← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والحال تُنصَب فِي معرفة الأسماء ونكرتها. كما تَقُولُ: هَلْ من رجل يُضرب مجرَّدًا. فهذا حال وليس بنعت. وقوله: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ) استأنف (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ) ولم يرددها عَلَى (لنبين) ولو قرئت (ليُبَيِّن) يريد الله ليُبَيِّن لكم كَانَ صوابًا ولم أسمعها «١» . وقوله: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) : إلى أسفل العمر (لِكَيْلا يَعْلَمَ) يقول لكيلا يعقل من بعد عقله الأول (شَيْئاً) . قوله: (وَرَبَتْ) قرأ «٢» القراء (وربت) من تَرْبو. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عبد الله التميمي عَن أبي جَعْفَر المدني أَنَّهُ قرأ (اهتَّزت ورَبَأت) مهموزة فإن كَانَ ذهب إلى الرَّبيئة الَّذِي يحرس القوم فهذا مذهب، أي ارتفعت حَتَّى صَارت كالموضع للربيئة. فإن لَمْ يكن أراد (من «٣» هَذَا) هَذَا فهو من غلط قد تغلطه العرب فتقول: حَلأت «٤» السَّوِيق، ولبَّأت «٥» بالحجّ، ورثأت «٦» الميّت. وهو كما قرأ الْحَسَن (وَلَأَدْرَأتكم «٧» بِهِ) يهمز. وهو مِمّا يُرفَض من القراءة. وقوله: ثانِيَ عِطْفِهِ [٩] منصوب عَلَى: يُجادل ثانيًا عطفه: معرضًا عَن الذكر. وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [١١] نزلت فى أعاريب من بنى أشد انتقلوا إلى المدينة بذراريهم، فامتنوا بذلك عَلَى النَّبِيّ ﷺ وقالوا: إنما يُسلم الرجل (بعد «٨» الرجل) من القبيلة. وقد أتيناك بذرارينا. وكانوا إذا أعطوا من الصدقة وسَلمت مواشيهم وخيلهم قالوا: نعم الدين هَذَا. وإن لم يعطوا من الصدقة ولم تسلم مواشيهم انقلبوا عَن الإسلام. فذلك قوله

стр. 737

(يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأنّ به) يقول: أقام عَلَيْهِ (وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ) «١» ورجع. وقوله: (خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ) غُبِنهما. وذُكِرَ عَن حُمَيْد الأعرج وحده أَنَّهُ قرأ (خاسِر الدُّنْيَا والآخرة) وكلّ صواب: والمعنى واحد. وقوله: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ [١٢] يعنى الأصنام. ثم قال: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ [١٣] فجاء التفسير: يَدْعو من ضرّه أقرب من نفعه. وقد حالت اللام بينهما. وكذلك هي فِي قراءة عبد الله (يَدْعو من ضَرُّه) ولم نَجد العرب تَقُولَ ضربت لأخاكَ ولا رأيتُ لزيدًا أفضل منك. وقد اجتمعت القراء على ذلك. فترى أن جواز ذَلِكَ لأن (مَنْ) حرف لا يتبيّن فيه الاعراب، فأجيز «٢» ب: فاستجيز الاعتراض باللام دون الاسم إذ لَمْ يتبين فِيهِ الإعراب. وذُكِرَ عَن العرب أنهم قالوا: عندي لَما غيرُه خير منه، فحالوا باللام دون الرافع. وموقع اللام كَانَ ينبغي أن يكون فى (ضَرُّه) وَفِي قولك «٣» : عندي ما لغيره خيرٌ منه. فهذا وجه القراءة للاتباع. وقد يكون قوله: (ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يَدْعُوا) فتجعل (يَدْعُوا) من صلة (الضَّلالُ الْبَعِيدُ) وتضمر فى (يَدْعُوا) الْهَاء، ثُمَّ تستأنف الكلام باللام، فتقول لَمَنْ ضرّه أقرب من نفعه لبئس المولي) كقولك فِي مذهب الجزاء لَمَا فعلت لهو خير لك. وهو وجه قويّ فِي العربية. ووجهٌ آخر لَمْ يُقرأ بِهِ. وَذَلِكَ أن تكسر اللام فِي (لِمن) وتريد يدعو إلى من ١٢٠ اضرّه أقرب من نفعه، فتكون اللام بِمنزلة إلى، كما قَالَ (الْحَمْدُ «٤» لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) وإلى هَذَا وأنت قائل فِي الكلام: دعوت إلى فلانٍ ودعَوت لفلانٍ بمعنى واحد. ولولا كراهية خلاف الآثار والاجتماع

стр. 738

لكان وجهًا جيدًا من القراءة. ويكون «١» قوله (يَدْعُوا) التي بعد (الْبَعِيدُ) مكرورة على قوله (يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ) يدعو مكرّرة، كما تَقُولُ: يدعو يدعو دائبًا، فهذا قوّه لمن نضب اللام ولم يوقع (يدعو) عَلَى (مَنْ) والضلال البعيد الطويل. وقوله: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ [١٥] جزاء جوابه فى قوله (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ) والهاء فى (قوله «٢» ) (يَنْصُرَهُ اللَّهُ) للنبي ﷺ . أي من كَانَ منكم يظن أن الله لن ينصر محمدًا بالغلبة حَتَّى يظهر دين الله فليجعل فِي سماء بيته حبلًا ثُمَّ ليختنق بِهِ «٣» فذلك «٤» قوله (ثُمَّ لْيَقْطَعْ) اختناقًا وَفِي قراءة عبد الله (ثُمَّ ليقطعه) يعني السبب وهو الحبل: يقول (فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ) إذا فعل ذَلِكَ غَيظه. وَ (مَا يَغِيظُ) فِي موضع نصب: وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا [١٧] إلى قوله (وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) ثم قال (إِنَّ اللَّهَ) فجعل فِي خبرهم (إنّ) وَفِي أول الكلام (إنّ) وأنت لا تَقُولُ فِي الكلام: إن أخاكَ إنه ذاهب، فجاز ذَلِكَ لأن المعنى كالجزاء، أي من كَانَ مؤمنًا أو عَلَى شيء من هَذِه الأديان ففصلُ بينهم وحسابُهم عَلَى الله. وربما قالت العرب: إنّ أخاكَ إن الدين عَلَيْهِ لكثير، فيجعلونَ (إنّ) فِي خبره إذا كَانَ إنما يرفع باسم مضاف إلى ذكره «٥» كقول الشاعر «٦» : إن الخليفة إن الله سربَله ... سربال مُلكٍ بِهِ ترجَى الخواتيم ومن قَالَ «٧» هَذَا لَمْ يقل: إنك إنك قائم، ولا يقول: إنّ أباكَ إنه قائم لأن الاسمين قد اختلفا فحسن رفض الأول، وجعل الثاني كأنه هُوَ المبتدأ فحسُن للاختلاف وقبح للاتّفاق.

стр. 739

وقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ [١٨] يريد: أهل السموات (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) يعني كل خلق من الجبال ومن الجن وأشباه ذَلِكَ (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) من أهل الطاعة (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) فيقال. كيف رفع الكثير وهو لَمْ يسجد؟ فالجواب فِي ذَلِكَ أَنَّ قوله (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) يدلّ عَلَى أَنَّهُ: وكثير أبَى السّجود، لأنه لا يحِقّ عَلَيْهِ العذاب إلا بترك «١» السجود والطاعة. فترفعه بما عاد من ذكره فِي قوله (حَقَّ عَلَيْهِ) فتكون (حَقَّ عَلَيْهِ) بمنزلة أَبَى. ولو نصبت: وكثيرًا حق العذاب كَانَ وجهًا بمنزلة قوله (فَرِيقاً هَدى «٢» وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) ينصب «٣» إذا كَانَ فِي الحرف واو وعاد ذكره بفعل قد وقع عَلَيْهِ. ويكون فِيهِ الرفع لعودة ذكره كما قَالَ الله (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) «٤» وكما قال (وَأَمَّا ثَمُودُ «٥» فَهَدَيْناهُمْ) . وقوله (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) يقول: ومن يشقه الله فما لَهُ من مُسعد. وقد تقرأ «٦» (فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) يريد: من إكرام. وقوله: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [١٩] فريقين «٧» أهل دينين. فأحد الخصمين المسلمون، والآخر اليهود والنصارى. وقوله (اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) فِي دين ربهم. فقال اليهود والنصارى للمسلمين: ديننا خيرٌ من دينكم لأنا سبقناكم. فقال المسلمون: بَلْ ديننا خيرٌ من دينكم. لأنّا آمنّا بنبينا والقرآن، وآمنّا بأنبيائكم وكتبكم، وكفرتم بنبيِّنا وكتابنا. فعلاهم المسلمون بالحجة وأنزل الله هذه الآية.

стр. 740

وقوله: (اخْتَصَمُوا) ولم يقل: اختصما لأنهما جَمعان ليسا برجلين، ولو قيل: اختصما كَانَ صَوَابًا. ومثله (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) يذهب إلى الجمع. ولو قيل «١» اقتتلتا لجازَ، يذهب إلى الطائفتين. وقوله: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ: [٢٠] يُذابُ بِهِ. تَقُولُ: صَهَرْت الشحم بالنار. وقوله: وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [٢١] ذُكِرَ أنهم يطمعونَ (فِي الخروج) «٢» من النار حَتَّى إذا همّوا بذلك ضربت الخزنة رءوسهم بالمقامع «٣» فتخسف رءوسهم فيُصب فِي أدمغتهم الحميم فيَصْهَر شحوم بطونِهم، فذلك قوله فِي إِبْرَاهِيم (وَيُسْقى «٤» مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ) مِمّا يذوبُ من بطونِهم وجلودهم. وقوله: (يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) يكره عليه. وقوله: وَلُؤْلُؤاً [٢٣] قرأ «٥» أهل المدينة هَذِه والتي فِي الملائكة «٦» (وَلُؤْلُؤاً) بالألف «٧» وقرأ الأعمش «٨» كلتيْهما بالخفض. ورأيتها فِي مصاحف عبد الله والتي فِي الحج خاصَّة (ولُؤْلُأ) (وَلَا تَهَجَّأْه) . «٩» وَذَلِكَ أن مصاحفه قد أجرى الْهَمْز فيها بالألف فِي كل حال إن كَانَ ما قبلها مكسورًا أو مفتوحًا أو غير ذَلِكَ. والتي فِي الملائكة كتبت فِي مصاحفنا (ولؤلؤ) بغير ألف والتي فى الحج (وَلُؤْلُؤاً) بالألف فخفضهما ونصبُهما جائز. ونصب التي فِي الحج أمكن- لمكان الألف- من التي فِي الملائكة. وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [٢٥] ردّ يفعلون «١٠» على فعلوا «١١» لأن

стр. 741

معناهما كالواحد فِي الَّذِي «١» وغير الَّذِي. ولو «٢» قيل: إن الَّذِينَ كفروا وصدُّوا لَمْ يكن فيها ما يُسأل عَنْهُ. وردُّكَ يفعلون عَلَى «٣» فَعلوا لأنك أردت إن الَّذِينَ كفروا يصدون بكفرهم. وإدخالك الواو كقوله (وَلِيَرْضَوْهُ «٤» وَلِيَقْتَرِفُوا) أضمرت فعلًا «٥» فِي الواو مع الصدّ كما أضمرته هاهنا «٦» . وإن شئت قلت: الصد منهم كالدائم فاختيرَ لَهُم يفعلونَ كأنك قلت: إن الَّذِينَ كفروا ومن شأنهم الصد. ومثله (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ «٧» بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) وَفِي قراءة عبد الله (وقاتَلوا الَّذِينَ يأمرون «٨» بالقسط) وقال (الَّذِينَ آمَنُوا «٩» وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ) مثل ذَلِكَ. ومثله فِي الأحزاب فِي قراءة عبد الله (الَّذِينَ «١٠» بَلَّغُوا رِسَالات اللهِ ويَخْشَوْنَهُ) فلا بأس أن تردّ فَعَل عَلَى يفعل كما قَالَ (وَقَاتلُوا الَّذِينَ يأمرونَ) ، وأن ترد يفعل عَلَى فعل، كما قَالَ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) . وقوله: (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) فالعاكف من كَانَ من أهل مكّة. والبادِ مَن نَزع إِلَيْهِ بحج أو عمرة. وقد اجتمعَ «١١» القراء عَلَى رفع (سَواءً) هَاهُنا. وأما قوله ١٢١ افى الشريعة «١٢» :

стр. 742

(سَواءً مَحْياهُمْ «١» مَماتُهُمْ) فقد نصبها الأعمش وحده، ورفعها سائرُ القراء. فمن نصبَ «٢» أوقع عَلَيْهِ (جَعَلْناهُ) ومن رفع جَعل الفعل واقعًا عَلَى الْهَاء واللام التي فِي الناس، ثُمَّ استأنف فقال: (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) ومن شأن العرب أن يستأنفوا بسواء إذا جاءت بعد حرف قد تم بِهِ الكلام فيقولون: مررت برجلٍ سواء عنده الخير والشر. والخفض جائز. وإنما اختاروا الرفعَ لأن (سَواءً) فِي مذهب واحد، كأنك قلت: مررت عَلَى رجل واحد عنده الخير والشر. ومن خفض أراد: معتدل عنده الخير الشرّ. ولا يقولون: مررت عَلَى رجل معتدلٌ عنده الخير والشر لأن (معتدل) فعل مصرَّح، وسواء فِي مذهب مصدر. فإخراجهم «٣» إيّاه إلى الفعل كإخراجهم مررت برجلٍ حَسْبِك من رجل إلى الفعل. وقوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) دخلت الباء فِي (إلحاد) لأن تأويله: ومن يُرد بأن يُلحد فِيهِ بظلم. ودخول الباء فِي (أن) أسهل منه فِي الإلحاد وما أشبهه لأن (أن) تضمر الخوافض معها كثيرًا، وتكون كالشرط فاحتملت دخول الخافض وخروجه لأن الإعراب لا يتبيّن فيها، وقلّ فِي المصادر لتبين الرفع والخفض فيها «٤» . أنشدني أَبُو الجراح: فلمّا رَجَت بالشُّرب هَزّلها العصا ... شَحِيح لَهُ عند الإزاء نَهِيم «٥» (قَالَ الفراء «٦» : نَهِيم من الصوت) . وقال امرؤ القيس: ألا هَلْ أتاها والحوادِثُ جَمَّة ... بأن امرأ القيس بنَ تَمْلِك بيقرا «٧»

стр. 743

فأدخل الباء عَلَى (أنّ) وهي فِي موضع رفع كما أدخلها على (بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) وهو فِي موضع نصب. وقد أدخلوها عَلَى (مَا) إذا أرادوا بِهَا المصدر، يعني الْبَاء. وقال قيس بن زُهَير: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد «١» وهو فِي (ما) أقل منه فِي (أن) لأنّ (أن) أفل شَبَهًا بالأسماء من (ما) . وسمعتُ أعرابيًا من ربيعة وسألته عَن شيء فقال: أرجو بذاك، يريد: أرْجُو ذاكَ. وقد قرأ بعضُ القراء (وَمَن تَرِدْ فِيهِ بإلحادٍ) من الورود، كأنه أراد: مَن وَرَده أو تورَّده. ولست أشتهيهَا، لأن (وردت) يطلب الاسم، ألا ترى أنك تَقُولُ: ورَدنا مكة ولا تَقُولُ: وردنا فِي مكة. وهو جائز تريد النزول «٢» . وقد تَجوز فِي لغة الطائيين لأنهم يقولون: رغبت «٣» فيك، يريدون: رغبت بك. وأنشدني بعضهم فِي بنت لَهُ: وأرغب فيها عَن لَقِيطٍ ورَهْطه ... ولكنني عَن سنْبس لست أرغبُ «٤» (يعني «٥» بنته) . وقوله: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ [٢٦] ولم يقل: بَوَّأنا إِبْرَاهِيم. ولو كَانَ بمنزلة قوله (وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي «٦» إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) فإن شئت أنزلت (بَوَّأْنا) بمنزلة جعلنا. وكذلك سمعت فِي التفسير. وإن شئت كَانَ بمنزلة قوله (قُلْ عَسى «٧» أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ) معناه: ردفكم. وكلّ صواب.

стр. 744

وقوله: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ [٢٧] (يأتين) فعل النوق وقد/ ١٢١ ب قرئت (يأتون) يذهب إلى الركبان. ولو قَالَ: وَعَلَى كل ضامر تأتي تَجعله فعلًا موحدًا لأن (كل) أضيفت «١» إلى واحدة، وقليل فِي كلام العرب أن يقولوا: مررت عَلَى كل رجل قائمين وهو صواب. وأشدّ منه فِي الجواز قوله (فَما مِنْكُمْ مِنْ «٢» أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) وإنّما جاز الجمع فِي أحد، وَفِي كل رجل لأن تأويلهما قد يكون فِي النية موحدًا وجمعًا. فإذا كَانَ (أحدًا) وكل متفرقة من اثنين لَمْ يَجز إلا توحيد فعلهما من ذَلِكَ أن تَقُولُ: كلُّ رجل منكما قائم. وخطأ أن تَقُولُ قائمون أو قائمان لأن المعنى قد رَدّه إلى الواحد. وكذلك ما منكما أحد قائمون أو قائمان، خطأ لتلك «٣» العلة. وقوله: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [٢٩] (اللام ساكنة) «٤» (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا) اللامات سواكن. سَكَّنهن أهل المدينة وَعَاصِم والأعمش، وكسرهن أبو عبد الرحمن السلمى والحسن فِي الواو وغير الواو. وتسكينهم إيّاها تخفيف كما تَقُولُ: وهو قَالَ ذَلِكَ، وهي قالت ذاك، تسكن الْهَاء إذا وصلت بالواو. وكذلك ما كَانَ من لام أمر وصلت بواو أو فاء، فأكثر كلام العرب تسكينها. وقد كسر بعضهم (ثُمَّ لْيَقْضُوا) وَذَلِكَ لأن الوقوف عَلَى (ثُمَّ) يحسن ولا يحسن فِي الفاء ولا الواو: وهو وجه، إلا أن أكثر القراءة عَلَى تسكين اللام فِي ثُمَّ: وأمّا التَّفث فنحر البدن وغيرها من البقر والغنم وحَلق الرأس، وتقليم الأظافر «٥» وأشباهه. وقوله: وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [٣٠] فى سورة المائدة. من المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة إلى آخر الآية.

стр. 745

وقوله: فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ [٣١] مما رد من يفعل عَلَى فعل. ولو نصبتها فقلت «١» : فتخطفه الطير كَانَ وجهًا. والعرب قد تُجيب بكأنما. وَذَلِكَ أنها فِي مذهب يُخَيَّل إليّ وأظنّ فكأنها مردودة عَلَى تأويل (أنّ) ألا ترى أنك تَقُولُ: يخيل إليّ أن تذهب فأذهب معك. وإن شئت جعلت فِي (كأنما) تأويل جحد كأنك قلت: كأنك عربي فتكرمَ، والتأويل: لست بعربي فتكرم: وقوله: فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [٣٢] يريد: فإن الْفَعْلةَ كما قَالَ (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ «٢» ) ومن بعده جائز. ولو قيل: فإنه من تَقْوَى القلوب كَانَ جائزًا. وقوله: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [٣٣] يعني الْبُدْن. يقول: لكم أن تنتفعوا بألبانها وركوبها إلى أن تُسَمّى «٣» أو تُشعر «٤» فذلك الأجل المسمى. وقوله: (ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ما كَانَ من هدْي للعمرة أو للنذر «٥» فإذا بلغ البيت نُحر. وما كَانَ للحج نُحر بِمنى. جعل ذَلِكَ بِمنى لتطهر مكة. وقوله: (الْعَتِيقِ) أعتق من الجبابرة. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: العتيق: أُعْتِقَ مِنَ الْجَبَابِرَةِ. ويُقال: من الغرق زمن نوح. وقوله: وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ [٣٥] خفضت (الصَّلاةِ) لَمَا حذفت النون وهي فِي قراءة عبد الله (والمقيمين الصلاة) ولو نصبت (الصلاة) وقد حذفت النون كَانَ «٦» صوابًا. أنشدني بعضهم:

стр. 746

أسَيِّدُ ذو خُرَيِّطَةٍ نَهارًا ... من المتلقِّطي قَرَدَ القمام «١» (وقرد «٢» ) وإنما ١٢٢ اجاز النصب مع حذف النون لأن العرب لا تَقُولُ فِي الواحد إلا بالنصب. فيقولون: هُوَ الآخذ حقّه فينصبون «٣» الحق، لا يقولون إلا ذَلِكَ والنون مفقودة، فبنَوا الاثنين والجميع عَلَى الواحد، فنصبوا بحذف النون. والوجه فِي الاثنين والجمع الخفض لأن نونهما قد تظهر إذا شئت، وتحذف إذا شئت، وهي فِي الواحد لا تظهر. فلذلك نصبوا. ولو خُفِض فِي الواحد لجاز ذَلِكَ. ولم أسمعه إلا فِي قولهم: هُوَ الضاربُ الرجلِ، فإنهم يخفضونَ الرجل وينصبونه فمن خفضه شبَّهه بِمذهب قولهم: مررت بالحسن الوجه فإذا أضافوهُ «٤» إلى مكني قالوا: أنت الضاربة وأنتما الضارباهُ، وأنتم الضاربوه. وَالْهَاء فِي القضاء عليها خفض فِي الواحد والاثنين والجمع. ولو نويت بِهَا النصب كَانَ وجهًا، وَذَلِكَ أن المكني لا يتبين فِيهِ الإعراب. فاغتنموا الإضافة لأنّها تتصل بالمخفوض أشد مما تتصل بالمنصوب، فأخذوا بأقوى الوجهين فِي الاتصال. وَكَانَ ينبغي لِمَن نصب أن يقول: هُوَ الضارب إياه، ولم أسمع ذَلِكَ. وقوله: صَوافَّ [٣٦] : معقولة وهي فِي قراءة عبد الله (صَوافِنَ) وهي القائمات. وقرأ الْحَسَن (صوافِيَ) يقول: خوالصَ لله. وقوله: (الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) القانع: الَّذِي يَسْألك (فما أعطيته من شيء «٥» ) قبله. والمعتر: ساكت يتعرض لك عند الذبيحة، ولا يسألك.

стр. 747

وقوله: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها [٣٧] اجتمعوا عَلَى الياء. ولو قيل (تنال) كَانَ صوابًا. ومعنى ذَلِكَ أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروها نضحوا الدماء حول البيت. فلما حَجّ المسلمونَ أرادوا مثل ذَلِكَ فأنزلَ الله لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم: الإخلاص إليه. وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ [٣٨] و (يدفع «١» ) وأكثر القراء عَلَى (يُدافِعُ) وبه أقرأُ. وقرأ أَبُو عبد الرحمن السلمي (يدافع) ، (وَلَوْلا دِفَاعُ الله) وكلّ صواب. وقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ [٣٩] (يُقاتَلُونَ «٢» ) ومعناهُ: أذِنَ الله للذين يقاتلون أن يقاتلوا. هذا إذا أنزلت (فَاقْتُلُوا» الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) وقرئت (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) والمعنى أذن لَهُم أن يقاتلوا وكلٌّ صواب. وقوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ [٤٠] يقول لَمْ يخرجوا إلا بقولهم: لا إله إلا الله. فإن شئت جعلت قوله: (إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) فِي موضع خَفض تَردَّه عَلَى الباء فِي (بِغَيْرِ حَقٍّ) وإن شئت جَعلت (أنْ) مستثناةً كما قَالَ (إِلَّا ابْتِغاءَ «٤» وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى) . وقوله: لهدّمت صوامع وبيع وهي مُصَلّى النصارى والصوامع للرهبان وأما الصلوات فهي كنائس اليهود والمساجد (مساجد «٥» الإسلام) ومعنى التهديم أن الله قَالَ قبل ذَلِكَ (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) يدفع بأمره وأتباعه عَن دين كل نبيّ إلى أن بعث الله محمدًا ﷺ .

стр. 748

وقوله: فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [٤٥] البئر والقصر يخفضان عَلَى العطف عَلَى العروش وإذا نظرت فِي معناها وجدتها ليست تحسن فيها «١» (عَلَى) لأن العروش أعالي البيوت، والبئر فِي الأرض وكذلك القصر، لأن القرية لَمْ تَخْوِ عَلَى القصر. ولكنه أتبع «٢» بعضه بعضًا، كما قَالَ (وَحُورٌ «٣» عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ) ولو «٤» خفضت البئر ١٢٢ ب والقصر- إذا نويت أنهما ليسا من القرية- بِمن كأنك قلت: كم من قرية أهلكت، وكم من بئر ومن قصر. والأول أحُبّ إليّ. وقوله: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [٤٧] . ويُقال يوم من أيام عذابِهم فِي الآخرة كألف سنة مما تَعدون فِي الدُّنْيَا. وقوله: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ [٤٦] الْهَاء (هاء عماد «٥» ) تُوَفَّى «٦» (بِهَا) إنّ. يَجوز مكانها (إنّه) وكذلك هي قراءة عبد الله (فإنه لا تعمى الأبصَار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصّدور) والقلبُ لا يكون إلا فِي الصدر، وهو توكيد مما تزيده العرب عَلَى المعنى المعلوم كما «٧» قيل (فَصِيامُ «٨» ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) والثلاثة والسبعة معلوم أنهما عشرة. ومثل ذَلِكَ نظرت إليك بعيني. ومثله قول الله (يَقُولُونَ «٩» بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) وَفِي قراءة «١٠» عبد الله (إِنَّ «١١» هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ أنثى) فهذا أيضا من التوكيد وإن

стр. 749

قَالَ قائل. كيف انصرفَ من العذاب إلى أن قال: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ) فالجواب فِي ذَلِكَ أنهم استعجلوا العذاب فِي الدُّنْيَا فأنزل الله عَلَى نبيه (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) أي فِي أن ينزل بِهم العذاب فِي الدنيا. فقوله (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ) من عذابِهم أيضًا. فهو متّفق: أنهم يعذَّبون فِي الدُّنْيَا والآخرة أشدّ. وقوله: مُعاجِزِينَ [٥١] قراءة العوامّ (معاجزين) ومعنى معاجزين معاندين ودخول (فِي) كما تَقُولُ: سعيت فِي أمرك وأنت تريد: أردت بك خَيْرًا أو شرًا. وقرأ مجاهد «١» وعبد الله بن الزبير (مُعجِّزِينَ) يقول: مثبِّطينَ. وقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا [٥٢] فالرسول النَّبِيّ المرسل، والنبي: المحدث «٢» الَّذِي لَمْ يرسل. وقوله (إِلَّا إِذا تَمَنَّى) التمني: التلاوة، وحديث النفس أيضًا. وقوله: فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [٦٣] رفعت (فَتُصْبِحُ) لأن المعنى فِي (أَلَمْ تَرَ) معناهُ خبر كأنك قلت فِي الكلام: اعلم أن الله يُنزل من السماء ماء فتصبح الأرض. وهو مثل قول الشاعر «٣» : ألم تسأل الربع القديم فينطقُ ... فهل تُخبرنك اليوم بَيْداء سَمْلَق أي قد سألته فنطق. ولو جعلته استفهامًا وجعلت الفاء شرطًا لنصبت: كما قَالَ الآخر: ألم تسأل فتخبرك الديارا ... عَن الحي المضلل حَيْثُ سارا «٤» والجزم فِي هَذَا البيت جائز كما قَالَ: فقلت لَهُ صَوِّب ولا تجهدنّه ... فيذرك من أخرى العطاة فتزلق «٥»

стр. 750

فجعل الجواب بالفاء كالمنسوق عَلَى ما قبله. وقوله (مَنْسَكاً) «١» و (مَنْسِكًا) [٦٧] قد قرئ بِهما «٢» جَميعًا. والمنسك لأهل الحجاز والمنسك لبني أسد، والمنسَك فِي كلام العرب: الموضع الَّذِي تعتاده وتألفه ويقال: إن لفلان مَنْسِكًا يعتاده فِي خير كَانَ أو غيره. والمناسك بذلك «٣» سميت- والله أعلم- لترداد الناس عليها بالحج والعمرة. وقوله: يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا [٧٢] يعني مشركي أهل مكة، كانوا إِذَا سَمِعوا الرجل ٢١٣ امن المسلمين يتلو القرآن كادوا يبطشون بِهِ. وقوله (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ) ترفعها لأنها معرفة فسرت الشر وهو نكرة. كما تَقُولُ: مررتُ برجلين أبوك وأخوكَ. ولو نصبتها بما عاد من ذكرها ونويت بِهَا الاتصال بما قبلها كَانَ وجهًا. ولو خفضتها على الباء «٤» (فأنبئكم) «٥» بشرّ من ذلكم بالنار كَانَ صوابًا. والوجه الرفع. وقوله: الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [٧٣] الطالب الآلهة والمطلوب الذباب. وَفِيهِ معنى المثل. وقوله: ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [٧٤] أي ما عظَّموا الله حقّ تعظيمه. وهو كما تَقُولُ فِي الكلام: ما عرفت لفلان قَدْره أي «٦» عظمته وقصَّر بِهِ «٧» صاحبه. وقوله: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [٧٥] اصطفى منهم جبريل وميكائيل وملك الموت وأشباههم. ويصطفى من الناس الأنبياء.

стр. 751

وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [٧٧] كَانَ الناس يسجدون بلا ركوع، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع قبل السجود. وقوله: فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [٧٨] من ضيق. وقوله: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ) نصبتها عَلَى: وسَّع عَليكم كملَّة أبيكم إِبْرَاهِيم لأن قوله (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) يقول: وسّعه وسمَّحه كملة إِبْرَاهِيم، فإذا ألقيت الكاف نصبت. وقد تنصب (مِلَّة إِبْرَاهِيمَ) عَلَى الأمر بِهَا لأن أول الكلام أمر كأنه «١» قَالَ: اركعوا والزموا مِلّة إِبْرَاهِيم. وقوله: (مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا) يعنى القرآن. ومن سورة المؤمنين قوله: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ [٥] إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ [٦] المعنى: إِلَّا من أزواجهم اللاتي أَحَلَّ الله لهم من الأربع لا تجاوز «٢» . وقوله: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) (ما) فِي موضع خفض. يقول: لَيْسَ عليهم فِي الإماء وقت «٣» ، ينكحون ما شاءوا. فذلك قوله: حفظوا فروجهم إلا من هذين (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) فيه. يقول: غير مذنبين. وقوله: الْفِرْدَوْسَ [١١] قَالَ الكلبي: هُوَ البستان بلغة الروم. قَالَ الفراء: وهو عربي أيضًا. العرب «٤» تسمي البستان الفردوس. وقوله: [من سلالة] [١٢] والسّلالة التي تسلّ من كلّ تربة.

стр. 752

وقوله: فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [١٤] و (العظم «١» ) وهي فِي قراءة عبد الله (ثُمَّ جعلنا «٢» النطفة عظمًا وعَصَبًا فكسوناهُ لَحمًا) فهذه حُجّة لِمَن قَالَ: عَظْمًا وقد قرأها بعضهم (عظمًا) . وقوله: (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) يذهب إلى الْإِنْسَان وإن شئت: إلى العظم والنطفة» والعصب، تجعله كالشيء الواحد. وقوله: بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ [١٥] تقرأ (لَمَيِّتُونَ) و (لمائتون «٤» ) وميّتون أكثر، والعرب تَقُولُ لمن لم يَمت: إنك ميّت «٥» عَن قليل ومائت. ولا يقولونَ للميت الَّذِي قد مات، هَذَا مائت إنما يقال فِي الاستقبال، ولا يجاوز بِهِ الاستقبال. وكذلك يُقال: هَذَا سيد قومه اليوم، فإذا أخبرت أَنَّهُ يكون سيدهم عَن قليل قلت: هَذَا سائد قومه عَن قليل وسيد. وكذلك الطمع، تَقُولُ: هُوَ طامع فيما قِبلك غدًا. فإذا ١٢٣ ب وصفته بالطمع قلت: هُوَ طمع. وكذلك الشريف تقول: إنه لشريف قومه «٦» ، وهو شارف عن قليل. وهذا الباب كله فِي العربية عَلَى ما وصفت لك «٧» . وقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ [١٧] يعني السموات كل سماء طريقة (وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ) عما خلقنا (غافِلِينَ) يقول: كنا لَهُ حافظين. وقوله: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ [٢٠] وهى شجرة الزيتون (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) وقرأ الْحَسَن (تُنْبِتُ بالدهنِ) وهما لغتانِ يُقال نبتت وأنبتت كقول زهير:

стр. 753

رأيتُ ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قَطِينًا لَهم حَتَّى إِذَا أنبت البقلُ «١» (ونبت) «٢» وهو كقولك: مَطَرت السماء وأمطرت. وقد قرأ أهلُ «٣» الحجاز. (فَأَسْرِ «٤» بِأَهْلِكَ) موصولة من سريت. وقراءتُنا (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) (من أسريت) وقال الله (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) (وهو «٥» أجود) وَفِي قراءة عبد الله (تُخْرجُ الدهن) . وقوله: (وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) يقول: (الآكلون يصطبغون «٦» بالزيت. ولو كَانَ (وصِبْغًا) عَلَى (وَصِبْغًا أنبتناه) فيكون. بِمنزلة قوله (إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً «٧» ) . وَذَلِكَ أن الصبغ هُوَ الزيت بعينه. ولو كَانَ خلافه لكان خفضًا لا يجوز غيره. فمن ذَلِكَ أن تَقُولَ: مررت بعبد الله ورجلًا ما شئت من رجل، إِذَا جعلت الرجل من صفة عبد الله نصبته. وإن كَانَ خلافه خفضته لأنك تريد: مررت بعبد الله وآخر. وقرأ أهلُ «٨» الحجاز (سِيناء) بكسر السّين والمدّ، وقرأ عاصم وغيره (سيناء) ممدودة مفتوحة السِّين. والشجرة منصوبة بالرد عَلَى الجنات، ولو كانت مرفوعة إذ لَمْ يصحبها الفعل كَانَ صَوَابًا، كمن قرأ (وَحُورٌ عِينٌ «٩» ) أنشدنى بعضهم:

стр. 754

ومن يأت مَمْشَانا يصادِف غنيمةً ... سِوَارًا وخَلخالا وبُرْدً مُفَوَّفِ «١» كأنه قَالَ: ومع ذَلِكَ برد مفوف. وأنشدني آخر: هزئت حُمَيدة أن رأت بي رُتّة ... وفمًا بِهِ قَصَم وجلدٌ أسودُ «٢» كأنه قَالَ: ومع ذَلِكَ جلد «٣» أسود. وقوله: جِنَّةٌ [٢٥] هُوَ الجنون. وقد يقال للجن الْجِنَّة، فيتفق الاسم والمصدر. وقوله (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) لَمْ يُرَد بالحين حين موَقّت. وهو فِي المعنى كقولك. دعه إلى يوم «٤» ولم ترد: إلى يوم معلوم واحدٍ من ذي «٥» قَبل: ولا إلى مقدار يوم معلوم. إنما هُوَ كقولك إلى يوم ما. وقوله: وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [٣٣] المعنى مما تشربون منه. وجاز حذف (منه) لأنك تَقُولُ: شربت من مائك «٦» . فصارت (ما تشربون) بمنزلة شرابكم. ولو حذفت (من «٧» ) (تأكلون) «منه» كَانَ صوابًا. وقوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [٣٥] أعيدت (أنكم) مرتين ومعناهما «٨» واحد. إلا أن ذَلِكَ حَسن لَمَّا فرقت بين (أنكم) وبين خبرها بإذا. وهي فِي قراءة عبد الله (أيعدكم إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) وكذلك تفعل «٩» بكل اسم أوقعت عَلَيْهِ (أنّ) بالظن وأخوات الظن، ثُمَّ اعترض عَلَيْهِ الجزاء دون خبره. فإن

стр. 755

شئت كرّرت اسمه، وإن شئت حذفته/ ١٢٤ اأوّلا وآخِرًا. فتقول: أظنّ أنك إن خرجت أنك نادم. فإن حذفت (أنك) الأولى أو الثانية صلح. وإن ثبتتا صلح. وإن لَمْ تعرض بينهما بشىء لم يجز. فحطأ أن تقول أظن أنك أنك نادم «١» إلا أن تُكرِّرَ كالتوكيد. وقوله: هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ [٣٦] لو لَمْ تكن فِي (ما) اللام كَانَ صوابًا. ودخول اللام عربي. ومثله فِي الكلام هَيْهَات لك، وهيهات أنت مِنّا، وهيهات لأرضك. قَالَ الشاعر «٢» : فأيْهات أيهات العقِيقُ ومَن بِهِ ... وأيهات وصل بالعقيق نُواصله فمن لَمْ يدخل اللام رَفع الاسم. ومعنى هيهات بعيد كأنه قال: بعيد (لِما تُوعَدُونَ) «٣» وبعيد العقيق وأهله. ومن أدخل اللام قَالَ هيهات أداة ليست بِمأخوذة من فعل بمنزلة بعيد وقريب، فأدخلت لَهَا اللام كما يقال: هَلُمّ لك إذ لَمْ تكن مأخوذة من فعل. فإذا قَالوا: أقبِل لَمْ يقولوا: أقْبِل لك لأنه يحتمل ضَمير الاسم. فإذا وقفت عَلَى هيهات وقفت بالتاء «٤» فِي كلتيهما لأن من العرب من يخفض التاء، فدل ذَلِكَ عَلَى أنها ليست بِهَاء التأنيث «٥» فصارت بمنزلة دراك «٦» ونظار. ومنهم من يقف عَلَى الْهَاء لأن من شأنه نصبها فيجعلها كالهاء. والنصب الَّذِي فيهما «٧» أنهما أداتان جُمِعتا فصارتا بمنزلة خمسة عشر. وإن

стр. 756

قلت إن كل واحدة مستغنية بنفسها يجوز الوقوف عليها فإن نصبها كنصب قوله «١» : قمت ثمّت جلست، وبمنزلة قول الشاعر «٢» : ماويّ بَلْ رُبَّتما غارةٍ ... شَعْوَاءَ كاللذْعة بالميِسَم فنصب هَيْهَات بمنزلة هَذِه الْهَاء التي فِي رُبَّت لأنها دخلت عَلَى رُبّ وَعَلَى ثُمَّ، وكانا أداتين، فلم يغيرهما عَن أداتهما فنُصبا «٣» . قَالَ الفراء: واختار «٤» الْكِسَائي الْهَاء، وأنا أقف عَلَى التاء. وقوله: فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً [٤١] كغُثَاء الوادي يُبَّسًا «٥» بالعذاب. وقوله: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [٤٤] أكثر العرب عَلَى ترك التنوين، تنزل بمنزلة تقوى ومنهم من نون فيها وجعلها ألفًا كألف الإعراب، فصارت فِي تغير «٦» واوها بمنزلة التراث والتُجاه. وإن شئت جعلت بالياء منها كأنها أصلية «٧» فتكون بمنزلة المعزَى تنون ولا تنون «٨» . ويكون الوقوف «٩» عليها حينئذ بالياء وإشارة «١٠» إلى الكسر. وإن جعلتها ألف إعراب لَمْ تُشر لأنك لا تشير إلى ألفات الإعراب بالكسر، ولا تَقُولُ رأيت زيدي «١١» ولا عمري. وقوله: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ [٥٠] الربوة: ما ارتفع من الأرض. وقوله: (ذاتِ قَرارٍ)

стр. 757

منبسطة وقوله (وَمَعِينٍ) : الماء الظاهر والجاري. ولك أن تَجعل المعين مفعولًا من العيون، وأن تجعله فَعيلًا من الماعون ويكون أصله المعن. قَالَ الفراء: (المعنُ «١» الاستقامة) ، وقال عُبَيْد بن الأبرص: واهية أو معين مَعْنٍ ... أو هضبة دونَها لُهُوب «٢» وقوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [٥١] أراد النَّبِيّ «٣» فجمع كما يُقال فِي الكلام للرجل الواحد: أيّها ١٢٤ ب القوم كفوا عنا أذاكم. ومثله (الَّذِينَ «٤» قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) الناس واحد (معروف كَانَ «٥» رجلًا من أشجع يقال له نعيم ابن مسعود) . وقوله: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ [٥٢] قرأها عَاصِم «٦» والأعمش بالكسر عَلَى الائتناف «٧» . وقرأها أهل الحجاز والحسن (وأنّ هَذِه أمتكم) والفتحُ على قوله (إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وعليم «٨» بأن هَذِه أمتكم. فموضعها خفض لأنها مردودة عَلَى (مَا) وإن شئت كانت منصوبة بفعل مضمر كأنك قلت: واعلم هَذَا. وقوله: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ [٥٣] : فرَّقوه. تفرقوا يهود ونصارى. ومن قَالَ (زُبُراً)

стр. 758

أراد: قطعًا مثل قوله (آتُونِي «١» زُبَرَ الْحَدِيدِ) والمعنى فِي زُبُر وزُبَر واحدٌ «٢» . والله أعلم. وقوله (كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) يقول: معجبون بدينهم. يرون أنهم عَلَى الحق. وقوله: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حتّى حين) : فِي جهالتهم. وقوله: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ [٥٥] (ما) فِي موضع الَّذِي، وليست بحرف واحد. وقوله: نُسارِعُ لَهُمْ [٥٦] يقول: أيحسبون أن ما نعطيهم فى هَذِه الدُّنْيَا من الأموال والبنين أنا جعلناهُ لَهُم ثوابًا. ثُمَّ قَالَ (بَلْ لا يَشْعُرُونَ) أنما هُوَ استدراج منا لهم: وقوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا [٦٠] الفراء عَلَى رفع الياء ومد الألف فِي (آتَوْا) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي مِنْدَلٌ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَرَأَتْ أَوْ قَالَتْ مَا كُنَّا نَقْرَأُ إِلا (يَأْتُونَ مَا أَتَوْا) وَكَانُوا أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ تَوْجَلَ قُلُوبُهُمْ. قَالَ الْفَرَّاءُ يَعْنِي بِهِ الزَّكَاةَ تَقُولُ: فَكَانُوا أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يُؤْتُوا زَكَاتَهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ. وقوله (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ) : وَجِلَةٌ «٣» من أنهم. فإذا ألقيت (مِن) نصبت. وكل شيء فِي القرآن حذفت منه خافضًا فإن الْكِسَائي كَانَ يقول: هُوَ خفض عَلَى حَالِهِ. وقد فسرنا أَنَّهُ نصب إِذَا فُقِدَ الخافض. وقوله: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [٦١] يبادرون بالأعمال (وَهُمْ لَها سابِقُونَ) يقول: إليها سابقون. وقد يقال (وَهُمْ لَها سابِقُونَ) أي سبقت لهم السّعادة.

стр. 759

وقوله: وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ [٦٣] يقول: أعمال منتظرة مما سيعملونَها، فقال (مِنْ دُونِ ذلِكَ) . وقوله: يَجْأَرُونَ [٦٤] : يضجّون. وهو الْجُؤار. وقوله: عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ [٦٦] وَفِي قراءة عبد الله (عَلَى أدباركم تنكصُون) يقول: ترجعون وهو النكوص. وقوله: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ [٦٧] «١» (الْهَاء للبيت العتيق) تقولون: نحن أهله، وإذا كَانَ الليل وسمرتم هجرتم القرآن والنبي فهذا من الْهِجران، أي تتركونه وترفضونه. وقرأ ابن عباس «٢» (تَهْجُرُونَ) من أهجرت. والهُجْر أنهم كانوا يسبّون النَّبِيّ ﷺ إِذَا خَلَوا حول البيت ليلًا. وإن «٣» قرأ قارئ (تَهْجُرُونَ) يجعله كالهَذَيان، يقال: قد هَجَرَ الرجل فِي منامه إِذَا هذى، أي إنكم تقولون فِيهِ ما لَيْسَ فِيهِ ولا يضره فهو كالهذيان. وقوله: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ [٦٩] أي نسب رسولهم. وقوله: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ [٧١] يقال: إن الحق هُوَ الله. ويُقال: إنه التنزيل، لو نزل بما يريدون (لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) قال الكلبىّ (وَمَنْ فِيهِنَّ) من خَلْق. وَفِي قراءة عبد الله (لفسدت السّماوات والأرض وما بينهما) وقد يجوز فِي العربية أن يكون ما فيهما ما بينهما ١٢٥ الآن السماء كالسقف عَلَى الأرض، وأنت قائل: فِي البيت كذا وكذا، وبين أرضه وسمائه كذا وكذا، فلذلك جازَ أن تُجعل الأرض والسماء كالبيت. وقوله (بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ) : بشرفهم.

стр. 760

وقوله: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً «١» [٧٢] يقول: عَلَى ما جئت بِهِ، يريد: أجرًا، فأجر ربّك خير. وقوله: لَناكِبُونَ [٧٤] يقول: لَمُعْرِضُون عَن الدين. والصراط هاهنا الدين. وقوله: وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [٨٠] يقول: هُوَ الَّذِي جعلهما مختلفين، كما تَقُولُ فِي الكلام: لك الأجر والصلة أي إنك تؤجَر «٢» وتصل. وقوله: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [٨٤] (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [٨٥] هَذِه «٣» لا مسألة «٤» فيها لأنه قد استفهم بلام فرجعت فِي خبر المستفهم. وأما الأخريان «٥» فإن أهل المدينة وعامة أهل الكوفة يقرءونها (لِلَّهِ) ، (لله) وهما فِي قراءة أبي كذلك (لِله) (لِلَّهِ) (لله) ثلاثهنَّ. وأهل «٦» البصرة يقرءونَ الأخريين (اللهُ) (اللهُ) وهو فِي العربية أبين لأنه مردود مرفوع ألا ترى [أن] قوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ «٧» السَّماواتِ) مرفوع لا خفض فِيهِ، فجرى جوابه عَلَى مبتدأ بِهِ. وكذلك هي فِي قراءة عبد الله (لِلَّهِ) (الله) . والعلة فِي إدخال اللام فِي الأخريين فِي قول أبيّ وأصحابه أنك لو قلت لرجل: من مولاك؟ فقال: أنا لفلان، كفاك من أن يقول: مولاي فلان. فلما كَانَ المعنيان واحدًا أُجري ذَلِكَ فِي كلامهم. أنشدني بعض بني عَامِر: وأعلمُ أنني سأكون رمسًا ... إِذَا سار النواجع لا يسير «٨» (يعني» الرمس) فقال السائلونَ لمن حفرتم ... فقال المخبرون لهم: وزير

стр. 761

فرفع أراد: الميت وزير. وقوله: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [٨٩] : تصرفون. ومثله تؤفكون. أُفِك وسُحر وصُرف سَوَاء. وقوله: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ [٩١] إِذًا جواب لكلام مضمر. أي لو كانت معه آلهة (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ) يقول: لاعتزل كل إله بخلقه، (وَلَعَلا بَعْضُهُمْ) يقول: لبغى بعضهم عَلَى بعض ولغلب بعضهم بعضا. وقوله: عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [٩٢] وجه الكلام الرفع «١» عَلَى الاستئناف. الدليل عَلَى ذَلِكَ دخول الفاء فِي قوله (فَتَعالى) ولو خفضت لكان وجه الكلام أن يكون (وتَعالى) بالواو لأنه إِذَا خفض فإنما أراد: سُبْحان الله عالم الغيب والشهادة وتعالى. فدلّ دخول الفاء أَنَّهُ أراد: هُوَ عالم الغيب والشهادة فتعالى ألا ترى أنك تَقُولُ: مررتُ بعبد الله المحسن وأحسنت إِلَيْهِ. ولو رفعت (المحسن) لَمْ يكن بالواو لأنك تريد: هُوَ المحسن فأحسنت إِلَيْهِ. وقد يكون الخفض فِي (عالم) تُتبعه ما قبله «٢» وإن كَانَ بالفاء لأن العرب قد تستأنف بالفاء كما يستأنفونَ بالواو. وقوله: رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي [٩٤] هَذِه الفاء جواب للجزاء لقوله (إِمَّا تُرِيَنِّي) اعترض النداء بينهما كما: تَقُولُ إن تأتني يا زيد فعجِّل. ولو لَمْ يكن قبله جزاء لَمْ يجز أن تَقُولَ: يا زيد فقم، ولا أن تَقُولُ يا رب فاغفر لي لأن النداء مستأنف، وكذلك الأمرُ بعده مستأنف لا تدخله الفاء ولا الواو. لا تَقُولُ: يا قوم فقوموا، إلا أن يكون جوابًا لكلام قبله، كقول قائل: قد أقيمت الصلاة، فتقول: يا هَؤُلَاءِ فقوموا. فهذا جَوازه. وقوله: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [٩٩] فجعل الفعل كأنه لجميع «٣» وإنما دعا ربه. فهذا ممّا جرى على

стр. 762

ما وصف الله بِهِ نفسه من قوله (وقد خلقناكَ «١» من قبل) فِي غير مكان من القرآن. فجرى هَذَا عَلَى ذَلِكَ. وقوله: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [١٠٠] البرزخ من يوم يَموت إلى يوم يبعث. وقوله (وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً) يقول حاجزًا. والحاجز والمهلة متقاربان فِي المعنى، وَذَلِكَ أنك تَقُولُ: بينهما حاجز أن يتزاورا، فتنوي بالحاجز المسافة البعيدة، وتنوي الأمر المانع، مثل اليمين والعداوة. فصار المانع فِي المسافة كالمانع فِي الحوادث، فوقع عليهما البرزخ. وقوله: قالُوا رَبَّنا «٢» غَلَبَتْ عَلَيْنا شقاوتُنا [١٠٦] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (وَقَيْسٌ «٣» ) عن أبى إسحاق، وزهير ابن مُعَاوِيَةَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ (شَقَاوَتِنَا «٤» ) بِأَلِفٍ وَفَتْحِ الشِّينِ. قيل للفراء أأخبرك زهير؟ فقال: يا هَؤُلَاءِ إني لَمْ أسمع «٥» من زهير شيئًا. وقرأ أهل المدينة وَعَاصِم (شِقْوَتُنا) وهي كثيرة. أنشدني أَبُو ثرْوان: كُلِّف من عَنائه وشِقْوته ... بنتَ ثمانِي عَشْرَةٍ من حِجَّتِه «٦» قَالَ الفراء: لولا عبد الله ما قرأتُها إلا (شِقْوَتُنا) .

стр. 763

وقوله: سِخْرِيًّا (١١٠) و (سخريّا) . وقد قرىء «١» بِهما جَميعًا. والضم أجود. قَالَ الَّذِينَ كسروا ما كَانَ من السُّخرة «٢» فهو مرفوع، وما كَانَ من الْهُزُؤ فهو مكسور. وقال الْكِسَائي: سمعت العرب تقول: بحر لجّى ولجّى، ودُريّ ودِريٌّ منسوب إلى الدُّرّ، والكُرْسِيّ والكِرْسِيّ. وهو كَثِير. وهو فِي مذهبه بمنزلة قولهم الْعُصِيّ «٣» والعِصيّ والأُسوة والإسوة. وقوله: أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) كسرها «٤» الأعمش عَلَى الاستئناف، ونصبها من سواه عَلَى: إني جزيتهم الفوز بالجنة، فأنّ فِي موضع نصب. ولو جعلتها نصبًا من إضمار الخفض جزيتهم لأنهم «٥» هم الفائزونَ بأعمالِهم فِي السّابق. وقوله: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ (١١٣) أي لا ندرى (فاسأل) الحفظة هم العادون. وقوله: قُل كم لبثتم (١١٢) قراءة أهل «٦» المدينة (قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ) وأهل الكوفه (قل كم لبثتم) . ومن سورة النور قوله: سُورَةٌ أَنْزَلْناها [١] ترفع السّورة بإضمار هَذِه سورة أنزلناها. ولا ترفعها براجع ذكرها لأن النكرات لا يُبتدأُ بِهَا قبل أخبارها، إلا أن يكون ذَلِكَ جوابًا ألا ترى أنك لا تقول: رجل

стр. 764

قام، إنما الكلام أن تَقُولَ: قام رجل. وقَبُح تقديم النكرة قبل خبرها «١» أنها توصل «٢» ثُمَّ يخبر عنها بخبر سوى الصلة. فيقال: رجل يقوم أعجب إليّ من رجل لا يقوم: فقبح إذ كنت كالمنتظر للخبر بعد الصلة. ١٢٦ او حسن فِي الجواب لأن القائل يقول: من فِي الدار؟ فتقول: رَجُل (وإن قلت «٣» (رَجُلٌ فيها) فلا بأس لأنه كالمرفوع بالردّ لا بالصفة. ولو نصبت «٤» السورة عَلَى قولك: أنزلناها سورة وفرضناها كما تَقُولُ: مُجرَّدًا ضربته كَانَ وجهًا. وما رأيت أحدًا «٥» قرأ بِهِ. ومن قَالَ (فرضناها) يقول: أنزلنا فيها فرائض مختلفة. وإن شاء: فرضناها عليكم وَعَلَى من بعدكم إلى يوم القيامة. والتشديد لهذين الوجهين حسن. وقوله: الزَّانِيَةُ والزّانى فاجلدوا كلّ واحد منهما «٦» رفعتهما بِما عاد من ذكرهما فِي قوله (كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما) ولا ينصب مثل هَذَا لأن تأويله الجزاء (ومعناهُ «٧» ) - والله أعلم- من زَنَى فافعلوا بِهِ ذلك. ومثله (وَالشُّعَراءُ «٨» يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) معناهُ- والله أعلم: من قَالَ الشعر اتّبعه الغواة. وكذلك (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) ، (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما «٩» ) ولو أضمرت قبل كل ما ذكرنا فعلًا كالأمر جاز نصبه، فقلت: الزانية والزاني فاجلدوا:

стр. 765

وهي فِي قراءة عبد الله محذوفة الياء (الزانِ) مثل ما جرى فِي كتاب الله كثيرا من حذف الياء من الداع والمناد والمهتد وما أشبه ذَلِكَ. وقد فُسّر. وقوله: (وَلا تَأْخُذْكُمْ) اجتمعت القراء عَلَى التاء إلا أبا عبد الرحمن فإنه قرأ (ولا يَأخُذْكم) بالياء. وهو صواب كما قَالَ (وَأَخَذَ «١» الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) وَفِي الرأفة والكأبة والسَّأمة لغتان السَّأمة فعلة والسَّآمة مثل فعالة والرأفة والرآفة والكابة والكآبة وَكَانَ السَّأمة والرأفة مرة، والسآمة المصدر، كما تَقُولُ: قد ضَؤُل ضآلةً، وقُبح قباحَة. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ وَمِنْدَلٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الطَّائِفَةُ: الْوَاحِدُ فَمَا فَوْقَهُ قَالَ الْفَرَّاءُ: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ وَاحِدٌ فَمَا فَوْقَهُ. وَذَلِكَ للبكرين لا للمحصنين ومعنى الرأفة يقول: لا ترأفوا بالزانية والزاني فتعطلوا حدود الله. وقوله: الزَّانِي لا يَنْكِحُ «٢» يُقال: الزاني لا يزني إلا بزانية من بغايا كن بالمدينة، فهم أصحاب الصفة أن يتزوجوهنّ فيأووا إليهن ويُصيبوا من طعامهن، فذكروا ذَلِكَ للنبي ﵇ فأنزل الله هَذَا، فأمسكوا عَن تزويجهن لَمَّا نزل (وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) يعنى الزاني. وقوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ «٣» (وبالكسر «٤» ) بالزنى (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا) الْحُكَّامِ (بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً) القاذف لا تُقبل لَهُ شهادة، توبته فيما

стр. 766

بينه وبين ربه، وشهادته «١» ملقَاة. وقد كَانَ بعضهم يرى شهادته جائزةً إِذَا تابَ ويقول: يقبل «٢» الله توبته ولا نقبل نحنُ شهادته! وقوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ [٦] بالزنَى نزلت فِي عَاصِم بن عدي لَمَّا أنزل الله الأربعة الشهود، قَالَ: يا رسول الله إن دخل أحدنا فرأى عَلَى بطنها رجلًا (يعني امرأته) احتاج أن يخرج فيأتي بأربعة شهداء إلى ذَلِكَ «٣» ما قد قضى حاجته وخرج. وإن قتلته قتلت ١٢٦ ب بِهِ. وإن قلت: فُعِل بِهَا جُلدت الحد. فابتُلِي بِهَا. فدخل عَلَى امرأته وَعَلَى بطنها رجل، فلا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بينهما. وَذَلِكَ أنها كذبته فينبغي أن يبتدئ الرجل فيشهد فيقول: والله الَّذِي لا إله إلا هُوَ إني صادق فيما رميتها بِهِ من الزنى، وَفِي الخامسة، وإن عَلَيْهِ لعنة الله إن كَانَ من الكاذبين فيما رماها بِهِ من الزنى: ثُمَّ تَقُولُ المرأة فتفعل مثل ذَلِكَ، ثُمَّ تقوم فِي الخامسة فتقول: إن عليها غضب الله إن كَانَ من الصادقين فيما رماها بِهِ من الزنى. ثُمَّ يفرق بينهما فلا يجتمعانِ أبدًا. وأما رفع قوله (فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ) فإنه من جهتين. إحداهُما: فعليه أن يشهد فهي «٤» مضمرة، كما أضمرت ما يرفع (فَصِيامُ «٥» ثَلاثَةِ) وأشباهه، وإن شئت جعلت رفعه بالأربع الشهادات: فشهادته أربع شهادات كأنك قلت والذي يوجب من الشهادة أربع، كما تَقُولُ: من أسلم فصلاته خمس. وَكَانَ الأعمش وَيَحْيَى يرفعان «٦» الشهادة والأربع، وسائر القراء يرفعونَ الشهادة وينصبونَ الأربع لأنهم يضمرون للشهادة ما يرفعها، ويوقعونها عَلَى الأربع. ولنصب الأربع وجه آخر. وَذَلِكَ أن

стр. 767

يجعل (بالله إنّه لمن الصّادقين) رافعة «١» للشهادة كما تَقُولُ: فشهادتي «٢» أن لا إله إلا الله، وشهادتي إن الله لواحد. وكل يمين فهي تُرفع بجوابها، العرب تَقُولُ: حِلفٌ صادقٌ لأقومن، وشهادة عبد الله لتقومن. وَذَلِكَ أن الشهادة كالقول. فأنت تراهُ حسنًا أن تَقُولَ: قَوْلي لأقومن وقولي إنك لقائم «٣» . و (الخامسة) فِي الآيتين مرفوعتان «٤» بِما بعدهما من أنّ وأنّ. ولو نصبتهما عَلَى وقوع الفعل كَانَ صوابًا: كأنك قلت: وليشهد الخامسة بأن لعنة الله عَلَيْهِ. وكذلك فعلها «٥» يكون نصب الخامسة بإضمار «٦» تشهد الخامسة «٧» بأن غضبت الله عليها. وقوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [١٠] متروك الجواب لأنه معلوم المعنى. وكذلك كل ما كَانَ معلوم الجواب فإن العرب تكتفي بترك جوابه ألا ترى أن الرجل يشتم صاحبه فيقول المشتوم: أما والله لولا أبوك، فيعلم أَنَّهُ يريد لشتمتك، فمثل هَذَا يُترك جوابه. وقد قَالَ بعد ذَلِكَ فبيَّن جوابه فقال (لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ) (وما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) فذلك يُبين لك المتروك. وقوله: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ [١١] اجتمع القراء عَلَى كسر الكاف. وقرأ حُميد «٨» الأعرج، كُبْره بالضم. وهو وجه جيد فِي النحو لأن العرب تَقُولُ: فلان تولى عُظْم كذا وكذا يريدون أكثره. وقوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [١٥] كَانَ الرجل يلقى الآخر فيقول: أما بلغك كذا كذا

стр. 768

فيذكر قصة عائشة لتشيع الفاحشة. وَفِي قراءة عبد الله (إذ تَتَلَقَّوْنه) وقرأت عائشة (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) وهو الْوَلْق أي تردّدونه. والوَلْق فِي السير والوَلْق فِي الكذب بِمنزلته إِذَا استمر فِي السير والكذب فقد وَلَق. وقال الشاعر «١» : إنّ الْجُلَيد زَلِق وزُمَّلقْ ... جاءت بِهِ عَنْس من الشام تَلِقْ مجوَّع البطن كِلابيّ الْخُلُقْ ويقال فِي الْوَلْق من الكذب: هُوَ الْأَلْق والإِلْق! وفعلت منه: ألقت وأنتم تألقونه. وأنشدني بعضهم: من لي بالمزرَّرِ اليلامق ... صاحب إدهان وألق آلق «٢» وقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ [٢٢] والائتلاء: الْحِلف. وقرأ بعض «٣» أهل المدينة (ولا يَتَأَلَّ أولو الفضل) وهي مخالفة للكتاب، من تألّيت. وَذَلِكَ أن أبا بكر حلف ألا يُنفق عَلَى مسطح بن أُثاثة وقرابته الَّذِينَ ذكروا عائشة. وكانوا ذوي جَهد «٤» فأنزل الله (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) فقال أَبُو بكر: بلى يا رب. فأعادهم إلى نفقته. وقوله: يَوْمَ تَشْهَدُ [٢٤] القراء على التاء (يَوْمَ تَشْهَدُ) وقرأ يَحْيَى «٥» بْن وثاب وأصحاب عَبْد اللَّه (يشهد) التاء لتأنيث الألسنة والياء لتذكير اللسان، ولأن الفعل «٦» إِذَا تقدم كَانَ كأنه لواحد الجمع. وقوله: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ [٢٦] الخبيثاتُ من الكلام للخبيثين من الرجال. أي ذَلِكَ من فعلهم ومِمَّا «٧» يليقُ بِهم. وكذلك قوله (وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ) الطّيّبات من الكلام للطّيّبين من الرجال.

стр. 769

ثم قال (أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ) يعني عائشة وصفوان بن الْمُعَطَّل الَّذِي قُذِفَ معها. فقال (مبرّءون) للاثنين كما قَالَ (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فلكلّ واحد) يريدُ أخوين فما زاد، لذلك حُجِبَ بالاثنين. ومثله (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) يريد داود وسليمان. وقرأ ابن عباس (وكُنّا لحكمهما شاهدين) فدلّ عَلَى أنهما اثنان. وقوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [٢٧] يقول: تستأذنوا. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) : تَسْتَأْذِنُوا قَالَ: هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ إِنَّمَا هُوَ حَتَّى تُسَلِّمُوا وَتَسْتَأْذِنُوا. وأمروا أن يقولوا: السَّلَام عليكم أأدخل؟ والاستئناسُ فِي كلامِ العرب: اذهب فاسْتأنس هَلْ ترى أحدًا. فيكون هَذَا المعنى: انظروا «١» من فِي الدار. وقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [٢٩] وهي البيوت التي تُتخذ للمسافرين: الخانات وأشباهها. وقوله (فِيها مَتاعٌ لَكُمْ) أي منافع لكم. يقول تنتفعونَ بِهَا وتستظلونَ بِهَا من الحر والبرد (قَالَ الفراء الفندقُ مثل الخان «٢» قَالَ: وسمعتُ أعرابيًا من قُضاعة يقول فنتق) . وقوله: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [٣١] الزينة: الوشاح والدُّمْلُج «٣» (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها) مثل الكحل والخاتم والخَضَاب (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ) يقول لتُخَمِّر نَحرها وصدرها بِخمار. وَذَلِكَ أن نساء الجاهلية كنّ يسدلن خُمرهن من ورائهن فينكشفُ ما قدامها، فأمرن بالاستتار. ثُمّ قَالَ مكرّرا (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) يعني الوشاح والدملوج «٤» لغة (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ) من النسب إلى قوله (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ) .

стр. 770

وقوله (أَوْ نِسائِهِنَّ) يقول: نساء أهل دينهن. يقول: لا بأسَ أن تنظر المسلمة إلى جسد المسلمة. ولا تنظرْ إليها يهودية ولا نصرانية. ورُخّص أن يرى ذَلِكَ من لَمْ يكن لَهُ فِي النساء أَرَب، مثل الشيخ الكبير والصبي الصغير الَّذِي لَمْ يدرك، والعنين. وَذَلِكَ قوله (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ) : التُّبَّاع والأجراء (قَالَ الفراء يُقال إِرْب وأَرَب) . وقوله (لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ) لَمْ يبلغوا أن يطيقوا النساء. وهو كما تَقُولُ: ظهرت عَلَى القرآن أي أخذته وأطقته. وكما تَقُولُ للرجل: صارع فلان فلانًا وظهر عَلَيْهِ أي أطاقه وغالبه. وقوله (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) يقول: لا تضربن رجلها بالأخرى فيسمع صوت الخلخال. فذلك قوله (لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ) وَفِي قراءة عبد الله (لِيُعْلَمَ مَا سُرَّ «١» ١٢٧ ب مِنْ زِينَتِهِنَّ) . وأمّا قوله (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ) فإنه يُخفض «٢» لأنه نعت للتابعين، وليسوا بموَقتينَ «٣» فلذلك صَلحت (غير) نعتًا لَهُم وإن كانوا معرفة. والنصب جائز قد قرأ بِهِ عَاصِم «٤» وغير عَاصِم. ومثله (لا يَسْتَوِي «٥» الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) والنصب فيهما جَميعًا عَلَى القطع «٦» لأن (غير) نكرة. وإن شئت جعلته عَلَى الاستثناء فتوضع «٧» (إلا) فِي موضع (غير) فيصلح. والوجه الأول أجود.

стр. 771

وقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [٣٢] يعني «١» الحرائر. والأيامى القرابات نَحو البنت والأخت وأشباههما «٢» . ثُمَّ قَالَ (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) يقول: من عبيدكم وإمائكم ولو كانت (وإماءكم) تردة عَلَى الصالِحين لَجاز. وقوله (إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ) للأحرار خاصة من الرجال والنساء. وقوله: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ [٣٣] يعني المكاتبة. و (الذينَ) فِي موضع رفع كما قال (وَالَّذانِ «٣» يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما) والنصبُ جائز. وقوله (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) يقول «٤» إِذَا رجوتم عندهم وفاء وتأديةً للمكاتبة (وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ) حث الناس عَلَى إعطاء المكاتبين. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حدثنا الفراء قَالَ حَدَّثَنَا حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: يُعْطِيهِ ثُلُثَ مُكَاتَبَتِهِ. يَعْنِي الْمَوْلَى يَهِبُ لَهُ «٥» ثُلُثَ مُكَاتَبَتِهِ. وقوله (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ) الْبِغَاء: الزنى. كَانَ أهل الجاهلية يُكرهون الإماء ويلتمسون منهن الْغَلَّةَ فيفجُرن، فنُهي أهل الإسلام عَن ذَلِكَ (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ) لهنّ (غَفُورٌ رَحِيمٌ) . وقوله: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ [٣٤] قرأ يحيى بن وثّاب (مبيّنات) بالكسر. والناس بعد (مُبَيِّناتٍ «٦» ) بفتح الياء، هَذِه والتي فى سورة النساء «٧» الصغرى. فمن قَالَ (مُبَيِّناتٍ) جعل الفعل واقعًا عليهنّ، وقد بيّنهن الله وأوضحهنّ (ومبيّنات) : هاديات واضحات.

стр. 772

وقوله: كَمِشْكاةٍ [٣٥] المشكاة الْكُوّة التي ليست بنافذة. وهذا مثل ضربه الله لقلب المؤمن والإيمان فِيهِ. وقوله (الزُّجاجَةُ) اجتمعَ القراء عَلَى ضم الزجاجة. وقد يُقال زجاجة وزجاجة. وقوله (كوكب درّىء) يخفض «١» أوله يهمز، حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي بذلك المفضل الضبي قَالَ قرأها عَاصِم كذلك (دِرِّيء) بالكسر. وقال أبو بكر بن عيّاش: قرأها عاصم «٢» (درّىء) بضم الدَّال وَالْهَمْز. وذُكر عَن الأعمش أنه قرأ (درّىء) و (درّىّ) بِهمزٍ وغير همز رُويا عَنْهُ جَميعًا ولا تُعرف جهة ضم أوله وهمزه لا يكون فِي الكلام فُعيل إلا عجميًا. فالقراءة إِذَا ضممت أوله بترك الْهَمْز. وإذا همزته كسرت أوّله. وهو من قولك: دَرَأ الكوكب إِذَا انحط كأنه رُجم «٣» بِهِ الشيطان فدمَغه «٤» . ويُقال فِي التفسير: إنه واحد من الخمسة: المشترِي وزُحَل وعطارد والزُهرة والمريخ. والعربُ «٥» قد تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها الدراريّ بغير همز. ومن العرب من يقول: كوكب دِرِّيٌّ فينسبُهُ إلى الدُّرّ فيكسر أوَّله ولا يهمز كما قالوا: سُخْرِيّ وسِخْرِيّ، ولُجّيّ ولِجّيّ. وقوله (تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ) (تذهب «٦» إلى الزجاجة. إذا قال (توقد) «٧» . ومن قال (يُوقَدُ) «٨» ذهب إلى المصباح ويقرأ (تَوَقَّدُ) «٩» مرفوعة مشددة. ويقرأ (تَوَقّدَ) بالنصب والتشديد. من قَالَ (تَوَقَّدُ) ذهب إلى الزجاجة. ومن قَالَ (توقّد) نصبًا ذهب إلى المصباح) وكلّ صواب.

стр. 773

وقوله (شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) وهي شجرة الزيت تَنْبُت عَلَى تَلْعة «١» من الأرض، فلا يسترها عَن الشمس شيء. وهو أجود لزيتها فيما ذُكر. والشرقية: التي تأخذها الشمس إِذَا شرقت، ولا تصيبها إِذَا غربت لأن لَهَا سترًا. والغربية التي تصيبها الشمس بالعشي ولا تصيبها بالغداة، فلذلك قَالَ لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها ولكنها شرقية غربية ١٢٨ ا. وهو كما تَقُولُ فِي الكلام: فلان لا مسافر ولا مقيم إِذَا كَانَ يسافر ويقيم، معناه: أَنَّهُ لَيْسَ بمنفرد بإقامة ولا بسفر. وقوله (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ) انقطع الكلام هاهنا ثُمَّ استأنف فقال (نُورٌ عَلى نُورٍ) ولو كَانَ: نورًا عَلَى نورٍ كَانَ صوابًا تَخرجه من الأسماء المضمرة من الزجاجة والمصباح. وقوله: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [٣٦] قرأ الناس «٢» بكسر الباء. وقرأ عَاصِم (يُسَبِّحُ) بفتح الباء. فمن قَالَ (يُسَبِّحُ) رفع الرجال بنيَّة فعل مجدد. كأنه قَالَ يُسبِّح لَهُ رجال لا تلهيهم تِجَارة. ومن قَالَ (يُسَبِّحُ) بالكسر جَعَله فعلًا للرجال ولم يضمر سواهُ. وقوله: لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ [٢٧] فالتجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل عَلَى يديه. كذا جاء فِي التفسير «٣» . وقوله (تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ) يقول: من كَانَ فِي دنياه شاكًّا أبصر ذَلِكَ فِي أمر آخرته، ومن كَانَ لا يشك ازداد قلبُه بصرًا لأنه لَمْ يره فِي دنياهُ: فذلك تقلبها. وأما قوله: فِي بيوت أذن الله أن ترفع [٣٦] . فإن دخول (فِي) لذكر «٤» المصباح الَّذِي وصفه فقال: كمثل مصباح فِي مسجد. ولو جَعلت (فى)

стр. 774

لقوله (يُسَبِّحُ) كَانَ جائزًا «١» ، كأنه: قَالَ فِي بيوت أذن الله أن ترفع يسبج لَهُ فيها رجال. وأمّا قوله (أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) أي تبنى. وأمّا قوله (وَإِقامِ «٢» الصَّلاةِ) فإن المصدر من ذوات الثلاثة إِذَا قلت: أفعلت كقيلك: أقمت وأجرت وأجبت يقال فيه كله: إقامة وإجارة وإجابة لا يسقط منه الْهَاء. وإنّما أدخلت لأن الحرف قد سقطت منه الْعَين، كَانَ ينبغي أن يُقال: أقمته إقوامًا وإجوابًا فلمّا سُكنت «٣» الواو وبعدها ألف الإفعال فسكنتا سقطت «٤» الأولى منهما. فجعلوا فِيهِ الْهَاء كأنها تكثير للحرف. ومثله مما أسقط منه بعضه فجعلت فِيهِ الْهَاء قولهم: وعدته عِدة ووجدت فِي المال جِدَةَ، وزِنَة ودِيَة وما أشبه ذَلِكَ، لِمَا أسقطت الواو من أوّله كُثر من آخره بالهاء. وإنما استجيزَ سقوط الْهَاء من قوله (وَإِقامِ الصَّلاةِ) لإضافتهم إيّاه، وقالوا: الخافض وما خَفَض بِمنزلة الحرف الواحد. فلذلك أسقطوها فِي الإضافة. وقال الشاعر: إن الخليطَ أجَدّوا البين فانجرَدُوا ... وأخلفُوكَ عِدَ الأمر الَّذِي وَعَدوا يريدُ عِدَة الأمر فاستجازَ إسقاط الْهَاء حين أضافها. وقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [٣٩] القيعة جِماع القاع واحدها قاع كما قالوا: جارٌ وجيرة. والقاعُ من الأرض: المنبسط الَّذِي لا نبت فِيهِ، وَفِيهِ يكون السراب. والسراب ما لصق بالأرض، والآل الَّذِي يكون ضحى كالماء بين السماء والأرض. وقوله (حَتَّى إِذا جاءَهُ) يعنى السّراب (لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) وهو مثل للكافر كَانَ يحسب أَنَّهُ عَلَى شيء فلمّا قدم عَلَى ربه لَمْ يجد له عملا، بمنزلة السراب (وَوَجَدَ اللَّهَ) عند عمله يقول: قدم عَلَى الله فَوَفَّاهُ حسابه.

стр. 775

قوله: أَوْ كَظُلُماتٍ [٤٠] والظلمات مثل لقب الكافر، أي أَنَّهُ لا يعقل ولا يُبصر، فوصف قلبه بالظلمات. ثُمَّ قَالَ: (إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها) فقال بعضُ المفسرين: لا يراها، وهو المعنى لأن أقل من الظلمات التي وصفها الله لا يَرَى فيها الناظر كفّه. وقال بعضهم إنما هُوَ «١» مثل ضربه الله فهو يراها ولكنه لا يرها إلا بطيئًا كما تَقُولُ: ما كدت أبلغ إليك وأنت قد بلغت. وهو وجه العربية. ومن العرب ١٢٨ ب من يُدخل كاد ويكاد فِي اليقين فيجعلها بمنزلة الظن إِذَا دخل، فيما هُوَ يقين كقوله (وَظَنُّوا «٢» ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) فِي كثيرٍ من الكلام. وقوله: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ [٤١] وتسبيحه ترفع كلا بِما عاد إِلَيْهِ من ذكره وهى الهاء فى (صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) وإن شئت جعلت العلم لكل، أي كل قد عاد صلاته وتسبيحه فإن شئت جعلت الهاء صلاة نفسه وتسبيحا. إن شئت: تسبيح الله وصلاته التي نُصليها لَهُ وتسبيجها، وَفِي القول الأول: كل قد علم الله صلاته وتسبيحه. ولو أتت كُلًّا قَد علم بالنصب عَلَى قولك: علم الله صَلاة كُلٍّ وتسبيحه فتنصب لوقوع الفعل عَلَى راجع ذكرهم. أنشدني بعض العرب: كُلًّا قَرعنا فِي الحروب صَفَاته ... ففررتم وأطلتم الْخِذلانَا «٣» ولا يَجوز أن تَقُولُ: زيدًا ضربتَهُ. وإنّما جاز فِي كل لأنّها لا تأتي إلا وقبلها كلام، كأنها مُتَّصِلَةٌ بِهِ كما تَقُولُ: مررت بالقوم كلهم ورأيتُ القوم كلا يقول ذَلِكَ، فلما كانت نعتًا مستقصًى بِهِ كانت مسبوقَةً بأسمائها وليس ذَلِكَ لزيد ولا لعبد «٤» الله ونحوهما لأنها أسماء مبتدآت. وقد قَالَ بعضُ النحويين: زيدًا ضربته، فنصَبَهُ بالفعلِ كما تنصبه إِذَا كان قبله كلامٌ. ولا يَجوز ذَلِكَ إلا أن تنوي التكرير، كأنه نوى أن يوقع ب: يقع الضرب عَلَى زيد قبل أن يقع عَلَى الْهَاء، فلمّا تأخر الفعل أدخل الْهَاء على التكرير. ومثله ممّا يوضحه.
следующие страницы →