أبي الدرداء والحسن وغيره، وبإزاء قوله وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى قوله وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ. ومن قال إن السَّائِلَ هو سائل المحتاج وهو قول الفراء عن جماعة، ومعنى فَلا تَنْهَرْ جعلها بإزاء قوله وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى، وجعل قوله وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ بإزاء قوله وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى، وقال إبراهيم بن أدهم نعم القول السؤال يجملون زادنا إلى الآخرة، فَلا تَنْهَرْ، معناه: فرد ردا جميلا إما بعطاء وإما بقول حسن، وفي مصحف ابن مسعود «ووجدك عديما فأغنى» ، وقرأ ابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي، «فأما اليتيم فلا تكهر» بالكاف، قال الأخفش هي بمعنى القهر، ومنه قول الأعرابي: وقاكم الله سطوة القادر وملكة الكاهر، وقال أبو حاتم لا أظنها بمعنى القهر لأنه قد قال الأعرابي الذي بال في المسجد: فأكهرني النبي ﷺ فإنها هي بمعنى الإشهار وأمره الله تعالى بالتحدث بالنعمة، فقال مجاهد والكسائي:
معناه: بث القرآن وبلغ ما أرسلت به، وقال آخرون بل هو عموم في جميع النعم، وكان بعض الصالحين يقول: لقد أعطاني الله كذا وكذا، ولقد صليت البارحة كذا وذكرت الله كذا، فقيل له: إن مثلك لا يقول هذا، فقال إن الله تعالى يقول: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ، وأنتم تقولون لا تحدث، وقال النبي ﷺ : «التحدث بالنعم شكر» ، ومنه قول النبي ﷺ : «من أسديت إليه نعمة فذكرها فقد شكرها ومن سترها فقد كفرها» ، ونصب الْيَتِيمَ ب تَقْهَرْ والتقدير مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم.
نجز تفسيرها والحمد لله كثيرا.
стр. 2743
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الشرح
وهي مكية بإجماع من المفسرين لا خلاف بينهم في ذلك.
قوله :
[سورة الشرح (٩٤) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)
عدد الله على نبيه ﷺ نعمه عليه في أن شرح صدره للنبوة وهيأه لها، وذهب الجمهور إلى أن شرح الصدر المذكور هو تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه، وقال ابن عباس وجماعة: هذه إشارة إلى شرحه بشق جبريل عنه في وقت صغره، وفي وقت الإسراء إذ التشريح شق اللحم. وقرأ أبو جعفر المنصور «ألم نشرح» بنصب الحاء على نحو قول الشاعر [طرفة] : [المنسرح]
أضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قونس الفرس
ومثله في نوادر أبي زيد: [الرجز]
من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر
كأنه قال: «ألم نشرحن» ثم أبدل من النون ألفا ثم حذفها تخفيفا، وهي قراءة مردودة، و «الوزر» الذي وضعه الله عنه هو عند بعض المتأولين الثقل الذي كان رسول الله ﷺ وحيرته قبل المبعث إذ كان يرى سوء ما قريش فيه من عبادة الأصنام. وكان لم يتجه له من الله تعالى أمر واضح، فوضع الله تعالى عنه ذلك الثقل بنبوته وإرساله. وقال أبو عبيدة وغيره المعنى: خففنا عليك أثقال النبوة وأعناك على الناس، وقال قتادة وابن زيد والحسن وجمهور من المفسرين: الوزر هنا، الذنوب. وأصله الثقل، فشبهت الذنوب به، وهذه الآية نظير قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] وكان رسول الله ﷺ في الجاهلية قبل النبوة وزره صحبة قومه وأكله من ذبائحهم ونحو هذا، وقال الضحاك: وفي كتاب النقاش حضوره مع قومه المشاهد التي لا يحبها الله تعالى.
стр. 2744
قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها ضمها المنشأ كشهوده حرب الفجار ينبل على أعماله وقلبه، وفي ذلك كله منيب إلى الصواب، وأما عبادة الأصنام فلم يلتبس بها قط، وقرأ أنس بن مالك «وحططنا عنك وزرك» ، وفي حرف ابن مسعود «وحللنا عنك وقرك» . وفي حرف أبي «وحططنا عنك وقرك» ، وذكر أبو عمرو أن النبي ﷺ صوب جميعها، وقال المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهمهم بها وتحسرهم عليها، وأَنْقَضَ معناه جعله نقضا، أي هزيلا معيبا من الثقل، وقيل معناه أسمع له نقيضا وهو الصوت. وهو مثل نقيض السفن وكل ما حملته ثقلا فإنه ينتقض تحته، وقال عباس بن مرداس: [الطويل]
وأنقض ظهري ما تطوقت مضهم ... وكنت عليهم مشفقا متحننا
وقوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ معناه، نوهنا باسمك، وذهبنا به كل مذهب في الأرض، وهذا ورسول الله بمكة، وقال أبو سعيد الخدري والحسن ومجاهد وقتادة: معنى قوله وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ أي قرنا اسمك باسمنا في الأذان وخطب. وروي في هذا الحديث «إن الله تعالى قال: إذا ذكرت معي» .
وهذا متجه إلى أن الآية نزلت بمكة قديما. والأذان شرع بالمدينة، ورفع الذكر نعمة على الرسول، وكذلك هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الاسم والذكر حسن للمنفردين للعبادة، وقد جعل الله تعالى النعم أقساما بحسب ما يصلح لشخص شخص، وفي الحديث: «إن الله تعالى يوقف عبدا يوم القيامة فيقول له: ألم أفعل بك كذا وكذا؟ يعدد عليه نعمه، ويقول في جملتها: ألم أحمل ذكرك في الناس» ، والمعنى في هذا التعديد الذي على النبي ﷺ أي يا محمد قد فعلنا بك جميع هذا فلا تكترث بأذى قريش، فإن الذي فعل بك هذه النعم سيظفرك بهم وينصرك عليهم ثم قوى رجاءه بقوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، أي ما تراه من الأذى فرج يأتي، وكرر تعالى ذلك مبالغة وتثبيتا للخير، فقال بعض الناس:
المعنى إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً في الدنيا، وإن مع العسر يسرا في الآخرة، وذهب كثير من العلماء إلى أن مع كل عسر يسرين بهذه الآية من حيث العسر معروف للعهد واليسر منكر، فالأول غير الثاني، وقد روي في هذا التأويل حديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لن يغلب عسر يسرين» . وأما قول عمر به فنص في الموطأ في رسالته إلى أبي عبيدة بن الجراح. وقرأ عيسى ويحيى بن وثاب وأبو جعفر: «العسر واليسر» بضمتين، وقرأ ابن مسعود فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً واحدا غير مكرر، ثم أمر تعالى نبيه إذا فرغ من شغل من أشغال النبوة والعبادة أن ينصب في آخر، والنصب التعب، فالمعنى أن يرأب على ما أمر به ولا يفتر، وقال ابن عباس: المعنى فَإِذا فَرَغْتَ من فرضك فَانْصَبْ في النفل عبادة لربك، وقال ابن مسعود: فَانْصَبْ في قيام الليل، وعن مجاهد، فَإِذا فَرَغْتَ من شغل دنياك فَانْصَبْ في عبادة ربك، وقيل المعنى إذا فرغت من الركعات فاجلس في التشهد وانصب في الدعاء، وقال ابن عباس وقتادة: معنى الكلام فَإِذا فَرَغْتَ من العبادة فَانْصَبْ في الدعاء. وقال الحسن بن أبي الحسن:
المعنى فَإِذا فَرَغْتَ من الجهاد فَانْصَبْ في العبادة، ويعترض هذا التأويل بأن الجهاد فرض بالمدينة، وقرأ أبو السمال «فرغت» بكسر الراء وهي لغة، وقرأ قوم «فانصبّ» بشد الباء وفتحها، ومعناه إذا
стр. 2745
فرغت من الجهاد «فانصب» إلى المدينة، ذكرها النقاش منبها على أنها خطأ، وقرأ آخرون من الإمامية «فانصب» بكسر الصاد بمعنى إذا فرغت من أمر النبوة «فانصب» خليفة، وهي قراءة شاذة ضعيفة المعنى لم تثبت عن عالم، ومر شريح على رجلين يصطرعان، وقال ليس بهذا أمر الفراغ تلا هذه الآية. وقوله تعالى:
وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ أمر بالتوكل على الله تعالى وصرف وجه الرغبات إليه لا إلى سواه، وقرأ ابن أبي عبلة «فرغّب» بفتح الراء وشد الغين مكسورة.
نجز تفسيرها والحمد لله على كل حال.
стр. 2746
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة التّين
قوله :
[سورة التين (٩٥) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)
اختلف الناس في معنى التِّينِ وَالزَّيْتُونِ اللذين أقسم الله تعالى بهما، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم وعطاء وجابر بن زيد ومقاتل: هو التِّينِ الذي يؤكل وَالزَّيْتُونِ الذي يعصر، وأكل النبي ﷺ مع أصحابه تينا أهدي إليه، فقال: «لو قلت إن فاكهة أنزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوا فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس» ، وقال ﵇: «نعم السواك سواك الزيتون ومن الشجرة المباركة هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي» ، وقال كعب وعكرمة: القسم بمنابتها، وذلك أن التِّينِ ينبت بدمشق، وَالزَّيْتُونِ ينبت بإيلياء فأقسم الله تعالى بالأرضين، وقال قتادة: هما جبلان بالشام، على أحدهما دمشق، وعلى الآخر بيت المقدس، وقال ابن زيد: التِّينِ مسجد دمشق، وَالزَّيْتُونِ مسجد إلياء، وقال ابن عباس وغيره: التِّينِ مسجد نوح وَالزَّيْتُونِ مسجد إبراهيم، وقيل التِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ، ثلاثة مساجد بالشام، وقال محمد بن كعب القرظي: التِّينِ مسجد أصحاب الكهف، وَالزَّيْتُونِ مسجد إيلياء، وأما طُورِ سِينِينَ، فلم يختلف أنه جبل بالشام كلم الله عليه موسى، ومنه نودي، وفيه مسجد موسى فهو الطور، واختلف في قوله سِينِينَ، فقال مجاهد وعكرمة: معناه حسن مبارك، وقيل معناه ذو الشجر، وقرأ الجمهور بكسر السين «سينين» ، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو رجاء بفتح السين وهي لغة بكر وتميم «سينين» ، وقرأ عمر بن الخطاب وطلحة والحسن وابن مسعود: «سيناء» بكسر السين، وقرأ أيضا عمر بن الخطاب: «سيناء» بالفتح، والْبَلَدِ الْأَمِينِ مكة بلا خلاف، وقيل معنى سِينِينَ: المبارك، وقيل معنى سِينِينَ: شجر واحدتها سينية، قاله الأخفش سعيد بن مسعدة و «أمين» : فعيل من الأمن بمعنى آمن أي آمن من فيه ومن دخله وما فيه من طير وحيوان، والقسم واقع على قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ينبغي له، ولا يدفع هذا أن يكون غيره من المخلوقات كالشمس وغيرها أحسن تقويما منه بالمناسبة، وقال بعض العلماء بالعموم أي «الإنسان» أحسن المخلوقات تقويما، ولم ير قوم الحنث على من حلف بالطلاق أن زوجته
стр. 2747
أحسن من الشمس، واحتجوا بهذه الآية، واختلف الناس في تقويم الإنسان ما هو؟ فقال النخعي ومجاهد وقتادة: حسن صورته وحواسه، وقال بعضهم: هو انتصاب قامته، وقال أبو بكر بن طاهر في كتاب الثعلبي:
هو عقله وإدراكه اللذان زيناه بالتمييز، وقال عكرمة: هو الشباب والقوة، والصواب أن جميع هذا هو حسن التقويم إلا قول عكرمة، إذ قوله يفضل فيه بعض الحيوان، والْإِنْسانَ هنا اسم الجنس. وتقدير الكلام في تقويم أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، لأن أَحْسَنِ صفة لا بد أن تجري على موصوف، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ، فقال عكرمة وقتادة والضحاك والنخعي: معناه بالهرم وذهول العقل وتفلت الفكر حتى يصير لا يعلم شيئا، أما إن المؤمن مرفوع عنه القلم، والاستثناء على هذا منقطع، وهذا قول حسن وليس المعنى أن كل إنسان يعتريه هذا بل في الجنس من يعتريه ذلك وهذه عبرة منصوبة، وقرأ ابن مسعود: «السافلين» بالألف واللام، ثم أخبر أن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وإن نال بعضهم هذا في الدنيا فَلَهُمْ في الآخرة أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وقال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وأبو العالية: المعنى رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ في النار على كفره ثم استثنى الَّذِينَ آمَنُوا استثناء منفصلا، فهم على هذا ليس فيهم من يرد أسفل سافلين في النار على كفره، وفي حديث عن أنس قال رسول الله ﷺ : «إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله تعالى حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الإنابة، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل شيئا كتب الله له ما كان يعمل في صحته ولم تكتب عليه سيئة» . وفي حديث «إن المؤمن إذا رد إلى أرذل العمر كتب الله له خير ما كان يعمله في قوته، وذلك أجر غير ممنون» . ومَمْنُونٍ معناه: محسوب مصرّد يمن عليهم، قاله مجاهد وغيره، وقال كثير من المفسرين معناه مقطوع من قولهم حبل منين، أي ضعيف منقطع، واختلف في المخاطب بقوله تعالى: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ فقال قتادة والفراء والأخفش: هو محمد ﵇، قال الله له: فماذا الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت، ويحتمل أن يكون «الدين» على هذا التأويل جميع دينه وشرعه، وقال جمهور من المتأولين: المخاطب الإنسان الكافر، أي ما الذي يجعلك كذابا بالدين، تجعل له أندادا، وتزعم أن لا بعث بعد هذه الدلائل، وقال منصور قلت لمجاهد: قوله تعالى: فَما يُكَذِّبُكَ يريد به النبي ﷺ قال معاذ الله يعني به الشاك، ثم وقف تعالى جميع خلقه على أنه أحكم الْحاكِمِينَ على جهة التقرير، وروي عن قتادة أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه السورة قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.
стр. 2748
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة العلق
وهي مكية بإجماع. وهي أول ما نزل من كتاب الله تعالى، نزل صدرها في غار حراء حسبما ثبت في صحيح البخاري وغيره، وروي من طريق جابر بن عبد الله أن أول ما نزل: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر: ١] وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل: أول ما نزل فاتحة الكتاب، والقول الأول أصح، والترتيب في أخبار النبي ﷺ يقتضي ذلك.
قوله :
[سورة العلق (٩٦) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩)
عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤)
كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)
في صحيح البخاري في حديث عائشة ﵂، قال: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه التحنث في غار حراء، فكان يخلو فيه فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ثم ينصرف حتى جاءه الملك وهو في غار حراء، فقال له: اقْرَأْ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني ثم كذلك ثلاث مرات، فقال له في الثالثة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ إلى قوله ما لَمْ يَعْلَمْ، قال فرجع بها رسول ترجف بوادره الحديث بطوله، ومعنى هذه الآية، اقْرَأْ هذا القرآن بِاسْمِ رَبِّكَ، أي ابدأ فعلك بذكر اسم ربك، كما قال: ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ [هود: ٤١] هذا وجه. ووجه آخر في كتاب الثعلبي أن المعنى: اقْرَأْ في أول كل سورة، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم ووجه آخر أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كأنه قال له: اقْرَأْ هذا اللفظ، ولما ذكر الرب وكانت العرب في الجاهلية تسمي الأصنام أربابا جاءه بالصفة التي لا شركة للأصنام فيها، وهي قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ، ثم مثل لهم من المخلوقات ما لا مدافعة فيه، وما يجده كل مفطور في نفسه، فقال: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ،
стр. 2749
وخلقة الإنسان من أعظم العبر حتى أنه ليس في المخلوقات التي لدينا أكثر عبرا منه في عقله وإدراكه ورباطات بدنه وعظامه، والعلق جمع علقة، وهي القطعة اليسيرة من الدم، والْإِنْسانَ هنا:
اسم الجنس، ويمشي الذهن معه إلى جميع الحيوان، وليست الإشارة إلى آدم، لأنه مخلوق من طين، ولم يكن ذلك متقررا عند الكفار المخاطبين بهذه الآية، فلذلك ترك أصل الخلقة وسيق لهم الفرع الذي هم به مقرون تقريبا لأفهامهم، ثم قال تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ على جهة التأنيس، كأنه يقول: امض لما أمرت به وربك ليس كهذه الأرباب، بل هو الأكرم الذي لا يلحقه نقص، فهو ينصرك ويظهرك، ثم عدد تعالى نعمة الكتاب بِالْقَلَمِ على الناس وهي موضع عبرة وأعظم منفعة في المخاطبات وتخليد المعارف، وقوله تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ قيل: المراد محمد ﵇، وقيل: اسم الجنس وهو الأظهر، وعدد نعمته اكتساب المعارف بعد جهله بها، وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى الآية نزلت بعد مدة من شأن أبي جهل بن هشام، وذلك أنه طغى لغناه ولكثرة من يغشى ناديه من الناس، فناصب رسول الله ﷺ العداوة ونهاه عن الصلاة في المسجد، ويروى أنه قال: لئن رأيت محمدا يسجد عند الكعبة لأطأن على عنقه، فيروى أن رسول الله ﷺ رد عليه القول وانتهره وتوعده، فقال أبو جهل: أيتوعدني، وما والي بالوادي أعظم نديا مني، ويروى أيضا أنه جاء والنبي ﷺ يصلي فهمّ بأن يصل إليه ويمنعه من الصلاة، ثم كع عنه وانصرف، فقيل له: ما هذا؟ فقال:
لقد اعترض بيني وبينه خندق من نار، وهول وأجنحة، ويروى أن رسول الله ﷺ قال: «لو دنا مني لأخذته الملائكة عيانا» ، فهذه السورة من قوله: كَلَّا إلى آخرها نزلت في أبي جهل، وكَلَّا:
هي رد على أقوال أبي جهل وأفعاله، ويتجه أن تكون بمعنى: حقا، فهي تثبيت لما بعدها من القول والطغيان: تجاوز الحدود الجميلة، والغني: مطغ إلا من عصم الله والضمير في رَآهُ للإنسان المذكور، كأنه قال: أن رأى نفسه غنيا، وهي رؤية قلب تقرب من العلم، ولذلك جاز أن يعمل فعل الفاعل في نفسه، كما تقول: وجدتني وطننتني ولا يجوز أن تقول: ضربتني، وقرأ الجمهور: «أن رآه» ، بالمد على وزن رعاه، واختلفوا في الإمالة وتركها، وقرأ ابن كثير من طريق قنبل: «أن رأه» ، على وزن رعه، على حذف لام الفعل وذلك تخفيف، ثم حقر غنى هذا الإنسان وما له بقوله: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
أي الحشر والبعث يوم القيامة، والرُّجْعى
: مصدر كالرجوع، وهو على وزن: العقبى ونحوه، وفي هذا الخبر: وعيد للطاغين من الناس، ثم صرح بذكر الناهي لمحمد ﵇، ولم يختلف أحد من المفسرين في أن الناهي: أبو جهل، وأن العبد المصلي محمد ﷺ ، وقوله تعالى:
أَرَأَيْتَ توقيف وهو فعل لا يتعدى إلى مفعولين على حد الرؤية من العلم بل يقتصر به، وقوله تعالى:
أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى إكمال للتوبيخ والوعيد بحسب التوقيفات الثلاث يصلح مع كل واحد منهما فجاء بها في نسق ثم جاء بالوعيد الكافي لجميعها اختصارا واقتضابا، ومع كل تقرير من الثلاثة تكملة مقدرة تتسع العبارات فيها، وقوله: أَلَمْ يَعْلَمْ دال عليها مغن، وقوله تعالى: إِنْ كانَ يعني العبد المصلي، وقوله: إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، يعني الإنسان الذي ينهى، ونسب الرؤية إلى الله تعالى بمعنى يدرك أعمال الجميع بإدراك: سماه رؤية، والله منزه عن الجارحة وغير ذلك من المماثلات المحدثات، ثم توعد تعالى
стр. 2750
إن لم ينته بأن يؤخذ بناصيته فيجر إلى جهنم ذليلا، تقول العرب: سفعت بيدي ناصية الفرس، والرجل إذا جذبتها مذللا له، قال عمرو بن معد يكرب: [الكامل]
قوم إذا سمعوا الصياح رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
فالآية على نحو قوله: فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ [الرحمن: ٤١] وقال بعض العلماء بالتفسير:
لَنَسْفَعاً معناه: لنحرقن من قولهم سفعته النار إذا أحرقته، واكتفى بذكر الناصية لدلالتها على الوجه، وجاء لَنَسْفَعاً في خط المصحف بألف بدل النون، وقرأ أبو عمرو في رواية هارون: «لنسفعن» مثقلة النون، وفي مصحف ابن مسعود: «لأسفعن بالناصية ناصية كاذبة فاجرة» ، وقرأ أبو حيوة: «ناصية كاذبة خاطئة» بالنصب في الثلاثة، وروي عن الكسائي أنه قرأ بالرفع فيها كلها، والناصية مقدم شعر الرأس، ثم أبدل النكرة من المعرفة في قوله: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ ووصفها بالكذب والخطإ من حيث صفة لصاحبها، كما تقول: يد سارقة، وقوله: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ إشارة إلى قول أبي جهل، وما بالوادي أكثر ناديا مني، والنادي والندى المجلس ومنه دار الندوة ومنه قول زهير: [الكامل]
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
ومنه قول الأعرابية: سيد ناديه، وثمال عافية، والزَّبانِيَةَ ملائكة العذاب واحدهم زبنية، وقال الكسائي زبني، وقال عيسى بن عمر والأخفش: زابن وهم الذين يدفعون الناس في النار، والزبن الدفع، ومنه حرب زبون أي تدفع الناس عن نفسها، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترموم
ومنه قول عتبة بن أبي سفيان: وقد زبتنا الحرب وزبناها فنحن بنوها وهي أمنا، ومنه قول الشاعر:
[الوافر]
عدتني عن زيارتك الأعادي ... وحالت بيننا حرب زبون
وحذف الواو من سَنَدْعُ في خط المصحف اختصارا وتخفيفا، والمعنى: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ لعذاب هذا الذي يدعو ناديه، وقرأ ابن مسعود: «فليدع إلى ناديه» ، ثم قال تعالى لمحمد ﵇: كَلَّا ردا على قول هذا الكافر وأفعاله لا تُطِعْهُ أي لا تلتفت إلى نهية وكلامه، واسجد لربك واقترب إليه بسجودك وبالطاعة والأعمال الصالحة، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد، فأكثروا من الدعاء في السجود فقمين أن يستجاب لكم» . وقال مجاهد: ثم قال ألم تسمعوا:
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ، وروى ابن وهب عن جماعة من أهل العلم أن قوله تعالى: وَاسْجُدْ خطاب لمحمد ﷺ ، وأن اقْتَرِبْ خطاب لأبي جهل، أي إن كنت تجترئ حتى ترى كيف تهلك، وهذه السورة فيها سجدة عند جماعة من أهل العلم، منهم في مذهب مالك ابن وهب.
стр. 2751
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة القدر
اختلف الناس في موضع نزول هذه السورة، فقال قتادة: هي مكية، وقال ابن عباس وغيره: هي مدنية.
قوله :
[سورة القدر (٩٧) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)
سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)
الضمير في أَنْزَلْناهُ للقرآن وإن لم يتقدم ذكره لدلالة المعنى عليه، فقال ابن عباس وغيره: أنزله الله تعالى ليلة الْقَدْرِ إلى السماء الدنيا جملة، ثم نجمه على محمد ﷺ في عشرين سنة، وقال الشعبي وغيره: إِنَّا ابتدأنا إنزال هذا القرآن إليك فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وقد روي أن نزول الملك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان، فيستقيم هذا التأويل وقد روي أنه قد نزل في الرابع عشر من رمضان، فلا يستقيم هذا التأويل إلا على قول من يقول إن ليلة القدر تستدير الشهر كله ولا تختص بالعشر الأواخر، وهو قول ضعيف، حديث النبي ﷺ يرده في قوله: «فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان» وقال جماعة من المتأولين معنى قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، إنا أنزلنا هذه السورة في شأن ليلة القدر وفي فضلها. وإذا كانت السورة من القرآن جاء الضمير للقرآن تفخيما وتحسينا، فقوله تعالى: فِي لَيْلَةِ هو قول عمر بن الخطاب: لقد خشيت أن ينزل في قرآن ليلة نزول سورة الفتح، ونحو قول عائشة في حديث الإفك: لأنا أحقر في نفسي من أن ينزل في قرآن، ولَيْلَةُ الْقَدْرِ: هي ليلة خصها الله تعالى بفضل عظيم وجعلها أفضل مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، لا ليلة قدر فيها، قاله مجاهد وغيره، وخصت هذه الأمة بهذه الفضيلة لما رأى محمد ﵇ أعمال أمته فتقاصرها، وقوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ليلة القدر عبارة عن تفخيم لها، ثم أداره تعالى بعد قوله: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ، قال ابن عيينة في صحيح البخاري ما كان في القرآن: وَما أَدْراكَ فقد أعلمه، وما قال: «وما يدريك» فإنه لم يعلم، وذكر ابن عباس وقتادة وغيره: أنها سميت ليلة القدر، لأن الله تعالى يقدر فيها الآجال والأرزاق وحوادث العالم كلها ويدفع ذلك إلى الملائكة لتمتثله، وقد روي مثل هذا في ليلة النصف من شعبان، ولهذا ظواهر من كتاب الله على نحو قوله تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: ٤] ، وأما
стр. 2752
الصحة المقطوع بها فغير موجودة، وقال الزهري معناه: ليلة القدر العظيم والشرف الشأن من قولك: رجل له قدر، وقال أبو بكر الوراق: سميت ليلة القدر لأنها تكسب من أحياها قدرا عظيما لم يكن من قبل، وترده عظيما عند الله تعالى، وقيل سميت بذلك لأن كل العمل فيها له قدر خطير، وليلة القدر مستديرة في أوتار العشر الأواخر من رمضان، هذا هو الصحيح المعول عليه، وهي في الأوتار بحسب الكمال والنقصان في الشهر، فينبغي لمرتقبها أن يرتقبها من ليلة عشرين في كل ليلة إلى آخر الشهر، لأن الأوتار مع كمال الشهر، ليست الأوتار مع نقصانه، وقال رسول الله ﷺ : «الثالثة تبقى لخامسة تبقى، لسابعة تبقى» ، وقال: «التمسوها في الثالثة والخامسة والسابعة والتاسعة» ، وقال مالك: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وقال ابن حبيب: يريد مالك إذا كان الشهر ناقصا، فظاهر هذا أنه ﵇ احتاط في كمال شهر ونقصانه، وهذا لا تتحصل معه الليلة إلا بعمارة العشر كله، وروي عن أبي حنيفة وقوم: أن ليلة القدر رفعت، وهذا قول مردود، وإنما رفع تعيينها، وقال ابن مسعود: من يقم السنة كلها يصبها، وقال أبو رزين هي أول ليلة من شهر رمضان، وقال الحسن: هي ليلة سبع عشرة، وهي التي كانت في صبيحتها وقعة بدر، وقال كثير من العلماء: هي ليلة ثلاث وعشرين، وهي رواية عبد الله بن أنيس الجهني، وقاله ابن عباس، وقال أيضا هو وجماعة من الصحابة: هي ليلة سبع وعشرين، واستدل ابن عباس على قوله بأن الإنسان خلق من سبع وجعل رزقه في سبع، واستحسن ذلك عمر ﵁، وقال زيد بن ثابت وبلال: هي ليلة أربع وعشرين، وقال بعض العلماء: أخفاها الله تعالى عن عباده ليجدوا في العمل ولا يتكلوا على فضلها ويقصروا في غيرها، ثم عظم تعالى أمر ليلة القدر على نحو قوله: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ٢] وغير ذلك، ثم أخبر أنها أفضل لمن عمل فيها عملا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وهي ثمانون سنة وثلاثة أعوام وثلث عام. وروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ أنه
قال حين عوتب في تسليمه الأمر لمعاوية: إن الله تعالى أرى نبيه في المنام بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاهتم لذلك فأعطاه الله ليلة القدر، وهي خير من مدة ملك بني أمية، وأعلمه أنهم يملكون الناس هذا القدر من الزمان.
قال القاضي أبو محمد: ثم كشف الغيب أن كان من سنة الجماعة إلى قتل مروان الجعدي هذا القدر من الزمان بعينه مع أن القول يعارضه أنه قد ملك بنو أمية في غرب الأرض مدة غير هذه، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . والرُّوحُ هو جبريل وقيل: هم صنف حفظة الملائكة وقوله تعالى: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ اختلف الناس في معناه، فمن قال إن في هذه الليلة تقدر الأمور للملائكة قال: إن هذا التنزل لذلك، ومِنْ لابتداء الغاية أي نزولهم من أجل هذه الأمور المقدرة وسببها، ويجيء سَلامٌ خبرا بنداء مستأنفا أي سلام هذه الليلة إلى أول يومها، وهذا قول نافع المقرئ والفراء وأبي العالية، وقال بعضهم مِنْ بمعنى الباء أي بكل أمر، ومن لم يقل بقدر الأمور في تلك الليلة قال معنى الآية تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بالرحمة والغفران والفواضل، ثم جعل قوله مِنْ كُلِّ أَمْرٍ متعلقا بقوله: سَلامٌ هِيَ أي من كل أمر مخوف ينبغي أن يسلم منه فهي سلام، وقال مجاهد: لا يصيب أحدا فيها داء. وقال الشعبي ومنصور: سَلامٌ بمعنى
стр. 2753
التحية أي تسلم الملائكة على المؤمنين، وقرأ ابن عباس وعكرمة والكلبي: «من كل امرئ» أي يسلم فيها من كل امرئ سوء، فهذا على أن سلاما بمعنى سلامة، وروي عنه أن سلاما بمعنى تحية، «وكل امرئ» يراد بهم الملائكة أي من كل ملك تحية على المؤمنين، وهذا للعاملين فيها بالعبادة. وذهب من يقول بانتهاء الكلام في قوله: سَلامٌ إلى أن قوله هِيَ إنما هذا إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين من الشهر، إذ هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة، وذكر هذا الغرض ابن بكير وأبو بكر الوراق والنقاش عن ابن عباس، وقرأ جمهور السبعة: «حتى مطلع الفجر» بفتح اللام، وقرأ الكسائي والأعمش وأبو رجاء وابن محيصن وطلحة: «حتى مطلع» بكسر اللام، فقيل هما بمعنى مصدران في لغة بني تميم، وقيل الفتح المصدر والكسر موضع الطلوع عند أهل الحجاز، والقراءة بالفتح أوجه على هذا القول، والأخرى تتخرج على تجوز كان الوقت ينحصر في ذلك الموضع ويتم فيه، ويتجه الكسر على وجه آخر، وهو أنه قد شذ من هذه المصادر ما كسر كالمعجزة، وقولهم علاه المكبر بفتح الميم وكسر الباء، ومنه المحيض فيجري المطلع مصدرا مجرى ما شذ، وفي حرف أبيّ بن كعب ﵁: «سلام هي إلى مطلع الفجر» .
стр. 2754
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة البيّنة
وهي مكية في قول جمهور المفسرين، وقال ابن الزبير وعطاء بن يسار إنها مدنية والأول أشهر.
قوله :
[سورة البينة (٩٨) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)
وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)
وفي حرف أبي بن كعب: «ما كان الذين» ، وفي حرف ابن مسعود: «لم يكن المشركين وأهل الكتاب منفكين» . وقوله تعالى: مُنْفَكِّينَ معناه منفصلين متفرقين، تقول انفك الشيء عن الشيء إذا انفصل عنه، وما انفك التي هي من أخوات كان لا مدخل بها في هذه الآية، ونفى في هذه الآية أن تكون هذه الصنيعة منفكة، واختلف الناس عماذا، فقال مجاهد وغيره: لم يكونوا مُنْفَكِّينَ عن الكفر والضلال حتى جاءتهم البينة، وأوقع المستقبل موضع الماضي في تَأْتِيَهُمُ، لأن باقي الآية وعظمها لم يرده بعد، وقال الفراء وغيره: لم يكونوا مُنْفَكِّينَ عن معرفة صحة نبوة محمد ﵇، والتوكف لأمره حتى جاءتهم البينة تفرقوا عند ذلك، وذهب بعض النحويين إلى هذا النفي المتقدم مع مُنْفَكِّينَ يجعلها تلك التي هي مع كان، ويرى التقدير في خبرها عارفين أمر محمد أو نحو هذا، ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد لم يكن هؤلاء القوم مُنْفَكِّينَ من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يبعث إليهم رسولا منذرا تقوم عليهم به الحجة، وتتم على من آمن النعمة، فكأنه قال: ما كانوا ليتركوا سدى وبهذا المعنى نظائر في كتاب الله تعالى، وقرأ بعض الناس: «والمشركون» بالرفع، وقرأ الجمهور:
«والمشركين» بالخفض ومعناهما بين، والْبَيِّنَةُ معناه: القصة البينة والجلية، والمراد محمد ﵇، وقرأ الجمهور: «رسول الله» بالرفع وقرأ أبي: «رسولا» بالنصب على الحال، والصحف المطهرة: القرآن في صحفه، قاله الضحاك وقتادة، وقال الحسن الصحف المطهرة في السماء، وقوله : فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ فيه حذف مضاف تقديره فيها أحكام كتب وقيمة: معناه قائمة معتدلة آخذة للناس
стр. 2755
بالعدل وهو بناء مبالغة، فإلى قَيِّمَةٌ هو ذكر من آمن من الطائفتين، ثم ذكر تعالى مذمة من لم يؤمن من أهل الكتاب من بني إسرائيل من أنهم لم يتفرقوا في أمر محمد إلا من بعد ما رأوا الآيات الواضحة، وكانوا من قبل مصفقين على نبوته وصفته، فلما جاء من العرب حسدوه، وقرأ جمهور الناس: «مخلصين» بكسر اللام، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «مخلصين» بفتح اللام، وكأن الدِّينَ على هذه القراءة منصوب ب بَعْدِ أو بمعنى يدل عليه على أنه كالظرف أو الحال، وفي هذا نظر، وقيل لعيسى ﵇: من المخلص لله؟ قال الذي يعمل العمل لله ولا يحب أن يحمده الناس عليه، وحُنَفاءَ: جمع حنيف وهو المستقيم المائل إلى طرق الخير، قال ابن جبير: لا تسمي العرب حنيفا إلا من حج واختتن، وقال ابن عباس: حُنَفاءَ: حجاجا مسلمين، وحُنَفاءَ نصب على الحال، وكون «الصلاة» مع «الزكاة» في هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل فيها يقوي من قول السورة مدنية، لأن الزَّكاةَ فرضت بالمدينة، ولأن النبي ﷺ إنما دفع لمناقضة أهل الكتاب بالمدينة، وقرأ الجمهور: «وذلك دين القيمة» على معنى الجماعة القيمة أو الفرقة القيمة، وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: هنا الكتب التي جرى ذكرها، وقرأ بعض الناس: «وذلك الدين القيمة» ، فالهاء في «القيمة» على هذه القراءة كعلامة ونسابة، ويتجه ذلك أيضا على أن يجعل الدِّينَ بمنزلة الملة.
قوله :
[سورة البينة (٩٨) : الآيات ٦ الى ٨]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)
حكم الله في هذه الآية بتخليد الكافرين من أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ وهم عبدة الأوثان في النار وبأنهم شَرُّ الْبَرِيَّةِ، و «البرية» جميع الخلق لأن الله تعالى برأهم أو أوجدهم بعد العدم، وقرأ نافع وابن عامر والأعرج: «البريئة» بالهمز من برأ، وقرأ الباقون والجمهور: «البريّة» بشد الياء بغير همز على التسهيل، والقياس الهمز إلا أن هذا مما ترك همزه كالنبي والذرية، وقرأ بعض النحويين: «البرية» مأخوذ من البراء وهو التراب، وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ وغلطا وهو اشتقاق غير مرضي، والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ شروط جميع أمة محمد، ومن آمن بنبيه من الأمم الماضية، وقرأ بعض الناس «خير» .
وقرأ بعض قراء مكة: «خيار» بالألف، وروي حديث عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية: «أولئك هم خير البريئة» .
ثم قال لعلي بن أبي طالب ﵁ «أنت يا علي وشيعتك من خير البرية» ، ذكره الطبري، وفي الحديث: أن رجلا قال للنبي ﷺ : «يا خير البرية» ، فقال له: ذلك إبراهيم ﵇، وقوله تعالى: جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فيه حذف مضاف تقديره سكنى
стр. 2756
جَنَّاتُ عَدْنٍ أو دخول جَنَّاتُ عَدْنٍ، والعدن الإقامة والدوام، عدن بالموضع أقام فيه، ومنه المعدن لأنه رأس ثابت، وقال ابن مسعود: جَنَّاتُ عَدْنٍ بطنان الجنة أي سوطها، وقوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ قيل ذلك في الدنيا، فرضاه عنهم هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته وغفرانه، ورضاهم عنه: هو رضاهم بجميع ما قسم لهم من جميع الأرزاق والأقدار. قال بعض الصالحين: رضى العباد عن الله رضاهم بما يرد من أحكامه، ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضى عنه، وقال أبو بكر بن طاهر: الرضى عن الله خروج الكراهية عن القلب حتى لا يكون إلا فرح وسرور، وقال السري السقطي: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تطلب منه الرضا عنك؟ وقيل ذلك في الآخرة، فرضاهم عنه رضاهم بما من به عليهم من النعم، ورضاهم عنه هو ما روي أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: هل رضيتم بما أعطيتكم؟ فيقولون: نعم ربنا وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من كل ما أعطيتكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا، وخص الله بالذكر أهل الخشية لأنها رأس كل بركة الناهية عن المعاصي الآمرة بالمعروف.
стр. 2757
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الزّلزلة
وهي مكية، قاله ابن عباس وغيره. وقال قتادة ومقاتل: هي مدنية، لأن آخرها نزل بسبب رجلين كانا بالمدينة.
قوله :
[سورة الزلزلة (٩٩) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤)
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)
العامل في: إِذا على قول جمهور النحاة، وهو الذي يقتضيه القياس فعل مضمر يقتضيه المعنى وتقديره: تحشرون أو تجازون، ونحو هذا، ويمتنع أن يعمل فيه زُلْزِلَتِ لأن إِذا مضافة إلى زُلْزِلَتِ، ومعنى الشرط فيها ضعيف وقال بعض النحويين: يجوز أن يعمل فيها زُلْزِلَتِ، لأن معنى الشرط لا يفارقها، وقد تقدمت نظائرها في غير سورة، وزُلْزِلَتِ معناه: حركت بعنف، ومنه الزلزال، وقوله تعالى: زِلْزالَها أبلغ من قوله: زلزال، دون إضافة إليها، وذلك أن المصدر غير مضاف يقع على كل قدر من الزلزال وإن قل، وإذا أضيفت إليها وجب أن يكون على قدر ما يستحقه ويستوجبه جرمها وعظمها، وهكذا كما تقول: أكرمت زيدا كرامة فذلك يقع على كل كرامة وإن قلت بحسب زيد، فإذا قلت كرامته أوجبت أنك قد وفيت حقه، وقرأ الجمهور: «زلزالها» بكسر الزاي الأولى، وقرأ بفتحها عاصم الجحدري، وهو أيضا مصدر كالوسواس وغيره. و «الأثقال» : الموتى الذين في بطنها قاله ابن عباس، وهذه إشارة إلى البعث، وقال قوم من المفسرين منهم منذر بن سعيد الزجاج والنقاش: أخرجت موتاها وكنوزها.
قال القاضي أبو محمد: وليست القيامة موطنا لإخراج الكنوز، وإنما تخرج كنوزها وقت الدجال.
و «قول الإنسان ما لها» هو قول على معنى التعجب من هول ما يرى، قال جمهور المفسرين: الْإِنْسانُ هنا يراد به الكافر، وهذا متمكن لأنه يرى ما لم يظن به قط ولا صدقه، وقال بعض المتأولين هو عام في المؤمن والكافر، فالكافر على ما قدمناه، والمؤمن وإن كان قد آمن بالبعث فإنه استهول المرأى، وقد قال ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة» . و «أخبار الأرض» قال ابن مسعود والثوري وغيره: هو
стр. 2758
شهادتهما بما عمل عليها من عمل صالح أو فاسد، فالحديث على هذا حقيقة، والكلام بإدراك وحياة يخلقها الله تعالى، وأضاف الأخبار إليها من حيث وعتها وحصلتها، وانتزع بعض العلماء من قوله تعالى:
تُحَدِّثُ أَخْبارَها أن قول المحدث: حدثنا وأخبرنا سواء، وقال الطبري وقوم: التحديث في الآية مجاز، والمعنى أن ما تفعله بأمر الله من إخراج أثقالها وتفتت أجزائها وسائر أحوالها هو بمنزلة التحديث بأنبائها وأخبارها، ويؤيد القول الأول قول النبي ﷺ : «فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» ، وقرأ عبد الله بن مسعود: «تنبئ أخبارها» ، وقرأ سعيد بن جبير: «تبين» وقوله تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها الباء باء السبب، وقال ابن عباس وابن زيد والقرظي المعنى: أَوْحى لَها، وهذا الوحي على هذا التأويل يحتمل أن يكون وحي إلهام، ويحتمل أن يكون وحيا برسول من الملائكة، وقد قال الشاعر:
أوحى لها القرار فاستقرت ... وشدها بالراسيات الثبت
والوحي في كلام العرب إلقاء المعنى إلقاء خفيا، وقال بعض المتأولين: أَوْحى لَها معناه:
أَوْحى إلى ملائكته المصرفين أن تفعل في الأرض تلك الأفعال، وقوله تعالى: لَها بمعنى: من أجلها ومن حيث الأفعال فيها فهي لها، وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً بمعنى: يتصرفون موضع وردهم مختلفي الأحوال وواحد الأشتات: شت، فقال جمهور الناس:
الورد، هو الكون في الأرض بالموت والدفن، والصدر: هو القيام للبعث، وأَشْتاتاً: معناه: قوم مؤمنون وقوم كافرون، وقوم عصاة مؤمنون، والكل سائر إلى العرض ليرى عمله، ويقف عليه، وقال النقاش: الورد هو ورد المحشر، والصدر أَشْتاتاً: هو صدر قوم إلى الجنة، وقوم إلى النار، وقوله تعالى: لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ إما أن يكون معناه جزاء أعمالهم يراه أهل الجنة من نعيم وأهل النار بالعذاب، وإما أن يكون قوله تعالى: لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ متعلقا بقوله: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها، ويكون قوله: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً اعتراضا بين أثناء الكلام، وقرأ جمهور الناس: «ليروا» ، بضم الياء على بناء الفاعل للمفعول، وقرأ الحسن والأعرج وحماد بن سلمة والزهري وأبو حيوة: «ليروا» بفتح الياء على بنائه للفاعل، ثم أخبر تعالى أنه من عمل عملا رآه قليلا كان أو كثيرا، فخرجت العبارة عن ذلك بمثال التقليل، وهذا هو الذي يسميه أهل الكلام مفهوم الخطاب، وهو أن يكون المذكور والمسكوت عنه في حكم واحد، ومنه قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: ٢٣] ، وهذا كثير، وقال ابن عباس وبعض المفسرين: رؤية هذه الأعمال هي في الآخرة، وذلك لازم من لفظ السورة وسردها، فيرى الخير كله من كان مؤمنا، والكافر لا يرى في الآخرة خيرا، لأن خيره قد عجل له في الدنيا، وكذلك المؤمن أيضا تعجل له سيئاته الصغار في دنياه في المصائب والأمراض ونحوها فيجيء من مجموع هذا أن من عمل من المؤمنين مِثْقالَ ذَرَّةٍ من خير أو شر رآه، ويخرج من ذلك أن لا يرى الكافر خيرا في الآخرة. ومنه حديث عائشة ﵂، قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت ما كان عبد الله بن جدعان يفعله من البر وصلة الرحم وإطعام الطعام، أله في ذلك أجر؟ قال: «لا، لأنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» . وكان رسول الله ﷺ ، يسمي هذه الآية الجامعة الفادة، وقد نص على ذلك حين سئل عن الحمر الحديث، وأعطى
стр. 2759
سعد بن أبي وقاص سائلا ثمرتين فقبض السائل يده فقال له سعد: ما هذا؟ إن الله تعالى قبل منا مثاقيل الذر وفعلت نحو هذا عائشة في حبة عنب وسمع هذه الآية صعصعة بن عقال التيمي عند النبي ﷺ ، فقال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها، وسمعها رجل عند الحسن، فقال: انتهت الموعظة، فقال الحسن: فقه الرجل، وقرأ هشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: «يره» ، بسكون الهاء في الأولى والأخيرة، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ونافع فيما روى عنه ورش والحلواني عن قالون عنه في الأولى «يرهو» ، وأما الآخرة فإنه سكون وقف، وأما من أسكن الأولى فهي على لغة من يخفف أمثال هذا ومنه قول الشاعر:
ونضواي مشتاقان له أرقان وهذه على لغة لم يحكها سيبويه، لكن حكاها الأخفش، وقرأ أبو عمرو: «يره» بضم الهاء فيهما مشبعتان، وقرأ أبان عن عاصم وابن عباس وأبو حيوة وحميد بن الربيع عن الكسائي: «يره» ، بضم الياء، وهي رؤية بصره بمعنى: يجعل يدركه ببصره، والمعنى: يرى جزاءه وثوابه، لأن الأعمال الماضية لا ترى بعين أبدا، وهذا الفعل كله هو من رأيت بمعنى أدركت ببصري، فتعديه إنما هو إلى مفعول واحد، وقرأ عكرمة: «خيرا يراه» و «شرا يراه» ، وقال النقاش: ليست برؤية بصر، وإنما المعنى يصيبه ويناله، ويروى أن هذه السورة نزلت وأبو بكر يأكل مع النبي ﷺ ، فترك أبو بكر الأكل وبكى، فقال له رسول الله ﷺ : ما يبكيك، فقال: يا رسول الله: أو أسأل عن مثاقيل الذر؟ فقال له رسول الله ﷺ : يا أبا بكر: ما رأيت في الدنيا مما تكره، فمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير إلى الآخرة، و «الذرة» نملة صغيرة حمراء رقيقة لا يرجح لها ميزان، ويقال إنها تجري إذا مضى لها حول، وقد تؤول ذلك في قول امرئ القيس: [الطويل]
من القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا
وحكى النقاش أنهم قالوا: كان بالمدينة رجلان، أحدهما لا يبالي عن الصغائر يرتكبها، وكان الآخر: يريد أن يتصدق فلا يجد إلا اليسير فيستحيي من الصدقة، فنزلت الآية فيهما، كأنه يقال لأحدهما:
تصدق باليسير، فإن مثقال ذرة الخير ترى، وقيل للآخر: كف عن الصغائر فإن مقادير ذر الشر ترى.
نجز تفسيرها والحمد لله كثيرا.
стр. 2760
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة العاديات
وهي مكية في قول جماعة من أهل العلم، وقال المهدوي عن أنس بن مالك: وهي مدنية.
قوله :
[سورة العاديات (١٠٠) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤)
فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩)
وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)
اختلف الناس في المراد: ب الْعادِياتِ، فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة: أراد الخيل لأنها تعدو بالفرسان وتصيح بأصواتها، قال بعضهم: وسببها أن رسول الله ﷺ بعث خيلا إلى بني كنانة سرية فأبطأ أمرها عليه حتى أرجف بهم بعض المنافقين، فنزلت الآية معلمة أن خيله ﵇ قد فعلت جميع ما في الآية، وقال آخرون: القسم هو بالخيل جملة لأنها تعدو ضابحة قديما وحديثا، وهي حاصرة البلاد وهادمة الممالك، وفي نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وإبراهيم وعبيد بن عمير: الْعادِياتِ في هذه الآية: الإبل لأنها تضبح في عدوها، قال علي: والقسم بالإبل العاديات من عرفة ومن مزدلفة إذا وقع الحاج وبإبل غزوة بدر فإنه لم يكن في الغزوة غير فرسين: فرس المقداد وفرس الزبير بن العوام، والضبح: تصويت جهير عند العدو الشديد ليس بصهيل ولا رغاء ولا نباح، بل هو غير المعتاد من صوت الحيوان الذي يضبح. وحكي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ليس يضبح من الحيوان غير الخيل والكلاب، وهذا عندي لا يصح عن ابن عباس ﵁، وذلك أن الإبل تضبح والأسود من الحيات والبوم والصدى والأرنب والثعلب، والقوس هذه كلها قد استعملت لها العرب الضبح، وأنشد أبو حنيفة في صفة قوس: [الرجز]
حنانة من نشم أو تالب ... تضبح في الكف ضباح الثعلب
والظاهر في الآية، أن القسم بالخيل أو بالإبل أو بهما، قوله تعالى: فَالْمُورِياتِ قَدْحاً قال علي بن أبي طالب وابن مسعود: هي الإبل، وذلك أنها في عدوها ترجم الحصى بالحصى فيتطاير منه النار فذلك القدح. قال ابن عباس: هي الخيل، وذلك بحوافرها في الحجارة وذلك معروف. وقال عكرمة:
стр. 2761
الموريات قَدْحاً: هي الألسن، فهذا على الاستعارة أي ببيانها تقدح الحجج وتظهرها. وقال مجاهد:
الموريات قَدْحاً، يريد به مكر الرجال، وقال قتادة: «الموريات» ، الخيل تشعل الحرب، فهذا أيضا على الاستعارة البينة، وقال ابن عباس أيضا وجماعة من العلماء: الكلام عام يدخل في القسم كل من يظهر بقدحه نارا، وذلك شائع في الأمم طول الدهر وهو نفع عظيم من الله تعالى، وقد وقف عليه في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ [الواقعة: ٧١] معناه: تظهرون بالقدح، قال عدي بن زيد:
[الخفيف]
فقدحنا زنادا وورينا ... فوق جرثومة من الأرض نار
وقوله تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً قال علي وابن مسعود: هي الإبل من مزدلفة إلى منى أو في بدر، والعرب تقول: أغار إذا عدا جريا ونحوه، وقال ابن عباس وجماعة كثيرة: هي الخيل واللفظة من الغارة في سبيل الله وغير ذلك من سير الأمم، وعرف الغارات أنها مع الصباح لأنها تسري ليلة الغارة والنقع: الغبار الساطع المثار، وقرأ أبو حيوة: «فأثّرن» بشد الثاء، والضمير في: بِهِ ظاهر أنه للصبح المذكور، ويحتمل أن يكون للمكان والموضع الذي يقتضيه المعنى وإن كان لم يجر له ذكر، ولهذا أمثلة كثيرة، ومشهورة إثارة النقع هو للخيل ومنه قول الشاعر [البسيط]
يخرجن من مستطير النقع دامية ... كأن آذانها أطراف أقلام
وقال علي بن أبي طالب ﵁: هو هنا الإبل تثير النقع بأخفافها، وقوله تعالى: فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً قال ابن عباس وعلي: هي الإبل، وجَمْعاً: هي المزدلفة، وقال ابن عباس: هي الخيل، والمراد جمع من الناس هم المغيرون، وقرأ علي بن أبي طالب وقتادة وابن أبي ليلى: «فوسّطن» بشد السين. وقال بشر بن أبي حازم: [الكامل]
فوسطن جمعهم وأفلت حاجب ... تحت العجاجة في الغبار الأقتم
وذكر الطبري عن زيد بن أسلم: أنه كان يكره تفسير هذه الألفاظ، ويقول: هو قسم أقسم الله به، وجمهور الأمة وعلماؤها مفسرون لها كما ذكرنا، والقسم واقع على قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتدرون ما الكنود؟ قالوا لا يا رسول الله، قال: هو الكفور الذي يأكل وحده ويمنع رفده، ويضرب عبده» . وقد يكون من المؤمنين الكفور بالنعمة، فتقدير الآية: إن الإنسان لنعمة ربه لكنود، وأرض كنود لا تنبت شيئا، وقال الحسن بن أبي الحسن: الكنود اللائم لربه الذي يعد السيئات وينسى الحسنات، والكنود العاصي بلغة كندة، ويقال للخيل كنود، وقال أبو زبيد: [الخفيف]
إن تفتني فلم أطب بك نفسا ... غير أني أمنى بدهر كنود
وقال الفضيل: الكنود الذي تنسيه سيئة واحدة حسنات كثيرة ويعامل الله على عقد عوض، وقوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ يحتمل الضمير أن يعود على الله تعالى، وقاله قتادة: أي وربه شاهد عليه، وتفسير هذا الخبر يقتضي الشهادة بذلك، ويحتمل أن يعود على «الإنسان» أي أفعاله وأقواله وحاله
стр. 2762
المعلومة من هذه الأخلاق تشهد عليه، فهو شاهد على نفسه بذلك، وهذا قول الحسن ومجاهد، والضمير في قوله تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ عائد على «الإنسان» لا غير، والمعنى من أجل حب الخير إنه لَشَدِيدٌ، أي بخيل بالمال ضابط له، ومنه قول الشاعر [طرفة بن العبد] : [الطويل]
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
والْخَيْرُ المال على عرف ذلك في كتاب الله تعالى، قال عكرمة: الْخَيْرُ حيث وقع في القرآن فهو المال، ويحتمل أن يراد هنا الخير الدنياوي من مال وصحة وجاه عند الملوك ونحوه، لأن الكفار والجهال لا يعرفون غير ذلك، فأما المحب في خير الآخرة فممدوح له مرجو له الفوز وقوله تعالى: أَفَلا يَعْلَمُ، توقيف على المال والمصير أي أفلا يعلم مآله فيستعد له، و «بعثرة ما في القبور» : تقصيه مما يستره والبحث عنه، وهذه عبارة عن البحث، وفي مصحف ابن مسعود: «بحث ما في القبور» ، وفي حرف أبي:
«وبحثرت القبور» ، و «تحصيل ما في الصدور» : تمييزه وكشفه ليقع الجزاء عليه من إيمان وكفر ونية، ويفسره قول النبي ﷺ : «يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم» ، وقرأ يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم: بفتح الحاء والصاد، ثم استؤنف في الخبر الصادق، الجزم بأن الله تعالى خبير بهم يَوْمَئِذٍ، لكن خصص يَوْمَئِذٍ لأنه يوم المجازاة، فإليه طمحت النفوس، وهذا وعيد مصرح.
نجز تفسير سورة «العاديات» .
стр. 2763
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة القارعة
وهي مكية بلا خلاف.
قوله :
[سورة القارعة (١٠١) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤)
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩)
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)
قرأ: «القارعة ما القارعة» بالنصب عيسى، قال جمهور المفسرين: الْقارِعَةُ يوم القيامة نفسها لأنها تقرع القلوب بهولها، وقال قوم من المتأولين: الْقارِعَةُ: صيحة النفخة في الصور، لأنها تقرع الأسماع، وفي ضمن ذلك القلوب، وفي قوله تعالى: وَما أَدْراكَ تعظيم لأمرها، وقد تقدم مثله، ويَوْمَ: ظرف، والعامل فيه الْقارِعَةُ. وأمال أبو عمرو: الْقارِعَةُ، و «الفراش» : طير دقيق يتساقط في النار ويقصدها، ولا يزال يقتحم على المصباح ونحوه حتى يحترق، ومنه قول الرسول ﷺ : «أنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب» ، وقال الفراء:
«الفراش» في الآية: غوغاء الجراد وهو صغيره الذي ينتشر في الأرض والهواء، الْمَبْثُوثِ هنا معناه:
المتفرق، جمعه وجملته موجودة متصلة، وقال بعض العلماء: الناس أول قيامهم من القبور كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام، يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر فهم حينئذ كالجراد المنتشر، لأن الجراد إنما توجهه إلى ناحية مقصودة، واختلف اللغويون في: «العهن» ، فقال أكثرهم: هو الصوف عاما، وقال آخرون: وهو الصوف الأحمر، وقال آخرون: هو الصوف الملون ألوانا، واحتج بقول زهير:
كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم
والفنا: عنب الثعلب، وحبه قبل التحطم منه الأخضر والأحمر والأصفر، وكذلك الجبال جدد بيض وحمر وسود وصفر، فجاء التشبيه ملائما، وكون الْجِبالُ كَالْعِهْنِ، إنما هو وقت التفتيت قبل النسف
стр. 2764
ومصيرها هباء، وهي درجات، والنفش: خلخلة الأجزاء وتفريقها عن تراصها، وفي قراءة ابن مسعود وابن جبير: «كالصوف المنفوش» ، و «الموازين» : هي التي في القيامة، فقال جمهور العلماء والفقهاء والمحدثين: ميزان القيامة بعمود ليبين الله أمر العباد بما عهدوه وتيقنوه، وقال مجاهد: ليس تم ميزان إنما هو العدل مثل ذكره بالميزان إذ هو أعدل ما يدري الناس، وجمعت الموازين للإنسان لما كانت له موزونات كثيرة متغايرة، وثقل هذا الميزان هو بالإيمان والأعمال، وخفته بعدمها وقلتها، ولن يخف خفة موبقة ميزان مؤمن. وعِيشَةٍ راضِيَةٍ معناه: ذات رضى على النسب، وهذا قول الخليل وسيبويه، وقوله تعالى:
فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ قال كثير من المفسرين: المراد بالأم نفس الهاوية، وهي درك من أدراك النار، وهذا كما يقال للأرض: أم الناس لأنها تؤويهم، وكما قال عتبة بن أبي سفيان في الحرب: فنحن بنوها وهي أمنا، فجعل الله الهاوية أم الكافر لما كانت مأواه، وقال آخرون: هو تفاؤل بشر فيه تجوز في أم الولاد، كما قالوا: أمه ثاكل وخوى نجمه وهوى نجمه ونحو هذا، وقال أبو صالح وغيره: المراد أم رأسه لأنهم يهوون على رؤوسهم، وقرأ طلحة: «فإمّه» بكسر الهمزة وضم الميم مشددة، ثم قرر تعالى نبيه على دراية أمرها وتعظيمه ثم أخبره أنها نارٌ حامِيَةٌ، وقرأ: «ما هي» بطرح الهاء في الوصل ابن إسحاق والأعمش، وروى المبرد أن النبي ﷺ قال لرجل: لا أم لك، فقال: يا رسول الله، أتدعوني إلى الهدى وتقول: لا أم لك، فقال رسول الله ﷺ : إنما أردت لا نار لك، قال الله تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ.
стр. 2765
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة التّكاثر
وهي مكية لا أعلم فيها خلافا.
قوله :
[سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)
كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)
«ألهى» معناه: شغل بلذاته، ومنه لهو الحديث والأصوات واللهو بالنساء، وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ وتحسر، وقرأ ابن عباس وعمران الجوني وأبو صالح: «أألهاكم» على الاستفهام، والتَّكاثُرُ هي المفاخرة بالأموال والأولاد والعدد جملة، وهذا هجيرى أبناء الدنيا: العرب وغيرهم لا يتخلص منهم إلا العلماء المتقون، وقد قال الأعشى: [السريع]
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
وقال النبي ﷺ : «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» ، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ، فقال قوم: حتى ذكرتم الموت في تفاخركم بالآباء والسلف، وتكثرتم بالعظام الرمام، وقال المعنى: حتى متم وزرتم بأجسادكم مقابرها أي قطعتم بالتكاثر أعماركم، وعلى هذا التأويل روي أن أعرابيا سمع هذه الآية فقال: بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم، وحكى النقاش هذه النزعة من عمر بن عبد العزيز، وقال آخرون: هذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور أي حتى جعلتم أشغالكم القاطعة بكم عن العبادة والتعلم زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة بذكره، وقال ثم قال النبي ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها ولا تقولوا هجرا» فكان نهيه ﵇ في معنى الآية، ثم أباح بعد لمعنى الاتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر كما يصنع الناس في ملازمتها وتسنيمها بالحجارة والرخام وتلوينها شرفا وبنيان النواويس عليها، وقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ زجر ووعيد ثم كرر تأكيدا، ويأخذ كل إنسان من الزجر والوعيد المكررين على قدر حظه من التوغل فيما يكره، هذا تأويل
стр. 2766
جمهور الناس، وقال علي بن أبي طالب: «كلا ستعلمون في القبور ثم كلا ستعلمون في البعث» ، وقال الضحاك: الزجر الأول وعيده هو للكفار والثاني للمؤمنين، وقرأ مالك بن دينار: «كلا ستعلمون» فيهما، وقوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ جواب لَوْ محذوف مقدر في القول أي لازدجرتم وبادرتم إنقاذ أنفسكم من الهلكة، و «اليقين» أعلى مراتب العلم، ثم أخبر تعالى الناس أنهم يرون الجحيم، وقرأ ابن عامر والكسائي: «لترون» بضم التاء، وقرأ الباقون بفتحها وهي الأرجح، وكذلك في الثانية، وقرأ علي بن أبي طالب بفتح التاء الأولى وضمها في الثانية، وروي ضمها عن ابن كثير وعاصم، و «ترون» أصله ترأيون نقلت حركة الهمزة إلى الراء وقلبت الياء ألفا لحركتها بعد مفتوح، ثم حذفت الألف لسكونها.
وسكون الواو بعدها ثم جلبت النون المشددة فحركت الواو بالضم لسكونها وسكون النون الأولى من المشددة إذ قد حذفت نون الإعراب للبناء، وقال ابن عباس: هذا خطاب للمشركين، فالمعنى على هذا أنها رؤية دخول. وصلي وهو عَيْنَ الْيَقِينِ، وقال آخرون: الخطاب للناس كلهم، فهي كقوله تعالى:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] ، فالمعنى أن الجميع يراها، ويجوز الناجي ويتكردس فيها الكافر، وقوله تعالى: ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ تأكيدا في الخبر، وعَيْنَ الْيَقِينِ حقيقته وغايته، وروي عن الحسن وأبي عمرو أنهما همزا «لترؤن» ولترؤنها» بخلاف عنهما، وروى ابن كثير: «ثم لترونها» بضم التاء، ثم أخبر تعالى أن الناس مسؤولون يومئذ عن نعيمهم في الدنيا كيف نالوه ولم آثروه وتتوجه في هذا أسئلة كثيرة بحسب شخص شخص من منقادة لمن أعطي فهما في كتاب الله تعالى، وقال ابن مسعود والشعبي وسفيان ومجاهد: النَّعِيمِ هو الأمن والصحة، وقال ابن عباس: هو البدن والحواس يسأل المرء فيما استعملها، وقال ابن جبير: هو كل ما يتلذذ به من طعام وشراب، وأكل رسول الله ﵇ هو وبعض أصحابه رطبا وشربوا عليها ماء فقال لهم: «هذا من النعيم الذي تسألون عنه» ومضى يوما ﵇ هو وأبو بكر وعمر وقد جاؤوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان فذبح لهم شاة وأطعمهم خبزا ورطبا واستعذب لهم ماء وكانوا في ظل، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم» ، وروي عنه ﵇ أنه قال: «النعيم المسئول عنه كسرة تقوته والماء يرويه وثوب يواريه» ، وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ «أن النعيم المسئول عنه الماء البارد في الصيف» ، وقال ﵇: «من أكل خبز البر وشرب الماء البارد فذلك النعيم الذي يسأل عنه» ، وقال ﵇: «بيت يكنك وخرقة تواريك وكسرة تشد قلبك، وما سوى ذلك فهو نعيم» . وقال النبي ﵇: «كل نعيم فهو مسؤول عنه إلا نعيم في سبيل الله » .
نجز تفسير سورة التَّكاثُرُ
стр. 2767
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة العصر
وهي مكية.
قوله :
[سورة العصر (١٠٣) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
قال ابن عباس: الْعَصْرِ: الدهر، يقال فيه عصر وعصر بضم العين والصاد، وقال امرؤ القيس:
وهل يعمن من كان في العصر الخالي وقال قتادة: الْعَصْرِ العشي، وقال أبي بن كعب: سألت النبي ﷺ عن العصر فقال: «أقسم ربكم بآخر النهار» ، وقال بعض العلماء: وذكره أبو علي الْعَصْرِ: اليوم، وَالْعَصْرِ:
الليلة ومنه قول حميد: [الطويل]
ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وقال بعض العلماء: الْعَصْرِ: بكرة والعصر: عشية وهما الأبردان، وقال مقاتل: الْعَصْرِ هي الصلاة الوسطى أقسم بها، و «الإنسان» اسم الجنس، و «الخسر» : النقصان وسوء الحال، وذلك بين غاية البيان في الكافر لأنه خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وأما المؤمن وإن كان في خسر دنياه في هرمه وما يقاسيه من شقاء هذه الدار فذلك معفو عنه في جنب فلاحه في الآخرة وربحه الذي لا يفنى، ومن كان في مدة عمره في التواصي بالحق والصبر والعمل بحسب الوصاة فلا خسر معه، وقد جمع له الخير كله، وقرأ علي بن أبي طالب: «والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان» ، وفي مصحف عبد الله:
«والعصر لقد خلقنا الإنسان في خسر» وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ «إن الإنسان لفي خسر وإنه فيه إلى آخر الدهر إلا الذين» ، وقرأ عاصم والأعرج: «لفي خسر» بضم السين، وقرأ سلام أبو المنذر:
«والعصر» بكسر الصاد «وبالصبر» بكسر الباء، وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة، وروي عن أبي عمرو: «بالصبر» بكسر الباء إشماما، وهذا أيضا لا يكون إلا في الوقف.
نجز تفسير سورة الْعَصْرِ.
стр. 2768
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الهمزة
وهي مكية بلا خلاف.
قوله :
[سورة الهمزة (١٠٤) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)
وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)
وَيْلٌ لفظ يجمع الشر والحزن، وقيل وَيْلٌ: واد في جهنم، و «الهمزة» الذي يهمز الناس بلسانه أي يعيبهم، ويغتابهم، وقال ابن عباس: هو المشاء بالنميم.
قال القاضي أبو محمد: ليس به لكنهما صفتان تتلازم، قال الله تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: ١١] ، وقال مجاهد: «الهمزة» الذي يأكل لحوم الناس، وقيل لأعرابي: أتهمز إسرائيل فقال: إني إذا لرجل سوء، حسب أنه يقال له أتقع في سبه، و «اللمزة» قريب من المعنى في الهمزة، قال الله تعالى:
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] ، وقرأ ابن مسعود والأعمش والحسن: «ويل الهمزة اللمزة» ، وهذا البناء الذي هو فعلة يقتضي المبالغة في معناه، قال أبو العالية والحسن: الهمز بالحضور واللمز بالمغيب، وقال مقاتل ضد هذا، وقال مرة: هما سواء، وقال ابن أبي نجيح: الهمز باليد والعين، واللمز باللسان، وقال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [التوبة: ٥٨] وقيل نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق وقيل في جميل بن عامر الجمحي ثم هي تتناول كل من اتصف بهذه الصفات، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والحسن وأبو جعفر: «جمّع» بشدة الميم، والباقون بالتخفيف، وقوله وَعَدَّدَهُ معناه: أحصاه وحافظ على عدده وأن لا ينتقص، فمنعه من الخيرات ونفقة البر، وقال مقاتل: المعنى استعده وذخره وقرأ الحسن:
«وعدده» بتخفيف الدالين، فقيل المعنى جمع مالا وعددا من عشرة، وقيل أراد عددا مشددا فحل التضعيف، وهذا قلق، وقوله: يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ معناه: يحسب أن ماله هو معنى حياته وقوامها، وأنه حفظه مدة عمره ويحفظه، ثم رد على هذه الحسبة وأخبر إخبارا مؤكدا أنه ينبذ فِي الْحُطَمَةِ أي التي
стр. 2769
تحطم ما فيها وتلتهبه، وقرأ: «يحسب» بفتح السين الأعرج وأبو جعفر وشيبة، وقرأ ابن محيصن والحسن بخلاف عنه: «لينبذان» بنون مكسورة مشددة قبلها ألف، يعني هو ماله، وروي عنه ضم الذال على نبذ جماعة هو ماله وعدده، أو يريد جماعة الهمزات ثم عظم شأنها وأخبر أنها نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ التي يبلغ إحراقها القلوب ولا يخمد، والفؤاد القلب، ويحتمل أن يكون المعنى أنها لا يتجاوزها أحد حتى تأخذه بواجب عقيدة قلبه ونيته فكأنها متطلعة على القلوب باطلاع الله تعالى إياها، ثم أخبر بأنها عليهم موصدة ومعناه مطبقة أو مغلقة، قال علي بن أبي طالب: أبواب النار بعضها فوق بعض، وقوله تعالى: فِي عَمَدٍ هو جمع عمود كأديم وأدم، وهي عند سيبويه أسماء جمع لا جموع جارية على الفعل، وقرأ ابن مسعود:
«موصدة بعمد ممدّدة» ، وقال ابن زيد: المعنى في عمد حديد مغلولين بها والكل من نار، وقال أبو صالح:
هذه النار هي في قبورهم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي: «عمد» بضم العين والميم، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بفتحهما، وقرأ الجمهور: «ممددة» بالخفض على نعت العمد، وقرأ عاصم: «ممددة» بالرفع على اتباع مُؤْصَدَةٌ.
نجز تفسيرها بحمد الله.
стр. 2770
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الفيل
وهي مكية بإجماع الرواة.
قوله :
[سورة الفيل (١٠٥) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)
كَيْفَ نصب بفعل والجمهور على أنه فيل واحد، وقال الضحاك: ثمانية، فهو اسم الجنس وقوله مردود، وحكى النقاش: ثلاثة عشر، وهذه السورة تنبيه على الاعتبار في أخذ الله تعالى لأبرهة ملك الحبشة ولجيشه حين أم به الكعبة ليهدمها، وكان صاحب فيل يركبه، وقصته مشروحة في السير الطويلة، واختصاره أنه بنى في اليمن بيتا وأراد أن يرد إليه حج العرب، فذهب أعرابي فأحدث في البيت الذي بنى أبرهة فغضب لذلك واحتفل في جموعه وركب الفيل وقصد مكة، وغلب من تعرضه في طريقه من قبائل العرب، فلما وصل ظاهر مكة وفر عبد المطلب وقريش إلى الجبال والشعاب، وأسلموا له البلد، وغلب طغيانه، ولم يكن للبيت من البشر من يعصمه ويقوم دونه، جاءت قدرة الواحد القهار وأخذ العزيز المقتدر، فأصبح أبرهة ليدخل مكة ويهدم الكعبة فبرك فيله بذي الغميس ولم يتوجه قبل مكة فبضعوه بالحديد فلم يمش إلى ناحية مكة وكان إذا وجهوه إلى غيرها هرول، فبينا هم كذلك في أمر الفيل بعث الله عَلَيْهِمْ طَيْراً جماعات جماعات سودا من البحر وقيل خضرا، عند كل طائر ثلاثة أحجار في منقاره ورجليه وكل حجر فوق العدسة ودون الحمصة فرمتهم بتلك الحجارة، فكان الحجر منها يقتل المرمي وتتهرى لحومهم جذريا، وأسقاما، فانصرف أبرهة بمن معه يريد اليمن فماتوا في طريقهم متفرقين في كل مرحلة، وتقطع أبرهة أنملة أنملة حتى مات وحمى الله بيته المرفع، فنزلت الآية منبهة على الاعتبار بهذه القصة، ليعلم الكل أن الأمر كله لله، ويستسلموا للإله الذي ظهرت في ذلك قدرته، حين لم تغن الأصنام شيئا ف «أصحاب الْفِيلِ» : أبرهة الملك ورجاله، وقرأ أبو عبد الرحمن: «ألم تر» بسكون الراء، و «التضليل» الخسار والتلف، و «الأبابيل» :
جماعات تجيء شيئا بعد شيء، قال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه وهذا هو الصحيح لا ما تكلفه بعض النحاة وقال [معبد بن أبي معبد الخزاعي] : [البسيط]
كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سارت الأرض بالجرد الأبابيل
следующие страницы →