← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أعطيتني سألتك. وأكثر ما يأتي الجزاء على أن يتَّفق هُوَ وجوابه. فإن قلت: إن تفعل أفعل فهذا حسن. وإن قلت: إن فعلت أفعل كان مستجازا. والكلام إن فعلتَ فعلتُ. وقد قَالَ فِي إجازته زُهَير: ومن هاب أسباب المنايا ينلْنَه ... ولو نالَ أسباب السَّماء بسُلَّم «١» وقوله: (وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ) يقول: من أراد بعمله من أهل الْقِبلة ثواب الدُّنْيَا عُجِّلَ لَهُ ثوابُه ولم يُبخس أي لَمْ يُنْقَص فِي الدُّنْيَا. وقوله: [أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [١٧] (فالذي على «٢» البينة من ربه مُحَمَّد ﷺ . وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) يعني جبريل «٣» ﵇ يتلو القرآن، الْهَاء للقرآن. وتَبيانُ ذَلِكَ: ويتلو القرآن شاهد من الله (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى) رفعتَ الكتاب بِمِن. ولو «٤» نصبت على: ويتلو من قبله كتابَ موسى (إِماماً) منصوب على «٥» القطع من (كِتابُ مُوسى) فِي الوجهين. وقد قيل فى قوله: (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) : يعني الإنجيل يتلو القرآن، وإن كَانَ قد أُنْزِلَ قبله. يذهب إلى أَنَّهُ يتلوه بالتصديق. ثُمَّ قَالَ: ومن قَبْلِ الإنجيل كتاب موسى. ولم يأت لقوله: (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) جواب «٦» بيّن كقوله فى سورة مُحَمَّد ﷺ : (أَفَمَنْ كانَ» عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) وربما تركت العرب جواب

стр. 527

الشيء المعروف معناهُ وإن تُرِكَ الجواب قَالَ الشَّاعِر «١» : فأقسمُ لو شَيْء أتانا رَسولُه ... سِوَاك ولكن لَمْ نجد لك مَدْفَعا وقال الله- ﵎ وهو أصدق من قول الشاعر-: (وَلَوْ أَنَّ «٢» قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) فلم يؤت «٣» لَهُ بِجوابٍ والله أعلم. وقد يفسره بعض النحويين يعني أن جوابه «٤» : (وَهُمْ يكفرون ولو أنّ قرآنا) والأوَّل أشبه بالصواب. ومثله: (وَلَوْ تَرى «٥» إِذِ الْمُجْرِمُونَ) (وَلَوْ يَرَى «٦» الَّذِينَ ظَلَمُوا) وقوله فِي الزمر: (أَمَّنْ «٧» هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ) ولم يؤت لَهُ بِجواب. وكفى «٨» قوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) من ذَلِكَ. فهذا مما تُركَ جوابه، وكفى منه ما بعده، كذلك قَالَ فِي هود: (مَثَلُ «٩» الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا) ولم يقل: هَلْ يستوون. وَذَلِكَ أن الأعمى والأصمَّ من صفة واحد والبصير والسميع من صفة واحدٍ كقول القائل: مررتُ بالعاقل واللبيب وهو يعني واحدًا. وقال الشاعر «١٠» : وما أدْرِي إِذَا يمَّمْتُ وجهًا ... أريدُ الخير أيُّهما يليني أألخير الَّذِي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي لا يأتلينى

стр. 528

قَالَ: أيُّهما وإنما ذكر الخير وحده لأن المعنى يُعرف: أن المبتغي للخير مُتّق للشر وكذلك قَوْل الله جل ذكره: (سَرابِيلَ «١» تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) [أي] وتقي البرد. وهو كذلك وإن لَمْ يُذكر. وقوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) فيقال: مِن أصناف الكفار. ويُقال: إن كلَّ كافر حِزْب. وقوله: وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ [٢٠] . هم رءوس الْكَفَرة الَّذِينَ يُضلون. وقوله: (مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) على وجهين. فسَّره بعض المفسرين: يضاعف لَهُم العذاب بِما كانوا يستطيعون السمع «٢» ولا يفعلون. فالباء حينئذ كَانَ ينبغي لَهَا أن تدخل، لأنه قَالَ: (وَلَهُمْ «٣» عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ) فِي غير موضع من التنزيل أدخلت فِيهِ الباء، وسقوطها جائز كقولك «٤» فِي الكلام: بأحسن ما كانوا يعملونَ وأحسنَ ما كانوا يعملون. وتقول فِي الكلام: لأجزيَّنك بِما عملت، وما عملت. ويُقال: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كانوا يبصرون: أي أضلَّهُم الله عَن ذَلِكَ فِي اللوح المحفوظ. وقوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ) [٢٢] كلمة كانت فِي الأصل بِمنزلة لا بُدَّ أنَّك قائمٌ ولا محالة أنَّك ذاهب، فجرت على ذَلِكَ، وكثر استعمالهم إيَّاها، حَتَّى صَارت بِمنزلة حقًّا ألا ترى أن العرب تَقُولُ: لا جَرَمَ لآتينك، لا جرمَ قد أحسنت. وكذلك فسّرها المفسرونَ بِمعنى الحقِّ. وأصلها من جرمت

стр. 529

أي كسبت الذنب وجَرَّمته. وليس قول من قَالَ إنّ جَرَمت كقولك: حَقُقت أو حُقِقت بشيء وإنَّما لبس على قائله قول الشاعر «١» : ولقد طَعنْتُ أبا عُيَيْنة طَعْنَةً ... جرَمت فزارةُ بعدها أن تغضبا فرفعوا (فزارة) قالوا: نجعل الفعل لفزارة كأنه بِمنزلة حُقَّ لَهَا أو حقَّ لَهَا أن تغضب وفزارة منصوبة فِي قول الفراء أي جَرَمَتهم الطعنةُ أن يغضبوا. ولكثرتها فى الكلام حذفت منها الميم فبنو فزارة يقولون: لا جَرَ أنك قائم. وتوصل من أوَّلها بذا، أنشدني بعضُ بني كلاب: إن كلابًا وَالِدِي لاذا جَرَمْ ... لأَهْدِرَنَّ اليوم هدرًا صادقا «٢» هدر المعنَّى ذي الشقاشيق اللَّهُمَّ «٣» وموضع أن مرفوع كقوله: أحقًّا عبادَ الله جرأة محلق ... علي وقد أعييت عاد وتبعا وقوله: وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ [٢٣] . معناهُ: تَخْشَعوا لربِّهم وإلى ربِّهم. وربَّما جعلت العرب (إلى) فِي موضع اللام. وقد قَالَ الله عزّ

стр. 530

وجلّ: (بِأَنَّ «١» رَبَّكَ أَوْحى لَها) وقال: (الْحَمْدُ «٢» لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) وقال: (يَهْدِيهِمْ «٣» إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً) وقال: (فَأَوْحى «٤» إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ) وقد يَجوز فِي العربية أن تَقُولَ: فلان يُخْبِت إلى الله تريد: يفعل ذَلِكَ بوجهه إلى الله لأن معنى الإخبات الخشوع، فيقول: يفعله بوجهه إلى الله ولله. وجاء فِي التفسير: وأَخْبتوا فَرَقا «٥» من الله فمن يشاكل معنى اللام ومعنى إلى إذا أردت بِهِ لمكان هذا ومن أجل هذا. وقوله: (مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) [٢٧] رفعَتَ الأراذل بالاتِّباع «٦» وقد وقع الفعل فِي أول الكلام على اسمه. ولا تكادُ العرب تجعل المردود بإلا إلا على المبتدأ لا على راجع ذكره. وهو جائز. فمن البين الَّذِي لا نظر فِيهِ أن تَقُولُ: ما قام احد إلا زيد. وإن قلت: ما أحدٌ قام إلا زيد فرفعت زيدًا بِما عاد فِي فعل أحد فهو قليل وهو جائز. وإنَّما بَعُد على المبتدأ لأنه كناية، والكناية لا يُفرق فيها بين أحدٍ وبين عبد الله، فلمّا قبح أن تَقُولَ: ما قام هُوَ إلا زيد، وحسن: ما قام أحد إلا زيد تبيّن ذَلِكَ لأن أحدًا كأنه لَيْسَ فِي الكلام فحسُن الرد على الفعل. ولا يُقال للمعرفة أو الكناية أحد إذ شاكل «٧» المعرفة كأنه «٨» لَيْسَ فِي الكلام ألا ترى أنك تَقُولُ ما مررت بأحد إلا بزيد (فكأنك «٩» قلت: ما مررت إلا بزيد) لأن أحدًا لا يُتَصوّر فِي الوهم أَنَّهُ مَعْمود «١٠» لَهُ. وقبيح أن تَقُولَ: لَيْسَ أحد مررت بِهِ إلا بزيد لأن الْهَاء لها صورة كصورة

стр. 531

المعرفة، وأنت لا تَقُولُ: ما قمت إلا زيد فهذا وجه قبحه. كذلك قَالَ: (ما نَراكَ) ثُمَّ كأنه حذف (نراك) وقال: (ما اتّبعك إلا الذين هم أراذلنا) فان على هذا ما ورد عليك إن شاء الله: (بادِيَ الرَّأْيِ) لا تَهمز (بادِيَ) لأن المعنى فيما يظهرُ لنا [و «١» ] يبدو. ولو قرأت «٢» (بادىء «٣» الرأي) فهمزت تريد أوّل الرأي لكان صوابًا. أنشدني بعضهم: أضحى لخالي شبهي بادي بدي ... وصار للفحل لساني ويدي «٤» فلم يهمز ومثله مما تقوله العرب فِي معنى ابدأ بِهذا أوّل، ثُمَّ يقولون. ابدأ بِهذا آثرًا ما وآثِر ذي أثيرِ (وأثير «٥» ذي أثير) وإثرَ ذى أثير، وابدأ بهذا أوَّل ذاتِ يدين وأدْنَى دَنِيّ. وأنشدونا: فقالوا ما تريد فقلت ألهو ... إلى الإصباح آثِر ذى أثير «٦» وقوله: بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ [٢٧] مثل قوله (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ «٧» إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ) لأنَّهم كذبوا نوحًا وحده، وخرج على جهة الجمع، وقوله (فَإِلَّمْ «٨» يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) فلكم أريد بِهَا النَّبِيّ ﷺ . وقوله: (فَاعْلَمُوا) ليست للنبي ﷺ . إنَّما هي لكفّار مكة ألا ترى أنه قال (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) . وقوله: (وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) .

стр. 532

يعني الرسالة. وهي نعمة ورحمة. وقوله: (فَعُمِّيَتْ عليكم) قرأها يَحْيَى بن وثّاب والأعمش وَحَمْزَة «١» . وهي فِي قراءة أُبَيّ (فعمَّاهَا عَلَيْكُمْ) وسمعت العرب تَقُولُ: قد عُمِّيَ عليَّ الْخَبَر وَعَمِيَ عليَّ بِمعنى واحد. وهذا مِمَّا حوّلت العرب الفعل إِلَيْهِ وليس لَهُ، وهو فِي الأصل لغيره ألا ترى أن الرجل الَّذِي يَعْمَى عَن الخبر أو يُعَمَّى عَنْهُ، ولكنّه فِي جوازه مثل قول العرب: دخل الخاتم فِي يدي والخُفّ فِي رِجْلي، وأنت تعلم أن الرجل التي تُدخل فِي الخفّ والأصبع فِي الخاتِم. فاستخفّوا بذلك إذا «٢» كَانَ المعنى معروفًا لا يكُون لذا فِي حال، ولذا فِي حال إنَّما هُوَ لواحد. فاستجازوا ذَلِكَ لِهذا. وقرأه العامّة (فعميت) وقوله (أَنُلْزِمُكُمُوها) العرب تسكّن الميم التي من اللزوم فيقولون: أَنُلْزِمْكمُوهَا. وَذَلِكَ أن الحركات قد توالت فسَكنت الميم لحركتها وحركتين بعدها وأنَّها مرفوعة، فلو كانت منصوبة لَمْ يُسْتَثْقَلْ فتخفَّفَ. إنَّما يستثقلون كسرة بعدها ضمةٌ أو ضمةً بعدها كسرة أو كَسْرَتينِ متواليتين أو ضمَّتينِ متواليتين. فأمَّا الضمَّتان فقوله: (لَا يَحْزُنُهُمُ «٣» ) جزموا النون لأن قبلها ضمَّة فخففت كما قَالَ (رُسْل) «٤» فأمّا الكسرتان فمثل قوله الإبل إذا خُفّفت. وأمّا الضمة والكسرة فمثل قول الشاعر: وناعٍ يُخَبِّرْنَا بِمُهْلَك سَيّدٍ ... تَقَطَّعَ «٥» من وجدٍ عَلَيْهِ الْأَنَامِلُ وإن شئتَ تُقطَّع. وقوله فِي الكسرتين: إذا اعوججن قلت صاحب قوّم «٦»

стр. 533

يريدُ صاحبي فإنّما يستثقل الضم والكسر لأن لمخرجيهما مؤونة على اللسان والشفتين تنطمّ «١» الرَّفعة بِهما فيثقل الضمَّة ويُمالُ أحد الشِّدْقين إلى الكسرة فترى ذَلِكَ ثقيلًا. والفتحة تَخرج من خَرْقِ الفم بلا كُلْفة. وقوله: وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ [٣٠] . يقول: من يَمنعني من الله. وكذلك كل «٢» ما كَانَ فِي القرآن منه فالنصر على جهة المنع. وقوله: فَعَلَيَّ إِجْرامِي [٣٥] . يقول: فَعَليّ إثمي. وجاء فِي التفسير فَعَلَيَّ آثامي، فلو قرئت: أجرامي على التفسير كَانَ صوابًا. وأنشدني أَبُو الجراح: لا تَجعلوني كذوي الأجرام ... الدَّهْمَسِيَّيْنِ ذوِي ضِرغام «٣» فجمع الْجُرْم أجرامًا. ومثل ذلك (وَاللَّهُ «٤» يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ) و (أَسْرَارهم) وقد قُرئ بِهما «٥» . ومنه (وَمِنَ «٦» اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ) و (أدبار السّجود) فمن قَالَ: (إِدْبَارَ) أراد المصدر. ومن قَالَ (أسرار) أراد جَمْع السِّر. وقوله: (فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) [٣٦] يقول: (لا تستَكِنْ ولا تَحْزَن) . وقوله: (بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا) [٣٧] كقوله (ارْجِعُونِ «٧» ) يَخْرج على الجمع ومعناهُ واحد على ما فسَّرت لك من قوله (بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) لنوح وحده، و (عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ) .

стр. 534

وقوله: وَفارَ التَّنُّورُ [٤٠] هو تنّور الخابر: إذا فار الماء من أَحرّ مكان فِي دارك فهي آية العذاب فأسر بأهْلِكَ. وقوله (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) والذكر والأنثى من كل نوع زوجان. وقوله (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) حَمَلَ معه امرأة لَهُ سِوَى التي هلكت، وثلاثةَ بَنينَ ونسوتهم، وثَمانين إنسانًا سوى ذَلِكَ. فذلك قوله (وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) و (الثمانون «١» ) هُوَ القليل. وقوله: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ [٤١] (إن شئت جعلت مجراها ومرساها) فِي موضع رَفع بالياء كما تَقُولُ: إجراؤهَا وإرسَاؤَهَا بسم الله وبأمر الله. وإن شئت جعلت (بِسْمِ اللَّهِ) ابتداء مكتفيًا بنفسه، كقول القائل عند الذبيحة أو عند ابتداء المأكل وشبهه: بسم الله ويكون (مجريها ومرسيها) فِي موضع نصب يريد بسم الله فِي مجراها وَفِي مرساها. وسمعت العرب تَقُولُ: الحمد لله سِرَارَكَ «٢» وإهلالك «٣» ، وسُمع منهم الحمدُ لله ما إهلالَك إلى سرارك يريدون ما بين إهلالك إلى سرارك. والمجرى والمرسى ترفع ميميهما قرأ بذلك إِبْرَاهِيم النَّخْعِيّ والحسن وأهل المدينة. حَدَّثَنَا مُحَمَّد قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو معاوية «٤» عَن الأعمش عَن مسلم «٥» بن صبيح عَن مسروق أَنَّهُ قَرأها (مَجْراها) بفتح الميم و (مرسها) بضم الميم. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ عَنْ عَرْفَجَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بن مسعود قرأها (مجراها) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَرَفْعِ الْمِيمِ مِنْ مُرْسِيهَا. وقرأ مجاهد (مُجْرِيها ومُرسِيها) يَجعله من صفات الله ، فيكون فِي مَوْضع خفض فِي الإعراب لأنه معرفة. ويكون نَصْبًا لأن مثله قد يكون نكرة لحسن الألف واللام فيهما ألا ترى

стр. 535

أنك تَقُولُ فِي الكلام: بسم الله المجريها والمرساها. فإذا نزعت منه الألف واللام نصبته «١» . ويدلك على نكرته قوله: (هذا «٢» عارِضٌ مُمْطِرُنا) وقوله: (فَلَمَّا رَأَوْهُ «٣» عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) فَأضافوهُ إلى معرفة، وجعلوهُ نعتًا لنكرة. وقال الشاعر «٤» : يا رُبَّ عابِطِنا لو كَانَ يأْمُلكم ... لا قى مباعدةً منكم وحرمانا وقال الآخر: وَيَا رب هاجي مِنْقَرٍ يبتغي بِهِ ... ليَكْرُم لَمّا أعوزته المكارِمُ وسمع الْكِسَائي أعرابيًّا يقول بعد الفطر: رُبّ صائمه لن يصومه وقائمه لن يقومه. وقوله: (سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ [٤٣] (قالَ) نوحٌ ﵇ (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) فَمَنْ فِي موضع نصب لأن المعصوم خِلاف للعاصم والمرحوم معصوم. فكأنه نصبه بِمنزلة قوله (مَا لَهُمْ بِهِ «٥» مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ) ومَن استجازَ رفع الاتباع أو الرفعَ فِي قوله: وبلدٍ لَيْسَ بِهِ «٦» أنيسُ ... إلَّا الْيَعَافِيرُ وإلّا العيس لم يجزله الرفع فِي (مَن) لأن الَّذِي قَالَ: (إِلَّا اليعافير) جعل أنيس الْبَرّ اليعافير والوحوش، وكذلك قوله (إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ) يقول: علمهم ظنّ وأنت لا يجوزُ لك فِي وجه أن تَقُولَ: المعصوم عَاصِم. ولكن لو جعلت العاصم فِي تأويل معصوم كأنك قلت: لا معصوم اليوم من أمر الله لَجازَ رفع (مَن) ولا تنكرن أن يخرج المفعول على فاعل ألا ترى قوله (مِنْ «٧» ماءٍ دافِقٍ) فمعناه والله أعلم: مدفوق

стр. 536

وقوله (فِي عِيشَةٍ «١» راضِيَةٍ) معناها مرضيَّة، وقال الشاعر «٢» : دعِ المكارمَ لا ترحل لِبُغْيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي معناهُ المكسوّ. تستدلّ على ذَلِكَ أنك تَقُولُ: رضيتُ هذه المعيشة ولا تقول: رَضِيَتْ ودُفِق الماء ولا تَقُولُ: دَفَق، وتقول كُسِيَ العريان ولا تَقُولُ: كسا. ويقرأ (إِلَّا مَنْ رُحِم) أيضًا «٣» . ولو قيلَ لا عَاصِم اليوم من أمر الله إِلَّا من رُحِمَ كأنَّك «٤» قلت: لا يعصم «٥» اللهُ اليوم إِلَّا من رُحِمَ ولم نسمع «٦» أحدًا قرأ بِهِ. وقوله: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) [٤٤] وهو جبل بحضَنَين «٧» من أرض الموْصِل ياؤه مشدّدة وقد حدِّثتُ أن بعض «٨» القراء قرأ (عَلَى الْجُودِي) بإرسال الياء. فإن تكن صحيحة فهي مما كَثُر بِهِ الكلام عند أهله فخُفِّف، أو يكون قد سمي بفعل أنثى مثل حُطيِّ وأصِرّي وصَرِّي، ثُمَّ أُدخلت عَلَيْهِ الألف واللام. أنشدني بعضهم- وهو المفضّل-: وكفرتَ قومًا هُمْ هَدَوْكَ لأقدِمي ... إذ كَانَ زَجْرَ أبيك سأسأ واربق «٩»

стр. 537

وأنشدني بعض بني أسَد: لَمَّا رأيت أنّها فِي حُطّي ... وفَتكت فِي كذبي ولَطِّي «١» والعرب إذا جعلت مثل حُطّي وأشباهه اسمًا فأرادوا أن يغيِّروه عَن مذهب الفعل حوّلوا الياء ألفًا فقالوا: حُطَّا، أصِرًّا، وصِرَّا. وكذلك ما كَانَ من أسماء العجم آخره ياء مثل ماهي وشاهي وشُنِّي حوَّلوه إلى ألف فقالوا: ماها وشاها وشنَّا. وأنشدنا «٢» بعضهم: أتانَا حِمَاسٌ بابن ماها يسوقه ... لِتُبغِيه خيرًا وَلَيْسَ بفاعلِ (وَحالَ «٣» بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ) أي حالَ بين ابن نوح وبين الجبل الماء. وقوله: (يا أَرْضُ «٤» ابْلَعِي) يُقالُ بَلِعَتْ وبَلَعَتْ. وقوله: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [٤٦] الَّذِي وعدتك أن أنجيهم ثُمَّ قَالَ : (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) (وَعَامَّةُ الْقُرَّاءِ «٥» عَلَيْهِ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي حِبَّانُ «٦» عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ يَقُولُ: سُؤَالُكَ إِيَّايَ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ. وَعَامَّةُ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ. (حَدَّثَنَا «٧» الْفَرَّاءُ) قَالَ: وَحَدَّثَنِي «٨» أَبُو اسحق الشَّيْبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو رَوْقٍ «٩» عَنْ مُحَمَّدِ «١٠»

стр. 538

بْنِ حُجَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «١» يَقْرَأُ (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) (حَدَّثَنَا «٢» الْفَرَّاءُ) قَالَ وَحَدَّثَنِي «٣» ابْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ قَالَ، لَا أَرَاهُ إِلَّا ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ أَقْرَؤُهَا؟ قَالَ (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) وقوله: (فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ويُقرأ: تسأَلَنيِّ بإثبات الْيَاء وتشديد النون ويَجوز أن تقرأ (فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ) بنصب النون، ولا توقعها إلا على (ما) وليس فيها ياء فِي الكتاب والقراء قد اختلفوا فيما يكون فِي آخره الياء وتُحذف فِي الكتاب: فبعضهم يُثبتها، وبعضهم يلقيها من ذلك (أَكْرَمَنِ) «٤» و (أَهانَنِ) «٥» (فَمَا آتَانِ «٦» اللهُ) وهو كثيرٌ فِي القرآن. وقوله: (بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) [٤٨] يعني ذُرِّية من معه من أهل السعادة. ثم قال: (وَأُمَمٌ) من أهل الشقاء (سَنُمَتِّعُهُمْ) ولو كانت (وَأُمَمًا سَنُمَتِّعهُمْ) نصبًا لجازَ توقع عليهم «٧» (سَنُمَتِّعُهُمْ) كما قَالَ (فَرِيقاً «٨» هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) . وقوله: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ [٤٩] ) يصلح مكانها (ذَلِكَ) مثل قوله (ذلِكَ «٩» مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ) والعرب تفعل «١٠» هذا فِي مصادر الفعل إذا لَمْ يذكر مثل قولك: قد قَدِمَ فلان، فيقول الآخر: قد فرحت بِهَا وبه. فمَن أنّث ذهب بها إلى القدْمة، ومن ذكر ذهب إلى القدوم. وهو مثل قوله (ثُمَّ تابُوا «١١» مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا) .

стр. 539

وقوله: (مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ) يقول: لَمْ يكن عِلْمُ نوح والأمَمِ بعده من علمك ولا علم قَومك (مِنْ قَبْلِ هذا) يعني القرآن. وقوله: يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً [٥٢] يقول: يجعلها تَدِرُّ عليكم عند الحاجة إلى المطر، لا أن تَدِرّ ليلًا ونَهارًا. وقوله (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ) ذكروا أَنَّهُ كَانَ انقطعَ عنهم الولد ثلاث سنين. وقال (قُوَّةً) لأن الولد والمال قوة. وقوله: إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [٥٤] كذَّبوه ثُمَّ جعلوه مختلِطًا «١» وَادَّعَوْا أنَّ آلهتهم هى التي خبلته لعيبه آلهتهم. فهنالك قَالَ: إني أُشهدُ الله وأُشهدكم أني برىء منها. وقوله: وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً [٥٧] رُفِع: لأنه جاء بعد الفاء. ولو جُزِمَ كَانَ كما قَالَ (مَنْ «٢» يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ) كَانَ «٣» صوابًا. وَفِي قراءة عبد الله (وَلَا تَنْقُصُوهُ) جزمًا. ومعنى لا تضرّوهُ يقول: هلاككم إذا أهلككم لا ينقصه شيئا. و (عاد) مُجْرًى «٤» فِي كل القرآن لَمْ يُختلف فِيهِ. وقد يُتْرك إجراؤه، يُجعل اسمًا للأُمَّة التي هُوَ منها، كما قَالَ الشاعر: أحقًّا عبادَ الله جرأة محلق ... علي وقد أعييت عاد وتبّعا وسمع الكسائىّ بعض العرب يقول: إن عادَ وَتَبَّعَ أمَّتان. وقوله: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً [٦٤] . نصبت صالحًا وهودًا وما كَانَ على هذا اللفظ بإضمار (أرسلنا) .

стр. 540

وقد اختلف القراء فى (ثمود) فمنهم من أجراهُ فِي كلّ حال. ومنهم من لَمْ يُجرِهِ فِي حال. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي قيس عَن أبى إسحق عَن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخمىّ عَن أبيه أَنَّهُ كَانَ لا يُجري (ثَمود) فِي شيء من القرآن (فقرأ «١» بذلك حَمْزَةُ) ومنهم من أجرى (ثمود) فِي النصب لأنّها مكتوبة بالألف فِي كل القرآن إلا فِي موضع واحد (وَآتَيْنا «٢» ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) فأخذ بذلك الْكِسَائي فأجراها فِي النصب ولم يُجرها فِي الخفض ولا فِي الرفع إِلَّا فى حرف واحد: قوله (أَلا إِنَّ «٣» ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) فسألوهُ «٤» عَن ذَلِكَ فقال: قرئت فِي الخفض «٥» من الْمُجْرَى وقبيح أن يَجتمعَ الحرف مرتين فِي موضعين ثُمَّ يَختلف، فأجريته لقربه منه. وقوله: كَفَرُوا رَبَّهُمْ [٦٨] جاء فِي التفسير: كفروا نعمة ربهم. والعربُ تَقُولُ: كفرتك. وكفرت بك، وشكرتك وشكرتُ بك وشكرت لك. وقال الْكِسَائي: سمعتُ العرب تَقُولُ: شكرتُ بالله كقولِهم: كفرت بالله. وقوله: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ [٦٣] يقول: فما تزيدونني غير تَخسير لكم وتضليل لكم، أي كُلّما اعتذرتُم بشيء هُوَ يزيدكم تَخسيرًا. وليس غير تخسير لي أنا. وهو كقولك للرجل ما تزيدني إلَّا غضبًا أي غضبا عليك. وقوله: سَلاماً قالَ سَلامٌ [٦٩] قرأها «٦» يحيى ابن وَثَّاب وإبراهيم النخعي. وذُكِرَ عَن النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قرأ بِهَا. وهو فِي المعنى سلام كما قالوا حِلّ وَحَلَالٌ، وحرم وحرام لأن

стр. 541

التفسير جاء: سَلَّمُوا عَلَيْهِ فردّ عليهم. فترى أن معنى سِلْم وسلام واحد والله أعلم. وأنشدني بعض العرب: مررنا فقلنا إيه سِلْم فسلَّمت ... كما اكتلَّ بالبرق الغمامُ اللوائحُ «١» فهذا دليلٌ على أنَّهم سَلَّموا فردَّت عليهم. وقرأهُ العامّة (قالوا سلاما قال سلام) نصبَ الأول ورفع الثاني. ولو كانا جَميعًا رفعًا ونصبًا كَانَ صوابًا. فمن رَفعَ أضمرَ (عليكم) وإن لَمْ يظهرها كما قَالَ الشاعر: فقلنا السَّلام فاتقت من أميرها ... فما كَانَ إلا وَمْؤها بالحواجب «٢» والعربُ تَقُولُ: التقينا فقلنا: سَلامٌ سلام. وحُجَّة أخرى فِي رفعه الآخر «٣» أن القوم سَلَّمُوا، فقال حين أنكرهم: هُوَ سلام إن شاء الله فمن أنتم لإنكاره إيَّاهم. وهو وجه حسن. ويُقال فِي هذا المعنى: نحن سِلْم لأن التسليم لا يكون من قومٍ عَدُوّ. وقوله: (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) أن فِي موضع نصب توقع «٤» (لَبِثَ) عليها، كأنك قلت: فما أبطأ عَن مجيئه بعجل: فلمَّا ألقيت الصفة وقع الفعلُ عليها. وقد تكون رفعًا تجعل لبث فعلًا لأن كأنك قلت فما أبطأ مجيئُه «٥» بعجلٍ حنيذ: والحنيذ: ما حَفَرت لَهُ فِي الأرض ثُمَّ غممته. وهو من فعل أهل البادية معروف. وهو محنوذ فى الأصل «٦» فقيل: حنيذ، كما قيل: طَبيخ للمطبوخ، وقتيل للمقتول. وقوله: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ [٧٠] أي إلى الطعام. وذلك أنها كانت

стр. 542

سُنَّة فِي زمانِهم إذا ورد عليهم القوم فأُتُوا بالطعام فلم يَمسّوه ظنّوا أنَّهم عَدُوٌّ أو لصوص. فهناك أوجس فِي نفسه خِيفةً فرأَوا ذَلِكَ فِي وجهه، فقالوا: لا تَخَفْ، فضحكت عند ذَلِكَ امرأته وكانت قائمة وهو قاعد (وكذلك هي فِي قراءة عبد الله: وامرأته قائمة وهو قاعد) مثبتة «١» فضحكت فبشرت بعد الضحك. وإنَّما ضحكت سرورًا بالأمن «٢» فأتبعوها البشرى بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. وقد يقول بعض المفسرين: هذا مقدّم ومؤخّر. والمعنى فِيهِ: فبشَّرناها بإسحاق فضحكت بعد البشارة وهو مِمّا قد يَحتمله الكلام والله أعلم بصوابه. وأما قوله (فَضَحِكَتْ) : حاضت فلم نسمعهُ من ثقة وقوله (يَعْقُوب) يرفع وينصب وَكَانَ حَمْزَةُ ينوي بِهِ «٣» الخفض يريد: ومن وراء إسحاق بيعقوب. ولا يَجوز الخفض إلا بإظهار الباء. وَيَعْقُوب هاهنا ولد الولد والنصب فِي يَعْقُوب بِمنزلة قول الشَّاعِر «٤» جئني بِمثل بني بَدْرٍ لقومهم ... أَوْ مثلَ أُسرة منظور بن سَيَّار أو عامِرَ بن طُفَيْل فِي مُركَّبِه ... أو حارثًا يوم نادى القومُ يا حارِ وأنشدني بعضُ بني باهلة: لو جيت بالْخُبْزِ لَهُ مُيَسِّرًا ... والبيضَ مطبوخًا معًا والسُّكَّرا «٥» لم يرضه ذلك حتى يسكرا

стр. 543

فنصب على قولك: وجِئتَ بالسكَّر، فلمّا لَمْ يُظهر الفعل مع الواو نصب كما تأمر الرجل بالمرور على أخيه فتقول: أخاكَ أخاكَ تريد: امرر به. وقوله: هؤُلاءِ بَناتِي [٧٨] قَالَ بعضهم: بَنات نفسه. ويُقال: بنات قومه. وَذَلِكَ جائزٌ فِي العربية لأن الله قَالَ (النَّبِيُّ «١» أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) وهو فِي بعض القراءة (وهو أب لَهُم) فهذا من ذلك. وقوله: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً [٧٢] وَفِي قراءة عبد الله (شَيْخٌ) فذكروا أنّها كانت بنت ثَمان وتسعين سنة، وَكَانَ ﵇ أكبر منها بسنة. ويُقال فِي قوله (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ) البركات: السعادة. وقوله: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ [٧٤] ولم يقل: جادلنا. ومثله فِي الكلام لا يأتي إلا بفعل ماض كقولك. فلمّا أتاني أتيته. وقد يَجوز فلمّا أتاني أثبُ عَلَيْهِ كأنه قَالَ: أقبلت أَثِب عَلَيْهِ. وجداله إيَّاهم أَنَّهُ حين ذهبَ عَنْهُ الخوف قَالَ: ما خَطْبُكم أيُّها المرسلون، فلمّا أخبروهُ أنَّهم يريدونَ قوم لوط قَالَ: أتُهلكونَ قومًا فيهم لوط قالوا: نحن أعلم بمن فيها. وقوله أَوَّاهٌ [٧٥] دعَّاء ويقال: هُوَ الَّذِي يتأوَّهُ من الذنوب. فإذا كانت مِنْ يتأوَّه «٢» من الذنوب فهي من أوِّهْ لَهُ وهي لغة فِي بني عَامِر أنشدني أَبُو الجراح: فأوِّهْ من الذكرى إذا ما ذكرتها ... ومن بُعد أرض بيننا وسماء

стр. 544

أَوِّهْ على فَعِّلْ يقول فِي يَفْعَلُ «١» : يتأوَّه. ويَجوز فِي الكلام لِمَنْ قَالَ: أَوَّهْ مقصورًا «٢» أن يقول فِي يتفعّل يتأَوَّى ولا يقولها بالهاء. وقوله: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ [٨٠] يقول: إلى عشيرة. وقوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ [٨١] قراءتنا من أسريتُ بنصب الألف وهمزِهَا. وقراءة أهل «٣» المدينة (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) من سَريت. وقوله: (بِقِطْعٍ) يقول: بظلمة من آخر الليل. وقوله: (إِلَّا امْرَأَتَكَ) منصوبة بالاستثناء: فأسْر بأهلك إلا امرأتَك. وقد كَانَ الْحَسَن يَرْفعها «٤» يعطفها على (أَحَدٌ) «٥» أي لا يلتفت منكم أحد إلّا امرأتك وليسَ فِي قراءة عبد الله (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) وقوله: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) . لَمَّا أَتَوْا لُوطًا أخبروهُ أن قومهم «٦» هالكونَ من غَدٍ فِي الصبح، فقال لَهُم لوط: الآن الآن. فقالت الملائكة: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ. وقوله: مِنْ سِجِّيلٍ [٨٢] يقال: من طين قد طُبخ حَتَّى صار بمنزلة الأرحاء (مَنْضُودٍ) يَقول: يتلو بعضهُ بعضًا عليهم. فذلك نَضْدُه. وقوله: مُسَوَّمَةً [٨٣] زَعموا أنَّها كانت مخطَّطة بِحمرة وسواد فِي بياض، فذلك تسويمها أي

стр. 545

علامتها «١» . ثم قال (مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) يقول: من ظالِمي أمَّتك يا مُحَمَّد. ويُقال «٢» : ما هى من الظالمين يعنى قوم لوط الّذى لم يكن تخطئهم. وقوله: إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ [٨٤] يقول: كثيرةً أموالُكم فلا تنقصوا المكيالَ وأموالكم كثيرة يُقال رخيصةً أسعارُكم (ويُقال «٣» ) : مدَّهِنين «٤» حَسنةً سحنتكم. وقوله: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ [٨٦] . يقول: ما أبقى لكم من الحلال خيرٌ لكم، ويقال بقيّة الله خير لكم أي مراقبة الله خير لكم. وقوله: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ويقرأ (أَصَلاتُكَ «٥» تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ [٨٧] معناهُ: أَوْ تأمرك أن نترك أن تفعل (فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) فأن مردودة «٦» على (نترك) . وفيها وجه آخر تجعل الأمر كالنهي كأنه قَالَ: أصلواتك تأمرك بذا وتنهانا عَن ذا. وهي حينئذ مردودة عَلى (أن) الأولى لا إضمارَ فِيهِ كأنّك قلت: تنهانا أن نفعل فِي أموالنا ما نشاء كما تَقُولُ: أضْرِبُكَ أن تسيئ كأنه قَالَ: أنْهَاكَ بالضربِّ عَن الإساءة. وتقرأ (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنَا مَا تَشَاء) و (نشاء) «٧» جميعا.

стр. 546

وقوله: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) استهزاء منهم بِهِ. وقوله: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي [٨٩] . يقول: لا تحملنكم عداوتي أن يُصيبكم. وقد يكون: لا يكسبنكم. وقوله: (وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) يقول: إنَّما هلكوا بالأمس قريبًا. ويُقال: إن دارهم منكم قريبة وقريب. وقوله: أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [٩٢] : رميتم بأمر الله وراء ظهوركم كما تَقُولُ: تعظّمون أمر رهطي وتتركونَ أن تعظّموا الله وتخافوه. وقوله: مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ [٩٣] (مَن) فِي موضع رفع إذا جعلتها استفهامًا. ترفعها بعائد ذكرها. وكذلك قوله (وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) وإِنَّما أدخلت العرب (هُوَ) فِي قوله (وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) لأنَّهم لا يقولونَ: مَنْ قَائِمٌ وَلَا مَن قاعد، إنَّما كلامهم: من يقوم ومن قامَ أو من القائِم، فلمَّا لَمْ يقولوهُ لِمعرفة أو لِفعل أو يفعل أدخلوا هُوَ مع قائِم ليكونا جَميعًا فِي مقام فَعَل ويفعل لأنَّهما يقومان مقام اثنين. وقد يَجوز فِي الشعر وأشباهه من قائِم قَالَ الشاعر» : مَنْ شَارب مُرْبِح بالكَأس نَادَمني ... لا بالحَصُورِ وَلا فيها بسوَّار وربما تهيَّبت العرب أن يستقبلوا مَنْ بنكرة فيخفضونها فيقولون: مِنْ رجلٍ يتصدَّق فيخفضونه على تأويل: هَل مِن رجلٍ يتصدق. وقد أنشدونا هذا البيت خَفْضًا ورفعًا: مِنْ رسول إلى الثريّا ثأنى ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب «٢»

стр. 547

وإن جعلتهما مَنْ ومِن «١» فِي موضع (الَّذِي) نصبت كقوله (يعلم «٢» المفسد من المصلح) وكقوله (وَلَمَّا يَعْلَمِ «٣» اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) . وقوله: مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ [١٠٠] فالحصيدُ كالزرع المحصُود. ويُقال: حَصَدهم بالسِّيف كما يُحصد الزرع. وقوله: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ [١٠٥] كتب بغير الياء وهو فِي موضع رفع، فإن أثبتَّ فِيهِ الياء إذا وصلت القراءة كَانَ صَوَابًا. وإن حذفتها فِي القطع والوصل كان صوابا. قد قرأ بذلك «٤» القرّاء فمر حَذفها. إذا وصل قَالَ: الياء ساكنة، وكلّ ياء أو واو تسكنَان وما قبل الواو مضموم وما قبل الياء مكسور فإن العرب تحذفهما وتَجتزئ بالضمة من الواو، وبالكسرة من الياء وأنشدَ فِي بعضُهم: كفاكَ كفٌّ ما تُليق دِرْهمًا ... جُودًا وأخرى تُعطِ بالسيفِ الدَّمَا «٥» ومَن وصل باليَاء وسكتَ بِحذفها قَالَ: هِيَ إذا وَصلتُ فِي موضع رفع فأثبتها وهي إذا سَكتُّ عليها تسكن فحذفتها. كما قيل: لَمْ يَرْم ولم يَقض. ومثله قوله: (مَا كُنَّا «٦» نَبْغِ) كُتبت بحذف الياء فالوجه فيها أن تثبت الياء إذا وصَلت وتحذفها إذا وقفت. والوجه الآخر أن تَحذفها فِي القطع والوصل، قرأ بذلك حمزة. وهو جائز.

стр. 548

وقوله: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [١٠٦] فالزفير أوَّلُ نَهِيقِ الحمار وشبهه، والشهيق من آخره. وقوله: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [١٠٧] ، [١٠٨] . يقول القائل: ما هَذَا الاستثناء وقد وعد الله أَهْلَ النار الخلود وأهلَ الجنَّة الخلود؟ ففي «١» ذَلِكَ معنيان أحدهما أن تَجْعَله استثناء يَستثنيه وَلَا يفعله كقولك: والله لأضربنّكَ إِلَّا أن أرى غير ذَلِكَ، وعزيمتك على ضربه، فكذلك قال (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) ولا يشاؤه والله أعلم، والقول الآخر أن العرب إذا استثنت شيئًا كبيرًا «٢» مع مثله أو مع ما هُوَ أكبرُ منه كَانَ مَعْنى إلَّا ومعنى الواو سواء، فمن ذَلِكَ قوله (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) سِوَى ما يشاء من زيادة الخلود فيجعل (إِلَّا) مكان (سِوَى) فيصلح. وكأنّه قَالَ: خالدينَ فيها مقدارَ ما كانت السموات وَكَانَت الأرض سوى ما زادهم من الخلود «٣» [و] الأبد. ومثله فِي الكلام أن تَقُولُ: لي عَلَيْكَ ألف إلا الألفين اللذين من قِبَل فلان أفلا ترى أَنَّهُ فِي المعنى: لي عَلَيْكَ سوى الألفين. وهذا أحَبّ الوجهين إليَّ، لأن الله لا خُلْف لوعده، فقد وصل الاستثناء بقوله (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) فاستدل على أن الاستثناء لهم بالخلود غير منقطع عنهم. وقوله: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ [١١١] قرأت القراء بتشديد (لَمَّا) وتَخفيفها وتشديد «٤» إن وتَخفيفها) فمن قَالَ (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا) جعل (ما) اسمًا للناس كما قَالَ (فَانْكِحُوا «٥» مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) ثُمَّ جعَلَ اللام التي فيها جَوَابًا لإنّ، وجعل اللام الّتى فى (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) لاما دخلت على نيَّة يمين فيها: فيما بين ما وصلتها كما تَقُولُ هذا مَن ليذهبنَّ، وعندى ما لغيره خير منه.

стр. 549

ومثله (وَإِنَّ «١» مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) وأمّا مَن شدّد (لَمّا) فإنه- والله أعلم- أراد: لِمن مَا لَيُوَفِّينَّهم، فلمّا اجتمعت ثلاث «٢» ميمَات حذف واحدة فبقيت اثنتان فأدغمت فِي صاحبتها كما قال الشاعر: وإنى لممّا أُصدر الأمرَ وَجْهَهُ ... إذا هُوَ أعيا بالسبيل مصادرُه «٣» ثُمَّ يُخفّف «٤» كما قرأ بعض القراء (والبغي «٥» يعظكم) بِحذف الياء (عند «٦» الياء) أنشدني الْكِسَائي: وَأَشمتَّ الغداة بنا فأضحوا ... لَدَيَّ تَبَاشَرُونَ بِما لِقينَا معناه (لديّ «٧» ) يتباشرونَ فحذف لاجتماع الياءات ومثله: كأنّ من آخرها القادم ... مخرم نجد قارع المخارم «٨» أراد: إلى القادم فحذف اللام عند اللام. وأمَّا مَن جعل (لَمَّا) بِمنزلة إلَّا فإنه وجه لا نعرفه وقد قالت العرب: بالله لمّا قمت عنا، وإلّا فمت عنا، فأمّا فى الاستثناء فلم يقولوه فِي شعر ولا غيره ألا ترى أن ذَلِكَ لو جاز لسمعت فِي الكلام: ذهب الناسَ لَمّا زيدا. وأمّا الَّذِينَ خَفَّفوا (إن) فإنهم نصبوا كلا بِ (ليوفّينّهم) ، وقالوا: كأنّا قلنا: وإن ليوفّينّهم

стр. 550

كُلَّا. وهو وجه لا أشتهيه. لأن اللام إِنَّما «١» يقع الفعل الَّذِي بعدها عَلَى شيء قبله فلو رفعت كلّ لصلح ذَلِكَ كما يصلح أن تقول: إن زيد لقائِم ولا يصلح أن تَقُولُ: إن زيدًا لأضربُ لأن تأويلها كقولك: ما زيدًا إلا أضرب فهذا خطأ فِي إلَّا وَفِي اللام. وقرأ الزهرىّ (وإنّ كلّا لمّا ليوفّينّهم) ينونها فجعل اللم «٢» شديدًا كما قَالَ (وَتَأْكُلُونَ «٣» التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا) فيكون فِي الكلام بِمنزلة قَوْلك: وإن كلا حقّا ليوفينهم، وإن كلا شديدًا ليوفينّهم. وإذا عجَّلت العرب باللام فِي غير موضعها أعادوها إِلَيْهِ كقولك: إنَّ زيدًا لإليكَ لمحسن، كَانَ موقع اللام فِي المحسن «٤» ، فلمّا أدخلت فِي إليكَ أُعيدت فِي المحسن ومثله قول الشاعر: ولو أنَّ قَوْمِي لَمْ يكونوا أَعِزَّة ... لَبَعْدُ لقد لاقيتَ لا بدّ مَصْرَعا «٥» أدخلها فِي (بَعد) وليس بِموضعها ومثله قول أبي الجراح: إني لبحمد الله لصالِح. وقوله: زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [١١٤] بضمّ اللام تَجعله واحدًا مثل الْحُلُم. والزُلَف جَمع زُلْفَة وزُلَف وهي قراءة العامَّة وهي ساعة من الليل ومعناهُ: طَرَفَيِ النَّهَارِ وصلاة الليل المفروضة: المغرب والعشاء وصلاة الفجر، وطرفي النهار: الظهر والعصر. وقوله: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ [١١٦] يقول لَمْ يكن منهم «٦» أحد كذلك إلا قليلًا أي هَؤُلَاءِ كانوا ينهونَ فنجوا. وهو استثناء على الانقطاع مِمّا قبله كما قَالَ (إِلَّا «٧» قَوْمَ يُونُسَ) ولو كانَ رفعًا كَانَ صوابًا. وقوله: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ)

стр. 551

بقول: اتّبعوا فِي دنياهم ما عُوِّدوا من النعيم وإيثار اللذات على أمر الآخرة. ويُقال: اتّبعوا ذنوبَهم وأعمالَهم السّيئة إلى النار. وقوله: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ [١١٧] . يقول: لَمْ يكن ليهلكهم وهم مصلحونَ فيكونَ ذَلِكَ ظلمًا. ويُقال: لَمْ يكن ليهلكهم وهم يتعاطونَ الحقّ فيما بينهم وإن كانوا مشركين والظلم الشرك. وقوله: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [١١٨] إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [١١٩] يقول: (لَا يَزالُونَ) يعني أهل الباطل (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) أهل الحقّ (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) يقول: للشقاء وللسعادة. ويُقال: (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) : للاختلاف والرحمة. وقوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [١١٩] : صارَ قوله (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) يمينًا كما تَقُولُ: حَلِفي لأضربنَّك، وبدا لي لأضربنّك. وكلّ فعل كَانَ تأويله كتأويل بلغني، وقيل لي، وانتهى إليّ، فإن اللام وأن تصلحان فِيهِ. فتقول: قد بدا لي لأضربنّك، وبد الى أن أضربك. فلو كَانَ: وَتَمَّت كلمة ربك أن يملأ جهنم كَانَ صوابًا وكذلك (ثُمَّ بَدا لَهُمْ «١» مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) ولو كَانَ أن يسجنوهُ كَانَ صوابًا. وقال: (وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ [١٢٠] ) فى «٢» هذه السورة. ومن سورة يوسف قَوْلُ الله : بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [٣]

стр. 552

(هذَا الْقُرْآنَ) منصوب بوقوع الفعل عَليه. كأنك قلت: بوحينا «١» إليك هذا القرآن. ولو خفضت (هذا) و (القرآن) كَانَ صوابًا: تجعل (هذا) مكرورًا «٢» على (ما) تَقُولُ: مررتُ بِما عندك متاعِك تجعل المتاع مردودًا على (مَا) ومثله فِي النحل: (وَلا تَقُولُوا» لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ) و (الْكَذِبِ) على ذَلِكَ. وقوله: يَا أَبَتِ «٤» لا تقفْ عليها بالهاء وأنت خافض لَهَا فِي الوصل لأن تِلْكَ الْخَفْضة تدلّ على الإضافة إلى المتكلم. ولو قرأ قارئ (يا أَبَتُ) لجازَ (وَكَانَ «٥» الوقفُ عَلَى الْهَاء جائِزًا. ولم يقرأ بِهِ أحد نعلمه. ولو قيل: يا أبَتَ لجاز) الوقوف عليها (بالهاء «٦» ) من جهة، ولم يجز من أخرى. فأمّا جواز الوقوف على الْهَاء فأن تجعل الفتحة فيها من النداء ولا تنوي أن تصلها بألف الندبة فكأنه كقول الشاعر «٧» : كِلِينِي لِهَمٍّ يا أمَيْمَةَ نَاصِبِ وأمّا الوجه الَّذِي لا يَجوز الوقف على الْهَاء فأن تنوي: يا أبتاهُ ثُمَّ تَحذف الْهَاء والألف لأنَّها فِي النِّيَّة متّصلة بالألف كاتّصالِها فِي الخفض بالياء من المتكلّم. وأمّا قوله: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) [٤] فإن العرب تجعل العدد ما بين أحد عشر

стр. 553

إلى تسعة عشر منصوبًا فِي خفضه ورفعه. وَذَلِكَ أنَّهم جعلوا اسمين معروفين «١» واحدًا، فلم يضيفوا الأوَّل إلى الثاني فيخرجَ من معنى العدد. ولم يرفعوا آخره فيكون بِمنزلة بعلبكَ إذا رفعوا آخرها. واستجازوا أن يضيفوا (بعل) إلى (بَكّ) لأن هذا لا يُعرف فِيهِ الانفصال من ذا، والخمسة تنفرد من العشرة والعشرة من الخمسة، فجعلوهما بإعراب واحد لأن معناهما فِي الأصل هذه عشرة وخمسة، فلمّا عُدِلا عَن جهتهما أُعطيا إعرابًا واحدًا فِي الصرف «٢» كما كَانَ إعرابُهما واحدًا قبل أن يُصرفا. فأمَّا «٣» نصب كوكب فإنه خرج مفسِّرًا للنوع من كل عدد ليعرف ما أخبرتَ عَنْهُ. وهو فِي الكلام بِمنزلة قولك: عندي كذا وكذا دِرْهَمًا. خرج الدرهم مفسرًا لكذا وكذا لأنَّها واقعة على كلّ شيء. فإذا أدخلتَ فِي أحد عشر الألف واللام أدخلتهما فِي أوَّلها فقلت: ما فعلت الخمسةَ عَشَرَ. ويَجوز ما فعلت الخمسة العشرَ، فأدخلت عليهما الألف واللام مرتين لتوهّمهم انفصَال ذا من ذا فِي حال. فإن قلت: الخمسة العشر لَمْ يجز لأن الأوّل غير الثاني ألا ترى أن قولهم: ما فعلت الخمسة الأثواب لمن أجازه تَجد الخمسة هي الأثواب ولا تَجد العشر الخمسة. فلذلك لَمْ تصلح إضافته بألف ولام. وإن شئت أدخلت الألف واللام أيضًا فِي الدرهم الَّذِي يَخرج مفسرًا فتقول: ما فعلت الخمسة العشر الدرهم «٤» ؟. وإذا أضفت الخمسة العشر «٥» إلى نفسك رفعت الخمسة. فتقول: ما فعلت خمسةُ عشري؟: ورأيتُ خمسةَ عَشْرِي، (ومررتُ بِخمسة «٦» عشري) وإنَّما عُرِّبت الخمسة لإضافتك العشر، فلمّا أضيف العشر إلى الياء منك لَمْ يستقم للخمسة أن تُضاف إليها وبينهما عشر فأضيفت إلى عشر لتصير اسمًا، كما صارَ ما بعدها بالإضافة اسما. سمعتها من أبى فقعس الأسدى

стр. 554

وأبي الهيثم الْعُقَيْلِي: ما فعلت خمسةُ عشرِك؟ ولذلك لا يصلح للمفسر أن يصحبهما لأن إعرابيهما قد اختلفا. ب: اختلف، وإنَّما يخرج الدرهم والكوكب مفسرًا لهما جَميعًا كما يخرج الدرهم من عشرين مفسرًا لكلّها. فإذا أضفتَ العشرين دخلَتْ فِي الأسماء وبطلَ عنها التفسير. فخطأ أن تَقُولَ: ما فَعَلَتْ عِشروك درهمًا، أو خمسة عشرك درهمًا. ومثله أنك تَقُولَ: مررتُ بضارب زيدًا. فإذا أضفت الضارب إلى غير زيد لَمْ يصلح أن يقع عَلَى زيد أبدًا. ولو نويت بِخمسة عشر أن تضيف الخمسة إلى عشر فِي شعر لجازَ، فقلت: ما رأيتُ خمسة عشرٍ قطُّ «١» خيرًا منها، لأنك نويت الأسماء ولم تنو العدد. ولا يَجوز للمفسر أن يدخل هاهنا كما لَمْ يَجز فِي الإضافة أنشدني الْعُكْليّ أَبُو ثرْوان: كُلِّف من عَنائه وشِقْوته ... بنتَ ثَماني عَشرةٍ من حِجَّته «٢» ومن الْقُرَّاء «٣» من يسكن الْعَين من عَشَر «٤» فِي هذا النوع كله «٥» ، إلا اثنا عشر. وَذَلِكَ أنَّهم استثقلوا كثرة الحركات، ووجدوا الألف فِي (اثنا) والياء فِي (اثنى) ساكنة فكرهوا تسكين العين وإلى جنبها ساكن (ولا يَجوز «٦» تسكين الْعَين فِي مؤنث العدد لأن الشِّين من عشرة يسكن فلا يستقيم تسكين الْعَين والشين معًا) . وأمّا قوله (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) فإن هذه النون والواو إنّما تكونان «٧» فِي جَمع ذُكْران الجن والإنس وما أشبههم. فيُقال: الناس ساجدونَ، والملائكة والجن ساجدون: فإذا عدوت هذا

стр. 555

صار المؤنث والمذكر إلى التأنيث. فيقال: الْكِباش قد ذُبِّحن وذُبِّحت ومذبَّحات. ولا يَجوز مذبّحون. وإنَّما جازَ فِي الشمس والقمر والكواكب بالنون والياء لأنَّهم وُصفوا بأفاعيل الآدميين (ألا ترى «١» أن السجود والركوع لا يكون إلا من الآدميين فأُخرج فعلهم على فعال الآدميَّين) ومثله (وَقالُوا «٢» لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا) فكأنَّهم خاطبوا رجالًا إذ كلمتهم وكلّموها. وكذلك (يا أَيُّهَا «٣» النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ) فَمَا أتاكَ مواقعًا لفعل الآدميين من غيرهم أجريته على هذا. [قوله] «٤» (يا بُنَيَّ) و (يا بُنيِّ) «٥» لغتان، كقولك: يا أَبَتَ ويا أَبَتِ لأن مَن نصب أراد النُّدبة: يا أبتاهُ فحذفها. وإذا تركت الْهَمْزَةَ من (الرُّؤْيَا) قالوا: الرّؤيا طلبًا «٦» للهمزة. وإذا كَانَ من شأنِهم تَحويل الْهَمْزَةِ: قالوا: لا تقصص رُيّاك فِي الكلام، فأمّا فِي القرآن فلا يَجوز لِمخالفة الكتاب. أنشدني أَبُو الجرَّاح: لِعرض من الأعراض يُمسي حَمَامُه ... ويُضحي على أفنانِهِ الغينِ يَهْتِفُ أحبّ إلى قلبي من الديك رُيَّة ... وبابٍ إذا ما مال للغلق يَصرِف «٧» أراد: رُؤْية، فلمّا ترك الْهَمْز وجاءت واو ساكنة بعدها ياء تحولتا ياء مُشددَّة، كما يُقال: لويته لَيًّا وكويته كيًّا والأصلُ كَوْيا ولَوْيا. وإن أشرت «٨» إلى الضمة قلت: ريّا فرفعت الرَّاء فجائز.

стр. 556

وتكون هذه الضمة مثل قوله (وَحِيلَ «١» ) (وَسِيقَ «٢» ) وَزَعَمَ الْكِسَائي أَنَّهُ سمع أعرابيًّا يقول (إِنْ كُنْتُمْ «٣» لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ) . وقوله: (وكذلك يجتبيك ربّك) [٦] جواب لقوله (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) فقيل لَهُ: وهكذا يَجْتَبيكَ رَبُّكَ. كذلك وهكذا سواء فِي المعنى. ومثله فِي الكلام أن يقول الرجل قد فعلت اليوم كذا وكذا من الخير فرأيت عاقبته محمودة، فيقول لَهُ القائل: هكذا السعادة، هكذا التوفيق و (كَذلِكَ) يصلح فيه. و (يَجْتَبِيكَ) بصطفيك. قوله: (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) [٨] والعُصْبَة: عَشرة فما زاد. وقوله: (أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) [٩] جواب للأمر ولا يصلح الرفع فِي (يَخْلُ) لأنه لا ضمير فِيهِ. ولو قلت: أعِرْني ثوبًا ألبس لجازَ الرفع والجزم لأنّك تريد: أَلْبَسُه فتكون رفعًا من صلة النكرة. والجزم على أن تَجعله شرطًا. قوله: (وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) [١٠] واحدة «٤» . وقد قرأ أهلُ الحجاز (غَيَابَاتِ) على الجمع (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) قرأهُ العامَّة بالياء لأن (بعض) ذكر وإن أُضيفَ إلى تأنيث. وقد قرأ «٥» الْحَسَن- فيما ذُكِرَ «٦» عَنْهُ- ب: ذكروا (تَلْتَقِطْهُ) بالتاء وَذَلِكَ أنه ذهب إلى السّيارة والعرب إذا أضافت المذكر إلى المؤنث وهو فعل لَهُ «٧» أو هُوَ بعض لَهُ قالوا فِيهِ بالتأنيث والتذكير. وأنشدونا:

стр. 557

عَلَى قَبْضة مَوْجُوءة ظهرُ كَفّه ... فلا المرء مُسْتحيٍ ولا هُوَ طاعم «١» ذهب إلى الكفّ وألغى الظهر لأن الكف يجزىء من الظهر فكأنه قَالَ: موجوءة كفُّه وأنشدني الْعُكْليّ أَبُو ثَرْوان: أرى مَرَّ السنين أخذنَ مني ... كما أخَذ السِّرار من الهلِال وقال ابن مقبل: قد صرّح السير عَن كُتْمان وابتذلتْ ... وَقْعُ المحاجن بالْمَهْرِيَّة الذُّقُنِ «٢» أراد: وابتذلت المحاجن وألغى الوقع. وأنشدني الْكِسَائي: إذا ماتَ منهم سَيّد قام سَيّد ... فَدَانَتْ لَهُ أهل الْقُرى والكنائسِ ومنه قول الأعشى: وَتَشرَقُ بالقول الَّذِي قد أَذَعتَه ... كما شَرِقت صدر القناة من الدَّم وأنشدني يونس الْبَصْرِيّ: لَمّا أتى خبرُ الزُّبَير تهدّمت ... سورُ المدينة والجبالُ الْخُشّعُ «٣» وإنّما جازَ هذا كله لأن الثاني يكفي من الأوّل ألا ترى أَنَّهُ لو قَالَ: تلتقطهُ السيَّارة لجاز وكفى من (بعض) ولا يجوز أن يقول: قد ضربتني غلامُ جاريتك لأنك لو ألقيت الغلام لَمْ تدل الجارية على معناه.

стр. 558

وقوله: لا تَأْمَنَّا [١١] تشير «١» إلى الرَّفْعة، وإن تركت فصواب، كلٌّ قد قُرئ بِهِ وقد قرأ يَحْيَى بن وثّاب: (تيمنّا) . وقوله يرتع ويلعب [١٢] مَنْ سَكّن الْعَين أخذه من القيد والرَّتْعَة «٢» وهو يفعل حينئذ ومن قَالَ (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) فهو يفتعل من رعيت، فأسقط الياء للجزم. وقوله: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [١٨] معناهُ: مكذوب: والعرب تَقُولُ للكذب. مكذوب وللضعف «٣» : مضعوف، وليس لَهُ عَقْد رَأْي ومعقودُ رأْيٍ فيجعلونَ المصدر فِي كَثِير من الكلام مفعولًا. ويقولون: هذا أمر لَيْسَ لَهُ مَعْنِيّ يريدونَ مَعْنًى، ويقولون للجَلَد: مجلود قَالَ الشاعر: إن أخا المجلود من صبرا «٤» وقال الآخر «٥» : حَتَّى إذا لَمْ يتركوا لعظامه ... لَحمًا ولا لفؤادِهِ معقولَا وقال أَبُو ثَرْوان: إنّ بني نُمَير لَيْسَ لحدّهم «٦» مكذوبة ومعنى قوله (بِدَمٍ كَذِبٍ) أنهم قالوا ليعقوب: أكله الذئب. وقد غمسوا قميصه فِي دم جَدْيٍ. فقال: لقد كَانَ هذا الذئب رفيقًا بابْني، مزَّق جلده ولم يُمَزق ثيابه. قَالَ: وقالوا: اللصوص قتلوه، قَالَ: فلم تركوا قميصه! وإنّما يريدونَ الثيابَ. فلذلك قيل (بِدَمٍ كَذِبٍ) ويَجوز فِي العربية أن تَقُولُ: جاءوا على قميصه بدم كذبًا كما تَقُولُ: جاءوا بأمرٍ باطل وباطلا، وحق وحقا.

стр. 559

وقوله: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) مثل قوله: (فَصِيامُ «١» ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) (فَإِمْساكٌ «٢» بِمَعْرُوفٍ) ولو كَانَ: فَصَبْرًا جَميلًا يكون كالآمر لنفسه بالصبر لجاز. وهي فِي قراءة أُبَيّ (فَصَبْرًا جَمِيلًا) كذلك على النصب بالألف. وقوله: (يَا بُشْرى «٣» [١٩] هذا غُلامٌ) (وَيَا بُشْرَايَ «٤» ) بنصب الياء، وهي لغة فِي بعض قيس. وَهُذَيْلٌ: يا بُشْرَى. كل ألف أضافها المتكلم إلى نفسه جعلتها ياء مشدَّدة. أنشدني القاسم بن مَعْن: تَركوا هوَيّ وأعْنَقوا لَهواهم ... ففقدتهم ولكل جَنْب مَصْرع «٥» وقال لي بعض بني سُلَيم: آتيكَ بِمولَيَّ فإنَّهُ أروى منّى. قال: أنشدنى المفضّل: يطوّف بي عكبّ فِي مَعَدّ ... ويطعُن بالصُمُلَّة فِي قَفَيَّا فإن لم تثأروا لي من عِكَبّ ... فلا أرويتما أبدًا صَدَيَّا «٦» ومن قرأ (يا بُشْرى) بالسكون فهو كقولك: يا بُنَيّ لا تفعل، يكون مفردًا فِي معنى الإضافة. والعربُ تَقُولُ: يا نفسِ اصبري ويا نِفس اصبري وهو يعني نفسه فِي الوجهين و (يَا بُشْرَايَ) فِي موضع نصب. ومن قَالَ: يا بشَريَّ فأضافَ وغيَّرَ الألف إلى الياء فإنه طلب «٧» الكسرة التي تلزم ما قبل

стр. 560

الياء من المتكلم فِي كل حال ألا ترى أنك تقول: هذا غلامى فتحفض الميم فِي كل جهات الإعراب فحطُّوها إذا أضيفت إلى المتكلم ولم يحطُّوها عند غير الياء فِي قولك: هذا غلامك وغلامه لأن (يا بشرى) من البشارة والإعراب يتبيّن عند كل مكنّى إلّا عند الياء. وقوله: (وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً) ذَلِكَ أن الساقي الَّذِي التقطه قَالَ للذين كانوا معه: إن سَألكم أصحابُكم عَن هذا الغلام فقولوا: أبضعَناهُ أهلُ الماء لنبيعهُ بِمصر. وقوله: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ [٢٠] قيلَ: عشرين. وإنَّما: قيلَ معدودة ليُستدل بِهِ على القلَّة لأنَّهم كانوا لا يَزِنُونَ الدراهم حَتَّى تبلغ أُوقِيَّة، والأُوقيَّة كانت وزن أربعين درهما. وقوله: (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) يقول: لَمْ يعلموا منزلته من الله . وقوله: (وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ) [٢٣] قرأها عبد الله بن مسعود وأصحابه حَدَّثَنَا الفرّاء قال: حدثنى بن أبى يحيى عن أبي حبيب عن الشّعبىّ عن عبد الله ابن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى عليه وسلم (هَيْتَ) وَيُقَالُ: إِنَّهَا لُغَةٌ لِأَهْلِ حَوْرَانَ سَقَطَتْ إِلَى مَكَّةَ فَتَكَلَّمُوا بِهَا. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقْرَءُونَ هِيتَ لَكَ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَلَا يَهْمِزُونَ وَذُكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَرَءَا (هِئْتُ لَكَ) يُرَادُ بِهَا: تَهَيَّأَتْ لَكَ وقد قَالَ الشاعر: أنّ الْعِراق وَأَهْلَهُ ... سَلْمٌ عَلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتَا «١» أي هَلُمَّ. وقوله: (إِنَّهُ رَبِّي) يعني مولاهُ الَّذِي اشتراهُ. يقول: قد أحسنَ إليَّ فلا أخونُه. وقوله: أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [٢٤] ذكروا أنُّهُ رأى صورة يَعْقُوب ﵇.

стр. 561

وقوله: وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ [٢٥] يعني يوسف وامرأة العزيز وجدا العزيز وابن عمّ لامرأته على الباب، فقالت: (مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً) فقال: هى راودتنى عن «١» [نفسى فذكروا أن ابن عمّها قَالَ: (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فلمّا رأوا القميصَ مقدودًا من دُبر قَالَ ابن العم (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) ثُمَّ إن ابن العم طلبَ إلى يوسف فقال: (أَعْرِضْ عَنْ هذا) أي اكتمه، وقال للأخرى: (اسْتَغْفِرِي) زوجك (لِذَنْبِكِ) . قوله: (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) [٢٦] . قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي قيس بْن الربيع عنْ أَبِي حصين عن سعيد ابن جُبَير فِي قوله: (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) قَالَ: صبيّ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي قيس عَن رجلٍ عَن مُجاهد أَنَّهُ رجلٌ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُعَلَّى بن هلال عَن أبي يَحْيَى عَن مُجاهد فى قوله: (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) قَالَ: حكم حاكم من أهلها. ولو كَانَ فِي الكلام: (أَنْ إِنْ كَانَ قميصُه) لصلح لأن الشهادة تُستقبل ب (أن) ولا يُكتفى بالجزاء فإذا اكتفت فإنَّما ذهبَ بالشهادة إلى معنى القول كأنه قَالَ: وقال قائل من أهلها، كما قَالَ: (يُوصِيكُمُ «٢» اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) فذهبَ بالوصية إلى القول، وأنشدني الْكِسَائي: وخَبَّرْتُمَا أَن إِنَّمَا بَيْنِ بيَشَةٍ ... ونَجْرَان أَحْوَى «٣» والمحَلِّ قريب

стр. 562

(والجناب «١» خصيب) فأدخل (أن) على (إِنَّما) وهي بِمنزلتها قَالَ: وسمعتُ الفراء قَالَ: زعم القاسم بن مَعن أن بِئشة وزئنة أرضان مهموزتان. وقوله: قَدْ شَغَفَها حُبًّا [٣٠] أي قد خرق شَغَاف «٢» قلبها وتقرأ «٣» (قَدْ شَعَفَهَا) بالعين وهو من قولك: شُعِف بِهَا. كأنّه «٤» ذَهَبَ بِهَا كلّ مذهب. والشَعَف: رءوس الجبال. وقوله: (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً) يُقال: اتخذت لَهُنّ مجلسًا. ويُقال: إنّ مُتْكًا غير مهموز، فسمعت «٥» أَنَّهُ الْأُتْرُجُّ. وَحَدَّثَنِي شيخ من ثقات أهل البصرة أَنَّهُ قَالَ: الزُّمَاوَرْدُ «٦» . وقوله: وقطّعن أيديهنّ يقول: وَخَدشنها ولم يُبِنَّ أيديهن، مِن إعظامه، وذلك قوله: (حاشَ لِلَّهِ) أعظمته أن يكون بشرًا، وقلن: هذا مَلَكٌ. وَفِي قراءة «٧» عبد الله (حَاشَا لِلَّهِ) بالألف، وهو فِي معنى مَعَاذَ الله. وقوله: (مَا هَذَا بَشَراً) نصبت (بَشَراً) لأن الباء قد استعملت فِيهِ فلا يكاد أهل الحجاز ينطقونَ إِلَّا بالباء، فلمّا حذفوها أحبُّوا أن يكون لَهَا أثر فيما خَرَجت منه فنصبوا عَلَى ذَلِكَ ألا ترى أن كلّ ما في القرآن أتى بالباء إِلَّا هذا، وقوله: (مَا هُنَّ «٨» أُمَّهاتِهِمْ) وأمّا أهلُ نَجدٍ فيتكلمونَ بالباء وغير الباء فإذا أسقطوها رفعوا. وهو أقوى الوجهين فِي العربية. أنشدني بعضهم: لَشتَّانَ ما أَنْوِي وينوي بنو أبى ... جميعا فما هذان مستويان

стр. 563

تَمَنَّوْا ليَ الموتَ الَّذِي يَشْعَب الفتى ... وكلُّ فتًى والموتُ يلتقيانِ «١» وأنشدوني: ركابُ حُسَيْلٍ أشهرَ الصيفِ بُدَّن ... ونَاقةُ عَمْرو ما يُحَلُّ لَهَا رَحْلُ ويزعمُ حِسْلٌ أَنَّهُ فَرْع قومِهِ ... وما أنت فرع يا حُسيل ولا أصْلُ «٢» وقال الفرزدق: أمَا نحنُ راءُو دارِها بعد هذه ... يدَ الدهر إلا أنْ يمرّ بِهَا سَفْرُ «٣» وإذا قدّمت الفعل قبل الاسم رفعت الفعل واسمه فقلت: ما سامعٌ هذا وما قائمٌ أخوك. وذلك أن الباء لم تستعمل هاهنا ولم تدخل ألا ترى أَنَّهُ قبيح أن تَقُولُ: ما بقائم أخوكَ لأنَّها إنَّما تقعُ فِي المنفيّ إذا سَبَق الاسم، فلمَّا لَمْ يمكن فِي (ما) ضمير الاسم قبح دخول الباء. وحسُنَ ذَلِكَ فِي (لَيْسَ) : أن تَقُولُ: لَيْسَ بقائم أخوكَ لأن (لَيْسَ) فعل يقبل المضمر، كقولك: لست ولسنا ولم يُمكن ذَلِكَ فِي (ما) . فإن قلت: فإني أراهُ لا يمكن فِي (لا) وقد أدخلت العرب الباء فِي الفعل التي تليها «٤» فقالوا «٥» : لا بالْحَصُورِ ولا فِيهَا بسوَّارِ قلت: إن (لا) أشبه بليس من (ما) ألا ترى أنك تَقُولُ: عبد الله لا قائم ولا قاعد، كما تَقُولُ: عبد الله لَيْسَ قاعدًا ولا قائِمًا، ولا يَجوز عبد الله ما قائم ولا قاعد فافترقتا هاهنا.

стр. 564

ولو حملت الباء عَلَى (ما) إذا وليها الفعل تَتَوهّم فيها ما توهّمت فِي (لا) لكان وجهًا، أنشدتني امرأة من غَنِيّ: أمَا واللهِ أنْ لو كنتَ حُرًّا ... وما بالحُرّ أنتَ ولا الْعَتِيقِ «١» فأدخلت الباء فيما يلي (مَا) فإن ألقيتَها رفعت ولم يَقْوَ النصب لقلَّة هذا. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الفراء قَالَ: وَحَدَّثَنِي دِعامة بن رجاء التَّيمي- وَكَانَ غرّا- عَن أبي الْحُويرث الحنفيّ أَنَّهُ قَالَ: (ما هذا بِشِرًى) أي ما هذا بِمشترِي. وقوله: رَبِّ السِّجْنُ [٣٣] السِّجن: الْمَحْبِسُ. وهو كالفعل. وكل موضع مشتق من فعلٍ فهو يقوم مقام الفعل كما قالت العرب: طلعت الشمسُ مَطْلَعًا وغَرَبت الشمس مغربا، فجعلوهما خلفًا من المصدر وهما اسمان، كذلك السِّجن. ولو فتحت السِّين لكان مصدرًا بينًا. وقد قرىء: (ربّ السّجن) . وقوله: فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ [٣٤] ولم تكن منه مسألة إنما قال: (إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) فجَعله الله دعاء لأن فِيهِ معنى الدعاء، فلذلك قال: (فاستجاب له) ومثله فِي الكلام أن تَقُولَ لعبدك: إلَّا تطِع تعاقَب، فيقول: إِذًا أطيعك كأنّك قلت لَهُ: أطع فأجابك. وقوله: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ [٣٥] آيات البراءة قَدّ القميص من دبر (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) فهذه اللام فِي اليمين وَفِي كل ما ضارع القول. وقد ذكرناهُ. أَلَا ترى قوله: (وَظَنُّوا «٢» ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) (وَلَقَدْ «٣» عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ) دخلت هذه اللام و (ما) مع الظنّ (والعلم) لأنَّهما فِي معنى القول واليمين.

стр. 565

وقوله: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [٣٦] يقول: من العالِمينَ قد أحسنْتَ الْعِلْمَ. حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن «١» الْغَسيل الْأَنْصَارِيّ عَن عكرمة قَالَ: الْحِين حينان: حين لا يدرك وهو قوله : (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) (قَالَ «٢» الفراء فهذا يقلّ ويكثر) ليست لَهُ غاية. قَالَ عكرمة: وحينٌ يُدركَ وهو قوله: (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ) يعني ستَّة أشهر. وقوله: (إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ) [٣٧] يقول: بسببه وألوانه. وقوله: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) العرب لا تَجمع اسمين قد كُنِّيَ عنهما لَيْسَ بينهما شىء إلّا أن ينووا التكرير وإفهام المكلّم فإذا أرادوا ذلك قالوا: أنت أنت فعلت، وهو هو أخذها. ولا يَجوز أن نَجعل الآخرة تَوكيدًا للأولى، لأن لفظهما واحد. ولكنهم إذا وصلوا الأول بناصب أو خافض أو رافع أدخلوا لَهُ اسمه فكان توكيدًا. أمّا المنصوب فقولك: ضربتك أنت، والمخفوض: مررت بك أنت، والمرفوع: قمت أنت. وإنما فعلوا ذلك لأن الأول قلَّ واختلف لفظه، فأدخلوا اسمه المبتدأ. فإذا قالوا: أنت فينا أنت رَاغب ففرقوا بينهما بصفة «٣» قالوا ذَلِكَ، وكأنه فِي مذهبه بِمنزلة قوله: (كُتِبَ «٤» عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) كأنّ الأوّل مُلْغًى والاتّكاء والْخَبَر عَن الثاني. وكذلك قوله: (أَيَعِدُكُمْ «٥» أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ) ثم قال: (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) وهما جَميعًا فِي معنى واحد، إلا أن ذَلِكَ جازَ حينَ فُرق بينهما بإذا. ومثله: (وَهُمْ «٦» بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) . وقوله: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي) [٣٨] تهمِز وتُثبت فيها الياء. وأصْحَابنا يروون عَن الأعمش
следующие страницы →