[الجزء الاول]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تصدير
كتاب معانى القرآن من أهم الكتب التي ألّفها أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء إمام الكوفة فى النحو واللغة، المتوفى سنة ٢٠٧ وهو من الكتب التي تقوم الدار بطبعها ونشرها، جريا على منهجها فى إحياء الآداب العربية، ونشر الكتب القيّمة الأصيلة.
وقد عهدت الدار فى تحقيق هذا الكتاب إلى العالمين الجليلين الأستاذ أحمد يوسف نجاتى، والأستاذ محمد على النجار. وللأستاذين مكانتهما العلميّة السامية من البصر بالفقه والتفسير، والتمكن من اللغة والنحو والصرف مارسا كلّ ذلك بحثا وتدريسا واستيعابا، مع الاطلاع الوافر الغزير فى علوم العربية وآدابها عامّة.
وقد قاما بهذه المهمّة فى صبر وأناة، مع دقّة وأمانة فكان لعملهما التوفيق وللكتاب هذا المظهر الجليل. وقد رجعا فى تحقيق هذا الكتاب إلى النّسخ الآتية:
١- نسخة مصوّرة عن الأصل المحفوظ بمكتبة بغداد لى بالمكتبة السليمانية بإستانبول رقم ٦٦ وهى مكتوبة بخط قديم قريب من الكوفىّ، كتبت فى القرن الرابع الهجري، وعلى بعض أجزائها تملّكات وسماعات وأقدم سماع منها مؤرّخ سنة ٣٨١ هـ، لعلى بن الحسين بن محمد بن الحسن بن إبراهيم المعروف بابن الطهراني
стр. 2
الورّاق، عن أبى عبد الله محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده، عن الأصم النيسابورىّ محمد بن يعقوب، عن محمد بن الجهم السّمرىّ، عن الفرّاء.
والموجود من هذه النسخة عشرة أجزاء من تجزئة المؤلّف. ويبدو أنها صحيحة الكتابة والضبط والمقابلة غير أنها ناقصة من آخرها، إذ تنتهى عند بدء الكلام على سورة الإنسان كما أن بها عدّة خروم فى مواضع متفرقة، وبيانها:
(أ) خرم وقع ما بين ورقتى ٣٢ و ٣٣، عند تفسير قوله تعالى: تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (سورة البقرة ٢٦٦) ، إلى قوله تعالى: وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (سورة النساء ٣٦) .
(ب) خرم آخر ما بين ورقتى ٣٨ و ٣٩ عند تفسير قوله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ (النساء ١١٤) ، إلى قوله تعالى: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً (سورة الأعراف ١٦٠) .
(ج) خرم آخر وقع بين ورقتى ١٥٧ و ١٥٨ عند تفسير قوله تعالى: فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (سورة الذاريات ٣٩) ، إلى قوله تعالى: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (سورة النجم ٢٠) .
وتقع هذه النسخة فى ٢٢٢ ورقة وسطور صفحاتها بين ٢٤- ٢٨ سطرا، ومتوسط كلمات السطر ١٦ كلمة، وهى محفوظة فى الدار برقم ٢٤٩٨٦ ب. وقد رمز لهذه النسخة بالحرف (ا) .
٢- نسخة مصورة عن المخطوط المحفوظ بمكتبة نور عثمانية بإستانبول رقم ٣٢٠، والموجود منها مجلد واحد، يبدأ من أوّل الكلام على سورة الزمر،
стр. 3
وينتهى إلى آخر القرآن الكريم، كتبت فى القرن السادس تقريبا، وهى بدون تاريخ، ويبدو عليها الصحة وضبط الشكل، وفى مواضع منها «بلاغات» بقراءة النسخة من جماعة من العلماء ذكرت أسماؤهم، ويقع هذا المجلد فى ١٥١ ورقة، وأسطر كل صفحة من ١٨- ٢٤ سطرا، ومتوسط الكلمات فى السطر الواحد ثمانى كلمات، وهذه النسخة محفوظة بالدار برقم ٢٤٩٨٧ ب، وقد رمز إليها بالحرف (ب) .
٣- نسخة مصوّرة عن المخطوط رقم ٤٥٩ بمكتبة نور عثمانية بإستانبول، مكتوبة بخطّ نسخ جميل، من خطوط القرن الثاني عشر تقريبا، ولكنها كثيرة التحريف والتصحيف، على رغم جمال خطّها. وتقع فى ١٨٩ ورقة، وأسطر كل صفحة ٣٠ سطرا، ومتوسط الكلمات فى السطر الواحد ٢٠ كلمة، وهذه النسخة محفوظة بالدار برقم ٢٤٧٧١ ب، وقد رمز إليها بالحرف (ح) .
٤- نسخة كاملة فى مكتبة المرحوم العلامة محمود الشنقيطى، مكتوبة بقلم معتاد بخط حديث فى أوّل القرن الرابع عشر للهجرة. ويبدو من مراجعتها أنها منسوخة من النسخة السابقة، وتقع فى ٢٢٢ ورقة من القطع الكبير، وتتراوح سطور كل صفحة بين ٣٢- ٣٥ سطرا، ومتوسط كلمات السطر الواحد ٢٠ كلمة.
وبأوّلها تملّك ووقفيّة بخط الشنقيطى مؤرّخان سنة ١٣٠٩. ويوجد فى أوراقها اضطراب فى التجليد نشأ عنه تقديم بعضها على بعض، وذلك فيما بين سورتى الروم والأحزاب. وهذه النسخة محفوظة بالدار برقم ١٠ تفسير، وقد رمز إليها بالحرف (ش) .
стр. 4
٥- قطعه بخط ناسخ النسخة السابقة، وتحتوى على الجزء الأخير من سورة عبس، وتنتهى بختم القرآن الكريم- وهى محفوظة بمكتبة العلّامة الشنقيطى- وبأوّلها تملّك مؤرّخ سنة ١٣١٠ وهو تاريخ نسخها أيضا، وتقع فى ١٥ ورقة من قطع النسخة السابقة، وهى محفوظة بالدار برقم ١١ تفسير «ش» .
وقد رأت الدار أن تقدّم هذا الكتاب لقرّاء العربية فى ثلاثة أجزاء، مذيلّة بالفهارس التفصيلية، وستتابع نشر الجزأين التاليين إن شاء الله، ومنه العون والحول والتوفيق.
ديسمبر سنة ١٩٥٥ محمد أبو الفضل إبراهيم مدير القسم الأدبى
стр. 5
مقدمة
الفرّاء
هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمىّ. وهذه النسبة إلى الدّيلم، وهو إقليم فى البلاد الفارسية، ويقال للجيل الذي يسكن هذا الإقليم أيضا ويذكر أن زيادا أباه حضر الحرب مع الحسين بن علىّ رضى الله عنهما، وقطعت يده فى هذه الحرب. ومن ثمّ لقّب «الأقطع» . ويقول ابن خلّكان:
«وهذا فيه عندى نظر، لأن الفرّاء عاش ثلاثا وستين سنة، فتكون ولادته سنة أربع وأربعين ومائة، وحرب الحسين كانت سنة إحدى وستين للهجرة، فبين حرب الحسين وولادة الفرّاء أربع وثمانون سنة، فكم قد عاش أبوه؟ فإن كان الأقطع جدّه فيمكن. والله أعلم» .
ويظهر أن أسرته دخلت فى الإسلام لأوّل دخول الديلم والفرس فى الإسلام، كما يدل عليه أسماء آبائه العربية. وهم موال لمنقر من تميم، أو لأسلم من أسد، على خلاف فى ذلك. ومما يذكر أنه ابن خالة محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة.
تلقيبه الفرّاء:
والفرّاء قد علمت أنه لقبه لا اسمه. والمعروف فى الفرّاء من يخيط الفراء أو يبيعها كما يتبادر من صيغة النسب كبزّاز وعطّار، ولم يكن صاحبنا ولا أحد آبائه فى شىء من هذا. فقيل: إنه أطلق عليه لأنه كان يفرى الكلام، أي يحسن
стр. 6
تقطيعه وتفصيله فهو فعّال من الفري صيغة مبالغة، وهمزته بدل من الياء لا من الواو كما هو فى مذهبه الأوّل.
وفى أنساب السمعاني: «قال أبو الفضل الفلكىّ: لقّب بالفرّاء لأنه كان يفرى الكلام. هكذا قال فى كتاب الألقاب» .
ويقول ابن الأنبارى فى الأضداد ١٣: «وبعض أصحابنا يقول: إنما سمى الفرّاء فرّاء لأنه كان يحسن نظم المسائل، فشبّه بالخارز الذي يخرز الأديم، وما عرف ببيع الفراء ولا شرائها قطّ. وقال بعضهم: سمى فرّاء لقطعه الخصوم بالمسائل التي يعنت بها، من قولهم: قد فرى إذا قطع قال زهير:
ولأنت تفرى ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى
معناه: تخرز ما قدّرت. والخلق: التقدير» .
ولا يعرف متى أطلق عليه هذا اللقب، ولا بدّ أنه حين اكتمل وبدا نضجه وغلبته للخصوم.
مولده ونشأته:
وكانت ولادة الفرّاء بالكوفة سنة ١٤٤ هـ فى عهد أبى جعفر المنصور. ونشأ بها وتربّى على شيوخها. وكانت الكوفة أحد المصرين اللذين كانا مقرّ العلم ومربى العلماء، والمصر الآخر البصرة. وكانت الكوفة حافلة بالشيوخ فى فروع العلم المعروفة فى ذلك العصر. ومن شيوخه فيها قيس بن الربيع، ومندل بن علىّ، وأبو بكر بن عيّاش والكسائىّ، وسفيان بن عيينة. ويقال إنه أخذ عن يونس بن حبيب البصرىّ، وإنه كان يلازم كتاب سيبويه.
стр. 7
وكان الفرّاء قوىّ الحفظ، لا يكتب ما يتلقاه عن الشيوخ استغناء بحفظه.
ويقول هنّاد بن السرىّ «١» : «كان الفرّاء يطوّف معنا على الشيوخ، فما رأيناه أثبت سوداء فى بيضاء قط، لكنه إذا مرّ له حديث فيه شىء من التفسير أو متعلّق بشىء من اللغة قال للشيخ: أعده علىّ. وظننّا أنه كان يحفظ ما يحتاج إليه» .
وبقيت له قوّة الحفظ طوال حياته، وكان يملى كتبه من غير نسخة، ولم يقتن كتبا كثيرة. ويقول ثعلب: «لما مات الفرّاء لم يوجد له إلا رءوس أسفاط فيها مسائل تذكرة وأبيات شعر» . والأسفاط جمع السّفط وهو ما يوضع فيه الطّيب وغيره، وهو المعروف بالسّبت.
وقد بلغ الفرّاء فى العلم المكانة السامية والغاية التي لا بعدها، وكان زعيم الكوفيين بعد الكسائي. ويقول ثعلب: «لولا الفرّاء لما كانت عربيّة لأنه خلّصها وضبطها. ولولا الفرّاء لسقطت العربيّة لأنها كانت تتنازع ويدّعيها كلّ من أراد، ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب» .
وفى تاريخ بغداد: «وكان يقال: النحو الفرّاء، والفرّاء أمير المؤمنين فى النحو» .
ويبين عن مبلغه فى العلم قصة ثمامة بن الأشرس المعتزلي، فقد كان الفرّاء يتردّد على باب المأمون حتى لقيه ثمامة، وهنا يقول هذا الرجل عن الفرّاء «٢» :
«فرأيت أبّهة أديب، فجلست إليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا، وفاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده، وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم، وبالنحو ماهرا، وبالطب خبيرا، وبأيام العرب وأشعارها حاذقا. فقلت:
стр. 8
من تكون؟ وما أظنك إلا الفرّاء، فقال: أنا هو. فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون، فأمر بإحضاره، وكان سبب اتصاله به» .
وقد استقرّ به المقام فى بغداد، ونرى له مع الرشيد قصّة إذ لحن أمامه، واعتذر بأنه يجرى على أساليب العامة وهجة الحديث، ولا يتكلف الإعراب.
ولا نرى له ذكرا فى أيام الأمين. حتى إذا جاء المأمون كان اتصاله به- على ما سبق فى قصّة ثمامة- وقد وكل إليه المأمون تعليم ابنيه، وكلّفه تأليف الحدود فى العربية، وأفرد له بيتا فى القصر، وكفاه كلّ مؤنة فيه.
وفى ابن النديم «١» «كان أكثر مقامه ببغداد. كان يجمع طوال دهره، فإذا كان آخر السنة خرج إلى الكوفة وأقام بها أربعين يوما فى أهله يفرّق فيهم ما جمعه ويبرّهم» .
وفاته:
وكانت وفاة الفرّاء فى طريقه فى عودته من مكّة سنة ٢٠٧ هـ، وفى أنساب السمعاني سنة ٢٠٩ هـ.
تآليفه:
أورد له ابن النديم:
(١) آلة الكتاب.
(٢) الأيام والليالى. ومنه نسخة فى دار الكتب فى المجموعة رقم ١٣ أدب ش.
وأخرى فى مكتبة لاله لى برقم ١٩٠٣ وثالثة فى مكتبة سليم آغا باستانبول.
برقم ٨٩٤
стр. 9
(٣) البهاء، أو البهي. (ويذكر ابن خلكان أنه أصل الفصيح لثعلب) .
(٤) الجمع والتثنية فى القرآن.
(٥) الحدود، وهو فى قواعد العربية، فيذكر حدّ التثنية وطريقة العرب فيها، والإعراب، وهكذا، ويذكر أنها ستون حدّا.
(٦) حروف المعجم، نقل عنه ابن رشيق فى العمدة ١/ ١٠٠ فى مبحث القافية.
(٧) الفاخر فى الأمثال. من نسخة فى مكتبة الفاتح باستانبول رقم ٤٠٠٩ (٨) فعل وأفعل.
(٩) اللغات.
(١٠) المذكر والمؤنث. من نسخة ضمن مجموعة لغوية فى مكتبة مصطفى الزرعى فى بيروت وأخرى فى مكتبة حلب برقم ١٣٤٥ (١١) المشكل الصغير.
(١٢) المشكل الكبير. ويبدو أنه فى مشكل القرآن كمشكل ابن قتيبة.
(١٣) المصادر فى القرآن.
(١٤) معانى القرآن (وهو هذا الكتاب) .
(١٥) المقصور والممدود. منه نسخة فى مكتبة بروسّه بتركيا.
(١٦) النوادر.
(١٧) الوقف والابتداء.
معانى القرآن
كان هذا التركيب يعنى به ما يشكل فى القرآن ويحتاج إلى بعض العناء فى فهمه. وكان هذا بإزاء معانى الآثار، ومعانى الشعر، أو أبيات المعاني. ويقول
стр. 10
الطحاوىّ فى مقدمة كتاب (معانى الآثار) - على ما فى كشف الظنون-.
«إنه سأله بعض أصحابه تأليفا فى الآثار المأثورة عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الأحكام التي يتوهّم فيها أهل الإلحاد والزّندقة أن بعضها ينقض بعضا لقلّة علمهم بناسخها ومنسوخها» .
وقد كتب فى معانى الشعر ثعلب، وأبو الحسن الأخفش سعيد بن مسعده، والأشناندانى، وكذا ابن قتيبة فى كتاب المعاني الكبير. وكتب فيها أيضا أبو عبيد القاسم بن سلّام. ومن قبيل معانى القرآن مجاز القرآن لأبى عبيدة.
وقد كتب فى معانى القرآن كثير من الفحول. يقول الخطيب فى تاريخ بغداد فى صدد الحديث عن معانى القرآن لأبى عبيد، وأنه احتذى فيه من سبقه:
«وكذلك كتابه فى معانى القرآن. وذلك أن أوّل من صنّف فى ذلك- أي فى معانى القرآن- من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنّى، ثم قطرب بن المستنير، ثم الأخفش. وصنف من الكوفيين الكسائىّ، ثم الفرّاء. فجمع أبو عبيد من كتبهم، وجاء فيه بالآثار وأسانيدها، وتفاسير الصحابة والتابعين والفقهاء» .
سبب تأليفه:
ومعانى القرآن للفرّاء له قصة. ففى فهرست ابن النديم: «قال أبو العباس ثعلب: كان السبب فى إملاء كتاب الفرّاء فى المعاني أن عمر بن بكير كان من أصحابه، وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفرّاء: إن الأمير الحسن بن سهل ربما سألنى عن الشيء بعد الشيء من القرآن، فلا يحضرنى فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لى أصولا أو تجعل فى ذلك كتابا أرجع إليه فعلت.
стр. 11
فقال الفرّاء لأصحابه: اجتمعوا حتى أملّ عليكم كتابا فى القرآن. وجعل لهم يوما.
فلما حضروا خرج إليهم، وكان فى المسجد رجل يؤذّن ويقرأ بالناس فى الصلاة، فالتفت إليه الفرّاء فقال له: اقرأ بفاتحة الكتاب، ففسّرها، ثم توفّى «١» الكتاب كلّه: يقرأ الرجل ويفسّر الفرّاء. فقال أبو العباس: لم يعمل أحد قبله، ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه» .
وفى تاريخ بغداد عن أبى بديل الوضّاحى: «فأردنا أن نعدّ الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعاني فلم يضبط. قال: فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا» .
ولم نقف على أمر عمر بن بكير الذي صنع الكتاب لأجله.
روايته:
اتفق الكتّاب على أن راوى الكتاب محمد بن الجهم السّمّرى. وكان الفرّاء بملي فى المجلس ويكتب الحاضرون، ويبدو أن السمّرىّ كان له مزيد عناية بالكتابة، وكان ملازما للمجلس، فكان يدوّن، ونسبت رواية الكتاب لذلك إليه، وعسى أن يكون الفرّاء يطلع على ما يدوّن ويقرّه. وكان الكتاب ينسخ فى حياة الفرّاء، فهى نسخة السمري فيما يظهر. على أن هناك نسخة أخرى لم تشتهر.
ففى تاريخ بغداد عن محمد بن الجهم: «كان الفرّاء يخرج إلينا وقد لبس ثيابه فى المسجد الذي فى خندق عبويه، وعلى رأسه قلنسوة كبيرة. فيجلس فيقرأ أبو طلحة الناقط عشرا من القرآن، ثم يقول له: أمسك. فيملى من حفظه المجلس، ثم يجىء سلمة- يريد سلمة بن عاصم من جلّة تلامذة الفرّاء- بعد
стр. 12
أن ننصرف نحن، فيأخذ كتاب بعضنا فيقرأ عليه، ويغير ويزيد وينقص. فمن هنا وقع الاختلاف بين النسختين» .
يقول السمّرىّ فى صدر الكتاب: «هذا كتاب فيه معانى القرآن، أملاه علينا أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء- يرحمه الله- عن حفظه من غير نسخة، فى مجالسه أوّل النهار من أيام الثلاثاوات والجمع فى شهر رمضان وما بعده من سنة اثنتين، وفى شهور سنة ثلاث وشهور من سنة أربع ومائتين» . فقد أملاه إذن قبل أن يرد المأمون بغداد من خراسان، إذ كان دخوله بغداد سنة ٢٠٤. وإذا كان الفرّاء ألّف (الحدود) والمأمون فى بغداد فإن (المعاني) يكون تأليفه قبل تأليف (الحدود) . وفى تاريخ بغداد ما يقضى بخلاف هذا ففيه فى الكلام على الحدود: «فبعد أن فرغ من ذلك- أي الحدود- خرج إلى الناس وابتدأ يملى كتاب المعاني» . ويبدو أن هذا كلام غير دقيق.
السّمرىّ راوية الكتاب
وهنا يحسن أن نعرض لحياة السّمرى. فهو أبو عبد الله محمد بن الجهم ابن هارون الكاتب. والسمري نسبة إلى سمّر: بلد بين البصرة وواسط.
وقد ولد السمّرىّ فى حدود سنة ١٨٨، فقد كانت وفاته سنة ٢٧٧ وله تسع وثمانون سنة.
وفى غاية النهاية فى طبقات القرّاء لابن الجزرىّ أن وفاته كانت سنة ثمان ومائتين. ويبدو أن هذا سهو من الكاتب، أو أن فى الكلام سقطا والأصل:
سنة ثمان وسبعين ومائتين.
стр. 13
وقد أخذ السّمرىّ عن الفرّاء وهو لا يزال حدثا، فقد مات الفرّاء وله تسع عشرة سنة، إذ كانت وفاة الفرّاء سنة ٢٠٧ هـ.
ونرى فى صدر الكتاب السند الآتي: «حدّثنا أبو منصور نصر مولى أحمد ابن رسته، قال: حدّثنا أبو الفضل يعقوب بن يوسف بن معقل النيسابورىّ سنة إحدى وسبعين ومائتين، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن الجهم السّمرىّ سنة ثمان وستين ومائتين» .
ولا يعرف راوى هذا الإسناد القائل: حدّثنا، وهو من تلاميذ أبى منصور.
فأما أبو منصور فلم نقف له على ترجمة، وفى (تاج العروس) تحدّث عن مولاه فقال: «أبو حامد أحمد بن محمد بن رسته الصوفي الأصبهانى، يعرف بالحمال.
روى عنه أبو بكر بن مردويه» . وأبو الفضل يعقوب بن يوسف بن معقل ذكره الخطيب فى تاريخ بغداد ١٤/ ٢٨٦ وقال فيه: «ورد بغداد، وحدّث بها عن إسحاق بن راهويه» .
محمد على النجّار أحمد يوسف نجاتى
стр. 14
تاريخ تدوين هذا التفسير
بسم الله الرّحمن الرّحيم [به «١» الإعانة بدءا وختما، وصلّى الله على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم.
حدّثنا أبو منصور نصر مولى أحمد بن رسته، قال: حدّثنا أبو الفضل يعقوب بن يوسف بن معقل النّيسابورىّ، سنه إحدى وسبعين ومائتين، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن الجهم بن هارون السّمّرىّ «٢» ، سنة ثمان وستين ومائتين، قال] :
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله وبارك وسلّم على محمد خاتم النبيين، وعلى آله، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. وإياه نسأل التوفيق والصواب، وحسن الثواب، والعصمة من الخطايا والزّلل، فى القول والعمل. قال:
هذا كتاب فيه معانى القرآن، أملاه علينا أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء- يرحمه الله- عن حفظه من غير نسخة، فى مجالسه أوّل النهار من أيام الثّلاثاوات والجمع فى شهر رمضان، وما بعده من سنة اثنتين، وفى شهور سنة ثلاث، وشهور من سنة أربع ومائتين. [قال «٣» ] :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ، قال:
تفسير مشكل إعراب القرآن ومعانيه
أمّ الكتاب
قال: فأول ذلك اجتماع القراء وكُتّابِ المصاحف «٤» على حذف الألف من «بسم الله الرحمن الرّحيم» ، [وفى فواتح الكتب، وإثباتهم الألف
стр. 15
فى قوله «١» ] : «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» «٢» [وإنما حذفوها من «بسم الله الرحمن الرحيم» أول السور والكتب] «٣» لأنها وقعت في موضع معروف لا يجهل القارئ معناه، ولا يحتاج إلى قراءته، فاستُخِفّ طرحُها لأن من شأن العرب الإيجاز وتقليلَ الكثير إذا عُرِف معناه. وأثبتت فى قوله: «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ» لأنها لا تلزم هذا الاسم، ولا تكثر معه ككثرتها مع الله ﵎. ألا ترى أنك تقول: «بسم الله» عند ابتداء كل فعل تأخذ فيه: من مأكَلٍ أو مشرب أو ذبيحة. فخفّ عليهم الحذف لمعرفتهم به.
وقد رأيت بعض الكتّاب تدعوه معرفته بهذا الموضع إلى أن يحذف الألف والسين من «اسم» لمعرفته بذلك، ولعلمه بأن القارئ لا يحتاج إلى علم ذلك. فلا تَحذِفنّ ألف «اسم» إذا أضفته إلى غير الله ﵎، ولا تَحذِفَنّها مع غير الباء من الصفات «٤» وإن كانت تلك الصفةُ حرفًا واحدا، مثل اللام والكاف. فتقول: لاسم الله حلاوة في القلوب، وليس اسم كاسم الله فتثبت الألف في اللام وفي الكاف لانهما لم يستعملا كما استعملت الباء في اسم اللَّه. ومما كثر فِي كلام العرب فحذفوا منه أكثر من ذا قولهم: أيش عندك فحذفوا إعراب «٥» «أي» وإحدى ياءيه، وحذفت الهمزة من «شيء» ، وكُسرت الشين وكانت مفتوحة في كثير من الكلام لا أُحْصِيه.
فإن قال قائل: إنما حذفنا الألف من «بسم الله» لأن الباء لا يُسكت عليها، فيجوز ابتداء الاسم بعدها. قيل له: فقد كتبت العرب في المصاحف وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا «٦» بالألف والواو لا يُسكت عليها في كثير من أشباهه. فهذا يبطل «٧» ما ادّعى.
стр. 16
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ ... (٢)
اجتمع القراء على رفع «الْحَمْدُ» . وأما أهل البدو فمنهم من يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» .
ومنهم من يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» . ومنهم من يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» فيرفع الدال واللام.
فأما من نصب فإنه يقول: «الْحَمْدُ» ليس باسم إنما هو مصدر يجوز لقائله أن يقول: أحمد الله، فإذا صلح مكان المصدر (فعل أو يَفْعل) «١» جاز فيه النصب من ذلك قول الله ﵎: «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ» «٢» يصلح مكانها في مثله من الكلام أن يقول: فاضربوا الرقاب. ومن ذلك قوله:
«مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ» «٣» يصلح أن تقول في مثله من الكلام: نعوذ بالله. ومنه قول العرب: سَقْيًا لك، ورَعْيًا لك يجوز مكانه:
سقاك الله، ورعاك الله.
وأما من خفض الدال من «الْحَمْدُ» فإنه قال: هذه كلمة «٤» كثرت على ألسن العرب حتى صارت كالاسم الواحد فثقُل عليهم أن يجتمع في اسم واحد من كلامهم ضَمَّةٌ بعدها كسرة، أو كَسْرة بعدها ضمة، ووجدوا الكسرتين قد تجتمعان في الاسم الواحد مثل إِبِلٍ فكسروا الدال ليكون على المثال من أسمائهم.
стр. 17
وأما الذين رفعوا اللام فإنهم أرادوا المثال الأكثر من أسماء العرب الذي يجتمع فيه الضمتان مثلُ: الحُلُم والعُقُب «١» .
ولا تُنْكرن أن يجعل الكلمتان كالواحدة إذا كثر بهما الكلام. ومن ذلك قول العرب: «بأَبَا» إنما هو «بِأَبِي» الْيَاءُ من المتكلم ليست من الأب فلما كثر بهما الكلام توهموا أنهما حرف واحد فصيروها ألفا ليكون على مثال:
حُبْلَى وسَكْرى وما أشبهه من كلام العرب. أنشدني أبو ثَرْوان:
قال الجواري ما ذَهَبْتَ مَذْهَبَا ... وعِبْننِي ولم أكنُ مُعَيَّبَا
هل أنت إلا ذاهب لتلعبا ... أريت إن أعطيت نَهْدًا كَعْثَبَا «٢»
أذاك أم نُعطيكَ هَيْدًا هَيْدَبَا «٣» ... أَبْرَدَ في الظَّلماء من مَسِّ الصّبا
فقلت: لا، بل ذاكما يا بِيبا «٤» ... أجدرُ «٥» ألا تَفْضَحَا وتَحْرَبَا
«هل أنت إلا ذاهب لتلعبا» «٦» ذهب ب «هل» إلى معنى «ما» .
стр. 18
(عَلَيْهِمْ) و (عَلَيْهِمْ) وهما لغتان لكل لغة مذهبٌ في العربية.
فأما من رفع الهاء فإنه يقول: أصلها رفعٌ في نصبها وخفضها ورفعها فأما الرفع فقولهم: «هُم قالوا ذاك» ، في الابتداء ألا ترى أنها مرفوعة لا يجوز فتحها ولا كسرها. والنصب في قولك: «ضربهم» مرفوعة «١» لا يجوز فتحها ولا كسرها فتركت في «عَلَيْهِمْ» على جهتها الأولى.
وأما من قال: «عَلَيْهِمْ» فإنه استثقل الضمة في الهاء وقبلها ياء ساكنة، فقال:
«عَلَيْهِمْ» لكثرة دور المكنى «٢» في الكلام. وكذلك يفعلون بها إذا اتصلت بحرف مكسور مثل «بهم» و «بهم» ، يجوز فيه الوجهان مع الكسرة والياء «٣» الساكنة.
ولا تبال أن تكون الياء مفتوحا ما قبلها أو مكسورا فإذا انفتح ما قبل الياء فصارت ألفًا في اللفظ لم يُجْز في «هم» إلا الرفع مثل قوله ﵎:
«وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» «٤» ولا يجوز: «مولاهم الحق» ، وقوله «فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» «٥» لا يجوز: «فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» .
ومثله مما قالوا فيه بالوجهين إذا وليته «٦» ياء ساكنة أو كسرة، قوله:
«وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ» «٧» و «حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا» «٨» يجوز رفع الألف من «أم» و «أمها» وكسرها في الحرفين جميعا لمكان الياء. والكسرة مثل قوله ﵎: «فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ» «٩» ، وقول من رَوَى عن النبي ﷺ : (أُوصى امْرَأً بأمه) . فمن رفع قال: الرفع هو الأصل فى الأمّ
стр. 19
والأمهات. ومن كسر قال: هي كثيرة المجرى في الكلام فاستثقل ضَمَّةَ قبلها ياء ساكنة أو كسرة. وإنما يجوز كسر ألف «أم» إذا وليها «١» كسرة أو ياء فإذا انفتح ما قبلها فقلت: فلان عند أمه، لم يجز أن تقول: عند إِمه، وكذلك إذا كان ما قبلها مضموما لم يجز كسرها فتقول: أتبعت أمه، ولا يجوز الكسر.
وكذلك إذا كان ما قبلها حرفا مجزوما لم يكن في الأم إلا ضم الألف كقولك:
من أمه، وعن أمه. ألا ترى أنك تقول: عنهم ومنهم [واضربهم] «٢» . ولا تقول:
عنهم ولا منهم، ولا اضربهم. فكل موضع حسن فيه كسر الهاء مثل قولهم: فيهم وأشباهها، جاز فيه كسر الألف من «أم» وهي قياسها. ولا يجوز أن تقول:
كتب إلى إِمه ولا على إِمه لأن الذي قبلها ألف في اللفظ وإنما هي ياء في الكتاب: «إلى» «٣» و «على» . وكذلك: قد طالت يدا أُمه بالخير. ولا يجوز أن تقول: يدا إِمه. فإن قلت: جلس بين يدي أمِّه جاز كسرها وضمها لأن الذي قبلها ياء. ومن ذلك أن تقول: هم ضاربو أُمّهاتهم برفع الألف لا يكون غيره. وتقول: ما هم بضاربي أمهاتهم وإمهاتهم يجوز الوجهان جميعا «٤» لمكان الياء. ولا تُبال «٥» أن يكون ما قبل ألف «أم» موصولا بها «٦» أو منقطعا منها الوجهان يجوزان فيه تقول: هذه أم زيد وإِمُّ زيد. وإذا ابتدأتها لم تكن إلا مرفوعة، كما كانت «هُم» لا تكون إلا مرفوعة في الابتداء، فأما «هم» فلا تكسر إلا مع حرف يتصل بها لا يفرق بينه وبينها مثل «بهم» .
стр. 20
وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ... (٧)
بخفض «غَيْرِ» لأنها نعت للذين، لا للهاء والميم من «عَلَيْهِمْ» . وإنما جاز أن تكون «غَيْرِ» نعتًا لمعرفة لأنها قد أضيفت إلى اسم فيه ألف ولام، وليس بمصمودٍ «١» له ولا الأول أيضا بمصمود له، وهي في الكلام بمنزلة قولك: لا أمرّ إلا بالصادق غيرِ الكاذب كأنك تريد بمن يصدق ولا يكذب. ولا يجوز أن تقول: مررت بعبد الله غير الظريف إلا على التكرير لأن عبد الله موقّت «٢» ، و «غَيْرِ» في مذهب «٣» نكرةٍ غير موقتة، ولا تكون نعتا إلا لمعرفة غير موقتة. «٤» والنصب جائز فى «غَيْرِ» ، تجعله قطعا «٥» من «عَلَيْهِمْ» . وقد يجوز أن تجعل «الَّذِينَ» قبلها في موضع توقيت، وتخفض «غَيْرِ» على التكرير: «صراط غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» .
стр. 21
وأما قوله تعالى: وَلَا الضَّالِّينَ» (٧) فإن معنى «غَيْرِ» معنى «لَا» فلذلك ردّت عليها «وَلَا» . هذا كما تقول:
فلان غير محسن ولا مُجْمِلٍ فإذا كانت «غَيْرِ» بمعنى سوى لم يجز أن تُكَرَّ عليها «لَا» ألا ترى أنه لا يجوز: عندي سوى عبد الله ولا زيد.
وقد قال بعض من «١» لا يعرف العربية: إن معنى «غَيْرِ» في «الْحَمْدُ» «٢» معنى «سوى» ، وإن «لَا» صلة في الكلام، واحتَّج بقول الشاعر «٣» :
في بئرِ لا حُورٍ سرى وما شعر
وهذا [غير] جائز لأن المعنى وقع على ما لا يتبين فيه عمله، فهو جحد محض. وإنما يجوز أن تجعل «لَا» صلة إذا اتصلت بجَحْد قبلها مثل قوله:
ما كان يرضى رسول الله دينهم ... والطيبان أبو بكر ولا عمر «٤»
فجعل «لَا» صلة لمكان الجحد الذي في أول الكلام هذا التفسير أوضح أراد فى بئر لا حور، «لَا» الصحيحة في الجحد لأنه أراد في: بئر ماء لا يُحير عليه شيئًا كأنك قلت: إلى غير رشد توجه وما درى. والعرب تقول: طحنت الطاحنةُ فما أحارت شيئا «٥» أي لم يتبين لها أثر عمل.
стр. 22
ومن سورة البقرة
«١»
قوله تعالى: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ ... (٢)
الهجاء موقوف فِي كل القرآن، وليس بجزم يسمّى جزما، إنما هُوَ كلام جزمه نية الوقوف على كل حرف منه فافعل ذلك بجميع الهجاء فيما قل أو كثر. وإنما قرأت القراءُ «آلم اللَّهُ» في «آل عِمْرانَ» ففتحوا الميم لأن الميم كانت مجزومة لنية الوقفة «٢» عليها، وإذا كان الحرف ينوى به الوقوف نوى بما بعده الاستئناف، فكانت القراءة «ال م الله» فتركت العرب همزة الألف من «الله» فصارت فتحتها في الميم لسكونها، ولو كانت الميم جزما مستحِقّا للجزم لكسرت، كما في «قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ» «٣» . وقد قرأها رجل من النحويين، - وهو أبو جعفر الرؤاسي وكان رجلا صالحا- «آلم أَلله» بقطع الألف، والقراءة بطرح الهمزة. قال الفراء:
وبلغني عن عاصم أنه قرأ بقطع «٤» الألف.
стр. 23
وإذا كان الهجاء أوّل سورة فكان حرفا واحدا مثل قوله «ص» و «ن» و «ق» كان فيه وجهان في العربية إن نويت به الهجاء تركته جزمًا وكتبته حرفًا واحدا، وإن جعلته اسما للسورة أو في مذهب قَسَم كتبته على هجائه «نون» و «صاد» و «قاف» وكسرت الدال من صاد، والفاء من قاف، ونصبت النون الآخرة من «نون» فقلت: «نون والقلم» و «صاد والقرآن» و «قاف» لأنه قد صار كأنه أداة كما قالوا رجلان، فخفضوا النون من رجلان لأن قبلها ألفًا، ونصبوا النون في «المسلمون والمسلمين» لأن قبلها ياء وواوا.
وكذلك فافعل ب «يس وَالْقُرْآنِ» فتنصب النون من «يس» وتجزمها.
وكذلك «حم» و «طس» ولا يجوز ذلك فيما زاد على هذه الأحرف مثل «طا سين ميم» لأنها لا تشبه الأسماء، و «طس» تشبه قابيل. ولا يجوز ذلك في شيء من القرآن مثل «الم» و «المر» ونحوهما.
وقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ ... (٢)
يصلح فيه ذلِكَ من جهتين، وتصلح فيه «هذا» من جهة فأما أحد الوجهين من «ذلِكَ» فعلى معنى: هذه الحروف يا أحمد «١» ، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أُوحِيه إليك. والآخر أن يكون «ذلِكَ» على معنى يصلح فِيهِ «هَذَا» لأن قوله «هَذَا» و «ذلِكَ» يصلحان في كل كلام إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالأخبار عنه. ألا ترى أنك تقول: قد قدم فلان فيقول السامع: قد بلغنا ذلك، وقد بلغنا هذا الخبر، فصلحت فيه «هذا» لأنه قد قرب من جوابه، فصار كالحاضر الذي تشير إليه، وصلحت فيه «ذلِكَ» لانقضائه، والمنقضي كالغائب. ولو كان شيئًا قائما يرى لم يجز مكان «ذلِكَ» «هذا» ،
стр. 24
ولا مكان «هذا» «ذلِكَ» وقد قال الله جل وعز: «وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ» إلى قوله: «وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ» ثم قال: «هذا ذِكْرُ» «١» .
وقال جل وعز في موضع آخر: «وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ» ثم قال:
«هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ» «٢» . وقال جل ذكره: «وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ» ثم قال: «ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ» «٣» . ولو قيل في مثله من الكلام في موضع «ذلِكَ» : هذا» أو فى موضع «هذا» : «ذلِكَ» لكان صوابا.
وفي قراءة عبد الله بن مسعود «هَذَا فَذُوقُوهُ» وفي قراءتنا «ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ» «٤» .
فأما ما لا يجوز فِيهِ «هذا» في موضع «ذلِكَ» ولا «ذلِكَ» في موضع «هذا» فلو رأيت رجلين تنكر أحدهما لقلت للذي تعرف: مَن هذا الذي معك؟ ولا يجوز هاهنا: مَن ذلك؟ لأنك تراه بعينه.
وأما قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) فإنه رفع من وجهين ونصب من وجهين إذا أردت ب «الْكِتابُ» أن يكون نعتا ل «ذلِكَ» كان الهُدَى في موضع رفع لأنه خبر ل «ذلِكَ» كأنك قلت: ذلك هُدًى لا شك فيه «٥» . وإن جعلت لا رَيْبَ فِيهِ خبره رفعت أيضا (هُدىً) تجعله تابعا لموضع «لا رَيْبَ فِيهِ» كما قال الله : «وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ» «٦» كأنه قال: وهذا كتاب، وهذا مبارك، وهذا من صفته كذا وكذا. وفيه وجه ثالث من الرفع: إن شئت رفعته على الاستئناف لتمام ما قبله، كما قرأت القرّاء «الم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ. هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ» »
بالرفع
стр. 25
والنصب. وكقوله في حرف عَبْد اللَّه: «أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخٌ» «١» وهي في قراءتنا «شَيْخاً» .
فأما النصب في أحد الوجهين فأن تجعل «الْكِتابُ» خبرا ل «ذلِكَ» فتنصب «هُدىً» على القطع لأن «هُدىً» نكرة اتصلت بمعرفة قد تم خبرها فنصبتها لأن النكرة لا تكون دليلا على معرفة. وإن شئت نصبت «هُدىً» على القطع «٢» من الهاء التي في «فِيهِ» كأنك قلت: لا شك فيه هاديا.
واعلم أن «هذا» إذا كان بعده اسم فيه الألف واللام جرى على ثلاثة معان:
أحدها- أن ترى الاسم الذي بعد «هذا» كما ترى «هذا» ففعله حينئذ مرفوع «٣» كقولك: هذا الحمار فارهٌ. جعلت الحمار نعتًا لهذا إذا «٤» كانا حاضرين، ولا يجوز هاهنا النصب «٥» . والوجه الآخر- أن يكون ما بعد «هذا» واحدا يؤدّي عن جميع جنسه، فالفعل حينئذ منصوب كقولك: ما كان من السباع غير مخوف فهذا الأسد مخوفا ألا ترى أنك تخبر عن الأسْد كلِّها بالخوف. والمعنى الثالث- أن يكون ما بعد «هذا» واحدا لا نظير له فالفعل حينئذ أيضا منصوب. وإنما نصبت الفعل لأن «هذا» ليست بصفة للأسد إنما دخلت تقريبا «٦» ، وكان الخبر بطرح «هذا» أجود ألا ترى إنك لو قلت: ما لا يضر «٧» من السباع فالأسد ضارّ، كان أبين. وأما معنى التقريب: فهذا أول ما أخبركم عنه، فلم يجدوا بدّا من أن
стр. 26
يرفعوا هذا «بالأسد» ، وخبره منتظر، فلما شغل الأسد بمرافعة «١» «هذا» نصب فعله الذي كان يرافعه لخلوته «٢» . ومثله «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» «٣» فإذا أدخلت عليه «كان» ارتفع بها والخبر منتظر يتم به الكلام فنصبته لخلوته.
وأما نصبهم فعل الواحد الذي لا نظير له مثل قولك: هذه الشمس ضياءً للعباد، وهذا القمر نورًا فإن القمر واحد لا نظير له، فكان أيضا عن قولك «هذا» مستغنيا ألا ترى أنك إذا قلت: طلع القمر، لم يذهب الوهم إلى غائب فتحتاج أن تقول «هذا» لحضوره، فارتفع بهذا ولم يكن نعتا، ونصبت خبره للحاجة إليه.
وقوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ... (٧)
انقطع معنى الختم عند قوله: «وَعَلى سَمْعِهِمْ» . ورفعت «الغشاوة» ب «عَلى» ، ولو نصبتها بإضمار «وجعل» لكان صوابا. وزعم المفضَّل «٤» أن عاصم بن أبي النَّجُود كان ينصبها، على مثل قوله في الجاثية: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً» «٥» ومعناهما واحد، والله أعلم. وإنما يحسن الإضمار في الكلام الذي يجتمع ويدل أوله على أخره كقولك: قد أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس الحسن فقد ترى البناء لا يقع على العبيد والإماء ولا على الدواب ولا على الثياب، ولكنه من صفات اليسار
стр. 27
فحسن الإضمار لمّا عرف. ومثله فى سورة الواقعة: «يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ» «١» ثم قال: «وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ» فخفض بعض القراء، ورفع بعضهم الحور العين.
«٢» قال الذين رفعوا: الحور العين لا يطاف بهن فرفعوا على معنى قولهم: وعندهم حُورٌ عينٌ، أو مع ذلك حور عينٌ فقيل «٣» : الفاكهة واللحم لا يطاف بهما إنما يطاف بالخمر وحدها- والله أعلم- ثم أُتبع آخر الكلام أوله. وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم، وأنشدني بعض بني أسد يصف فرسه:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وماءً باردًا ... حتَّى شَتَتْ هَمَّالةً عَيْنَاهَا «٤»
والكتاب أعرب وأقوى في الحجة من الشعر. وأمّا ما لا يحسن فيه الضمير «٥» لقلة اجتماعه، فقولك: قد أعتقت مباركا أمس وآخر اليوم يا هذا وأنت تريد: واشتريت آخر اليوم لأن هذا مختلف لا يعرف أنك أردت ابتعت. ولا يجوز أن تقول:
ضربت فلانا وفلانا وأنت تريد بالآخر: وقتلت فلانا لأنه ليس هاهنا دليل.
ففي هذين الوجهين ما تعرف به ما ورد عليك إن شاء الله.
وقوله: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ... (١٦)
ربما قال القائل: كيف تربح التجارة وإنما يربح الرجل التاجر؟ وذلك من كلام العرب: ربح بَيْعُك وخسر بيعُك، فحسن «٦» القول بذلك لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة، فعلم معناه. ومثله من كلام العرب: هذا ليل نائم. ومثله من كتاب الله: «فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ» «٧» وإنما العزيمة للرجال، ولا يجوز الضمير «٨»
стр. 28
إلا في مثل هذا. فلو قال قائل: قد خسر عبدك لم يجز ذلك، (إن كنت) «١» تريد أن تجعل العبد تجارةً يُربَح فيه أو يُوضَع «٢» لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح أو يُوضَع، فلا يعلم معناه إذا ربح هو من معناه إذا كان مَتْجُورًا فيه. فلو قال قائل: قد ربحت دراهمُك ودنانيرُك، وخسر بَزُّك ورقيقك كان جائزا لدلالة بعضه على بعض.
وقوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ... (١٧)
فإنما ضرب المثل- والله أعلم- للفعل لا لاعيان الرجال، وإنما هو مَثَل للنفاق فقال: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ولم يقل: الذين استوقدوا. وهو كما قال الله: «تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ» «٣» . وقوله: «مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ» «٤» فالمعنى- والله أعلم-: إلا كبعث نفس واحدة ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعا «٥» كما قال: «كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ» «٦» أراد الْقِيمَ «٧» والأجسام، وقال: «كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ» «٨» فكان مجموعا إذ «٩» أراد تشبيه أعيان الرجال فأجْر الكلام على هذا. وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحّدا فى شعر فأجْر الكلام على هذا. وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحَّدا في شعر فأجِزْه. وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا في شعر فهو «١٠» أيضا يراد به الفعل فأجزه كقولك: ما فِعْلك إلا كفعل الحَمِير، وما أفعالكم إلا كفعل الذِّئب فابنِ على «١١» هذا، ثم تُلْقِي الفعلَ فتقول: ما فعلك إلا كالحَميرِ وكالذئب.
وإنما قال الله : «ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ» لأن المعنى ذهب إلى المنافقين فجمع لذلك. ولو وُحِّد لكان صوابا كقوله: «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الْأَثِيمِ.
стр. 29
كَالْمُهْلِ تغلى فِي الْبُطُونِ» «١» و «يَغْلِي» فمن أنّث ذهب إلى الشجرة، ومن ذَكَّر ذهب إلى المهل. ومثله قوله : «أَمَنَةً نُعاساً تغشى طائِفَةً مِنْكُمْ» «٢» للأمنة، و «يَغْشى» للنعاس.
وقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) رفعن وأسماؤهن «٣» في أول الكلام منصوبة لأن الكلام تم وانقضت به آية، ثم استؤنفت «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ» في آية أخرى، فكان أقوى للاستئناف، ولو تم الكلام ولم تكن آية لجاز أيضا الاستئناف قال الله ﵎: «جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً. رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ» «٤» «الرَّحْمنِ» يرفع ويخفض في الإعراب، وليس الذي قبله بآخر آية. فأما ما جاء في رءوس الآيات مستأنفا فكثير من ذلك قول الله: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ» إلى قوله: «وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» «٥» . ثم قال جل وجهه: «التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ» بالرفع فى قراءتنا، وفي حرف ابن مسعود «٦» «التائبين العابدين الحامدين» . وقال: «أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ» «٧» . يُقرأ بالرفع والنصب على ما فسرت لك. وفي قراءة عبد الله: «صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا» بالنصب.
ونصبُه على جهتين إن شئت على معنى: تركهم صمًّا بكما عميا، وإن شئت اكتفيت بأن توقع الترَك عليهم في الظلمات، ثم تستأنف «صُمًّا» بالذمّ لهم.
والعرب تنصب بالذمّ وبالمدح لأن فيه مع الأسماء مثل معنى قولهم: وَيْلا له، وَثَوَابًا له، وَبُعْدًا وسقيا ورعيا.
стр. 30
وقوله: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ... (١٩)
مردود على قوله: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً» . أَوْ كَصَيِّبٍ:
أو كمثل صيِّب، فاستُغني بذكر «الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً» فطُرِح ما كان ينبغي أن يكون مع الصيب من الأسماء، ودل عليه المعنى لأن المثل ضرب للنفاق، فقال:
فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ فشبه الظلمات «١» بكفرهم، والبرق «٢» إذا أضاء لهم فمشوا فيه بإيمانهم، والرعد ما أتى في القرآن من التخويف. وقد قيل فيه وجه آخر قيل: إن الرعد إنما ذُكِر مَثَلا لخوفهم من القتال إذا دُعُوا إليه. ألا ترى أنه قد قال في موضع آخر: «يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ» «٣» أي يظنون أنهم أبدًا مغلوبون.
ثم قال: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ فنصب «حَذَرَ» على غير وقوعٍ من الفعل عليه لم ترد يجعلونها حذرا، إنما هو كقولك: أعطيتك خَوْفًا وفَرَقًا. فأنت لا تعطيه الخوف، وإنما تعطيه من أجل الخوف فنصبه على التفسير ليس بالفعل، كقوله جل وعز: «يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً» «٤» . وكقوله: «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً» «٥» والمعرفة والنكرة تفسِّران في هذا الموضع، وليس نصبه على طرح «مِنَ» . وهو «٦» مما قد يستدل به المبتدئ للتعليم.
وقوله: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ... (٢٠)
والقراء تقرأ «يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ» بنصب الياء والخاء والتشديد. وبعضهم ينصب الياء ويخفض الخاء ويشدد الطاء فيقول: «يَخْطَفُ» . وبعضهم يكسر
стр. 31
الياء والخاء ويشدد فيقول: «يَخْطَفُ» . وبعضٌ من قراء أهل المدينة يسكن الخاء والطاء فيجمع بين ساكنين فيقول: «يَخْطَفُ» . فأما من قال: «يَخْطَفُ» فإنه نقل إعراب التاء المدغمة إلى الخاء إذ كانت منجزمة. وأما من كسر الخاء فإنه طلب كسرة الألف التي في اختطف والاختطاف وقد قال فيه بعض النحويين: إنما كسرت الخاء لأنها سكنت وأُسكنت التاء بعدها فالتقى ساكنان فخفضتَ الأوّل كما قال: اضربِ الرجل فخفضتَ الباء لاستقبالها اللام.
وليس الذي قالوا بشيء لأن ذلك لو كان كما «١» قالوا لقالت العرب في يَمُدّ:
يَمِدّ لأن الميم [كانت «٢» ] ساكنة وسكنت الأولى من الدالين. ولقالوا في يَعَضّ:
يَعِضّ. وأما من خفض الياء والخاء فإنه أيضا من طَلَبِه كسرة الألف لأنها كانت في ابتداء الحرف مكسورة. وأما من جمع بين الساكنين فإنه كمن بني على التبيان «٣» إلا أنه إدغام خفيّ. وفي قوله: «أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى» «٤» وفى قوله: «تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ» «٥» مثل ذلك التفسير إلا أن حمزة الزيات قد قرأ: «تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ» بتسكين الخاء، فهذا معنى «٦» سوى ذلك «٧» وقوله: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ... (٢٠)
فيه لغتان: يقال: أضاءَ القمر، وضاءَ القمر فمن قال ضاء القمرُ قال:
يضوء ضَوءا. والضّوء فيه لغتان: ضم الضاد وفتحها.
يضوء ضَوءا والضّوء فيه لغتان، ضم الضاد وفتحها.
وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ فيه لغتان: أظلم الليل «٨» وظلم.
стр. 32
وقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ ... (٢٠)
المعنى «١» - والله أعلم-: ولو شاء الله لاذهب سمعهم. ومن شأن العرب أن تقول «٢» : أذهبت بصره بالألف إذا أسقطوا الباء. فإذا أظهروا الباء أسقطوا الألف من «أذهبت» . وقد قرأ بعض القرّاء: «يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ» «٣» بضم الياء والباء في الكلام. وقرأ بعضهم: «وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ» «٤» . فترى- والله أعلم- أن الذين ضموا على معنى الألف شبَّهوا دخول الباء وخروجها من هذين الحرفين بقولهم: خذ بالخطام، وخذ الخطام، وتعلقت بزيد، وتعلقت زيدا. فهو «٥» كثير في الكلام والشعر، ولستُ أستحبُّ ذلك «٦» لقلَّته، ومنه «٧» قوله: «آتِنا غَداءَنا» «٨» المعنى- والله أعلم- ايتنا بغدائنا فلما أسقطت الباء زادوا ألفا في فعلت، ومنه قوله :
«قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً» «٩» المعنى- فيما جاء «١٠» - ايتوني بِقطر أُفرِغ عليه، ومنه قوله: «فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ» «١١» المعنى- والله أعلم- فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة.
وقوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ... (٢٣)
الهاء كناية عن القرآن فأتوا بسورة من مثل القرآن. وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ يريد آلهتكم. يقول: استغيثوا بهم وهو كقولك للرجل: إذا لقيت العدو خاليا فادع المسلمين. ومعناه: فاستغث واستعن «١٢» بالمسلمين.
стр. 33
وقوله: النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ... (٢٤)
الناس وقودها والحجارة وقودها. وزعموا أنه كبريت يُحمى، وأنه أشدّ الحجارة حرّا إذا أحميت. ثم قال: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ يعنى النار «١» .
وقوله: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً اشتبه عليهم، فيما ذكر في لونه «٢» ، فإذا ذاقوه عرفوا أنه غير الذي كان قبله.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ... (٢٦)
فإن قال قائل: أين الكلام الذي هذا جوابه، فإنا لا نراه فى سورة البقرة؟
فذكِر لنا «٣» أن اليهود لما قال الله: «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً» «٤» قال أعداء الله: وما هذا من الأمثال؟ وقالوا مثل ذلك عند إنزاله: «يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً» - إلى قوله- «ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ» «٥» لذِكر الذباب والعنكبوت فأنزل الله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها. فالذى «فَوْقَها» يريد أكبر منها، وهو العنكبوت والذباب. ولو جعلت في مثله من الكلام «فَما فَوْقَها» تريد أصغر منها لجاز ذلك. ولست أستحسنه «٦» لأن البعوضة كأنها غاية في الصغر، فأحَبُّ إلىّ أن أجعل «فَما فَوْقَها» أكبر
стр. 34
منها. ألا ترى أنك تقول: يُعْطى من الزكاة الخمسون فما دونها. والدرهم فَمَا فوقه فيضيق الكلام «١» أن تقول: فوقه فيهما. أو دونه فيهما. وأما موضع حسنها في الكلام فأن يقول القائل: إن فلانا لشريف، فيقول السامع: وفوق ذاك يريد المدح. أو يقول: إنه لبخيل، فيقول الآخُر: وفوق ذاك، يريد بكليهما معنى أكبر. فإذا عرفت أنت الرجل فقلت: دون ذلك فكأنّك تحطّه عن غاية الشرف أو غاية البُخل. ألا ترى أنك إذا قلت: إنه لبخيلٌ وفوق ذاك، تريد فوق البخل، وفوق ذاك، وفوق الشرف. وإذا قلت: دون ذاك، فأنت رجلٌ عرفته فأنزلتَه قليلا عن دَرَجته. فلا تقولنّ: وفوق ذاك، إلا في مدح أو ذمّ.
قال الفرّاء: وأما نصبهم «بَعُوضَةً» فيكون من ثلاثة أوجه:
أوّلها: أن تُوقع الضّرب على البعوضة، وتجعل «ما» صلة كقوله: «عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ» «٢» [يريد عن «٣» قليل] المعنى- والله أعلم- إن الله لا يستحيى أن يضرب بعوضة فما فوقها مثلا.
والوجه الآخر: أن تجعل «ما» اسما، والبعوضة صلة «٤» فتعرّبها بتعريب «ما» . وذلك جائز فى «مِنْ» و «ما» لأنهما يكونان معرفة في حال ونكرة في حال كما قال حسَّان بن ثابت:
فَكَفَى بِنا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنا ... حُبُّ النَّبِيءِ محمّد إيّانا «٥»
стр. 35
[قال الفراء: ويروى:
... على مَنْ غَيْرُنا «١» ] والرفع فى «بَعُوضَةً» هاهنا جائز، لأن الصلة تُرفَعُ، واسمها «٢» منصوب ومخفوض.
وأما الوجه «٣» الثالث- وهو أحبها إلي- فأن تجعل المعنى على: إن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها. والعربُ إذا ألْقَتْ «بَيْنَ» من كلام تصلُح «إِلَى» في آخره نصبوا الحرفين المخفوضين اللذين خفض أحدهما ب «بين» والآخر ب «إلى» . فيقولون: مُطرْنا ما زُبالَةَ فالثّعْلبية «٤» ، وله عشرون ما ناقةً فجملا، وهي أحسن الناس ما قَرْنًا فقدَمًا «٥» . يراد به ما بين قرنها إلى قدمها.
ويجوز أن تجعل القرن «٦» والقدم معرفة، فتقول: هي حسنةٌ ما قرنها فقدمها.
فإذا لم تصلح «إلى» في أخر الكلام لم يجزْ سقوطُ «بين» من ذلك أن تقول:
داري ما بَيْنَ الكوفة والمدينة. فلا يجوز أن تقول: داري ما الكوفة فالمدينة لأن «إلى» إنما تصلح إذا كان ما بين المدينة والكوفة كلُّه من دارك، كما كان المطر آخذا ما بين زُبالَة إلى الثَّعلبية. ولا تصلح الفاء مكانَ الواو فيما لا تصلح فيه «إلى» كقولك: دار فلان بَيْنَ الحيرة فالكوفة مُحالٌ. وجلست بين عبد الله فزيدٍ محالٌ، إلا أن يكون مقعدُك آخذًا للفضاء الذي بينهما. وإنما امتنعت الفاءُ من الذي «٧» لا تصلح فيه «إلى» لأن الفعل فيه لا يأتي فيتّصل، و «إلى»
стр. 36
محتاج إلى اسمين يكون الفعل بينهما كطَرْفةِ عَيْنٍ، وإن قَصُر قدرُ الذي بينهما مما يوجد «١» ، فصلحت الفاءُ في «إلى» لأنك تقول: أخذ المطرُ أوَلَه فكذا وكذا إلى آخره. فلما كان الفعل كثيرا شيئًا بعد شيء في المعنى كان فيه تأويلٌ من الجزاء. ومثله أنهم قالوا: إن تأتني فأنت مُحسنُ. ومحال أن تقول: إن تأتني وأنت محسن فرضُوا بالفاء جوابا في الجزاء ولم تصلح الواو.
قال الكسائي: سمعت أعرابيا ورأى الهلال فقال: الحمد لله ما إِهلالك إلى سَرارِك. يريد ما بين إِهلالِك إلى سرارك فجعلوا النصب الذي كان يكون في «بَيْنَ» فيما بعده إذا سقطت ليُعلم أن معنى «بَيْنَ» مُرادٌ. وحكى الكسائي عن بعض العرب: الشنق ما خمسا إِلَى خمس وعشرين. يريد ما بين خمس إِلَى خمس وعشرين. والشَّنَق: ما لم تجب فيه الفريضة من الإبل. والأوْقاصُ «٢» في البقر.
وقوله: مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ... (٢٦)
كأنه قال- والله أعلم- ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد يضل به هذا ويهدي به هذا. قال الله: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ.
وقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ... (٢٨)
على وجه التعجُّب والتوبيخ لا على الاستفهام المحض [أي «٣» ] وَيْحكم كيف تكفرون! وهو كقوله: «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ» «٤» . وقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
стр. 37
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً. المعنى- والله أعلم- وقد كنتم، ولولا إضمار «قد» لم يجز مثله في الكلام «١» . ألا ترى أنه قد قال فى سورة يوسف: «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ» «٢» . المعنى- والله أعلم- فقد كَذَبتْ. وقولك للرجل: أصبحت كَثُرَ مالُك، لا يجوز إلا وأنت تريدُ: قد كَثُرَ مالُك لانهما جميعا قد كانا، فالثاني حال للأوّل، والحالُ لا تكون إلا بإضمار «قد» أو بإظهارها ومثله في كتاب الله:
«أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ» «٣» يريد- والله أعلم-[جاءوكم قد حصرت صدورهم «٤» ] . وقد قرأ بعض القرّاء- وهو الحسن البصري- «خصرة صدورهم» .
كأنه لم يعرف الوجه في «٥» أصبح عبد الله قام أو أقبل أخذ شاة، كأنه يريدُ فقد أخَذَ شاة. وإذا كان الأول لم يَمْضِ لم يجز الثاني بقَدْ ولا بغير قد، مثل قولك: كاد قام، ولا أراد قام لأن الإرادة شيء يكون ولا يكون الفعل، ولذلك كان محالا قولك: عسى قام لأن عسى وإن كان لفظها على فَعَلَ فإنها لمستقبل «٦» ، فلا يجوز عسى قد قام، ولا عسى قام، ولا كاد قد قام، ولا كاد قام لأن ما بعدهما لا يكون
стр. 38
ماضيا فإن جئت بيكون مع عسى وكاد صلح ذلك فقلت: عسى أن يكون قد ذهب كما قال الله: «قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ» «١» .
وقوله: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ يعني نُطَفا «٢» ، وكل ما فارق الجسد من شعر أو نُطْفة فهو ميتة والله أعلم. يقول: فأحياكم من النُّطَف، ثُم يميتكم بعد الحياة، ثم يحييكم للبعث.
وقوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ ... (٢٩)
الاستواء في كلام العرب على جهتين: إحداهما أن يستوى الرجل [و] «٣» ينتهى شبابُه، أو يستوي عن اعْوِجاج، فهذان وجهان. ووجه ثالث أن تقول: كان مقبلا على فلان ثم استوى على يُشاتمني وإلى سَوَاءٍ «٤» ، على معنى أَقْبَلَ إلى وعليّ فهذا معنى قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ والله أعلم. وقال «٥» ابن عباس: ثم استوى إلى السماء: صعِد، وهذا كقولك للرجل: كان قائما فاستوى قاعدا، وكان قاعدا فاستوى قائما. وكلٌّ في كلام العرب جائزٌ.
فأما قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ فإن السماء في معنى جمع، فقال «فَسَوَّاهُنَّ» للمعنى المعروف أنهنّ سبعُ سَمَوَاتٍ. وكذلك الأرض يقع عليها- وهى واحدة- الجمع. ويقع عليهما التوحيدُ وهما مجموعتان، قال الله : «رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» «٦» . ثم قال: «وَما بَيْنَهُما» ولم يقل بينهن، فهذا دليل على ما (قلت «٧» لك) .
стр. 39
وقوله: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ ... (٣١)
فكان عَرَضَهُمْ «١» على مذهب شخوص العالمين «٢» وسائر العالم، ولو قُصِد قَصْد الأسماء بلا شخوص جاز فيه «عرضهنّ» و «عرضها» . وهي في حرفِ عبد الله «ثم عرضهن» وفي حرف أبي «ثم عرضها» ، فإذا قلت «عرضها» جاز أن تكون للأسماء دون الشخوص وللشخوص دون الأسماء.
وقوله: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ ... (٣٣)
إن همزت قلت أَنْبِئْهُمْ ولم يجز كسر الهاء والميم لأنها همزة وليست بياء فتصير مثل «عليهم» . وإن ألقيت الهمزة فأثبت الياء أو لم تثبتها جاز رفعُ «هُمْ» وكسرها على ما وصفت لك في «عليهم» و «عليهم» .
وقوله: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا ... (٣٥)
إن شئت جعلت فَتَكُونا جوابا نصبا، وإن شِئتَ عطفتَه على أول الكلام فكان جزْما مثل قول امرئ القيس:
فقلتُ له صَوِّبْ ولا تجهدنه ... فيذرك من أخرى القطاة فتزلق «٣»
стр. 40
فجزم. ومعنى الجزم كأنه تكرير النهى، كقول القائل: لا تذهب ولا تعرض لأحد. ومعنى الجواب والنصب لا تفعل هذا فيُفعلَ بك مجازاةً، فلما عُطف حرفُ على غير ما يشاكله وكان في أوله حادثٌ لا يصلح في الثاني نُصِبَ. ومثله قوله: «وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي» «١» و «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ» «٢» و «فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ» «٣» . وما كان من نفي ففيه ما في هذا، ولا يجوز الرفع في واحد من الوجهين إلا أن تريد الاستئناف بخلاف المعنيين كقولك للرجل: لا تركب إلى فلان فيركبُ إليك تريد لا تركب إليه فإنه سيركب إليك، فهذا مخالف للمعنيين لأنه استئناف، وقد قال الشاعر:
أَلَمْ تَسْألِ الَّرْبعَ الْقَدِيمَ فَيَنْطِقُ ... وَهَلْ تُخْبِرَنْكَ الْيَوْمَ بَيْدَاءَ سَمْلَقُ «٤»
أراد: ألم تسأل الربع فإنه يخبرك عن أهله، ثم رجع إلى نفسه فأكذبها، كما قال زهير بن أبي سُلْمَى المُزَنيّ:
قِفْ بِالدِّيَارِ التي لَمْ يَعْفُها الْقِدَمُ ... بَلَى وغَيَّرها الأرْواحُ والدِّيَمُ
فأكذب نفسه. وأما قوله: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ» «٥» فإنّ جوابه قوله: «فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» والفاء التي فى قوله: «فَتَطْرُدَهُمْ»