← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

محتاج إلى اسمين يكون الفعل بينهما كطَرْفةِ عَيْنٍ، وإن قَصُر قدرُ الذي بينهما مما يوجد «١» ، فصلحت الفاءُ في «إلى» لأنك تقول: أخذ المطرُ أوَلَه فكذا وكذا إلى آخره. فلما كان الفعل كثيرا شيئًا بعد شيء في المعنى كان فيه تأويلٌ من الجزاء. ومثله أنهم قالوا: إن تأتني فأنت مُحسنُ. ومحال أن تقول: إن تأتني وأنت محسن فرضُوا بالفاء جوابا في الجزاء ولم تصلح الواو. قال الكسائي: سمعت أعرابيا ورأى الهلال فقال: الحمد لله ما إِهلالك إلى سَرارِك. يريد ما بين إِهلالِك إلى سرارك فجعلوا النصب الذي كان يكون في «بَيْنَ» فيما بعده إذا سقطت ليُعلم أن معنى «بَيْنَ» مُرادٌ. وحكى الكسائي عن بعض العرب: الشنق ما خمسا إِلَى خمس وعشرين. يريد ما بين خمس إِلَى خمس وعشرين. والشَّنَق: ما لم تجب فيه الفريضة من الإبل. والأوْقاصُ «٢» في البقر. وقوله: مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ... (٢٦) كأنه قال- والله أعلم- ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد يضل به هذا ويهدي به هذا. قال الله: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ. وقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ... (٢٨) على وجه التعجُّب والتوبيخ لا على الاستفهام المحض [أي «٣» ] وَيْحكم كيف تكفرون! وهو كقوله: «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ» «٤» . وقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ

стр. 37

وَكُنْتُمْ أَمْواتاً. المعنى- والله أعلم- وقد كنتم، ولولا إضمار «قد» لم يجز مثله في الكلام «١» . ألا ترى أنه قد قال فى سورة يوسف: «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ» «٢» . المعنى- والله أعلم- فقد كَذَبتْ. وقولك للرجل: أصبحت كَثُرَ مالُك، لا يجوز إلا وأنت تريدُ: قد كَثُرَ مالُك لانهما جميعا قد كانا، فالثاني حال للأوّل، والحالُ لا تكون إلا بإضمار «قد» أو بإظهارها ومثله في كتاب الله: «أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ» «٣» يريد- والله أعلم-[جاءوكم قد حصرت صدورهم «٤» ] . وقد قرأ بعض القرّاء- وهو الحسن البصري- «خصرة صدورهم» . كأنه لم يعرف الوجه في «٥» أصبح عبد الله قام أو أقبل أخذ شاة، كأنه يريدُ فقد أخَذَ شاة. وإذا كان الأول لم يَمْضِ لم يجز الثاني بقَدْ ولا بغير قد، مثل قولك: كاد قام، ولا أراد قام لأن الإرادة شيء يكون ولا يكون الفعل، ولذلك كان محالا قولك: عسى قام لأن عسى وإن كان لفظها على فَعَلَ فإنها لمستقبل «٦» ، فلا يجوز عسى قد قام، ولا عسى قام، ولا كاد قد قام، ولا كاد قام لأن ما بعدهما لا يكون

стр. 38

ماضيا فإن جئت بيكون مع عسى وكاد صلح ذلك فقلت: عسى أن يكون قد ذهب كما قال الله: «قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ» «١» . وقوله: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ يعني نُطَفا «٢» ، وكل ما فارق الجسد من شعر أو نُطْفة فهو ميتة والله أعلم. يقول: فأحياكم من النُّطَف، ثُم يميتكم بعد الحياة، ثم يحييكم للبعث. وقوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ ... (٢٩) الاستواء في كلام العرب على جهتين: إحداهما أن يستوى الرجل [و] «٣» ينتهى شبابُه، أو يستوي عن اعْوِجاج، فهذان وجهان. ووجه ثالث أن تقول: كان مقبلا على فلان ثم استوى على يُشاتمني وإلى سَوَاءٍ «٤» ، على معنى أَقْبَلَ إلى وعليّ فهذا معنى قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ والله أعلم. وقال «٥» ابن عباس: ثم استوى إلى السماء: صعِد، وهذا كقولك للرجل: كان قائما فاستوى قاعدا، وكان قاعدا فاستوى قائما. وكلٌّ في كلام العرب جائزٌ. فأما قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ فإن السماء في معنى جمع، فقال «فَسَوَّاهُنَّ» للمعنى المعروف أنهنّ سبعُ سَمَوَاتٍ. وكذلك الأرض يقع عليها- وهى واحدة- الجمع. ويقع عليهما التوحيدُ وهما مجموعتان، قال الله : «رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» «٦» . ثم قال: «وَما بَيْنَهُما» ولم يقل بينهن، فهذا دليل على ما (قلت «٧» لك) .

стр. 39

وقوله: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ ... (٣١) فكان عَرَضَهُمْ «١» على مذهب شخوص العالمين «٢» وسائر العالم، ولو قُصِد قَصْد الأسماء بلا شخوص جاز فيه «عرضهنّ» و «عرضها» . وهي في حرفِ عبد الله «ثم عرضهن» وفي حرف أبي «ثم عرضها» ، فإذا قلت «عرضها» جاز أن تكون للأسماء دون الشخوص وللشخوص دون الأسماء. وقوله: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ ... (٣٣) إن همزت قلت أَنْبِئْهُمْ ولم يجز كسر الهاء والميم لأنها همزة وليست بياء فتصير مثل «عليهم» . وإن ألقيت الهمزة فأثبت الياء أو لم تثبتها جاز رفعُ «هُمْ» وكسرها على ما وصفت لك في «عليهم» و «عليهم» . وقوله: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا ... (٣٥) إن شئت جعلت فَتَكُونا جوابا نصبا، وإن شِئتَ عطفتَه على أول الكلام فكان جزْما مثل قول امرئ القيس: فقلتُ له صَوِّبْ ولا تجهدنه ... فيذرك من أخرى القطاة فتزلق «٣»

стр. 40

فجزم. ومعنى الجزم كأنه تكرير النهى، كقول القائل: لا تذهب ولا تعرض لأحد. ومعنى الجواب والنصب لا تفعل هذا فيُفعلَ بك مجازاةً، فلما عُطف حرفُ على غير ما يشاكله وكان في أوله حادثٌ لا يصلح في الثاني نُصِبَ. ومثله قوله: «وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي» «١» و «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ» «٢» و «فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ» «٣» . وما كان من نفي ففيه ما في هذا، ولا يجوز الرفع في واحد من الوجهين إلا أن تريد الاستئناف بخلاف المعنيين كقولك للرجل: لا تركب إلى فلان فيركبُ إليك تريد لا تركب إليه فإنه سيركب إليك، فهذا مخالف للمعنيين لأنه استئناف، وقد قال الشاعر: أَلَمْ تَسْألِ الَّرْبعَ الْقَدِيمَ فَيَنْطِقُ ... وَهَلْ تُخْبِرَنْكَ الْيَوْمَ بَيْدَاءَ سَمْلَقُ «٤» أراد: ألم تسأل الربع فإنه يخبرك عن أهله، ثم رجع إلى نفسه فأكذبها، كما قال زهير بن أبي سُلْمَى المُزَنيّ: قِفْ بِالدِّيَارِ التي لَمْ يَعْفُها الْقِدَمُ ... بَلَى وغَيَّرها الأرْواحُ والدِّيَمُ فأكذب نفسه. وأما قوله: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ» «٥» فإنّ جوابه قوله: «فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» والفاء التي فى قوله: «فَتَطْرُدَهُمْ»

стр. 41

جواب لقوله: «مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ» ففى قوله: «فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» الجزم والنصب على ما فسرت لك، وليس في قوله: «فَتَطْرُدَهُمْ» إلا النصب، لأن الفاء فيها مردودة على محلٍّ وهو قوله: «مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ» و «عَلَيْكَ» لا تشاكل الفعل، فإذا كان ما قبل الفاء اسما لا فعل فيه، أو محلا مثل قوله: «عندك وعليك وخلفك» ، أو كان فعلا ماضيا مثل: «قام وقعد» لم يكن في الجواب بالفاء إلا النصب. وجاز في قوله: فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرى الْقَطَاةِ فَتَزْلِقُ لان الذي قبل الفاء يفعل والذي بعدها يفعل، وهذا مشاكل بعضه لبعض لأنه فعل مستقبل فيصلح أن يقع على أخره ما يقع على أوله، وعلى أوله ما يقع على أخره لأنه فعل مستقبل «١» . وقوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ... (٣٧) ف آدَمُ مرفوع والكلمات في موضع نصب. وقد قرأ بعض القراء: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فجعل الفعل للكلمات، والمعنى- والله أعلم- واحد لأن ما لقيك فقد لقينه، وما نالك فقد نلته. وفي قراءتنا: «لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» «٢» وفي حرف عبد الله: «لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمون» . وقوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ [الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ «٣» ] ... (٤٠) المعنى لا تنسوا نعمتي، لتكن منكم على ذُكْر، وكذلك كل ما جاء من ذكر النعمة فإن معناه- والله أعلم- على هذا: فاحفظوا ولا تَنْسَوْا. وفي حرف عبد الله:

стр. 42

«ادَّكروا» «١» . وفي موضع آخر: «٢» : «وَتَذَكروا ما فيه» . ومثله في الكلام أن تقول: اذكُرْ مَكاني مِنْ أبيك» . وأما نصب الياء من «نِعْمَتِيَ» فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان: الإرسالُ والسكون، والفتح، فإذا لَقيتها ألفٌ ولام، اختارت العربُ اللغة التي حركت فيها الياء وكرِهوا الأخرى لأن اللام ساكنة فتسقط الياء عندها لسكونها، فاستقبحوا أن يقولوا: نعمتي «٣» الّتي، فتكون كأنها مخفوضة على غير إضافة، فأخذوا بأوثق الوجهين وأبينهما. وقد يجوز إسكانها عند الألف واللام وقد قال اللَّه: «يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ» «٤» فقرئت بإرسال الياء ونصبها، وكذلك ما كان فِي القرآن مما فِيهِ ياء ثابتة ففيه الوجهان، وما لم تكن فيه الياء لم تنصب. وأمَّا قوله: «فَبَشِّرْ عِبادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ» «٥» . فإن هذه بغير ياء، فلا تنصب ياؤها وهي محذوفة وعلى هذا يقاس كل ما فِي القرآن منه. وقوله: «فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ» «٦» زعم الكسائي أن العرب تستحب نصب الياء عند كل ألف مهموزة سوى الألف واللام، مثل قوله: «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ» «٧» و «إِنِّي أَخافُ اللَّهَ» «٨» . ولم أر ذلك عند العرب رايتهم يرسلون الياء فيقولون: عندي أبوك، ولا يقولون: عندي أَبُوك بتحريك الياء إلا أن يتركوا الهمز فيجعلوا الفتحة فِي الياء فِي هذا ومثله. وأما قولهم: لِيَ ألفان، وَبِي أخواك كفيلان،

стр. 43

فإنهم ينصبون فِي هذين لقلتهما «١» ، [فيقولون: بي أخواك، ولي ألفان، لقلتهما «٢» ] والقياس فيهما وفيما قبلهما واحد. وقوله: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا ... (٤١) وكل ما كان فِي القرآن من هذا قد نُصِبَ فِيهِ الثَّمَنُ وأدخلت الباء فِي المبيع أو المشترى، فإن ذلك أكثر ما يأتي فِي الشيئين لا يكونان ثَمَنًا معلوما مثل الدنانير والدراهم فمن ذلك: اشتريتُ ثوبا بكساء أيَّهما شئتَ تجعله ثَمَنًا لصاحبه لأنه ليس من الأثمان، وما كان ليس من الأثمان مثل الرقيق والدور وجميع العروض فهو على هذا. فإن جئت إلى الدراهم والدنانير وضعت الباء فى الثّمن، كما قال فى سورة يوسف: «وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ» «٣» لأن الدراهم ثمنٌ أبدا، والباء إنما تدخل فِي الأثمان، فذلك قوله: «اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا» «٤» ، «اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ» «٥» ، [اشتروا الضلالة بالهدى «٦» ] «وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ» «٧» ، فأدخل الباء فِي أي هذين شئت حَتَّى تصير إلى الدنانير والدراهم فإنك تُدخل الباء فيهن مع العُروض، فإذا اشتريت أحدهما [يعني الدنانير والدراهم] «٨» بصاحبه أدخلت الباء فِي أيهما شئت لأن كل واحد منهما فِي هذا الموضع بيعٌ «٩» وثمنٌ، فإن أحببت أن تعرف فرق ما بين العُروض وبين الدراهم، فإنك تعلم أن من اشترى عَبْدا بألف درهم معلومة، ثُمَّ وجد به عيبا فرده لم يكن له على البائع «١٠» أن يأخذ ألفه بعينه، ولكن ألفا. ولو اشترى عَبْدا بجارية ثُمَّ وجد به عيبا لم يرجع بجارية أخرى مثلها، فذلك دليل على أن العُروض ليست بأثمان.

стр. 44

وقوله: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ «١» (٣٦) فإنه خاطب آدم وامرأته، ويقال أيضا: آدم وإبليس، وقال: «اهْبِطُوا» يعنيه ويعني ذريته، فكأنه خاطبهم. وهو كقوله: «فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» «٢» . المعنى- والله أعلم- أَتَيْنا بما فينا من الخلق طائعين. ومثله قول إِبْرَاهِيم: «رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ» . ثم قال: «وَأَرِنا مَناسِكَنا» «٣» وفي قراءة عَبْد اللَّه «وأرهم مناسكهم» فجمع قبل أن تكون ذريته. فهذا ومثله فِي الكلام مما تتبين به المعنى أن تقول للرجل: قد تزوّجت وولد لك فكثرتم وعززتم. وقوله: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ... (٤٨) فإنه قد يعود على اليوم والليلة ذِكْرُهما مرة بالهاء وحدها ومرة بالصفة فيجوز ذلك «٤» كقولك: لا تجزى نفس عن نفس شيئًا وتضمر الصفة، ثم

стр. 45

تظهرها فتقول: لا تجزى فِيهِ نفس عن نفس شيئا. وكان الكسائي لا يجيز إضمار الصفة فِي الصلات ويقول: لو أجزت إضمار الصفة هاهنا لأجزت: أنت الَّذِي تكلمتُ وأنا أريد الَّذِي تكلمتُ فِيهِ. وقال غيره من أهل البصرة: لا نجيز الهاء ولا تكون، وإنما يضمر فِي مثل هذا الموضع الصفة. وقد أنشدني بعض العرب: يا رُبَّ يَوْم لو تَنَزّاهُ «١» حول ... أَلْفَيْتَني ذا عنزٍ وذا طول وأنشدني آخر: قد صَبَّحت «٢» صبَّحها السلامُ ... بِكَبِدٍ خالَطها سَنامُ فِي ساعة يُحَبُّها الطعامُ ولم يقل يُحَبّ فيها. وليس يدخل على الكسائي ما أدخل على نفسه لأن الصفة فِي هذا الموضع والهاء متفق معناهما، ألا ترى أنك تقول: آتيك يوم الخميس، وفي يوم الخميس، فترى المعنى واحدا، وإذا قلت: كلمتُك كان غير كلّمتُ فيك، فلما اختلف المعنى لم يجز إضمار الهاء مكان «فِي» ولا إضمار «فِي» مكان الهاء. وقوله: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ... «٣» (٤١) فوحد الكافر وقبله جمعٌ وذلك من كلام العرب فصيحٌ جيدٌ فِي الاسم إذا كان مشتقًّا من فِعْل، مثل الفاعل والمفعول يرادُ به ولا تكونوا أول من يكفر فتحذف «من» ويقوم الفعل مقامها فيؤدي الفعلُ عن مثل

стр. 46

ما أدّت «من» عَنْهُ من التأنيث والجمع وهو فِي لفظ توحيدٍ. ولا يجوز فِي مثله من الكلام أن تقول: أنتم أفضلُ رجلٍ، ولا أنتما خير رَجُل لأن الرجل يثنى ويجُمع ويُفرد [فُيعَرف «١» ] واحدُه من جمعه، والقائم قد يكون لشيء ولمن فيؤدي عَنْهُمَا وهو موحَّد ألا ترى أنك قد تقول: الجيْشُ مقبلٌ والجُنْد منهزمٌ، فتوحِّد الفعل لتوحيده، فإذا صرت إلى الأسماء قلت: الجيش رجالٌ والجند رجالٌ ففي هذا تبيان «٢» وقد قال الشاعر: وإذا هُمُ طَعِمُوا فَأَلامُ طاعِمٍ ... وإذا هُمُ جاعُوا فشَرُّ جِيَاعِ «٣» فجمعه وتوحيده جائز حسنٌ. وقوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) إن شئت جعلت «وَتَكْتُمُوا» فِي موضع جزم تريد به: ولا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق، فتُلقي «لا» لمجيئها فِي أول الكلام. وفي قراءة أَبي: «ولا تكونوا أوّل كافر به وتشتروا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا» فهذا دليلٌ على أن الجزم فى قوله: «وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ» مستقيم صوابٌ، ومثله: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ» «٤» وكذلك قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» «٥» وإن شئت جعلت هذه الأحرُفَ المعطوفة بالواو نصبًا على ما يقولُ النحويّون من الصَّرْف فإن قلت: وما الصّرف؟

стр. 47

قلت: أن تأتي بالواو «١» معطوفةً على كلامٍ فى أوّله حادثة لا تستقيم إعادتُها على ما عُطِف عليها، فإذا كان كذلك فهو الصَّرْفُ «٢» كقول الشاعر «٣» : لا تَنْهَ عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فَعلتَ عظِيمُ ألا ترى أنه لا يجوز إعادة «لا» فِي «تأتي مثله» فلذلك سُمّي صَرْفًا إذْ كان «٤» مَعطوفًا ولم يستقم أن يُعاد فِيهِ الحادث الَّذِي قبله. ومثله من الأسماء التي نصبتها العربُ وهي معطوفة على مرفوع قولهم: لو تُركت والأسد لأكلك، ولو خُلِّيت ورأيَك لَضَلَلْتَ: لمَّا لم يحسن فِي الثاني أن تقول: لو تُركت وتُرك رأيُك لضللت تهبّيوا أن يعطِفوا حرفًا لا يستَقيمُ فِيهِ ما حَدَثَ فِي الَّذِي قبله. قال «٥» : فإنّ العرب تجيزُ الرفع لو تُرك عَبْد الله والأسد لأكله، فهل «٦» يجوز فِي الأفاعيل «٧» الّتي نصبت بالواو على الصرف أن تكون مردودة على ما قبلها وفيها معنى الصرف؟ قلت: نعم العرب تقول: لستُ لابي إِنْ لم أقتلك أو تذهب نفسي، ويقولون: والله لاضربنك أو تسبقني فِي الأرض، فهذا مردودٌ على أول الكلام، ومعناه الصرف لأنه لا يجوز على الثاني إعادة الجزم بِلَمْ، ولا إعادة اليمين على والله لتسبقني، فتجد ذلك إذا امتحنت الكلام. والصرف فِي غير «لا» كثير إلا أنا أخّرنا ذكره حتى تأتى مواضعه.

стр. 48

وقوله: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها ... «١» (٧٢) وقوله: «وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» «وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ» «٢» يقول القائل: وأين جواب «إِذْ» وعلام عُطِفت؟ ومثلها «٣» فى القرآن كثير بالواو ولا جواب معها ظاهر؟ والمعنى- والله أعلم- على إضمار «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ» أو «إذ كنتم» فاجتزئ بقوله: «اذْكُرُوا» فِي أول الكلام، ثُمَّ جاءت «إِذْ» بالواو مردودةً على ذلك. ومثله من غير «إِذْ» قول اللَّه: «وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً» «٤» وليس قبله شيءٌ تراه ناصبًا لصالح فعُلم بذكر النَّبِيّ ﷺ والمُرسَل إليه أن فِيهِ إضمار أرسلنا، ومثله قوله: «وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ» «٥» «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً» «٦» «وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ» «٧» يجرى هذا على مثل ما قال فِي «ص» : «وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ» «٨» ثُمَّ ذكر الأنبياء الذين من بعدهم بغير «وَاذْكُرْ» لأن معناهم مُتّفق معروفٌ، فجاز ذلك. ويستدل على أن «واذكروا» مضمرة مع «إِذْ» أنه قال: «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ» «٩» «وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ» «١٠» فلو لم تكن هاهنا «وَاذْكُرُوا» لاستدْلَلت على أنها تُراد لانّها قد ذُكرت قبلَ ذلك. ولا يجوزُ مثلُ ذلك فِي الكلام بسقوط الواو إلا أن يكون معه جوابه متقدمًا أو متأخِّرا كقولك: ذكرتُك إذ احتجت إليك «١١» أو إذ احتجت ذكرتك.

стр. 49

وقوله: فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) يقال: قد كانوا فِي شُغل من أن ينظروا، مستورين بما اكتنفهم من البحر أن يروا فرعون وغرفة، ولكنه فِي الكلام كقولك: قد ضُرِبتَ وأهلك يَنْظُرون فما أتَوْك ولا أغاثوك يقول: فهم قريبٌ بمرأى ومسمع. ومثله فِي القرآن: «أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ» «١» ، وليس هاهنا رؤيةٌ إنما هُوَ علمٌ، فرأيت يكونُ على مذهبين: رؤية العلم ورؤية العين كما تقول: رأيتُ فرعون أعتى الخلق وأخْبَثَه، ولم تره إِنما هُوَ بلغك «٢» ففي هذا بيانٌ. وقوله: «وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ... (٥١) ثُمَّ «٣» قال فِي موضع أخر: «وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ «٤» فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» ، فيقول القائل: كيف ذكر الثلاثين وأتمها بالعشر «٥» والأربعون «٦» قد تكمل بعشرين وعشرين، أو خمسةٍ وعشرين وخمسة عشر؟ قيل: كان ذلك- والله أعلم- أن الثلاثين كانت عدد شهر، فذكرت الثلاثون منفصلة لمكان الشهر وأنها ذو القعدة وأتممناها بعشر من ذي الحجة، كذلك قال المفسرون. ولهذه القصة خصت العشر والثلاثون بالانفصال. وقوله: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)

стр. 50

ففيه وجهان: أحدهما- أن يكون أراد وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعنى التوراة، ومحمدا ﷺ الْفُرْقانَ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وقوله: «وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ» كأنه خاطبهم فقال: قد آتيناكم علم مُوسَى ومحمد ﵉ «لعلكم تهتدون» لأن التوراة أنزلت جملةً ولم تنزل مُفرقة كما فُرق القرآن فهذا وجه. والوجه الآخر- أن تجعل التوراة هدًى والفرقان كمثله، فيكون: ولقد آتينا موسى الهدى كما آتينا محمّدا ﷺ الهدى. وَكُلُّ ما جاءت به الأنبياء فهو هُدًى ونورٌ. «١» وإن العرب لتجمع بين الحرفين وإنهما لواحِد إذا اختلف لفظاهما «٢» كما قال عدي بْن زَيْدُ: وقدمت «٣» الأديم لراهشيه ... وأَلْفَى قَوْلها كذِبًا ومَيْنَا وقولهم «٤» : بعدا وسحقا، والبعد والسحق واحد، فهذا وجه آخر. وقال بعض المفسّرين: الكتاب التّوراة، والفرقان انفراق البحر لبنى إسرائيل. وقال بعضهم: الفرقان الحلال والحرام الَّذِي فى التّوراة. وقوله: الْمَنَّ وَالسَّلْوى ... (٥٧) بلغنا أن المنّ هذا «٥» هذا الّذى يسقط على الثّمام «٦» والعشر، وهو حلو كالعسل وكان بعض المفسرين يسميه الترنجبين «٧» الَّذِي نعرف. وبلغنا أن النَّبِيّ ﷺ

стр. 51

قال: (الكمأة «١» من المن وماؤها شفاء للعين) . وأما السَّلْوَى فطائِر كان يسقط عليهم لما أَجَموا «٢» المنّ شبيهٌ بهذه السماني، ولا واحد للسّلوى. وقوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ ... (٥٨) يقول- والله أعلم- قولوا: ما أمرتم به أي هى حطة فحالفوا إلى كلام بالنبطية، فذلك قوله: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. وبلغني أن ابن عَبَّاس قال: أمروا أن يقولوا: نستغفر اللَّه فإن يك كذلك فينبغي أن تكون «حِطَّةٌ» منصوبة فِي القراءة «٣» لأنك تقول: قلت لا إله إلا اللَّه، فيقول القائل: قلت كلمة صالحة، وإنما تكون الحكاية إذا صلح قبلها إضمارُ ما يرفع أو يخفض أو ينصب، فإذا ضممت ذلك كله فجعلته كلمة كان منصوبا بالقول كقولك: مررت بزيد، ثُمَّ تجعل هَذِهِ كلمةً فتقول: قلت كلاما حسنا ثُمَّ تقول: قلت زَيْد قائم، فيقول: قلت كلاما «٤» . وتقول: قد ضربت عمرا، فيقول أيضا: قلت كلمة صالحة. فأما قول اللَّه ﵎: «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ» «٥» إلى آخر ما ذكر من العدد فهو رفع لأن قبله ضمير أسمائهم سيقولون: هَم ثلاثة، إلى آخر الآية. وقوله: «وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ» «٦» رفع أي قولوا: اللَّه واحدٌ، ولا تقولوا

стр. 52

الآلهة ثلاثةٌ. وقوله: «قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ» «١» ففيها وجهان: إن أردت: ذلك الَّذِي قُلْنَا معذرة إلى ربكم رفعت، وهو الوجه. وإن أردت: قُلْنَا ما قُلْنَا معذرة إلى اللَّه فهذا وجهُ نصب «٢» . وأما قوله: «وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا» «٣» فإن العرب لا تقوله إلا رفعًا وذلك أن القوم يؤمرون بالأمر يكرهونه فيقول أحدهم: سمعٌ وطاعةٌ، أي قد دخلنا أول هذا الدين على أن نسمع ونُطيعَ فيقولون: علينا ما ابتدأناكم به، ثُمَّ يخرجون فيخالفون، كما قال : «فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ [بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ] » [أي] فإذا خرجوا من عندك بدلوا «٤» . ولو أردت فِي مثله من الكلام: أي نطيع، فتكون «٥» الطاعة جوابا للأمر بعينه جازَ النصبُ، لأن كل مصدر وقع موقع فعل ويفعل جاز نصبهُ، كما قال اللَّه ﵎: «مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ» «٦» [معناه والله أعلم: نعوذ بالله أن نأخذ] . ومثله فِي النور: «قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ» «٧» الرفع على ليكن منكم ما يقوله أهل السمع والطاعة. وأما قوله فِي النحل: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» «٨» فهذا قول أَهْل الجحد لانهم قَالُوا لم ينزل شيئا، إنما هَذَا أساطير الأولين وأما الذين آمنوا فإنهم أقروا فقالوا: أنزل ربنا خيرًا «٩» ، ولو رُفع خيرٌ على: الَّذِي أنزله خير لكان صوابا، فيكون بمنزلة قوله: «يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ» «١٠» و «قُلِ الْعَفْوَ» النّصب على الفعل: ينفقون

стр. 53

العفو، والرفعُ على: الَّذِي ينفقون عفو الأموال. وقوله: «قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ» «١» فأما السلام (فقول يقال) «٢» ، فنصب لوقوع الفعل عليه، كأنك قلت: قلت كلامًا. وأما قوله: «قالَ سَلامٌ» فإنه جاء فيه نحن «سَلامٌ» وأنتم «قَوْمٌ مُنْكَرُونَ» . وبعض المفسرين يقول: «قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ» يريد سلموا عليه فرد عليهم، فيقول القائل: ألا كان السلام رفعًا كله أو نصبًا كله؟ قلت: السلام على معنيين: إذا أردت به الكلام نصبته، وإذا أضمرت معه «عليكم» رفعته. فإن شئت طرحت الإضمار من أحد الحرفين وأضمرته فِي أحدهما، وإن شئت رفعتهما معا، وإن شئت نصبتهما جميعا. والعرب تقول إذا التقوا فقالوا سلام: سلامٌ، على معنى قَالُوا السلام عليكم فرد عليهم الآخرون. والنصب يجوز فِي إحدى القراءتين «قَالُوا سلامًا قال سلامًا» . وأنشدني بعضُ بني عُقَيْل: فقلنا السَّلام فاتقت من أميرها ... فما كَانَ إلا ومؤها بالحواجب فرفع السلام لأنه أراد سلمنا عليها فاتقت أن ترد علينا. ويجوز أن تنصب السلام على مثل قولك «٣» : قُلْنَا الكلام، قُلْنَا السلام، ومثله: قرأت «الْحَمْدَ» «٤» وقرأت «الحمد» إذا قلت قرأت «الحمد» أوقعت عليه الفعل، وإذا رفعت جعلته حكاية «٥» على قرأتُ «الْحَمْدُ لِلَّهِ» . وقوله: اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ... (٦٠) معناه- والله أعلم- فضرب فانفجرت، فعُرِف بقوله: «فَانْفَجَرَتْ» أنه قد ضرب، فاكتفى بالجواب لأنه قد أدى عن المعنى، فكذلك قوله: «أَنِ اضْرِبْ

стр. 54

بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ» «١» ومثله (فِي الكلام) «٢» أن تقول: أَنَا الَّذِي أمرتك بالتجارة فاكتسبت الأموال، فالمعنى فتجَرت فاكتسبت. وأما قوله: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ... (٦٠) فإن القائل يقول: وما حاجة القوم إلى أن يعلموا مشاربهم ونحن نرى الأنهار قد أجريت لقوم بالمن من اللَّه والتفضل على عباده، ولم يقل: قد علم كل أناسٍ مشربهم، لغيرهم؟ وإنما كان ذلك- والله أعلم- لأنه حجرٌ انفجرت منه اثنتا عشرة عينا على عدد الأسباط لكل سِبْطٍ عين، فإذا ارتحل القوم أو شربوا ما يكفيهم عاد الحجر كما كان وذهبت العيونُ، فإذا احتاجوا انفجرت العيونُ من تلك المواضع، فأتى كل سِبْطٍ عَيْنَهم التي كانوا يشربون منها. وأما قوله: وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها ... (٦١) فإن الفوم فيما ذكر لغةٌ قديمة (وهي) «٣» الحِنْطَة والخُبْز جميعا قد ذُكِرا. قال بعضهم: سمعنا (العرب «٤» من) أهل هذه اللغة يقولون: فَوِّموا لنا بالتشديد لا غير «٥» ، يريدون اختبزوا وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه «وَثُومِهَا» بالثاء، فكأنّه أشبهُ المعنيين بالصواب لأنه مع ما يشاكله: من العدس وَالْبَصَلِ وشِبْهه. والعرب تُبدل الفاء بالثاء فيقولون: جدث وجَدَفٌ، ووقعوا فِي عاثُور شَرٍّ «٦» وعافُور شرٍّ، والأثاثي والأثافيّ. وسمعت كثيرًا من بْني أسد يسمّى (المغافير «٧» المغاثير) .

стр. 55

وقوله: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ... (٦١) أي الَّذِي هُوَ أقرب، من الدُّنُوِّ، ويقال من الدَّناءة. والعرب تقول: إنه لَدنيٌّ [ولا يهمزون «١» ] يُدَنَّى فِي الأمور أي «٢» يتَّبِع خَسيَسها وأصاغرها. وقد كان زُهير «٣» الفُرْقُبي يَهْمِز: «أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذى هو أدنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ولم نر العرب تهمزُ أَدْنَى إذا كان من الحسة، وهم فِي ذلك يقولون إنه لدانىء خَبِيثٌ [إذا كان ماجنا «٤» ] فيهمزون. وأنشدني بعض بني كلاب: باسِلَةُ الْوَقْعِ سَرَابِيلُها ... بيضٌ إلى دانئها الظّاهر «٥» يعنى «٦» الدروع «٧» على خاصتها- يعني الكتيبة- إلى الخسيس منها، فقال: دانئها يريد الخسيس. وقد كُنَّا نسمع المشيخة يقولون: ما كنت دانِئًا ولقد دنات، والعرب تترك الهمزة. ولا أراهم رووه إلّا وقد سمعوه. وقوله: اهْبِطُوا مِصْراً ... (٦١) كتبت بالألف، وأسماءُ البلدان لا تنصرف خَفَّت أو ثَقُلت، وأسماء النساء «٨» إذا خَفَّ منها شيءٌ جرى «٩» إذا كان على ثلاثة أحْرفٍ وأوسطها ساكن مثل دعد وهند

стр. 56

وَجُمْلُ. وإنما انصرفت إذا سمى بها النساء لأنها تردد وتكثر بها التسمية فتخف لكثرتها، وأسماء البلدان لا تكاد تعود «١» . فإن شئت جعلت الألف التي فى «مصرا» ألفا يُوقَفُ عليها، فإذا وصلت لم تنوِّن فيها، كما كتبوا «سلاسلا» وَوارِيرَ» «٢» بالألف، وأكثر القراء على ترك الإجراء فيهما. وإن شئت جعلت «مِصْر» غير المصر التي تُعرَف، يريد اهبطوا مِصرًا من الأمصار، فإن الَّذِي سألتم لا يكون إلا فِي القرى والأمصار. والوجه الأول أحب إلى لأنها فِي قراءة عَبْد اللَّه «اهْبِطوا مِصْرَ» بغير ألف، وفي قراءة أُبَيٍّ: «اهْبِطُوا فَإِنّ لَكُمْ ما سَأَلْتُم وَاسْكُنُوا مِصْر» «٣» وتصديق ذلك أنها فِي سورة يوسف بغير ألف: «ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ» «٤» . وقال الأعمش وسئل عَنْهَا فقال: هِيَ مصر التي عليها صالح بْن عليّ «٥» . وقوله: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ... (٦٣) يقول: بجدٍّ وبتأدية ما افترض عليكم فِيهِ. وقوله: فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها ... (٦٦) يعني المسخة التي مُسِخوها جُعلت نكالا لما مضى من الذنوب ولما يعمل بعدها: ليخافوا أن يعملوا بما عمل الذين مُسِخوا فَيْمسخوا. وقوله: أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ ... (٦٧) وهذا فِي القرآن كثير بغير الفاء، وذلك لأنه جوابٌ يستغنى أولهُ عن آخره بالوقفة عليه، فيقال: ماذا قَالَ لك؟ فيقول القائل: قال كذا وكذا فكأنّ «٦» حسن

стр. 57

السكوت يجوز به طرح الفاء. وأنت تراه فِي رءوس الآيات- لأنها فصولٌ- حَسَنًا «١» من ذلك: «قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ. قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا» «٢» والفاء حسنة مثل قوله: «فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا» «٣» ولو كان على كلمة واحدة لم تُسقط العرب منه الفاء. من ذلك: قُمتُ ففَعَلْت، لا يقولون: قمت فعلت، ولا قلت قال، حَتَّى يقولوا: قُلْتُ فقال، وَقُمْتُ فقام لأنها نَسَقٌ وليست باستفهام يوقف عليه ألا ترى أنه: «قالَ» فرعون «لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ. قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ» «٤» فيما لا أحصيه. ومثله من غير الفعل كثيرٌ فِي كتاب اللَّه بالواو وبغير الواو فأما الذي بالواو فقوله: «قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ» «٥» ثُمَّ قَالَ بعد ذلك: «الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ» . وقال فِي موضع آخر: «التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ» «٦» وقال فِي غير هذا: «إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» «٧» ثُمَّ قال فِي الآية بعدها: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا» ولم يقل: وإنّ. فاعْرِفْ بما جَرى تفسير ما بقي، فإنه لا يأتي إلا على الَّذِي أنْبَاتك به من الفصول أو الكلام المكتفى يأتي له جوابٌ. وأنشدني بعضُ العرب: لما رأيتُ نَبَطًا أنْصَارا ... شَمَّرتُ عن رُكْبَتِيَ الإزَارَا كُنْتُ لها مِنَ النَّصارى جَارَا وقوله: لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ ... (٦٨) والعَوان ليست بنَعْتٍ لِلْبِكْرِ لأنها ليست بَهرِمَة ولا شابةً انقطع الكلام عند قوله: وَلا بِكْرٌ ثم استأنف فقال: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ والعوان يقال منه

стр. 58

قد عوَّنَت. والفارِضُ: قد فرضت، وبعضهم: قد فرَضت (وأما البكر فلم «١» ) نسمع فيها بِفعْل. والبِكر يُكْسر أوّلها إذا كانت بِكرْا من النساء «٢» . والبكر مفتوح أَوّلَه من بِكَارَة الإبل. ثم قال «بَيْنَ ذلِكَ» و «بَيْنَ» لا تصلح إلا مع اسمين فما زاد، وإنّما صلحت مع «ذلِكَ» وحْدَه لأنه فِي مذهب اثنين، والفعلان قد يجمعان ب «ذلك» و «ذاك» ألا ترى أنك تقول: أظنُّ زيدا أخاك، وكان زيدٌ أخاك، فلا بد لكان من شيئين، ولا بد لأظن من شيئين «٣» ، ثُمَّ يجوز أن تقول: قد كان ذاك، وأظنُّ ذلك. وإنما المعنى فِي الاسمين اللذين ضَمَّهما ذلك: بين الهرم والشباب. ولو قال فِي الكلام: بين هاتين، أو بين تَيْنِك، يريد الفارض والبكر كان صوابا، ولو أعيد ذكرهما «٤» (لم يظهر إلا بتثنية) «٥» لانهما اسمان ليسا بفعلين، وأنت تقول فِي الأفعال فتوحِّد فعلهما بعدها. فتقول: إِقْبالك وإِدْبارُك يَشُقُّ على، ولا تقول: أخوك وأبوك يزورُنِي. ومما يجوز أن يقع عليه «بَيْنَ» وهو واحدٌ فِي اللفظ مما يؤدي عن الاثنين «٦» فما زاد قوله: «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ» «٧» ولا يجوز: لا نفرق بين رَجُل منهم لأن أحدا لا يُثَنّى كما يثنى الرجل ويُجَمع، فإن شئت جعلت أحدا فِي تأويل اثنين، وإن شئت فِي تأويل أكثر من ذلك قول اللَّه : «فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ» «٨» وتقول: بَيْنَ أَيِّهِم الْمَالُ؟ وبين من قسم المال؟ فتجرى «من» و «أى» . مجرى «٩» أحد لانهما قد يكونان لواحد ولجمع.

стр. 59

وقوله: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا لَوْنُها ... (٦٩) اللَّوْنُ مرفوعٌ لأنك لم ترد أن تجعل «ما» صلةً فتقول: بين لنا ما لونها «١» ولو قرأ به قارئٌ كان صوابا، ولكنه أراد- والله أعلم-: ادع لنا ربك يبين لنا أي شيءٍ لونُها، ولم يصلح للفعل الوقوع على أي لأن أصل «أي» تفرق «٢» جمع من الاستفهام، ويقول القائل: بين لنا أسوداءُ هِيَ أم صَفْراء؟ فلما لم يصلح للتَّبَيُّن أن يقع على الاستفهام فِي تفرقه لم يقع على أيّ لأنها جمعُ ذلك المتفرق، وكذلك ما كان فِي القرآن مثله، فأعمل فِي «ما» «وأي» الفعل الَّذِي بعدهما، ولا تعمل الَّذِي قبلهما إذا كان مُشتقًّا من العِلْم كقولك: ما أعلم أَيُّهم قال ذاك، ولا أعلمنّ أَيُّهم قال ذاك، وما أدري أَيَّهم ضربت، فهو فِي العلم والأخبار والأنباء وما أشبهها على ما وصفت لك. منه قول اللَّه ﵎: «وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ» «٣» «وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ» «٤» «ما» «٥» الثانية رفعٌ، فرفعتها بيوم كقولك: ما أدراك أيُّ شيء يومُ الدين، وكذلك قول اللَّه ﵎: «لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى» «٦» رفعته بأَحْصَى، وتقول إذا كان الفعل واقعا على أيّ «٧» : ما أدري أَيَّهم ضربت. وإنما امتنعت من أن توقع على أي

стр. 60

الفعل الَّذِي قبلها من العلم وأشباهه لأنك تجد الفعل غير واقع على أي فِي المعنى ألا ترى أنك إذا قلت: اذهب فاعلم أيهما قام أنك تسأل غيرهما عن حالهما فتجد الفعل واقعا على الَّذِي أعلمك، كما أنك تقول: سل أَيُّهُمْ قام، والمعنى: سل الناس أيُّهُمْ قام. ولو أوقعت الفعل على «أَيَّ» فقلت: أسأل أيَّهُمْ قام لكنت كأنك تضمر أيًّا مرة أخرى لأنك تقول: سل زيدًا أيُّهُمْ قام، فإذا أوقعت الفعل على زَيْدُ فقد جاءت «أي» بعده. فكذلك «أي» إذا أوقعت عليها الفعل خرجت من معنى الاستفهام، وذلك أن أردته، جائز، تقول: لاضْرِبَنَّ أيَّهُم يقول ذاك لأن الضرب لا يقع على [اسم ثُمَّ يأتي بعد ذلك استفهام، وذلك لأن الضرب لا يقع على «١» ] اثنين، وأنت تقول فِي المسألة: سل عَبْد اللَّه عن كذا، كأنك قلت: سله عن كذا، ولا يجوز ضربت عَبْد اللَّه كذا وكذا إلا أن تريد صفة الضرب، فأما الأسماء فلا. وقول اللَّه: «ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا» «٢» من نصب أيًّا أوقع عليها النزع وليس باستفهام، كأنه قال: ثُمَّ لنستخرجن العاتي الَّذِي هُوَ أشد. وفيها وجهان من الرفع أحدهما أن تجعل الفعل مكتفيا بمن فِي الوقوع عليها، كما تقول: قد قتلنا من كل قوم، وأصبنا «٣» من كل طعام، ثُمَّ تستأنف أيّا فترفعها بالذي بعدها، كما قال جل وعز: «يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ»

стр. 61

«أَيُّهُمْ أَقْرَبُ» «١» أي ينظرون أيهم أقرب «٢» . ومثله «يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ» «٣» . وأما الوجه، الآخر فإن فِي قوله تعالى: «ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ» لننزعن من الذين تشايعوا على هذا، ينظرون بالتشايع أيهم أشد وأخبث، وأيهم أشد على الرَّحْمَن عتيًّا، والشيعة «٤» ويتشايعون سواء فِي المعنى. وفيه «٥» وجه ثالث من الرفع أن تجعل «ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ» بالنداء أي لننادين «أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا» وليس هذا الوجه يريدون. ومثله مما تعرفه به قوله: «أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً» «٦» فقال بعض المفسرين «أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا» : ألم يعلم، والمعنى- والله أعلم- أفلم ييأسوا علما بأن اللَّه لو شاء لهدى الناس جميعا. وكذلك «لَنَنْزِعَنَّ» يقول يريد ننزعهم بالنداء. وقوله: مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها ... (٧١) غير مهموز يقول: ليس فيها لون غير الصّفرة. وقال بعضهم: هِيَ صفراء حَتَّى ظلفها وقرنها أصفران. وقوله: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ... (٧٢) يقال: إنه ضرب بالفخذ اليمنى، وبعضهم يقول: ضُرِب بالذَّنَب. ثُمَّ قال اللَّه : «كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى» معناه والله أعلم اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها فيحيا كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى أي اعتبروا ولا تجحدوا بالبعث، وأضمر

стр. 62

فيحيا، كما قال: «أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ» «١» والمعنى- والله أعلم- فضرب البحر فانفلق. وقوله: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ ... (٧٣) تذكير مِنْهُ على وجهين إن شئت ذهبت به- يعني «مِنْهُ» «٢» - إلى أن البعض حَجرٌ، وذلك مذكر، وإن شئت جعلت البعض جمعا فِي المعنى فذكَّرته بتذكير بعض، كما تقول للنسوة: ضربني بعضُكنّ، وإن شئت أنثته هاهنا بتأنيث المعنى كما قرأت القرّاء: «وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ» «٣» «ومن تقنت» بالياء والتاء، على المعنى، وهي فِي قراءة أَبيّ: «وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ منها الأنْهَارُ» . وقوله: لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ ... (٧٨) فالأماني على وجهين فِي المعنى، ووجهين فِي العربية فأما فِي العربية فإن من العرب من يخفف الياء فيقول: «إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ» ومنهم من يشدد، وهو أجودُ الوجهين. وكذلك ما كان مثل أمنية، ومثل أضحية، وأغنية، ففي جمعه وجهان: التخفيف والتشديد، وإنما تشدد لأنك تريد الأفاعيل، فتكون مشددة لاجتماع الياء من جمع «٤» الفعل والياء الأصلية. وإن خففت «٥» حذفت ياء الجمع فخففت الياء الأصلية، وهو كما يقال: القَراقير «٦» والقراقر، (فمن قال الأماني بالتخفيف) «٧» فهو الَّذِي يقول القراقر، ومن شدد الأماني فهو الَّذِي يقول القراقير. والأمنية فِي المعنى التلاوة، كقول اللَّه : «إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ» «٨» أي فِي تلاوته، والأماني أيضا أن يفتعل

стр. 63

الرجل الأحاديث المفتعلة قال بعض العرب لابن دأب «١» وهو يحدث الناس «٢» : أهذا شيء رويته أم شيء تَمنَّيته؟ يريد افتعلته، وكانت أحاديث يسمعونها من كبرائهم ليست من كتاب اللَّه «٣» . وهذا أبين الوجهين. وقوله: إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ... (٨٠) يقال «٤» : كيف جاز فِي الكلام: لاتينك أياما معدودة، ولم يبين عددها؟ وذلك أنهم نَوَوُا الأيام التي عبدوا فيها العجل، فقالوا: لن نُعذَّب فِي النار إلا تلك الأربعين الليلة التي عبدنا فيها العجل. فقالوا: لن نُعذَّب فِي النار إلا تلك الأربعين الليلة التي عبدنا فيها العجل. فلما كان معناها مؤقتا معلوما عندهم وصفوه بمعدودة ومعدودات، فقال اللَّه: قل يا مُحَمَّد: هَلْ عندكم من اللَّه عهدٌ بهذا الَّذِي قلتم أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. وقوله: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ... «٥» (٧٦) هذا من قول اليهود لبعضهم أي لا تحدثوا المسلمين بأنكم تجدون صفة مُحَمَّد ﷺ فِي التوراة وأنتم لا تؤمنون به، فتكون لهم الحجة عليكم. أَفَلا تَعْقِلُونَ قال اللَّه: «أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ» هذا جوابهم من قول اللَّه. وقوله: وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ ... (٨٥) إن شئت جعلت هُوَ كناية عن الإخراج وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ أي وهو محرم عليكم يريد: إخراجهم محرم عليكم، ثم أعاد الإخراج

стр. 64

مرة أخرى تكريرا على «هُوَ» لما حال (بين «١» الإخراج وبين «هُوَ» كلام) ، فكان رفع الإخراج بالتكرير على «هُوَ» وإن شئت جعلت «هُوَ» عمادا ورفعت الإخراج بمحرم «٢» كما قال اللَّه جل وعز: «وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ» «٣» فالمعنى- والله أعلم- ليس بمزحزحه من العذاب التعمير فإن قلت: إن العرب إنما تجعل العماد فِي الظَّنّ لأنه ناصب، وفي «كان» و «ليس» لانهما يرفعان، وفي «إنّ» وأخواتها لانهن ينصِبْن، ولا ينبغي للواو وهي لا تنصب ولا ترفع ولا تخفض أن يكون لها عمادٌ، قلت: لم يوضع العماد على أن يكون لنصب أو لرفع أو لخفض، إنما وضع فِي كل موضع يبتدأ فِيهِ بالاسم قبل الفعل، فإذا رَأَيْت الواو فِي موضع تطلب الاسم دون الفعل صلح فِي ذلك العمادُ كقولك: أتيت زيدا وأبوه قائم، فقبيحٌ أن تقول: أتيت زيدا وقائم أَبُوهُ، وأتيت زَيْدًا ويقوم أَبُوهُ لأن الواو تطلب الأب، فلما بدأت بالفعل وإنما تطلب الْوَاوُ الاسم أدخلوا لها «هو» لأنّه اسم. قال الفرّاء «٤» : سمعت بعض العرب يقول: كَانَ مرة وهو ينفع النّاس أحسابهم «٥» . وأنشدنى بعض العرب:

стр. 65

فأَبِلغْ أَبَا يحيى إذا ما لقيتهُ ... على العيس فِي آباطها عرق يبسُ «١» بأن السلامي الَّذِي بضريةٍ ... أمير الحمى قد باع حقي بني عبس «٢» بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرهمٍ ... فَهَل هُوَ مَرفوعٌ بما هاهنا رَأْسُ فجعل مع «هَل» العماد وهي لا ترفع ولا تنصب لأن هَلْ تطلب الأسماء أكثر من طلبها فاعلا «٣» قال: وكذلك «ما» و «أما» ، تقول: ما هُوَ بذاهب أحدٌ، وأما هُوَ فذاهبٌ زَيْدُ، لقبح أمّا ذاهب فزيد. وقوله: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ... (٨١) وضعت بَلى لكل أقرار فِي أوله جحد، ووضعت «نعم» للاستفهام الذي لا جحد فيه، ف «بَلى» بمنزلة «نعم» إلا أنها لا تكون إلا لما فِي أوله جحد قال اللَّه ﵎: «فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ» «٤» ف «بَلى» لا تصلح فى هذا الموضع. وأما الجحد فقوله: «أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ» «٥» ولا تصلح هاهنا «نعم» أداة وذلك أن الاستفهام يحتاج إلى جواب ب «نعم» و «لا» ما لم يكن فِيهِ جحدٌ، فإذا دخل الجحد فِي الاستفهام لم يستقم أن تقول «٦» فِيهِ «نعم» فتكون كأنك مقر بالجحد وبالفعل الَّذِي بعده ألا ترى أنك لو قلت لقائل قال لك: أما لك مالٌ؟ فلو قلت «نعم» كنت مقرًّا بالكلمة بطرح الاستفهام وحده، كأنك قلت «نعم» مالي مالٌ، فأرادوا أن يرجعوا عن الجحد ويقرّوا بما

стр. 66

بعده فاختاروا «بَلى» «١» لأن أصلها كان رجوعا مَحْضا عن الجحد إذا قَالُوا: ما قال عَبْد اللَّه بل زيدٌ، فكانت «بل» كلمة عطف ورُجوع لا يصلح الوقوف عليها، فزادوا فيها ألفا يصلح فيها الوقوف عليه، ويكون رجوعا عن الجحد فقط، وإقرارا بالفعل الَّذِي بعد الجحد، فقالوا: «بَلى» ، فدلت «٢» على معنى الإقرار والأنعام، ودّل لفظ «بل» على الرجوع عن الجحد فقط. وقوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ... (٨٣) رفعت تَعْبُدُونَ لأن دخول «أن» يصلح فيها، فلما حذف الناصب رُفِعت، كما قال اللَّه: «أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ» «٣» (قرأ الآية) «٤» وكما قال: «وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» «٥» وفي قراءة عَبْد اللَّه «وَلا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ» فهذا وجه من الرفع، فلما لم تأت بالناصب رفعت. وفي قراءة أُبيٍّ: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُوا» ومعناها الجزم بالنهي، وليست بجواب لليمين. ألا ترى أنه قد قال: «وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ» «٦» فأمروا، والأمر لا يكون جوابا لليمين لا يكون فِي الكلام أن تقول: والله قم، ولا أن تقول: والله لا تقم. ويدل على أنه نهى وجزمٌ أنه قال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً كما تقول: افعلوا ولا تفعلوا، أو لا تفعلوا وافعلوا. وإن شئت جعلت

стр. 67

«لا تَعْبُدُونَ» جوابا لليمين لأن أخذ الميثاق يمينٌ، فتقول: لا يعبدون، ولا تعبدون، والمعنى واحد. وإنما جاز أن تقول لا يعبدون ولا تعبدون وهم غيب كما قال: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سيغلبون» «١» و «سَتُغْلَبُونَ» بالياء والتاء «سَيُغْلَبُون» بالياء على لفظ الغيب، والتاء على المعنى لأنه إذا أتاهم أو لقيهم صاروا مخاطبين «٢» . وكذلك قولك: استحلفت عَبْد اللَّه ليقومن لغيبته، واستحلفتُه لتقومن (لاني) «٣» قد كنت خاطبته. ويجوز فِي هذا استحلفت عَبْد اللَّه لأقومن أي قلت له: احلف لأقومن، كقولك: قُلْ لأقومن «٤» . فإذا قلت: استحلفت فأوقعت فعلك على مستحلفٍ جاز فعلُه أن يكون بالياء والتاء والألف، وَإِذَا كان هُوَ حالفا وليس معه مستحلف كان بالياء وبالألف ولم يكن بالتاء من ذلك حلف عَبْد اللَّه ليقومن فلم يقم، وحلف عَبْد اللَّه لأقومن لأنه كقولك قال لأقومن، ولم يجز بالتاء لأنه لا يكون مخاطبا لنفسه لأن التاء لا تكون إلا لرجل تخاطبه، فلما لم يكن مستحلف سقط الخطاب. وقوله: «قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ» «٥» فيها ثلاثة أوجه: «لتبيّتنّه» و «ليبيّتنّه» و «لَنُبَيِّتَنَّهُ» بالتاء والياء والنون. إذا جعلت «تَقاسَمُوا» على وجه فعلوا «٦» ، فإذا جعلتها فِي موضع جزمٍ «٧» قلت: تقاسموا لتبيتنه ولنبيتنه، ولم يجز بالياء، ألا ترى أنك تقول للرجل: احلف لتقومن، أو احلف لأقومن، كما تقول: قل لأقومن. ولا يجوز أن تقول للرجل احلف ليقومن، فيصير كأنه لآخر، فهذا ما فِي اليمين.

стр. 68

وقوله: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ ... (٨٩) [إن شئت] رفعت المصدق ونويت أن يكون نعتًا للكتاب لأنه نكرة، ولو نصبته على أن تجعل المصدق فعلا للكتاب لكان صوابا «١» . وفي قراءة عَبْد اللَّه فِي آل عِمْرَانَ: «ثُمَّ جاءكم رسول مصدقا» «٢» فجعله فعلا. وإذا كانت النكرة قد وصلت بشيء سوى نعتها ثُمَّ جاء النعت، فالنصب على الفعل أمكن منه إذا كانت نكرة غير موصولةٍ، وذلك لأن صلة النكرة تصير كالموقته لها، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل فِي دارك، أو بعبدٍ لك فِي دارك، فكأنك قلت: بعبدك أو بساس دابتك، فقس على هذا وقد قال بعض الشعراء: لو كان حَيٌّ ناجيًا لَنَجا ... من يومه المزلم الأعصم «٣» فنصب ولم يصل النكرة بشيء وهو جائز. فأما قوله: «وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا» «٤» فإن نصب اللسان على وجهين أحدهما أن تضمر شيئًا يقع عليه المصدق، كأنك قلت: وهذا يصدّق التوراة والإنجيل «لِساناً عَرَبِيًّا» (لأن التوراة والإنجيل لم يكونا عربيين) «٥» فصار اللسان العربي «٦» مفسرا. وأما الْوَجْهُ الآخر فعلى ما فسّرت «٧»

стр. 69

لك، لما وصلت الكتاب بالمصدق أخرجت «لسانا» مما فِي «مصدق» من الراجع من ذكره «١» . ولو كان اللسان مرفوعا لكان صوابًا على أنه نعتٌ وإن طال. وقوله: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ... (٩٠) معناه- والله أعلم- باعوا به أنفسهم. وللعرب فِي شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما أن يكون شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما جميعا فِي معنى باعوا، وكذلك البيع يقال: بعت الثوب. على معنى أَخْرَجَتهُ من يدي، وبعته: اشتريته، وهذه اللغة فِي تميم وربيعة. سمعت أَبَا ثروان يقول لرجل: بع لي تمرا بدرهم. يريد اشتر لي وأنشدني بعض ربيعة «٢» : ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتًا ولم تضرب له وقت موعدٍ على معنى لم تشتر له بتاتا قال الفراء: والبتات الزاد. وقوله: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا «أن يكفروا» فِي موضع خفض ورفع فأما الخفض فأن ترده على الهاء التي فِي «به» على التكرير على كلامين «٣» كأنك قلت أشتروا أنفسهم بالكفر «٤» . وأما الرفع فأن يكون مكرورا أيضا على موضع «ما» التي تلى «بئس «٥» » . ولا يجوز أن يكون رفعًا على قولك بئس الرجل عَبْد اللَّه، وكان الكسائي يقول ذلك «٦» قال الفراء: وبئس لا يليها مرفوعٌ موقّت ولا منصوب موقّت، ولها

стр. 70

وجهان فإذا وصلتها بنكرة قد تكون معرفة بحدوث ألفٍ ولام فيها نصبت تلك النكرة، كقولك: بئس رجلا عمرو، ونعم رجلا عمرو، وإذا أوليتها معرفة فلتكن غير موقتة، فِي سبيل النكرة، ألا ترى أنك ترفع فتقول: نعم الرجل عمرو «١» ، وبئس الرجل عمرو «٢» ، فإن أضفت النكرة إلى نكرة رفعت ونصبت، كقولك: نعم غلام سفر زَيْدُ، وغلام سفر زَيْدُ وإن أضفت إلى المعرفة شيئا رفعت، فقلت: نعم سائس الخيل زَيْدُ، ولا يجوز النصب إلا أن يضطر إليه شاعر، لانهم حين أضافوا إلى النكرة رفعوا، فهم إذا أضافوا إلى المعرفة أحرى ألا ينصبوا. وإذا أوليت نعم وبئس من النكرات ما لا يكون معرفة مثل «مثل» و «أى» كان الكلام فاسدًا خطأ أن تقول: نعم مثلك زَيْدُ، ونعم أي رَجُل زَيْدُ لأن هذين لا يكونان مفسرين «٣» ، ألا ترى أنك لا تقول: [لله] «٤» درك من أي رجل، كما تقول: لله درك من رَجُل، ولا يصلح أن تولي نعم وبئس «الَّذِي» ولا «من» ولا «ما» إلا أن تنوي بهما الاكتفاء «٥» دون أن يأتي بعد ذلك اسم مرفوع «٦» . من ذلك قولك: بئسما صنعت، فهذه مكتفية، وساء ما صنعت. ولا يجوز ساء ما صنيعك. وقد أجازه الكسائي فِي كتابه على هذا المذهب. قال الفراء: ولا نعرف ما جهته، وقال «٧» : أرادت العرب أن تجعل «ما» بمنزلة الرجل حرفا تاما، ثُمَّ أضمروا لصنعت «ما» كأنه قال: بئسما ما صنعت، فهذا قوله وأنا لا أجيزه. فإذا جعلت «نعم» (صلة لما) «٨» بمنزلة قولك «كلما» و «إنما» كانت بمنزلة «حبذا» فرفعت بها الأسماء من ذلك قول اللَّه : «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ» رفعت «هِيَ» ب «نعما» ولا تأنيث فِي «نعم»

стр. 71

ولا تثنية إذا جعلت «ما» صلة لها فتصير «ما» مع «نعم» بمنزلة «ذا» من «١» «حبذا» ألا ترى أن «حبذا» لا يدخلها تأنيث ولا جمعٌ. ولو جعلت «ما» على جهة الحشو «٢» كما تقول: عما قليل آتيك، جاز فِيهِ التأنيث والجمع، فقلت: بئسما رجلين أنتما، وبئست ما جارية جاريتك. وسمعت العرب تقول فِي «نعم» المكتفية بما: بئسما «٣» تزويج ولا مهر، فيرفعون التزويج ب «بِئْسَمَا» . وقوله: بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٩٠) موضع «أن» جزاء، وكان الكسائي يقول فِي «أن» : هِيَ فِي موضع خفض، وأنما هِيَ جزاءٌ «٤» . إذا كان الجزاء لم يقع عليه شيء قبله (وكان) «٥» ينوى بها الاستقبال كسرت «إن» وجزمت بها فقلت: أكرمك إن تأتني. فإن كانت ماضية قلت: أكرمك أن تأتيني. وأبين من ذلك أن تقول: أكرمك أن أتيتني كذلك قال الشاعر: أتجزع أن بان الخليط المودّع ... وحبل الصفا من عزّة المتقطع يريد أتجزع بأن، أو لأن كان ذلك. ولو أراد الاستقبال ومحض الجزاء لكسر «إن» وجزم بها، كقول اللَّه جل ثناؤه: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا» «٦» فقرأها القراء بالكسر، ولو قرئت بفتح «أن» على معنى [إذ لم يؤمنوا «٧» ] ولأن لم يؤمنوا، ومن أن لم يؤمنوا [لكان صوابا] «٨» وتأويلُ «أن» فِي موضع نصب، لأنها إنما كانت «٩» أداة بمنزلة «إذ» فهي فِي موضع نصب إذا ألقيت الخافض وتمّ

стр. 72

ما قبلها، فإذا جعلت لها الفعل أو أوقعته عليها أو أحدثت لها خافضا فهي فِي موضع ما يصيبها من الرفع والنصب والخفض «١» . وقوله: فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ... (٨٩) وقبلها «وَلَمَّا» وليس للأولى جوابٌ، فإن الأولى صار جوابها كأنه فِي الفاء التي فِي الثانية، وصارت كَفَرُوا بِهِ كافية من جوابهما جميعا. ومثله فِي الكلام: ما هُوَ إلا أن أتاني عَبْد اللَّه فلما قعد أوسعت له وأكرمته. ومثله قوله: «فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ» فى البقرة «٢» «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ» فى «طه» «٣» اكتفى بجوابٍ واحد لهما جميعا «٤» «فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» فِي البقرة «فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى» فِي «طه» . وصارت الفاء فِي قوله «فَمَنْ تَبِعَ» كأنها جواب ل «فإما» ، ألا ترى أن الواو لا تصلحُ فِي موضع الفاء، فذلك دليل على أن الفاء جواب وليست بنَسَقٍ «٥» . وقوله: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) يقول القائل: هَلْ كان لهم قليل من الإيمَان أو كثير؟ ففيه وجهان من العربية: أحدهما- ألا يكونوا آمنوا قليلا ولا كثيرا. ومثله مما تقوله العرب بالقلة على أن ينفوا الفعل كله قولهم: قل ما رأيتُ مثل هذا قط. وحكي الكسائي عن العرب: مررتُ بِبلادٍ قل ما تُنبت إلا البصل والكرّاث. أي ما تنبت

стр. 73

إلا هذين. وكذلك قول العرب: ما أكاد أَبرحُ منزلي وليس يبرحه وقد يكون أن يبرحه قليلا. والوجه الآخر- أن يكونوا يصدقون بالشيء قليلا ويكفرون بما سواه: بالنبي ﷺ فيكونون كافرين وذلك أنه يقال: من خلقكم؟ ومن رزقكم؟ فيقولون: اللَّه ﵎، ويكفرون بما سواه: بالنبي ﷺ وبآيات اللَّه، فذلك قوله: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ. وكذلك قال المفسرون فِي قول اللَّه: «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ» «١» على هذا التفسير. وقوله: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ... (٩٠) لا يكون باؤ مفردة حَتَّى توصل بالباء. فيقال: باء بإثم يبوء بوءا. وقوله بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أن اللَّه غضب على اليهود فِي قولهم: «يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ» «٢» . ثُمَّ غضب عليهم فِي تكذيب مُحَمَّد ﷺ حين دخل المدينة، فذلك قوله: «فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ» . وقوله: وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ ... (٩١) يريد سواه، وذلك كثير فِي العربية أن يتكلم الرجلُ بالكلام الْحَسَن فيقول السامع: ليس وراء هذا الكلام شيءٌ، أي ليس عنده شيءٌ سواه. وقوله: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ... (٩١) يقول القائل: إنما «تَقْتُلُونَ» للمستقبل فكيف قال: «مِنْ قَبْلُ» ؟ ونحن لا نجيز فِي الكلام أَنَا أضربك أمس، وذلك جائز إذا أردت بتفعلون الماضي،

стр. 74

ألا ترى أنك تعنف الرجل بما سلف من فعله فتقول: ويحك لم تكذب! لم تبغض نفسك إلى الناس! ومثله قول اللَّه: «وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ» «١» . ولم يقل ما تلت الشياطين، وذلك عربي كثير فِي الكلام أنشدني بعض العرب: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أَنْ تُقِرِّي بها «٢» بُدًّا فالجزاء للمستقبل، والولادة كلها قد مضت، وذلك أن المعنى معروف ومثله فِي الكلام: إذا نظرت فِي سير «٣» عمر ﵀ لم يسىء المعنى لم تجده أساء فلما كان أمر عُمَر لا يشك فِي مضيه لم يقع فِي الوهم أنه مستقبل فلذلك صلحت «مِنْ قَبْلُ» . مع قوله: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ وليس الذين خوطبوا بالقتل هُمُ القتلة، إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا فتولوهم على ذلك ورضوا به فنسب القتل إليهم. وقوله «٤» : سَمِعْنا وَعَصَيْنا ... (٩٣) معناه سمعنا قولك وعصينا «٥» أمرك. وقوله: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ... (٩٣) فإنه أراد: حب العجل، ومثل هذا مما تحذفه العرب كثير قال الله: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها» «٦» والمعنى سل أهل القرية وأهل العير وأنشدني المفضّل:

стр. 75

حَسِبْتَ بُغَامَ راحِلَتي عَنَاقًا ... وما هِيَ وَيْبَ غيرك بالعناق «١» ومعناه «٢» : بغام عناق ومثله من كتاب اللَّه: «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ» معناه والله أعلم: ولكن البر «٣» برُّ من فعل هذه الأفاعيل التي وصف اللَّه. والعرب قد تقول: إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم أو إلى حاتم. وأنشدني بعضهم «٤» : يَقُولون جاهِدْ يا جَمِيلُ بغَزْوَةٍ ... وإنّ جهادا طىّء وقتالها يجزىء ذكر الاسم من فعله «٥» إذا كان معروفا بسخاء أو شجاعة وأشباه ذلك. وقوله: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ... (٩٤) يقول: إن كان الأمر على ما تقولون من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهوديا أو نصرانيا فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فأبوا، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ قال: (والله لا يقوله أحد إلا غص بريقه) «٦» . ثُمَّ إنه وصفهم فقال: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا معناه والله أعلم: وأحرص من الذين أشركوا على الحياة. ومثله أن تقول: هذا أسخى
следующие страницы →