وقوله: وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ [٢٥] يعني يوسف وامرأة العزيز وجدا العزيز وابن عمّ لامرأته على الباب، فقالت: (مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً) فقال: هى راودتنى عن «١» [نفسى فذكروا أن ابن عمّها قَالَ: (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فلمّا رأوا القميصَ مقدودًا من دُبر قَالَ ابن العم (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) ثُمَّ إن ابن العم طلبَ إلى يوسف فقال: (أَعْرِضْ عَنْ هذا) أي اكتمه، وقال للأخرى: (اسْتَغْفِرِي) زوجك (لِذَنْبِكِ) .
قوله: (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) [٢٦] .
قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي قيس بْن الربيع عنْ أَبِي حصين عن سعيد ابن جُبَير فِي قوله:
(وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) قَالَ: صبيّ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي قيس عَن رجلٍ عَن مُجاهد أَنَّهُ رجلٌ. قَالَ:
وَحَدَّثَنِي مُعَلَّى بن هلال عَن أبي يَحْيَى عَن مُجاهد فى قوله: (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) قَالَ: حكم حاكم من أهلها.
ولو كَانَ فِي الكلام: (أَنْ إِنْ كَانَ قميصُه) لصلح لأن الشهادة تُستقبل ب (أن) ولا يُكتفى بالجزاء فإذا اكتفت فإنَّما ذهبَ بالشهادة إلى معنى القول كأنه قَالَ: وقال قائل من أهلها، كما قَالَ: (يُوصِيكُمُ «٢» اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) فذهبَ بالوصية إلى القول، وأنشدني الْكِسَائي:
وخَبَّرْتُمَا أَن إِنَّمَا بَيْنِ بيَشَةٍ ... ونَجْرَان أَحْوَى «٣» والمحَلِّ قريب
стр. 562
(والجناب «١» خصيب) فأدخل (أن) على (إِنَّما) وهي بِمنزلتها قَالَ: وسمعتُ الفراء قَالَ: زعم القاسم بن مَعن أن بِئشة وزئنة أرضان مهموزتان.
وقوله: قَدْ شَغَفَها حُبًّا [٣٠] أي قد خرق شَغَاف «٢» قلبها وتقرأ «٣» (قَدْ شَعَفَهَا) بالعين وهو من قولك: شُعِف بِهَا. كأنّه «٤» ذَهَبَ بِهَا كلّ مذهب. والشَعَف: رءوس الجبال.
وقوله: (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً) يُقال: اتخذت لَهُنّ مجلسًا. ويُقال: إنّ مُتْكًا غير مهموز، فسمعت «٥» أَنَّهُ الْأُتْرُجُّ. وَحَدَّثَنِي شيخ من ثقات أهل البصرة أَنَّهُ قَالَ: الزُّمَاوَرْدُ «٦» .
وقوله: وقطّعن أيديهنّ يقول: وَخَدشنها ولم يُبِنَّ أيديهن، مِن إعظامه، وذلك قوله:
(حاشَ لِلَّهِ) أعظمته أن يكون بشرًا، وقلن: هذا مَلَكٌ. وَفِي قراءة «٧» عبد الله (حَاشَا لِلَّهِ) بالألف، وهو فِي معنى مَعَاذَ الله.
وقوله: (مَا هَذَا بَشَراً) نصبت (بَشَراً) لأن الباء قد استعملت فِيهِ فلا يكاد أهل الحجاز ينطقونَ إِلَّا بالباء، فلمّا حذفوها أحبُّوا أن يكون لَهَا أثر فيما خَرَجت منه فنصبوا عَلَى ذَلِكَ ألا ترى أن كلّ ما في القرآن أتى بالباء إِلَّا هذا، وقوله: (مَا هُنَّ «٨» أُمَّهاتِهِمْ) وأمّا أهلُ نَجدٍ فيتكلمونَ بالباء وغير الباء فإذا أسقطوها رفعوا. وهو أقوى الوجهين فِي العربية. أنشدني بعضهم:
لَشتَّانَ ما أَنْوِي وينوي بنو أبى ... جميعا فما هذان مستويان
стр. 563
تَمَنَّوْا ليَ الموتَ الَّذِي يَشْعَب الفتى ... وكلُّ فتًى والموتُ يلتقيانِ «١»
وأنشدوني:
ركابُ حُسَيْلٍ أشهرَ الصيفِ بُدَّن ... ونَاقةُ عَمْرو ما يُحَلُّ لَهَا رَحْلُ
ويزعمُ حِسْلٌ أَنَّهُ فَرْع قومِهِ ... وما أنت فرع يا حُسيل ولا أصْلُ «٢»
وقال الفرزدق:
أمَا نحنُ راءُو دارِها بعد هذه ... يدَ الدهر إلا أنْ يمرّ بِهَا سَفْرُ «٣»
وإذا قدّمت الفعل قبل الاسم رفعت الفعل واسمه فقلت: ما سامعٌ هذا وما قائمٌ أخوك. وذلك أن الباء لم تستعمل هاهنا ولم تدخل ألا ترى أَنَّهُ قبيح أن تَقُولُ: ما بقائم أخوكَ لأنَّها إنَّما تقعُ فِي المنفيّ إذا سَبَق الاسم، فلمَّا لَمْ يمكن فِي (ما) ضمير الاسم قبح دخول الباء. وحسُنَ ذَلِكَ فِي (لَيْسَ) :
أن تَقُولُ: لَيْسَ بقائم أخوكَ لأن (لَيْسَ) فعل يقبل المضمر، كقولك: لست ولسنا ولم يُمكن ذَلِكَ فِي (ما) .
فإن قلت: فإني أراهُ لا يمكن فِي (لا) وقد أدخلت العرب الباء فِي الفعل التي تليها «٤» فقالوا «٥» :
لا بالْحَصُورِ ولا فِيهَا بسوَّارِ
قلت: إن (لا) أشبه بليس من (ما) ألا ترى أنك تَقُولُ: عبد الله لا قائم ولا قاعد، كما تَقُولُ:
عبد الله لَيْسَ قاعدًا ولا قائِمًا، ولا يَجوز عبد الله ما قائم ولا قاعد فافترقتا هاهنا.
стр. 564
ولو حملت الباء عَلَى (ما) إذا وليها الفعل تَتَوهّم فيها ما توهّمت فِي (لا) لكان وجهًا، أنشدتني امرأة من غَنِيّ:
أمَا واللهِ أنْ لو كنتَ حُرًّا ... وما بالحُرّ أنتَ ولا الْعَتِيقِ «١»
فأدخلت الباء فيما يلي (مَا) فإن ألقيتَها رفعت ولم يَقْوَ النصب لقلَّة هذا. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الفراء قَالَ: وَحَدَّثَنِي دِعامة بن رجاء التَّيمي- وَكَانَ غرّا- عَن أبي الْحُويرث الحنفيّ أَنَّهُ قَالَ: (ما هذا بِشِرًى) أي ما هذا بِمشترِي.
وقوله: رَبِّ السِّجْنُ [٣٣] السِّجن: الْمَحْبِسُ. وهو كالفعل. وكل موضع مشتق من فعلٍ فهو يقوم مقام الفعل كما قالت العرب: طلعت الشمسُ مَطْلَعًا وغَرَبت الشمس مغربا، فجعلوهما خلفًا من المصدر وهما اسمان، كذلك السِّجن. ولو فتحت السِّين لكان مصدرًا بينًا. وقد قرىء:
(ربّ السّجن) .
وقوله: فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ [٣٤] ولم تكن منه مسألة إنما قال: (إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) فجَعله الله دعاء لأن فِيهِ معنى الدعاء، فلذلك قال: (فاستجاب له) ومثله فِي الكلام أن تَقُولَ لعبدك: إلَّا تطِع تعاقَب، فيقول: إِذًا أطيعك كأنّك قلت لَهُ:
أطع فأجابك.
وقوله: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ [٣٥] آيات البراءة قَدّ القميص من دبر (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) فهذه اللام فِي اليمين وَفِي كل ما ضارع القول. وقد ذكرناهُ. أَلَا ترى قوله:
(وَظَنُّوا «٢» ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) (وَلَقَدْ «٣» عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ) دخلت هذه اللام و (ما) مع الظنّ (والعلم) لأنَّهما فِي معنى القول واليمين.
стр. 565
وقوله: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [٣٦] يقول: من العالِمينَ قد أحسنْتَ الْعِلْمَ. حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ:
حَدَّثَنَا ابن «١» الْغَسيل الْأَنْصَارِيّ عَن عكرمة قَالَ: الْحِين حينان: حين لا يدرك وهو قوله :
(هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) (قَالَ «٢» الفراء فهذا يقلّ ويكثر) ليست لَهُ غاية.
قَالَ عكرمة: وحينٌ يُدركَ وهو قوله: (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ) يعني ستَّة أشهر.
وقوله: (إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ) [٣٧] يقول: بسببه وألوانه. وقوله: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) العرب لا تَجمع اسمين قد كُنِّيَ عنهما لَيْسَ بينهما شىء إلّا أن ينووا التكرير وإفهام المكلّم فإذا أرادوا ذلك قالوا: أنت أنت فعلت، وهو هو أخذها. ولا يَجوز أن نَجعل الآخرة تَوكيدًا للأولى، لأن لفظهما واحد. ولكنهم إذا وصلوا الأول بناصب أو خافض أو رافع أدخلوا لَهُ اسمه فكان توكيدًا. أمّا المنصوب فقولك: ضربتك أنت، والمخفوض: مررت بك أنت، والمرفوع:
قمت أنت. وإنما فعلوا ذلك لأن الأول قلَّ واختلف لفظه، فأدخلوا اسمه المبتدأ. فإذا قالوا: أنت فينا أنت رَاغب ففرقوا بينهما بصفة «٣» قالوا ذَلِكَ، وكأنه فِي مذهبه بِمنزلة قوله: (كُتِبَ «٤» عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) كأنّ الأوّل مُلْغًى والاتّكاء والْخَبَر عَن الثاني. وكذلك قوله:
(أَيَعِدُكُمْ «٥» أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ) ثم قال: (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) وهما جَميعًا فِي معنى واحد، إلا أن ذَلِكَ جازَ حينَ فُرق بينهما بإذا. ومثله: (وَهُمْ «٦» بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) .
وقوله: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي) [٣٨] تهمِز وتُثبت فيها الياء. وأصْحَابنا يروون عَن الأعمش
стр. 566
(مِلَّةَ آبَايَ إِبْرَاهِيم) و (دُعَايَ «١» إِلَّا فِرَارًا) بنصب الياء لأنَّه يترك الْهَمْز ويقصرُ الممدود فيصير بِمنزلة مَحْيَايَ وهدايَ.
وقوله: (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ [٤١] ) ذكروا أَنَّهُ لَمّا عبَّر لَهما الرؤيا فقال للآخر:
تصلبُ رجعا عَن الرُّؤْيَا، فقالا: لَمْ نرَ شيئًا فقال يوسف: (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ) .
وقوله: (فَأَنْساهُ [٤٢] الشَّيْطانُ) .
يقول: أنسى الشيطان يوسَف أن يَجعل ذكره ومستغاثه إلى الله. ويُقال: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر أمر يوسف.
وقوله: (ذِكْرَ رَبِّهِ) يقول: ذكر يوسف لِمولاه.
وقوله: (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) ذكروا أَنَّهُ لبث سبعًا بعد خَمس والبضع ما دون العشرة.
وقوله: (إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ) [٤٣] هُوَ من كلام العرب: أن يقول الرجل: إني أخرج إلى مكَّة وغير ذَلِكَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ للنوم ولو أراد الخبر لقال: إني أفعلُ إني أقوم فيُستدلّ على أنها رُؤيا «٢» لقوله: أرى، وإن لَمْ يذكر نومًا. وقد بيَّنها إِبْرَاهِيم ﵇ فقال: إِنِّي «٣» أَرَى في المنام أنّى أذبحك) وقوله: أَضْغاثُ أَحْلامٍ [٤٤] رفع، لأنهم أرادوا: ليس هذه بشى إِنَّما هي أضغاثُ أحلام «٤» .
وهو كقوله: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ «٥» ) كفروا فقالوا: لَم يُنزل شيئًا، إنَّما هي
стр. 567
أساطير الأولين. ولو كَانَ (أضغاثَ أَحْلامٍ) أي أنك «١» رأيت أضغاثَ أحلام كَانَ صوابًا.
وقوله: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [٤٥] الأمة: الحين من الدَّهْرِ. وقد ذُكِرَ عَن بعضهم «٢» (بَعْدَ أَمَهٍ) وهو النسيان. يُقال رجلٌ مأموه كأنه الَّذِي لَيْسَ معه عقله وقد أمه الرجل.
وقوله: وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ [٤٦] لو كَانَ الخضر منصوبة تُجعل نعتًا للسبع حسن ذَلِكَ. وهي إذ خُفَضت نعْت للسنبلات. وقال الله : (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ «٣» خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً) ولو كانت (طباقٍ) كَانَ صوابًا وقوله: دَأَباً [٤٧] وقرأ بعض «٤» قرّائنا (سبع سنين دأبا) : فَعَلًا. وكذلك كل حرف فُتِحَ أوَّله وَسُكِّنَ ثانيه فتثقيله جائزٌ إذا كَانَ ثانيه همزة أو عينًا أو غينًا أو حاءً أو خاء أو هاء.
وقوله: يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ [٤٨] يقول ما تقدَّمتم فِيهِ لَهُنَّ من الزرع.
وقوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ: [٥٢] قَالَ ذَلِكَ يوسف لَمّا رجعَ إِلَيْهِ الساقي فأخبره «٥» ببراءة النسوة إيَّاه. فقال يوسف (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) وهو متصل بقول امرأته (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذلِكَ) وربّما وُصل الكلامُ بالكلام، حَتَّى كأنه قولُ واحدٍ وهو كلام اثنين، فهذا من ذَلِكَ. وقوله (مِنْ أَرْضِكُمْ «٦» بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ) اتّصل قول فرعون بقول الملأ: وكذلك قوله (إِنَّ «٧» الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا
стр. 568
قَرْيَةً أَفْسَدُوها) إلى قوله (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) انقطع كلامها عند قوله (أَذِلَّةً) ثم قال (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) ويقال: إنه من قول سُلَيْمَان ﵇.
وقوله: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ [٥١] لَمَّا دَعَا النسوة فبرّأته قالت: لَمْ يبق إلا أن يُقِبل عليّ بالتقرير فأقرَّت، فذلك قوله: (حَصْحَصَ الْحَقُّ) يقول: ضاق الكذب وتَبيَّن الحقّ.
وقوله: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [٥٣] (ما) فِي موضع نصب. وهو استثناء منقطع مِمّا قبله: ومثله (إِلَّا حاجَةً «١» فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها) ومثله فى سورة يس (فَلا صَرِيخَ «٢» لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا) إِنَّما هُوَ- والله أعلم- إلا أن يُرحموا. و (أن) تضارع (ما) إذا كانتا فِي معنى مصدر.
وقوله: وَلا تَقْرَبُونِ [٦٠] فِي موضع جزم، والنون فِي موضع نصب حذفت ياؤها. ولو جعلتها رفعًا فنصبت النون كَانَ صوابًا على معنى قوله ولستم تقربونَ بعد هذه كقوله (فَبِمَ «٣» تُبَشِّرُونَ) و (الَّذِينَ «٤» كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ) .
وقوله: وَقالَ لِفِتْيانِهِ [٦٢] و (لِفِتْيَتِهِ) قراءتان «٥» مستفيضتان.
وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا) قيل فيها قولان: أحدهما أن يوسف خاف ألَّا يكون عند أبيه دراهم، فجعل البضاعة فِي رحالِهم ليرجعوا. وقيل إنَّهم إن عرفوا أنَّها بضاعتهم وقد اكتالوا ردُّوهَا على يوسف ولم يستحلّوا إمساكها.
стр. 569
قوله: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ [٦٣] قرأ أصحابُ «١» عبد الله (يَكْتَلْ) وسائر الناس (نَكْتَلْ) كلاهما صواب من قال (نَكْتَلْ) جعله معهم فِي الكيل. ومن قَالَ (يَكْتَلْ) يصيبه كيل لنفسه فجعل الفعل لَهُ خاصة لأنَّهم يُزادونَ بِهِ كيلَ بعير.
[قوله] : فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً «٢» [٦٤] و (حفظا «٣» وهي فِي قراءة عبد الله (والله خيرُ الحافظين) وهذا شاهدٌ للوجهين جَميعًا. وَذَلِكَ أنك «٤» إذا أضفتَ أفضل إلى شيء فهو بعضه، وحذف المخفوض يَجوز وأنت تنويه. فإن شئتَ جعلته خيرهم حفظًا فحذفتَ الْهَاء والميم وهي تُنوي فِي المعنى وإن شئت جعلت (حافِظاً) تفسيرًا لأفضل. وهو كقولك: لك أفضلهم رجلًا ثُمَّ تلغِي الْهَاء والميم فتقول لك أفضل رجلًا وخير رجُلًا. والعربُ: تَقُولُ لك أفضلها كبشًا، وإنَّما هُوَ تفسير الأفضل.
حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو لَيْلَى السِّجِسْتَانِيُّ عَنْ أَبِي حَرِيزٍ «٥» قَاضِي سِجِسْتَانَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَ (فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً «٦» وَقَدْ أَعْلَمْتُكَ أَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (خَيْرُ الْحَافِظِينَ) وَكَانَ هَذَا- يَعْنِي أَبَا لَيْلَى- مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ. وَحَدَّثَنَا بِهَذَا الإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ (فَلَا أُقْسِمُ «٧» بِمَوْقِعِ النُّجُومِ) (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ) «٨» يَقُولُونَ: مُؤَدُّونَ فِي السِّلاحِ أَدَّى يُؤَدِّي.
وقوله: يَا أَبانا مَا نَبْغِي [٦٥] كقولك فِي الكلام ماذا تَبْغي؟ ثُمَّ قَالَ (هذِهِ بِضاعَتُنا) كأنهم طيّبوا بنفسه «٩» . و (ما) استفهام فِي موضع نصب. ويكون معناها جحدًا كأنَّهم قالوا:
لسنَا نريدُ منكَ دراهم. والله أعلم بصواب ذلك.
стр. 570
وقوله: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [٦٦] يقول: إِلَّا أَن يَأتيكم من الله مَا يَعذركم.
وقوله: يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ [٦٧] يقول: لا تدخلوا مصر من طريق واحد.
كانوا صِبَاحًا تأخذهم الْعَين.
[وقوله] : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ [٦٨] يقول: إنه لذو علم لتعليمنا إيّاه ويُقال: إنه لذو حفظ «١» لِما علمناه.
وقوله: فَلا تَبْتَئِسْ [٦٩] معناهُ: لا تستكن من الحزن والبُؤْس. يَقول: لا تَحْزن.
وقوله: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ [٧٠] «٢» جواب وربّما أدخلت العرب فِي مثلها الواو وهي جَواب على «٣» حَالِها كقوله فِي أول السورة (فَلَمَّا «٤» ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) والمعنى- والله أعلم-: أوحينا إِلَيْهِ. وهي فِي قراءة عبد الله (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ وَجَعَل السِّقَايَةَ) ومثله فِي الكلام: لَمَّا أتاني وأثِبَ عَلَيْهِ كأنه قَالَ: وثبتُ عَلَيْهِ.
وربّما أدخلت العرب فِي جواب لَمَّا لكن. فيقول الرجل: لَمَّا شتَمني لكن أثِبُ عَلَيْهِ، فكأنه استأنف الكلام استئنافًا، وتوهَّم أنّ ما قبله فِيهِ جوابه. وقد جاء (الشعر «٥» فِي كل ذَلِكَ) قال امرؤ القيس:
فلمّا أَجزنا سَاحة الحيَّ وانتحى ... بنا بطنُ خَبْت ذي قِفافٍ عقنقل «٦»
стр. 571
وقال الآخر:
حَتَّى إذا قمِلت بطونُكم ... ورأيتمُ أبناءكم شبوا
وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللّئيم العاجزُ الْخَبُّ «١»
قمِلت: سمِنت وكبِرَت.
قوله: قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ [٧٢] .
وقوله: الصُّواع ذكر. وهو الإناءُ الَّذِي كَانَ الملكُ يشرب فِيهِ. والصاعُ يؤنَّث ويُذَكَّر. فمن أنَّثه قَالَ: ثلاث أصْوُع مثل ثلاث أَدْؤُر. ومن ذكّره قَالَ: ثلاثة أصواع مثل أبواب. وقوله (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) يقول: كفيل. وزعيم القوم سيّدهم.
وقوله: تَاللَّهِ [٧٣] العربُ لا تَقُولُ تالرحمنِ ولا يَجْعلونَ مكانَ الواو تَاء إِلَّا فِي الله .
وَذَلِكَ أنَّها أكثرُ الأيْمَانِ مُجْرى فِي الكلام فتوهّموا أنّ الواو منها لكثرتِها فِي الكلام، وأبدلوها تاء كما قالوا: التّراث، وهو من ورث، وكما قَالَ: (رُسُلَنا «٢» تَتْرا) وهي من المواترة، وكما قالوا:
التُّخْمَة وهي من الْوَخَامة، والتُّجَاه وهي من واجهك. وقوله (لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ) يقول القائل: وكيف علموا أنهم لَمْ يأتوا للفساد ولا للسرقة؟ فذُكر أنَّهم كانوا فِي طريقهم لا يُنزلون بأَحد ظلمًا، ولا ينزلونَ فِي بساتين الناس فيُفسدوها فذلك قوله (مَا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ) يقول: لو كنا سارقين ما رددنا عليكم البضاعة التي وجدناها فِي رِحَالِنا.
وقوله: قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ [٧٥] (من) فِي معنى جزاء وموضعها رفع بالهاء التي عادت. وجواب الجزاء الفاء فِي قوله: (فَهُوَ جَزاؤُهُ) ويكون قوله (جَزاؤُهُ) الثانية
стр. 572
مرتفعة بالمعنى المحمَّل فِي الجزاء وجوابه. ومثله فِي الكلام أن تَقُولَ: ماذا لي عندك؟ فيقول: لك عندي إن بشّرتني فلك ألف درهم، كأنه قَالَ: لك عندي هذا. وإن شئت جَعلت (مَن) فِي مذهب (الَّذِي) وتُدخل الفاء فِي خبر (مَنْ) إذا كانت على معنى (الَّذِي) كما تَقُولُ: الَّذِي يقوم فإنَّا نَقوم معه. وإن شئتَ جعلت الجزاء مرفوعًا بِمَنْ خاصَّة وصلتها، كأنك قلت: جزاؤه الموجودُ فِي رَحْله. كأنك قلت: ثوابه أن يُسْتَرقّ، ثُمَّ تستأنف أيضًا فتقول: هُوَ جزاؤه. وكانت سنَّتهم أن يسترقّوا مَن سَرق.
ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ اسْتَخْرَجَها [٧٦] ذَهَبَ إلى تأنيثِ السَّرقة. وإن يكن الصُّواع فِي معنى الصَّاع فلعلّ هذا التأنيث من ذَلِكَ. وإن شئت جعلته لتأنيث السِّقَاية.
وقوله (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) (مَنْ) فِي موضع نصب، أي نرفعُ مَنْ نَشَاءُ دَرجاتٍ.
يقول: نفضِّل من نشاء بالدرجات. ومن «١» قَالَ (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) فيكون (مَنْ) فِي موضع خفض.
وقوله (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) يقول: لَيْسَ مِنْ عالِم إِلَّا وفوقه أعلم منه.
وقوله: (فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) [٧٧] أَسَرَّ الكلمة. ولو قَالَ: (فأسرَّهُ) ذهب إلى تذكير الكلام كَانَ صَوَابًا كقوله (تِلْكَ «٢» مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) و (ذلِكَ «٣» مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) (وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ) : أضمرها فِي نفسه ولم يظهرهَا.
وقوله: مَعاذَ اللَّهِ [٧٩] نَصْب لأنه مصدر، وكل مصدر تكلّمت العرب فِي معناهُ بفَعَل أو يفعل فالنصبُ فِيهِ جائز. ومن ذَلِكَ الحمدَ لله لأنّك قد تَقُولُ فِي موضعه يَحمد الله. وكذلك أعوذ بالله تصلح فى معنى معاذ الله.
стр. 573
وقوله: خَلَصُوا نَجِيًّا [٨٠] و [نجوى] قَالَ الله (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ) وقوله: (قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ) (ما) التي مع (فرّطتم) فِي موضع رفع كأنه قال: ومن قبلِ هذا تفريطكم فِي يوسف.
فإن «١» شئت جعلتها نصبًا، أي ألم تعلموا هذا وتعلموا من قبلُ تفريطكم فِي يوسف. وإن شئت جعلت (ما) صلة كأنه قال «٢» : ومن قبلُ فرَّطتم فى يوسف.
وقوله: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ [٨١] ويقرأ (سُرِّق) ولا أشتهيها لأنّها شاذَّة. وكأنه ذهب إلى أَنَّهُ لا يستحلّ أن يسرَّقَ ولم يَسرِق: وذُكِرَ أن ميمون بن مِهْران لقي رجاءَ بن حَيوَة بِمكَّة، وَكَانَ رجاء يقول: لا يصلح الكذب فِي جد ولا هزل. وَكَانَ ميمون يقول: ربّ كَذْبة هي خير من صدق كَثِير. قَالَ فقال ميمون لرجاء: من كَانَ زَمِيلَك؟ قَالَ: رجل من قيس. قَالَ: فلو أنك إذ مررت بالبِشْر «٣» قالت لك تغلِب: أنت الغاية فِي الصدق فمن زميلك هذا؟ فإن كَانَ مِنْ قيس قتلناه، فقد علمتَ ما قتلتْ قيسٌ مِنَّا، أكنت تَقُولُ: مِنْ قيس أم من غير قيس؟ قال: بَلْ من غير قيس. قَالَ: فهي كانت أفضل أم الصدق؟ قَالَ الفراء: قد جعل الله للأنبياء من المكايد ما هُوَ أكثر من هذا. والله أعلم بتأويل ذلك.
وقوله: وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ يقول: لَمْ نَكُن نَحفظ غيبَ ابنك ولا ندري ما يصنعُ إذا غابَ عنا. ويُقال: لو علمنا أن هذا يكون لَمْ نُخرجه معنا.
وقوله: أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [٨٣] الصبرُ الجميل مرفوع لأنه عَزَّى نفسَه وقال: ما هُوَ إلا الصبر، ولو أمرهم بالصبر لكان النصب أسهل، كما قال الشاعر:
стр. 574
يشكو إِليَّ جَمَلي طُول السُّرى ... صَبْرًا جَميلًا فَكِلانا مبتلى «١»
وقوله: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) يقول: لا شكوى فِيهِ إلَّا إلى الله جلّ وعزّ.
قالو: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا: [٨٥] معناه لا تزال تذكر يوسف و (لا) قد تضمر مع الأيمان لأنّها إذا كانت خبرًا لا يضمر فيها (لا) لَمْ تكن إلا بِلَام ألا ترى أنك تَقُولُ: والله لآتينَّكَ، ولا يَجوز أن تَقُولُ: والله آتيك إِلَّا أن تكون تريد (لا) فلمَّا تبيّن موضعُها وقد فارقت الخبر أُضمرت، قَالَ امرؤ القيس:
فقلتُ يَمينَ الله أبرحُ قاعدًا ... ولو قطعوا رأسي لديكِ وأَوْصَالِي «٢»
وأنشدني بعضهم:
فلا وأبي دَهْمَاء زالت عزيزةً ... عَلَى قَوْمها ما فَتَّلَ الزَّنْدَ قادِح
يريدُ: لا زالت. وقوله: (حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً) ] يُقال: رجل حَرَض وامرأة حَرَض وقومٌ حَرَض، يكون موحَّدًا عَلَى كلِّ حَالٍ: الذكر والأنثى، والجميع فِيهِ سَوَاء، ومن العرب من يقول للذكر: حارِض، وللأنثى حارضة، فيثنّى هاهنا ويُجمع لأنه قد خرج على صورة فاعل وفاعل «٣» يُجمع. والحارض: الفاسد فِي جسمه أو عقله. ويقال للرجل: إنه لحارض أي أحمق.
والفاسد فِي عقله أيضًا. وأمَّا حَرَض فتُرك جَمعه لأنه مصدر بِمنزلة دَنَف وضَنَى «٤» . والعربُ تَقُولُ:
قوم دَنَف، وضَنًى وَعدْل، وَرِضًا، وزَوْر، وعَوْد، وضَيْف. ولو ثُنّي وجمع لكان صَوَابًا كما قالوا: ضيف وأضياف. وقال (أَنُؤْمِنُ «٥» لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا) وقال فِي موضع آخر:
(مَا أَنْتُمْ «٦» إِلَّا بَشَرٌ) والعرب إلى التثنية أسرع منهم إلى جَمعه لأن الواحد قد يكون فى معنى
стр. 575
الجمع ولا يكون فِي معنى اثنين ألا ترى أنك تَقُولُ: كم عندك من درهم ومن دراهم، ولا يَجوز:
كم عندك من درهمين. فلذلك كثرت التثنية ولم يُجمع.
وقوله: وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ [٨٨] ذكروا أنَّهم قَدمِوا مصر ببضاعة، فباعوها بدراهم لا تَنْفُق فِي الطعام إِلَّا بغير سعر الجياد، فسألوا يوسف أن يأخذها منهم ولا ينقصهم. فذلك قوله:
(فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا) بفضل ما بين السِّعرين.
وقوله: يَأْتِ بَصِيراً [٩٣] أي يرجع بَصِيرًا.
وقوله: لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ [٩٤] يقول: تكذّبون وتُعَجِّزون وتضعفِّون.
وقوله: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [٩٨] قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ «١» (عَن) شريك عَن السُّدِّي فِي هذه الآية أخرهم «٢» إلى السّحر (قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا «٣» وَزَادَنَا حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ) لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ.
وقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [١٠٥] فآيات السَّموات الشمسُ والقمر والنجوم. وآيات الأرض الجبال والأنهار وأشباه ذَلِكَ.
وقوله: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [١٠٦] يقول: إذا سألتهم مَن خلقكم؟
قالوا: الله، أو من رزقكم؟ قالوا: الله، وهم يشركون بِهِ فيعبدونَ الأصنام. فذلك قوله:
(وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) .
وقوله: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [١٠٨] يقول: أنا ومن اتّبعني، فهو يدعو على بصيرة كما أدعو.
وقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [١٠٩] أُضِيفت الدار إلى الآخرة وهي الآخرة وقد تضيف العرب الشيء
стр. 576
إلى نفسه إذا اختلف لفظه كقوله (إِنَّ «١» هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) والحق هُوَ اليقين. ومثله أتيتك بارحة الأولى، وعام الأوَّل وليلة الأولى ويوم الخميس. وجميعُ الأيّام تُضافُ إلى أنفسها لاختلاف لفظها. وكذلك شهر ربيع. والعربُ تَقُولُ فِي كلامها- أنشدني بعضهم-:
أَتَمْدَحُ فَقْعَسًا وتَذمّ عَبْسًا ... أَلا لِلَّهِ أُمُّكَ من هَجِين «٢»
ولو أقوت «٣» عَلََيْكَ ديارُ عَبْس ... عرفتَ الذُّلَّ عِرفان اليقين
وإنَّما معناهُ عرفانًا ويقينًا.
وقوله: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا [١١٠] .
خفيف. وقرأها أهل المدينة بالتثقيل، وقرأها ابنُ عباس بالتخفيف، وفسّرها: حَتَّى إذا استيأس الرُّسُل من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومُهم أن الرسل قد كُذِبوا جاءهم نصرنا. وحُكِيَت عَن عبد الله (كُذِّبُوا) مشدّدة وقوله: (فنجى من نشاء) القراءة بنونين «٤» والكتابُ أَتى بنون واحدة. وقد قرأ عاصم (فنجّى من نشاء) فجعلها نونًا، كأنه كره زيادة نون ف (مَنْ) حينئذ فِي موضع رفع. وأمّا الَّذِينَ قرءوا بنونين فإن النون الثانية، تخفى ولا تخرج من موضع الأولى، فلمّا خفيت حذفت، ألا ترى أنك لا تَقُولُ فننجي بالبيان. فلمّا خفيت الثانية حذفت واكتفى بالنون الأولى منها، كما يكتفى بالحرف من الحرفين فيدغم ويكون كتابُهما واحدًا.
وقوله: مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ [١١١] منصوب، يُرادُ بِهِ: ولكن كَانَ تصديقَ ما بين يديه من الكتب: التوراة والإنجيل. ولو رفعت التصديق كَانَ صوابًا كما تَقُولُ: ما كان
стр. 577
هذا قَائِمًا ولكن قاعدًا وقاعد. وكذلك قوله: (مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ) و (رَسُولَ اللَّهِ) فَمن رفع لَمْ يُضْمر كان «١» أراد: ولكن هو رسول الله.
ومن سورة الرعد
قول الله جلّ وعزّ: الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها «٢» .
جاء فِيهِ قولان. يقول: خلقها مرفوعة بلا عمدٍ، ترونها: لا تَحتاجونَ مع الرؤية إلى خبر.
وَيُقال: خلقها بِعَمَدٍ لا ترونها، لا ترون تِلْكَ الْعَمَد. والعربُ قد تقدم الحجة من آخر الكلمة إلى أوّلها: يكون ذَلِكَ جائزًا. أنشدني بعضهم:
إذا أعجبتك الدهر حالٌ من امرئ ... فدَعْه وواكِل حالَه واللياليا
يجئنَ على ما كَانَ من صالِحٍ بِهِ ... وإن كَانَ فيما لا يرى الناس آليا «٣»
معناهُ وإن كَانَ (فيما يرى «٤» ) الناس لا يألو. وقال الآخر:
ولا أراها تزالُ ظالِمةً ... تُحدث لى نكبة وتنكؤها «٥»
ومعناها: أراها لا تزال.
وقوله قبل هذه الآية: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ [١] فموضع (الَّذِي) رفع تستأنفه على الحق، وترفع كل واحد بصاحبه. وإن شئت جعلت (الَّذِي) فى موضع خفض تريد: تلك
стр. 578
آيات الكتاب وآيات الَّذِي أنزل إليك من ربك فيكون خفضًا، ثُمَّ ترفع (الحق) أي ذَلِكَ الحق، كقوله فِي البقرة (وَإِنَّ «١» فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) فنرفع على إضمار ذَلِكَ الحق أو هُوَ الحق. وإن شئت جعلت (الَّذِي) خفضًا فخفضت (الحق) فجعلته من صفة الَّذِي ويكون (الَّذِي) نعتًا للكتاب مردودًا عَلَيْهِ وإن كَانَت فِيهِ الواو كما قَالَ الشاعر:
إلى الملكِ الْقَرْمِ وابن الهمام ... وليث الْكَتِيبة فِي الْمُزْدَحَمِ «٢»
فعطف بالواو وهو يريدُ واحدًا. ومثله فِي الكلام: أتانا هذا الحديث عَن أبي حَفْص والفاروق وأنت تريد عمر بن الخطاب ﵀.
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ [٣] أي بسط الأرض عَرْضًا وطولًا.
وقوله: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) الزوجان اثنان الذكر والأنثى والضربان. يُبيّن ذَلِكَ قوله (وَأَنَّهُ خَلَقَ «٣» الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) فتبيّن أنَّهُمَا اثنان بتفسير الذكر والأنثى لَهما.
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ [٤] يقول: فيها اختلاف وهي مُتجاورات: هذه طيّبة تُنبت وهذه سَبَخَة لا تُخرج شيئًا.
ثُمَّ قال: (وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ) فلك فِي الزرع وما بعده الرفع. ولو خفضت كَانَ صَوَابًا. فمن رفع جعله مردودًا على الجنات ومن خفض جعله مردودًا على الأعناب أي من أعناب ومن كذا وكذا.
وقوله: (صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ) الرفعُ فِيهِ سَهل لأنه تفسير لحال النخل. والقراءة بالخفض «٤» ولو كَانَ رفعًا كَانَ صوابًا. تريد: منه صنوان ومنه غير صنوان. والصّنوان النّخلات يكون
стр. 579
أصْلُهنَّ واحدًا. وجاء فِي الحديث عَن النَّبِيّ ﷺ : إنّ عَمّ الرجل صِنْو أبيه ثُمَّ قَالَ: (تُسْقَى بِماءٍ واحِدٍ) و (يُسْقى) «١» فمن قَالَ بالتاء ذهبَ إلى تأنيث الزروع والجِنَّات والنخل. ومن ذكَّر ذهبَ إلى النبت: ذَلِكَ كله يسقى بِماء واحدٍ، كله مختلف: حامض وحلو.
ففي هذه آية.
وقوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [٦] يقول: يستعجلونك بالعذاب وهم آمنون لَهُ، وهم يرونَ العقوبات المثُلات فِي غيرهم مِمّن قد مضى.
هي الْمَثُلَات وتَميم تَقُولُ: الْمُثْلات، وكذلك قوله: (وَآتُوا «٢» النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ) حجازية. وتَمِيم:
صُدْقَات، واحدها «٣» صُدْقَة. قَالَ الفراء: وأهل الحجاز يقولون: أعطها صدقتها، وتميم نقول:
أعطها صُدْقتها فِي لغة تَميم.
وقوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [٧] قَالَ بعضهم: نبيّ. وقال بعضهم: لكل قومٍ هادٍ يَتَّبِعُونَهُ، إِمَّا بِحقٍ أَو بباطل.
وقوله: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ [٨] (تَغِيضُ) يقول: فما تنقص من التسعة الأشهر التي هي وقت الحمل (وَما تَزْدادُ) أي تزيد على التسعة أو لا ترى أن العرب تَقُولُ: غاضت المياهُ أي نقصت. وَفِي الحديث «٤» : إذا كَانَ الشتاء قيظًا، وَالْوَلَدُ غيظًا، وغاضت الكرامُ غَيْضًا وفاضت اللئامُ فيضًا. فقد تبيّن النقصانُ فِي الغيض.
وقوله: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ [١٠] . (من) و (من) فى موضع
стр. 580
رفع، الذي رفعهما جميعا سواء، ومعناهما: أن من أسرَّ القولَ أو جهر بِهِ فهو يعلمه، وكذلك قوله:
(وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ) أي ظَاهِرٌ بالنهار. يقول: هُوَ يعلمُ الظاهِر والسر وكلٌّ عنده سواء.
وقوله: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ [١١] المعقِّبَات: الملائكة، ملائكة الليل تُعَقِّب ملائكة النَّهار «١» يحفظونه. والمعقِّبَات: ذُكران إِلَّا أَنَّهُ جميع جَمع ملائكة معقبَّة، ثُمَّ جُمِعَتْ معقبَّة، كما قَالَ: أبناوات سَعْدٍ «٢» ، ورجالات جَمع رجال.
ثُمَّ قَالَ (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) فرجع إلى التذكير الَّذِي أخبرتك وهو المعنى.
والمعقِّبَات من أمر الله يَحفظونه، وليس يُحفظ من أمره إنَّما هُوَ تقديم وتأخير والله أعلم، ويكون (يَحْفَظُونَهُ) ذَلِكَ الحفظ من أمر الله وبأمره وبإذنه كما تَقُولُ للرجل: أجيئك مِنْ دعائك إِيَّاي وبدعائك إيَّاي وَاللَّهُ أعلم بصواب ذَلِكَ.
وقوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً: [١٢] خوفًا على المسافر وطمعًا للحاضر.
وقوله: (وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ) السحاب وإن كَانَ لفظه واحدًا فإنه جمع، واحدته سَحَابة. جُعل نعته على الجمع كقوله (مُتَّكِئِينَ «٣» عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ) ولم يقل:
أَخضر، ولا حسن، ولا الثقيل، للسحاب. ولو أتى بشيء من ذَلِكَ كَانَ صوابًا كقوله: (جَعَلَ لَكُمْ «٤» مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) فإذا كَانَ نعت شيء من ذا يرجع إلى صغر أو كبر لَمْ تقله إلَّا على تأويل الجمع. فمن ذَلِكَ أن تَقُولُ: هذا تمر طيّب، ولا تقول تمر
стр. 581
صغير ولا كبير من قبل أن الطيب عامٌّ فِيهِ، فوحِّد، وأن الصغر والكبر والطول والقِصَر فِي كل تَمرة على حدتها.
قوله: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ: [١٤] لا إله إلا الله (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) يعني الأصنام لا تُجيبُ داعيها بشيء إلا كما ينال الظمآن المشرف على ماء لَيْسَ معه ما يستقي بِهِ. وَذَلِكَ قوله :
(إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ) ثُمَّ بَيَّن الله ذَلِكَ فقال: (لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ) .
وقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً: [١٥] فيقالُ: مَنِ الساجد طوعًا وكرهًا من أهل السموات والأرض؟ فالملائكةُ «١» تسجدُ طوعًا، ومن دخل فِي الإسلام رغبة فِيهِ أو وُلِد عَلَيْهِ من أهل الأرض فهو أيضًا طائع. ومن أُكْرِه على الإسلام فهو يسجدُ كَرْهًا (وَظِلالُهُمْ) يقول: كل شخصٍ فظِلّه بالغداة والعشي يسجد معه. لأن الظلّ يَفِيء بالعَشيّ فيصير فَيْئًا يسجد.
وهو كقوله: (عَنِ الْيَمِينِ «٢» وَالشَّمائِلِ) فِي المعنى والله أعلم. فمعنى الجمع والواحد سواء.
قوله: أَمْ هَلْ تَسْتَوِي «٣» الظُّلُماتُ وَالنُّورُ [١٦] : ويقرأ (أَمْ هَلْ يَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) وتقرأ (تَسْتَوِي) بالتاء. وهو قوله: (وَأَخَذَ الَّذِينَ «٤» ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) وَفِي موضع آخر:
(وَأَخَذَتِ «٥» ) .
وقوله: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [١٧] :
ضربه مثلًا للقرآن إذا نَزَلَ عليهم لقوله: (فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها) يقول قبلته القلوب بأقدارها وأهوائها.
стр. 582
وقوله: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً) يذهب لا منفعة له، كذلك ما سكن فِي قلب من لَمْ يؤمن وعبد آلهته وصارَ لا شيء فِي يده (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) فهذا مَثَلُ المؤمن.
ثُمَّ قَالَ : (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) من الذهب والفضة والنُّحاس زَبَد كزَبَد السيل يعني خَبثه الَّذِي تُحصّله النار فتخرجه من الذهب والفضَّة بِمنزلة الزَّبَدِ فِي السيل.
وأمَّا قوله: (ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ) يقول: يوقدونَ عَلَيْهِ فِي النار يبتغونَ بِهِ الْحُلِيَّ والمتاع ما يكون من النحاس والحديد هو زبد مثله.
وقوله: (فَيَذْهَبُ جُفاءً) ممدود أصله الْهَمْز يقول: جَفأ الوادي غُثَاءه «١» جَفْئا. وقيل: الجفاء:
كما قيل: الْغُثَاء: وكل مصدر اجتمع بعضه إلى بعض مثل الْقُماش «٢» والدُّقاق «٣» والغُثَاء والحُطَام فهو مصدر. ويكون فِي مذهب اسم على هذا المعنى كما كَانَ العطاء اسمًا على الإعطاء، فكذلك الْجُفَاءُ والقماش لو أردت مصدره قلت: قمشته قمشًا. والجُفَاء أي يذهب سريعًا كما جاء.
وقوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ [٢٣] سَلامٌ عَلَيْكُمْ [٢٤] .
يقولون: سَلام عليكم. القول مضمر كقوله: (وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ «٤» عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا [٢٧] أي يقولون: ربنا ثُمَّ تركت
وقوله: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [٢٧] .
أي يوسع وَيَقْدِر (أي «٥» يَقْدِر ويقَتِّر) ويُقال يبسط الرزق لِمن يشاء ويقدر لَهُ فِي ذلك أي
стр. 583
يخير «١» لَهُ. قَالَ ابن عباس: إن الله خلق الخلق وهو بِهم عالِم، فجعل الغنى لبعضهم صلاحا والفقر لبعضهم صلاحا، فذلك الخيارُ للفريقين.
وقوله: طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [٢٩] رفع «٢» . وَعَلَيْهِ القراءة. ولو نصب طُوبى والحسن كَانَ صَوَابًا كما تَقُولُ العرب: الحمدُ لله والحمدَ لِلَّهِ. وطوبى وإن كانت اسمًا فالنصبُ يأخذها كما يُقال فِي السبّ: الترابُ لَهُ والترابَ لَهُ. والرفع فِي الأسماء الموضوعة أجود من النصب.
وقوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [٣١] لَمْ يأت «٣» بعده جواب لِلَوْ فإن «٤» شئت جعلت جوابها متقدّما: وهم يكفرون- ٨٦ ب ولو أنزلنا عليهم الَّذِي سألوا. وإن شئت كَانَ جوابه متروكًا لأن أمره معلوم: والعربُ تَحذف جواب الشيء إذا كَانَ معلومًا إرادةَ الإيجاز، كما قال الشاعر:
وأقسم لو شَيْء أتانا رَسولُه ... سواكَ ولكن لَمْ نَجد لك مَدْفَعا
وقوله: (بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) قَالَ المفسرونَ: ييأس: يعلم. وهو فِي المعنى على تفسيرهم لأن الله قد أوقع إلى المؤمنين أَنَّهُ لو يشاء الله لَهَدى الناس جَميعًا فقال: أفلم ييأسوا عِلْمًا. يقول: يؤيسهم العلم، فكان فيهم «٥» العلم مضمرًا كما تَقُولُ فِي الكلام: قد يئست منك ألا تفلح علما كأنك قلت: علمته علما.
стр. 584
وقال الْكَلْبِيِّ عَن أَبِي صالِح عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ييأس فِي معنى يعلم لغة للنَخَع. قَالَ الفراء: ولم نَجدها فِي العربية إلا على ما فسّرت. وقول الشاعر «١» :
حَتَّى إِذَا يئسَ الرماة وَأَرْسَلُوا ... غُضْفًا دواجِنَ قافِلًا أعصامها
معناهُ حَتَّى إذا يئسوا من كل شيء مما يُمكن إلا الَّذِي ظهرَ لَهُم أرسلوا. فهو معنى حتى إذا علمُوا أن لَيْسَ وجه إلا الَّذِي رأوْا أرسلوا. كَانَ ما وراءه يأسًا.
وقوله: (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ) القارعة: السريّة من السرايا (أَوْ تَحُلُّ) أنت يا مُحَمَّد بعسكرك (قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ) .
وقوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [٣٣] . ترك جوابه ولم يقل: ككذا وكذا لأن المعنى مَعلوم. وقد بيّنه ما بعده إذ قال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ) كأنه فِي المعنى قَالَ:
كشركائِهم الَّذِينَ اتخذوهم، ومثله قول الشاعر:
تَخَيَّرِي خُيِّرت أُمَّ عالِ ... بين قصير شَبْرُه تِنْبَالِ «٢»
أذاكِ أم منخرق «٣» السربال ... ولا يزال آخر الليالي
مُتلِفَ مال ومفيدَ مال تخّيري بين كذا وبين منخرق السربال. فلمّا أن «٤» أتى بِهِ فِي الذكر كفى من إعادة الإعراب «٥» عليه.
стр. 585
وقوله: (فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) باطل «١» المعنى، أي أَنَّهُ ظاهر فِي القول باطل المعنى.
ويقرأ: (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ) وبعضهم (وَصَدُّوا) يجعلهم «٢» فاعلين.
وقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [٣٥] يقول: صفات الجنة. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشْيَخَةِ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَرَأَهَا: (أَمْثَالُ الْجَنَّةِ) قَالَ الْفَرَّاءُ أَظُنُّ دُونَ «٣» أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَجُلا قَالَ: وَجَاءَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ذَلِكَ وَالْجَمَاعَةُ عَلَى كِتَابِ الْمُصْحَفِ.
وقوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) هُوَ الرافع. وإِن شئت للمَثَل الأمثال فِي المعنى كقولك:
حِلْية فلان أسمر وكذا وكذا. فليس الأسمر بِمرفوع بالحلية، إنَّما هُوَ ابتداء أي هُوَ أحمر أسمر، هُوَ كذا.
ولو دخل فِي مِثْل هذا أنّ كَانَ صوابًا. ومثله فِي الكلام مَثَلك أنك كذا وأنك كذا. وقوله:
(فَلْيَنْظُرِ «٤» الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا) من وَجْه (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) ومن قال (أَنَّا صَبَبْنَا «٥» الْماءَ) بالفتح أظهر «٦» الاسم لأنه مردودٌ على الطعام بالخفض أو مستأنف أي طعامُه أنا صَببنا ثم فعلنا.
وقوله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [٣٨] جاء التفسير: لكل كتاب أجل. ومثله (وَجاءَتْ «٧» سَكْرَةُ
стр. 586
الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) وَذَلِكَ عَنْ أبي بكر الصديق ﵀: (وجاءت سكرة الموت بالحقّ) لأن الحقّ ٨٧ اأتى بِهَا وتأتي بِهِ. فكذلك تَقُولُ: لكلِّ أجلٍ مؤجل ولكل مؤجَّل أجل والمعنى واحد والله أعلم.
قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [٣٩] (وَيُثَبِّتُ) مشدّد قراءة أصحاب عبد الله وتقرأ و (يُثْبِتُ «١» ) خفيف. ومعنى تفسيرها أَنَّهُ- تُرفع إِلَيْهِ أعمال العبد صغيرها وكبيرها، فيثبت ما كَانَ فِيه عقاب أو ثواب ويَمْحو ما سوى ذَلِكَ.
وقوله: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [٤٠] وأنت حىّ.
(أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) يكون بعد موتك (فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ) .
وقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [٤١] جاء: أو لَمْ ير أهل مكة أنا نفتحُ لك «٢» ما حولَها. فذلك قوله (نَنْقُصُها) أي أفلا يَخافونَ أن تنالَهم. وقيل (نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) بموت العلماء.
وقوله: (لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) يقول: لا رادّ لِحُكْمِهِ إذا حَكَم شيئًا «٣» والمعقب الَّذِي يَكُرّ على الشيء. وقول لبيد:
حَتَّى تهجَّر فِي الرَّوَاحِ وَهَاجَهُ ... طلبُ المعقِّب حَقَّهُ المظلومُ «٤»
من ذَلِكَ لأن (المعقِّب صاحب الدين يرجع على صاحبه فيأخذه منه، أو من أُخِذَ منه شيء فهو راجع ليأخذه.
стр. 587
وقوله: وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ [٤٢] على الجمع «١» وأهل المدينة (الكافِر) .
وقوله: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [٤٣] يُقال عبد الله بن سَلَام. وَ (مِنْ عِنْدِه «٢» ) خفض مردود على الله . حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ رَفَعَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ يُسْلِمُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَتْلُو (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكتاب) وَيَقْرَأُ (وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ من (من) .
ومن سورة إبراهيم
قَوْل الله : إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [١] اللَّهِ الَّذِي [٢] .
يُخْفض فِي الإعراب ويُرْفع «٣» . الخفضُ على أن تُتبعه (الْحَمِيدِ) والرّفع عَلَى الاستئناف لانفصاله من الآية كقوله (إِنَّ «٤» اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) إلى آخر الآية، ثم قال (التَّائِبُونَ «٥» ) وفى قراءة عبد الله (التائِبينَ) كل ذَلِكَ صواب.
وقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [٤] .
يقول: ليفهمهم وتلزمَهم الْحُجَّة. ثُمَّ قَالَ (فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ) فرفع لأن النيّة فِيهِ الاستئنَاف لا العطف عَلَى مَا قَبْلَه. ومثله (لِنُبَيِّنَ «٦» لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ) ومثله
стр. 588
فى براءة (قاتِلُوهُمْ «١» يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) ثم قال (وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) فإذا رأيت الفعل منصوبًا وبعده فعل قد نُسِقَ عَلَيْهِ بواو أو فاء أو ثُمَّ أو أوْ فإن كَانَ يشاكل معنى الفعل الذي قبله نسقته عليه. وإن رأيته غير مشاكِل لمعناهُ استأنفته فرفعته.
فمن المنقطع ما أخبرتُكَ بِهِ. ومنه قول الله (وَاللَّهُ «٢» يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ) رفعت (وَيُرِيدُ الَّذِينَ) لأنها لا تشاكل (أَنْ يَتُوبَ) ألا ترى أَنَّ ضمّك إيَّاهُمَا لا يَجوز، فاستأنفت أو رددته عَلَى قوله (وَاللَّهُ يُرِيدُ) ومثله (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ «٣» ) فيأبَى فِي موضع رفع لا يَجوز إلا ذَلِكَ.
ومثله قوله:
والشعر لا يَسْطيعُه من يظلمه ... يريد أن يعربه فيُعجِمُه «٤»
وكذلك تَقُولُ: آتيك أن تأتيني وأكرمك فتردّ (أكرمكَ) عَلَى الفعل الأول لأنه مُشاكل لَهُ وتقول آتيك أن تأتِيَني وتحسنَ إليّ فتجعل (وتحسن) مردودًا عَلَى ما شاكلها ويُقاس عَلَى هذا.
وقوله: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [٥] .
يقول: خوّفهم بأيَّام عادٍ وثَمُود وأشباههم بالعذاب وبالعفو عَن آخرين. وهو فِي المعنى كقولك:
خذهم بالشدّة واللين.
وقوله هاهنا: وَيُذَبِّحُونَ [٦] وفى موضع آخر (يذبحون «٥» ) بغير واو وفى موضع آخر
стр. 589
(يقتلون «١» ) بغير واو. فمعنى الواو أنَّهم يَمسُّهم العذابُ غير التذبيح كأنه قَالَ: يعذبونكم بغير الذبح وبالذبح. ومعنى طرح الواو كأنه تفسير لصفات العذاب. وإذا كَانَ الخبر من العذاب أو الثواب مُجْمَلًا فِي كلمة ثُمَّ فسرته فاجعله بغير الواو. وإذا كَانَ أوّله غير آخره فبالواو. فمن المجمل قول الله (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ «٢» يَلْقَ أَثاماً) فالأثام فِيهِ نيّة العذاب قليله وكثيره. ثُمَّ فسَّره بغير الواو فقال (يُضاعَفْ «٣» لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) ولو كَانَ غير مُجمل لَمْ يكن ما لَيْسَ بِهِ تفسيرًا لَهُ، ألا ترى أنك تَقُولُ عندي دابتَّان بغلٌ وبِرْذَوْن ولا يَجوز عندي دابتَّان وبغل وبِرذَوْنٌ وأنت تريدُ تفسير الدَّابتين بالبغل والبِرذون، ففي هَذَا كفاية عَمَّا نترك من ذَلِكَ فقس عَلَيْهِ.
وقوله (وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) يقول: فِيما كَانَ يَصْنعُ بكم فرعونُ مِنْ أصْنَافِ الْعَذَابِ بلاء عظيم من الْبَليَّة. ويُقال: فى ذلكم نعم من ربّكم عظيمة إذ أنجاكم منها. والبَلاء قد يكون نعمًا، وعذابًا. ألا ترى أنك تَقُولُ: إن فلانًا لحسن البلاء عندك تريدُ الإنعام عليك.
وقوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [٧] معناهُ: أعلم ربّكم ورُبَّما قالت العرب فِي معنى أفعلت تفعَّلت فهذا من ذَلِكَ والله أعلم. ومثله: أوعدني وتوعَّدني وهو كَثِير.
وقوله فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [٩] جاء فيها أقاويل. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ:
حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الرَّسُولُ قَالُوا لَهُ:
اسْكُتْ وَأَشَارُوا بِأَصَابِعِهِمْ إِلَى أَفْوَاهِ أَنْفُسِهِمْ كَمَا تُسَكِّتُ أَنْتَ- قَالَ: وأشار لنا الفراء بأصبعه السبابة عَلَى فِيهِ- ردًّا عليهم وتكذيبًا. وقال بعضهم: كانوا يكذّبونهم ويردّونَ القول بأيديهم إلى أفواهِ الرسل وأشار لنا الفراء هكذا بظهر كفه إلى من يُخاطبه. قَالَ: وأرانا ابن عبد الله الإشارة فى الوجهين (وأرانا «٤» الشيخ ابن العباس بالإشارة بالوجهين) وقال بعضهم: فردّوا
стр. 590
أيديهم فى أفواههم يقول رَدُّوا ما لو قبلوه لكان نِعَمًا وأيادي من الله فِي أفواههم، يقول بأفواههم أي بألسنتهم. وقد وجدنا من العرب من يجعل (فِي) موضع الباء فيقول: أدخلك الله بالجنَّة يريد:
فِي الجنة. قَالَ: وأنشدني بعضهم:
وأرغب فيها عَن لَقِيطٍ ورَهْطه ... ولكنني عَن سِنْبِس لستُ أرغبُ
فقال: أرغب فيها يعني بنتا له. أي إنى أرغبُ بِهَا عَن لقيط «١» .
وقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [١٣] قال (أَوْ لَتَعُودُنَّ) فجعل فيها لا ما كجواب اليمين وهي فِي «٢» معنى شرط، مثله من الكلام أن تَقُولَ: والله لأضربنّك أو تُقِرَّ لي: فيكون معناهُ معنى حَتَّى أو إلا، إِلَّا أنَّها جاءت بِحرف نَسَق. فمن العرب من يَجعل الشرط مُتْبعًا للذي قبله، إن كانت فِي الأول لام كَانَ فِي الثاني لام، وإن كَانَ الأول منصوبًا أو مجزومًا نَسَقوا عَلَيْهِ كقوله: (أَوْ لَتَعُودُنَّ) ومن العرب من ينصب ما بعد أوْ ليُؤذن نصبُه بالانقطاع عمّا قبله. وقال الشاعر «٣» :
لَتقعُدِنَّ مَقعدَ الْقَصِيِّ ... مِنِّي ذي القاذُورة الْمَقْلِيّ
أَوْ تحلفي بربِّك العليِّ ... أَنِّي أَبُو ذيَّالِكِ الصبيّ
فنصب (تحلفي) لأنه أراد: أن تحلفي. ولو قال أو لتحلفنّ كَانَ صوابًا ومثله قول امرئ القيس:
بكى صاحبي لَمَّا رأى الدرب دونه ... وأيقنَ أنّا لاحقان بقيصرا «٤»
стр. 591
فقلت له لا تبك عينك إما ... نُحاولُ مُلْكًا أَوْ نَموتَ فَنُعْذرا
فنصب آخره ورفع (نُحاول) عَلَى معنى إِلا أو حَتَّى. وَفِي إحدى القراءتين: (تُقَاتِلُونَهُمْ «١» أَوْ يُسْلِمُوا) والمعنى- والله أعلم- تقاتلونَهم حَتَّى يُسلموا. وقال الشاعر «٢» :
لا أستطيعُ نُزوعًا عَن مودّتها ... أَوْ يصنعَ الحبُّ بي غير الَّذِي صَنَعا
وأنت قائل فِي الكلام: لست لأبي إن لَمْ أقتلك أو تسبقَْني فِي الأرض فتنصب (تسبقني) وتجزمها. كأنّ الجزم فِي جوازه: لستُ لأبي إن لَمْ يَكن أحدُ هذين، والنصبُ عَلَى أنّ آخره منقطع عَن أوله كما قالوا: لا يسعُني شيء ويَضيقَ عنك، فلم يَصْلُح أن تردّ (لا) عَلَى (ويضيق) فعلم أنها منقطعة من معناها. كذلك قولُ العرب: لو تُرِكْتَ وَالأسَدَ لأكلك لَمَّا جاءت الواو ترُدُّ اسمًا عَلَى اسم قبله، وقبح أن تردّ الفعل الَّذِي رَفَع الأوّل عَلَى الثاني نصب ألا ترى أنك لا تَقُولُ لو تُركت وتُرك الأسدُ لأكلك. فمِن هاهنا أتاهُ النصب. وجاز الرفع لأن الواو حرف نَسَق معروف فجاز فِيهِ الوجهان للعلتين.
وقوله: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي [١٤] معناهُ: ذَلِكَ لمن خاف مقامه بين يَدَيّ ومثله قوله:
(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ «٣» ) معناهُ: رزقي إِيَّاكُم أنكم تكذِّبُون والعرب تُضيف أفعالها إلى أنفسها وإلى ما أوقعت عَلَيْهِ، فيقولون: قد ندمت عَلَى ضربي إيّاك وندمت عَلَى ضربك فهذا من ذَلِكَ وَاللَّهُ أعلم.
وقوله: وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ [١٧] فهو يُسيغه. والعربُ قد تجعل (لا يَكادُ) فيما قد فُعل وفيما لَمْ يُفعل. فأمَّا ما قد فُعِل فهو بَيّن هنا من ذَلِكَ لأن الله يقول لَمَّا جعله لهم طعاما
стр. 592
(إِنَّ «١» شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ) فهذا أيضًا عذاب فِي بطونِهم يُسيغونه. وأَمَّا ما دخلت فِيهِ (كاد) ولم يفعل فقولك فِي الكلام: ما أتيته ولا كدِتُ، وقول الله فِي النور (إِذا «٢» أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها) فهذا عندنا- والله أعلم- أَنَّهُ لا يراها. وقد قَالَ ذَلِكَ بعضُ الفقهاء لأنَّها لا تُرى فيما هُوَ دون هَذَا من الظلمات، وكيفَ بِظلمات قد وُصفت بأشدّ الوصف.
وقوله: ويأتيه الموت من كلّ مكان: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ: قَالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (يأتيه الموت) يَعْنِي: يَأْتِيهِ الْعَذَابُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ. حَدَّثَنِي هشيم عَن العوام بن حوشب عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ قَالَ: من كل شَعَرة.
وقوله: (وَما هُوَ بِمَيِّتٍ) العربُ إذا كَانَ الشيء قد مات قالوا: ميْت وميِّت. فإن قالوا:
هُوَ ميت إن ضربته قالوا: مائت وميّت. وقد قرأ بعضُ القراء (إِنَّكَ «٣» مَائِتٌ وَإِنَّهُمْ مَائِتُون) وقراءة العوام عَلَى (ميّت) . وكذلك يقولون هَذَا سيّد قومه وما هُوَ بسائدهم عَن قليل، فيقولون:
بسائدهم وسيّدهم، وكذلك يفعلونَ فِي كل نعت مثل طمع، يقال: طَمِعٌ إذا وُصف بالطمع، ويُقال هُوَ طامع أن «٤» يُصيب منك خيرًا، ويقولون: هُوَ سكران إذا كَانَ فِي سكره، وما هُوَ ساكر عَن كثرة الشراب، وهو كريم إذا كَانَ موصوفًا بالكرم، فإن نويت كَرَمًا يكون منه فيما يُستقبل قلت: كارم.
وقوله: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ [١٨] .
أضافَ الْمَثَلَ إليهم ثُمَّ قَالَ (أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ) والمثل للأعمال والعرب تفعل
стр. 593
ذَلِكَ: قَالَ الله (وَيَوْمَ «١» الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) والمعنى تَرَى وجوهَهم مسودّة. وَذَلِكَ عربيّ لأنَّهم يَجدونَ المعنى فِي آخر الكلمة فلا يبالونَ ما وقع عَلَى الاسم المبتدأ. وَفِيهِ أن تكرَّ ما وقع عَلَى الاسم المبتدأ عَلَى الثاني كقوله (لَجَعَلْنا لِمَنْ «٢» يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً) فأعِيدَت اللام فِي البيوت لأنَّها التي تُرادُ بالسقف ولو خفضت ولم تظهر اللام كَانَ صوابا كما قال الله (يَسْئَلُونَكَ «٣» عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ) .
فلو خفض قارئ الأعمال فقال (أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ) كَانَ جائزًا ولم أسمعه في القراءة. وقد أنشدني بعضهم:
ما للجمَالِ مَشْيِهَا وئيدًا ... أجندلًا يحملن أَمْ حديدًا «٤»
أرادَ ما للجمال ما لمشيها وئيدًا. وقال الآخر «٥» :
ذرِيني إِن أمركِ لن يُطاعا ... وما ألفيتني حِلْمِي مُضَاعَا
فالحلمُ منصوبٌ بالإلقاء عَلَى التكرير ولو رفعته كَانَ صَوَابًا.
وقال (فِي يَوْمٍ عاصِفٍ) فجعل العصوف تابعًا لليوم فِي إعرابه، وإنَّما العصُوف للريح. وَذَلِكَ جائز عَلَى جهتين، إحداهما أن العصوفَ وإن كَانَ للريح فإن اليوم يوصف بِهِ لأن الريح فِيهِ تكون، فجاز أن تَقُولَ يوم عاصف كما تَقُولُ: يوم بارد ويوم حار. وقد أنشدني بعضهم:
يومين غيمين ويوما شمسا
стр. 594
فوصف اليومين بالغيمين وإنَّما يكون الغيم فيهما. والوجه الآخر أن يريد فِي يوم عَاصِفِ الريحِ فتحذف الريح لأنَّها قد ذكرت فِي أوّل الكلمة كما قَالَ الشاعر:
فيضحكُ عرفانَ الدروع جلودُنا ... إذا جاء يوم مظلمُ الشمس كاسفُ
يريد كاسف الشمس فهذان وجهان. وإن نويت أن تجعل (عاصف) من نعت الريح خاصَّة فلما جاء بعد اليوم أتبعته إعراب اليوم وَذَلِكَ من كلام العرب أن يُتبعوا الخفض الخفض إذا أشبهه.
قَالَ الشاعر:
كأَنَّما ضربت قدّام أعينِها ... قُطْنا بِمستحصِد الأوتارِ محلوج «١»
وقال الآخر «٢» :
تريكَ سُنَّة وجه غيرِ مُقرفَةٍ ... مَلْسَاءَ لَيْسَ بِهَا خال وَلَا نَدَبُ
قَالَ: سمعتُ الفراء قَالَ: قلت لأبي ثَرْوان وقد أنشدني هَذَا البيت بِخفض: كيف تَقُولُ: تريكَ سُنَّة وجه غير مقرفة؟ قَالَ: تريكَ سنّة وجه غَيْرَ مقرفة. قلت لَهُ: فأنشد فخفض (غير) فأعدتُ القول عَلَيْهِ فقال: الَّذِي تَقُولُ أنت أجود مِمّا أقول أنا وَكَانَ إنشاده عَلَى الخفض. وقال آخر «٣» :
وإيَّاكم وَحَيَّةَ بطنِ وادٍ ... هَمُوزِ النابِ ليسَ لكم بِسِيّ
وَمِمَّا يرويه نحويُّونا الأوَّلون أن العرب تَقُولُ: هَذَا جُحْرُ ضَبّ خَرِبٍ. والوجهُ أن يقول:
سُنَّةَ وجه غيْرَ مقرفة، وحَيَّةَ بطنِ واد هَموزَ النابِ، وهذا جُحْرٍ ضبّ خربٌ. وقد ذكر عن
стр. 595
يَحْيَى بن وثّاب أَنَّهُ قرأ (إِنَّ «١» اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) فخفض المتين وبه أَخَذَ الأعمش.
والوجه أن يرفع (المتين) أنشدني أَبُو الْجَرّاح الْعُقَيْلي:
يا صاحِ بَلِّغ ذَوِي الزوجَاتِ كُلِّهم ... أن لَيْسَ وصلٌ إذا انحلّت عُرا الذَّنْب «٢»
فأتبع (كل) خفض (الزوجات) وهو منصوب لأنه نعت لذوي.
وقوله: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [٢٢] أي الياء منصوبة لأن الياء من المتكلم تسكن إذا تَحرك ما قبلها وتُنصب إرادة الْهَاء «٣» كما قرئ (لَكُمْ «٤» دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (ولي دين) فنصبت وجُزِمت. فإذا سَكن ما قبلها رُدّت إلى الفتح الَّذِي كَانَ لَهَا. والياء من (مُصْرِخِيّ) ساكنة والياء بعدها من المتكلم سَاكنة فحرِّكت إلى حَركة قد كانت لَهَا. فهذا مُطَّرِد فِي الكلام.
ومثله (يَا بَنِيَّ «٥» إِنَّ اللَّهَ) ومثله (فَمَنْ تَبِعَ «٦» هُدايَ) ومثله (مَحْيايَ «٧» وَمَماتِي) .
وقد خفض الياء من قوله (بِمُصْرِخِيّ) الأعمش «٨» ويحيى بن وثَّاب جَميعًا. حَدَّثَنِي القاسم بن مَعْن عَن الْأَعْمَش عَن يَحْيَى أَنَّهُ خفض الياء. قَالَ الفراء: ولعلها من وَهْم القراء طبقة يَحْيَى فإنه قل من سلم منهم من الوهم. ولعله ظَنَّ أن الباء فِي (بِمصرخي) خافضة للحرف كله، والياء من المتكلم خارجة من ذَلِكَ. ومِمّا نرى أنَّهم أوهموا فِيهِ قوله (نُوَلِّهِ «٩» مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) ظنّوا- والله
стр. 596
أعلم- أن الجزم فِي الْهَاء وَالْهَاء فِي موضع نصب، وقد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه.
ومِمّا أوهموا فِيهِ قوله (وَمَا «١» تَنَزَّلَتْ بِهِ الشّياطونُ) وحدث مَنْدَلُ بن عَليّ الْعَنْزِيّ عَن الأعمش قَالَ: كنتُ عند إِبْرَاهِيم النَّخَعيّ وطلحة بن مُصَرِّف [يقرأ] (قَالَ «٢» لِمَنْ حوله ألا تستمعون) بنصب اللام من (حوله) فقال إبراهيم: ما تزال تأتينا بحرف أشنع، إنما هي (لِمَنْ حَوْلَهُ) قال قلت: لا، إنما هي (حوله) قال: فقال إِبْرَاهِيم يا طلحة كيف تَقُولُ؟ قَالَ: كما قلتَ (لِمَنْ حَوْلَهُ) قَالَ الأعمش. قلت: لحنتما لا أجالسكما اليوم. وقد سمعت بعض العرب يُنشد:
قَالَ لَهَا هَلْ لك يا تافيّ ... قالت لَهُ مَا أنتَ بالمرضِيّ «٣»
فخفض الياء من (فِيّ) فإن يك ذَلِكَ صحيحًا فهو مِمَّا يلتقي من الساكنين فيُخفض الآخر منهما، وإن كَانَ لَهُ أصل فِي الفتح: ألا ترى أنهم يقولون: لَمْ أره مُذُ اليوم ومُذِ اليوم والرفعُ فِي الذالِ هُوَ الوجه لأنه أصل حركة مُذْ والخفضُ جائز، فكذلك الياء من مصرخيّ خُفضت وَلَهَا أصل فِي النصب.
وقوله (إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ) هَذَا قول إبليس. قَالَ لَهُم: إني كنت كفرت بِما أشركتمون يعني بالله (مِنْ قَبْلُ) فجعل (ما) فِي مذهب ما يؤدي عَن الاسم ٨٩ ب.
وقوله: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ [٢٧] رفعَت المثل بالكاف التي فِي شجرة.
ولو نصبت المثل «٤» . تُريد: وضرب الله مثلَ كلمةٍ خبيثة. وهي فِي قراءة أُبَيّ (وضربَ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً) كشجرة خبيثة وكل صواب.
стр. 597
وقوله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [٢٧] يُقال: بلا إله إلا الله فهذا فِي الدُّنْيَا. وإذا سُئِلَ عنها فِي القبر بعد موته قالَها إذا كَانَ من أهل السعادة، وإذا كَانَ من أهل الشقاوة «١» لَمْ يقلها. فذلك قوله- (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) عنها أي عَن قول لا إله إلا الله (وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ) [٢٩] أي لا تنكروا لَهُ قدرةً «٢» ولا يُسألُ عما يفعل.
وقوله: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها [٢٩] منصوبة على تفسير (دارَ الْبَوارِ) فردّ عليها ولو رفعت على الائتناف إذا انفصلت من الآية كَانَ صوابًا. فيكون الرفعُ عَلَى وجهين: أحدهما الابتداء. والآخر أن ترفعها بعائِد ذِكْرها كما قَالَ (بِشَرٍّ «٣» مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) .
وقوله: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ [٣١] جُزِمَتْ (يُقِيمُوا) بتأويل الجزاء.
ومعناهُ- والله أعلم- معنى أمر كقولك: قل لعبد الله يذهب عنا، تريد: اذهب عنا فجُزِمَ بِنيّة الجواب للجزم، وتأويله الأمر، ولم يجزم عَلَى الحكاية. ولو كَانَ جَزمُه عَلَى مَحْض الحكاية لَجَازَ أن تَقُولَ: قلت لكَ تذهبْ يا هَذَا «٤» وإِنَّما جزمَ كما جُزِمَ قوله: دَعْهُ يَنَمْ، (فَذَرُوها «٥» تَأْكُلْ) والتأويل- والله أعلم- ذَروهَا فَلْتَأْكُل. ومثله (قُلْ «٦» لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ) ومثله (وَقُلْ «٧» لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) .
وقوله- ﵎: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [٣٤] تضيف (كلّ) إلى (ما) وهي قراءة العامة. وقد قرأ بعضهم «٨» (وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) وكأنَّهم ذهبوا إلى أنا لَمْ نسأل الله
стр. 598
عَزَّ وَجَلَّ شمسَا ولا قمرًا ولا كثيرًا من نعمه، فقال: وآتاكم من كلٍّ ما لَمْ تسألوهُ فيكون (ما) جحدًا. والوجهُ الأول أعجبُ إليّ لأن المعنى- والله أعلم- آتاكم من كلِّ مَا سَألْتُموهُ لو سألتموه، كأنك قلت: وآتاكم كل سُؤْلكم، أَلا ترى أنك تَقُولُ للرجل لَمْ يسأل شيئًا: والله لأعطينّك سُؤْلَكَ: ما بلغته مسألتك وإن لم تسأل.
وقوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [٣٥] أَهلُ الحجاز يقولون: جَنبني «١» ، هي خفيفة.
وأهل نَجد يقولون: أَجنبني شرَّه وجَنِّبني شرَّه. فلو قرأ «٢» قارئ: (وَأَجْنِبْنِي وَبَنِيَّ) لأصابَ ولم أسمعه من قارئ.
[قوله: إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي.. [٣٧]] وقال (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) ولم يأت منهم بشيء يقع عَلَيْهِ الفعل. وهو جائز: أن تَقُولَ: قد أصَبنا من بني فلان، وقتلنا من بني فلان وإن لم تقل: رجالًا، لأن (مِن) تؤدي عَن بَعض القوم كقولك: قد أصبنا من الطعام وشربنا من الماء. ومثله (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ «٣» الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) .
وقوله (تَهْوِي إِلَيْهِمْ) يقول: اجعل أَفئِدَةً من الناس تريدهم كقولك: رأيتُ فلانًا يَهْوِي نَحوك أي يريدك. وقرأ بعضُ القرّاء (تَهْوِي إِلَيْهِم) بنصب الواو، بِمعنى تهواهم كما قال (رَدِفَ «٤» لَكُمْ) يريدُ ردفكم، وكما قالوا: نَقدت لَهَا مائة أي نَقدتها.
وقوله: لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [٤٣] رفعت الطرف بيرتد واستأنفت الأفئدة فرفعتها بِهواء كما قَالَ فِي آل عمران (وَما يَعْلَمُ «٥» تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) استأنفتهم فرفعتهم بيقولون لا بيعلم.
стр. 599
وقوله: يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ: [٤٤] رفع تابع ليأتيهم وليسَ بِجواب للأمر ولو كَانَ جوابًا لَجَازَ نصبه ورفعه، كما قَالَ الشاعر «١» :
يَا ناقَ سِيرِي عَنَقًا فسِيحا ... إلى سليمان فنستريحا
والرفع على الاستئناف. والائتناف بالفاء فِي جواب الأمر حسن، وَكَانَ شيخٌ لنا يُقال لَهُ: العلاء بن سَيابة- وهو الَّذِي علم مُعَاذا الْهَرَّاء وأصحابه- يقول: لا أنصب بالفاء جَوَابًا للأمر.
وقوله: وَتَبَيَّنَ لَكُمْ [٤٥] وأصْحَابُ عبد الله: (وَنُبَيِّنْ «٢» لَكُمْ) .
وقوله: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [٤٦] .
فأكثر القراء عَلَى كسر اللام ونصب الفعل من قوله (لِتَزُولَ) يريدونَ: ما «٣» كانت الجبالُ لتزول من مكرهم. وقرأ عبد الله بن مسعود (وَمَا كانَ مكرُهم لتزولَ منه الجبال) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي جاز لَنَا مِنَ الْقُرَّاءِ يُقَالُ لَهُ غَالِبُ بْنُ نَجِيحٍ- وَكَانَ ثِقَةً وَرِعًا- أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقْرَأُ: (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ) بِنَصْبِ «٤» اللامِ الأُولَى وَرَفْعِ الثَّانِيَةِ. فَمَنْ قَرَأَ:
(وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ) فَعَلَى مَعْنَى قِرَاءَةِ عَلِيٍّ أَيْ مَكَرُوا مَكْرًا عَظِيمًا كَادَتِ الْجِبَالُ تَزُولُ مِنْهُ.
وقوله: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [٤٧] أضفت (مُخْلف) إلى الوعد ونصبت الرسل عَلَى التأويل «٥» . وإذا كَانَ الفعل يقع عَلَى شيئين مختلفين مثل كسوتك الثوب وأدخلتك الدار فابدأ
стр. 600
بإضافة الفعل إلى الرجل فتقول: هُوَ كاسي عَبدِ الله ثوبًا، ومُدْخلُه الدار. ويَجوز: هُوَ كاسي الثوب عبدَ الله وَمُدْخل الدار زيدًا، جاز ذَلِكَ لأن الفعل قد يأخذ «١» الدار كأخذه عبد الله فتقول: أدخلت الدار وكسوت الثوب. ومثله قول الشاعر:
ترى الثور فيها مُدخلَ الظلِّ رأسَه ... وَسائره بادٍ إلى الشمس أجمعُ «٢»
فأضافَ (مُدْخل) إلى (الظل) وَكَانَ الوجه أن يضيف (مدخل) إلى (الرأس) ومثله:
رُبّ ابن عمَّ لسُلَيمى مشمعلّ ... طبَّاخَ ساعَاتِ الكرى زاد الكسلْ «٣»
ومثله:
فرِشْني بخير لا أكونَنْ ومِدْحتي ... كناحت يوم صخرةً بعَسِيل «٤»
وقال آخر:
يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار «٥»
فأضافَ سَارقًا إلى الليلة ونصب (أهل الدار) وَكَانَ بعض النحويين ينصب (الليلة) ويَخفض (أهل) فيقول: يا سارق اللَّيْلَةَ أهلِ الدار.
وكناحت يومًا صخرةٍ