مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا ... كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ «١»
فهذا مخفوض. وإن شئت نوّنت وإن شئت لَمْ تنون عَلَى نيتك. وقال الآخر «٢» فرفع:
كَأنَّ مِحَطّا فِي يَدي حارثيَّةٍ ... صَنَاعٍ علت منّي بِهِ الْجِلدَ من علُ
الْمِحَطّ: منقاش تشم بِهِ يدها.
وأمّا قول الآخر:
هتكت بِهِ بيوتَ بني طريفٍ ... عَلَى ما كَانَ قبلٌ من عِتاب
فنوَّن ورفع فإن ذَلِكَ لضرورة الشعر، كما يُضطّر إِلَيْهِ الشاعر فينون فِي النداء المفرد فيقول:
يا زيدٌ أقبل قَالَ:
قَدَّمُوا إذْ قيل قيسٌ قَدِّمُوا ... وارفعُوا المجدَ بأطرافِ الْأَسَل
وأنشدني بعض بني عُقيل:
ونحنُ قتلنا الْأَسْدَ أسد شَنُوءَة ... فما شرِبُوا بعدٌ عَلى لذة خَمْرَا
ولو رده إلى النصب إذ نون كَانَ وجهًا كما قَالَ:
وساغَ لي الشراب وكنت قبلًا ... أكادُ أغَصَّ بالماءِ الْحَميمِ
وكذلك النداء لو رُدّ إلى النصب إِذَا نُوِّن فِيهِ كَانَ وجهًا كما قَالَ:
فطِر خالدًا إن كنتَ تَسْطيع طَيْرةً ... وَلَا تَقَعَنْ إِلَّا وقلبُكَ حَاذِرُ
ولا تنكرنَّ أن تضيف قبل وبعد وأشباههما وإن لَمْ يظهر فقد قَالَ «٣» :
إِلَّا بُدَاهةَ أو عُلالَة ... سابح نهد الجزاره
стр. 842
وقال الآخر:
يا من يرى عارِضًا أكفكفُهُ ... بين ذِرَاعيْ وَجَبْهةِ الْأَسَدِ
وسمعت أبا ثَرْوَان الْعُكْلِيّ يقول: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله. وإنّما يَجوز هَذَا فِي الشيئين يَصْطَحبان مثل اليد والرجل، ومثل «١» قوله: عندي نصف أو ربع درهمٍ، وجئتك قبل أو بعد العصر. ولا يجوز فِي الشيئين يتباعدان مثل الدار والغلام: فلا تُجيزنّ: اشتريت دارَ أو غُلام زيد ولكن عَبْدَ أَوْ أَمَةَ زيدٍ، وعين أو أذُن، ويد أو رِجْل، وما أشبهه.
وقوله: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [٧] يعني أهل مكة. يقول: يعلمون التجارات والمعاش، فجعل ذَلِكَ علمهم. وأمَّا بأمْرِ الآخرة فعَمون «٢» .
وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [٨] يقول: ما خلقناهما (إِلَّا بِالْحَقِّ) للثواب والعقاب والعمَل (وَأَجَلٍ مُسَمًّى) : القيامة.
وقوله: وَأَثارُوا الْأَرْضَ [٩] : حرثوها (وَعَمَرُوها أَكْثَرَ) مما كانوا يعمرون. يقول: كانوا يعمرون أكثر من تعمير أهل مكة فأُهلكوا.
وقوله: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى [١٠] .
تنصب العاقبة بكان، وتجعل مرفوع (كَانَ) فِي (السّوءى) . ولو رفعت العاقبة ونصبت (السّوءى) كان صوابا. و (السّوءى) فِي هَذَا الموضع: العذاب، ويقال: النار.
وقوله (أَنْ كَذَّبُوا) لتكذيبهم، ولأن كذبوا. فإذا ألقيت اللام كَانَ نصبا.
وقوله: يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ [١٢] : ييأسونَ من كل خير، وينقطع كلامهم وحججهم. وقرأ
стр. 843
أَبُو عبد الرحمن السلمي (يُبْلَسُ المجرمُونَ) بفتح اللام. والأولى أجود. قَالَ الشاعر «١» :
يا صاحِ هَلْ تعرف رَسْمًا مُكْرَسَا ... قَالَ نعم أعرفه وأبلسا
وقوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ [١٧] يقول: فصلّوا الله (حِينَ تُمْسُونَ) وهى المغرب «٢» والعشاء (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) صلاة الفجر (وَعَشِيًّا) صلاة العصر (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) صلاة الظهر.
وقوله: لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ [٢٢] يريد العالم من الجن والإنس ومن «٣» قرأها (لِلْعالِمِينَ) فهو وجه جيد لأنه قد قَالَ (لَآياتٍ «٤» لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) و (لَآياتٍ «٥» لِأُولِي الْأَلْبابِ) .
وقوله: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً [٢٤] .
وقبل ذَلِكَ وبعده (أَنْ أَنْ) وكلٌّ صواب. فمن أظهر (أنْ) فهي فِي موضع اسم مرفوع كما
قَالَ (وَمِنْ آياتِهِ «٦» مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ) فإذا حذفت (أنْ) جعلت (من) مؤدية عَن اسم متروك يكون الفعل صلة لَهُ كقول الشاعر «٧» :
وما الدهر إلا تارتانِ فمنهُما ... أمُوتُ وأخرى أبتغى العيش أكدح
١٤٤ ب/ كأنه أراد: فمنهما ساعة أموتها، وساعة أعيشها. وكذلك من آياته آية للبرق «٨» وآية لكذا. وإن شئت: يريكم من آياته البرق فلا تضمر (أن) ولا غيره.
وقوله: أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [٢٥] يقول: أَنْ تَدُومَا قائمتين بأمره بغير عَمَدٍ.
وقوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حدث الْحَسَن بن عمارة عَن الحكم عَن مجاهد أَنَّهُ قَالَ: الإنشاءة أهونُ عَلَيْهِ من الابتداء. قَالَ أَبُو زكريّاء:
стр. 844
ولا أشتهي ذَلِكَ والقولُ فِيهِ أَنَّهُ مثل ضربه الله فقال: أتكفرونَ بالبعث، فابتداء خلقكم من لا شيء أشد. فالإنشاءة من شيء عندكم يأهل الكفر ينبغي أن تكون أهون عَلَيْهِ. ثُمَّ قال (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى) فهذا شاهدٌ أَنَّهُ مثل ضربه الله. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) : عَلَى الْمَخْلُوقِ، لأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: كُنْ فَيَكُونُ وَأَوَّلُ خَلْقِهِ نُطْفَةٌ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ.
وقوله: كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [٢٩] نصبتَ الأنفس لأن تأويل الكاف والميم فِي (خِيفَتِكُم) مرفوع. ولو نويت بِهِ- بالكاف «١» والميم- أن يكون فِي تأويل نصب رفعت ما بعدها. تَقُولُ فِي الكلام: عجبتُ من موافقتك كثرة شرب الماء، وعجبتُ من اشترائك عبدًا لا تَحتاج إِلَيْهِ.
فإذا وقع مثلها فِي الكلام فأجره بالمعنى لا باللفظ. والعرب تَقُولُ: عجبت من قيامكم أجمعون وأجمعين، وقيامكم كُلُّكم وكُلِّكم. فمن خفض أتبعه اللفظ لأنه خفض فِي الظاهر. ومن رفع ذهب إلى التأويل. ومثله (لِإِيلافِ «٢» قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ) أوقعت الفعل «٣» من قريش عَلَى (رِحْلَةَ) والعربُ تَقُولُ: عجبتُ من تساقطها بعْضُها فوق بعض، وبعضها، على مثل ذلك: هذا إذا كنوا. فإذا قالوا سمعت قرع أنيابه بعضِها بَعْضًا خفضوا (بعض) وهو الوجه فِي الكلام لأن الَّذِي قبله اسم ظاهر، فأتبعوه إيَّاه. ولو رفعت (بعضها) كان على التأويل.
وقوله: فِطْرَتَ اللَّهِ [٣٠] يريد: دين الله منصوب عَلَى الفعل، كقوله (صِبْغَةَ «٤» اللَّهِ) .
وقوله (الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) يقول: المولود عَلَى الْفِطرة حَتَّى يكون أبواهُ اللذان ينصرانه أو يهوِّدانهِ. ويُقال فطرة الله أن الله فطرَ العباد عَلَى هَذَا: عَلَى أن يعرفوا أنّ لهم ربّا ومدبّرا.
стр. 845
وقوله: مُنِيبِينَ [٣١] منصوبة عَلَى الفعل، وإن شئت عَلَى القطع.
فَأَقِمْ وجهك ومن معك مُنيبين مقبلين إِلَيْهِ.
وقوله: (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) . (مِنَ الَّذِينَ فارقوا «١» دِينَهُمْ) فهذا «٢» وجهٌ. وإن شئت استأنفت فقلت: من الَّذِينَ فارقوا دينهم وكانوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لديهم فرحون. كأنك قلت: الَّذِينَ تفرقوا وتشايعوا كل حزب بما فِي يده فرح.
وقوله: (أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً) [٣٥] كتابًا فهو يأمرهم بعبادة الأصنام وشركهم.
وقوله: لِيَرْبُوَا [٣٩] قرأها عَاصِم والأعمش وَيَحْيَى بن وثاب بالياء «٣» ونصب الواو. وقرأها أهل الحجاز (لتربو) أنتم. وكلّ صواب ومن قرأ «٤» (لِيَرْبُوَا) كَانَ الفعل للربا. ومن قَالَ (لتُرْبُوا) فالفعل للقوم الَّذِينَ خُوطبوا. دَلّ عَلَى نصبه سُقوط النون. ومعناهُ يقول «٥» : وما أعطيتم من شيء لتأخذوا أكثر منه فليس ذَلِكَ بزاك عند الله (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ) بها (وَجْهَ اللَّهِ) فتلك تربو للتضعيف.
وقوله: (هُمُ الْمُضْعِفُونَ) أهل للمضاعفة كما تَقُولُ العرب أصبحتم مُسْمِنين معطِشين إِذَا عطشت إبلهم أو سَمنت. وسمع الْكِسَائي العرب تَقُولُ: أصبحت مُقْويًا أي إبلك قوية، وأصبحت مُضعفًا أي إبلك ضعاف تريد ضعيفة من الضُّعف.
وقوله: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ [٤١] يقول: أجدَبَ الْبَرّ، وانقطعت مادة البحر بذنوبِهم، وَكَانَ ذَلِكَ ليذاقوا الشدة بذنوبِهم فِي العاجل.
وقوله: يَصَّدَّعُونَ [٤٣] : يتفرقون. قَالَ: وسمعت العرب تَقُولُ: صدعت غنمي صدعتين كقولك: فرقتها فرقتين.
стр. 846
وقوله: إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ [٥٠] قرأها عَاصِم «١» والأعمش (آثَارِ) وأهل الحجاز (أَثرَ) وكلّ صواب.
وقوله: فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا [٥١] يخافون هلاكه بعد اخضراره، يعني الزرع.
وقوله: بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [٥٣] و (من «٢» ضلالتهم) . كل صَواب. ومن قَالَ (عَنْ ضَلالَتِهِمْ) كأنه قَالَ: ما أنت بصارف العمى عَن الضلالة. ومن قَالَ (مِنْ) قَالَ: ما أنت بمانعهم من الضلالة.
وقوله: يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [٥٥] يَحلفونَ حين يخرجون: ما لبثوا فِي قبورِهم إلا ساعة. قَالَ الله: كذبوا فِي هَذَا كما كذبوا فِي الدُّنْيَا وجحدوا. ولو كانت: ما لبثنا غير ساعة كَانَ وجهًا لأنه من قولهم كقولك فِي الكلام: حلفوا ما قاموا، وحلفوا ما قمنا.
ومن سورة لقمان
قوله: هُدىً وَرَحْمَةً [٣] أكثر القراء عَلَى نصب الْهُدَى والرحمة عَلَى القطع. وقد رفعها حَمْزَةُ عَلَى الائتِناف لأنّها مُسْتَأنَفَة فِي آية منفصلة من الآية قبلها. وهي فِي قراءة عبد الله (هُدًى وبُشْرَى) .
وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [٦] نزلت فِي النضر بن الحارث الداريّ. وَكَانَ يشتري كتب الأعاجم فارسَ والروم وكتب أهل الحيرة (ويحدّث «٣» ) بها أهل مكة وإذا سمع القرآن أعرض عَنْهُ واستهزأ بِهِ. فذلك قوله (وَيَتَّخِذَها هُزُواً) وقد اختلف القراء فى (وَيَتَّخِذَها)
стр. 847
فرفع «١» أكثرهم، ونصبها يَحْيَى بن وثاب والأعمش وأصحابه. فمن رفع ردّها على (يشترى) ومن نصبها ردّها عَلَى قوله (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) : وليتَّخذهَا.
وقوله (وَيَتَّخِذَها) يذهب إلى آيات القرآن. وإن شئت جعلتها للسبيل لأن السَّبيل قد تؤنّث قال (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي «٢» أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ) وَفِي قراءة أُبَيّ (وَإِنْ «٣» يَرَوْا سَبيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخذوها سَبيلًا وإِنْ يَرَوْا سبيلَ الغيّ يَتّخذوهَا سبيلًا) .
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حبان عَن ليث عَن مجاهد فِي قوله (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) قَالَ: هُوَ الْغِناء قَالَ الفراء: والأوّل تفسيره عَن ابن عباس.
وقوله: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [١٠] لئلّا تميد بكم. و (أن) فِي هَذَا الموضع تكفي من (لا) كما قَالَ الشاعر:
والمهرُ يأبى أن يزال مُلْهِبا «٤»
معناهُ: يأبى أن لا يزال.
وقوله: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ [١١] من ذِكْره «٥» السموات والأرضُ وإنزاله الماء من السماء وإنباته (فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ) تعبدون (مِنْ دُونِهِ) يعني: آلهتهم. ثُمَّ أكذبهم فقال (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) .
[قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [١٢] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حدّثنا الفراء قال: ١٤٥ احدّثنى حِبَّان عَن بعض من حدَّثه قَالَ: كَانَ لقمان حبشيّا مجدّعا «٦» ذا مشفر «٧» .
стр. 848
وقوله: وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [١٥] أي أحسن صحبتهما.
وقوله: يَا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ [١٦] يَجوز نصب المثقال ورفعُه.
فمن «١» رفع رفعه بتكُنْ واحتملت النكرة ألا يكون لَهَا فعل فِي كَانَ وليس وأخواتها. ومن نصب جعل فِي (تكن) اسمًا مضمرًا مجهولًا مثل الْهَاء التي فى قوله (إِنَّها إِنْ تَكُ) ومثل قوله (فَإِنَّها «٢» لا تَعْمَى الْأَبْصارُ) وجاز تأنيث (تَكُ) والمثقال ذكر لأنه مُضاف إلى الحبة والمعنى للحبة، فذهب التأنيث إليها كما قَالَ:
وتشرق بالقول الَّذِي قد أَذَعتَه ... كما شَرِقت صَدْرُ القناة من الدمِ
ولو كَانَ: (إن يَكُ مثقالَ حَبَّةٍ) كَانَ صوابًا وجازَ فِيهِ الوجهان «٣» . وقوله فتكن فى صخرة يقال: إنّها الصخرة التي تحت الأرض: وهي سِجِّين: وتُكتب فيها أعمال الكفار. وقوله (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) فيجازي بِهَا.
وقوله: وَلَا تُصَاعِرْ [١٨] قرأها أهلُ المدينة وَعَاصِم بن أبي النجود والحسن: (تُصَعِّرْ) بالتشديد: وقرأها يَحْيَى «٤» وأصحابه بالألف (ولا تُصاعِرْ) يقول: لا تَمَيِّلْ خَدَّكَ عَن الناس من قولك: رجل أصعر. ويَجوز ولا تُصْعِر ولم أسمع بِهِ.
وقوله: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [١٩] يقول: إِنّ أَقْبَحَ الأصواتِ لَصَوْتُ الحمير.
وأنت تَقُولُ: لَهُ وجه منكر إِذَا كَانَ قبيحًا. وقال (لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) ولو قيل: أصوات الحمير لكان صوابًا. ولكن الصوت وإن كَانَ أُسْنِدَ إلى جمع فإن الجمع فِي هَذَا الموضع كالواحد.
وقوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [٢٠] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قال: حدّثنا محمد،
стр. 849
قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْن عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَصِيفٍ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ (نِعَمَهُ) وَاحِدَةً «١» . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ كَانَتْ (نِعَمَهُ) «٢» لَكَانَتْ نِعْمَةٌ دُونَ نِعْمَةٍ أَوْ قَالَ نِعْمَةٌ فَوْقَ نِعْمَةٍ، الشَّكُّ مِنَ الْفَرَّاءِ. وقد قرأ قومٌ (نعمه) عَلَى الجمع. وهو وجه جيد لأنه قد قال (شاكِراً «٣» لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ) فهذا جَمع النَّعَم وهو دليلٌ عَلَى أنّ (نعمه) جَائِز.
وقوله: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ [٢٢] قرأها القرّاء بالتخفيف، إلا أبا عبد الرَّحْمَن فإنه قرأها «٤» (وَمَنْ يُسْلِمْ) وهو كقولك للرجل أسْلِم أمرك إلى الله وسَلِّم.
وقوله: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ [٢٧] ترفع «٥» (الْبَحْرُ) ولو نصبته كَانَ صوابًا كما قرأت القراء (وَإِذا قِيلَ «٦» إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها) و (الساعةَ) وَفِي قراءة عبد الله (وبَحْر يمدّه سبعة أبحر) يقول: يكون مدادا كالمداد المكتوب بِهِ.
وقول عبد الله يقوي الرفع. والشيء إِذَا مَدَّ الشيء فزاد فكان زيادةً فِيهِ فهو يَمُدُّه تَقُولُ دجلة تَمُدّ بئارنا وأَنْهارنا، والله يُمِدّنا بِهَا. وتقول: قد أمددتك بألفٍ فَمَدُّوكَ، يُقاس عَلَى هَذَا كل ما ورد.
وقوله: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [٢٨] إلا كبعث نفس واحدة. أضمرَ البعث لأنه فعل كما قَالَ (تَدُورُ «٧» أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ (مِنَ الْمَوْتِ) المعنى- والله أعلم-:
كدوران عين الَّذِي يُغْشَى عليه/ ١٤٥ ب من الموت، فأضمرَ الدوران والعين جَميعًا.
وقوله: بِنِعْمَتِ اللَّهِ [٣١] وقد قرئت (بِنِعماتِ الله) وقلَّما تفعل العرب ذَلِكَ بِفعلةٍ: أن تُجمع عَلَى التاء إنَّما يَجمعونَها عَلَى فعل مثل سِدْرَة وسِدْرَ، وخِرْقة وخِرَق. وإنَّما كرهوا جَمْعه بالتاء لأنهم يُلزمونَ
стр. 850
أنفسهم كسر ثانية إِذَا جُمِعَ كما جمعوا ظُلمة ظلمات «١» فرفعوا ثانيها إتباعًا لرفعة أولها، وكما قالوا:
حسراتٌ فأتبَعُوا ثانيها أولها. فلمّا لزمهم أن يقولوا: بِنِعِمات استثقلوا أن تتوالى كسرتان فِي كلامهم لأنّا لَمْ نجد ذَلِكَ إلا فِي الإبل وحدها. وقد احتمله بعضُ العرب فقال: نِعِماتٌ وسِدِراتٌ.
قوله: كُلُّ خَتَّارٍ [٣٢] الختّار: الغدّار وقوله (مَوْجٌ كَالظُّلَلِ) فشبّهه بالظلل والموج واحد لأن الموج يركب بعضه بعضًا، ويأتي شيء بعد شيء فقال (كَالظُّلَلِ) يعنى السحاب.
وقوله: بِاللَّهِ الْغَرُورُ [٣٣] ما غَرّكَ فهو غَرُور، الشيطان غَرور، والدنيا غَرور. وتقول غررته غُرورًا ولو قرئت ولا يغرنّكم بالله الغرور يريد زينة الأشياء لكان صوابًا.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ [٣٤] فِيهِ تأويل جحد المعنى: ما يعلمه غيره (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً) خرج هَذَا عَلَى الجحد. والمعنى الظاهرُ والأوَّل معروف بالضمير للجحد.
وقوله (بِأَيِّ أَرْضٍ) وبأيّة أرض. فمن قال (بِأَيِّ أَرْضٍ) اجتزأ بتأنيث الأرض من أن يُظهِر فِي أيّ تأنيثًا آخر، ومن أنَّث قَالَ قد اجتزءوا بأي دون ما أضيفَ إِلَيْهِ، فلا بدّ من التأنيث كقولك: مررتُ بامرأة، فتقول: أيّة، ومررت برجلين فتقول أيّين:
ومن سورة السجدة
قوله: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [٧] يقول: أحسنه فجعله حسنًا. ويقرأ «٢» (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) قرأها «٣» أَبُو جَعْفَر المدني كأنه قَالَ: ألهم خَلْقه كل ما يحتاجون إِلَيْهِ فالخلق، منصوبون
стр. 851
بالفعل الَّذِي وقع عَلَى (كلّ) كأنك قلت أعلمهم كل شيء وأحسنهم. وقد يكون الخلق منصوبًا كما نُصب «١» قوله (أَمْراً مِنْ عِنْدِنا «٢» ) فِي أشباه لَهُ كثيرة من القرآن كأنك قغت: كلَّ شيء خَلْقًا منه وابتداء بالنعم.
وقوله: ضَلَلْنا [١٠] و (ضَلِلْنا «٣» ) لغتان. وقد ذكر عَن الْحَسَن وغيره أَنَّهُ قرأ (إِذَا صَلِلنا) حَتَّى لقد رُفعت «٤» إلى عليّ (صَلِلنا) بالصاد ولست أعرفها، إلا أن تكون لغةً لَمْ نسمعها إنما تَقُولُ العرب: قد صَلّ «٥» اللحمُ فهو يَصِلّ، وأصلّ يُصِلّ، وخَمّ يَخِمّ وأخمّ يُخمُّ. قَالَ الفراء: لو كانت:
صللنا بفتح اللام لكان صوابًا، ولكني لا أعرفها بالكسر.
والمعنى فِي (إذا ضللنا فى الأرض «٦» ) يقول: إِذَا صارت لحومنا وعظامنا ترابًا كالأرض. وأنت تَقُولُ: قد ضلّ الماء فِي اللبن، وضلّ الشيء فِي الشيء إِذَا أخفاهُ وغلبه.
وقوله: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً [١٥] كَانَ المنافقونَ إِذَا نودي بالصلاة فإنْ خَفُوا عَن أعين المسلمين تركوها، فأنزل الله. (إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها) إِذَا نودوا إلى الصلاة أتوها فركعوا وسَجدوا غير مستكبرين..
وقوله: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [١٦] يُقال: هُوَ النوم قبل العشاء. كانوا لا يضعون جنوبَهم بين المغرب والعِشَاء حَتَّى يُصلّوها. ويُقال: إنَّهم كانوا فِي ليلهم كلِّه (تَتَجافى «٧» ) : تقلق (عَنِ الْمَضاجِعِ) عَن النوم فِي الليل/ ١٤٦ اكلّه (خَوْفاً وَطَمَعاً) .
стр. 852
وقوله: ما أُخْفِيَ [١٧] وكلّ ينصب بالياء لأنه فعل ماض كما تَقُولُ: أُهلِكَ الظالِمون.
وقرأها حَمْزَةُ (ما أُخْفِيَ لَهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ) بإرسال «١» الياء. وَفِي قراءة عبد الله (ما نُخْفِي لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ) فهذا اعتبار وقوّة لِحمزة. وكل صواب. وإذا قلت (أخفى لهم) وجعلت (ما) فِي مذهب «٢» (أي) كانت (ما) رفعًا بِمَا لَمْ تُسَمّ فاعله. ومن قرأ (أُخْفِيَ لَهم) بإرسال الياء وجعل (ما) فِي مذهب (أيّ) كانت نصبًا فِي (أُخْفِيَ) و (نُخْفِي) ومن جعلها بمنزلة الشيء أوقعَ عليها (تَعْلَمُ) فكانت نصبًا فِي كل الوجوه. وقد قرئت (قُرَّاتِ أَعْيُنٍ) ذُكرت عَن أبي هريرة.
وقوله: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [١٨] ولم يقل: يستويان لأنها عام، وإذا كان الاثنان غير مصمود «٣» لهما ذَهَبَا مذهب الجمع تَقُولُ فِي الكلام: ما جعل الله المسلم كالكافر فلا تسوّينّ بينهم، وبينما. وكل صواب.
[قوله: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى [٢١]] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ الله عَن منصور عَن إِبْرَاهِيم أو عَن مجاهد- شك الفراء- فِي قوله (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى) قَالَ مصائبُ تصيبهم فِي الدُّنْيَا دون عذاب الله يوم القيامة.
[قوله: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [٢٤]] القراء جَميعًا عَلَى (لَمَّا صَبَرُوا) بتشديد الميم ونصب اللام. وهي فِي قراءة عبد الله (بِما صَبَروا) وقرأها الْكِسَائي وَحَمْزَة (لِمَا صَبروا) عَلَى ذَلِكَ. وموضع (ما) خَفض إِذَا كسرت اللام. وإذا فتحت وشدَّدت فلا موضع لَهَا إنما هى أداة.
стр. 853
وقوله: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا) [٢٦] (كم) فِي موضع رفع ب (يَهْدِ) كأنك قلت:
أولم تهدهم القرون الْهَالِكة. وَفِي قراءة عبد الله فى سورة طه (أولم يَهْد لَهم من أهلكنا) وقد يكون (كَمْ) فِي موضع نصب بأهلكنا وَفِيهِ تأويل الرفع فيكون بمنزلة قولك: سواء عليّ أزيدًا ضربتَ أم عمرًا، فترفع (سواء) بالتأويل.
وتقول: قد تبيّن لي أقام زيد أم عَمْرو، فتكون الجملة مرفوعة فِي المعنى كأنك قلت:
تبيَّن لي ذاك.
وقوله: إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ [٢٧] والجُرُز: التي لا نباتَ فيها: ويُقال للناقة: إنها لَجُرَاز إِذَا كانت تأكل كل شيء، وللإنسان: إنه لَجرُوز إِذَا كَانَ أكولًا، وسيف جُرَاز إِذَا كَانَ لا يُبقي شيئًا إلا قطَعَهُ. ويُقال «١» : أرضُ جُرُز وجُرْز، وأرْض جَرَز وَجَرْزٌ، لبني تَميم، كل لو قرئ بِهِ لكان حَسَنًا. وهو مثل الْبُخُل والبُخْل والبَخُل والبَخْل والرُغب والرهب والشغل فِيهِ أربع مثل ذلك.
وقوله: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ [٢٩] يعني فتح مكة (لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ) فذكر ذَلِكَ لمن قتله خالد بن الوليد من بني كنانة يومئذ، قالوا: قد أسلمنا، فقال خالد: إن كنتم أسلمتم فضَعُوا السلاح ففعلوا، فلمّا وضعوهُ أثْخَنَ «٢» فيهم لأنهم كانوا قتلوا عوفًا أبا عبد الرحمن بن عوف وجدًّا لِخالد قبل ذَلِكَ: المغيرة. ولو رفع (يَوْمَ الْفَتْحِ) عَلَى أول الكلام لأن قوله (مَتى هذَا الْفَتْحُ) (مَتَى) فِي موضع رفع ووجه الكلام أن يكون (متى) فِي موضع نصب وهو أكثر.
ومن سورة الأحزاب
[قوله: اتَّقِ اللَّهَ] (قَالَ الفراء «٣» ) يقول القائل فِيمَ أُمِرَ النَّبِيّ ﷺ بالتقوى.
стр. 854
فالسبب فِي ذَلِكَ أَنَّ أبا سفيان بن حَرْب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السّلمىّ قدموا إلى «١» المدينة، فنزلوا عَلَى عبد الله بن أُبيّ بن سَلُول ونظرائه من المنافقين، فسألوا رسول الله أشياء يكرهها، فهمّ بهم المسلمون فنزل (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) فِي نقض العهد لأنه كانت بينهم موادَعة فأُمِرَ بأَلَّا «٢» ينقض العهد (وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ) من أهل مكّة (وَالْمُنافِقِينَ) من أهل المدينة فيما سألوكَ.
وقوله: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [٤] إنّما جرى ذكر هَذَا لرجل كَانَ يُقال لَهُ جميل بن أوس ويكنى أبا معمرٍ. وَكَانَ حافظًا للحديث كثيرهُ، فكان أهل مكة يقولون: لَهُ قلبان وعقلان من حفظه فانهزم يوم بدر، فمَرّ بأبي سفيان وهو فِي العير، فقال: ما حالُ الناس يا أبا معمر؟ قَالَ: بين مقتول وهارب. قَالَ: فما بالُ إحدى نعليك فِي رجلك والأخرى فِي يدك؟
قَالَ: لقد ظننت أنهما جَميعًا فِي رِجْليّ فعلم كذبهم فِي قولهم: لَهُ قلبانِ. ثُمَّ ضم إِلَيْهِ (وَما جَعَلَ) .
وقوله: وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ [٤] أي هَذَا باطل كما أن قولكم فِي جَميل باطل. إِذَا قَالَ الرجل: امرأته عَلَيْهِ كظهر أمه فليس كذلك، وَفِيهِ من الكفارة ما جعل الله. وقوله (تُظاهِرُونَ) خفيفة قرأها يَحْيَى «٣» بن وثاب. وقرأها الْحَسَن (تُظَهِّرُونَ) مشدّدةً بغير ألفٍ. وقرأها أهل المدينة (تَظَّهَّرُونَ) بنصب «٤» التاء، وكلّ صَوَاب معناه متقارب العرب تقول: عقّبت «٥» وعاقبت «٦» ، (عَقَّدْتُمُ «٧» الْأَيْمانَ) و (عاقدتم) (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ «٨» )
стр. 855
و (لا تصاعر) اللهمّ لا تراءبى «١» ، وترأبّى. وقد قرأ بذلك قوم فقالوا: (يراءون «٢» ) و (يُرءُّون) مثل يُرَعُّونَ. وقد قرأ بعضهم (تَظَاهَرُونَ) وهو وجه جَيِّد لا أعرفُ «٣» إسْنَاده.
قوله: (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ) .
كَانَ أهل الجاهلية إِذَا أعجب أحدهم جَلَدُ الرجل وظُرْفُه ضمَّة إلى نفسه، وَجَعَل لَهُ مثل نصيب ذكر من ولده من ميراثه. وكانوا ينسبونَ إليهم، فيُقال: فلان بن فلان للذي أقطعه إِلَيْهِ. فقال الله (ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ) . وهو باطل (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ) غير ما قُلتم.
ثُمَّ أمرهم فقال: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [٥] أي انسبُوهم إلى آبائِهم. وقوله (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ) فانسبوهم إلى «٤» نسبة مواليكم الَّذِينَ لا تعرفونَ آباءهم: فلان بن عبد الله، بن عبد الرحمن ونحوه.
وقوله: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) فيما لم تقصدوا له من الخطأ، إنما الإثم فيما تعمَّدتم. وقوله (وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (ما) فِي موضع خفض مردودة عَلَى (ما) التي مع الخطأ.
وقوله: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) وَفِي قراءة عبد الله أو أُبي (النَّبِيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لَهُم) ، وكذلك كل نبي. وجرى ذَلِكَ لأن المسلمين كانوا متواخين «٥» ، وَكَانَ الرجل إِذَا مات عَن أخيه الَّذِي آخاهُ وَرِثه «٦» دون عصبته وقرابته فأنزل الله (النَّبِيُّ أَوْلى) من المسلمين بِهذه المنزلة، وليس يرثهم، فكيف يرث المؤاخي أخاه! وأنزل (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ) فى الميراث (فِي كِتابِ اللَّهِ) أي ذَلِكَ فِي اللوح المحفوظ عند الله.
وقوله (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ) . إن شئت جعلت (من) دخلت ل (أولى) بعضهم أولى ببعض
стр. 856
من الْمُؤْمِنِين والمهاجرين بعضهم ببعض، وإن شئت جعلتها- يعني مِن- يراد بِهَا: وأولو الأرحام من الْمُؤْمِنِين والمهاجرين أولى بالميراث.
وقوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [٩] يريد: وأرسلنا جنودًا لَمْ تروها من الملائكة. وهذا يوم الخندق وهو يوم الأحزاب.
وقوله: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ [١٠] ممّا يلى مكّة (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) مما يلي المدينة. وقوله (وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ) : زاغت عَن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوّها. وقوله (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ) ذُكر أن الرجل منهم كانت تنتفخ رئته حَتَّى ترفع قلبه إلى حنجرته من الفزع. وقوله (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) ظنون المنافقين.
ثم قال الله: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [١١] . يقول: حُرِّكُوا تَحريكًا إلى الفتنة فعُصِمُوا.
وقوله: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [١٢] وهذا قول مُعَتِّب بن قُشير الْأَنْصَارِيّ وحده.
ذكروا أن رسول الله ﷺ أخذ معولًا من سلمان فِي صخرة اشتدّت عليهم، فضرب ثلاث ضربات، مع كل واحدة كلمع البرق. فقال سلمان: والله يا رسول الله لقد رأيت فيهنّ عجبًا قَالَ فقال النَّبِيّ ﵇: لقد رأيت فِي الضربة الأولى أبيض «١» المدائن، وَفِي الثانية قصُور اليمن، وَفِي الثالثة بلاد فارس والروم. وليفتحنّ الله عَلَى أمتي مبلغ مَدَاهُنّ. فقال معتَّبٌ حين رأى الأحزاب:
أيعدُنا مُحَمَّد أن يُفتح لنا فارس والروم وأحدُنا لا يقدر أن يضرب «٢» الخلاء فَرَقًا «٣» ؟ ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا.
وقوله: لا مُقامَ لَكُمْ [١٣] قراءة الْعَوامّ بفتح الميم إلا أبا عبد الرحمن «٤» فإنه ضَمّ الميم فقال
стр. 857
(لا مقام لكم) فمن قَالَ (لا مُقامَ) فكأنه أراد: لا موضع قيام. ومن قرأ (لا مُقام) كأنه أراد: لا إقامة لكم (فَارْجِعُوا) .
كل القراء الَّذِينَ نعرف عَلَى تسكين الواو من (عَوْرَةٌ) وذُكر عَن بعض القراء أَنَّهُ قَرأ (عَوِرة) عَلَى ميزان فعلة وهو وجه. والعرب تَقُولُ: قد أعور منزلك إِذَا بدت منه عَوْرة، وأعور الفارس إِذَا كَانَ فِيهِ موضع خَلَل للضرب. وأنشدني أَبُو ثَرْوان.
لَهُ الشَّدَّةُ الْأُولى إذا القرن أعورا
يعنى الأسد. وإنما أرادوا بقولهم: إن بيوتنا عورة أي مُمْكِنة للسُرَّاق لخلوتِها من الرجال.
فأكذبهم الله، فقال: ليست بعورة.
وقوله: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها [١٤] يعنى نواحى المدينة (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ) يقول:
الرجوع إلى الكفر (لَآتَوْها) يقول. لأعطُوا الفتنة. فقرأ عَاصِم والأعمش بتطويل الألف. وقصرها أهل المدنية: (لأتَوْها) يريد: لفعلوها. وَالَّذِينَ طَوَّلوا يقولون: لمَّا وقع عليها السؤال وقع عليها الإعطاء كما تَقُولُ: سألتني حاجةً فأعطيتُكها وآتيتكها.
وقد يكون التأنيث فى قوله (لَآتَوْها) للفَعْلة، ويكون التذكير فِيهِ جائزًا لو أتى، كما تَقُولُ عند الأمر يفعله الرجل: قد فعلتها، أما والله لا تذهب بِهَا، تريد الْفَعْلةَ.
وقوله: (وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً) يقول: لَمْ يكونوا ليلبثوا بالمدينة إلا قليلًا بعد إعطاء الكفر حَتَّى يهلكوا.
وقوله: وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ [١٦] مرفوعة لأن فيها الواو وإذا كانت الواو كَانَ فِي الواو فعل مضمر، وَكَانَ معنى (إذًا) التأخير، أي ولو فعلوا ذَلِكَ لا يلبثونَ خلافك إلا قليلًا إذًا. وهي فِي إحدى الْقِراءتين (وإذًا لا يَلْبَثوا) بطرح النون يراد «١»
بِهَا النصب. وَذَلِكَ جائز، لأن الفعل متروك
стр. 858
فصارت كأنها لأوَّل الكلام، وإن كانت فيها الواو. والعربُ تَقُولُ: إذًا أكسر أنفك، إذًا أضربك، إذًا أغُمَّكَ إِذَا أجابوا بِهَا متكلمًا. فإذا قالوا: أنا إذًا أضربُك رفعوا، وجعلوا الفعل أولى باسمه من إذًا كأنَّهم قالوا: أضربك إذًا ألا ترى أنهم يقولون: أظنُّكَ قائما، فيعملون الظنّ إذا بدءوا به/ ١٤٧ ب وإذا وقع بين الاسم وخبره أبطلوه، وإذا تأخر بعد الاسم وخبره أبطلوه. وكذلك اليمين يكون لَهَا جواب إِذَا بُدئ بِهَا فيُقال: والله إنك لعاقل، فإذا وقعت بين الاسم وخبره قالوا:
أنت والله عاقل. وكذلك إِذَا تأخرت لَمْ يكن لَهَا جواب لأن الابتداء بغيرها. وقد تنصب العرب بإذًا وهي بين الاسم وخبره فِي إنّ وحدها، فيقولون: إني إذًا أضربك، قَالَ الشاعر:
لا تَترُكنِّي فِيهم شطيرًا ... إني إذًا أهلِكَ أوْ أطيرَا «١»
والرفع جائز. وإنّما جاز في (إنّ) ولم يَجز فِي المبتدأ بغير (إنّ) لأن الفعل لا يكون مقدمًا فِي إنَّ، وقد يكون مقدّمًا لو أسقطت.
وقوله: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ [١٩] منصوب عَلَى القطع «٢»
، أي مِنَ «٣»
الأسماء التي ذُكِرت: ذكر منهم. وإن شئت من قوله: يعوِّقون هاهنا عند القتال ويشحون عَن الإنفاق عَلَى فقراء المسلمين.
وإن شئت من القائلين لإخوانهم (هَلُمَّ) وهم هكذا. وإن شئت من قوله: (وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً) يقول: جُبَنَاء عند الْبَأس أشِحَّةً عند الإنفاق عَلَى فقراء المسلمين. وهو أحبها إليّ.
والرفعُ جائز عَلَى الائتنَاف ولم أسمع أحدًا قرأ بِه و (أَشِحَّةً) يكون عَلَى الذم، مثل ما تنصب من الممدوح عَلَى المدح مثل قوله (مَلْعُونِينَ) .
стр. 859
وقوله: (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ) . آذوكم بالكلام عند الأمن (بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ) : ذَرِبَةٍ.
والعربُ تَقُولُ: صَلقُوكم. ولا يَجوز فِي القراءة لِمخالفتها إيّاه: أنشدني بعضهم:
أصْلَق نَابَاهُ صِيَاح الْعُصْفور ... إِنْ زَلّ فوه عَن جَواد مئشير «١»
وَذَلِكَ إِذَا ضرب النّابُ الناب فسمعتَ صَوْته.
وقوله: يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ [٢٠] عَن أنباء العسكر الَّذِي فِيهِ رسول الله ﷺ .
وقرأها الْحَسَن (يَسَّاءلون) والعوامّ على (يَسْئَلُونَ) لأنّهم إنّما يسْألونَ غيرهم عَن الأخبار، وليسَ يسأل بعضهم بعضًا.
وقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ [٢١] كَانَ عَاصِم بن أبي النجود يقرأ (أُسْوَةٌ) برفع الألف فِي كلّ القرآن وَكَانَ يَحْيَى بن وثاب يرفع بعضًا ويكسرُ بعضًا. وهما لغتان: الضَّمُّ فِي قيس.
والحسنُ وَأهْل الحجاز يقرءون (إسْوَةٌ) بالكسر فِي كلّ القرآن لا يختلفونَ. ومعنى الْأُسوة أنهم تَخَلّفوا عَنْهُ بالمدينة يوم الخندق وهم فِي ذَلِكَ يُحبونَ أن يظفر النَّبِيّ ﷺ إشفاقًا عَلَى بلدتهم، فقال: لقد كَانَ فِي رسول الله إِسْوة حسنة إذ قاتل يوم أحد. وَذَلِكَ أيضًا قوله (يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا) فهم فِي خوف وفَرَق (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ) (يقول فِي غير «٢»
المدينة) وهي فِي قراءة عبد الله (يحسبونَ الأحزابَ قد ذهبوا، فإذا وجدوهم لَمْ يذهبوا وَدُّوا لو أنهم بادُونَ فى الأعراب) .
وقوله (لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ) خَصَّ بِهَا الْمُؤْمِنِين. ومثله فِي الخصوص قوله: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ «٣»
) هذا «٤»
(لِمَنِ اتَّقى) قتل الصّيد.
стр. 860
وقوله: (وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ [٢٢] صَدَّقوا فقالوا (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) كَانَ النَّبِيّ ﵇ قد أخبرهم بمسيرهم إليهم فذلك قوله (وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً) ولو كانت «١»
:
وما زادوهم يريد الأحزاب.
وقوله: (وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً) أي ما زادهم النظر/ ١٤٨ اإلى الأحزاب إلّا إيمانا.
وقال فى سورة أُخْرَى: (لَوْ خَرَجُوا «٢»
فِيكُمْ مَا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا) ولو كانت: ما زادكم إلا خبالًا كَانَ صَوَابًا، يريد: ما زادكم خروجهم إلا خبالًا. وهذا من سعة العربية التي تسمع بِهَا.
وقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [٢٣] رفع الرجال ب (من) (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) : أجله. وهذا فِي حَمْزَةَ وأصحابه.
وقوله: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ [٢٥] وقد كانوا طمعوا أن يصطلموا المسلمين لكثرتهم، فسَلَّط الله عليهم رِيحًا باردة، فمنعت أحدهم من أن يُلجم دابته. وجالت الخيل فِي العسكر، وتقطعت أطنابهم «٣»
فهزمهم الله بغير قتال، وضربتهم الملائكة.
فذلك قوله: (إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها) يعني الملائكة.
وقوله: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [٢٦] هؤلاء بنو قريظة. كانوا يهودا، وكانوا قد آزروا أهل مكة عَلَى النَّبِيّ ﵇. وهي فِي قراءة عبد الله (آزروهم) مكان (ظاهَرُوهُمْ) (مِنْ صَياصِيهِمْ) : من حصُونهم. وواحدتها صَيصِية «٤»
وهي طرَف الْقَرْن والجبل.
وصيصية غير مهموز.
стр. 861
وقوله: (فَرِيقاً تَقْتُلُونَ) يعني قَتل رجالهم واستبقاء ذراريهم.
وقوله: (وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً) كل الْقُراء قد اجتمعوا عَلَى كسر السِّين. وتأسُرُون لغة ولم «١»
يقرأ بِهَا أحد.
وقوله: وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها [٢٧] عَنَى خَيْبَر، ولم يكونوا نالوها، فوعدهم إيّاها الله.
قوله: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ [٣٠] اجتمعت القراء عَلَى قراءة (مَنْ يَأْتِ) بالياء واختلفوا فِي قوله «٢»
: (وَيَعْمَلْ صالِحاً) فقرأها عَاصِم والحسن وأهل المدينة بالتاء: وقرأها الأعمش «٣»
وَأَبُو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بالياء. فالذين قرءوا بالياء أتْبَعُوا الفعل الآخر ب (يَأْتِ «٤»
) إذْ كَانَ مذكرًا.
وَالَّذِينَ أنّثوا قالوا لَمّا جاء الفعل بعدهنّ «٥»
عُلِمَ أَنَّهُ للأنثى، فأخرجناهُ عَلَى التأويل. والعربُ تَقُولُ:
كم بيع لك جارية، فإذا قالوا: كم جاريةً بيعت لك أنّثوا، والفعل فِي الوجهين جَميعًا لكم، إلا أن الفعل لَما أتى بعد الجارية ذُهِبَ بِهِ إلى التأنيث، ولو ذكر كَانَ صوابًا، لأن الجارية مفسِّرة لَيْسَ الفعل لَهَا، وأنشدني بعض العرب:
أيا أُمَّ عَمْرو مَنْ يكن عُقْرَ دارِهِ ... جواءُ عدِيّ يأكلِ الحشرات
ويسودَّ من لفح السموم جبينه ... ويعرو إن كانوا ذوي بكرات «٦»
وجواءَ عَدِيٍّ.
قَالَ الفراء: سمعتها أيضًا نصبًا ولو قَالَ: (وإن كَانَ) كَانَ صوَابًا وكل حَسَنٌ.
ومن يَقْنُت [٣١] بالياء لم يختلف القراء فيها.
стр. 862
وقوله: (نُؤْتِها) قرَأها أهل الحجاز بالنون. وقرأها يَحْيَى «١»
بن وثّاب والأعمش وَأَبُو عبد الرحمن السُّلَميّ بالياء.
وقوله: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [٣٢] يقول: لا تُلَيِّن «٢»
القول (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) أي الفجور (وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً) : صَحِيحًا لا يُطْمِع فاجرًا.
[قوله] : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [٣٣] من الوقار. تَقُولُ للرجل: قد وَقَرَ فِي منزله يقر وُقورًا.
وقرأ عَاصِم وأهل «٣»
المدينة (وَقَرْنَ) بالفتح. ولا يكون ذَلِكَ من الوقار، ولكنا «٤»
نُرى أنهم أرادوا: وَاقْرَرْن فِي بيوتكنّ فحذفوا الرّاء الأولى، فحوَّلت فَتَحها فِي القاف كما قالوا: هَلْ أحَسْتَ صاحبك، وكما قَالَ (فَظَلْتُمْ «٥»
) يريد: فظلِلْتم.
ومن العرب من يقول: واقرِرْنَ فِي بيوتكُنّ، فلو قَالَ قائل: وقِرنَ بكسر القاف يريد واقررن/ ١٤٨ ب بكسر الرَّاء فيحوّل كسرة الرَّاء (إِذَا سقطت «٦»
) إلى القاف كَانَ وجهًا. ولم نَجد ذَلِكَ فِي الوجهين جَميعًا مستعملًا فِي كلام العرب إلّا فى فعلت وفعلتم وفعلن فأمّا فِي الأمر والنهي المستقبل فلا. إلا أنا جَوَّزْنَا ذَلِكَ لأن اللام فِي النسوة ساكنة فِي فعلن ويفعلن فجازَ ذَلِكَ «٧»
. وقد قَالَ أعرابيّ من بني نُمَيْر: يَنْحَطْنَ من الْجَبَل يريد: ينحططن. فهذا يقوّي ذَلِكَ.
وقوله: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى) قَالَ «٨»
: ذَلِكَ فِي زمن ولد فِيهِ إِبْرَاهِيم النَّبِيّ ﵇. كانت المرأة إِذْ ذاك تلبس الدرع «٩»
من اللؤلؤ غير مَخيط الجانبين. ويقال: كانت تلبس
стр. 863
الثياب تبلغ «١»
المال لا تواري جَسَدها، فأُمِرْنَ ألا يفعلنَ مثل ذَلِكَ.
قوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [٣٥] ويقول القائل: كيف ذكر المسلمين والمسلمات والمعنى بأحدهما كافٍ؟
وَذَلِكَ أنّ امرأة قالت: يا رسول الله: ما الخير إلا للرجال. هم الذين يؤمرونَ ويُنهون. وذكرت غير ذَلِكَ من الحج والجهاد. فذكرهن الله لذلك.
وقوله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [٣٦] نزلت فِي زينب بنت جَحْش الأسدية. أراد رَسُول اللَّه ﷺ أن يزوِّجها زيد بن حارثة، فذكر لَهَا ذَلِكَ، فقالت: لا لعمر الله، أنا بنت عمتك وأيِّم نساء قريش. فتلا عليها هَذِه الآية، فرضيت وسَلَّمت، وتزوَّجها زيد. ثُمَّ إن النبي ﵇ أتى منزل زيد لِحاجة، فرأى زينب وهي فِي درعٍ وخمارٍ، فقال: سبحان مقلب القلوب. فلمّا أتى زيدٌ أهله أخبرته زينب الخبر، فأتى النَّبِيّ ﷺ يشكوها إِلَيْهِ. فقال: يا رسول الله إنّ في زينب كِبْرًا، وإنّها تؤذيني بلسانِها فلا حاجة لي فيها. فقال لَهُ النَّبِيّ ﷺ : اتّق الله وأمسك عليك زوجك. فأبى، فطلّقها، وتزوّجها النَّبِيّ ﵇ بعد ذَلِكَ، وَكَانَ الوجْهَان جَميعًا: تزوجها زيد والنبي ﵇ من بَعْد، لأن الناس كانوا يقولون: زيد بن مُحَمَّد وإنما كَانَ يتيمًا فِي حِجره. فأراهم الله أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بأبٍ، لأنه قد كَانَ حَرَّمَ أن ينكح الرجل امرأة أبيه، أو أن ينكح الرجلُ امرأة ابنه إِذَا دخل بِهَا.
وقوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ [٣٧] من تزويجها (مَا اللَّهُ) مظهره. (وَتَخْشَى النَّاسَ) يقول:
تستحى من الناس (وَاللَّهُ أَحَقُّ) أَن تستحي منه.
ثُمَّ قَالَ: (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ) .
стр. 864
وقوله: مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ [٣٨] من هَذَا ومن تسع النسوة، ولم تحلّ لغيره وقوله: (سُنَّةَ اللَّهِ) يقول: هَذِه سُنَّة قد مضت أيضًا لغيرك. كان لداوود وسليمان مِنَ النساء ما قد ذكرناهُ، فُضِّلا بِهِ، كذلك أنت.
ثُمَّ قَالَ: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ [٣٩] فضّلناهم بذلك، يعنى الأنبياء. و (الذين) فِي موضع خفض إن رددته عَلَى قوله: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) وإن شئت رفعت عَلَى الاستئناف. ونصبُ «١»
السُّنَّةِ عَلَى القطع، كقولك: فعل ذَلِكَ سُنة. ومثله كَثِير فِي القرآن. وفي قراءة عبد الله: (الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسَالات اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ) هَذَا مثل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا «٢»
وَيَصُدُّونَ) يُرَدّ يفعل عَلَى فعَل، وفَعَل عَلى يفعل. وكلٌّ صواب.
وقوله: مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [٤٠] دليل على أمر تزوّج زينب (وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ) معناهُ: ولكن كَانَ رسول الله. ولو رفعت عَلَى: ولكن هُوَ رسول الله كَانَ صوابًا وقد قرئ بِهِ «٣»
. والوجه النصب.
وقوله: (وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) كسرها الأعمش وأهل الحجاز، ونصبها- يعني التاء- عَاصِم والحسن وهي فِي قراءة عبد الله: (ولكن نبيًّا خَتَم النبيِّين) فهذه حُجَّةٌ لِمَن قَالَ (خاتم) بالكسر، ومن قَالَ (خاتَمَ) أراد هُوَ آخر النبيين، كما قرأ علقمة فيما ذُكِرَ «٤» عَنْهُ (خاتَمُهُ «٥» مِسْكٌ) أي آخره مسك. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأحوص سَلَّام ابن سُليم عَن الأشعث بن أبي الشعثاء المحاربيّ قَالَ: كَانَ عَلقمة يقرأ (خاتَمُهُ مِسْكٌ) ويقول: أمَا سمعتَ المرأة تَقُولُ للعطّار: اجْعل لي خاتمه مسكا أي آخره.
стр. 865
وقوله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ [٤٣] يغفر لكم، ويستغفر لكم ملائكته.
قوله: وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ [٥٠] وَفِي قراءة عبد الله (وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ وَاللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) فقد تكون المهاجرات من بنات الخال والخالة، وإن كَانَ «١» فِيهِ الواو، فقال: (واللَّاتِي) . والعرب تنعَت بالواو وبغير الواو كما قَالَ الشاعر:
فإنّ رُشيدًا وابنَ مَرْوان لَمْ يكن ... ليفعل حَتَّى يُصدر الأمرَ مُصْدَرَا
وأنت تَقُولُ فِي الكلام: إن زرتني زرتُ أخاكَ وابن عمك القريب لك، وإن قلت: والقريب لكَ كَانَ صوابًا.
وقوله (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً) نصبتها ب (أحللنا) وَفِي قراءة عبد الله (وامْرَأَةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ) لَيْسَ فيها (إِنْ) ومعناهما واحد كقولك فِي الكلام: لا بأسَ أن تسترقَّ عبدًا وُهب لك، وعبدًا إن وهب لك، سواء. وقرأ بعضهم (أنْ وَهَبَتْ) بالفتح عَلَى قوله: لا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنكحها فِي أن وهبت، لا جُناحَ عَلَيْهِ فِي هبتها نفسها. ومن كسر جعله جزاء. وهو مثل قوله (لا يَجْرِمَنَّكُمْ «٢» شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ) و (إن صدّوكم) (إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ) مكسورة لم يختلف فيها.
وقوله (خالِصَةً لَكَ) يقول: هَذِه الخصلة خالصة لك ورُخصة دون الْمُؤْمِنِين، فليس للمؤمنين أن يتزوَّجوا امرأة بغير مهر. ولو رفعت (خالصة) لك عَلَى الاستئناف كَانَ صوابًا كما قَالَ (لَمْ يَلْبَثُوا «٣» إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ) أي هَذَا بلاغ: وما كَانَ من سُنّة الله، وصبغة الله وشبهه فإنه منصوب لاتصاله بِما قبله عَلَى مذهب حقًّا وشبهه. والرفعُ جائز لأنه كالجواب ألا ترى
стр. 866
أن الرجل يقول: قد قام عبد الله، فتقول: حقًّا إِذَا وصلته. وإذا نويت الاستئناف رفعته وقطعته مِمّا قبله. وهذه محض القطع الَّذِي تسمعه من النحويين.
وقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ [٥١] بِهمز وغير همز. وكلّ صواب (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ) هَذَا أيضًا مِمّا خُصّ بِهِ النَّبِيّ ﷺ : أن يَجعل لمن أحبّ منهن يومًا أو أكثر أو أقلّ، ويعطّل من شاء منهن فلا يأتيه «١» . وقد كَانَ قبل ذَلِكَ لكل امرأة من نسائه يوم وليلة.
وقوله: (ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ) يقول: إِذَا لَمْ تجعل لواحدة منهنَّ يومًا وكنّ فى ذلك/ ١٤٩ ب سواء، كَانَ أحرى أن تطيب أنفسهن ولا يحزن. ويُقال: إِذَا علمن أن الله قد أباحَ لك ذَلِكَ رَضِين إذْ كَانَ من عند الله. ويُقال: إنه أدنى أن تقرّ أعينهنّ إِذَا لَمْ يحلّ لك غيرهنّ من النساء وكلّ حَسَن.
وقوله: (وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) رفع لا غير، لأن المعنى: وترضى كل واحدة.
ولا يَجوز أن تجعل (كلّهن) نعتًا للهاء فِي الإيتاء لأنه لا معنى لَهُ ألا ترى أنك تَقُولُ: لأكرمنّ القوم ما «٢» أكرموني أجمعين، وليس لقولك (أجمعون) معنًى. ولو كَانَ لَهُ مَعنى لَجازَ نصبه.
وقوله: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ [٥٢] (أَنْ) فِي موضع رفع كقولك: لا يحلّ لك النساء والاستبدال بِهنّ. وقد اجتمعت القراء على (لا يَحِلُّ) بالياء. وَذَلِكَ أن المعنى: لا يَحلّ لك شيء من النساء، فلذلك اختيرَ تذكير الفعل. ولو كَانَ المعنى للنساء جَميعًا لكان التأنيث أجود فِي العربية. والتاء جائزة لظهور النساء بغير من.
وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ. فغير منصوبة لأنها نعت للقوم، وهم معرفة و (غير) نكرة فنصبت على الفعل
стр. 867
كقوله (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ «١» غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) ولو خفضت (غَيْرَ ناظِرِينَ) كَانَ صوابًا لأن قبلها (طَعامٍ «٢» ) وهو نكرة، فتجعل فعلهم تابعًا للطعام لرجوع ذكر الطعام فِي (إِناهُ) كما تَقُولُ العرب: رأيت زيدًا مع امرأة محسن إليها، ومحسنًا إليها. فمن قَالَ: (محسنًا) جعله من صفة زيد، ومن خفضه فكأنه قَالَ: رأيتُ زيدًا مع التي يُحسن إليها. فإذا صَارت الصلة للنكرة أتبعتها، وإن كَانَ فعلًا لغيرها. وقد قَالَ الأعشى:
فقلتُ لَهُ هَذِه هَاتِهَا ... فجاء بأدماءَ مقتَادِهَا
فجعل المقتاد تابعًا لإعراب الأدماء لأنه بمنزلة قولك: دماء يقتادَها فخفضته لأنه صلة لَهَا.
وقد ينشد بأدماء مقتادِها تخفض الأدماء لإضافتها إلى المقتاد. ومعناهُ: بملء يَدَيْ من اقتادها ومثله فِي العربية أن تَقُولُ: إِذَا دعوت زيدًا فقد استغثت بزيد مستغيثه. فمعنى زيد مدح أي أنه كافى مستغيثه.
ولا يَجوز أن تخفض عَلَى مثل قولك: مررت عَلَى رجل حسَنِ وجهه لأن هَذَا لا يصلح حَتَّى تسقط راجع ذكر الأول فتقول: حسن الوجه. وخطأ أن تَقُولَ: مررت عَلَى امرأة حسنةِ وجهِها وحسنةِ الوجه صواب.
وقوله: (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ) فِي موضع خفض تُتبعه الناظرين كما تَقُولُ: كنت غير قائم ولا قاعدٍ وكقولك للوصي: كُلْ من مال اليتيم بالمعروف غير متأثّل مالًا، ولا وَاقٍ مالكَ بِماله.
ولو جعلت المستأنسين فِي موضع نصب تتوهَّم أن تُتبعه بغير «٣» لَمّا أن حُلْت بينهما بكلام. وكذلك كل معنى احتمل وجهين ثُمَّ فرّقت بينهما بكلام جازَ أن يكون الآخر معربًا بخلاف الأول. من ذَلِكَ قولك: ما أنت بِمحسن إلى مَن أحسن إليكَ ولا مُجْمِلًا، تنصب المجمل وتخفضه: الخفض على
стр. 868
إتباعه «١» المحسن والنصب أن تتوهم أنك قلت: ما أنت مُحسنًا. وأنشدني بعضُ العرب:
ولستُ بذي نَيْرب فِي الصديق ... ومنَّاعَ خَيْرٍ وسبّابهَا
ولا من إِذَا كَانَ فِي جانِب ... أضاعَ العشيرة واغتابها «٢»
وأنشدني أَبُو القمقام:
أَجِدُّكَ لستَ الدهر رائي رامةٍ ... ولا عاقِلٍ إلا وأنت جَنيب
ولا مصعد فِي الْمُصْعِدينَ لَمنعِجٍ ... ولا هابطًا ما عشت هَضْب شَطِيب «٣»
ويُنشد هَذَا البيت:
مُعَاوِيَ إننا بَشَرٌ فَأسْجحْ ... فلسنا بالجبالِ ولا الحديدَا «٤»
ويُنشد (الحديدا) خفضًا ونصبًا. وأكثر ما سمعته بالخفض. ويكون نصب المستأنسين عَلَى فعلٍ مُضمر، كأنه قَالَ: فادخلوا غير مستأنسين. ويكون مع الواو ضميرُ دخولٍ كما تَقُولُ: قم ومطيعًا لأبيكَ.
والمعنى فِي تفسير الآية أنّ المسلمين كانوا يدخلونَ عَلَى النَّبِيّ ﵇ فِي وقت الْغَدَاء، فإذا طعِمُوا أطالوا الجلوس، وسَألوا أزواجه الحوائج. فاشتد ذَلِكَ عَلَى النبىّ ﷺ ، حتّى
стр. 869
أنزل الله هَذِه الآية، فتكلم فِي ذَلِكَ بعضُ الناس، وقال: أننهى أن ندخل عَلَى بناتِ عَمِّنا إِلَّا بإذنٍ، أو من وراء حجاب. لئن مَاتَ مُحَمَّد لأتَزوَّجَنَّ بعضهنّ. فقام «١» الآباء أَبُو بكر وذووه، فقالوا:
يا رسول الله، ونحنُ أيضًا لا ندخل عليهن إلَّا بإذن، ولا نسألهن الحوائج إلا من وراء حجاب، فأنزلَ الله (لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ) «٢» إلى آخر الآية. وأَنْزَلَ فِي التزويج (وَما كانَ «٣» لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً) .
وقوله: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا [٥٨] نزلت فِي أهل الفسق والفجور، وكانوا يتبعون الإماء بالمدينة فيفجرونَ بِهنّ، فكان المسلمونَ فِي الأخبية لَمْ يَبْنوا ولم يستقروا. وكانت المرأة من نساء المسلمين تتبرّز للحاجة، فيعرض لَهَا بعض الفجّار يُرى أنها أمَة، فتصيح بِهِ، فيذهب. وَكَانَ الزِّيُّ واحدًا فأُمِرَ النَّبِيّ ﵇ (قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ «٤» ) والجِلباب: الرداء.
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ، قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ أَبُو كُدَيْنة عَن ابن عون عَن ابن سيرين فِي قوله: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [٥٩] .
هكذا: قَالَ تُغَطّي إحدى عينيها وجبهتها والشِّق الآخر، إلّا العين.
وقوله: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [٦٠] المرجفونَ كانوا من المسلمين. وَكَانَ المؤلفة قلوبهم يُرجفونَ بأهل الصُّفّة. كانوا يشنعونَ عَلَى أهل الصُّفَّة أنهم هم الَّذِينَ يتناولونَ النساء لأنهم عُزّاب. وقوله (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) أي لنسلّطَنَّكَ عليهم، ولنُولعنّك بهم.
وقوله: مَلْعُونِينَ [٦١] منصوبة عَلَى الشتم، وَعَلَى الفعل أي لا يجاورونك فيها إلا ملعونين.
стр. 870
والشتم عَلَى الاستئناف، كما قال: (وَامْرَأَتُهُ «١» حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) لمن نصبه. ثُمَّ قَالَ (أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا) فاستأنف. فهذا جزاء.
وقوله. (إِلَّا قَلِيلًا) [٦٠] .
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ ١٥٠ ب حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا يَسِيرًا، حَتَّى يَهْلَكُوا. وقد يَجوز أن تجعل القلة من صفتهم صفة الملعونين، كأنك قلت: إلا أقلاء ملعونين لأنّ قوله (أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا) يدلّ عَلَى أنَّهم يَقِلّون ويتفرّقون.
قوله: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [٦٦] والقراء عَلَى (تُقَلَّبُ) ولو قرئت (تَقَلَّبُ) «٢» و (نقلّب) «٣» كانا وجهين.
وقوله: وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [٦٦] يوقف عليها بالألف. وكذلك (فَأَضَلُّونَا «٤» السَّبِيلَا) و (الظُّنُونَا) «٥» يوقف عَلَى الألف لأنها مثبتة فيهنّ، وهي مع آيات بالألف، ورأيتها فِي مصاحف عبد الله بغير ألف. وَكَانَ حَمْزَةُ والأعمش يقفانِ عَلَى هَؤُلَاءِ الأحرف بغير ألف فيهنّ. وأهل الحجاز يقفونَ بالألف. وقولهم أحبّ إلينا لاتّباع الكتاب. ولو وُصلت بالألف لكان صوابًا لأن العرب تفعل ذَلِكَ. وقد قرأ بعضهم «٦» بالألف فِي الوصل والقطع «٧» وقوله: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا [٦٧] واحدة منصوبة. وقرأ الْحَسَن (سَاداتنا) وهي فِي موضع نصب.
стр. 871
وقوله: لَعْنًا كثيرًا [٦٨] قراءة العوام بالثاء «١» ، إلا يَحْيَى بن وثّاب فإنه قرأها (وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً «٢» ) بالباء «٣» . وهي فِي قراءة «٤» عبد الله. قَالَ الفراء: لا نجيزه. يعني كثيرًا.
وقوله: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ ... وَيَتُوبَ [٧٣] بالنصب عَلَى الإتباع وإن نويت بِهِ الائتناف رفعته، كما قَالَ (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ «٥» وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ) إلا أن القراءة (وَيَتُوبَ) بالنصب.
ومن سورة سبا
قوله: عَلَّامِ الْغَيْبِ [٣] قَالَ رأيتها فِي مصحف عبد الله (عَلَّامِ) «٦» عَلَى قراءة أصحابه «٧» .
وقد قرأها عاصم (عالِمِ الْغَيْبِ) خفضًا فِي الإعراب من صفة الله. وقرأ أهل الحجاز (عالِم الْغَيْبِ) رفعًا عَلَى الائتناف إذ حالَ بينهما كلام كما قَالَ: (رَبِّ «٨» السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ) فرفع. والاسم قبله مخفوض فِي الإعراب. وكلٌّ صواب.
وقوله: (لا يَعْزُبُ عَنْهُ) و (يَعْزِبُ) لغتان قد قُرِئ بهما. والكسرُ «٩» أحبّ إلي.
وقوله: عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [٥] قراءة القراء بالخفض «١٠» . ولو جُعل نعتًا للعذاب فرفع «١١»
стр. 872
لَجاز كما قرأت القراء (عالِيَهُمْ «١» ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ) و (خضر) «٢» وقرءوا (فِي لَوْحٍ «٣» مَحْفُوظٍ) لِلَّوح و (مَحْفُوظٍ «٤» ) للقرآن. وكل صواب.
وقوله: وَيَرَى الَّذِينَ [٦] (يرى) فِي موضع نصب. معناهُ: ليجزي الَّذِينَ، وليرى الَّذِينَ (قرأ الآية «٥» ) وإن شئت استأنفتَهَا فرفعتها، ويكون المعنى مُستأنفًا لَيْسَ بِمردود عَلَى كيْ.
وقوله (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) نصبت (العلم) لَخروجه مِمَّا لَم نُسمّ فاعله. ورفعت (الذينَ) ب (يرى) . وإنّما مَعْناهُ: ويرى الَّذِينَ أوتوا التوراة: عبد الله بن سَلام وأصحابُه من مُسْلمة أهل الكتاب. وقوله (هُوَ الْحَقَّ) (هُوَ) عماد للذي. فتنصب (الحق) إِذَا جعلتها عمادًا. ولو رفعت (الحق) عَلَى أن تجعل (هُوَ) اسمًا كَانَ صوابًا. أنشدني الْكِسَائي:
ليت الشباب هُوَ الرجِيعُ عَلَى الفتى ... والشيبَ كَانَ هو البديء الأوّل «٦»
فرفع فِي (كَانَ) ونصب فِي (ليت) ويَجوز النصب فِي كل ألف ولام، وَفِي أفعل منك وجنسه. ويَجوز فِي الأسماء الموضوعة للمعرفة. إلا أن الرفع فِي الأسماء أكثر. تَقُولُ: كَانَ عبدُ الله هُوَ أخوك، أكثر من، كَانَ عبد الله هُوَ أخاك. قَالَ الفراء: يجيز هَذَا ولا يجيزه غيره من النحويين.
وَكَانَ أبو مُحَمَّد هُوَ زيدٌ كلامُ العرب الرفع. وإنما آثروا الرفع فِي الأسماء لأن الألف واللام أحدثنا ١٥١ اعمادا لِمَا هي فِيهِ. كما أحدثت (هُوَ) عمادًا للاسم الَّذِي قبلها. فإذا لَمْ يَجدوا فِي الاسم الَّذِي بعدها ألفًا ولامًا اختاروا الرفع وشبَّهوها بالنكرة لأنهم لا يقولون إلا كان عبد الله هُوَ قائم.
وإنما أجازوا النصب فِي أفضل منك وجنسه لأنه لا يوصل فِيهِ إلى إدخال الألف واللام، فاستجازوا إعمال معناهما وإن لَمْ تظهر «٧» . إذ لَمْ يمكن إظهارها «٨» . وأما قائم فإنك تقدر فِيهِ عَلَى الألف
стр. 873
واللام، فإذا لَمْ تأتِ بهما جعلوا هُوَ قبلها «١» اسما ليست بعماد إذ لم يُعمد الفعل بالألف واللام قَالَ الشاعر:
أَجِدَّك لَن تزال نجِيَّ هَمّ ... تبيتُ اللَّيْلَ أنت لَهُ ضَجيعُ
وقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ [٧] العرب تدغم اللام عند النون إِذَا سكنت اللام وتحركت النون. وَذَلِكَ أنها قريبة المخرج منها. وهي كثيرة فِي القراءة. ولا يقولون ذَلِكَ في لامٍ قد تتحرَّك فِي حال مثل ادخل وقل لأن (قل) قد كَانَ يُرفع «٢» ويُنصب ويدخل عَلَيه الجزم، وهل وبل وأَجَلْ مجزومات أبدًا، فشُبِّهْنَ إِذَا أُدْغِمن بقوله (النار) إِذَا أدغمت اللام من النار فِي النون منها. وكذلك قوله (فَهَلْ تَرى «٣» لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ) تدغم اللام عند التاء من بَلْ وهل وأجل. ولا تدغم فِي اللام التي قد تتحرك فِي حال. وإظهارهما «٤» جائز لأن اللام ليست بموصولة بما بعدها كاتصال اللام من النار وأشباه ذَلِكَ. وإنما صرت أختار (هَلْ «٥» تستطيع) و (بَلْ «٦» نَظُنُّكُمْ) فأظهر لأن القراءة من المولّدين مصنوعة لَمْ يأخذوها بطباع الأعراب، إنما أخذوها بالصنعة. فالأعرابي ذَلِكَ جائز لَهُ لِمَا يجري عَلَى لسانه من خفيف الكلام وثقيله. ولو اقتسْتُ فِي القراءة عَلَى ما يخفّ عَلَى ألسن العرب فيخففون أو يدغمون «٧» لخفّفت قوله (قُلْ أَيُّ «٨» شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً) فقلتُ: أَيْش أكبر شهادة، وهو كلام العرب. فليس القراءة عَلَى ذَلِكَ، إنما القراءة عَلَى الإشباع والتمكين ولأن الحرف لَيْسَ بِمتصل مثل الألف واللام: ألا ترى أنك لا تقف على الألف
стр. 874
واللام مما هي فِيهِ. فلذلك لَمْ أظهر اللام «١» عند التاء وأشباهها. وكذلك قوله: (اتَّخَذْتُمُ «٢» ) و (عُذْتُ «٣» بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ) تظهر وتدغم. والإدغام أحبّ إليّ لأنها متصلة بحرف لا يوقف عَلَى ما دونه. فأما قوله (بَلْ رانَ «٤» عَلى قُلُوبِهِمْ) فإن اللام تدخل فِي الرَّاء دخولًا شديدًا، ويثقل عَلَى اللسان إظهارها فأدغمت. وكذلك فافعل بِجميع الإدغام: فما ثقل عَلَى اللسان إظهاره فأدغم، وما سهل لك فِيهِ الإظهار فأظهر ولا تدغم.
وقوله: لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [٧] أَفْتَرَى على الله كذبا [٨] هَذِه الألف استفهام. فهي مقطوعة فِي القطع «٥» والوصل لأنها ألف الاستفهام، ذهبت الألف التي بعدها لأنها خفيفة زائدة تذهب فِي اتصال الكلام. وكذلك قوله: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ «٦» أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ) وقوله (أَسْتَكْبَرْتَ) «٧» قرأ «٨» الآية مُحَمَّد بن الجهم، وقوله (أَصْطَفَى «٩» الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ) ولا يَجوز أن تكسر الألف هاهنا لأن الاستفهام يذهب. فإن قلت: هَلّا إِذَا اجتمعت ألفان طوّلت كما قال (آلذَّكَرَيْنِ «١٠» (آلْآنَ) «١١» قلت: إنما طولت الألف فِي الآن وشبهه لأن ألفها كانت مفتوحة، فلو أذهبتها لم تجد بين الاستفهام والخبر/ ١٥١ ب فَرقًا، فجعل تطويل الألف فرقًا بين الاستفهام والخبر، وقوله (أَفْتَرى) كانت ألفها مكسورة وألف الاستفهام مفتوحة فافترقا، ولم يحتاجا إلى تطويل الألف.
стр. 875
وقوله: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [٩] يقول: أما يعلمونَ أنهم حيثما كانوا فهم يرون بين أيديهم من الأرض والسماء مثل الَّذِي خلفهم، وأنهم لا يخرجون منها.
فكيف يأمنون أن نخسف بِهم الأرض أو نُسقط عليهم من السماء عذابًا.
وقوله: يَا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [١٠] اجتمعت القراء الَّذِينَ يُعرفونَ عَلَى تشديد (أَوِّبِي) ومعناهُ: سبّحي. وقرأ بعضهم «١» (أُوبِي مَعَهُ) من آب يؤوب أي تصرّفى معه. و (الطَّيْرَ) منصوبة عَلَى جهتين: إحداهما أن تنصبها بالفعل بقوله: ولقد آتينا داود منا فضلًا. وسخَّرنا لَهُ الطير.
فيكون مثل قولك: أطعمته طعامًا وماءً، تريدُ: وسقيته ماءً. فيجوز ذَلِكَ. والوجهُ الآخر بالنداء، لأنك إِذَا قلت: يا عَمْرو والصَلْت أقبِلا، نصبت الصلت لأنه إنما يدعى بيا أيّها، فإذا فقدتها كَانَ كالمعدولِ عَن جهته فنُصب. وقد يَجوز رفعه عَلَى أن يتبع ما قبله. ويَجوز رفعه عَلَى: أوِّبي أنت «٢» والطير. وأنشدني بعض العرب فِي النداء إِذَا نُصب لفقده يا أيّها:
ألا يا عَمْرو والضحاك سِيرَا ... فقد جاوزتما خَمرَ الطريقِ
الخَمَر: ما سترك من الشجر وغيرها (وقد يجوز «٣» ) نصب (الضحاك) ورفعه. وقال الآخر:
يا طلحة الكامل وابن الكامل
والنعت يجري فِي الحرف المنادي، كما يجري المعطوف: يُنصَب ويرفع، ألا ترى أنك تَقُولُ:
إن أخاك قائم وزيد، وإن أخاك قائم [و «٤» ] زيدا «٥» فيُجرى المعطوف فِي إنّ بعد الفعل مجرى النعت بعد الفعل.
وقوله: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) أسِيلَ لَهُ الحديد، فكان يعمل بِهِ ما شاء. كما يعمل بالطين.
стр. 876
وقوله- أن أعمل سابغات [١١] الدروع (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) يقول: لا تجعل مسمار الدرع دقيقا فيقلق، ولا غليظًا فيقصِم الْحَلَق.
وقوله: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ [١٢] منصوبة عَلَى: وسخرنا لسليمان الريح. وهي منصوبة فى الأنبياء «١» (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً) أضمر: وسَخَّرنا- والله أعلم- وقد رفع عَاصِم «٢» - فيما أعلم- (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ) لَما لَمْ يظهر التسخير أنشدني بعضُ العرب:
ورأيتم لِمُجاشعٍ نَعَمًا ... وبني أبيه جَامِلٌ رُغُب «٣»
يريد: ورأيتم لبني أبيه، فلما لَمْ يظهر الفعل رُفع باللام.
وقوله: (غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ) يقول: غدوّها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر وروحتها كذلك.
وقوله: (وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) مثل (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) والقِطْر: النحاس.
وقوله: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ) [١٣] ذُكر أنها صور الملائكة والأنبياء، كانت تصور فِي المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادةً. والمحاريب: المساجد.
وقوله: (وَجِفانٍ) وهى القصاع الكبار (كَالْجَوابِ) الحياض التي للإبل (وَقُدُورٍ راسِياتٍ) يقول: عظام لا تُنزل عَن مواضعها.
وقوله: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ [١٤] همزها عَاصِم والأعمش. وهي العصا العظيمة التي تكون مع الراعي: أُخذت من نسأت البعير: زجرته ليزداد سيره كما يُقال: نَسأت اللبن إذا صببت عليه الماء وهو النّسىء. ونُسئت المرأة إِذَا حبلت. ونسأ الله فِي/ ١٥٢ اأجلك أي زاد الله فِيهِ، ولم يهمزها أهلُ الحجاز ولا الْحَسَن. ولعلهم أرادوا لغة قريش فإنهم يتركون الهمز. وزعم لى
стр. 877
أَبُو جَعْفَر الرؤاسي أَنَّهُ سأل عنها أبا عَمْرو فقال (مِنْساتَهُ) بغير همزٍ، فقال أَبُو عمرو: لأني لا أعرفها فتركتُ همزها. ولو جاء فِي القراءة: مِن سِاتِهِ فتجعل (سَاةً) حرفًا واحدًا فتخفضه بِمن.
قَالَ الْفَرَّاءُ: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: تَأْكُلُ مَنْ عصاه. والعرب تسمّى رأس القوس السّية، فيكون من ذلك، يجوز فتحها وكسرها، يعنى فتح السين، كما يقال: إنّ به لضعة وضعة، وقحة وقحة من الوقاحة ولم يقرأ بها «١» أحد علمناه.
وقوله: (دَابَّةُ الْأَرْضِ) : الأرضة.
وقوله: (فَلَمَّا خَرَّ) سُلَيْمَان. فيما ذكر أكلت العصا فَخَرّ. وقد كَانَ الناس يُرونَ أنَّ الشياطين تعلم السرّ يكون بين اثنين فلما خرّ تبين أمرُ الجن للإنس أنهم لا يعلمون الغيب، ولو علموهُ ما عملوا بين يديه وهو ميت. و (أَنْ) فِي موضع رفع: (تبيّن) أَنْ لو كانوا. وذُكِرَ عَن ابن عباس أَنَّهُ قَالَ: تبينت الإنس الجن، ويكون المعنى: تبينت الإنس أمر الجن، لأن الجن إِذَا تبيّن أمرها للإنس فقد تبيّنها الإنس، ويكون (أَنْ) حينئذٍ فِي موضع نصب بتبيَّنت. فلو قرأ قارئ تَبَيَّنَتِ الجنّ أن لو كانوا بجعل الفعل للإنس ويضمرهم فِي فعلهم فينصب الجن يفعل الإنس وتكون (أن) مكرورة عَلَى الجن فتنصبها.
وقرأ قوله: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ [١٥] يحيى «٢» (فِي مَسْكَنِهِمْ) وهي لغة يَمانيّة فصيحة. وقرأ حَمْزَةُ «٣» فِي (مَسْكَنِهِمْ) وقراءة العوام (مَسَاكِنِهِمْ) يريدونَ: منازلهم. وكلّ صواب. والفراء يقرأ قراءة يحيى.
стр. 878
وقوله: (آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ) والمعنى: عَن أيمانِهم وشمائلهم. والجنتان مرفوعتان لأنهما تفسير للآية. ولو كَانَ أحد الحرفين «١» منصوبًا بكان لكان صوابا.
وقوله: (وَاشْكُرُوا لَهُ) انقطع هاهنا الكلام (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ) هَذِه بلدة طيبة ليست بسبخة.
وقوله: سَيْلَ الْعَرِمِ [١٦] كانت مُسَنَّاة «٢» كانت تحبس الماء عَلَى ثلاثة أبواب منها، فيسقونَ من ذَلِكَ الماء من الباب الأول، ثُمَّ الثاني، ثُمَّ الآخر، فلا بنفد حَتَّى يثوب الماء من السنة المقبلة. وكانوا أنعم قوم عيشًا. فلما أعرضوا وجحدوا الرسل بثق الله عليهم الْمُسَنَّاة، فغرَّقت أرضهم ودفن بيوتَهم الرمل، ومُزّقوا كل مُمَزّق، حَتَّى صاروا مثلًا عند العرب. والعربُ تَقُولُ:
تفرقوا أيادي سبا وأيدي سَبًا قَالَ الشاعر «٣» :
عينًا ترى النّاس إليها نَيْسَبَا ... من صَادرٍ ووارِدٍ أيدي سَبَا
يتركونَ همزها لكثرة ما جرى عَلَى ألسنتهم ويُجرونَ سَبَا، ولا يُجرونَ: من لَمْ يُجر ذهب إلى البلدة. ومن أجرى جعل سَبَا رجلًا أو جبلًا، ويهمز. وهو فِي القراءة كَثِير بالهمز لا أعلم أحدًا ترك همزه أنشدني:
الواردونَ وتَيْم فِي ذرى سبأٍ ... قد عَضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجواميس
وقوله (ذَواتَيْ أُكُلٍ) يثقّل الْأُكُل. وخفّفه بعض «٤» أهل الحجاز. وقد يقرأ بالإضافة «٥»
стр. 879
وغير/ ١٥٢ ب الإضافة. فأما الأعمش وَعَاصِم «١» بن أبي النجود فثقلا ولم يضيفا فنوّنا. وذكروا فِي التفسير أَنَّهُ «٢» البرير وهو ثمر الأراك. وأما الأثل فهو الَّذِي يعرف، شبيه بالطرفاء، إلا أَنَّهُ أعظم طولًا.
وقوله: (وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) قَالَ الفراء ذكروا أَنَّهُ السَّمُر واحدته سَمُرَة.
وقوله: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ [١٧] هكذا قرأه يَحْيَى «٣» وَأَبُو عبد الرحمن أيضًا.
والعوام «٤» : (وَهَلْ يُجَازَى إلا الْكَفُور) .
وقوله: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ) موضع (ذلك) نصب ب (جزيناهم) .
يقول القائل: كيف خصّ الكفور بالمجازاة والمجازاة للكافر وللمسلم وكل واحد؟ فيقال: إن جازيناهُ بمنزلة كافأناه، والسيئة للكافر بمثلها، وأما المؤمن فيُجزَى لأنه يزاد ويتفضَّل عَلَيْهِ ولا يُجازى. وقد يُقال: جازيت فِي معنى جزَيت، إلا أن المعنى فِي أبين الكلام عَلَى ما وصفت لك ألا ترى أَنَّهُ قد قال (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ) ولم يقل (جازيناهم) وقد سمعت جازيت فِي معنى جزيت وهي مثل عاقبت وعقبت، الفعل منك وحدك. و (بناؤها) «٥» - يعني- فاعلتُ عَلَى أن تَفَعل ويُفعل بكَ.
وقوله: وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ [١٨] جعل ما بين القرية إلى القرية نصف يوم، فذلك تقديره للسير.
وقوله: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [١٩] قراءة العوام. وتقرأ عَلَى الخبر (رَبُّنَا بَعَّدَ بَيْنَ أسفارنا) و (باعِدْ) وتقرأ عَلَى الدعاء (رَبَّنَا بَعِّدْ) وتقرأ (رَبَّنَا بَعُدَ بَيْن أسفارنا) تكون
стр. 880
(بَيْنَ) فِي موضع رفع وهي منصوبة. فمن رفعها جعلها بمنزلة قوله (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) وقوله: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [٢٠] نصبت الظن بوقوع التصديق عَلَيْهِ. ومعناهُ أَنَّهُ قَالَ (فَبِعِزَّتِكَ «١» لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) قَالَ الله: صدّق عليهم ظنّه لأنه إنما قاله بظنّ لا بعلم. وتقرأ (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) نصبت الظن عَلَى قوله: ولقد صَدَق عليهم فِي ظنه. ولو قلت: ولقد صدق عليهم إبليس ظنُّه ترفع إبليس والظن كَانَ صوابًا عَلَى التكرير: صدق عليهم ظنّه، كما قال (يَسْئَلُونَكَ «٢» عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ) يريد: عَن قتال فِيهِ، وكما قَالَ (ثُمَّ «٣» عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) ولو قرأ قارئ ولقد صدق عليهم إبليس ظنُّه يريد:
صدقه ظنُّه عليهم كما تَقُولُ صدقك ظنّك والظنّ يخطىء ويُصيب.
وقوله: وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ [٢١] يُضلّهم بِهِ حُجّة، إلا أنا سلَّطناهُ عليهم لنعلم من يؤمن بالآخرة.
فإن قَالَ قائل: إن الله يعلم أمرهم بتسليط إبليس وبغير تسليطه. قلت: مثل هَذَا كَثِير فِي القرآن. قَالَ الله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ «٤» حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) وهو يعلم المجاهد والصابر بغير ابتلاء، ففيه وجهان. أحدهما أن العرب تشترط للجاهل إِذَا كلمته بشبه هَذَا شرطًا تُسنده إلى أنفسها وهي عالمة ومخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم. من ذَلِكَ أن يقول القائل:
النار تُحرق الحطب فيقول الجاهل: بَلِ الحطب يُحرق النار، ويقول العالم: سنأتي بحطب ونار لنعلم أيّهما يأكل صاحبه فهذا وجهٌ بَيّن. والوجه/ ١٥٣ االآخر أن تقول (لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ) معناهُ: حَتَّى نعلم عندكم «٥» فكأن الفعل لَهُم فِي الأصل. ومثله مما يدلك عَلَيْهِ قوله (وَهُوَ الَّذِي «٦» يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)