← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقوله: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ (٢٧) إن شئت جعلتها «١» جزمًا عَلَى النهي، وإن شئت جعلتها صرفًا ونصبتها قَالَ «٢» : لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ وَفِي إحدى القراءتين (وَلا تَخونوا أماناتِكم) فقد يكون أيضًا هاهنا جزمًا ونصبًا. وقوله: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً (٢٩) يقول: فتحًا ونصرًا. وكذلك قوله يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ يوم الفتح والنصر. وقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ (٣٠) اجتمعَ نفرٌ من قريش فقالوا: ما ترونَ فِي مُحَمَّد ﷺ ويدخل إبليس عليهم فِي صورة رجل من أهل نَجد، فقال عَمْرو بن هشام «٣» : أرى أن تَحبسوهُ فِي بيت وتُطَيِّنُوه عَلَيْهِ وتفتحوا لَهُ كُوَّة وتضيِّقوا عَلَيْهِ حَتَّى يَموت. فأبى ذَلِكَ إبليس وقال: بئس الرأي رأيك، وقال أَبُو البَخْتَرِيّ بن هشام: أرى أن يحمل عَلَى بعير ثُمَّ يطرد بِهِ حَتَّى يهلك «٤» أو يكفيكموهُ بعض العرب، فقال إبليس: بئس الرأي! أتخرجونَ عنكم رجلا قد أفسدَ عامّتكم فيقع إلى غيركم! فعلّه يغزوكم بِهم. قَالَ الفاسق أَبُو جهل: أرى أن نَمشي إِلَيْهِ برجل من كل فخذ من قريش فنضر به بأسيافنا، فقال إبليس: الرأي ما رأى هَذَا «٥» الفتى، وأتى جبريل ﵇ إلى

стр. 422

النَّبِيّ ﷺ بالخبر، فخرج من مكَّة هُوَ وَأَبُو بكر. فقوله (لِيُثْبِتُوكَ) : ليحبسوك فى البيت. (أو يخرجوك) على البعير «١» (أو يقتلوك) . وقوله: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ (٣٢) فى (الحق) النصب والرفع «٢» إن جعلت (هو) اسمًا رفعت الحق بهو. وإن جعلتها عمادًا بِمنزلة الصلة نصبت الحق. وكذلك فافعل فِي أخوات كَانَ، وأظنّ وأخواتها كما قَالَ الله ﵎ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ «٣» تنصب الحق لأن (رَأَيْتَ) من أخوات ظننت. وكل موضع صلحت فِيهِ يفعل أو فعل مكان الفعل «٤» المنصوب ففيه العماد ونصب الفعل. وَفِيهِ رفعه بِهو عَلَى أن تجعلها اسمًا، ولا بدّ من الألف واللام إِذَا وجدت إليهما السبيل. فإذا قلت: وجدت عبد الله هُوَ خيرًا منك وشرًا منك أو «٥» أفضل منك، ففيما أشبه هَذَا الفعل النصب والرفع. النصب عَلَى أن ينوي الألف واللام، وإن لَمْ يمكن إدخالَهما. والرفع عَلَى أن تَجعل (هو) اسمًا فتقول: ظننت أخاكَ هُوَ أصغرُ منك وهو أصغرَ منك. وَإِذَا جئت إلى الاسماء الموضوعة مثل عَمْرو، وَمُحَمَّد، أو المضافة مثل أبيك، وأخيك رفعتها، فقلت: أظنّ زيدًا هُوَ أخوك، وأظنَّ أخاكَ هُوَ زيد، فرفعت إذ لَمْ تأت بعلامة المردود، وأتيت بِهو التي هي علامة الاسم، وعلامة المردود أن يرجع كل فعل لَمْ تكن فِيهِ ألف ولام بألف ولام ويرجع عَلَى الاسم فيكون (هُوَ)

стр. 423

عماد للاسم و (الألف واللام) عماد للفعل. فلمّا لَمْ يُقدَر عَلَى الألف واللام ولم يصلح أن تُنويا فِي زيد لأنه فلان، ولا في الأخ لأنه مُضاف، آثروا الرفع وصلح فِي (أفضل منك) لأنك تلقى (من) فتقول: رأيتك أنت الافضل، ولا يصلح ذَلِكَ فِي (زيد) ولا فِي (الأخ) أن تنوي فيهما ألفا ولا ما. وَكَانَ الْكِسَائي يجيز ذَلِكَ فيقول: رأيتُ أخاكَ هُوَ زيدًا، ورأيتُ زيدًا هُوَ أخاكَ. وهو جائز كما جاز فِي (أفضل) للنية نية الألف واللام. وكذلك جاز فِي زيد، وأخيك. وَإِذَا أمكنتك الألف واللام ثُمَّ لَمْ تأت بِهما فارفع «١» فتقول «٢» : رأيتُ زيدًا هُوَ قائم ورأيتُ عمرًا هُوَ جالس. وقال الشاعر: أَجِدَّك لَن تزال نجِيَّ هَمّ ... تبيتُ اللَّيْلَ أنت لَهُ ضجيع ويَجوز النصب فِي (ليت) بالعماد، والرفع لِمَنْ «٣» قَالَ: ليتك قائمَا. أنشدني الْكِسَائي: ليت الشباب هُوَ الرجِيعُ عَلَى الفتى ... والشيبُ كَانَ هُوَ البديءُ الأوّل «٤» ونصب فِي (ليت) عَلَى العماد ورفع فِي كَانَ عَلَى الاسم. والمعرفة والنكرة فِي هَذَا سواء. وقوله: إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ (١٦) هُوَ استثناء والمتحيِّز غير مَن. وإن شئت جعلته من صفة «٥» من، وهو عَلَى مذهب قولك: إِلا أن يوليهم يريد الكرَّّة، كما تَقُولُ فِي الكلام: عبد الله يأتيكَ إِلا ماشيًا، ويأتيكَ إِلا أن تمنعه الرحلة. ولا يكون (إلا) هاهنا عَلَى معنى قوله إِلى «٦» طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ لأن (غير) فِي مذهب (لا) ليست فِي مذهب (إِلا) .

стр. 424

وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (٤١) دخلت (أنّ) فِي أوّله وآخره لأنه جزاء بِمنزلة قوله كُتِبَ «١» عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وبِمنزلة قوله أَلَمْ «٢» يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ ويجوز فى (أنّ) الآخرة أن تكسر ألفها لأن سقوطها يَجوز ألا ترى أنك لو قلت: (أعلموا أنّ ما غنمتم من شيء فلله خمسه) تصلح، فإذا صلح سقوطها صلح كسرها. وقوله: وَلِذِي الْقُرْبى: قرابة رَسُول اللَّه ﷺ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ: يتامى الناس ومساكينهم، لَيْسَ فيها يتامى بني هاشم ولا مساكينهُم. وقوله: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا (٤٢) والعدوة: شاطئ الوادي الدُّنْيا مما يلى المدينة، والْقُصْوى مما يلي مكة. وقوله وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعني أبا سفيان وَالْعِيرَ، كانوا عَلَى شاطئ البحر. وقوله أَسْفَلَ مِنْكُمْ نصبت يريد: مكانا أسفلَ منكم. ولو وصفهم بالتسفل وأراد: والركب أشد تسفلا لَجازَ ورفع. وقوله وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ كتابتها عَلَى الادغام بياء واحدة، وهي أكثر قراءة القراء. وقد قرأ بعضهم «٣» (حيى عن بيّنة) بإظهارها. وإِنَّما أدغموا الياء مع الياء وَكَانَ ينبغي لَهم ألا يفعلوا لأن الياء الآخرة لزمها النصب فِي فَعَلَ، فأدغموا لَما التقى حرفان متحركان من جنس واحد. ويَجوز الادغام فِي الاثنين للحركة اللازمة للياء الآخرة، فتقول للرجلين: قد حَيّا، وحَيِيا. وينبغي للجمع ألا يدغم لأنّ ياءه

стр. 425

يصيبها الرفع وما قبلها مكسور، فينبغي لَهَا أن تسكن فتسقط بواو الجمع. وربما أظهرت العرب الادغام فِي الجمع إرادة تأليف الأفعال وأنْ تكون كلها مشدّدة. فقالوا فِي حَيِيت حَيُّوا، وَفِي عيِيت عَيُّوا أنشدني بعضهم: يَحِدن بِنَا عَن كلّ حَيٍّ كأنَّنا ... أخارِيس عَيُّوا بالسلام وبالنَّسْبِ «١» يريد النّسَبَ. وقال الآخر: مِن الَّذِينَ إِذَا قلنا: حَدِيثَكم ... عَيُّوا، وإن نحن حَدَّثناهُمُ شَغبوا «٢» وقد اجتمعت العرب عَلَى إدغام التحيَّة والتحيّات بِحركة الياء الأخيرة فيها كما استحبّوا إدغام عيَّ وَحَيَّ بالحركة اللازمة فيها. وقد يستقيم أن تدغم الياء والياء فِي يَحْيَا ويَعْيا وهو أقل من الادغام فِي حيّ لأن يحيا يسكن ياؤها إِذَا كانت فِي موضع رفع، فالحركة فيها ليست لازمة. وجواز ذَلِكَ أنك «٣» إِذَا نصبتها كقول الله ﵎ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى «٤» استقام إدغامها هاهنا ثم نؤلّف الكلام، فيكون فِي رفعه وجزمه بالإدغام فتقول (هو يحىّ وَيُمِيتُ) أنشدني بعضهم: وكأنها بين النساءِ سَبيِكةٌ ... تَمْشِي بِسُدَّةِ بَيْتها فَتُعِيُّ «٥» وكذلك يَحَيَّان ويَحَيُّون.

стр. 426

وقوله: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ (٤٨) هَذَا إبليس تمثل فِي صورة رجل من بني كنانة يُقال لَهُ سُرَاقة بن جُعْشُم. قال الفرّاء: وقوله وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ «١» من قومي بني كنانة ألا يعرضوا لكم، وأن يكونوا معكم عَلَى مُحَمَّد ﷺ فلمّا عاين الملائكة عرفهم ف «نكص على عقبيه» ، فقال لَهُ الحرث «٢» بن هشام: يا سراقة أفرارًا من غير قتال! فقال (إِنِّي أَرَى ما لا ترون) . وقوله: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا (٥٠) يريد: ويقولونَ، مضمرة كما قَالَ: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا «٣» يريد يقولون: (ربّنا) . وَفِي قراءة عبد الله وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ «٤» يقولان رَبَّنا. وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) (أنّ) فى موضع نصب إذا جعلت (ذلك) نصبًا وأردت: فعلنا ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وب أَنَّ اللَّهَ. وإن شئت جعلت (ذلك) فِي موضع رفع، فتجعل (أنْ) فِي موضع رفع كما تَقُولُ: هَذَا ذاك. وقوله: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ (٥٢) يريد: كذّب هَؤُلاءِ كما كذّب آلُ فرعون، فنزل بهم كما نزل بآل فرعون.

стр. 427

وقوله: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ (٥٧) يريد: إن أسَرتهم يا مُحَمَّد فنكل بهم من خلفهم ممن تخاف نفضه للعهد فَشَرِّدْ بِهِمْ. لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فلا ينقضونَ العهد. وربما قرئت (مَنْ خَلْفَهُمْ) بكسر (من) «١» ، وليس لَهَا معنى أستحبه مع التفسير. وقوله: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً (٥٨) يقول: نقض عهد فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ بالنقض عَلى سَواءٍ يقول: افعل كما يفعلونَ سواء. ويُقال فِي قوله: عَلى سَواءٍ: جهرا غير سرّ. وقوله: تَخافَنَّ فِي موضع جزم. ولا تكاد العرب تدخل النون الشديدة ولا الخفيفة فِي الجزاء حَتَّى يصلوها ب (ما) ، فإذا وصلوها آثروا التنوين. وَذَلِكَ أنهم وجدوا ل (إما) «٢» وهى جزاء شبيها ب (إما) من التخيير، فأحدثوا النون ليعلم بِهَا تفرقةُ بينهما ثُمَّ جعلوا أكثر جوابها بالفاء كذلك جاء التنزيل قَالَ: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ، فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ «٣» ثم قال: فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فاختيرت الفاء لانهم إِذَا نوَّنوا فِي (إِمّا) جعلوها صَدْرًا للكلام ولا يكادونَ يؤخرونها. لَيْسَ من كلامهم: اضربه إِمّا يقومَنّ إِنَّما كلامهم أن يقدّموها، فلمّا لزمت التقديم صارت كالخارج من الشرط، فاستحبوا الفاء فيها وآثروها، كما استحبوها فِي قولهم: أمّا أخوكَ فقاعد، حين ضارعتها. وقوله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) بالتاء لا اختلاف فيها. وقد قرأها حَمْزَةُ «٤» بالياء. وَنَرَى أَنَّهُ اعتبرها بقراءة عبد الله. وهي فِي قراءة عبد الله وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كفروا أنَّهم سبقوا إنهم لا يعجزون

стр. 428

فإذا لم تكن فيها (أنّهم) لَمْ يستقم للظنّ ألا يقع عَلَى شيء. ولو أراد: ولا يحسب الَّذِينَ كفروا أنهم لا يعجزون لاستقامَ «١» ، ويجعل لا (صلة) كقوله: وَحَرامٌ «٢» عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ يريد: أنهم يرجعون. ولو كَانَ مع (سَبَقُوا) (أن) استقامَ ذَلِكَ، فتقول: ولا يحسب الَّذِينَ كفروا أن سبقوا. فإن قَالَ قائل: أليس من كلام العرب عسيت أذهب، وأريد أقوم معك، و (أن) فيهما مضمرة، فكيف لا يَجوز أن تقول: أظن أقوم، وأظن قمت؟ قلت: لو فعل ذَلِكَ فِي ظننت إِذَا كَانَ الفعل للمذكور أجزته وإن كَانَ اسمًا مثل قولهم: عسى «٣» الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا، والْخِلْقة لانْ «٤» ، فإذا قلت ذَلِكَ قلته فِي أظن فقلت: أظن أقوم، وأظن قمت لأن الفعل لك، ولا يَجوز أظن يقوم زيد، ولا عسيت يقوم زيد ولا أردت يقوم زيد وجاز والفعل لَهُ لأنك إِذَا حوّلت يفعل إلى فاعِل اتصلت بِهِ وهي منصوبة بصاحبها، فيقول: أريد قائِمًا والقيامُ لك. ولا تَقُولُ أريد قائمًا زيد، ومن قَالَ هَذَا القول قَالَ مثله فِي ظننت. وقد أنشدني بعضهم لذي الرُّمَّة: أَظَنَّ ابْنُ طرثوث عتيبة ذاهبا ... بعاديّتى تكذابه وجعائله «٥»

стр. 429

فهذا مذهب لقراءة حمزة يجعل (سبقوا) فِي موضع نصب: لا يَحسبن الَّذِينَ كفروا سابقين. وما أحبها لشذوذها «١» . وقوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ (٦٠) يريد إناث الخيل. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ «٢» أَبِي يَحْيَى رَفَعَهُ إلى النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: الْقُوَّةُ: الرَّمْيُ. وقوله تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ. ولو جعلتها «٣» نصبًا من قوله: وَأَعِدّوا لَهم ولآخرين من دونِهم كَانَ صوابًا كقوله: وَالظَّالِمِينَ «٤» أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً. وقرأ أَبُو عبد الرحمن السُلَمِيّ: (ترهبونَ بِهِ عَدُوًّا لِلَّهِ وعدوّكم) كما قرأ بعضهم «٥» فِي الصفّ (كونوا أَنْصَارًا لِلَّهِ) . وقوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها (٦١) إن شئت جعلت (لَهَا) كناية عَن السلم لأنها مؤنثة. وإن شئت جعلته للفَعْلة كما قَالَ إِنَّ «٦» رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ولم يذكر قبله إلا فعلا، فالهاء للفعلة.

стр. 430

وقوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (٦٣) : بين قلوب الأنصار من الأوس والخزرج كانت بينهم حرب، فلمّا دخل المدينة رسولُ الله ﷺ أصلح الله بِهِ وبالإسلام ذات بينهم. وقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ (٦٤) جاء التفسير: يكفيكَ الله ويكفي من اتبعك فموضع الكاف فِي (حَسْبَكَ) خفض. و (مَنْ) فِي موضع نصب عَلَى التفسير كما قَالَ الشاعر: إِذَا كانت الهيجاء وانشقّتِ العصا ... فحسبُك والضَّحاكَ سيفٌ مُهَنَّد «١» وليس بكثير من كلامهم أن يقولوا: حسبك وأخاك، حَتَّى يقولوا: حسبك وحسب أخيك، ولكنا أجزناهُ لأن فِي (حسبك) معنى واقع من الفعل، رددناهُ «٢» عَلَى تأويل الكاف لا عَلَى لفظها كقوله إِنَّا «٣» مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ فردّ الأهل عَلَى تأويل الكاف. وإن شئت جعلت (من) فى موضع رفع، وهو أحبّ الوجهين إليّ لأن التلاوة تدلّ عَلَى معنى «٤» الرفع ألا ترى أَنَّهُ قَالَ: إِنْ يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين (٦٥) فكان النَّبِيّ ﷺ يُغْزِي أصحابه عَلَى أنَّ العشرة للمائة، والواحد للعشرة، فكانوا كذلك، ثُمَّ شقّ عليهم أن يُقْرِن «٥» الواحد للعشرة فنزل:

стр. 431

الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ (٦٦) فبين الله قوَّتهم أولا وآخرًا. وقد قَالَ هَذَا القول الْكِسَائي ورفع (من) . وقوله: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى (٦٧) معناهُ: ما كَانَ ينبغي لَهُ يوم بدر أن يقبل فداء الأسرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ: حَتَّى يغلب عَلَى كَثِير من فِي الأرض. ثُمَّ نزل: قوله: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ (٦٨) فِي فداء الأسرى والغنائم. وقد «١» قرئت (أُسَارى) ، وكلٌّ صواب. وقوله أَنْ يَكُونَ بالتذكير «٢» والتأنيث كقوله يشهد «٣» عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ و (تشهد) . وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ (٧٢) ثم قال: أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ فِي المواريث، كانوا يتوارثونَ دون قراباتِهم ممن لَمْ يُهاجر. وَذَلِكَ قوله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ يريد: من مواريثهم. وكسر «٤» الواو فِي الولاية أعجب إليَّ من فَتَحها لانَّها إنَّما تفتح أكثر من ذلك إذا كانت

стр. 432

فى معنى النصرة، وَكَانَ الْكِسَائي يفتحها ويذهب بِهَا إلى النصرة، ولا أراهُ «١» علم التفسير. ويَخْتارونَ فِي وليته ولاية الكسر، وقد سمعنا هما بالفتح والكسر فى معنا هما جَميعًا، وقال الشاعر: دعِيهمْ فَهُمْ أَلْبٌ عَلَيَّ وِلايَةٌ ... وَحَفْرُهُمُ أَنْ يَعْلَموا ذاكَ دائب «٢» ثُمَّ نزلت بعد: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ (٧٥) فتوارثوا، ونسخت هَذِه الآخِرة الآية التي قبلها. وَذَلِكَ أَنَّ قوله: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) : إلا تتوارثوا «٣» عَلَى القرابات تكن فتنة. وذكر أَنَّهُ فِي النصر: إلا تتناصروا «٤» تكن فتنة.

стр. 433

ومن سورة براءة ومن سورة براءة «١» قوله: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مرفوعة، يضمر لَهَا (هَذِه) ومثله قوله: سُورَةٌ «٢» أَنْزَلْناها. وهكذا كل ما عاينته من اسم معرفة أو نكرة جاز إضمار (هذا) و (هذه) فتقول إِذَا نظرت إلى رجل: جميلٌ والله، تريد: هَذَا جَميل. والمعنى فِي قوله (بَرَاءَةٌ) أن العرب كانوا قد أخذوا ينقُضُون عهودًا كانت بينهم وبين النَّبِيّ ﷺ ، فنزلت عَلَيْهِ آيات من أوّل براءة، أُمِر فيها بنَبْذ عهودهم إليهم، وأن يَجعل الاجَلَ بينه وبينهم أربعةَ أشهر. فمن كانت مدّته أكثر من أربعة أشهر «٣» حطّه إلى أربعة. ومن كانت مدّته أقل من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة. وبعث فِي ذَلِكَ أبا بكر وعليًّا رحمهما الله، فقرأها عليٌّ عَلَى الناس. وقوله: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (٢) يقول: تَفَرَّقوا آمنين أربعة أشهر مدّتكم. وقوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (٣) تابع لقوله (براءة) . وجعل لمن لَمْ يكن لَهُ عهد خمسين يومًا أجلا. وكل ذلك من يوم النحر.

стр. 434

وقوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ (٥) عَن الَّذِينَ أجلهم خمسون ليلة. فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ومعنى الأشهر الحرم: المحرّم وحده. وجاز أن يقول: الأشهر الحُرُم للمحرم وحده لأنه متصلٌ بذي الحجة وذي القعدة وهما حرام كأنه قَالَ: فإذا انسلخت الثلاثة. وقوله: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ (٤) استثناء فِي موضع نصب. وهم قوم من بني كنانة كَانَ قد بقي من أجلهم تسعة أشهر. قال الله ﵎: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ يقول: لا تحطّوهم إلى الاربعة. وقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (٥) فِي الأشهر الحرم وغيرها فِي الحل والحرم. وقوله: وَاحْصُرُوهُمْ وحَصْرهم أن يُمنعوا من البيت الحرام. وقوله: وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ يقول: عَلَى طُرُقهم إلى البيت فقام رجل من الناس حين قرئت (براءة) فقال: يا ابن أبي طالب، فمن أراد منا أن يلقى رَسُول اللَّه ﷺ فِي بعض الأمر بعد انقضاء الاربعة فليس لَهُ عهد؟ قَالَ عَليّ: بلى، لأن الله ﵎ قد أنزلَ: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ (٦) يقول: ردّه إلى موضعه ومأمنه.

стр. 435

وقوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فِي موضع جزم وإن فُرِق بين الجازم والمجزوم ب (أحد) . وذلك سهل فى (إن) خاصة دون حروف الجزاء لانّها شرط وليست باسم، وَلَهَا عودة إلى الفتح فتلقى الاسم والفعل وتدور فِي الكلام فلا تعمل، فلم يحفلوا أن يفرقوا بينها وبين المجزوم بالمرفوع والمنصوب. فأمّا المنصوب فمثل قولك: إِنْ أخاكَ ضربتَ ظلمتَ. والمرفوع مثل قوله: إِنِ «١» امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ولو حولت (هَلَكَ) إلى (إنْ يهلك) لجزمته، وقال الشاعر «٢» : فان أنت تفعل فللفاعلي ... ن أَنْتَ المجيزين تِلْكَ الغِمَارا ومن فرق بين الجزاء وما جزم بمرفوع أو منصوب لَمْ يفرق بين جواب الجزاء وبين ما ينصب بتقدمة المنصوب أو المرفوع تَقُولُ: إنْ عبدُ الله يَقُمْ يَقُمْ أبوه، ولا يَجوز أبوه يقم، ولا أن تَجعل مكان الأب منصوبًا بِجواب الجزاء. فخطأ أن تَقُولُ: إِن تأتني زيدًا تَضْرِب. وَكَانَ الْكِسَائي يُجيز تقدمة النصب فِي جواب الجزاء، ولا يَجوز تقدمة المرفوع، ويحتج بأن الفعل إِذَا كَانَ للأول عاد فِي الفعل راجع ذكر الأول، فلم يستقم إلغاء الأول. وأجازه فِي النصب لأن المنصوب لَمْ يعد ذكره فيما نصبه، فقال: كأن المنصوب لَمْ يكن فِي الكلام. وليس ذَلِكَ كما قَالَ لأن الجزاء لَهُ جواب بالفاء. فإن لَمْ يستقبل بالفاء استقبل بِجزم مثله ولم يلق باسم،

стр. 436

إلا أن يضمر فِي ذَلِكَ الاسم الفاء. فإذا أضمرت الفاء ارتفعَ الجواب فِي منصوب الاسماء ومرفوعها لا غير. واحتج بقول الشاعر «١» : وللخيلِ أَيّامٌ فَمَنْ يَصْطَبِرْ لَهَا ... وَيَعْرِفْ لَهَا أيامها الخير تعقب فجعل (الخير) منصوبا ب (تعقب) . (والخير) فِي هَذَا الموضع نعت للأيام كأنه قَالَ: ويعرف لَهَا أيامها الصالحة تعقب. ولو أراد أن يجعل (الخير) منصوبا ب (تعقب) لرفع (تُعْقب) لأنه يريد: فالخير تعقبه. وقوله: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ (٧) عَلَى التعجب كما تَقُولُ: كيف يُسْتَبقَى مثلك أي لا ينبغي أن يستبقى. وهو فِي قراءة عبد الله (كيف يكون للمشركين عهد عند الله ولا ذمة) فجاز دخول (لا) مع الواو لأن معنى أول الكلمة جحد، وَإِذَا استفهمت بشيء من حروف الاستفهام فلك أن تدعه استفهامًا، ولك أن تنوي بِهِ الجحد. من ذَلِكَ قولك: هَلْ أنت إلا كواحد مِنّا؟! ومعناهُ: ما أنت إلا واحد منا، وكذلك تَقُولُ: هَلْ أنت بذاهب؟ فتدخل الباء كما تَقُولُ: ما أنت بذاهب. وقال الشاعر: يقول إذا اقلولى عليها وأقردت ... ألا هَلْ أَخُو عيشٍ لَذِيذٍ بدائم «٢» وقال الشاعر: فاذهب فأي فتى في الناس أحرزه ... من يومه ظلم دعج ولا جبل «٣»

стр. 437

فقال: ولا جبل، للجحد وأوّله استفهام ونيَّته الجحد معناهُ لَيْسَ يحرزه من يومه شيء. وزعم الْكِسَائي أَنَّهُ سمع العرب تَقُولُ: أين كنت لتنجو مني، فهذه اللام إنَّما تدخل ل (ما) التي يُراد بِهَا الجحد كقوله: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا «١» ، وَما كُنَّا «٢» لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ. وقوله: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ (٨) اكتفى ب (كيف) ولا فعل معها لأن المعنى فيها قد تقدّم فِي قوله: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ وَإِذَا أعيد الحرف وقد مضى معناهُ استجازوا حذف الفعل كما قَالَ الشاعر «٣» : وخبرتماني أنّما الموتُ فِي القُرَى ... فكيفَ وهذي هَضْبَةٌ وكثيب وقال الحطيئة: فكيفَ ولم أَعْلَمْهُمُ خَذَلوكُمُ ... عَلَى معظم ولا أديمكم قدّوا «٤»

стр. 438

وقال آخر: فهل إلى عَيْش يا نصابُ وهل فأفرد الثانية لأنه يريد بِهَا مثل معنى الأول. وقوله: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ (١١) ثم قال: فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ معناهُ: فهم إخوانكم. يرتفع مثل هَذَا من الكلام بأن يضمر لَهُ اسمه مكنيًّا عَنْهُ. ومثله فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ «١» أي فهم إخوانكم. وَفِي قراءة أُبَيّ إِن تُعَذِّبْهُم فَعِبَادُكَ «٢» أي فهم عبادك. وقوله: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ (١٢) يقول: رءوس الكفر إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ: لا عهودَ لَهُم. وقرأ الْحَسَن «٣» (لا إيمانَ لَهُمْ) يريدُ أنهم كفرة لا إسلام لَهُم. وقد يكون معنى الْحَسَن عَلَى: لا أمانَ لَهُم، أي لا تُؤمنوهم فيكون مصدر قولك: آمنته إيمانا تريد أمانا. وقوله: وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ (١٣) ذَلِكَ أن خُزَاعة كانوا حلفاء للنبي ﷺ ، وكانت الديل بن بكر حلفاء لبني عبد شمس، فاقتتلت الديل وخزاعة، فأعانت قريش الديل عَلَى خُزاعة، فذلك قوله: بَدَؤُكُمْ أي قاتلوا «٤» حلفاءكم.

стр. 439

وقوله: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ (١٤) ثُمَّ جزمَ ثلاثة أفاعيل بعده يَجوز فِي كلهن النصب والجزم والرفع. ورفع قوله: وَيَتُوبُ اللَّهُ لأن معناهُ لَيْسَ من شروط الجزاء إنّما هو استئناف كقولك للرجل: ايتني أُعطك، وأُحِبُّك بعد، وأُكْرِمُكَ، استئناف لَيْسَ بشرط للجزاء. ومثله قَوْل الله ﵎: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ «١» تمّ الجزاء هاهنا، ثُمَّ استأنفَ فقال: وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ. وقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ (١٦) من الاستفهام الَّذِي يتوسّط فِي الكلام فيجعل ب (أَمْ) ليفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ الَّذِي لَمْ يتّصل بكلام. ولو أريد بِهِ الابتداء لكان إِمّا بالألف وإِمّا ب (هَلْ) كقوله: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ «٢» وأشباهه. وقوله: وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً والوليجة: البطانة من المشركين يتخذونهم فيُفْشون إليهم أسرارهم، ويعلمونهم أمورهم. فنهوا عَن ذَلِكَ. وقوله: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ (١٧) وهو يعني المسجد الحرام وحده. وقرأها مُجاهد «٣» وعطاء بن أبي رَبَاح: (مَسْجِد الله) . وربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع، وبالجمع إلى الواحد ألا ترى الرجلَ عَلَى البِرذَون فتقول: قد أخذتَ فِي ركوب البراذين، وترى الرجل كثير الدراهم

стр. 440

فتقول: إنه «١» لكثير الدرهم. فأدّى الجماع عَن الواحد، والواحد عَن الجمع. وكذلك قَوْل العرب: عَلَيْهِ أخلاقُ نعلين وأخلاق ثوب أنشدني أَبُو الجرّاح العُقَيْلي: جاء الشتاءُ وقمِيصِي أخلاقْ ... شراذمٌ يضحكُ مِنْه التوّاقْ «٢» وقوله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ (١٩) ولم يقل: سُقَاة الحاجّ وعامري ... كمن آمن، فهذا مثل قوله: وَلكِنَّ «٣» الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون المصدر يكفي من الاسماء، والأسماءُ من المصدر إِذَا كَانَ المعنى مستدلا عَلَيْهِ بِهما أنشدني الْكِسَائي: لعمرُكَ ما الفِتيان أن تنبُت اللِّحى ... ولكنما الفِتيانُ كلُّ فتى ندِي فجعل خبر الفتيان (أن) . وهو كما تَقُولُ: إِنَّما السخاء حاتم، وإنّما الشعر زُهَيْر. وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا (٢٠) ثم قال: أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ فموضع الَّذِينَ رفع بقوله: «أعظم درجة» . ولو لم يكن فيه (أعظم) جاز أن يكون مردودًا بالخفض عَلَى قوله (كمن آمن) . والعرب تردّ الاسم إِذَا كَانَ معرفة عَلَى (من) يريدون التكرير «٤» . ولا يكون نعتًا لأن (من) قد تكون معرفة، ونكرة، ومجهولة، ولا تكون نعتًا كما أن (الَّذِي) قد يكون نعتا

стр. 441

للأسماء فتقول: مررت بأخيكَ الَّذِي قام، ولا تقول: مررت بأخيكَ مَنْ قام. فلمّا لَمْ تكن نعتًا لغيرها من المعرفة لَمْ تكن المعرفة نعتا لَهَا كقول الشاعر «١» : لسنا كمن جعلتْ إيادٍ دارها ... تكرِيتَ تنظُر حَبَّها أَنْ تَحْصُدا إنما أراد تكرير الكاف عَلَى إياد كأنه قَالَ: لسنا كإياد. وقوله: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ (٢٥) نصبت المواطن لأن كل جمع كانت فِيهِ ألف قبلها حرفان وبعدها حرفان فهو لا يُجْرَى «٢» مثل صوامع، ومساجد، وقناديل، وتَماثيل، ومحاريب. وهذه الياء بعد الألف لا يعتدّ بِهَا لأنها قد تدخل فيما ليست هي منه، وتَخرج مما هي منه، فلم يعتدّوا بِهَا «٣» إذ لَمْ تثبت كما ثبت غيرها. وإنما منعهم من إجرائه أَنَّهُ مثال لَمْ يأت عَلَيْهِ شيء من الاسماء المفردة، وأنه غاية للجِماع إِذَا انتهى الجماع إِلَيْهِ فينبغي لَهُ ألا يجمع. فذلك أيضًا منعه من الانصراف ألا ترى أنك لا تَقُولُ: دراهمات، ولا دنانيرات، ولا مساجدات. وربما اضطُرَّ إِلَيْهِ الشاعر فجمعه. وليس يوجد فِي الكلام ما يَجوز فِي الشعر. قَالَ الشاعر: فهنّ يجمعن حدائِداتِها «٤» فهذا من المرفوض إلا فِي الشعر. ونعت (المواطن) إِذَا لَمْ يكن معتلا جرى. فلذلك قال: (كثيرة) .

стр. 442

وقوله: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ وحُنَيْن وادٍ بين مكة والطائف. وجرى (حُنَيْنٍ) لأنه اسم لِمذكَّر. وَإِذَا سميت ماء أو واديًا أو جبلا باسم مذكر لا علة فِيهِ أجريته. من ذَلِكَ حنين، وبَدْر، وأُحُد، وحِرَاء، وثَبِير، ودابِق «١» ، وواسط «٢» . وإِنّما سمي واسطًا بالقصر الذي بناه الحجّاج بين الكوفة والبصرة. ولو أراد البلدة أو اسمًا مؤنثًا لقال: واسطة. وربما جعلت العرب واسط وحُنين وبدر، اسمًا لبلدته التي هُوَ بِهَا فلا يَجرونه وأنشدني بعضهم: نصروا نبِيَّهمُ وشَدّوا أَزْرَهُ ... بِحُنَيْنَ يوم تواكُلِ الأبْطَالِ «٣» وقال الآخر «٤» : ألسنا أكرم الثَّقَليْنِ رَجْلا ... وأعظمه ببطن حِرَاء نارا فجعل حراء اسمًا للبلدة التي هُوَ بِهَا، فكان مذكرًا يسمى بِهِ مؤنّث فلم يُجْرَ. وقال آخر: لقد ضاع قوم قلدوك أمورهم ... بدابق إذ قيل العدوّ قريب رأوا جسدًا ضخمًا فقالوا مقاتل ... ولم يعلموا أن الفؤاد نخيب «٥» ولو أردت ببدر البلدة لَجازَ أن تَقُولُ مررت ببدْرَ يا هذا.

стр. 443

وقوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (٢٨) لا تَكاد العرب تَقُولُ: نَجِسٌ إلا وقبلها رِجْس. فإذا أفردوها قالوا: نَجَس لا غير ولا يجمع ولا يؤنث. وهو مثل دَنَف «١» . ولو أُنِّث هُوَ ومثله كَانَ صوابًا كما قالوا: هي: ضيفته وضيفه، وهي أخته سَوْغه «٢» وسَوْغته، وزوجه وزوجته. وقوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ. قَالَ يومئذ رجل من المسلمين: والله لا نُغْلَب، وكره ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ المسلمون يؤمئذ عشرة آلاف، وقال بعضُ الناس: اثني عشر ألفًا، فهزموا هزيمة شديدة. وهو قوله: وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ والباء هاهنا بمنزلة فِي كما تَقُولُ: ضاقت عليكم الأرض فِي رُحْبها وبُرحْبها. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْمُفَضَّلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ قُلْتُ لِلْبَرَاءِ «٣» بْنِ عَازِبٍ: يَا أَبَا عُمَارَةَ أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَهُ مِنَّا إلا رجلان: أبو سفيان «٤» بن الحرث آخِذًا بِلِجَامِهِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ رِكَابِهِ آخِذًا بِثَفَرِهِ «٥» . قَالَ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَالَ لَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ قَالَ: فَمَنَحَنَا الله أكتافهم.

стр. 444

وقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً (٢٨) يعني فقرًا. وَذَلِكَ لَمَّا نزلت: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا خاف أهل مكة أن تنقطع عنهم الميرة والتجارة. فأنزل الله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً. فذكروا أن تَبَالة «١» وجُرش أخصبتا، فأغناهم الله بِهما وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. وقوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ (٣٠) قرأها الثقات «٢» بالتنوين وبطرح التنوين. والوجه أن ينوّن لأن الكلام ناقص (وابن) فِي موضع خبر لعزير. فوجه العمل فِي ذَلِكَ أن تنوِّن ما رأيت الكلام محتاجًا إلى ابن. فإذا اكتفى دون بن، فوجه الكلام ألا ينون. وَذَلِكَ مع ظهور اسم أبي الرجل أو كنيته. فإذا جاوزت ذَلِكَ فأضفت (ابن) إلى مكنى عَنْهُ مثل ابنك، وابنه، أو قلت: ابن الرجل، أو ابن الصالِح، أدخلت النون فِي التام منه والناقص. وَذَلِكَ أن حذف النون إِنّما كَانَ فِي الموضع الَّذِي يُجرى فِي الكلام كثيرًا، فيستخفّ طرحها فِي الموضع الَّذِي يستعمل. وقد ترى الرجل يذكر بالنسب إلى أبيه كثيرًا فيقال: من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، فلا يجري كثيرًا بغير ذَلِكَ. وربما حذفت النون وإن لَمْ يتمم الكلام لسكون الباء من ابن، ويستثقل النون إذ كانت ساكنة لقيت ساكنًا، فحذفت استثقالا لتحريكها. قَالَ: من ذلك قراءة القرّاء: (عزيز ابن الله) . وأنشدني بعضهم: لَتجِدّني بالأميرِ بَرّا ... وَبالقناة مِدْعَسا مكرّا «٣» إذا غطيف السلمىّ فرّا

стр. 445

وقد سمعت كثيرًا من القراء الفصحاء يقرءونَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ. فيحذفون النون من (أحد) . وقال آخر «١» : كيْفَ نَومي عَلَى الفراشِ ولَمَّا ... تشملِ الشامَ غارةٌ شعواءُ تُذْهل الشيخَ عَن بَنيهِ وَتُبْدِي ... عَن خِدَامِ العَقِيلةُ العذراء أراد: عَن خدامٍ، فحذف النون للساكن إذ استقبلتها. وربما أدخلوا النون فِي التمام مع ذكر الأب أنشدني بعضهم: جارية من قيس ابن ثعلبة ... كأنها حلْيَةُ سيف مُذْهَبه «٢» وقال آخر «٣» : وإلا يكن مال يثاب فإنه ... سيأتي ثنائي زيدًا ابنَ مُهَلْهِلٍ وَكَانَ سبب قول اليهود: عُزَيْر ابن الله أن بُخْتَ نَصَّرَ قَتَل كلّ من كَانَ يقرأ التوراة، فأُتِيَ بِعُزَيْر فاستصغره فتركه. فلمّا أحياهُ الله أتته اليهود، فأملى عليهم التوراة عَن ظهر لسانه. ثُمَّ إن رجلا من اليهود قَالَ: إن أبي ذكر أن التوراة مدفونة فِي بستان لَهُ، فاستخرجت وقو بل بها ما أملى عزيز فلم يغادر منها حرفًا. فقالت اليهود: ما جمع الله التوراة فِي صدر عُزَيْر وهو غلام إلا وهو ابنه- تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا-.

стр. 446

وقوله: وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. وذُكِرَ أن رجلا دخل فِي النصارى وَكَانَ خبيثًا منكرًا فلبَّس عليهم، وقال: هُوَ هُوَ. وقال: هُوَ ابنه، وقال: هُوَ ثالث ثلاثة. فقال الله ﵎ فِي قولهم ثالث ثلاثة: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قولهم: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. وقوله: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ (٣١) قَالَ: لَمْ يعبدوهم، ولكن أطاعوهم فكانت كالربوبية. وقوله: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ (٣٢) دخلت (إلّا) لأن فِي أَبيت طَرَفًا من الجحد ألا ترى أن (أبيت) كقولك: لَمْ أفعل، ولا أفعل، فكانه بمنزلة قولك: ما ذهب إلا زيد. ولولا الجحد إِذَا ظهر أو أتى الفعل محتملا لضميره «١» لَمْ تُجِزْ دخول إلا كما أنك لا تقول: ضربت إلا أخاكَ، ولا ذهبَ إلا أخوك. وكذلك قَالَ الشاعر «٢» : وهل لِي أُمّ غيرها إِنْ تركتها ... أَبى اللهُ إِلا أن أكون لَهَا ابنما وقال الآخر: إِيَادًا وأَنْمَارها الغالبين ... إلا صدودًا وإلا ازورارا أراد: غلبوا إلا صدودًا وإلا ازورارًا، وقال الآخر: واعتلّ إلا كل فرع معرق ... مثلك لا يعرف بالتلهوق «٣»

стр. 447

فأدخلَ (إِلا) لأن الاعتلال فِي المنع كالإباء. ولو أراد علة صحيحة لَمْ تدخل إلا لأنها لَيْسَ فيها معنى جحد. والعرب تَقُولُ: أعوذ بالله إلا منك ومن مثلك لأن الاستعاذة كقولك: اللَّهُمَّ لا تفعل ذا بي. وقوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٣٤) ولم يقل: ينفقونهما. فإن شئت وجَّهْت الذهب والفضة إلى الكنوز فكان توحيدها من ذَلِكَ. وإن شئت اكتفيتَ بذكر أحدهما من صاحبه كما قَالَ: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها «١» فجعله للتجارة، وقوله: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً «٢» فجعله- والله أعلم- للاثم، وقال الشاعر «٣» فِي مثل ذَلِكَ: نحن بما عندنا وأنت بما عن ... دك راضٍ والرأي مختلفِ ولم يقل: راضونَ، وقال الآخر: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبي وَكَانَ وكنت غير غدور ولم يقل: غَدورين، وَذَلِكَ لاتفاق المعنى يُكتفى بذكر الواحد. وقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «٤» إن شئت جعلته من ذَلِكَ: مما اكتفى ببعضه من بعض، وإن شئت جعلت الله ﵎ فِي هَذَا الموضع ذُكِر لتعظيمه، والمعنى للرسول ﷺ كما قَالَ: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ «٥» ألا ترى أنك قد تَقُولُ لعبدك «٦» : قد أعتقك الله وأعتقتك، فبدأت بالله ﵎ تفويضًا إِلَيْهِ وتعظيمًا لَهُ، وإِنَّما يقصد قَصْد نفسه.

стр. 448

وقوله: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ (٣٦) جاء التفسير: فِي الاثني عشر. وجاء (فِيهِنَّ) : فِي الأشهر الحرم وهو أشبه بالصواب- والله أعلم- ليتبين بالنهي فيها عِظَمُ حُرْمَتها كما قال: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ «١» ثم قال: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى فعظِّمت، ولم يرخص فِي غيرها بترك المحافظة. وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ للاربعة- والله أعلم- قوله: (فيهن) ولم يقل (فيها) . وكذلك كلام العرب لِمَا بين الثلاثة إلى العشرة تَقُولُ: لثلاث ليال خلونَ، وثلاثة أيام خلون إلى العشرة، فإذا جُزت العشرة قالوا: خلت، ومضت. ويقولون لِمَا بين الثلاثة إلى العشرة (هنّ) و (هؤلاء) فإذا جزت العشرة قالوا (هي، وهذه) إرادة أن تعرف سِمة القليل من الكثير. ويَجوز فِي كل واحد ما جاز فِي صاحبه أنشدني أَبُو القمقام الفقعسيّ: أصبحن فِي قَرْحٍ وفى دارتها ... سبع ليالٍ غير معلوفاتها «٢» ولم يقل: معلوفاتهن وهي سبع، وكل ذَلِكَ صواب، إلا أن المؤْثَر ما فسَّرت لك. ومثله: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ «٣» فذكر الفعل لقلَّة النسوة ووقوع (هَؤُلاءِ) عليهن كما يقع عَلَى الرجال. ومنه قوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ «٤» ولم يقل: انسلخت، وكل صواب. وقال الله ﵎: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ «٥» لقلّتهن ولم يقل (تِلْكَ) ولو قيلت كَانَ صوابا.

стр. 449

وقوله: الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً (٣٦) يقول: جَميعًا. والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة عَلَى عدد الرجال فتقول: كافين، أو كافّات للنسوة، ولكنها (كافّة) بالهاء والتوحيد «١» فِي كل جهة لانّها وإن كانت عَلَى لفظ (فاعلة) فإنّها فِي مذهب مصدر مثل الخاصَّة، والعاقبة، والعافية. ولذلك لَمْ تُدخل فيها العرب الألف واللام لانّها آخر الكلام مع معنى المصدر. وهي فِي مذهب قولك: قاموا معًا وقاموا جَميعًا ألا ترى أن الألف واللام قد رُفِضت فِي قولك: قاموا معًا، وقاموا جميعًا، كما رفضوها فِي أجمعين وأكتعين وكلهم إذ كانت فِي ذَلِكَ المعنى. فإن قلت: فإن العرب قد تدخل الألف واللام فِي الجميع، فينبغي لَهَا أن تدخل فِي كافة وما أشبهها، قلت: لأن الجميع عَلَى مذهبين، أحدهما مصدر، والآخر اسم، فهو الَّذِي شبّه عليك. فإذا أردت الجميع الَّذِي فِي معنى الاسم جمعته وأدخلت فِيهِ الألف واللام مثل قوله: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ «٢» ، وقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٣» وأما الَّذِي فِي معنى معًا وكافَّة فقولك للرجلين: قاما جَميعًا، وللقوم: قاموا جَميعًا، وللنسوة: قمن جَميعًا، فهذا فِي معنى كلّ وأجمعين، فلا تدخله ألفا ولا ما كما لَمْ تدخل فِي أجمعين. وقوله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ (٣٧) كانت العربُ فِي الجاهلية إِذَا أرادوا الصَدَر عَن مِنًى قام «٤» رجلٌ من بني كنانة يُقال لَهُ (نُعَيم بن ثعلبة) وَكَانَ رئيس الموسم، فيقول: أنا الَّذِي لا أعابُ ولا أجابُ ولا يردّ لي قضاء. فيقولون: صدقت، أنسئنا شهرًا، يريدون: أخَّرْ عنّا حرمة المحرم

стр. 450

واجعلها فِي صفر، وأَحِلّ المحرم، فيفعل ذَلِكَ. وإِنّما دعاهم إلى ذاك توالي ثلاثة أشهر حُرُم لا يُغيرونَ فيها، وإنما كَانَ معاشهم من الإغارة، فيفعل ذَلِكَ عامًا، ثُمَّ يرجع إلى المحرم فيحرِّمه ويُحل صَفَرًا، فذلك الانساء. تَقُولُ إِذَا أخرت الرجل بدَينه: أنساته، فإذا زدت فِي الاجل زيادة يقع عليها تأخير قلت: قد نسأت فِي أيامك وَفِي أَجَلك، وكذلك تَقُولُ للرجل: نسأ الله فِي أجلك لأن الاجل مزيد فِيهِ. ولذلك قيل للبن (نسأته) لزيادة الماء فِيهِ، ونُسئت المرأة إِذَا حبِلت أي جعل زيادة الولد فيها كزيادة الماء فِي اللبن، وللناقة: نسأتها، أي زجرتها ليزداد سيرها. والنسيء المصدر، ويكون المنسوءَ مثل القتيل والمقتول. وقوله: يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا قرأها ابن مسعود «١» يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وقرأها زيد بن ثابت «٢» (يَضِلُّ) يجعل الفعل لَهُم، وقرأ الْحَسَن الْبَصْرِيّ «٣» (يُضِلّ بِهِ الَّذِينَ كفروا) ، كأنه جعل الفعل لَهُم يُضِلُّون بِهِ الناس وينسئونه لهم. وقوله: (لِيُواطِؤُا عِدَّةَ) يقول: لا يخرجون من تَحريم أربعة. وقوله: مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ (٣٨) معناهُ والله أعلم: (تثاقلتم) فإذا وصلتها العرب بكلام أدغموا التاء فِي الثاء لأنها مناسبة لَهَا، ويحدثونَ ألفًا لَمْ يكن ليبنوا الحرف عَلَى الادغام فِي الابتداء والوصل. وكأن إحداثهم الألف ليقع بِهَا الابتداء، ولو حذفت لاظهروا التاء لأنها مبتدأة،

стр. 451

والمبتدأ لا يكون إلا متحركًا. وكذلك قوله: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً «١» ، وقوله: وَازَّيَّنَتْ «٢» المعنى- والله أعلم-: تزينت، وقالُوا اطَّيَّرْنا «٣» معناهُ: تطيرنا. والعربُ تَقُولُ: (حَتَّى إِذَا اداركوا) تجمع بين ساكنين: بين التاء من تداركوا وبين الألف من إِذَا. وبذلك كَانَ يأخذ أَبُو عَمْرو «٤» بن العلاء ويردّ الوجه الأول، وأنشدني الْكِسَائي: تُولِي الضجيع إِذَا ما استافها «٥» خَصِرا ... عَذْبَ المذاقِ إِذَا ما اتّابع الْقُبَلُ وقوله: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى (٤٠) فأوقع (جعل) عَلَى الكلمة، ثُمَّ قَالَ: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا عَلَى الاستئناف، ولم تُرَد بالفعل. وكلمة الَّذِينَ كفروا الشرك بالله، وكلمة الله قول (لا إله إلا الله) . ويَجوز (وَكَلِمَةُ «٦» اللَّهِ هِيَ العليا) ولست أستحبّ ذَلِكَ لظهور الله ﵎ لأنه لو نصبها- والفعل فعله- كَانَ أجود الكلام أن يُقال: «وكلمته هي العليا» ألا ترى أنك تَقُولُ: قد أعتق أبوكَ غلامه، ولا يكادونَ يقولون: أعتق أبوكَ غلام أبيك. وقال الشاعر فِي إجازة ذَلِكَ: متى تأتِ زيدًا قاعدًا عِنْدَ حوضه ... لِتهدِمَ ظلمًا حوضَ زيد تقارع فذكر زيدًا مرتين ولم يُكَنِّ عنه فى الثانية، والكناية وجه الكلام.

стр. 452

وقوله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا (٤١) يقول «١» : لينفر منكم ذو العيال والميسرة، فهؤلاء الثقال. والخفاف: ذوو العسرة وقلَّة العيال. ويُقال: انْفِرُوا خِفافاً: نِشَاطًا (وَثِقَالا) وإن ثقل عليكم الخروج. وقوله: وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ (٤٧) الإيضاع: السير بين القوم. وكتبت» بلام ألف وألف بعد ذَلِكَ، ولم يكتب فِي القرآن لها نظير. و «٣» ذلك أنهم لا يكادونَ يستمرونَ فِي الكتاب عَلَى جهة واحدة ألا ترى أنهم كتبوا فَما تُغْنِ النُّذُرُ «٤» بغير ياء، وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ «٥» بالياء، وهو من سوء هجاء الأوّلين. وَلا أَوْضَعُوا مجتمع عَلَيْهِ فِي المصاحف. وأمّا قوله: أَوْ لا أَذْبَحَنَّه «٦» فقد كتبت بالألف وبغير الألف. وقد كَانَ ينبغي للألف أن تُحذف من كله لانَّها لام زيدت عَلَى ألف كقوله: لاخوكَ خيرٌ من أبيك ألا ترى أَنَّهُ لا ينبغي أن تكتب بألف بعد لام ألف. وأما قوله

стр. 453

(لا انفصام لها) «١» فتكتب بالألف لأن (لا) فى (انفصام) تبرئة، والألف من (انفصام) خفيفة. والعرب تَقُولُ: أوضع الراكب ووضعت الناقة فِي سيرها. وربما قالوا للراكب وضع قَالَ الشاعر: إِنِّي إِذَا ما كَانَ يوم ذو فزَعْ ... ألفيتني محتملا بذي أضع «٢» وقوله: (يبغونكم الفتنة) المعنى: يبغونَها لكم. ولو أعانوهم عَلَى بُغائها لقلت: أبغيتك الفتنة. وهو مثل قولك: أَحِلبني واحلُبني. وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي (٤٩) وَذَلِكَ لأن رسول الله ﷺ قَالَ لِجد «٣» بن قيس: هَلْ لك فِي جِلاد بني الاصفر؟ - يعني الروم- وهي غزوة تبوك، فقال جدّ: لا، بَلْ تأذن لي، فأتخلف فإني رجل كِلف بالنساء أخافُ فتنة بنات الاصفر. وإِنَّما سمي الاصفرُ لأن حبشيًا «٤» غلب عَلَى ناحية الروم وَكَانَ لَهُ بنات قد أخذن من بياض الروم وسواد الحبشة فكن صفرًا لُعسا «٥» . فقال الله ﵎ أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا فِي التخلف عنك «٦» . وقد عُذِل المسلمونَ فِي غزوة تبوك وثقل عليهم الخروج لبعد الشقة «٧» ، وَكَانَ أيضًا زمان عسرة وأدرك الثمار وطاب الظل، فأحبّوا الإقامة، فوبّخهم الله.

стр. 454

فقال : (يا أَيُّهَا «١» الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ) . ووصف «٢» المنافقين فقال: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسفرا قاصدا لاتّبعوك) . وقوله: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ (٤٥) أي لا يَسْتَأْذِنُكَ بعد غزوة تبوك فِي جِهاد الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ به. ثم قال: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ بعدها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ وقوله: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ (٥٢) : الظفر أو الشهادة، فهما الحسنيان. والعرب تدغم اللام من (هل) و (بل) عند التاء خاصة. وهو فِي كلامهم عالٍ كَثِير يقول: هَلْ تدري، وهتَّدْرِي. فقرأها القراء عَلَى ذَلِكَ، وإنَّما أستحبُّ فِي القراءة خاصَّة تبيان ذَلِكَ، لانَّهما منفصلانِ ليسا من حرف واحد، وإِنَّما بنى القرآن عَلَى الترسل والترتيل وإشباع الكلام فتبيانه أحب إليّ من إدغامه، وقد أدغم القرّاء «٣» الكبار، وكلٌّ صواب. وقوله: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً (٥٣) وهو أمر فِي اللفظ وليس بأمر فِي المعنى لأنه أخبرهم أَنَّهُ لن يتقبّل منهم. وهو فِي الكلام بِمنزلة إنْ فِي الجزاء كأنك قلت: إنْ أنْفَقْتَ طوعًا أو كرهًا فليس بمقبولٍ منك. ومثله اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ «٤» لَيْسَ بأمر، إِنَّما هُوَ عَلَى تأويل الجزاء. ومثله قول الشاعر «٥» : أسِيئي بنا أو أحسني لا ملومةٌ ... لدينا ولا مَقْليّةٌ إن تقَلّتِ

стр. 455

وقوله: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا (٥٤) (أنهم) فِي موضع رفع لأنه اسم للمنع كأنك قلت: ما منعهم أن تقبل منهم إلا ذاك. و (أن) الأولى فِي موضع «١» نصب. وليست بمنزلة قوله: وَما أَرْسَلْنا «٢» قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ هَذِه فيها واو مضمرة، وهي مستأنفة «٣» لَيْسَ لَهَا موضع. ولو لَمْ يكن فِي جوابها اللام لكانت أيضا مكسورة كما تَقُولُ: ما رأيت منهم رجلا إلا إنه لَيُحْسِن، وإلا إنه يحسن. يعرِّف أنها مستأنفة أن تضع (هُوَ) فِي موضعها فتصلح وَذَلِكَ قولك: ما رأيت منهم رجلا إلا هُوَ يفعل ذَلِكَ. فدلّت (هُوَ) عَلَى استئناف إنّ. وقوله: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (٥٥) معناهُ: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم فِي الحياة الدُّنْيَا. هَذَا معناه، ولكنه أخِّر ومعناه التقديم- والله أعلم- لأنه إِنّما أراد: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم فِي الحياة الدُّنْيَا إنّما يريد الله ليعذبهم بِهَا فِي الآخرة. وقوله وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ أي تَخرج أنفسهم وهم كفار. ولو جعلت الحياة الدُّنْيَا مؤخّرة «٤» وأردت: إنّما يريد الله ليعذبهم بالإنفاق كرهًا ليعذبهم بذلك فِي الدُّنْيَا، لكان وجها حسنا.

стр. 456

وقوله: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً- أى حرزا- أَوْ مَغاراتٍ (٥٧) وهي الغِيران واحدها غار فِي الجبال أَوْ مُدَّخَلًا يريد: سَرَبا فِي الأرض. لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ مسرعين الجمح هاهنا: الإسراع. وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ (٥٨) يقول: بعيبك، ويقولون: لا يقسم بالسَّوِيَّة. فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا فلم يعيبوا. ثُمَّ إِنّ الله ﵎ بيّن لَهُم لمن الصدقات. فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ (٦٠) وهم أهل صُفَّة «١» رسول الله ﷺ ، كانوا لا عشائر لَهم، كانوا يلتمسونَ الفضل بالنهار، ثُمَّ يأوون إلى مسجد رسول الله ﷺ ، فهؤلاء الفقراء. وَالْمَساكِينِ: الطوّافين على الأبواب وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وهم السعاة. وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وهم أشراف العرب، كَانَ رسول الله ﷺ يعطيهم ليجترّبه إسلام قومهم. وَفِي الرِّقابِ يعنى المكاتبين وَالْغارِمِينَ: أصحاب الدَّيْن الَّذِين ركبهم فِي غير إفساد.

стр. 457

وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ: الجهاد وَابْنِ السَّبِيلِ: المنقطع بِهِ، أو الضيف. (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) نصب على القطع. والرفع فى (فريضة) جائز لو قرئ «١» بِهِ. وهو فِي الكلام بِمنزلة قولك: هُوَ لك هبةً وهِبةٌ، وهو عليك صدقةً وصدقةٌ، والمالُ بينكما نصفين ونصفان، والمالُ بينكما شِقّ الشَعَرة وشقُّ.... وقوله: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ (٦١) اجتمعَ قوم عَلَى عَيب «٢» النَّبِيّ ﷺ فيقول رجل منهم: إن هَذَا يبلّغ محمدا- ﷺ فيقع بنا، ف يَقُولُونَ: إنما هُوَ أُذُنٌ سامعة إِذَا أتيناهُ صدّقَنا، فقولوا ما شئتم. فأنزلَ الله قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي كما تقولون، ولكنه لا يصدقكم، إنما يصدّق المؤمنين. وهو قوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ: يصدق بالله. وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: يصدّق الْمُؤْمِنِين. وهو كقوله: لِلَّذِينَ «٣» هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ أي يرهبون ربهم. وأمّا قوله: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فمتصل بِما قبله. وقوله: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا إن شئت خفضتها «٤» تتبعها لخير، وإن شئت «٥» رفعتها أتبعتها الأذن. وقد «٦» يُقرأ: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ كقوله: قل أذن أفضل لكم و (خير) إِذَا خفض فليس عَلَى معنى أفضل إِذَا خفضت (خير) فكأنك قلت: أذن صلاح لكم، وَإِذَا قلت: (أذن خير لكم) ، فإنك قلت: أذن أصلح لكم. ولا تكون الرحمة إذا رفعت (خير) إلا رفعا. ولو نصبت الرحمة على

стр. 458

غير هَذَا الوجه كَانَ صوابًا: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويؤمن للمؤمنين، ورحمة) يفعل ذَلِكَ. وهو كقوله: إِنَّا «١» زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً. وقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ (٦٢) وحّد «٢» (يرضوه) ولم يقل: يرضوهما لأن المعنى- والله أعلم- بمنزلة قولك: ما شاء الله وشئتُ إنما يقصد بالمشيئة قصدُ الثاني، وقوله: «مَا شاءَ اللَّهُ» تعظيم لله مقدم قبل الأفاعيل كما تَقُولُ لعبدك: قد أعتقك الله وأعتقتُك. وإن شئت أردت: يرضوهما فاكتفيت بواحد كقوله: نحن بِمَا عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأي مختلف ولم يقل: راضون. وقوله: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً (٦٦) والطائفة واحد واثنان، وإِنَّما نزل فِي ثلاثة نفر استهزأ رجلان برسول الله ﷺ والقرآن، وضحك إليهما آخر، فنزل إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ يعنى الواحد الضاحك نُعَذِّبْ طائِفَةً يعني المستهزئين. وقد جاء وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ «٣» يعني واحدًا. ويقرأ: «إن يُعْفَ عَن طائفة منكم تعذّب طائفة» . و «إن يعف ... يعذّب طائفة» . وقوله: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ (٦٧) : يُمسكون عَن النفقة عَلَى النَّبِيّ ﷺ .

стр. 459

وقوله: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (٦٩) أي فعلتم كأفعال الَّذِينَ من قبلكم. وقوله: فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ. يقول: رضوا بنصيبهم فِي الدُّنْيَا من أنصبائِهم فى الآخرة. وقوله: فَاسْتَمْتَعْتُمْ أي أردتم ما أراد الَّذِينَ من قبلكم. وقوله: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا يريد: كخوضهم الَّذِي خاضوا. وقوله: وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ (٧٠) يقال: إنها قريات قوم لوط وهود وصالِح. ويُقال: إنهم أصحاب لوط خاصَّة. جُمعوا بالتاء عَلَى قوله: وَالْمُؤْتَفِكَةَ «١» أَهْوى. وكأنّ جمعهم إذ قيل الْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ عَلَى الشِيع والطوائف كما قيل: قتلت الفُدَيكات، نسبوا إلى رئيسهم أبي فديك» . وقوله: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (٧٢) رفع بالاكبر، وَعُدِلَ عَن أن يُنْسَق عَلَى ما قبله وهو مما قد وعدهم الله ﵎، ولكنه أوثر بالرفع لتفضيله كما تَقُولُ فِي الكلام: قد وصلتك بالدراهم والثياب، وَحُسْنُ رأيي خير لك من ذَلِكَ. وقوله: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ (٧٤) هَذَا تعيير لَهُمْ لأن رسول الله ﷺ قَدِمَ عَلَى أهل المدينة وهم محتاجونَ، فأَثْرَوا من الغنائم، فقال: وَمَا نَقَمُوا إِلا الغِنى ف (أَنْ) فِي موضع نصب.

стр. 460

وقوله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ (٧٩) يراد بِهِ: المتطوعين «١» فأدغم التاء عند الطَّاء فصارت طاء مشددة. وكذلك (ومن «٢» يَطَّوَّعْ خَيْرًا) ، (وَالْمُطَّهِّرِينَ) «٣» . ولمزهم إياهم: تنقُّصُهم وَذَلِكَ أنَّ النَّبِيّ ﷺ حثّ الناس عَلَى الصدقة، فجاء عمر بصدقة وعثمان بن عفان بصدقة عظيمة، وبعض أصحاب النَّبِيّ ﷺ ثُمَّ جاء رجل يُقال لَهُ أَبُو عُقَيل بصاع من تَمر، فقال المنافقون: ما أخرج هَؤُلاءِ صدقاتِهم إلا رِياء، وأمّا أَبُو عقيل فإنما جاء بصاعه ليُذْكر بنفسه، فأنزل الله ﵎: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ يعني المهاجرين وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ. يعني أبا عقيل. والجُهْد لغة أهل الحجاز والوُجْد، ولغة غيرهم الجَهْد والوَجْد. وقوله: فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) من الرجال، خلوف وخالفون، والنساء خوالف: اللاتي يخلُفن فِي البيت فلا يبرحن. ويُقال: عبد خالف، وصاحب خالف: إِذَا كَانَ مخالفًا. وقوله: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ (٩٠) وهم الَّذِينَ لَهُم عُذْر. وهو فِي المعنى المعتذرونَ، ولكن التاء أدغمت عند الذَّال فصارتا جميعًا (ذالا) مشددة، كما قيل يذّكرون ويذَّكَّر. وهو مثل (يخصّمون) «٤» لمن فتح الخاء، كذلك فتحت الْعَين لأن إعراب التاء صار فِي الْعَين كانت- والله أعلم-
следующие страницы →