ومثله (وَمَنْ «١» يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً) و (يَعْمَلْ صالِحاً) فمن ذكره رَدّ آخره عَلَى أوّله «٢» ، ومن أنَّثَ ذهب إلى أن (مَن) فِي موضع تأنيث، فذهبَ إلى تأنيثها. وأنشدنا بعضُ العرب:
هَيَا أُمَّ عَمْرو مَنْ يكن عُقْرَ دارِهِ ... جواءُ عدِيّ يأكلِ الحشرات «٣»
ويسودَّ من لفح السّموم جبينُهُ ... ويَعْرَ وإن كانوا ذوي نَكرات «٤»
فرجع فِي (كانوا) إلى معنى الجمع وَفِي قراءة عبد الله- فيما أعلم- (ومنكم «٥» من يكون شيوخًا) ولم يقل (شَيْخًا) وقد قَالَ الفرزدق:
تَعَشَّ فإن واثقتني لا تَخونُني ... نكن مثل مَن يا ذئبُ يصطحبان
وأنت امرؤ يا ذئب والغدرُ كنتما ... أُخَيَّيْنِ كانا أُرضِعَا بِلِبانِ «٦»
فثنى (يصطحبان) وهو فعل لمن لأنه نواه ونفسه.
وقوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً [٧٥] ضرب مثلًا للصنم الَّذِي يعبدون أَنَّهُ لا يقدر عَلَى شيء، (وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ) أي يحمله، فقال: هَلْ يستوي هَذَا الصنم (وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) فقال: لا تُسوُّوا بين الصنم وبين الله ﵎.
وقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ [٨٠] يعنى الفساطيط «٧» للسفر، وبيوت العرب التي
стр. 632
من الصوف والشعر. والظعن يثقل فِي القراءة ويخفف «١» لأن ثانيه عين، والعربُ تفعل ذَلِكَ بِما كَانَ ثانيه أحد الستة «٢» الأحرف مثل الشعر والبحر والنهر. أنشدني بعضُ العرب:
لَهُ نَعْل لا تَطَّبي الكلبَ ريحُها ... وَإِن وُضِعْتَ بين المجالس شمّت «٣»
وقوله (أَثاثاً وَمَتاعاً) المتاع إلى حين يقول يكتفون بأصوافها إلى أن يَموتوا. ويُقال إلى الحين بعد الْحين.
وقوله: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [٨١] .
ولم يقل: البرد، وهي تقي الحر والبرد، فترك لأن معناهُ معلومٌ- والله أعلم- كقول الشاعر:
وما أدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وجهًا ... أريدُ الخيرَ أيُّهما يليني
يريد أي الخير والشر يليني لأنه إذا أراد الخير فهو يتقي الشرّ وقوله (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) وبلغنا عَن ابن عباس أَنَّهُ قرأ (لعلكم تَسْلمون) من الجراحات.
وقوله: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ [٨٣] يعني الكفارَ إذا قيل لَهُم، من رزقكم؟ قالوا: الله، ثُمَّ يقولون:
بشفاعة آلهتنا فيُشركونَ فذلك إنكارهم (نِعْمَتَ «٤» اللَّهِ) .
[قوله] : فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [٨٦] آلهتهم ردّت عليهم قولهم (إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) أي لَمْ ندعكم إلى عبادتنا.
وقوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ [٩٢] : من بعد إبرام. كانت تغزل
стр. 633
الغزل من الصوف فتُبْرمه ثُمَّ تأمر جارية لَهَا بنقضه. ويُقال: إنها رَيطة (تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) يقول: دَغَلا وخديعة.
قوله (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ) يقول: هي أكثر، ومعناهُ لا تغدروا بقوم لقلّتهم وكثرتكم أو قلّتكم وكثرتهم، وقد غررتموهم بالأيمان فسكنوا إليها ٩٧ ب. وموضع (أدنى) نصب. وإن شئت رفعت كما تَقُولُ: ما أظن رجلًا يكون هُوَ أفضل منك وأفضل منك، النصب عَلَى الْعِمَاد «١» ، والرفع عَلَى أن تجعل (هُوَ) اسمًا. ومثله قول الله (تَجِدُوهُ «٢» عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً) نَصْب، ولو كَانَ رفعًا كَانَ صَوَابًا.
وقوله: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [١٠١] إذا نسخنا آية فيها تشديد مكان «٣» آية ألين منها قَالَ المشركون: إنما يتقوله من نفسه ويتعلّمه من عائش مملوك كَانَ لِحُوَيطب بن عبد العزى كَانَ قد أسلم فحسن إسلامه وَكَانَ أعجم، فقال الله : لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ [١٠٣] يَميلونَ إِلَيْهِ ويهوونه (أَعْجَمِيٌّ) فقال الله: وَهَذَا لِسَانُ مُحَمَّد ﷺ والقرآن عربيّ.
وقوله «٤» : فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ [٨٦] فكسرت «٥» لأنّها من صلة القول.
ومن فَتَحها لو لَمْ تكن فيها لام فِي قوله لكاذبون جعلها تفسيرا للقول: ألقو إليهم إنكم كاذبون فيكون نصبًا لو لَمْ يكن فيها لام كما تَقُولُ: ألقيت إليك أنك كاذب. ولا يَجوز إلا الكسر عند دخول اللام، فتقول: ألقيت إليك إنك لكاذب.
وقوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا [١١٠] يقول: عذّبوا. نزلت فى عمّار
стр. 634
بن ياسر وأصحابه الَّذِينَ عُذبوا، حَتَّى أشرك بعضهم بلسانه وهو مؤمنٌ بقلبه فغفر الله لَهُم، فذلك قوله (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) بعد الفعلة «١» .
وقوله: قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً [١١٢] يعني مكة أنها كانت لا يُغارُ عليها كما تفعل العرب:
كانوا يتغاورون (مُطْمَئِنَّةً) : لا تنتقل كما تنتجع العرب الخصب بالنُّقْلة.
وقوله (مِنْ كُلِّ مَكانٍ) : من كلّ ناحية (فَكَفَرَتْ) ثم قال (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) ومثله فِي القرآن كَثِير. منه قوله (فَجاءَها «٢» بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ) ولم يقل: قائلة. فإذا قَالَ (قائِلُونَ) ذهب إلى الرجال، وإذا قَالَ (قائلة) فإنّما يعني أهلها، وقوله (فَحاسَبْناها «٣» حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً فَذاقَتْ) .
وقوله (لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) ابتُلوا بالجوع سبع سنين حَتَّى أكلوا العظامَ المحرقة والجِيفَ.
والخوفَ بُعُوث رسول الله ﷺ وسراياه. ثُمَّ إن النَّبِيّ ﷺ رَقَّ لَهم فحمل إليهم الطعام وهم مشركون. قال الله لَهُم، كُلُوا (وَاشْكُرُوا «٤» ) .
وقوله: لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ [١١٩] كل من عمل سوءًا فهو جاهل إذا عمله.
وقوله: أُمَّةً قانِتاً [١٢٠] : مُعلمًا للخير.
وقوله: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ [١٢٤] أتى موسى أصحابه فقال: تفرّغوا لله يوم الجمعة فلا تعلموا فيه شيئا، فقالوا: لا، بَلْ يوم السبت، فرغ الله فِيهِ من خَلْق السموات والأرض، فشُدد عليهم فِيهِ. وأتى عيسى النصارى بالجمعة أيضًا فقالوا: لا يكون عيدهم بعد عيدنا فصاروا إلى الأحد. فذلك اختلافهم وتقرأ «٥» (إنما جَعَل ٩٨ السبتَ نصبًا، أي جعل الله ﵎.
стр. 635
وقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [١٢٦] (نزلت فِي حَمْزَةَ «١» ) لِمّا مَثَّل المشركون بحمزة يوم أحد فقال النَّبِيّ ﷺ : لأمثّلَنّ بسبعين شيخًا من قريش فأنزل الله (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) ثُمَّ أمره بالصبر فقال (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ثُمَّ أمره بالصبر عزمًا فقال:
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [١٢٧] .
وقوله (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) فالضيق ما ضاق عَنْهُ صدرك، والضيق ما يكون فِي الَّذِي يتسع مثل الدار والثوب وأشباه ذَلِكَ وإذا رأيت الضَّيق وقع فِي موقع الضيق كَانَ عَلَى وجهين: أحدهما أن يكون جَمعًا واحدته ضَيْقَة كما قَالَ «٢» :
كَشَف الضَّيْقة عَنّا وَفَسَحْ
والوجهُ الآخر أن يُراد بِهِ شيء ضَيِّق فيكون مخففًا، وأصله التشديد مثل هين ولين تريد هيّن ليّن.
ومن سورة بنى إسرائيل
قوله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. الحرم كله مسجد، يعني مكة وحرمها (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) : بيت المقدس (الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) بالثمار والأنهار.
وقوله: (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا) يعني النَّبِيّ ﷺ حين أُسْرِيَ بِهِ ليريه تِلْكَ الليلة العجائب. وأُري الأنبياء حَتَّى وصفهم لأهل مكة، فقالوا: فإن لنا إبلا فى طريق الشام فأخبرنا
стр. 636
بأمرها، فأخبرهم بآيات وعلامات، فقالوا: متى تقدَمُ؟ فقال: يوم كذا مع طلوعِ الشمس يقدُمها جَمل أورق. فقالوا: هَذِه علامات نعرف بِهَا صِدْقه من كذبه. فغدوا من وراء العقبة يستقبلونها، فقال قائل: هَذِه والله الشمسُ قد شَرَقت ولم تأتِ. وقال آخر: هَذِه والله العيرُ يقدُمها جَمل أورق كما قَالَ مُحَمَّد ﷺ . ثُمَّ لَمْ يؤمنوا.
وقوله: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [٢] يُقال: رَبًّا، ويُقال: كافيًا.
وقوله: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا [٣] منصوبة عَلَى النداء ناداهم: يا ذُرِّية من حملنا مع نوح، يعني فِي أصلاب الرجال وأرحام النساء مِمّن لَمْ يُخْلَق.
وقوله: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [٤] .
أعلمناهم أنهم سيفسدون مرتين.
وقوله: (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما) يقول: عقوبة أولى المرتين، وهو أول الفسادين (بَعَثْنا عَلَيْكُمْ «١» عِباداً لَنا) يعني بُخْتَنصر فسَبَى وقتل.
وقوله: (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) يعني: قتلوكم بين بيوتكم (فَجاسُوا) فِي معنى أخذوا وحاسوا أيضًا بالحاء فِي ذَلِكَ المعنى.
وقوله: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [٦] يعني عَلَى بختنصَّر جاء رجل بعثه الله عَلَى بختنصر فقتله وأعاد الله إليهم ملكهم وأمرهم، فعاشوا، ثُمَّ أفسدوا وهو آخر الفسادين.
وقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ [٧] يقول القائل: أين جواب (إذا) ؟
ففيه وجهان. يقال: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسُوء الله وجوهكم «٢» لِمن قرأ بالياء. وقد يكون
стр. 637
ليسوء العذاب وجوهكم. وقرأها أبي بن كعب ٩٨ ب (لِنَسُوءن وجوهَكم) بالتخفيف يعني النون.
ولو جعلتها مفتوحة اللام كانت جَوَابًا لإذا بلا ضمير فعل. تَقُولُ إذا أتيتني لأسُوءَنَّك ويكون دخول الواو فيما بعد (لنسوءن) بِمنزلة قوله (وَكَذلِكَ نُرِي «١» إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ) نريه «٢» الملكوت، كذلك الواو فى (وَلِيَدْخُلُوا) تضمر لَهَا فعلًا «٣» بعدها، وقد قُرئت (لِيَسُوءُوا وجوهكم) الذين «٤» يدخلون.
وقوله: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [٩] . يقول: لشهادة أن لا إله إلا الله.
(وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) أوقعت البشارة عَلَى قوله (أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) ويَجوز أن يكون المؤمنون بُشروا أيضًا بقوله (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) لأن الكلام يحتمل أن تَقُولُ: بشرت عبد الله بأنه سيعطى وأن عدّوه سيُمنع، ويكون «٥» . ويبشر الَّذِينَ لا يؤمنون بالآخرة أنا أعتدنا لَهم عذابًا أليمًا، وإن لَمْ يوقع التبشير عليهم كما أوقعه عَلَى المؤمنين قبل (أنَّ) فيكون بِمنزلة قولك فِي الكلام بَشّرت أن الغيث آتٍ فِيهِ معنى بشرت الناس أن الغيث آتٍ وإن لَمْ تذكرهم. ولو استأنفْت (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) صلح ذَلِكَ ولم أسمع أحدًا.
قرأ بِهِ.
وقوله: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ [١١] حذفت الواو منها فِي اللفظ ولم تُحذف فِي المعنى لأنَّها فِي موضع رفع، فكان حذفها باستقبالها اللام السَّاكنة. ومثلها (سَنَدْعُ «٦» الزَّبانِيَةَ) وكذلك
стр. 638
(وَسَوْفَ «١» يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ) وقوله (يَوْمَ «٢» يُنادِ الْمُنادِ) وقوله (فَما تُغْنِ «٣» النُّذُرُ) ولو كن بالياء والواو كَانَ صَوَابًا. وهذا من كلام العرب. قَالَ الشاعر:
كفاكَ كفٌّ ما تُليق دِرْهمًا ... جُودًا وأخرى تُعْطِ بالسيف الدَّمَا «٤»
وقال بعضُ الأنصار:
لَيْسَ تَخفى بشارتي قَدْر يومٍ ... ولقد تُخْفِ شِيمتي إعساري «٥»
وقوله: (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ) يريد كدعائه بالخير فِي الرغبة إلى الله فيما لا يحب الداعي إجابته، كدعائه عَلَى ولده فلا يُستجابُ لَهُ فِي الشر وقد دعا بِهِ. فذلك أيضًا من نِعَم الله عَلَيْهِ.
وقوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ [١٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي مِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أبى الأسود الدّؤلي رَفَعَهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵀ قَالَ: هُوَ اللَّطْخُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ.
وقوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ [١٣] وهو عمله، إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا (وَنُخْرِجُ لَهُ) قرأها يَحْيَى بن وثّاب بالنون «٦» وقرأها غيره بالياء «٧» مفتوحة: (وَيَخْرُجُ لَهُ) طائره، منهم مجاهدو الحسن. وقرأ أَبُو جَعْفَر المدني (ويُخرج ... له كتابًا) معناهُ: ويُخْرِج لَهُ عمله كتابًا.
وكلٌّ حسن.
стр. 639
وقوله: اقْرَأْ كِتابَكَ [١٤] : فيها- والله أعلم- (يُقال) مضمرة. مثل قوله (وَيَوْمَ تَقُومُ «١» السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) ومثل قوله (فَأَمَّا الَّذِينَ «٢» اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ) المعنى- والله أعلم-:
فيقال: أكفرتم.
وقوله: أَمَرْنا مُتْرَفِيها
[١٦] قرأ الأعمش ٩٩ اوعاصم ورجال من أهل المدينة (أَمَرْنا)
خفيفة حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي سفيان بن عيينة عن حميد الأعرج عن مجاهد (أَمَرْنا)
خفيفة.
وفسّر بعضهم (أَمَرْنا مُتْرَفِيها)
بالطاعة (فَفَسَقُوا)
أي إن المترف إذا أُمر بالطاعة خالفَ إلى الفسوق «٣» .
وَفِي قراءة أُبي بن كعب (بعثنا فيها أكابر مجرميها) وقرأ الْحَسَن (آمرَنا) وروى عَنْهُ (أمِرنا) ولا ندري أنّها حُفظت عَنْهُ لأنا «٤» لا نعرف معناها هاهنا. ومعنى (آمرنا) بالمد: أكثرنا. وقرأ أَبُو العالية الرياحي (أمَّرنا مُتْرفيها) وهو موافق لتفسير ابن عباس، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: سلَّطْنَا رؤساءها ففسقوا فيها.
قوله: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [١٤] وكل ما فِي القرآن من قوله (وَكَفى بِرَبِّكَ) (وَكَفى بِاللَّهِ) و (كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ) فلو ألقيت الباء كَانَ الحرف مرفوعًا كما قَالَ الشاعر «٥» :
ويُخبرني عَن غائب الْمَرْء هَدْيُه ... كَفَى الْهَدْيُ عَمَّا غَيَّب المرءُ مُخْبِرا
وإنّما يَجوز دخول الباء فِي المرفوع إذا كَانَ يُمدح بِهِ صاحبه ألا ترى أنك تَقُولُ: كفاكَ بِهِ ونَهاكَ بِهِ وأكرم بِهِ رجلًا، وبئس بِهِ رجلًا، ونعم بِهِ رجلًا، وطاب بطعامك طعامًا، وجادَ بثوبك ثوبًا. ولو لَمْ يكن مدحًا أو ذمًا لَمْ يجز دخولها ألا ترى أن الَّذِي يقول: قامَ أخوكَ أو قعد أخوك
стр. 640
لا يَجوز لَهُ أن يقول: قام بأخيك ولا قعد بأخيك إلا أن يُريد قام بِهِ غيره وقعد بِهِ.
وقوله: عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [١٨] أي ذَلِكَ منا لِمن نريد.
وقوله: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ أوقعت عليهما نُمد أي نُمدهم جَميعًا أي نرزق المؤمن والكافر من عطاء ربّك.
وقوله: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا [٢٣] كقولك: أمر ربك وهي فِي قراءة عبد الله (وَأَوْصَى ربَك) وقال ابن عباس هي (وَوَصَّى) التصقت واوها. والعربُ تَقُولُ تركته يقضي أمور الناس أي يأمر فيها فينفذ أمره.
وقوله (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) معناهُ: وأوصى بالوالدين إحسانًا. والعرب تَقُولُ أوصيكَ بِهِ خيرًا، وآمرك بِهِ خيرًا. وَكَانَ معناهُ: آمرك أن تفعل بِهِ ثُمَّ تحذف (أنْ «١» ) فتوصل الخير بالوصية وبالأمر، قَالَ الشاعر:
عجبتُ من دَهْمَاء إذ تشكونا ... ومن أبي دهماء إذ يوصينا
خيرًا بِهَا كأننا جافونا
وقوله: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ) فإنه ثنى «٢» لأن الوالدين قد ذكر قبله فصار الفعل عَلَى عددهما، ثُمَّ قَالَ (أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) على الائتناف «٣» كقوله (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا «٤» ) ثم استأنف فقال: (كَثِيرٌ مِنْهُمْ) وكذلك قوله (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا «٥» النَّجْوَى) ثم استأنف فقال:
(الَّذِينَ ظَلَمُوا) وقد قرأها ناس كَثِير (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ) جعلت (يَبْلُغَنَّ) فعلًا لأحدهما. فكررت «٦» ب فكرت عَلَيْهِ كلاهما.
стр. 641
وقوله (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ) قرأها عَاصِم بن أبي النجود والأعمش (أُفِّ) خفضًا بغير نون. وقرأ العوامّ (أفّ) فالذين خفضوا ونوَّنوا ذهبوا إلى أنها صوت لا يُعرف معناهُ إلا بالنطق بِهِ فخفضوه كما تُخفض الأصوات. من ذَلِكَ قول العرب: سمعت طاقٍ طاقٍ لصوت الضرب، ويقولون:
سمعت تغٍ تغٍ لصوت الضحك. والذين لَمْ ينونوا وخفضوا قالوا: أفّ عَلَى ثلاثة أحرف، وأكثر الأصوات إنما يكون عَلَى حرفين مثل صَهْ ومثل يغ ومَهْ، فذلك الَّذِي يُخفض ويُنَوَّن فِيهِ لأنه متحرك الأول. ولسنا بمضطرين إلى حركة الثاني من الأدوات وأشباهِها فيُخْفَض «١» فخفض بالنون:
وشبهت أفَّ بقولك مُدَّ ورُدَّ إذ كانت عَلَى ثلاثة أحرف. ويدل عَلَى ذَلِكَ أن بعض العرب قد رفعها فيقول أفُّ لك. ومثله قول الراجز:
سألتُها الوصلَ فقالت مِضِّ ... وحَرَّكت لي رأسها بالنَغْض «٢»
كقول «٣» القائل (لا) يقولها بأضراسه. ويُقال: ما علّمك أهلك إلا (مضِّ «٤» ومِضُّ) وبعضهم:
إلا مِضّا يوقع عليها الفعل. وقد قَالَ بعضُ العرب: لا تقولن له أُفا ولا تُفّا يجعل كالاسم فيصيبه الخفض والرفع [والنصب] ثبت فِي ب والنصب «٥» بلا نون يَجوز كما قالوا رُدّ. والعربُ تَقُولُ: جعل يتأفف من ريح وجدها، معناهُ يقول: أفِّ أفِّ. وقد قَالَ الشاعر «٦» فيما نُوّن:
وقفنا فقلنا إِيهِ عَن أمّ سالِمٍ ... وَمَا بال تكليم الديار البلاقع
стр. 642
فحذف النون لأنها كالأداة، إذ كانت عَلَى ثلاثة أحرف، شُبِّهت بقولِهم: جَيْر «١» لا أفعل ذَاك، وقد قَالَ الشاعر «٢» :
فقُلْن عَلَى الفردوس أوَّل مشرب ... أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره
وقوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ [٢٤] بالضم قرأها العوام. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي هُشيم عَنْ أبي بشر جَعْفَر بن إياس عَن سعيد بن جبير أَنَّهُ قرأ (واخفض لهما جناحَ الذِّلّ) بالكسر. قَالَ: حَدَّثَنَا الفراء وَحَدَّثَنِي الحكم بن ظُهير عَن عَاصِم بن أبي النجود أَنَّهُ قرأها (الذِّلّ) بالكسر. قَالَ أَبُو زكريا: فسألتُ أبا بكر عنها «٣» فقال: قرأها عَاصِم بالضم. والذُلّ من الذلة أن يتذلل وليس بذليل فِي الخلقة، والذلة والذل مصدر «٤» الذليل والذِّل مصدر للذلول مثل الدابَّة والأرض. تَقُولُ: جَمَل ذَلُول، ودابة ذَلُول، وأرض ذَلول بينة الذل.
وقوله: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ [٢٨] يقول: إذا أتتك قرابتك أو سواهم من المحتاجين يسألونك فأعرضت لأنه لا شيء عندك تعطيهم فقل لهم: قولا ميسورا، يقول: عِدْهُم عِدة حَسَنةً. ثُمَّ نَهاهُ «٥» أن يعطي كل ما عنده حَتَّى لا يبقى محسورًا لا شيء عنده. والعرب تَقُولُ للبعير:
هُوَ محسور إذا انقطعَ سيره وحسرت الدابة إذا سرتها حَتَّى ينقطع سيرها. وقوله: (يَنْقَلِبْ «٦» إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) يحسر عند أقصى بلوغ المنظر.
стр. 643
وقوله: خِطْأً كَبِيراً [٣١] وقرأ الْحَسَن خَطَاء «١» كبيرًا بالمد. وقرأ أَبُو جَعْفَر المدني (خَطَأ كبيرًا) قَصَر وهمز. وكل صواب. وكأن الخطأ الإثم. وقد يكون فِي معنى خَطَأ بالقصر.
كما قالوا: قِتْب «٢» وقَتَب، وحِذْرٌ وَحَذَرٌ، ونجسٌ ونَجَسٌ. ومثله قراءة من قرأ (هم «٣» أولاء على أثرى) و (إثرى) .
وقوله: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [٣٣] فِي الاقتصاص أو قبول الدية.
ثُمَّ قَالَ: (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) فقرئت بالتاء «٤» والياء. فمن قَالَ بالياء ذهبَ إلى الولي أي لا يقتلنَّ غير قاتله. يقول فلا يُسرف لولي فِي القتل. قَالَ: حدّثنا القراء قَالَ وَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ مِنْدَلٌ وَجَرِيرٌ وَقَيْسٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّهُ قَرَأَ (فَلا تُسْرِفْ) بِالتَّاءِ.
وَفِي قراءة أُبَيّ (فلا يُسْرِفوا فِي القتل) .
وقوله (إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) يُقال: إن وليَّه كَانَ منصورًا. ويُقال الْهَاء للدم. إن دم المقتول كَانَ منصورًا لأنه ظلم. وقد تكون الْهَاء للمقتول نفسه، وتكون للقتل لأنه فعل فيجري مجرى الدم والله أعلمُ بصواب ذَلِكَ.
وقوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [٣٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ وَحَدَّثَنِي حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الأَشُدُّ. مَا بَيْنَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ إِلَى ثَلاثِينَ.
وقوله: وَلا تَقْفُ [٣٦] أكثر القراء يجعلونها من قفوت، فتحرَّك الفاء إلى الواو، فتقول (وَلا تَقْفُ) وبعضهم قَالَ (ولا تَقُفْ «٥» ) والعربُ تَقُولُ قُفْت أثره وقفوته. ومثله يعتام ويعتمى «٦»
стр. 644
وقاع الجمل الناقة وقعا إذا ركبها، وعاث وعَثَى من الفساد. وهو كَثِير، منه شاك السلاح وشاكي السلاح، وجُرْف هارٌ وهارٍ. وسمعت بعض قُضَاعة يقول: اجتحى ماله واللغة الفاشية اجتاح ماله.
وقد قَالَ الشاعر:
ولو أني رأيتك من بعيد ... لعاقكَ من دعاء النِّيب عَاقِي
يريد: عائق
حَسِبْتَ بُغَامَ راحِلَتي عَنَاقًا ... وما هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاق «١»
وقوله: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [٣٨] وقرأ بعض «٢» أهل الحجاز (كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) .
وقوله: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ [٤٤] .
أكثر القراء عَلَى التاء. وهي فِي قراءة عبد الله (سبَّحت لَهُ السموات السبع) فهذا يقوِّي الَّذِينَ قرءوا بالتاء. ولو قرئت «٣» بالياء لكان صوابا كما قرءوا (تَكادُ «٤» السَّماواتُ) و (يكادُ) «٥» وإنَّما حسنت الياء لأنه عدد قليل، وإذا قلَّ العدد من المؤنث والمذكر كانت الياء فِيهِ أحسن من التاء قَالَ الله فِي المؤنث القليل (وَقالَ نِسْوَةٌ «٦» فِي الْمَدِينَةِ) ، وقال فِي المذكر (فَإِذَا «٧» انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) فجاء بالتذكير. وَذَلِكَ أن أول فعل المؤنث إذا قلّ يكون بالياء، فيقال:
النسوة يقمن ١٠٠ ب. فإذا تقدم الفعل سقطت النون من آخره لأن الاسم ظاهر فثبت الفعل من أوله على
стр. 645
الياء، ومن أنث ذهبَ إلى أن الجمع يقع عَلَيْهِ (هَذِه) فأنَّث لتأنيث (هَذِه) والمذكر فِيهِ كالمؤنث ألا تَرى أنك تَقُولُ: هَذِه الرجال، وهذه النساء. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بن الربيع عن عمار الدهني عَن سعيد بن جبير قَالَ: كل تسبيح فِي القرآن فهو صلاة، وكل سلطان حُجّة، هَذَا لقوله (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) .
وقوله: عِظاماً وَرُفاتاً: الرفات: التراب لا واحد لَهُ، بِمنزلة الدُّقَاق والحطام.
وقوله: أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ [٥١] قالوا للنبي ﷺ : أرأيت لو كُنّا الموت من يميتنا؟ فأنزل الله (أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) يعني الموت نفسه أي لبعث الله عليكم من يميتكم.
وقوله (فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ) يُقال أنغض رأسه أي حرَّكه إلى فوق وإلى أسفل.
وأرانا ذَلِكَ أَبُو زكريا «١» فقال برأسه، فألصقه بِحَلْقِه ثُمَّ رفعه كأنه ينظرُ إلى السّقف. والرأس ينغض وينغض. والثنيّة إذا تحركت: قيل نغضت سنة. وإنما يسمى الظليم نَغضًا لأنه إذا عجل مشيه ارتفع وانخفض.
وقوله: (وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ) يعني البعث.
وقوله: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [٥٤] يقول: حافظا وربّا.
وقوله: زَبُوراً [٥٥] قال الفراء وَحَدَّثَنِي أَبُو بكر قَالَ كَانَ عَاصِم يقرأ (زَبُوراً) بالفتح فِي كل القرآن. وقرأ حَمْزَةُ بالضم.
وقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [٥٧] يعني الجن الَّذِينَ كانت خُزاعة تعبدهم. فقال الله (أُولئِكَ) يعني الجن الَّذِينَ (يَدعونَهم) يبتغونَ إلى الله. ف (يَدْعُونَ) فعل للذين يعبدونهم. و (يَبْتَغُونَ) فعل للجنّ به «٢» ارتفعوا.
стр. 646
وقوله: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها [٥٨] بالموت (أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً) بالسيف.
وقوله: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ [٥٩] (أنْ) فِي موضع نصب (إِلَّا أَنْ كَذَّبَ) أن فِي موضع رفع كما تَقُولُ: ما منعهم الإيمان إلَّا تكذيبهم.
وقوله (النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) جعل الفعل لَهَا. ومن «١» قرأ (مَبْصَرة) أراد: مثل قول عنترة.
والكفر مَخبثَة لنفس المنعم «٢»
فإذا وضعت مفعلة فِي معنى فاعل كفت من الجمع والتأنيث، فكانت موحدة مفتوحة الْعَين، لا يجوز كسرها. العرب تَقُولُ: هَذَا عُشْب مَلْبَنَة «٣» مسمنة «٤» ، والولد مبخلة مجبنة. فما ورد عليك منه فأخرجه عَلَى هَذه الصورة. وإن كَانَ من الياء والواو فأظهرهما. تَقُولُ: هَذَا شراب مَبْولة، وهذا كلام مهيبة للرجال «٥» ، ومتيهة، وأشباه ذَلِكَ. ومعنى (مبصرة) مضيئة، كما قَالَ الله (والنَّهارَ مُبْصِراً) : «٦» مضيئا.
وقوله: إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ [٦٠] يعني أهل مكة أي أَنَّهُ سيفتح لك (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً) يريد: ما أريناكَ ليلة الإسراء إلا فتنة لَهُم، حَتَّى قَالَ بعضهم: ساحر، وكاهن، وأكثروا. (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ) هي شجرة الزَّقوم، نصبتها بجعلنا. ولو رُفعت تُتْبَع الاسم «٧» الَّذِي فِي فتنة من الرؤيا كَانَ صوابًا. ومثله فِي الكلام جعلتك عاملًا وزيدا وزيد.
стр. 647
وقوله: لَأَحْتَنِكَنَّ ١٠١ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [٦٢] يقول: لأستولينّ عليهم (إِلَّا قَلِيلًا) يعنى المعصومين.
وقوله: وَاسْتَفْزِزْ [٦٤] يقول استخفّ (بِصَوْتِكَ) بدعائك (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) يعني خيل المشركين ورجالهم.
وقوله (وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ) كل مال خالطه حرام فهو شركُهُ. وقوله (وَعِدْهُمْ) أي قل لَهُم: لا جنّة ولا نار. ثُمَّ قَالَ الله ﵎ (وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً) .
وقوله: لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً [٦٩] يُقال: ثائرًا وطالبًا. فتبيع فِي معنى تابع.
وقوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [٧١] قراءة العوامّ بالنون. و (يدعوا «١» ) أيضًا لله ﵎. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الفراء قَالَ: وسألني هُشيم فقَالَ: هَلْ يجوز (يوم يدعوا كُلُّ أناس) روَوه عَن الْحَسَن فأخبرته أني لا أعرفه، فقال: قد سألتُ أهل العربية عَن ذَلِكَ فلم يعرفوه «٢» .
وقوله: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى [٧٢] يعنى: فى نعم الدُّنْيَا التي اقتصصناها عليكم (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ) فى نعم الآخرة (أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) .
والعرب إذا قالوا: هُوَ أفعل منك قالوه فِي كل فاعل وفَعِيل، وما لا يزاد فِي فعله شيء عَلَى ثلاثة أحرف. فإذا كان على فعللت مثل زخرفت، أو أفعلت مثل احمررت واصفررت لَمْ يقولوا: هُوَ أفعل منك إلا أن يقولوا: هُوَ أشد حمرةً منك، وأشد زخرفةً منك. وإنما جازَ فِي العمى لأنه لَمْ يُرد بِهِ عمى الْعَين، إنّما أراد بِهِ- والله أعلم- عَمَى القلب. فيُقال: فلان أعمى من فلان فِي القلب
стр. 648
و (لا تقل) «١» : هُوَ أعمى منه فِي الْعَين. فذلك أَنَّهُ لَمَّا جاء عَلَى مذهب أحمر وحمراء تُركَ فِيهِ أفعل منك كما تُرِكَ فِي كثيره «٢» . وقد تَلْقَى بعض النحويين يقول: أُجيزه فِي الأعمى والأعشى والأعرج والأزرق، لأنا قد نقول: عمي وزرق وعرج وعَشِي ولا نقول: صَفِر ولا حَمِر ولا بيض. وليس ذَلِكَ بشيء، إنما ينظر فِي هَذَا إلى ما كَانَ لصاحبه فِيهِ فعل يقلّ أو يكثر، فيكون أفعل دليلًا عَلَى قلة الشيء وكثرته ألا ترى أنك قد تَقُولُ: فلان أقوم من فلان وأجمل لأن قيام ذا وجَمَالَه قد يزيد عَلَى قيام الآخر وجماله، ولا تَقُولُ لأعميين: هَذَا أعمى من هَذَا، ولا لميتين: هَذَا أموت من هَذَا.
فإن جاءك منه شيء فِي شعر فأجزته احتمل النوعان «٣» الإجازة: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي شيخ من أهل البصرة أَنَّهُ سمع العرب تَقُولُ: ما أسود شعره. وسئل الفراء عَن الشيخ فقال: هَذَا بشار الناقط. وقال الشاعر «٤» :
أمّا الملوك فأنتَ اليومَ ألأمهم ... لُؤمًا وأبيضهم سِرْبَالَ طبَّاخ
فمن قَالَ هَذَا لزمه أن يقول: الله أبيضك والله أسْوَدك وما أسْوَدَك. ولُعبة للعرب يقولون أبيضي حالا «٥» وأسيدي حالا «٦» والعربُ تَقُولُ مُسْوِدة مُبيضة إذا ولدت السُّودان والبيضان وأكثر ما يقولون: مُوضحة إذا ولدت البيضان وقد يقولون مسيدة ١٠١ ب.
وقوله: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ [٧٦] لَمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة حسدته اليهود وثَقُلَ عليهم مكانه، فقالوا: إنك لتعلم أن هَذِه البلاد ليست ببلاد الأنبياء، إنما بلادهم
стр. 649
الشام. فإن كنت نبيًّا فاخرج إِلَيْهِ، فإن الله سينصرك. قَالَ: فعسكر النَّبِيّ ﷺ عَلَى أميالٍ من المدينة فأنزل الله: (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ) ليستخفونك وإذا لا يلبثون من الأرض (خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا) يقول: إنك لو خرجت ولم يؤمنوا لنزل بِهم العذاب.
وقوله: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ [٧٧] نصب السنة عَلَى العذاب المضمر، أي يُعذبون كسنة من قد أرسلنا (وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا) .
وقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [٧٨] .
جاء عَن ابن عباس قَالَ: هُوَ زَيغوغتها وزوالها للظهر. قَالَ أَبُو زكريّا: ورأيت العرب تذهب بالدلوك إلى غياب الشمس أنشدني بعضهم:
هَذَا مَقَام قدَمَيْ رَبَاحِ ... ذبَّبَ حَتَّى دَلَكتْ بِراحِ
يعني الساقي ذبَّب: طرد الناس. براح يقول: حَتَّى قَالَ «١» بالراحة عَلَى الْعَين فينظر هَلْ غابت قَالَ: هكذا فسَّروه.
وقوله (إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) : أوّل ظلمته للمغرب والعشاء.
وقوله (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) أي وأقم قرآن الفجر (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) يعني صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.
وقوله: نافِلَةً لَكَ [٧٩] ليست لأحد نافلة إلا للنبي ﷺ ، لأنه لَيْسَ من أحد إلا يخاف عَلَى نفسه، والنبي ﷺ قد غُفِرَ لَهُ ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فعمله نافلة.
وقوله: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [٨٠] قَالَ لَهُ فِي المنصرف لِمَا رجع من معسكره إلى المدينة حين أراد الشام (وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) إلى مكة.
стр. 650
وقوله: كانَ يَؤُساً [٨٣] إذا تركت الهمزة من قوله (يؤوسا) فإن العرب تَقُولُ يَوْسًا ويَووسًا تجمعون «١» بين ساكنين وكذلك (وَلا يَؤُدُهُ «٢» حِفْظُهُما) وكذلك (بِعَذابٍ «٣» بَئِيسٍ) يقول بيس و (بييس) و (يؤوده) يجمعون بين ساكنين. فهذا كلام العرب: والقراء يقولون (يووسا) و (يووده) فيحركون الواو إلى الرفع و (بَيِيسٍ) يحركون الياء الأولى إلى الخفض. ولم نَجد ذَلِكَ فِي كلامهم، لأن تَحريك الياء والواو أثقل من ترك الْهَمْزَةِ، فلم يكونوا ليَخْرجوا من ثقل إلى ما هُوَ أثقل منه.
وقوله: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [٨٤] : ناحيته. وهي الطريقة والجديلة. وسمعت بعض العرب من قضاعة يقول: وعبد الملك إذا ذاك عَلَى جديلته وابن الزبير عَلَى جديلته. والعربُ تَقُولُ: فلان عَلَى طريقة صالِحة، وخيْدَبة صالِحة، وسُرْجُوجة. وعُكْل تَقُولُ: سِرْجيجة.
وقوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [٨٥] يقول: مِن علم ربي، لَيْسَ من علمكم.
وقوله: إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [٨٧] استثناء «٤» كقوله (إِلَّا حاجَةً «٥» فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها) .
وقوله: عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ [٨٨] جواب «٦» لقوله (لئن) والعربُ إذا أجابت (لئن) ب (لا) جعلوا ما بعد لا رفعًا لأن (لئن) كاليمين، وجواب اليمين ب (لا) مرفوع.
وربما جَزَم الشاعر، لأن (لئن) «٧» إن التي يُجازي بِهَا زيدت عليها لام، فوجّه الفعل فيها إلى فعل، ولو أُتي بيفعل لجاز جزمه. وقد جزم بعضُ الشعراء بلئن، وبعضهم بلا التي هى جوابها.
قال الأعشى:
стр. 651
لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عَن غِبِّ مَعْرَكةٍ ... لا تلفنا من دماء القوم ننتفل «١»
١٠٢ اوأنشدتنى امرأة عقيلية فصيحة:
لئِن كَانَ ما حُدِّثْتُهُ اليومَ صادِقًا ... أَصُمْ فِي نهار الْقَيْظِ للشَّمسِ بادِيَا
وأَرْكَبْ حمارًا بين سرجٍ وفروةٍ ... وأعْرِ من الخاتام صُغْرَى شماليا «٢»
قَالَ وأنشدني الْكِسَائي للكميت بن معروف:
لئن تَكُ قد ضاقْت عليكم بُيوتُكُمْ ... لَيَعْلَمُ ربي أن بيتي واسعُ «٣»
وقوله (لِبَعْضٍ ظَهِيراً) الظهير العون.
وقوله: مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [٩٠] .
الَّذِي ينبع، ويقال: ينبع لغتان. و (تَفْجُرَ) قرأها يَحْيَى بن وثاب وأصحاب عبد الله بالتخفيف «٤» . وكأن الفجر مرة واحدة و (فَتُفَجِّرَ) فكأن التفجير من أماكن. وهو بِمنزلة فتحت الأبواب وفتحتها.
وقوله: كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [٩٢] .
و (كِسَفاً) الكسف «٥» : الجماع. قَالَ: سمعت أعرابيًا يقول لبزاز ونحن بطريق مكة:
أعطنى كشفة أي قطعة. والكشف مصدر. وقد تكون الكسف جمع كسفة وكسف.
وقوله (أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا) أي كفيلًا.
وقوله: أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ [٩٣] . المعنى: إلى السماء. غير أن جوازه أنهم قالوا: أو تضع سُلَّمًا فترقى عَلَيْهِ إلى السماء، فذهبت (فى) إلى السلّم.
стр. 652
وقوله: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [٩٤] أن فِي موضع نصب (إِلَّا أَنْ قالُوا) (أن) فِي موضع رفع.
(أَوْ يَكُونَ «١» لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حبّان عن الكلبىّ قال: الزخرف: الذهب.
وقوله: لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ [١٠٢] قرأها ابن عباس وابن مسعود (علمت) بنصب التاء.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي هشيم عَن أبي بشر عَن سعيد بن جبير (لَقَدْ عَلِمْتَ) مثله بنصب التاء. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي قَيْسٌ وَأَبُو الأَحْوَصِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ شَيْخٍ مِنْ مُرَادٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلِمَ عَدُوُّ «٢» اللَّهِ، إِنَّمَا عَلِمَ مُوسَى. وَكَانَ يَقْرَأُ (عَلِمْتُ) بِرَفْعِ التَّاءِ. وفسره الكلبي بإسناده عَلَى قراءة عليّ وتفسيره. وأما ابن عباس وابن مسعود فقالا: قد قَالَ الله (وَجَحَدُوا «٣» بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) قَالَ الفراء: والفتح أحبّ إِليَّ وقال «٤» بعضهم: قرأ الْكِسَائي بالرفع، فقال: أخالفه أشدَّ الخلاف.
وقوله: يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [١٠٢] ممنوعًا من الخير. والعرب تَقُولُ: ما ثَبَرك عَن ذا أي ما منعك منه وصرفك عنه.
وقوله: جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً [١٠٤] من هاهنا وهاهنا وكلّ جانب.
وقوله: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ [١٠٦] نصبت القرآن بأرسلناك أي ما أرسلناك إلا مبشّرا ونذيرا وقرآنا أيضًا كما تَقُولُ: ورحمة لأن القرآن رحمة. ويكون نصبه بفرقناهُ عَلَى راجع ذكره. فلما كانت الواو قبله
стр. 653
نصب. مثله (وَفَرِيقاً «١» حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) وأما (فَرَقْناهُ) بالتخفيف فقد قرأه أصحاب «٢» عبد الله.
والمعنى أحكمناهُ وفصَّلناهُ كما قال (فِيها «٣» يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) أي يفصل. وروي عَن ابن عباس (فَرَّقْنَاهُ يقول: لَمْ ينزل فِي يوم ولا يومين. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مالك عن ابن عباس (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ) مخففة.
وقوله: أَيًّا ما تَدْعُوا [١١٠] (ما) قد يكون صلة، كما قَالَ ﵎ (عَمَّا قَلِيلٍ «٤» لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ) وتكون فِي معنى أي معادة لِمَا اختلف لفظهما:
وقوله: (وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) أي قصدا.
ومن سورة الكهف
قوله ﵎: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً المعنى: الحمد لله الَّذِي أنزل عَلَى عبده الكتاب قَيّما، ولم يجعل لَهُ عوجًا. ويُقال فى القيّم: قيّم على الكتب أي أنه بصدّقها.
وقوله (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً) مع البأس أسماء «٥» مضمرة يقع عليها الفعل قبل أن يقع عَلَى البأس. ومثله فِي آل عمران (إِنَّما ذلِكُمُ «٦» الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) معناهُ:
يخوفكم أولياءه.
وقوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ معناهُ ولا لأسلافهم: آبائهم وآباء آبائهم [ولا] يعنى الآباء الذين هم لأصلابهم فقط.
стр. 654
وقوله: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) نصبها أصحاب عبد الله، ورفعها الْحَسَن وبعض «١» أهل المدينة. فمن نصب أضمر فِي (كَبُرَتْ) : كبرت تِلْكَ الكلمة كلمة. ومن رفع لَمْ يضمر شيئًا كما تَقُولُ: عظم قولك وكبر كلامك.
وقوله فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [٦] أي مخرج نفسك قاتل نفسك.
وقوله: (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا) تكسرها «٢» إذا لَمْ يكونوا آمنوا عَلَى نيّة الجزاء، وتفتحها إذا أردت أنها قد مضت مثل قوله فِي موضع آخر: (أَفَنَضْرِبُ «٣» عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ) و (أن كنتم) .
ومثله قول الشاعر:
أتجزع أن بان الخليط المودّع ... وجبل الصّفا من عزّة المتقطع
وقوله: صَعِيداً [٨] الصعيد التراب. والجُرز: أن تكون الأرض لا نبات فيها. يُقال:
جرِزَت الأرض وهي مجروزة. وجرزَها الجرادُ أو الشاء أو الإبل فأكلن ما عليها.
وقوله: أَمْ حَسِبْتَ [٩] يخاطب محمدًا ﷺ (أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ) الكهف:
الجبل «٤» الَّذِي أَوَوْا إِلَيْهِ. والرقيم: لوح رصاص كتبت فِيهِ أنسابهم ودينهم وممَّ هربوا.
وقوله: هَيِّئْ [١٠] كتبت الْهَمْزَةُ بالألف (وهَيَّأ) بهجائه. وأكثر ما يكتب الْهَمْز عَلَى ما قبله. فإن كان ما قبله مفتوحا كتبت بالألف. وإن كَانَ مضمومًا كتب بالواو، وإن كَانَ مكسورًا كُتِبت بالياء. وربما كتبتها العرب بالألف فِي كل حال لأن أصلها ألف. قالوا نراها إذا ابتدئت
стр. 655
تكتب بالألف فِي نصبها وكسرها وضمّها مثل قولك: أُمِرُوا، وأمرت، وقد جئت «١» شيئًا إمرًا فذهبوا هَذَا المذهب. قَالَ: ورأيتها «٢» فِي مصحف عبد الله (شَيْأً) فِي رفعه وخفضه بالألف.
ورأيتُ يستهزءون يستهزأون بالألف وهو القياس. والأول أكثر فِي الكتب، وقوله: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ [١١] بالنوم «٣» .
وقوله: (سِنِينَ عَدَداً) العدد هاهنا فِي معنى معدودة والله أعلم. فإذا كَانَ ما قبل العدد مُسَمًّى مثل المائة والألف والعشرة والخمسة كَانَ فِي العدد وجهان:
أحدهما: أن تنصبه عَلَى المصدر فتقول: لك عندي عشرة عَدَدًا. أخرجت العدد من العشرة لأن فِي العشرة معنى عُدَّت، كأنك قلت: أُحصيت وعُدَّت عَدَدًا وَعَدّا. وإن شئت رفعت العدد، تريد: لك عشرة معدودة فالعدد هاهنا مع السنين بِمنزلة قوله ﵎ فِي يوسف (وَشَرَوْهُ «٤» بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) لأن الدراهم ليست بِمسمَّاة «٥» بعدد. وكذلك ما كَانَ يُكال ويوزن تخرجه (إذا جاء «٦» ) بعد أسمائه عَلَى الوجهين «٧» . فتقول لك عندي عشرة أرطال وزنًا ووزن وكيلًا وكيلٌ عَلَى ذَلِكَ.
وقوله: ١٠٣ ا- لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى [١٢] رفعت أيَّا بأحصى لأن العلم لَيْسَ بواقع عَلَى أيّ إنَّما هُوَ: لتعلم بالنظر والمسألة وهو كقولك اذهب فاعلم لي أيُّهم قام، أفلا ترى أنك إنما توقع العلم عَلَى من تستخبره. ويُبين ذَلِكَ أنك تَقُولُ: سل عبد الله أيهم قام فلو حذفت عبد الله لكنت لَهُ مريدًا، ولمثله من المخبرين.
стр. 656
وقوله: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) فيقال: إن طائفتين من المسلمين فِي دهر أصحاب الكهف اختلفوا فِي عددهم. ويُقال: اختلف الكفار والمسلمون. وأما (أَحْصى) فيقال: أصوب: أي أيهم قَالَ بالصواب.
وقوله: (أَمَداً) الأمد يكون نصبه عَلَى جهتين إن شئت جعلته خرج من (أَحْصى) مفسِّرًا، كما تَقُولُ: أيّ الحزبين أصوب قولًا وإن شئت أوقعت عَلَيْهِ اللُّبَاث: للباثهم أمدًا.
وقوله: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ [١٦] يعني أصحاب الكهف «١» فقال: وإذ اعتزلتم جَميع ما يعبدون من الآلهة إلّا الله. و (ما) فِي موضع نصب. وَذَلِكَ أنهم كانوا يشركون بالله، فقال:
اعتزلتم الأصنام ولم تعتزلوا الله ﵎ ولا عبادته:
وقوله: (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) جواب لإذْ كما تَقُولُ: إذ فعلت ما فعلت فتُبْ.
وقوله: (مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً) كسر «٢» الميم الأعمش والحسن، ونصبها أهلُ المدينة وَعَاصِم.
فكأن الَّذِينَ فتحوا الميم وكسروا الفاء أرادوا أن يفرقوا بين المرفق من الأمر والمرفق من الْإِنْسَان وأكثر العرب عَلَى كسر الميم من الأمر ومن الْإِنْسَان. والعرب أيضًا تفتح الميم من مرفق الْإِنْسَان.
لغتان فيهما.
وقوله تَتَزاوَرُ [١٧] وقرئت (تزَّاوَرُ) «٣» وتريد (تَتَزاور) فتدغم التاء عند الزَّاي. وقرأ بعضهم (تَزْوَرّ) «٤» وبعضهم «٥» (تَزْوَارّ) مثل تَحْمَر وتَحْمَارّ. والازورار فِي هَذَا الموضع أنها كانت تطلع
стр. 657
عَلَى كهفهم ذات اليمين ولا تدخل عليهم، وذات الشمال. والعربُ تَقُولُ: قرضته ذات اليمين وحذوته وكذلك ذات الشمال وقُبُلًا ودُبُرًا، كل ذَلِكَ أي كنت بِحذائه من كل ناحية.
وقوله: ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [١٨] الْوَصِيد: الفناء. والوصيد والأصيد لغتان مثل الإكاف «١» والوكاف «٢» ، ومثل أرَّخت الكتاب وورخته، ووكدت الأمر وأكدّته، ووضعته يتنا «٣» وأَتْنا «٤» ووتْنَا «٥» يعني الْوَلد. فأمّا قول العرب: واخيت ووامرت وواتيت وواسيت فإنها بنيت على المواخاة والمواساة والمواتاة والمؤامرة، وأصلها الهمز كما قيل: هو سول منك، وأصله الْهَمْز فبُدِّل وَاوًا وبُني على السؤال.
وقوله «٦» : (فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) أي ناحية متّسعة.
وقوله: (وَلَمُلِئْتَ) بالتخفيف قرأه عَاصِم والأعمش وقرأ «٧» أهل المدينة (وَلَمُلِّئْتَ مِنْهُمْ) مشددًا. وهذا خوطب بِهِ مُحَمَّد ﷺ .
وقوله: بِوَرِقِكُمْ [١٩] قرأها عَاصِم والأعمش بالتخفيف «٨» وهو الْوَرِق. ومن العرب من يقول الْوِرْق، كما يقال كَبِد وكِبْدٌ وكَبْدٌ، وَكَلِمَةٌ وَكَلْمَةٌ وكِلْمَة.
وقوله (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى) يُقال: أحَلّ ذَبيحة لأنهم كانوا مَجوسًا.
وقوله: أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ [٢١] أظهرنا وأطلعنا. ومثله فِي المائدة (فَإِنْ عُثِرَ «٩» ) : اطّلع (واحد «١٠» الأيقاظ يقظ ويقظ) .
стр. 658
قوله: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [٢٢] قَالَ ابن عباس: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.
وقال ابن عباس: أنا من القليل الَّذِينَ قَالَ الله : (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) .
ثم قال الله ﵎ لنبيه ﵇ (فَلا تُمارِ فِيهِمْ) يا محمد (إِلَّا مِراءً ظاهِراً) إلا أن تحدّثهم بِهِ حديثًا.
وقوله: (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ) فِي أهل الكهف (مِنْهُمْ) من النصارى (أَحَداً) وهم فريقان أتوه من أهل نجران: يعقوبي ونُسطوري. فسألهم النَّبِيّ ﷺ عَن عددهم، فنُهِيَ.
فذلك قوله (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) .
وقوله: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً [٢٣] إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [٢٤] إلا أن تَقُولَ:
إن شاء الله (ويكون مع القول «١» : ولا تقولنه إلا أن يشاء الله) أي إلا ما يُريد الله.
وقوله (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ) قَالَ ابن عباس: إذا حلفت فنسيت أن تستثني فاستثن متى ما ذكرت ما لَمْ تَحْنَث.
وقوله: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ [٢٥] مضافة «٢» . وقد قرأ كَثِير من القراء (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) يريدونَ ولبثوا فِي كهفهم سنين ثلاثمائة فينصبونها بالفعل.
ومن العرب من يضع السنين فِي موضع سنة فهي حينئذ فِي موضع خفض لمن أضاف. ومن نَوَّن عَلَى هَذَا المعنى يريدُ الإضافة نصب السنين بالتفسير للعدد كقول عنترة:
فيها اثنتان وأربعونَ حَلُوبةً ... سُودا كخافية الْغُرابِ الْأَسْحَمِ «٣»
فجعل (سودًا) وهي جمع مفسِّرة كما يفسّر الواحد.
стр. 659
وقوله: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ [٢٦] يريدُ الله ﵎ كقولك فِي الكلام: أكرم بعبد الله ومعناهُ: ما أكرم عبد الله وكذلك قوله (أَسْمِعْ «١» بِهِمْ وَأَبْصِرْ) : ما أسمعهم ما أبصرهم. وكل ما كَانَ فِيهِ معنى من المدح والذم فإنك تَقُولُ «٢» فِيهِ: أظرف بِهِ وأكرم بِهِ، ومن الياء والواو: أطيب بِهِ طعامًا، وأجود بِهِ ثوبًا، ومن المضاعف تظهر فِيهِ التضعيف ولا يجوز الإدغام، كما لَمْ يجز نقص الياء ولا الواو لأن أصله ما أجوده وما أشده وأطيبه فترك عَلَى ذَلِكَ، وأمّا أشدد بِهِ فإنه ظهر التضعيف لسكون اللام من الفعل، وترك فِيهِ التضعيف فلم يدغم لأنه لا يثنى ولا يؤنث، لا تقول للاثنين:
أشدَّا بِهما، ولا للقوم أشِدُّوا بِهم. وإنّما استجازت العرب أن يقولوا مُدّ فِي موضع أمدد لأنهم قد يقولون فِي الاثنين: مُدَّا وللجميع: مُدُّوا، فبُني الواحدُ عَلَى الجميع.
وقوله (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) ترفع إذا كَانَ «٣» بالياء عَلَى: وليس يُشرك. ومن «٤» قَالَ (لا تُشْرِكْ) جزمها لأنها نَهْي.
وقوله: مُلْتَحَداً [٢٧] الْمُلْتَحد: الملجأ.
وقوله: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [٢٨] قرأ «٥» أَبُو عبد الرحمن السلمي (بالغُدْوةِ والْعَشِيِّ) ولا أعلمُ أحدًا قرأ غيره. والعربُ لا تُدخل الألف واللام فِي الغدوة لأنها معرفة بغير ألف ولام سمعت أبا الجراح يقول: ما رأيتُ كغُدْوة قَطُّ، يعني غداة يومه. وذاك أنَّها كانت باردة ألا ترى أن العرب لا تضيفها فكذلك لا تُدخلها الألف واللام.
إنّما يقولون: أتيتك غَدَاة الخميس، ولا يقولون: غُدْوَة الخميس. فهذا دليل على أنها معرفة.
стр. 660
وقوله (وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ) الفعل للعينين: لا تنصرف عيناك عنهم. وهذه نزلت فِي سلمان وأصحابه.
وقوله (وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) متروكًا قد تُرك فِيهِ الطاعة وغُفِلَ عنها. ويُقال إنه أفرط فِي القول فقال: نحن رءوس مُضَر وأشرافها، وليس كذلك. وهو عيينة ابن حصن. وقد ذكرنا «١» حديثه فى سورة الأنعام.
وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ [٣٠] خبر (الَّذِينَ آمَنُوا) فِي قوله (إِنَّا لا نُضِيعُ) وهو مثل قول الشاعر:
إن الخليفة إنّ الله سَرْبله ... سِرْبَالَ مُلْكٍ بِهَا تُزْجَى الخواتيمُ «٢»
كأنه فِي المعنى: إنا لا نضيعُ أجر من عمل صالِحًا فتُرِكَ الكلام الأول واعتُمد على الثاني بنيّة التكرير كما قال (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ «٣» ) ثم قال (قِتالٍ فِيهِ) يريد: عَن قتال فِيهِ بالتكرير ويكون أن تجعل (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا) فِي مذهب جزاء، كقولك: إن من عمل صالِحًا فإِنّا لا نضيع أجره، ب: فتضمر فتضمّن الفاء فِي قوله (فإنّا) وإلقاؤها جائز. وهو أحبُّ الوجوه إليّ.
وإن شئت جعلت خبرهم مؤخّرًا كأنك قلت: إن الَّذِينَ آمنوا وعملوا الصالِحات أولئكَ لَهم جنَّات عدن.
وقوله: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [٣١] لو ألقيت (مِنْ) مِنَ الأساور كانت نصبًا. ولو ألقيت (مِنْ) مِنَ الذهب جاز نصبه عَلَى بعض القبح، لأن الأساورَ لَيْسَ بِمعلوم عددها، وإنما يحسن «٤»
стр. 661
النصب فِي المفسر إذا كَانَ معروف العدد، كقولك: عندي جُبَّتان خَزّا، وأسواران ذهبًا، وثلاثة أساور ذهبًا. فإذا قلت: عندي أساورُ ذهبًا فلم تبيّن عددها كَانَ بِمن، لأن المفسر ينبغي لِمَا قبله أن يكون معروف المقدار. ومثله قَوْل الله ﵎ (وَيُنَزِّلُ «١» مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) المعنى: فيها جبال بَرد، فدخلت (من) لأن الجبال غير معدودة فِي اللفظ. ولكنه يَجوز كأنك تريد بالجبال والأساور الكثيرة، كقول القائل: ما عنده إلا خاتمان ذهبًا قلت أنت: عنده خواتم ذهبًا لمّا أن كَانَ ردًّا عَلَى شيء معلوم العدد فأنزل الأساورَ والجبال من بَرد عَلَى هَذَا المذهب.
فأما (يُحَلَّوْنَ) فلو قَالَ قائل: يَحْلَون لجازَ، لأن العرب تَقُولُ: امرأة حالية، وقد حليت فهي تحلى إذا لبست الْحُلِيّ فهي تحلى حُلِيًّا وحَلْيًا.
وقوله (نِعْمَ الثَّوابُ) ولم يقل: نعمت الثواب، وقال (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) فأنَّثَ الفعل عَلَى معنى الجنَّة ولو ذكر بتذكير المرتفق كَانَ صوابًا، كما قَالَ (وَبِئْسَ «٢» الْمِهادُ) ، وبئس «٣» القرار) ، (وَبِئْسَ «٤» الْمَصِيرُ) وكما قال (بِئْسَ «٥» لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) يريد إبليس وذريته، ولم يقل بئسوا.
وقد يكون (بئس) لإبليس وحده أيضًا. والعرب تُوحد نعم وبئس وإن كانتا بعد الأسماء فيقولون:
أما قومك فنعموا قومًا، ونعم قومًا، وكذلك بئس. وإنما جازَ توحيدها لأنهما ليستا «٦» بفعل يلتمس معناه، إنما أدخلوهما لتدلا عَلَى المدح والذم، ألا ترى أن لفظهما لفظ فَعَل «٧» وليس معناهما كذلك، وأنه لا يُقال منهما يبأس الرجل زيد، ولا ينعم الرجل أخوك، فلذلك استجازوا الجمع
стр. 662
والتوحيد فِي الفعل. ونظيرهما (عَسى أَنْ يَكُونُوا «١» خَيْراً مِنْهُمْ) وَفِي قراءة عبد الله (عسوا أن يَكونوا خيرًا منهم) ألا ترى أنك لا تَقُولُ، هُوَ يَعْسِي كما لَمْ تقل يَبْأَس.
وقوله: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [٣٣] ولم يقل: أتتا. وَذَلِكَ أن (كِلْتَا) ثنتان لا يُفرد واحدتهما، وأصله كُلّ كما تَقُولُ للثلاثة: كل: فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كَانَ للجمع، لا أن يفرد للواحدة شىء فجاز توحيده ١٠٤ ب عَلَى مذهب كلّ. وتأنيثه جائز للتأنيث الَّذِي ظهر فِي كلتا. وكذلك فافعل بكلتا وكِلا وكُلّ إذا أضفتهنّ إلى معرفة وجاء الفعل بعدهن، فاجمع ووحِّد.
من التوحيد قوله (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ «٢» يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) ومن الجمع (وَكُلٌّ أَتَوْهُ «٣» داخِرِينَ) و (آتوه) مثله. وهو كَثِير فِي القرآن وسائر الكلام. قَالَ الشاعر:
وكلتاهما قد خُطّ لي فِي صحيفتي ... فلا العيشُ أهواهُ ولا الموتُ أرْوح
وقد تفرد العربُ إحدى كلتا وهم يذهبونَ بإفرادها إلى اثنتيها، أنشدني بعضهم.
فِي كِلْت رجليها سُلَامَى واحدة ... كلتاهما مقرونة بزائده «٤»
يريد بكلت كلتا.
والعرب تفعل ذَلِكَ أيضًا فِي (أىّ) فيؤنثون ويذكّرون، والمعنى التأنيث، من ذلك قول الله تبارك
стр. 663
وتعالى (وَما تَدْرِي «١» نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) ويَجوز فِي الكلام بأيَّة أرض. ومثله (فِي أىّ «٢» صورة) يجوز فِي الكلام فِي أيَّة صورة. وقال الشاعر:
بأيّ بلاء أَمْ بأيَّة نعمة ... يقدّم قبلي مسلم والمهلب
ويجوز أيتهما قَالَ ذاك. وقالت ذاك أجود. فتذكر وقد أدخلت الْهَاء، تتوهم أن الْهَاء ساقطة إذا جاز للتأنيث (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) وكذلك يَجوز أن تَقُولُ للاثنتين «٣» : كلاهما وكلتاهما.
قَالَ الشاعر:
كلا عقبيه قد تشعّب رأسُهَا ... من الضرب فِي جنْبِي ثَفال مباشر
الثفال: البعير البطيء فإن قَالَ قائل: إنما استجزت توحيد (كِلْتَا) لأن الواحد منهما لا يُفرد فهل تجيز: الاثنتان قام وتوحد، والاثنان قام إذ لَمْ يفرد لَهُ واحد؟
قلت: إن الاثنين بنيا عَلَى واحد ولم يُبن (كلا) عَلَى واحد، ألا ترى أن قولك: قام عبد الله كلُّه خطأ، وأنك تَجد معنى الاثنين عَلَى واحد كمعنى الثلاثة وزيادات «٤» العدد، ولا يَجوز إلا أن تَقُولُ: الاثنان قاما والاثنتان قامَتَا.
وهي فِي قراءة عبد الله.
كُلّ الجنتين آتى أُكُله
ومعناه كل شيء من ثمر الجنتين آتى أكله. ولو أراد جمع الثنتين ولم يرد كل الثمر لَمْ يجز إلا كلتاهما، ألا ترى أنك لا تَقُولُ: قامت المرأتان كلهما، لأن (كل) لا تصلح لإحدى المرأتين وتصلح لإحدى الجنتين. فقس عَلَى هاتين كل ما يتبعض مما يقسم أولا يقسم.
стр. 664
وقوله (وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً) يقال: كيف جَازَ التشديد وإنَّما النهر واحد؟ قلت: لأن النهر يمتد حَتَّى صار التفجر كأنه فِيهِ كله فالتخفيف فِيهِ والتثقيل جائزان. ومثله (حَتَّى تَفْجُرَ «١» لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) يثقّل ويخفّف «٢» .
(قوله: وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ [٣٤] ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي المعلَّى بن هلال الْجَعَفِيّ عَن ابن أبي نجيح عَن مجاهد قَالَ: ما كَانَ فِي القرآن من ثُمُر بالضم «٣» فهو مال، وما كَانَ من ثَمَر مفتوح فهو من الثمار.
وقوله: خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً [٣٦] مردودة عَلَى الجنة وَفِي بعض مصاحف «٤» أهل المدينة (منْهُمَا مُنْقَلَبًا) مردودة عَلَى الجنتين.
وقوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [٣٨] معناهُ: لكن أنا هُوَ الله ربي تُرك همزة الألف من أنا، وكثر بِهَا الكلام «٥» ، فأدغمت النون من (أنا) مع النون من (لكن) ومن العرب من يقول:
أنا قلت ذاك بِتمام الألف فقرئت لكنّا عَلَى تِلْكَ اللغة وأثبتوا الألف فِي اللغتين فِي المصحف: كما قالوا: رأيت يزيدا وقواريرا فثبتت «٦» فيهما الألف فِي القولين «٧» إذا وقفت. ويَجوز الوقوف بغير ألف فِي غير القرآن فِي أنا. ومن العرب من يقول إذا وقف: أَنَّهُ وهي فِي لغة جيدة. وهي فِي علياتميم وسُفْلَى قيس وأنشدني أَبُو ثروان:
وترمينني بالطّرْف أيْ أنت مذنب ... وتقلينني لكن إيّاك لا أَقلي
يريد: لكن أنا إياك لا أقلي، فترك الْهَمْز فصار كالحرف الواحد. وزعم الْكِسَائي
стр. 665
أَنَّهُ سمع العرب تَقُولُ لكن والله، يريدون: لكن أنا والله. وقال الْكِسَائي: سمعتُ بعض العرب يقول: إنّ قائم يريد إن أنا قائم فترك الْهَمْز: وأدغم فهي نظير «١» للكن.
وقوله: ما شاءَ اللَّهُ [٣٩] مَا، فِي موضع رفع، إن شئت رفعته بإضمار (هُوَ) تريد:
هُوَ ما شاء الله. وإن شئت أضمرت ما شاء الله كَانَ فطرحت (كان) وكان موضع (ما) نصبا بشاء، لأن الفعل واقع عَلَيْهِ. وجاز طرحُ الجواب كما قَالَ (فَإِنِ «٢» اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ) لَيْسَ لَهُ جواب لأن معناهُ «٣» معروف.
وقوله: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ) (أنا) إذا نصبت (أقلَّ) عماد «٤» . وإذا رفعت (أقل) فهي اسم والقراءة بِهما «٥» جائزة.
وقوله: صَعِيداً زَلَقاً [٤٠] الزلق: التراب الَّذِي لا نبات فِيهِ محترق «٦» رميم [قوله:] ماؤُها غَوْراً [٤١] العرب تَقُولُ: ماء غَوْر، وماءان غَوْر، ومياه غور بالتوحيد فِي كل شيء.
وقوله: خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [٤٢] عَلَى سقوفها.
وقوله: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ ينصرنه [٤٣] ذهب إلى الرجال. ولو قيل: تنصره يذهب إلى الفئة- كما قَالَ (فِئَةٌ) تُقَاتِلُ فِي «٧» سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ- لجاز:
وقوله: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [٤٤] رفع «٨» من نعت (الْوَلايَةُ) وَفِي قراءة أُبَيّ
стр. 666
(هُنَالِكَ الْوَلايةُ الحقُّ َّلِلَّهِ) وإن شئت خفضت تجعله من نعت (الله) والولاية «١» الملك. ولو نصبت «٢» (الْحَقِّ) عَلَى معنى حقًّا كَانَ صوابًا.
وقوله: تَذْرُوهُ الرِّياحُ [٤٥] من ذَرَوْت وذَرَيْت لغة، وهي كذلك فِي قراءة عبد الله (تَذْرِيهِ الريح) ولو قرأ قارئ (تذريه الريح) من أذريت أي تلقيه كَانَ وجهًا وأنشدني المفضل:
فقلتُ لَهُ صوِّب ولا تجهدنَّه ... فيُذرك من أُخرى القطاة فتزلق «٣»
تَقُولُ «٤» : أذريت الرجل عَن الدابة وعن «٥» البعير أي ألقيته.
وقوله: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ [٤٦] يُقال هي الصلوات الخمس ويُقال هي سبحان الله والحمدُ لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وقوله: (وَخَيْرٌ أَمَلًا) (يقول خير ما يؤْمَل) والأمل للعمل الصالِح خير من الأمل للعمل السيّء.
وقوله وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [٤٧] و (تَسِيرُ «٦» الْجِبالُ) .
وقوله: (وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً) يقول: أبرزنا أهلها من بطنها. ويُقال: سُيرت عنها الجبال فصارت كلها بارزة لا يستر بعضها بعضا.
стр. 667
وقوله (فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ) هذه القراءة (ولو «١» قرئت «ولم نغْدِرْ» كَانَ صوابًا) ومعناهما واحد يقال: ما أغدرت منهم أحدًا، وما غادرت وأنشدني بعضهم «٢» :
هَلْ لك والعائض منهم عائِض ... فِي هجمة يغدر منها القابض
سُدْسا ورُبعا تحتها فرائض قَالَ، الفراء سدس ورُبْع من أسنان الإبل.
وقوله فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [٥٠] أي خرج «٣» عَن طاعة ربه. والعربُ تَقُولُ، فَسقت الرُّطَبة من (جلدها «٤» ) وقشرها لخروجها منه وكأن الفأرة إنها سميت فويسقة لخروجها من جحرها عَلَى الناس.
وقوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً [٥٢] يقال: جعلنا تواصلهم فِي الدُّنْيَا (مَوْبِقاً) يقول مَهْلِكًا لَهُم فِي الآخرة ويُقال: إنه وادٍ فى جهنم.
وقوله: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [٥٣] أي علموا.
وقوله: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [٥٥] يُقال: الناس هاهنا فِي معنى رجل واحد. وقوله (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) أن فِي موضع رَفع وقوله (سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) يقول: سنتنا فِي إهلاك الأمم المكذبة. وقوله (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا) : عيانا. وقد تكون (قُبُلًا «٥» ) لهذا المعنى.
وتكون (قُبُلًا) كأنه جمع قَبيل وقُبُل أي عذاب متفرق يتلو بعضه بعضا.
стр. 668
وقوله: لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [٥٨] (الموئل «١» الْمَنْجَى) وهو الملجأ فِي المعنى واحد.
والعربُ تَقُولُ: إنه ليوائل إلى موضعه يريدون: بذهب إلى موضعه وحِرْزه.
وقال الشاعر:
لا وألت نفسك خلَّيتها ... للعامريّين ولم تُكْلَم «٢»
(يريد «٣» : لا نجت) .
وقوله: لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [٥٩] يقول: لإهلاكنا إيّاهم (مَوْعِداً) أجلًا وقرأ «٤» عَاصِم (لَمهْلَكهِمْ) فتح الميم واللام ويَجوز (لمهِلكهم) بكسر اللام تبنيه عَلَى هَلَك يَهْلِك. فمن أراد الاسم «٥» مِمّا يُفْعَل منه مكسور الْعَين كسر مفعلًا.
ومن أراد المصدر فتح الْعَين. مثل المضرب والمضرب والمدبّ والمدبّ والمفرّ المفرّ فإذا كَانَ يفعل مفتوح الْعَين آثرت العرب فَتَحها فِي مفعل، اسمًا كَانَ أو مصدرًا. وربما كسروا الْعَين فِي مفعل إذا أرادوا بِهِ الاسم. منهم من قَالَ (مَجْمَعَ «٦» الْبَحْرَيْنِ) وهو القياس «٧» وإن كَانَ قليلًا.
فإذا كَانَ يفعل مضموم الْعَين مثل يدخل ويخرج آثرت العرب فِي الاسم منه والمصدر فتح الْعَين إلا أحرفًا من الأسماء ألزموها كسر الْعَين فِي مفعل. من ذَلِكَ المسجد والمطلع والمغرب والمشرق والمسقط والمفرق والمجزر والمسكن والمَرْفِق من رَفَق يَرْفُق والمنسِك من نسك ينسك، والمنبت.
стр. 669
فجعلوا الكسر علامة للاسم، والفتح علامة للمصدر. وربما فتحه بعض العرب (فِي الاسم «١» ) وقد قرئ مسكن «٢» ومسكَن. وقد سمعنا المسجد والمسجَد وهم يريدون الاسم، والمطلَع والمطلِع.
والنصب فِي كلّه جائزِ وإن لَمْ تسمعه فلا تنكرنه إن أتى.
وما كَانَ من ذوات الياء والواو من دعوت وقضيت فالمفعل منه فِيهِ مفتوح اسمًا كَانَ أو مصدرًا، إلا المأقِي من الْعَين فإن العرب كسرت هَذَا الحرف. وبعضُ العرب يُسمّي مأوَى الإبل مَأوِي فهذان نادران. وإنّما امتنعوا من (كسر «٣» الْعَين) فِي الياء والواو لأن الياء والواو تذهبان فِي السكت للتنوين الَّذِي يلحق، فردّوها إلى الألف إذ كانت لا تسقط فِي السكوت.
وإذا كَانَ المفعل من كال يكيل وشبهه من الفعل فالاسم منه مكسور، والمصدر مفتوح من ذلك مال مميلا ومما لا تذهب بالكسر إلى الأسماء، وبالفتح إلى المصادر. ولو فتحتهما جَميعًا أو كسرتهما فِي المصدر والاسم لَجاز. تَقُولُ العرب: المعاش. وقد قالوا: المعيش. وقال رؤبة ابن العجّاج:
إليك أشكو شدّة المعيش ١٠٦ ا ... ومرّ أعوام نتَفْن ريشي
نتف الْحُبَارَى عَن قَرَا رَهِيشِ «٤» القَرَا: الظهر، وقال الآخر:
أنا الرجل الَّذِي قد عبتموهُ ... وما فيكم لَعيّاب معاب «٥»
стр. 670
ومثله مَسَار ومَسِير، وما كَانَ يشبهه فهو مثله.
وإذا كَانَ يفعل مفتوحًا من ذوات الياء والواو مثل يخاف ويَهاب فالاسم والمصدر منه مفتوحان مثل المخاف والمهاب:
وما كَانَ من الواو مضمومًا مثل يقوم ويقول ويعود ويقود وأشباهه فالاسم والمصدر فِيهِ «١» مفتوحان، وإنّما فتحوهُ إذا نووا الاسم ولم يكسروه كما كُسِرَ المغرب لأنهم كرهوا تَحول الواو إلى الياء فتلتبس الواو بالياء.
وما كَانَ أوّله وَاوًا مثل وزنت وورثت ووجِلت فالمفعل فِيهِ اسمًا كَانَ أو مصدرًا مكسور مثل قولهَ لَّنْ
«٢» جْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً) وكذلك يَوْحَل ويَوْجَل المفعل منهما مكسور (فِي الوجهين «٣» ) وزعم الْكِسَائي أَنَّهُ سمع مَوْجَل ومَوْحَل. قَالَ الفراء: وسمعت أنا موضع. وإنّما كسروا ما أوّله الواو، لأن الفعل فِيهِ إذا فتح يكون عَلَى وجهين. فأما الَّذِي يقع «٤» فالواو منه ساقطة مثل وَزَن يَزِنُ. والذي لا يقع «٥» تثبت «٦» واوه فِي يفعل. والمصادر تستوي فِي الواقع وغير الواقع. فلم يَجعلوا فِي مصدريهما فرقًا «٧» ، إنَّما تكون الفروق فِي فعل يفعل.
وما كَانَ من الْهَمْز فإنه مفتوح فِي الوجهين. وكأنَّهم بَنَوه عَلَى يفعل لأن ما لامه همزة يأتي بفتح الْعَين من فَعَل ومن فَعِل. فإن قلت: فلو «٨» كسروه إرادة الاسم كما كسروا مجمعًا «٩» . قلت: