← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقوله: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً- أى حرزا- أَوْ مَغاراتٍ (٥٧) وهي الغِيران واحدها غار فِي الجبال أَوْ مُدَّخَلًا يريد: سَرَبا فِي الأرض. لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ مسرعين الجمح هاهنا: الإسراع. وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ (٥٨) يقول: بعيبك، ويقولون: لا يقسم بالسَّوِيَّة. فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا فلم يعيبوا. ثُمَّ إِنّ الله ﵎ بيّن لَهُم لمن الصدقات. فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ (٦٠) وهم أهل صُفَّة «١» رسول الله ﷺ ، كانوا لا عشائر لَهم، كانوا يلتمسونَ الفضل بالنهار، ثُمَّ يأوون إلى مسجد رسول الله ﷺ ، فهؤلاء الفقراء. وَالْمَساكِينِ: الطوّافين على الأبواب وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وهم السعاة. وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وهم أشراف العرب، كَانَ رسول الله ﷺ يعطيهم ليجترّبه إسلام قومهم. وَفِي الرِّقابِ يعنى المكاتبين وَالْغارِمِينَ: أصحاب الدَّيْن الَّذِين ركبهم فِي غير إفساد.

стр. 457

وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ: الجهاد وَابْنِ السَّبِيلِ: المنقطع بِهِ، أو الضيف. (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) نصب على القطع. والرفع فى (فريضة) جائز لو قرئ «١» بِهِ. وهو فِي الكلام بِمنزلة قولك: هُوَ لك هبةً وهِبةٌ، وهو عليك صدقةً وصدقةٌ، والمالُ بينكما نصفين ونصفان، والمالُ بينكما شِقّ الشَعَرة وشقُّ.... وقوله: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ (٦١) اجتمعَ قوم عَلَى عَيب «٢» النَّبِيّ ﷺ فيقول رجل منهم: إن هَذَا يبلّغ محمدا- ﷺ فيقع بنا، ف يَقُولُونَ: إنما هُوَ أُذُنٌ سامعة إِذَا أتيناهُ صدّقَنا، فقولوا ما شئتم. فأنزلَ الله قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي كما تقولون، ولكنه لا يصدقكم، إنما يصدّق المؤمنين. وهو قوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ: يصدق بالله. وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: يصدّق الْمُؤْمِنِين. وهو كقوله: لِلَّذِينَ «٣» هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ أي يرهبون ربهم. وأمّا قوله: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فمتصل بِما قبله. وقوله: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا إن شئت خفضتها «٤» تتبعها لخير، وإن شئت «٥» رفعتها أتبعتها الأذن. وقد «٦» يُقرأ: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ كقوله: قل أذن أفضل لكم و (خير) إِذَا خفض فليس عَلَى معنى أفضل إِذَا خفضت (خير) فكأنك قلت: أذن صلاح لكم، وَإِذَا قلت: (أذن خير لكم) ، فإنك قلت: أذن أصلح لكم. ولا تكون الرحمة إذا رفعت (خير) إلا رفعا. ولو نصبت الرحمة على

стр. 458

غير هَذَا الوجه كَانَ صوابًا: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويؤمن للمؤمنين، ورحمة) يفعل ذَلِكَ. وهو كقوله: إِنَّا «١» زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً. وقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ (٦٢) وحّد «٢» (يرضوه) ولم يقل: يرضوهما لأن المعنى- والله أعلم- بمنزلة قولك: ما شاء الله وشئتُ إنما يقصد بالمشيئة قصدُ الثاني، وقوله: «مَا شاءَ اللَّهُ» تعظيم لله مقدم قبل الأفاعيل كما تَقُولُ لعبدك: قد أعتقك الله وأعتقتُك. وإن شئت أردت: يرضوهما فاكتفيت بواحد كقوله: نحن بِمَا عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأي مختلف ولم يقل: راضون. وقوله: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً (٦٦) والطائفة واحد واثنان، وإِنَّما نزل فِي ثلاثة نفر استهزأ رجلان برسول الله ﷺ والقرآن، وضحك إليهما آخر، فنزل إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ يعنى الواحد الضاحك نُعَذِّبْ طائِفَةً يعني المستهزئين. وقد جاء وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ «٣» يعني واحدًا. ويقرأ: «إن يُعْفَ عَن طائفة منكم تعذّب طائفة» . و «إن يعف ... يعذّب طائفة» . وقوله: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ (٦٧) : يُمسكون عَن النفقة عَلَى النَّبِيّ ﷺ .

стр. 459

وقوله: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (٦٩) أي فعلتم كأفعال الَّذِينَ من قبلكم. وقوله: فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ. يقول: رضوا بنصيبهم فِي الدُّنْيَا من أنصبائِهم فى الآخرة. وقوله: فَاسْتَمْتَعْتُمْ أي أردتم ما أراد الَّذِينَ من قبلكم. وقوله: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا يريد: كخوضهم الَّذِي خاضوا. وقوله: وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ (٧٠) يقال: إنها قريات قوم لوط وهود وصالِح. ويُقال: إنهم أصحاب لوط خاصَّة. جُمعوا بالتاء عَلَى قوله: وَالْمُؤْتَفِكَةَ «١» أَهْوى. وكأنّ جمعهم إذ قيل الْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ عَلَى الشِيع والطوائف كما قيل: قتلت الفُدَيكات، نسبوا إلى رئيسهم أبي فديك» . وقوله: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (٧٢) رفع بالاكبر، وَعُدِلَ عَن أن يُنْسَق عَلَى ما قبله وهو مما قد وعدهم الله ﵎، ولكنه أوثر بالرفع لتفضيله كما تَقُولُ فِي الكلام: قد وصلتك بالدراهم والثياب، وَحُسْنُ رأيي خير لك من ذَلِكَ. وقوله: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ (٧٤) هَذَا تعيير لَهُمْ لأن رسول الله ﷺ قَدِمَ عَلَى أهل المدينة وهم محتاجونَ، فأَثْرَوا من الغنائم، فقال: وَمَا نَقَمُوا إِلا الغِنى ف (أَنْ) فِي موضع نصب.

стр. 460

وقوله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ (٧٩) يراد بِهِ: المتطوعين «١» فأدغم التاء عند الطَّاء فصارت طاء مشددة. وكذلك (ومن «٢» يَطَّوَّعْ خَيْرًا) ، (وَالْمُطَّهِّرِينَ) «٣» . ولمزهم إياهم: تنقُّصُهم وَذَلِكَ أنَّ النَّبِيّ ﷺ حثّ الناس عَلَى الصدقة، فجاء عمر بصدقة وعثمان بن عفان بصدقة عظيمة، وبعض أصحاب النَّبِيّ ﷺ ثُمَّ جاء رجل يُقال لَهُ أَبُو عُقَيل بصاع من تَمر، فقال المنافقون: ما أخرج هَؤُلاءِ صدقاتِهم إلا رِياء، وأمّا أَبُو عقيل فإنما جاء بصاعه ليُذْكر بنفسه، فأنزل الله ﵎: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ يعني المهاجرين وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ. يعني أبا عقيل. والجُهْد لغة أهل الحجاز والوُجْد، ولغة غيرهم الجَهْد والوَجْد. وقوله: فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) من الرجال، خلوف وخالفون، والنساء خوالف: اللاتي يخلُفن فِي البيت فلا يبرحن. ويُقال: عبد خالف، وصاحب خالف: إِذَا كَانَ مخالفًا. وقوله: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ (٩٠) وهم الَّذِينَ لَهُم عُذْر. وهو فِي المعنى المعتذرونَ، ولكن التاء أدغمت عند الذَّال فصارتا جميعًا (ذالا) مشددة، كما قيل يذّكرون ويذَّكَّر. وهو مثل (يخصّمون) «٤» لمن فتح الخاء، كذلك فتحت الْعَين لأن إعراب التاء صار فِي الْعَين كانت- والله أعلم-

стр. 461

المعتذرون. وأمّا المعذِّر عَلَى جهة المْفَعِّل فهو الَّذِي يعتذر بغير عذر حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو حَفْصٍ الْخَرَّازُ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ «١» : (الْمُعْذِرُونَ) ، وَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْمُعَذِّرِينَ ذَهَبَ إِلَى مَنْ يَعْتَذِرُ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالْمُعْذِرُ: الَّذِي قَدْ بَلَغَ أَقْصَى الْعُذْرِ. وَالْمُعْتَذِرُ قَدْ يَكُونُ فِي مَعْنَى الْمُعْذِرِ، وَقَدْ يَكُونُ لا عُذْرَ لَهُ. قَالَ اللَّهُ ﵎ فِي الَّذِي لا عُذْرَ لَهُ: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ (٩٤) ثم قال: (لا تعتذروا) لا عُذْرَ لَكُمْ. وقال لَبِيد فِي معنى الاعتذار بالإعذار إِذَا جعلهما واحدًا: وقوما فقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمشا وجهًا ولا تحلقا الشعر إلى الحول ثُمَّ اسمُ السَّلام عليكما ... ومَنْ يبكِ حولا كاملا فقد اعتذر يريد: فقد أعذر. وقوله: حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا (٩٢) (يَجِدُوا) فِي موضع نصب بأن، ولو كانت رفعا على أن يجعل (لا) فِي مذهب (لَيْسَ) كأنك قلت: حزنًا أن لَيْسَ يَجدونَ ما يُنفقونَ، ومثله. قوله: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا «٢» . وقوله: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ «٣» . وكل موضع صلحت (لَيْسَ) فِيهِ فِي موضع (لا) فلك أن ترفع الفعل الَّذِي بعد (لا) وتنصبه.

стр. 462

وقوله: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً (٩٧) نزلت فِي طائفة من أعراب أَسَد وغَطَفان وحاضرى المدينة. و (أجدر) كقولك: أحرى، وأخلق. وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا موضع (أن) نصب. وكل موضع دخلت فِيهِ (أن) والكلام الَّذِي قبلها مكتفٍ بما خفضه أو رفعه أو نصبه ف (أن) فِي موضع نصب كقولك: أتيتك أنك محسن، وقمت أنك مسيء، وَثَبَتُّ عندك أنك صديق وصاحب. وقد تبين لك أن (أن) فِي موضع نصب لأنك تضع فِي موضع (أن) المصدر فيكون نصبًا ألا ترى أنك تَقُولُ: أتيتك إحسانك، فدلّ الإحسان بنصبه عَلَى نصب أن. وكذلك الآخران. وأمّا قوله: وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا فإن وضعك المصدر فِي موضع (أن) قبيح لأن أخلق وأجدر يطلبن الاستقبال من الأفاعيل فكانت ب (أن) تبين المستقبل، وَإِذَا وضعت مكان (أن) مصدرًا لَمْ يتبيّن استقباله، فلذلك قبح. و (أن) فِي موضع نصب عَلَى كل حال ألا ترى أنك تَقُولُ: أظن أنك قائم فتقضي عَلَى (أن) بالنصب، ولا يصلح أن تَقُولُ: أظن قيامك، فأظن نظير لخليق ولعسى (وجدير) «١» وأجدر وما يتصرف منهن فِي (أن) . وقوله: وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ (٩٨) يعني: الموت والقتل. يقول الله ﵎: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وفتح السِّين من (السوء) هُوَ وجه الكلام، وقراءة أكثر القراء. وقد رفع مجاهد «٢» السِّين فى موضعين: هاهنا وفى

стр. 463

سورة الفتح «١» . فمن قَالَ: «دائِرَةُ السَّوْءِ» فإنه أراد المصدر من سؤته سَوْءًا ومساءة ومَسَائية وسوائية، فهذه مصادر. ومن رفع السِّين جعله اسمًا كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب. ولا يَجوز ضم السِّين فِي قوله: ما «٢» كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ ولا فى قوله: وَظَنَنْتُمْ «٣» ظَنَّ السَّوْءِ لأنه ضد لقولك: هَذَا رجلُ صِدْق، وثوبُ صدق. فليس للسوء هاهنا معنى فِي عذاب ولا بلاء، فيضمّ. وقوله: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ (١٠٠) إن شئت خفضت الأنصار تريد: من المهاجرين ومن الأنصار. وإن شئت رفعت (الأنصار) تُتبعهم قوله: (والسابقون) ، وقد قرأ بِهَا الْحَسَن الْبَصْرِيّ. وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ: من أحسن من بعدهم إلى يوم القيامة. ورفعت (السابقونَ وَالَّذِينَ اتبعوهم) بما عاد من ذكرهم فِي قوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ. وقوله: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ (١٠١) : مرنوا عليه وجرؤوا عليه كقولك: تمردوا. وقوله: سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ. يُقال: بالقتل وعذاب القبر. وقوله: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً (١٠٢) يقول: خرجوا إلى بدر فشهدوها. ويُقال: العمل الصالِح توبتهم من تخلفهم عَن غزوة تَبُوكَ.

стр. 464

وَآخَرَ سَيِّئاً: تخلّفهم يوم تبوك عَسَى اللَّهُ عسى من الله واجب إن شاء الله. وَكَانَ هَؤُلاءِ قد أوثقوا أنفسهم بسَوَاري المسجد، وحلفوا ألا يفارقوا ذَلِكَ حَتَّى تنزل توبتهم، فلما نزلت قالوا: يا رسول الله خذ أموالنا شكرًا لتوبتنا، فقال: لا أفعلُ حَتَّى ينزل بذلك عليّ قرآن. فأنزل الله : قوله: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً (١٠٣) فأخذ بعضًا. ثُمَّ قَالَ: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ: استغفر لَهُم فإن استغفارك لَهُم تسكن إِلَيْهِ قلوبهم، وتطمئنُ بأن قد تابَ الله عليهم. وقد «١» قرئت (صلواتك) . والصلاة أكثر. وقوله: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ (١٠٦) هم ثلاثة نَفَرٍ مسمَّون، تخلّفوا عَن النَّبِيّ ﷺ فِي غزوة تبوك، فلمّا رجع قَالَ: (ما عذركم) ؟ قالوا: لا عذر لنا إلا الخطيئة، فكانوا موقوفين حَتَّى نزلت توبتهم فِي قوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ (١١٧) وقوله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا (١١٨) وهم كعب بن مالك، وهلال بن أُمَيَّة، ومرارة.

стр. 465

وقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً (١٠٧) هم بنو عَمْرو بن عوف من الأنصار، بنَوا مسجدهم ضرارًا لِمسجد قُبَاءَ. ومسجد قباء أول مسجد بني عَلَى التقوى. فلمّا قدم النَّبِيّ ﷺ من غزوة تبوك أمر بإحراق مسجد الشقاق وهدمه. ثُمَّ قال: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً (١٠٨) يعني مسجد بني عَمْرو. ثُمَّ انقطعَ الكلام فقال: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ. ثم قال: فِيهِ رِجالٌ الأولى صلة لقوله: (تقوم) والثانية رفعت الرجال. وقوله: أَسَّسَ (١٠٤) وأَسَّسَ «١» ، ويَجوز أساس، وآساس. ويخيَّل إليّ أني قد سمعتها فِي القراءة. وقوله: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ (١١٠) يعنى مسجد النفاق (ريبة) يقال: شكّا (إلا أن تقطّع) و (تقطّع) «٢» معناهُ: إلا أن يموتوا. وقرأ الْحَسَن (إلى أن تَقَطَّع) بمنزلة حَتَّى، أي حَتَّى تَقَطَّع. وهي فِي قراءة عبد الله ولو قُطِّعت قلوبُهم حجة لمن قال إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ بضم التاء.

стр. 466

وقوله: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ (١١١) قراءة أصحاب عبد الله يقدمون المفعول بِهِ قبل الفاعل. وقراءة العوام «١» : (فَيَقْتُلون ويُقتلون) . وقوله: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا خارج من قوله: بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ وهو كقولك: عَليّ ألف درهم عِدَّةٌ صحيحة، ويَجوز الرفع لو قيل. وقوله: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ (١١٢) استؤنفت بالرفع لتمام الآية قبلها وانقطاع الكلام، فحسن الاستئناف. وهي فِي قراءة عبد الله «التائبين العابدين» فِي موضع خفض لأنه نعت للمؤمنين: اشترى من الْمُؤْمِنِين التائبين. ويَجوز أن يكون (التائبين) فِي موضع نصب عَلَى المدح كما قَالَ: لا يبعدن قومي الَّذِينَ هم ... سم العداة وآفة الجزر «٢» النازلين بكل معترك ... والطيبينَ معاقِدَ الأزْر وقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ (١١٥) سأل المسلمون النَّبِيّ ﷺ عمن مات من المسلمين وهو يصلي إلى القبلة الأولى، ويستحل الخمر قبل تَحريمها، فقالوا: يا رسول الله أمات إخواننا ضُلالا؟ فأنزلَ الله ﵎: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ يقول: ليسوا بضلال ولم يصرفوا عَن القبلة الأولى، ولم ينزل عليهم تحريم الخمر.

стр. 467

وقوله: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ (١١٧) وكاد تزيغ «١» . [من] «٢» قال: كادَ يَزِيغُ جعل فى (كاد يزيغ) اسمًا «٣» مثل الَّذِي فِي قوله: عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ «٤» وجعل (يزبغ) بِهِ ارتفعت القلوب مذكرًا كما قَالَ الله ﵎: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها «٥» ولا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ «٦» ومن قال (تزيغ) جعل فعل القلوب مؤنثًا كما قَالَ: نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا «٧» وهو وجه الكلام، ولم يقل (يطمئن) وكل فعل كَانَ لِجماع مذكر أو مؤنث فإن شئت أنثت فعله إِذَا قدمته، وإن شئت ذكّرته. وقوله: وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً (١٢٠) يريد بالموطئ الأرض وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً فِي ذهابِهم ومجيئهم إلا كتب لَهُم. وقوله: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً (١٢٢) لِمَا عُيِّر المسلمون بتخلفهم عن غزوة تبوك جعل النَّبِيّ ﷺ يبعث السرية فينفرونَ جَميعًا، فيبقى النَّبِيّ ﷺ وحده، فأنزل الله ﵎: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً يعني «٨» : جميعًا ويتركوك وحدك. ثُمَّ قَالَ: فَلَوْلا نَفَرَ معناهُ: فهلا نفر مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ليتفقّه الباقون الذين تخلفوا ويحفظوا عَلَى قومهم ما نزل عَلَى النَّبِيّ ﷺ من القرآن.

стр. 468

وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ يقول: ليفقِّهوهم. وقد قيل فيها: إن أعراب أسد قدموا عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ المدينة، فغلت الأسعار وملئوا الطرق بالعذرات، فأنزل الله ﵎: فَلَوْلا نَفَرَ يقول: فهلا نفر منهم طائفة ثُمَّ رجعوا إلى قومهم فأخبروهم بما تعلّموا. وقوله: يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ (١٢٣) يريد: الاقرب فالاقرب. وقوله: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ (١٢٤) يعني: المنافقين يقول بعضهم لبعض: هَلْ زادتكم هَذِه إيمانًا؟ فأنزل الله ﵎ «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً ... وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ» والمرض هاهنا النفاق. وقوله: أَوَلا يَرَوْنَ (١٢٦) (وترون) «١» بالتاء. وَفِي قراءة عبد الله «أو لا ترى أنهم» والعربُ تَقُولُ: ألا ترى للقوم وللواحد كالتعجب، وكما قيل «ذَلِكَ أزْكَى لهم، وذلكم» وكذلك (ألا ترى) و (ألا ترون) . وقوله: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ (١٢٧) فيها ذكرهم وعيبهم قَالَ بعضهم لبعض هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ إن قمتم، فإن خفي لَهُم القيام قاموا. فذلك قوله: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ دعاء عليهم.

стр. 469

وقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (١٢٨) يقول: لَمْ يبق بطن من العرب إلا وقد ولدوه. فذلك قوله مِنْ أَنْفُسِكُمْ. وقوله: عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ (ما) فِي موضع رفع معناهُ: عزيز عَلَيْهِ عنتكم. ولو كَانَ نصبًا: عزيزًا عَلَيْهِ ما عنتم حريصًا رءوفًا رحيمًا، كَانَ صوابًا، عَلَى قوله لقد جاءكم كذلك. والحريص الشحيح أن يدخلوا النار.

стр. 470

ومن سورة يونس قوله: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا (٢) نصبت (عجبا) ب (كان) ، ومرفوعها أَنْ أَوْحَيْنا وكذلك أكثر ما جاء فِي القرآن إِذَا كانت (أن) ومعها فعل: أن يجعلوا الرفع فِي (أَنْ) ، ولو جعلوا (أَنْ) منصوبة ورفعوا الفعل كَانَ صوابًا. وقوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا (٤) رفعت المرجع ب (إِلَيْهِ) ، ونصبت قوله (وَعْدَ الله حقّا) بخروجه منهما «١» . ولو كَانَ رفعًا كما تَقُولُ: الحق عليك واجب وواجبًا كَانَ صوابًا. ولو استؤنف (وعد الله حق) «٢» كَانَ صوابًا. (إِنَّهُ يبدأ الخلق) مكسورة لأنها مستأنفة. وقد فَتَحها بعضُ القرّاء «٣» . ونُرى أَنَّهُ جعلها اسمًا للحق وجعل (وَعْدَ اللَّهِ) متصلا بقوله (إليه مرجعكم) ثم قال: «حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ» ف (أَنَّهُ) فِي موضع رفع كما قَالَ الشاعر: أحقًّا عباد الله أن لست لاقيا ... بُثَيْنَة أو يلقى الثريا رقيبُها «٤» وقال الآخر: أحقا عباد الله جُرْأَةُ محلق ... عليّ وقد أعييت عادا وتبّعا «٥»

стр. 471

وقوله: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ (٥) ولم يقل: وقدّرهما. فإن شئت جعلت تقدير المنازل للقمر خاصَّة لأن به تعلم الشهور. وإن شئت جعلت التقدير لَهما جَميعًا، فاكتفى بذكر أحدهما من صاحبه كما قَالَ الشاعر «١» : رَماني بأمرٍ كنت منه ووالدي ... بريئًا ومن جُولِ الطَويّ رماني وهو مثل قوله وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «٢» ولم يقل: أن يرضوهما. وقوله: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ (١١) يقول: لو أجيب الناس فِي دعاء أحدهم على ابنه وشيهه بقولهم: أماتك الله، ولعنك الله، وأخزاكَ الله لهلكوا. و (استعجالهم) منصوب بوقوع الفعل: (يعجل) كما تَقُولُ: قد ضربت اليوم ضربتك، والمعنى: ضربت كضربتك، وليس المعنى هاهنا كقولك: ضربت ضربًا لأن ضربًا لا تضمر الكاف فِيهِ لأنك لَمْ تشبهه بشيء، وإنما شبهت ضربك بضرب غيرك فحسنت فِيهِ الكاف. وقوله لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ويقرأ: (لَقَضى إليهم أجلهم) «٣» . ومثله فَيُمْسِكُ «٤» الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ و (قضى عليها الموت) .

стр. 472

وقوله: مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ (١٢) يقول: استمر عَلَى طريقته الأولى قبل أن يصيبه البلاء. وقوله: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ (١٦) وقد ذكر عَن الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ: «ولا أدرأتُكم بِهِ» فإن يكن فيها لغة سوى دريت وأدريت فلعلّ الْحَسَن ذهب إليها. وأمّا أن تصلح من دريت أو أدريت فلا لأن الياء والواو إِذَا انفتح ما قبلهما وسكنتا صحَّتا ولم تنقلبا إلى ألف مثل قضيت ودعوت. ولعل الْحَسَن ذهب إلى طبيعته وفصاحته فهمزها لأنها تضارع درأت الحد وشبهه. وربما غلطت العرب فِي الحرف إِذَا ضارعه آخر من الْهَمْز فيهمزونَ غير المهموز سمعت امرأة من طيئ تَقُولُ: رثأت زوجي بأبياتٍ. ويقولون لبَّأْت بالحج وحَلات السَويق فيغلطون لأن حَلات قد يُقال فِي دفع العِطاش من الإبل، ولبَّأت ذهب إلى اللبأ «١» الَّذِي يؤكل، ورثأت زوجي ذهبت إلى رثيئة اللبن وَذَلِكَ إِذَا حلبت الحليب عَلَى الرائب. وقوله: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ (٢١) العرب تجعل (إِذَا) تكفي من فعلت وفعلوا. وهذا الموضع من ذَلِكَ: اكتُفي ب (إِذَا) من (فعلوا) ولو قيل (من بعد ضراء مستهم مكروا) كَانَ صوابًا. وهو فِي الكلام والقرآن كَثِير. وتقول: خرجت فإذا أنا بزيد. وكذلك يفعلونَ ب (إذْ) كقول الشاعر «٢» : بينما هنَّ بالأراكِ مَعًا ... إذ أتى راكب عَلَى جمله

стр. 473

وأكثر الكلام فِي هَذَا الموضع أن تطرح (إذ) فيقال: بينا تَبغيه العَشَاء وطَوْفِه ... وقع العشاءُ بِهِ عَلَى سِرْحَانِ «١» ومعناهما واحد ب (إذ) وبطرحها «٢» . وقوله: الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ (٢٢) قراءة العامة. وقد ذكر عَن زيد بن ثابت (ينشركم) قرأها أَبُو جَعْفَر «٣» المدني كذلك. وكل صواب إن شاء الله. وقوله: جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ يعني الفُلْك فقال: جاءتها، وقد قَالَ فِي أوّل الكلام وَجَرَيْنَ بِهِمْ ولم يقل: وجرَت، وكل صواب تَقُولُ: النساء قد ذهبت، وذهبن. والفلك تؤنث وتذكر، وتكون واحدة وتكون جمعًا. وقال فِي يس فِي الْفُلْكِ «٤» الْمَشْحُونِ فذكّر الفلك، وقال هاهنا: جاءتها، فأنث. فإن شئت جعلتها هاهنا واحدة، وإن شئت: جماعًا. وإن شئت جعلت الْهَاء فِي (جَاءَتْهَا) للريح كأنك قلت: جاءت الريح الطيبة ريح عاصف. والله أعلم بصوابه. والعربُ تَقُولُ: عاصف وعاصفة، وقد أعصفت الريح، وعَصَفت. وبالألف لغة لبني أسد أنشدني بعض بني دَبِير: حَتَّى إِذَا أعصفت ريح مزعزِعة ... فيها قِطار ورعد صوته زجل «٥»

стр. 474

وقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ (٢٣) إن شئت جعلت خبر (البغي) فِي قوله (على أنفسكم) «١» ثم تنصب «٢» (متاع الحياة الدنيا) كقولك: مُتْعَةً فِي الحياة الدُّنْيَا. ويصلح الرفع «٣» هاهنا عَلَى الاستئناف كما قَالَ لَمْ «٤» يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ أي ذلك (بلاغ) وذلك (متاع الحياة الدنيا) وإن شئت جعلت الخبر فِي المتاع. وهو وجه الكلام. وقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى (٢٦) فِي موضع رفع. يُقال إن الحسنى الحسنة. (وزيادة) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الأَحْوَصِ سَلامُ «٥» بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصدّيق ﵀ قال: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ ﵎. وَيُقَالُ (للذين أحسنوا الحسنى) يريد حسنة مثل «٦» حسناتهم (وزيادة) زيادة التضعيف كقوله فَلَهُ «٧» عَشْرُ أَمْثالِها. وقوله: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها (٢٧) رفعت الجزاء بإضمار (لَهُم) كأنك قلت: فلهم جزاء «٨» السيئة بمثلها كما قَالَ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ «٩» وفَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ «١٠» والمعنى: فعليه صيام ثلاثة أيام، وَعَلَيْهِ فدية. وإن شئت رفعت الجزاء بالباء فِي قوله: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها والأوّل أعجب إلىّ.

стр. 475

وقوله: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً و (قطعا) «١» . والقِطْع قراءة العامة. وهي فِي مصحف أُبَيّ كأنما يَغْشَى وجوهَهم قِطع من الليل مظلم فهذه حجة لمن قرأ بالتخفيف. وإن شئت جعلت المظلم وأنت تَقُولُ قِطْع قطعًا «٢» من الليل، وإن شئت جعلت المظلم نعتًا للقطع، فإذا قلت قطعًا كَانَ قطعًا من الليل خاصة. والقطع ظلمة آخر الليل فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ «٣» . وقوله: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ (٢٨) ليست من زُلْت إنّما هي من زِلْتُ ذا من ذا: إِذَا فرقت أنت ذا من ذا. وقال فَزَيَّلْنا لكثرة الفعل. ولو قَلَّ لقلت: زِلْ ذا من ذا كقولك: مِزْ ذا من ذا. وقرأ بعضهم فزايلنا بينهم وهو مثل قوله يُراؤُنَ ويرءّون «٤» وَلا تُصَعِّرْ «٥» ، ولا تصاعر والعربُ تكاد توفّق بين فاعلت وفعّلت فِي كَثِير من الكلام، ما لَمْ تُرد فَعَلت بي وفعلتُ بك «٦» ، فإذا أرادوا هذا لم تكن إلا فاعلت. فإذا أردت: عاهدتك وراءيتك وما يكون الفعل فِيهِ مفردًا فهو الَّذِي يحتمل فعلت وفاعلت. كذلك يقولون: كالمت فلانًا وكلّمته، وكانا متصارمين فصارا يتكالمان ويتكلّمان.

стр. 476

وقوله: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ (٣٠) قرأها عبد الله بن مسعود: (تتلو) «١» بالتاء. معناها- والله أعلم-: تتلو أي تقرأ كُلُّ نفس عملها فِي كتاب كقوله وَنُخْرِجُ «٢» لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً وقوله فَأَمَّا «٣» مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ. وقوله اقْرَأْ «٤» كِتابَكَ قوَّة لقراءة عبد الله. وقرأها مجاهد «٥» (تبلو كل نفسٍ ما أسلفت) أي تخْبره وتراه. وكلٌّ حسن. حَدَّثَنَا مُحَمَّد قَالَ حَدَّثَنِي الفراء قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّيْمِيّ عَن مُغيرة عَن مجاهد أَنَّهُ قرأ (تبلو) بالباء. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: حَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشْيَخَةِ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (تَبْلُو) تَخْبُرُ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ. وقوله وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ (الحق) تجعله من صفات الله ﵎. وإن شئت جعلته نصبًا تريد: ردوا إلى الله حقًّا. وإن شئت: مولاهم حقًّا. وكذلك قوله: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ (٣٢) فِيهِ ما فِي الأولى. وقوله تعالى: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ (٣٣) وقد يقرأ (كَلِمَةُ رَبِّكَ) و (كلمات ربك) . قراءة أهل المدينة عَلَى الجمع. وقوله: عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: حَقَّت عليهم لانهم لا يؤمنون، أو بأنهم لا يؤمنون، فيكون موضعها نصبًا إِذَا ألقيت الخافض. ولو كسرت فقلت:

стр. 477

«إنهم» كَانَ صوابًا عَلَى الابتداء. وكذلك قوله آمَنْتُ «١» أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وكسرها أصحابُ» عبد الله عَلَى الابتداء. وقوله: أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى (٣٥) يقول: تعبدونَ ما لا يقدر عَلَى النُقْلة من مكانه، إِلا أن يحول وتنقلوه. وقوله: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى (٣٧) المعنى- والله أعلم-: ما كَانَ ينبغي لمثل هَذَا القرآن أن يُفترى. وهو فِي معنى: ما كَانَ هَذَا القرآن ليفترى. ومثله وَما كانَ «٣» الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً أي ما كان ينبغى لَهُم أن ينفروا لانهم قد كانوا نَفَروا كافة، فدلّ المعنى عَلَى أَنَّهُ لا ينبغي لَهُم أن يفعلوا مرة أخرى. ومثله وَما كانَ «٤» لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ أي ما ينبغي لنبي أن يَغُلّ، ولا يُغَلَّ «٥» . فجاءت (أنْ) عَلَى معنى ينبغي كما قال مَا لَكَ «٦» أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ والمعنى: منعك، فأدخلت (أن) فِي (مالك) إذ كَانَ معناها: ما منعك. ويدلّ عَلَى أن معناهما واحد أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي موضع: (ما منعك) «٧» ، وَفِي موضع (مالك) وقصة إبليس واحدة. وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ (٤٤) للعرب فِي (لكن) لغتان: تشديد النون وإسكانها. فمن شدّدها نصب بِهَا الاسماء، ولم يلها فَعَل ولا يَفْعَلُ. ومَنْ خفَّف نونها وأسكنها لم يعملها فى شىء اسم

стр. 478

ولا فعل، وَكَانَ الَّذِي يعمل فِي الاسم الَّذِي بعدها ما معه، ينصبه أو يرفعه أو يخفضه من ذَلِكَ قوله وَلكِنَّ «١» النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَلكِنَّ «٢» اللَّهَ رَمى (وَلكِنَّ «٣» الشَّياطِينَ كَفَرُوا) رُفعِت هَذِه الأحرف بالأفاعيل التي بعدها. وأمّا قوله مَا كانَ «٤» مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ فإنك أضمرت (كَانَ) بعد (لكن) فنصبت بِهَا، ولو رفعته عَلَى أن تضمر (هُوَ) : ولكن هُوَ رسول الله كَانَ صوابًا. ومثله (وَما كانَ «٥» هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) و (تصديق) . ومثله (مَا كانَ «٦» حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) (وتصديق) . فإذا ألقيت من (لكن) الواو التي فِي أولها آثرت العرب تَخفيف نونها. وَإِذَا أدخلوا الواو آثروا تشديدها. وإِنَّما فعلوا ذَلِكَ لأنها رجوع عمّا أصاب أول الكلام، فشبِّهت ببل إذْ كَانَ رجوعًا مثلها ألا ترى أنك تَقُولُ: لَمْ يقم أخوك بَلْ أبوك ثُمَّ تَقُولُ: لَمْ يقم أخوك لكن أبوك، فتراهما بِمعنى واحد، والواو لا تصلح فِي بَلْ، فإذا قالوا (ولكن) فأدخلوا الواو تباعدت من (بَلْ) إذ لَمْ تصلح الواو فِي (بَلْ) ، فآثروا فيها تشديد النون، وجعلوا الواو كأنها واو دخلت لعطف لا لِمعنى بَلْ. وإنّما نصبت العرب بِهَا إِذَا شُددت نونها لأن أصلها: إن عبد الله قائم، فزيدت عَلَى (إن) لام وكاف فصارتا جميعًا حرفًا واحدًا ألا ترى أن الشاعر قَالَ: ولكنني من حبّها لكميد «٧»

стр. 479

فلم تدخل اللام إلا لأن معناها إنّ. وهى فيما وصلت به من أوّلها بمنزلة قول الشاعر: لِهنَّكِ من عَبْسِيَّةٍ لوسِيمةٌ ... عَلَى هَنَواتٍ كاذبٍ من يقولها «١» وصل (إنّ) هاهنا بلام وهاء كما وصلها ثَمَّ بلام وكاف. والحرف قد يوصل «٢» من أوّله وآخره. فمما وصل من أوله (هذا) ، و (ها ذاك) ، وصل ب (ها) من أوله. ومما وصل من آخره. قوله: إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ «٣» ، وقوله: لتذهبن ولتجلسن. وصل من آخره بنون وب (ما) . ونرى أن قول العرب: كم مالك، أنها (ما) وصلت من أولها بكاف، ثُمَّ إن الكلام كَثِر ب (كم) حَتَّى حذفت الألف من آخرها فسكنت ميمها كما قالوا: لِمَ قلت ذاك؟ ومعناهُ: لِمَ قلت ذاك، ولما «٤» قلت ذاك؟ قَالَ الشاعر: يا أبا الاسود لِم أسلمتني ... لِهموم طارقات وذِكر وقال بعضُ العرب فِي كلامه وقيل لَهُ: منذكم قعد فلان؟ فقال: كَمُذْ أخذتَ فِي حديثك، فردُّه الكاف فِي (مذ) يدل عَلَى أن الكاف فِي (كم) زائدة. وإنهم ليقولون: كيف أصبحت، فيقول: كالخير، وكخير. وقيل لبعضهم: كيف تصنعونَ الأقِط؟ فقال: كهين. وقوله: فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) (ثم) هاهنا عطف. ولو قيل: ثَمَّ الله شهيد عَلَى ما يفعلون. يريد: هنالك الله شهيد على ما يفعلون «٥» .

стр. 480

وقوله: إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) إن شئت جعلت (ماذا) استفهامًا محضًا عَلَى جهة التعجب كقوله: ويلَهم ماذا أرادوا باستعجال العذاب؟! وإن شئت عظّمت أمر العذاب فقلت: بِماذا استعجلوا! وموضعه رفع إِذَا جعلت الْهَاء راجعة عَلَيْهِ، وإن جعلت الْهَاء فِي (منه) للعذاب وجعلته «١» فِي موضع نصب أوقعت عَلَيْهِ الاستعجال. وقوله: آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) (الآن) حرف بني عَلَى الألف واللام لَمْ تخلع «٢» منه، وترك عَلَى مذهب الصفة لأنه صفة فِي المعنى واللفظ كما رأيتهم فعلوا فى (الذي) و (الذين) فتركوهما عَلَى مذهب الأداة، والألف واللام لهما غير مفارقتين. ومثله قول الشاعر: فإن الألاءِ يعلمونك منهم ... كعلمي مظَّنُّوكَ ما دمت أشعرا «٣» فأدخل الألف واللام عَلَى (ألاء) ثُمَّ تركها مخفوضة فِي موضع النصب كما كانت قبل أن تدخلها الألف واللام. ومثله قوله: وأنى حُبست اليوم والامس قبله ... ببابك حَتَّى كادت الشمس تغرب «٤»

стр. 481

فأدخل الألف واللام عَلَى (أمس) ثُمَّ تركه مخفوضًا عَلَى (جهته الأولى) «١» . ومثله قول الآخر «٢» : تفقَّأ فوقه القَلَع السواري ... وَجُنَّ الخازبَازَ بِهِ جنونا فمثل (الآن) بأنها كانت منصوبة «٣» قبل أن تدخل عليها الألف واللام، ثُمَّ أدخلتهما فلم يغيراها. وأصل الآن إنما كَانَ (أوان) حذفت منها الألف وغيِّرت واوها إلى الألف كما قالوا فِي الراح: الرَيَاح أنشدني أَبُو القمقام الفقعسي: كأن مَكَاكِيَّ الجِوَاء غُدَيَّةً ... نشاوَى تساقَوا بالرَيَاح الْمُفَلْفَل «٤» فجعل الرياح والاوان عَلَى جهة فَعَل ومرة عَلَى جهة فعال كما قالوا: زمن وزمان. وإن شئت جعلت (الآن) أصلها من قولك: آن لك أن تفعل، أدخلت عليها الألف واللام، ثُمَّ تركتها عَلَى مذهب فَعَلَ فأتاها النصبُ من نصب فَعل. وهو وجه جيِّد كما قالوا: نَهَى رسولُ الله ﷺ عَن قيل وقال وكثرة السؤال،

стр. 482

فكانتا كالاسمين فهما منصوبتان. ولو خفضتا عَلَى أنهما أخرجنا من نِيَّة الفعل كَانَ صوابًا سمعتُ العرب تَقُولُ: من شُبَّ إلى دُبَّ بالفتح، ومن شُبٍّ إلى دُبٍّ يقول «١» : مذ كَانَ صغيرًا إلى أن دَبّ، وهو فَعَلَ. وقوله: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ (٥٤) يعني الرؤساء من المشركين، أسَرُّوها من سفلتهم الَّذِينَ أضلوهم، فأسروها أي أخفوها. وقوله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (٥٨) هَذِه قراءة العامة. وقد ذكر عَن زيد «٢» بن ثابت أنه قرأ (فيذلك فلتفرحوا) أي يا أصحاب مُحَمَّد، بالتاء. وقوله: هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ: يجمع الكفار. وقوّى قول زيد أنها فِي قراءة أُبَيّ (فبذلك فافرحوا) وهو «٣» البناء الَّذِي خُلِق للأمر إِذَا واجهتَ بِهِ أو لَمْ تواجه إلا أن العرب حذفت اللام من فعل المأمور المواجه لكثرة الأمر خاصَّة فِي كلامهم فحذفوا اللام كما حذفوا التاء من الفعل. وأنت تعلم أن الجازم أو الناصب لا يقعان إلا عَلَى الفعل الَّذِي أوله الياء والتاء والنون والألف. فلما حُذفت التاء ذهبت باللام وأحدثت الألف «٤» فِي قولك: اضرب وافرح لأن الضَّاد ساكنة فلم يستقم أن يُستأنف بحرف ساكن، فأدخلوا ألفًا خفيفة يقع بها الابتداء كما قال: (ادّاركوا) . (واثّاقلتم) . وَكَانَ الْكِسَائي يعيب قولهم (فلتفرحوا) لأنه وجده

стр. 483

قليلا فجعله عيبًا، وهو الاصل. ولقد سمعت عَن النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي بعض المشاهد (لتأخذوا مصافكم) «١» يريد بِهِ خذوا مصافكم. وقوله: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً (٦١) يقول: الله ﵎ شاهد عَلَى كل شيء. (وما) هاهنا جحد لا موضع لَهَا. وهي كقوله مَا يَكُونُ «٢» مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ يقول: إلا هُوَ شاهدهم. وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ و (أصغر وأكبر) . فمن نصبهما «٣» فإنما يريد الخفض: يُتبعهما المثقال أو الذرة. ومن رفعهما أتبعهما معنى المثقال لأنك لو ألقيت من المثقال (من) كَانَ رفعًا. وهو كقولك: ما أتاني من أحد عاقلٍ وعاقلٌ. وكذلك قوله ما «٤» لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ. وقوله: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) (الَّذِينَ) فِي موضع رفع لأنه نعت جاء بعد خبر إنّ كما قَالَ إِنَّ «٥» ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ وكما قَالَ قُلْ «٦» إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ والنصب فِي كل ذَلِكَ جائز عَلَى الاتباع للاسم الأوّل وعلى تكرير (إنّ) .

стр. 484

وَإِنَّمَا رفعت العرب النعوت إِذَا جاءت بعد الأفاعيل «١» فِي (إنّ) لانهم رأوا الفعل «٢» مرفوعًا، فتوهّموا أن صاحبه مرفوع فِي المعنى- لانهم لَمْ يَجدوا فِي تصريف المنصوب اسمًا منصوبًا وفعله مرفوع- فرفعوا النعت. وَكَانَ الْكِسَائي يقول: جعلته- يعني النعت- تابعًا للاسم المضمر فِي الفعل «٣» وهو خطأ وليس بِجائز لأن (الظريف) «٤» وما أشبهه أسماء ظاهرة، ولا يكون الظاهر نعتًا «٥» لمكنيّ إلا ما كَانَ مثل نفسه وأنفسهم، وأجمعين، وكلهم لأن هَذِه إنّما تكون أطرافًا لأواخر الكلام لا يُقال مررت بأجمعين، كما يُقال مررت بالظريف. وإن شئت جعلت قوله الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ رفعا. بقوله: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (٦٣) وذكر أن البشرى فِي الحياة الدُّنْيَا الرؤيا الصالِحة يراها المسلم أو ترى لَهُ، وَفِي الآخرة الجنة. وقد يكون قوله: هُمُ الْبُشْرى ما بشرهم بِهِ فِي كتابه من موعوده، فقال وَ «٦» يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ فِي كَثِير من القرآن. ثُمَّ قَالَ (لا تبديل لكلمات الله) أي لا خُلْف لوعد الله. وقوله: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ (٦٥) المعنى الاستئناف. ولم يقولوا هم ذاك، فيكون حكاية. فأمَّا قوله وَقَوْلِهِمْ «٧» إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ فإنها كسرت لأنها جاءت بعد القول، وما كان بعد القول من (إن)

стр. 485

فهو مكسور عَلَى الحكاية فِي قَالَ ويقولون وما صُرِفَ من القول. وأمّا قوله مَا قُلْتُ «١» لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي فإنك فتحت (أن) لأنها مفسّرة ل (ما) ، (وما) قد وقع عليها القول فنصبها وموضعها نصب. ومثله فِي الكلام: قد قلت لك كلامًا حسنا: أن أباك شريف وأنك عاقل، فتحت (أنّ) لأنها فسرت الكلام، والكلام منصوب. ولو أردت تكرير القول عليها كسرتها. وقد تكون (أن) مفتوحة بعد القول إِذَا كَانَ القول رافعًا لَهَا أو رافعة لَهُ من ذَلِكَ أن تَقُولُ: قولُك مذ اليوم أن الناس خارجون كما تَقُولُ: قولك مذ اليوم كلام لا يفهم. وقوله وَلا تَقُولَنَّ «٢» لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ المعنى: لا تقولنَّ لشيءٍ: إِنِّي فاعلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا بالاستثناء: إلا أن تَقُولُ: إن شاء الله. ولو أردت: لا تقولنّ لشيء إني فاعلٌ ذَلِكَ: لا تقل إلا أن يشاء الله. كَانَ كأنه أُمر أن يقول إن شاء الله وحدها، فلا بدّ من أن مفتوحة بالاستثناء خاصة ألا ترى أنك قد تأمره إِذَا حلف فتقول: قل إن شاء الله، فلمّا أريدت الكلمة وحدها لَمْ تكن إلا مكسورة. وقوله: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ (٦٩) ثم قال: مَتاعٌ فِي الدُّنْيا (٧٠) أي ذلك متاع فى الدنيا. و «٣» التي فِي النحل مثله، وهو كقوله (لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ) «٤» كله مرفوع بشيء مضمر قبله إمّا (هُوَ) وإما (ذاك) .

стр. 486

وقوله: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ (٧١) والإجماع: الإعداد والعزيمة عَلَى الأمر. ونصبت الشركاء بفعل مضمر كأنك قلت: فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم. وكذلك هي فِي قراءة عبد الله. والضمير «١» هاهنا يصلح إلقاؤه لأن معناه يشا كل ما أظهرت كما قَالَ الشاعر «٢» : ورأيت زوجك فِي الوغى ... متقلِّدًا سيفًا وَرُمْحًا فنصبت الرمح بضمير الحمل غير أن الضمير صلح حذفه لانهما سلاح يعرف ذا بذا، وفعل هَذَا مع فعل هَذَا. وقد قرأها الْحَسَن (وشركاؤكم) بالرفع، وإِنّما الشركاء هاهنا آلهتهم كأنه أراد: أجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم. ولست أشتهيه لِخلافه للكتاب، ولأن المعنى فِيهِ ضعيف لأن الآلهة لا تعمل ولا تُجْمع. وقال الشاعر: يا ليت شِعْرِي والمنى لا تنفع ... هَلْ أَغدُوَنْ يومًا وأمريِ مُجْمَعُ فإذا أردت جمع الشيء المتفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون كما قَالَ الله ﵎ (ذَلِكَ «٣» يَوْمٌ مَجْمُوعٌ له الناس وذلك يوم مشهود) وَإِذَا أردت كسب المال قلت: جَمَّعت المال كقول الله ﵎ الَّذِي «٤» جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ وقد يَجوز جَمَع مالا وعدَّده. وهذا من نحو قتلوا وقتّلوا.

стр. 487

وقوله ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وقد قرأها بعضهم «١» : (ثُمَّ أَفْضُوا إِليّ) بالفاء. فأما قوله (اقضوا إلىّ) فمعناهُ: امضوا إِليّ، كما يُقال قد قضى فلان، يُراد: قد مات ومضى. وأمّا الإفضاء فكأنه قَالَ: ثُمَّ توجَّهُوا إِليّ حَتَّى تصلوا «٢» ، كما تَقُولُ: قد أفضت إليّ الخلافة والوجع، وما أشبهه. وقوله: بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ (٧٤) يقول: لَمْ يكونوا ليؤمنوا لك يا مُحَمَّد بِما كذبوا بِهِ فِي الكتاب الأوّل، يعني اللوح المحفوظ. وقوله: قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا (٧٧) يقول القائل: كيف أدخل ألف الاستفهام فِي قوله (أسحر هذا) وهم قد قالوا (هَذَا سِحْرٌ) بغير استفهام؟ قلت: قد يكون هَذَا من قولهم عَلَى أَنَّهُ سحر عندهم وإن استفهموا كما ترى الرجل تأتيه الجائزة فيقول: أحقّ هَذَا؟ وهو يعلم أَنَّهُ حقّ لا شك فِيهِ. فهذا وجه. ويكون أن تزيد الألف فِي قولهم وإن كانوا لَمْ يقولوها، فيخرج الكلام عَلَى لفظه وإن كانوا لَمْ يتكلموا بِهِ كما يقول الرجل: فلان أعلم منك، فيقول المتكلم: أقلتَ أحدٌ أعلم بذا مني؟ فكأنه هُوَ القائل: أأحد أعلم بِهذا مني. ويكون عَلَى أن تَجعل القول بِمنزلة الصلة لأنه فضل فِي الكلام ألا ترى أنك تَقُولُ للرجل: أتقول عندك مال؟ فيكفيك من قوله أن تَقُولُ: ألك مال؟ فالمعنى قائم ظهرَ القولُ أو لم يظهر.

стр. 488

وقوله: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا (٧٨) اللفت: الصرف تَقُولُ: ما لفتك عَن فلان؟ أي ما صرفك عَنْهُ. ويقول القائل: كيف قالوا (وتكون لكما الكبرياء فى الأرض) فإنّ «١» النَّبِيّ ﷺ إِذَا صُدِّق صارت مقاليدُ أمّته ومُلْكُهم إِلَيْهِ، فقالوه عَلَى مُلك ملوكهم من التكبر. وقوله: مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ (٨١) (ما) فِي موضع الَّذِي كما تَقُولُ: ما جئت بِهِ باطل. وهي فِي قراءة عبد الله (ما جِئتم بِهِ سِحر) وإنما قال (السحر) بالألف واللام لأنه جواب لِكلام قد سبق ألا ترى أنهم قالوا لِما جاءهم بِهِ موسى: أهذا سحر؟ فقال: بَلْ ما جئتم بِهِ السحر. وكل حرف ذكره متكلم نكرة فرددْتَ عليها لفظها فِي جواب المتكلم زدت فيها ألفا ولاما كقول الرجل: قد وجدت درهمًا، فتقول أنت: فأين الدرهم؟ أو: فأرني الدرهم. ولو قلت: فأرني درهمًا، كنت كأنك سألته أن يريكَ غير ما وجده. وَكَانَ مُجاهد «٢» وأصحابه يقرءون: ما جئتم بِهِ السحرُ: فيستفهم ويرفع السحر من نِيَّة الاستفهام، وتكون (ما) فِي مذهب أيّ كأنه قَالَ: أي شيء جئتم بِهِ؟ آلسحر هُوَ؟ وَفِي حرف أُبَيّ (ما أتيتم بِهِ سحر) قَالَ الفراء: وأشكّ فِيهِ. وقد يكون (مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر) تجعل السحر منصوبًا كما تَقُولُ: ما جئت بِهِ الباطل والزور. ثُمَّ تجعل (ما) فِي معنى جزاء و (جئتم) فِي موضع جزم إِذَا نصبت، وتضمر الفاء فى قوله إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ فيكون جوابا للجزاء. والجزاء لا بدّله أن

стр. 489

يُجاب بِجزم مثله أو بالفاء. فإن كَانَ ما بعد الفاء حرفًا من حروف الاستئناف وَكَانَ يرفع أو ينصب أو يجزم صلح فِيهِ إضمار الفاء. وإن كَانَ فعلا أوّله الياء أو التاء أو كَانَ عَلَى جهة فَعَل أو فعلوا لَمْ يصلح فِيهِ إضمار الفاء لأنه يُجزم إِذَا لَمْ تكن الفاء، ويرفع إِذَا أدخلت الفاء. وصلح فيما «١» قد جُزِم قبُل أن تكون الفاءُ لأنها إن دخلت أو لم تدخل فما بعدها جزم كقولك للرجل: إن شئت فقم ألا ترى أنّ (قم) مجزومة ولو لَمْ يكن فيها الفاء، لأنك إِذَا قلت إن شئت قم جزمتها بالأمر، فكذلك قول الشاعر «٢» : من يفعلِ الحسناتِ اللهُ يشكرها ... والشرُّ بالشرِّ عِند اللَّهِ مثلانِ ألا ترى أن قولك: (الله يشكرها) مرفوع كانت فِيهِ الفاء أو لَمْ تكن، فلذلك صلح ضميرها «٣» . وقوله: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ (٨٣) ففسر المفسرون الذرية: القليل. وكانوا- فيما بلغنا- سبعين أهل بيت. وإنما سموا الذرية لأن آباءهم كانوا من القبط وأمهاتهم كن من بنى إسرائيل، فسموا الذرّية كما قيل لأولاد أهل فارس الَّذِينَ سقطوا إلى اليمن فسموا ذراريهم الأبناء لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم. وقوله: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ، وإنما قال (وملئهم) وفرعون واحد لأن الملك إِذَا ذُكِرَ بخوف أو بسفر أو قدوم من سفر ذهب الوهم إِلَيْهِ وإلى من معه ألا ترى أنك تَقُولُ: قدم الخليفة فكثر الناس، تريد: بمن معه، وقدم

стр. 490

فغلت الأسعار لأنك تنوي بقدومه قدوم من معه. وقد يكون أن تريد بفرعونَ آل فرعون وتحذف الآل فيجوز كما قال وَسْئَلِ «١» الْقَرْيَةَ تريد أهل القرية والله أعلم. ومن ذَلِكَ قوله: يا أَيُّهَا «٢» النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ. وقوله: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً (٨٧) كَانَ فرعون قد أَمَر بتهديم المساجد، فأُمِر موسى وأخوه أن يُتَّخذ المساجد فِي جوف الدور «٣» لتخفى من فرعون. وقوله: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً إلى الكعبة. وقوله: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (٨٨) ثُمَّ قَالَ موسى (ربنا) فعلت ذَلِكَ بهم (لِيُضِلُّوا) الناس (عَن سبيلك) وتقرأ (لَيِضلُّوا) هم (عَن سبيلك) وهذه لام كي. ثُمَّ استأنف موسى بالدعاء عليهم فقال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ. يقول: غَيِّرها. فذُكر أنها صارت حجارة. وهو كقوله مِنْ «٤» قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً. يقول: نمسخها. قوله: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ. يقول: واختم عليها. قوله: فَلا يُؤْمِنُوا. كلّ ذَلِكَ دعاء، كأنه قَالَ اللَّهُمَّ فَلا «٥» يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ وإن شئت جعلت (فلا يؤمنوا) جوابا لمسئلة «٦» موسى عليه

стр. 491

السَّلام إيَّاه لأن المسألة خرجت عَلَى لفظ الأمر، فتجعل (فلا يؤمنوا) فِي موضع نصب عَلَى الجواب، فيكون كقول الشاعر «١» : يَا ناقَ سِيرِي عَنَقًا فسِيحا ... إلى سُلَيْمَان فنستريحا وليس الجواب يسهل فِي الدعاء لأنه لَيْسَ بشرط. وقوله: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما (٨٩) نُسبت الدعوة إليهما وموسى كَانَ الداعي وهارون المؤمّن، فالتأمين كالدعاء. ويقرأ» (دعواتكما) . وقوله: فَاسْتَقِيما أُمِرَا بالاستقامة عَلَى أمرهما والثبات عَلَيْهِ إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة. ويُقال: إنه كَانَ بينهما «٣» أربعون سنة. قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ قرأها أصحاب «٤» عبد الله بالكسر عَلَى الاستئناف. وتقرأ (أنه) عَلَى وقوع الإيمان عليها. زعموا أن فرعون قالها حين ألجمه الماء. وقوله: فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ (٩٣) يعني بني إسرائيل أنهم كانوا مجتمعين عَلَى الإيمان بِمحمد ﷺ قبل أن يُبْعث، فلمّا بُعث كذَّبه بعض وآمن بِهِ بعض. فذلك اختلافهم. و (العلم) يعني محمدا ﷺ وصفته.

стр. 492

وقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ (٩٤) قاله ﵎ لنبيه ﷺ وهو يعلم أَنَّهُ غير شاك، ولم يشكك ﵇ فلم يسأل. ومثله فِي العربية أنك تَقُولُ لغلامك الَّذِي لا يشك فِي مُلكك إياه: إن كنت عبدي فاسمع وأطع. وقال الله ﵎ لنبيه عيسى ﷺ أَأَنْتَ «١» قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو يعلم أَنَّهُ لَمْ يقله، فقال الموفق معتذرًا بأحسن العذر: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ. وقوله: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها (٩٨) وهي فِي قراءة أُبَيّ (فهلا) ومعناها: أنهم لَمْ يؤمنوا، ثُمَّ استثنى قوم يونس بالنصب عَلَى الانقطاع مما قبله: ألا ترى أن ما بعد (إِلا) فِي الجحد يتبع ما قبلها، فتقول: ما قام أحد إلا أبوك، وهل قام أحد إلا أبوك لأن الأب من الاحد فإذا قلت: ما فيها أحد إلا كلبًا وحمارًا، نصبت لأنها منقطعة مما قبل إلا إذ لم تكن من جنسه، كذلك كان قوم يُونُس منقطعين من قوم غيره من الأنبياء. ولو كَانَ الاستثناء هاهنا وقع عَلَى طائفة منهم لكان رفعًا. وقد يَجوز الرفع فيها كما أن المختلف فِي الجنس قد يتبع فِيهِ ما بعد إلا ما قبل إلا كما قَالَ الشاعر: وبلدٍ ليس به أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس

стр. 493

وهذا قوة للرفع، والنصب فِي قوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ. لأن اتباع الظن لا ينسب إلى العلم. وأنشدونا بيت النابغة: ... ... وما بالربع من أحد «١» إلا أوارىّ ما إن لا أُبَيِّنها قَالَ الفراء: جمع فِي هَذَا البيت بين ثلاثة أحرف من حروف الجحد: لا، وإنْ، وما. والنصب فِي هَذَا النوع المختلف من كلام أهل الحجاز، والاتباع من كلام تَميم. وقوله: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) : العذاب والغضب. وهو مضارع لقوله الرجز، ولعلهما لغتانِ بدّلت السِّين زايًا كما قيل الأسد والأزد «٢» .

стр. 494

فهرس تفسير الفرّاء تاريخ تدوين هذا التفسير ١ ألف (اسم) والكلام على حذفها وإثباتها ٢ أم الكتاب تفسير «أم الكتاب» والكلام على «الْحَمْدُ لِلَّهِ» ٣ الكلام على «عَلَيْهِمْ» ولغاته وعلى (أمّ) واللغات فيه ٥ قوله تعالى: «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» ووجوه الإعراب فيه ٧ قوله تعالى: «وَلَا الضَّالِّينَ» ووجوه الكلام فى «لَا» ٨ سورة البقرة قوله تعالى: «الم» الاختلاف فى قراءته ورسمه ٩ قوله تعالى: «ذلِكَ الْكِتابُ» والكلام على اسم الإشارة ووجوه صلاحيته ١٠ القول فى قوله: «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» ووجوه الإعراب فيه ١١ قوله تعالى: «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» الآية، ووجوه الإعراب فيه ١٣ قوله سبحانه: «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ» والقول فى إسناد الفعل إلى غير من هو له ١٤ قوله : «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً» وبيان أنه مثل للفعل لا للأعيان ١٥ قوله تعالى: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ» ووجوه الإعراب فيه والقراءات ١٦ قوله تعالى: «أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ» وما بعده من الآيات ١٧ قوله تعالى: «يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ» ووجوه إعرابه وقراءاته ١٧

стр. 495

قوله تعالى: «كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ. وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ» ١٨ قوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ» . وقوله: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ» ١٩ قوله سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا» وفيه وجوه من المعاني ٢٠ قوله تعالى: «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً» ووجوه المعاني والإعراب فيه ٢٣ قوله عز من قائل: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ» ومعانى الاستواء ٢٥ قوله سبحانه «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ» . وقوله: «وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ» وما فى ذلك من وجوه المعاني واللغة والإعراب ٢٦ قوله تعالى: «اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ» ومعانيه والكلام على الياء ٢٨ قوله: «وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا» ووجوه المعاني والإعراب فيه وفى أمثاله ٣٠ قوله تعالى: «وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ» الآية وفيه معنيان ٣١ قوله تعالى: «وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً» وفيه وجوه من الإعراب ٣١ قوله تعالى: «وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ» وفيه وجوه من المعاني والإعراب ٣٢ قوله سبحانه: «وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ» وفيه الكلام على ما يسميه الكوفيون واو الصرف ٣٣ قوله سبحانه: «وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً» الآية وفيه وجوه من المعاني فى «إِذْ» ٣٥ معنى قوله تعالى: «وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» و «أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» وفيه وجوه من المعاني فى النظر والأربعين والإتمام بعشر ٣٦ القول فى معانى قوله تعالى: «وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ» ، وقوله: «الْمَنَّ وَالسَّلْوى» وما فى ذلك من خلاف فيهما ٣٦ قوله تعالى: «وَقُولُوا حِطَّةٌ» فيه وجوه من المعاني والإعراب ٣٨
следующие страницы →