وقوله- أن أعمل سابغات [١١] الدروع (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) يقول: لا تجعل مسمار الدرع دقيقا فيقلق، ولا غليظًا فيقصِم الْحَلَق.
وقوله: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ [١٢] منصوبة عَلَى: وسخرنا لسليمان الريح. وهي منصوبة فى الأنبياء «١» (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً) أضمر: وسَخَّرنا- والله أعلم- وقد رفع عَاصِم «٢» - فيما أعلم- (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ) لَما لَمْ يظهر التسخير أنشدني بعضُ العرب:
ورأيتم لِمُجاشعٍ نَعَمًا ... وبني أبيه جَامِلٌ رُغُب «٣»
يريد: ورأيتم لبني أبيه، فلما لَمْ يظهر الفعل رُفع باللام.
وقوله: (غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ) يقول: غدوّها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر وروحتها كذلك.
وقوله: (وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) مثل (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) والقِطْر: النحاس.
وقوله: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ) [١٣] ذُكر أنها صور الملائكة والأنبياء، كانت تصور فِي المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادةً. والمحاريب: المساجد.
وقوله: (وَجِفانٍ) وهى القصاع الكبار (كَالْجَوابِ) الحياض التي للإبل (وَقُدُورٍ راسِياتٍ) يقول: عظام لا تُنزل عَن مواضعها.
وقوله: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ [١٤] همزها عَاصِم والأعمش. وهي العصا العظيمة التي تكون مع الراعي: أُخذت من نسأت البعير: زجرته ليزداد سيره كما يُقال: نَسأت اللبن إذا صببت عليه الماء وهو النّسىء. ونُسئت المرأة إِذَا حبلت. ونسأ الله فِي/ ١٥٢ اأجلك أي زاد الله فِيهِ، ولم يهمزها أهلُ الحجاز ولا الْحَسَن. ولعلهم أرادوا لغة قريش فإنهم يتركون الهمز. وزعم لى
стр. 877
أَبُو جَعْفَر الرؤاسي أَنَّهُ سأل عنها أبا عَمْرو فقال (مِنْساتَهُ) بغير همزٍ، فقال أَبُو عمرو: لأني لا أعرفها فتركتُ همزها. ولو جاء فِي القراءة: مِن سِاتِهِ فتجعل (سَاةً) حرفًا واحدًا فتخفضه بِمن.
قَالَ الْفَرَّاءُ: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: تَأْكُلُ مَنْ عصاه. والعرب تسمّى رأس القوس السّية، فيكون من ذلك، يجوز فتحها وكسرها، يعنى فتح السين، كما يقال: إنّ به لضعة وضعة، وقحة وقحة من الوقاحة ولم يقرأ بها «١» أحد علمناه.
وقوله: (دَابَّةُ الْأَرْضِ) : الأرضة.
وقوله: (فَلَمَّا خَرَّ) سُلَيْمَان. فيما ذكر أكلت العصا فَخَرّ. وقد كَانَ الناس يُرونَ أنَّ الشياطين تعلم السرّ يكون بين اثنين فلما خرّ تبين أمرُ الجن للإنس أنهم لا يعلمون الغيب، ولو علموهُ ما عملوا بين يديه وهو ميت. و (أَنْ) فِي موضع رفع: (تبيّن) أَنْ لو كانوا. وذُكِرَ عَن ابن عباس أَنَّهُ قَالَ: تبينت الإنس الجن، ويكون المعنى: تبينت الإنس أمر الجن، لأن الجن إِذَا تبيّن أمرها للإنس فقد تبيّنها الإنس، ويكون (أَنْ) حينئذٍ فِي موضع نصب بتبيَّنت. فلو قرأ قارئ تَبَيَّنَتِ الجنّ أن لو كانوا بجعل الفعل للإنس ويضمرهم فِي فعلهم فينصب الجن يفعل الإنس وتكون (أن) مكرورة عَلَى الجن فتنصبها.
وقرأ قوله: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ [١٥] يحيى «٢» (فِي مَسْكَنِهِمْ) وهي لغة يَمانيّة فصيحة. وقرأ حَمْزَةُ «٣» فِي (مَسْكَنِهِمْ) وقراءة العوام (مَسَاكِنِهِمْ) يريدونَ: منازلهم. وكلّ صواب. والفراء يقرأ قراءة يحيى.
стр. 878
وقوله: (آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ) والمعنى: عَن أيمانِهم وشمائلهم. والجنتان مرفوعتان لأنهما تفسير للآية. ولو كَانَ أحد الحرفين «١» منصوبًا بكان لكان صوابا.
وقوله: (وَاشْكُرُوا لَهُ) انقطع هاهنا الكلام (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ) هَذِه بلدة طيبة ليست بسبخة.
وقوله: سَيْلَ الْعَرِمِ [١٦] كانت مُسَنَّاة «٢» كانت تحبس الماء عَلَى ثلاثة أبواب منها، فيسقونَ من ذَلِكَ الماء من الباب الأول، ثُمَّ الثاني، ثُمَّ الآخر، فلا بنفد حَتَّى يثوب الماء من السنة المقبلة. وكانوا أنعم قوم عيشًا. فلما أعرضوا وجحدوا الرسل بثق الله عليهم الْمُسَنَّاة، فغرَّقت أرضهم ودفن بيوتَهم الرمل، ومُزّقوا كل مُمَزّق، حَتَّى صاروا مثلًا عند العرب. والعربُ تَقُولُ:
تفرقوا أيادي سبا وأيدي سَبًا قَالَ الشاعر «٣» :
عينًا ترى النّاس إليها نَيْسَبَا ... من صَادرٍ ووارِدٍ أيدي سَبَا
يتركونَ همزها لكثرة ما جرى عَلَى ألسنتهم ويُجرونَ سَبَا، ولا يُجرونَ: من لَمْ يُجر ذهب إلى البلدة. ومن أجرى جعل سَبَا رجلًا أو جبلًا، ويهمز. وهو فِي القراءة كَثِير بالهمز لا أعلم أحدًا ترك همزه أنشدني:
الواردونَ وتَيْم فِي ذرى سبأٍ ... قد عَضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجواميس
وقوله (ذَواتَيْ أُكُلٍ) يثقّل الْأُكُل. وخفّفه بعض «٤» أهل الحجاز. وقد يقرأ بالإضافة «٥»
стр. 879
وغير/ ١٥٢ ب الإضافة. فأما الأعمش وَعَاصِم «١» بن أبي النجود فثقلا ولم يضيفا فنوّنا. وذكروا فِي التفسير أَنَّهُ «٢» البرير وهو ثمر الأراك. وأما الأثل فهو الَّذِي يعرف، شبيه بالطرفاء، إلا أَنَّهُ أعظم طولًا.
وقوله: (وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) قَالَ الفراء ذكروا أَنَّهُ السَّمُر واحدته سَمُرَة.
وقوله: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ [١٧] هكذا قرأه يَحْيَى «٣» وَأَبُو عبد الرحمن أيضًا.
والعوام «٤» : (وَهَلْ يُجَازَى إلا الْكَفُور) .
وقوله: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ) موضع (ذلك) نصب ب (جزيناهم) .
يقول القائل: كيف خصّ الكفور بالمجازاة والمجازاة للكافر وللمسلم وكل واحد؟ فيقال: إن جازيناهُ بمنزلة كافأناه، والسيئة للكافر بمثلها، وأما المؤمن فيُجزَى لأنه يزاد ويتفضَّل عَلَيْهِ ولا يُجازى. وقد يُقال: جازيت فِي معنى جزَيت، إلا أن المعنى فِي أبين الكلام عَلَى ما وصفت لك ألا ترى أَنَّهُ قد قال (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ) ولم يقل (جازيناهم) وقد سمعت جازيت فِي معنى جزيت وهي مثل عاقبت وعقبت، الفعل منك وحدك. و (بناؤها) «٥» - يعني- فاعلتُ عَلَى أن تَفَعل ويُفعل بكَ.
وقوله: وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ [١٨] جعل ما بين القرية إلى القرية نصف يوم، فذلك تقديره للسير.
وقوله: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [١٩] قراءة العوام. وتقرأ عَلَى الخبر (رَبُّنَا بَعَّدَ بَيْنَ أسفارنا) و (باعِدْ) وتقرأ عَلَى الدعاء (رَبَّنَا بَعِّدْ) وتقرأ (رَبَّنَا بَعُدَ بَيْن أسفارنا) تكون
стр. 880
(بَيْنَ) فِي موضع رفع وهي منصوبة. فمن رفعها جعلها بمنزلة قوله (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) وقوله: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [٢٠] نصبت الظن بوقوع التصديق عَلَيْهِ. ومعناهُ أَنَّهُ قَالَ (فَبِعِزَّتِكَ «١» لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) قَالَ الله: صدّق عليهم ظنّه لأنه إنما قاله بظنّ لا بعلم. وتقرأ (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) نصبت الظن عَلَى قوله: ولقد صَدَق عليهم فِي ظنه. ولو قلت: ولقد صدق عليهم إبليس ظنُّه ترفع إبليس والظن كَانَ صوابًا عَلَى التكرير: صدق عليهم ظنّه، كما قال (يَسْئَلُونَكَ «٢» عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ) يريد: عَن قتال فِيهِ، وكما قَالَ (ثُمَّ «٣» عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) ولو قرأ قارئ ولقد صدق عليهم إبليس ظنُّه يريد:
صدقه ظنُّه عليهم كما تَقُولُ صدقك ظنّك والظنّ يخطىء ويُصيب.
وقوله: وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ [٢١] يُضلّهم بِهِ حُجّة، إلا أنا سلَّطناهُ عليهم لنعلم من يؤمن بالآخرة.
فإن قَالَ قائل: إن الله يعلم أمرهم بتسليط إبليس وبغير تسليطه. قلت: مثل هَذَا كَثِير فِي القرآن. قَالَ الله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ «٤» حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) وهو يعلم المجاهد والصابر بغير ابتلاء، ففيه وجهان. أحدهما أن العرب تشترط للجاهل إِذَا كلمته بشبه هَذَا شرطًا تُسنده إلى أنفسها وهي عالمة ومخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم. من ذَلِكَ أن يقول القائل:
النار تُحرق الحطب فيقول الجاهل: بَلِ الحطب يُحرق النار، ويقول العالم: سنأتي بحطب ونار لنعلم أيّهما يأكل صاحبه فهذا وجهٌ بَيّن. والوجه/ ١٥٣ االآخر أن تقول (لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ) معناهُ: حَتَّى نعلم عندكم «٥» فكأن الفعل لَهُم فِي الأصل. ومثله مما يدلك عَلَيْهِ قوله (وَهُوَ الَّذِي «٦» يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)
стр. 881
عندكم يا كفرة ولم يقل: (عندكم) يعني: وليس فِي القرآن (عندكم) وَذَلِكَ معناهُ. ومثله قوله (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ «١» الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) عند نفسك إذ كنت تقوله فِي دنياك. ومثله ما قَالَ الله لعيسى (أَأَنْتَ «٢» قُلْتَ لِلنَّاسِ) وهو يعلم ما يقول وما يجيبه بِهِ فردّ عَلَيْهِ عيسى وهو يعلم أن الله لا يحتاج إلى إجابته. فكما «٣» صلح أن يسأل عما يعلم ويلتمس من عبده ونبيه الجواب فكذلك يشرط من فعل نفسه ما يعلم، حَتَّى كأنه عند الجاهل لا يعلم.
وقوله: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [٢٣] أي لا ينفع شفاعة ملك مقرّب، ولا نبيّ حَتَّى يُؤذن لَهُ فِي الشفاعة.
ويقال: حَتَّى يؤذن لَهُ فيمن يشفع، فتكون (مَنْ) للمشفوع له.
وقوله: (حَتَّى إِذا فُزِّعَ) قراءة الأعمش وَعَاصِم بن أبي النجود وأبي عبد الرحمن السُّلمي وأهل المدينة. وقراءة الْحَسَن البصري (فرّغ) وقراءة مجاهد «٤» (حتّى إذا فزّغ) يجعل الفعل لله وأما قول الْحَسَن فمعناهُ حتى إذا كشف عنه الفزع عن قلوبهم وفرّغت منه. فهذا وجه. ومن قال فزّع أو فَزَّع فمعناهُ أيضًا: كُشف عَنْهُ الفزع (عَن) تدل عَلَى ذَلِكَ كما تَقُولُ: قد جُلِّيَ عنك الفزع. والعربُ تَقُولُ للرجل: إنه لمغَلَّب وهو غالب، ومغَلَّب وهو مغلوب: فمن قَالَ: مغلب للمغلوب يقول: هُوَ أبدًا مغلوب. ومن قَالَ: مغلب وهو غالب أراد قول الناس: هُوَ مغلَّب. والمفزع يكون جبانًا وشُجاعًا فمن جعله شجاعًا قَالَ: بمثله تنزل الأفزاع. ومن جعله جبانًا فهو بيّن. أراد: يَفزع من كلّ شىء.
وقوله: (قالُوا الْحَقَّ) فالمعنى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بين نبيّنا وبين عيسى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ فَترة، فلما نزل جبريل عَلَى مُحَمَّد- ﵉ بالوحي ظنّ أهل السموات أَنَّهُ قيام السَّاعة. فقال
стр. 882
بعضهم: (ماذا قالَ رَبُّكُمْ) فلم يدروا، ولكنهم قالوا: قَالَ الحق. ولو قرئ (الْحَقّ) بالرفع أي هُوَ الحق كَانَ صوابًا. ومن نصب أوقع عَلَيْهِ القول: قالوا قالَ الحق.
وقوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً [٢٤] قَالَ المفسرون معناه: وإنا لعلى هُدًى وأنتم فِي ضلال مبين، معنى (أو) معنى الواو عندهم. وكذلك هُوَ فِي المعنى. غير أن العربية عَلَى غير ذَلِكَ: لا تكون (أو) بمنزلة الواو. ولكنها تكون فِي الأمر المفوض، كما تَقُولُ: إن شئت فخذ درهمًا أو اثنين، فله أن يأخذ واحدًا أو اثنين، وليس لَهُ أن يأخذ ثلاثة. وَفِي قول من لا يُبصر العربية ويجعل (أو) بمنزلة الواو يَجوز لَهُ أن يأخذ ثلاثة لأنه فِي قولهم بمنزلة قولك: خذ درهمًا واثنين. والمعنى فى قوله (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ) : إنا لضالون أو مهتدون، وإنكم أيضًا لضالون أو مهتدونَ، وهو يعلم أن رسوله المهتدي وأن غيره الضال: الضالون. فأنت تَقُولُ فِي الكلام للرجل: إن أحدنا لكاذب فكذبته تكذيبًا غير مكشوف. وهو فِي القرآن وَفِي كلام العرب كَثِير: أن يوّجه الكلام إلى أحسن مذاهبه إِذَا عُرف كقولك: والله لقد قدم فلان وهو كاذب/ ١٥٣ ب فيقول العالم: قل:
إن شاء الله أو قل فيما أظن فيُكذّبه بأحسن من تصريح التكذيب، ومن كلام العرب أن يقولوا.
قاتله الله: ثُمَّ يستقبحونها، فيقولون: قاتعه وكاتعه. ويقولون جوعًا دعاء عَلَى الرجل، ثُمَّ يستقبحونها فيقولون: جُودًا، وبعضهم: جُوسًا. ومن ذَلِكَ قولهم: وَيْحَك وويسكَ، إنما هي ويلك إلا أنها دونها بمنزلة ما مضى.
وقوله: قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ [٣٠] ولو قرئت «١» : ميعادٌ يَوْمٌ. ولو كانت فِي الكتاب (يومًا «٢» ) بالألف لَجاز، تريد: ميعاد فِي يوم.
وقوله: لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [٣١] : التوراة لَمَّا قَالَ أهل الكتاب:
صفةُ مُحَمَّد فِي كتابنا كفر أهل مكة بالقرآن وبالذي بين يديه: الذي قبله التوراة.
стр. 883
وقوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [٣٣] المكر لَيْسَ لليل ولا للنهار، إنما المعنى: بَلْ مكركم «١» بالليل والنهار. وقد يَجوز أن نضيف الفعل إلى الليل والنهار، ويكونا كالفاعلين، لأن العرب تَقُولُ: نهارك صائم، وليلك نائم، ثُمَّ تضيف الفعل إلى الليل والنهار، وهو فِي المعنى للآدميين، كما تَقُولُ: نام لَيْلُكَ وعَزَم الأمرُ، إنما عَزَمه القوم. فهذا مما يُعرف معناه فتتسع بِهِ العرب.
وقوله: زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ [٣٧] (مَنْ) فِي موضع نصب بالاستثناء. وإن شئت أوقعت عليها التقريب، أي لا تقرِّب الأموال إلا من كَانَ مطيعًا. وإن شئت جعلته رفعًا، أي ما هُوَ إلا من آمن.
ومثله (لا يَنْفَعُ «٢» مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وإن شئت جعلت (مَنْ) فِي موضع نصب بالاستثناء. وإن شئت نصبًا بوقوع ينفع. وإن شئت رفعًا فقلت: ما هُوَ إلا من أتى الله بقلبٍ سُلَيْم.
وقوله: (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي) إن شئت جعلت (التي) جامعة للأموال والأولاد لأن الأولاد يقع عليها (التي) فلمّا أن كانا جَمْعًا صلح للتي أن تقع عليهما. ولو قَالَ:
(باللتين) كَانَ وجهًا صوابًا. ولو قَالَ: باللذين كما تَقُولُ: أمّا العسكر والإبل فقد أقبلا. وقد قالت العرب: مرّت بنا غَنَمان سُودان «٣» ، فقال: غَنَمان: ولو قَالَ: غَنَم لجاز. فهذا شاهد لمن قال (بالتي) ولو وجهت (التي) إلى الأموال واكتفيت بِهَا من ذكر الأولاد صلح ذَلِكَ، كما قَالَ مرَّار الأسَدي:
نحن بِمَا عندنا وأنت بِمَا ... عِندك راضٍ والرأيُ مختلفُ «٤»
وقال الآخر:
إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبي وكان وكنت غير غدور «٥»
стр. 884
ولم يقل: غير غَدُورين. ولو قَالَ: وما أموالكم ولا أولادكم بالذين، يذهب بِهَا إلى التذكير للأولاد لَجَاز.
وقوله: (لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ) لو نصبت بالتنوين الَّذِي فِي الجزاء كَانَ صوابًا. ولو قيل «١» (لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ) ولو قلت: جزاءٌ «٢» الضِّعْفُ كما قَالَ (بِزِينَةٍ «٣» الْكَواكِبِ) (وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ) و (الغرفة) «٤» .
وقوله: وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [٤٤] أي من أين كذبوا بك ولم يأتهم كتابٌ ولا نذيرٌ بِهذا.
قَالَ الله: وَكَذَّبَ الذين من قبلهم [٤٥] وما بلغ أهل مكة معشار الَّذِينَ أهلكنا من القوّة فى الأجسام والأموال. ويقال: ما بلغوا معشار ما آتيناهم فِي الْعِدّة. والمعشار فِي الوجهين الْعُشْر.
وقوله: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ [٤٦] أي يكفيني منكم أن يقوم الرجل منكم وحده، أو هو وغيره، ثم تنفكروا هَلْ جربتم عَلَى مُحَمَّد كذبًا أو رأوا «٥» بِهِ جنونًا ففي ذَلِكَ ما يتيقنون «٦» أَنَّهُ بنىّ.
وقوله: عَلَّامُ الْغُيُوبِ [٤٨] رفعت (علّام) وهو الوجه لأن النعت إِذَا جاء بعد الخبر رفعته العرب فِي إنّ، يقولون: إن أخاك قائم الظريف. ولو نصبوا كَانَ وجهًا. ومثله (إِنَّ «٧» ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) لو قرئ نصبًا كَانَ صوابًا، إلا أن القراءة الجيّدة الرّفع.
стр. 885
وقوله وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ [٥٢] قرأ الأعمش وَحَمْزَة وَالْكِسَائي بالهمز يَجعلونه من الشيء البطيء من نأشت من النئيش، قَالَ الشاعر:
وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخبر
وقال آخر»
:
تَمَنَّى نئيشًا أن يكون أطاعني ... وقد حَدَثت بعد الأمور أمورُ
وقد ترك همزها أهل الحجاز وغيرهم، جَعلوها من نُشْته نَوْشًا وهو التناول: وهما متقاربان، بمنزلة ذِمْتُ الشيء وذأمته أي عبته: وقال الشاعر «٢» :
فهْي تَنُوش الحوض نَوْشًا من عَلَا ... نَوْشًا بِهِ تقطع أجواز الْفَلَا
وتناوش القومُ فِي القتال إِذَا تناول بعضهم بعضًا ولم يتدانوا كل التداني. وقد يَجوز همزها وهي من نُشت لانضمام الواو، يعني التناوش مثل قوله (وَإِذَا الرُّسُلُ «٣» أُقِّتَتْ) .
وقوله: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [٥٣] يقولون لَيْسَ بنبي وقد باعدهم الله أن يعلموا ذَلِكَ لأنه لا علم لَهُم، إنما يقولون بالظن وبالغيب أن ينالوا أَنَّهُ غير نبىّ.
стр. 886
ومن سورة فاطر
قوله: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ [١] هَذَا فِي الأجنحة التي جعلها لجبريل وميكائيل يعني «١» بالزيادة فِي الأجنحة.
وقوله: وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ [٢] ولم يقل: لَهَا، وقد قَالَ قبل ذَلِكَ (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها) فكان التأنيث فِي (لَهَا) لظهور الرحمة. ولو قَالَ: فلا مُمسك لَهُ لَجاز، لأن الْهَاء إنما ترجع عَلَى (ما) ولو قيل فِي الثانية: فلا مرسل لَهَا لأن الضمير عَلَى الرحمة جاز، ولكنها لَمَّا سقطت الرحمة من الثاني ذكّر على (ما) .
قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [٣] وما كَانَ فِي القرآن من قوله (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) فمعناهُ: احفظوا، كما تَقُولُ: اذكر أياديّ عندك أي احفظها.
وقوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) تقرأ (غيرُ) و (غَيرِ) قرأها شقيق «٢» بن سَلَمة (غَيْرِ) وهو وجه الكلام. وقرأها عَاصِم «٣» (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) فمن خفض فِي الإعراب جعل (غير) من نعت الخالق. ومن رفع قَالَ: أردت بغير إلا، فلما كانت ترتفع ما بعد (إلا) جعلت رفع ما بعد (إِلَّا) فِي (غير) كما تَقُولُ: ما قام من أحد إلا أبوك. وكل حسنٌ. ولو نصبت (غَير) إِذَا أريد بِهَا (إِلا) كَانَ صوابًا.
العرب تقول: ما أتاني أحد غَيْرك. والرفع أكثر «٤» ، لأن (إلا) تصلح فِي موضعها.
وقوله: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [٨] يقول: شُبّه عَلَيْهِ عمله، فرأى سيئه حسنًا.
ثم قال/ ١٥٤ ب (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) فكان الجواب متبعا بقوله
стр. 887
(فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) واكتُفي بإتباع الجواب بالكلمة الثانية لأنها كافية من جواب الأولى: ولو أخرج الجواب كله كَانَ «١» : أفمن زين لَهُ سوء عمله ذهبت نفسك، أو تذهب نفسك لأن قوله (فَلا تَذْهَبْ) نهي يدل عَلَى أن ما نُهِيَ عَنْهُ قد مضى فِي صدر الكلمة. ومثله فِي الكلام:
إِذَا غضبت فلا تقتل، كأنه كَانَ يقتل عَلَى الغضب، فنُهي عَن ذَلِكَ. والقراء مجتمعون على (تَذْهَبْ نَفْسُكَ) وقد ذَكر بعضهم عَن أبي جَعْفَر المدنيّ (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ) وكلّ صوابَ.
وقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً [١٠] فإن (الْعِزَّةَ) «٢» معناهُ: من كَانَ يريد عِلْم العزة ولمن هي فإنها لله جميعًا، أي كل وجهٍ من العزّة فلله.
وقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) الْقُراء مجتمعونَ عَلَى (الْكَلِمُ) إلا أبا عبد الرحمن فإنه قرأ (الكلام الطيب) وكل حسنٌ، و (الْكَلِم) أجود، لأنها كلمة وكلم. وقوله (الكلمات) فِي كَثِير من القرآن يَدلّ عَلَى أن الكلم أجود: والعربُ تَقُولُ كلمة وكَلِم، فأمّا الكلام فمصدر.
وقد قَالَ الشاعر:
مالك تَرْغين ولا يَرْغُو الْخَلِفْ ... وَتضْجَرين والمطيّ مُعترِف «٣»
فجمع الْخَلفة بطرح الْهَاء، كما يُقال: شجرة وشجر.
وقوله: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أي يرفع الكلم الطيب. يقول: يُتقبّل الكلام الطيب إِذَا كَانَ معه عمل صالِح. ولو قيل: (والعملَ الصَّالِحَ) بالنصب عَلَى معنى: يرفع الله العملَ الصالِح، فيكون المعنى: يرفع الله (العمل «٤» الصالِح) ويَجوز عَلَى هَذَا المعنى الرفع، كما جازَ النصبُ لمكان الواو فِي أوَّله.
стр. 888
وقوله: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ [١١] يقول: ما يُطَوَّل من عمر، وَلا يُنْقَصُ من عمره، يريدُ آخر غير الأول، ثُمَّ كُني عَنْهُ «١» بالهاء كأنه الأول.
ومثله فِي الكلام: عندي درهم ونصفه يعني نصف آخر. فجازَ أن يكنى عَنْهُ بالهاء لأن لفظ الثاني قد يظهر كلفظ الأول. فكنى عَنْهُ ككناية الأوّل.
وفيها قول آخر: (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) يقول: إِذَا أتى عَلَيْهِ الليلُ والنهار نَقَصَا من عمره، وَالْهَاء فِي هَذَا المعنى للأول لا لغيره، لأن المعنى ما يطوّل ولا يذهب منه شيء إلا هُوَ محصًى فِي كتاب، وكل حسن وكأنّ الأول أشبه بالصواب.
وقوله: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا [١٢] يريدُ: من البحرين جَميعًا: من الْمِلح والعَذْب.
(وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً) من الملح دون العذب.
وقوله: (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ) ومَخْرها: خرقها للماء إِذَا مَرَّتْ فِيهِ، واحدها ماخِرة.
وقوله. وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها [١٨] يقول: إن دعت داعية ذات ذُنُوبٍ قد أثقلتها إلى ذنوبها ليُحمل عنها شيء من الذنوب لَمْ تَجد ذَلِكَ. ولو كَانَ الَّذِي تدعوهُ أبًا أو ابنًا. فذلك قوله:
(وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) ولو كانت: ذو قربى لَجازَ لأنه لَمْ يُذكر فيصير نكرة. فمن رفع لَمْ يضمر فِي (كَانَ) شيئًا، فيصير مثل قوله: (وَإِنْ كانَ «٢» ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ) ومن نصب أضمر. وهي فِي قراءة أُبَيّ: (وإنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ) عَلَى ذَلِكَ. وإِنَّما أنّث (مُثْقَلَةٌ) يذهب إلى الدابة أو إلى النفس، وهما يعبِّران عَن الذكر والأنثى، كما قَالَ: (كُلُّ نَفْسٍ «٣» ذائِقَةُ الْمَوْتِ) للذكر والأنثى.
стр. 889
وقوله: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ [١٩] فالأعمى هاهنا الكافر، والبصير المؤمنُ.
وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ [٢٠] الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان.
وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [٢١] الظل: الجنة، والحرُور: النار.
وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [٢٢] الأحياء: المؤمنون، والأموات: الكفار.
وقوله: جُدَدٌ بِيضٌ [٢٧] الْخُطط والطرق تكون فِي الجبال كالعُروق، بيض وسُود وحمر، واحدها جُدّة.
وقال امرؤ القيس، يصف الحمار:
كأنّ سَرَاتَيه وجُدَّةُ مَتْنِه ... كنائِن يجري فوقَهنّ دَلِيص
والجُدّة: الْخُطّة السوداء فِي متن الحمار.
وقال الفراء. يقال: قد أدلصت الشيء ودلصته إِذَا برق، وكل شيء يبرق، نحو المرآة والذهب والفضة فهو دَليص.
قَالَ: الطُّرُق جَمع طريق. والطُرق جمع طُرْقة.
وقوله: كَذلِكَ [٢٨] من صلة الثمرات. واختلاف ألوانها أي من الناس وغيرهم كالأول. ثُمَّ استأنف فقال: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) .
وقوله: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [٢٩] جواب لقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ) أولئك يرجون (تِجارَةً لَنْ تَبُورَ) ف (يرجونَ) جواب لأول الكلام.
وقوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [٣٢] هذا الكافر (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) فهؤلاء أصحاب اليمين (وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ) وهذه موافقٌ تفسيرها تفسير التي «١» فِي الواقعة. فأصحاب الميمنة هم «٢»
стр. 890
المقتصدون. ويقال: هم الولدان. وأصحاب المشأمة الكفّار. والمشأمة النار. والسّابقون السّابقون هؤلاء أهل الدرجات العلى أولئك المقرّبون فِي جناتِ عَدْنٍ.
قوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ [٣٣] ومعنى عدنٍ إقامة بِهِ. عَدَن بالموضع.
وقوله: أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [٣٤] الحزن للمعاش وهموم الدُّنْيَا. ويُقال: الحزن حَزَنَ الموت.
ويُقال الحزن بالجنة والنار لا ندري «١» إلى أيّهما نصير «٢» .
وقوله: دارَ الْمُقامَةِ [٣٥] هي «٣» الإقامة «٤» . والمقامة: المجلس الَّذِي يُقام فِيهِ. فالمجلس مفتوح لا غير كما قَالَ الشاعر «٥» :
يومانِ يومُ مقاماتٍ وأنديةٍ ... ويومُ سير إلى الأعداء تأويبِ
وقرأ السُّلمي (لَغُوب) كأنه جعله ما يُلغب، مثل لَغُوب «٦» والكلام لُغُوب بضم اللام، واللغوب: الإعياء.
وقوله: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [٣٧] يعنى محمدا ﷺ . وذُكر الشيب.
وقوله: أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [٤٠] أي إنهم لَمْ يخلقوا فِي الأرض شيئًا. ثم قال:
(أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ) أي فِي خلقها، أي أعانوه عَلَى خلقها.
وقوله: وَلَئِنْ زالَتا [٤١] بمنزله قوله: ولو زالتا (إِنْ أَمْسَكَهُما) (إنْ) بمعنى (ما) وهو بمنزلة قوله: (وَلَئِنْ «٧» أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ) .
وقوله: (وَلَئِنْ «٨» أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) المعنى معنى (لو) وهما متآخيتان يجابان بجواب واحد.
стр. 891
وقوله: اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ [٤٣] أي فعلوا ذلك استكبارا (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) أضيف المكر إلى السيّء وهو هُوَ كما قَالَ: (إِنَّ هَذَا «١» لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) وتصديق ذلك فى قراء عبد الله (ومكرًا سَيِّئًا) وقوله (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) الهمزة فى (السّيّئ) مخفوضة/ ١٥٥ ب. وقد جزمها الأعمش وَحَمْزَة لكثرة الحركات، كما قال (لا يَحْزُنُهُمُ «٢» الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) وكما قَالَ الشاعر:
إِذَا اعْوَجَجْن قُلْتُ صاحب قَوِّمِ «٣»
يريدُ صاحب قوم فجزم الباء لكثرة الحركات. قَالَ الفراء: حَدَّثَنِي الرؤاسي عَن أبي عمرو ابن العلاء (لا يحزنهم) جزم.
ومن سورة يس
قوله: يس [١] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَنِ الْحَسَنِ نَفْسَهُ قَالَ: يس: يَا رَجُلُ. وَهُوَ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ حَرْفِ الهجاء كقولك:
حم وأشباهها.
القراءة بوقف النون من يس. وقد سمعت من العرب من ينصبها فيقول: (يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) كأنه يجعلها متحركة كتحريك الأدوات إِذَا سكن ما قبلها مثل لَيْتَ ولعلّ ينصب منها ما سكن الَّذِي يلي «٤» آخر حروفه. ولو خُفض كما خُفض جَيْرِ «٥» لا أفعل ذَلِكَ خُفضت لمكان الياء التي فِي جير.
стр. 892
وقوله: عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [٤] يكون خيرا بعد خبر: إنك «١» لمن المرسلين، إنك «٢» على صراط مستقيم. ويكون: إنك لمن الَّذِينَ أرسلوا عَلَى صراط مستقيم عَلَى الاستقامة.
وقوله: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [٥] القراءة بالنصب، عَلَى قولك: حقًّا إنك لَمِنَ المرسلين تنزيلًا حقًّا. وقرأ أهل الحجاز بالرفع، وَعَاصِم والأعمش ينصبانِها. ومن رفعها جعلها خبرًا ثالثًا: إنك «٣» لتنزيل العزيز الرحيم. ويكون رفعه عَلَى الاستئناف كقولك: ذَلِكَ تنزيل العزيز الرحيم كما قَالَ (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا «٤» ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ) أي ذَلِكَ بلاغ.
وقوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آباؤُهُمْ [٦] يُقال: لتنذر قومًا لَمْ يُنذَر آباؤهم أي لَمْ تنذرهم ولا أتاهم رسول قبلك. ويُقال: لتنذرهم بما أنذر آباؤهم، ثُمَّ تُلقي الباء، فيكون (ما) فِي موضع نصب كما قَالَ (أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً «٥» مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) .
وقوله: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ [٨] .
فكنى عَن هي، وهي للأيمان ولم تُذكر. وَذَلِكَ أن الْغُلّ لا يكون إلا باليمين، والعنق، جامعًا لليمين، والعُنق، فيكفي ذكر أحدهما من صاحبه، كما قَالَ (فَمَنْ «٦» خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) فضمّ الْوَرثة إلى الوصيّ ولم يُذكروا لأن الصلح إنّما يقع بين الوصي والورثة. ومثله قول الشاعر:
وما أدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وجهًا ... أريدُ الخير أيُّهما يليني
أألخير الَّذِي أنا أبتغيه ... أم الشرّ الذي لا يأتلينى
стр. 893
فكنى عَن الشر وإنما ذكر الخير وَحده، وَذَلِكَ أن الشر يُذكر مع الخير، وهي فِي قراءة عبد الله (إنا جعلنا فِي أيمانهم أغلالا فهى إلى الأذْقَانِ) فكفَتِ الْأَيْمَان من ذكر الأعناق فِي حرف عبد الله، وكَفَت الأعناق من الْأَيْمَان فِي قراءة العامّة. والذَقَن أَسْفل اللحيين. والمقمَح: الغاضّ بصره بعد رفع رأسه. ومعناه: إنا حبسناهم عَن الإنفاق فِي سبيل الله.
وقوله: فَأَغْشَيْناهُمْ [٩] أي فألبسنا أبصارهم غشاوة. ونزلت هَذِه الآية فِي قوم أرادوا قتل النَّبِيّ ﷺ من بني مخزوم، فأتوه فِي مصلاه ليلًا، فأعمى الله أبصارهم عَنْهُ، فجعلوا يسمعونَ صوته بالقرآن «١» ولا يرونه. فذلك قوله (فَأَغْشَيْناهُمْ) وتقرأ (فأعشيناهم) بالعين. أغشيناهم عَنْهُ لأن الْعَشْو بالليل، إِذَا أمسيت وأنت لا ترى شيئًا فهو الْعَشْو.
وقوله: وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا [١٢] أمّا ما قدّموا فما أسلفوا من أعمالهم. وآثارهم ما استنّ به من بعدهم. وهو/ ١٥٦ امثل قوله (يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ
«٢» وْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ) .
وقوله (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ) القراء مجتمعونَ عَلَى نصب (كُلّ) لِمَا وقع من الفعل عَلَى راجع ذكرها. والرفع وجه جيّد قد سمعت ذَلِكَ من العرب لأن (كُلّ) «٣» بمنزلة النكرة إِذَا صحبها الجحد فالعرب تَقُولُ: هَلْ أحد ضربته، وَفِي (كلّ) مِثْل هَذَا التأويل، ألا ترى أن معناهُ: ما من شيء إلا قد أحصيناه.
وقوله: إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ [١٤] والثالث قد كَانَ أرسل قبل الاثنين فكُذِّبَ. وقد تراهُ فِي التنزيل كأنه بعدهما. وإنَّما معنى قوله (فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ) : بالثالث الَّذِي قبلهما كقولك: فعززنا بالأول. والتعزيز يقول: شدّدنا أمرهما بما علمهما الأول شمعون. وكانوا أرسلوا إلى أنطاكية «٤» . وهي فِي قراءة عبد الله (فَعَزَّزنا بالثالث) لأنه قد ذكر فى المرسلين «٥» ، وإذا
стр. 894
ذُكرت النكرة فِي شيء ثُمَّ أعيدت خرجت معرفة كقولك للرجل: قد أعطيتك درهمين، فيقول:
فأين الدرهمان؟ وقرأ عَاصِم «١» (فَعَززْنا) خفيفة. وهو كقولك: شدّدنا وشددنا.
وقوله: لَنَرْجُمَنَّكُمْ [١٨] .
يريد: لنقتلنكم. وعامة ما كَانَ فِي القرآن من الرجم فهو قتل «٢» ، كقوله (وَلَوْلا «٣» رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ) .
وقوله: طائِرُكُمْ مَعَكُمْ [١٩] القراء مجتمعون على (طائِرُكُمْ) بالألف. والعرب تقول:
طيركم معكم.
وقوله: (أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ) قراءة العامة بالهمز وكسر ألف (إِنْ) .
وقرأ أَبُو رَزِين- وَكَانَ من أصحاب عبد الله- (أأن ذكّرتم) ومن كسر قال «٤» (أَإِنْ) جعله جزاء أدخل عَلَيْهِ ألف استفهام. وقد ذُكِرَ عَن بعض القرّاء (طائركم معكم أين ذُكِّرْتُم) و (ذُكِرتم) يريد: طائركم معكم حيثما كنتم. والطائر هاهنا: الأعمال والرزق. يقول: هُوَ فِي أعناقكم.
ومن جعلها (أَين) فينبغي لَهُ أن يخفّف (ذكرتم) وقد خَفّف أَبُو جَعْفَر المدني (ذُكرتم) ولا أحفظ عَنْهُ (أين) .
وقوله: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [٢٥] .
أي فاشهدوا لي بذلك. يقوله حبيب للرسل الثلاثة.
وقوله: بِما غَفَرَ لِي رَبِّي [٢٧] و (بما) تكون فِي موضع (الَّذِي) وتكون (ما) و (غفر) فِي موضع مصدر. ولو جعلت (ما) فِي معنى (أي) كَانَ صوابًا. يكون المعنى: ليتهم يَعلمون بأي شيء غَفَر لي رَبِّي. ولو كَانَ كذلك لجازَ لَهُ فِيهِ: (بِمَ غفر لي رَبِّي) بنُقصان الألف، كما تقول:
стр. 895
سَلْ عَمَّ شئت، وكما: قَالَ (فَناظِرَةٌ «١» بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) وقد أتَمَّها الشاعر وهي استفهام فقال:
إنا قتلنا بقتلانا سَراتكم ... أهلَ اللِّوَاءِ ففِيما يُكثَر الْقِيلُ «٢»
وقوله: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [٢٩] نصبتها القراء، إلا أبا جَعْفَر، فإنه رفعها، عَلَى ألا يُضمِر فِي (كانت) اسمًا. والنصب إِذَا أضمْرت فيها كما تَقُولُ: اذهب فليس إلا الله الواحد القهار والواحد القهار، عَلَى هَذَا التفسير، وسمعتُ بعض العرب يقول لرجل يصفه بالخِبّ «٣» : لو لَمْ يكن إلا ظِلَّة لَخَاب «٤» ظِلُّه. والرفع والنصب جائزان. وقد قرأت القراء (إِلَّا أَنْ تَكُونَ «٥» تِجارَةً حاضِرَةً) بالرفع والنصب. وهذا من ذَاكَ.
وقوله (إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً) وَفِي قراءة عبد الله (إن كانت إلَّا زَقْيَةً) والزَقْيَة والزَقْوة لغتان. يقال زَقَيت وَزَقوت. وأنشدني بعضهم وهو يذكر امرأة:
تلد غلامًا عَارِمًا يؤذيكِ ... ولو زَقَوت كَزُقاء الدّيك
وقوله: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ [٣٠] المعنى: يا لَهَا حسرةً عَلَى العباد. وقرأ بعضهم (يا حسرة العباد) والمعنى فِي العربية واحد. والله أعلم. والعرب إِذَا دعت نكرة موصولة بشيء آثرت النصب، يقولون: يا رجلًا كريمًا أقبل، ويا راكبًا عَلَى البعير أقبل. فإذا أفردوا رفعوا أكثر/ ١٥٦ ب مما ينصبون. أنشدني بعضهم:
يا سيّدا ما أنت من سَيِّدٍ ... موطّأ الأعقابِ رَحْبِ الذراع
قوّال معروف وفعّاله ... نَحّار أُمَّات الرِّبَاع الرِّتَاع «٦»
стр. 896
أنشدنيه بعض بني سُلَيْم (موطّأ) بالرفع، وأنشدنيه الْكِسَائي (موطأ) بالخفض. وأنشدني آخر:
ألا يا قتيلًا ما قتيلَ بني حِلْس ... إِذَا ابتلَّ أطرافُ الرماح من الدَّعْسِ «١»
ولو رفعت النكرة الموصولة بالصفة كَانَ صوابًا. قد قالت العرب:
يا دار غيرها البلى تغييرا
تريد: يا أيتها الدار غيَّرهَا. وسمعت أبا الجراح يقول لرجل: أيا مجنونُ مَجْنُونُ، إتباع «٢» .
وسمعت من العرب: يا مهتمُّ بأمرنا لا تهتمّ، يريدون: يا أيها المهتمّ.
وقوله: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا [٣١] (كَمْ) فِي موضع نصب من مكانين: أحدهما أن توقع (يَرَوْا) عَلَى (كَمْ) وهي فِي قراءة عبد الله (ألم يروا مَن أهلكنا) فهذا وجه. والآخر أن توقع (أهلكنا) عَلَى (كم) وتجعله استفهامًا، كما تَقُولُ: علمت كم ضربت غلامك. وإذا كَانَ قبل مَن وأيّ وكم رأيت وما اشتُقّ منها، أو الْعِلم وما اشتقّ منه وما أشبه معناهما، جازَ أن توقع ما بعدكم وأيّ ومن وأشباهها عليها، كما قَالَ الله (لِنَعْلَمَ «٣» أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى) ألا ترى أنك قد «٤» أبطلت العلم عَن وقوعه عَلَى أيّ، ورفعت أيّا بأحصى. فكذلك تنصبُها بفعل لو وقع عليها.
وقوله (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ) فُتحت ألفها لأن المعنى: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون. وقد كسرها الْحَسَن الْبَصْرِيّ، كأنه لَمْ يوقع الرؤية عَلَى (كم) فلم يوقعها «٥» عَلَى (أنّ) وإن شئت كسرتها عَلَى الاستئناف وجعلت كم منصوبة بوقوع يروا عليها.
وقوله: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ [٣٢] شدّدها الأعمش وعاصم. وقد خفّفها قومٌ كَثِير منهم من قرَّاء أهل المدينة وبلغني أن عليًّا خَففها. وهو الوجه لأنَّها (ما) أدخلت عليها لام تكون جوابا
стр. 897
لإنْ كأنك قلت: وإن كلّ لَجميع لدينا محضرون. ولم يثقلها من ثقلها إلا عَن صواب. فإن شئت أردت: وإن كل لمن ما جميع، ثُمَّ حُذفت إحدى الميمات لكثرتهنّ كما قَالَ.
غداة طفتْ عَلْماءِ بكرُ بن وائل ... وَعُجْنَا صدورَ الخيل نَحو تَميم
والوجه الآخر من التثقيل أن يجعلوا (لَمَّا) بمنزلة (إلا) مع (إِنْ) خاصة، فتكون فِي مذهبها بمنزلة إنما إِذَا وضعت فِي معنى إلا، كأنها لَمْ ضُمّت إليها ما فصارا جَميعًا (استثناء «١» وخرجتا من حد الجحد. ونَرى أن قول العرب (إِلَّا) إنما جمعوا بين إن التي تكون جحدًا وضمّوا إليها (لا) فصارا جَميعًا حرفًا واحدًا وخرجا من حد الجحدِ إذ جمعتا فصارا حرفًا واحدًا. وكذلك لمّا. ومثل ذَلِكَ قوله: لولا، إنما هي لو ضمت إليها لا فصارتا حرفًا واحدًا) . وَكَانَ الْكِسَائي ينفي هَذَا القول.
ويقول: لا أعرفُ جهة لَمّا فِي التشديد فِي القراءة.
وقوله: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وما عملت أيديهم [٣٥] وَفِي قراءة عبد الله (وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ «٢» ) وكل صواب. والعربُ تضمر الْهَاء فِي الَّذِي ومن وما، وتظهرها. وكل ذَلِكَ صواب (وما عَمِلت) (ما) إن شئت فِي موضع خفض: ليأكلوا من ثَمره ومما «٣» عملت أيديهم. وإن شئت جعلتها جحدًا فلم تجعل لَهَا موضعًا. ويكون المعنى: أنا جعلنا لَهُم الجنات والنخيل والأعناب ولم تعمله أيديهم (أَفَلا يَشْكُرُونَ) .
وقوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [٣٨] إلى مقدار «٤» مجاريها: المقدار المستقر. من قَالَ:
(لا مستقرّ لها) أو (لا مستقرّ/ ١٥٧ الها) فهما وجهان حَسَنانِ، جعلها أبدًا جاريةً. وأمّا أن يخفض «٥» المستقرَّ فلا أدري ما هُوَ.
стр. 898
وقوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [٣٩] الرفع فِيهِ أعجب إليّ من النصب، لأنه قال (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ) ثُمَّ جعل الشمس والقمر مُتبعَين لليل وهما فِي مذهبه آيات مثله. ومن نصب أراد: وقدَّرنا القمر منازلَ، كما فعلنا بالشمس. فردّه عَلَى الْهَاء «١» من الشمس فِي المعنى، لا أَنَّهُ أوقع عَلَيْهِ ما أوقعَ عَلَى الشمس. ومثله فِي الكلام: عبد الله يقوم وجاريته يضربها، فالجارية مردودة عَلَى الفعل لا عَلَى الاسم، لذلك نصبناهَا لأن الواو التي فيها للفعل المتأخّر.
وقوله: (كَالْعُرْجُونِ) والعُرْجون ما بين الشماريخ «٢» إلى النابت فِي النخلة. والقديم فِي هَذَا الموضع: الَّذِي قد أتى عَلَيْهِ حول.
وقوله: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [٤٠] يقول: تطلع ليلًا، ولا أن يسبق الليل النهار، يقول: ولا القمر لَهُ أن يطلُع نهارًا، أي لا يكون لَهُ ضوء. ويُقال: لا ينبغي للشمس أن تُدِركَ القمر فتُذهب «٣» ضوءه، ولا أن يسبق الليل النهار فيظلمه. وموضع (أن تدرك) رفع.
[قوله: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [٣٧] فإن قَالَ قائل: مَا قوله: (نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ) ؟
فإنما معناه: نسلخ عَنْهُ النهار: نرمي بالنهار «٤» عَنْهُ فتأتي الظلمة. وكذلك النهار يُسلخ منه الليل فيأتي الضوء. وهو عربيٌّ معروف، ألا ترى قوله: (آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها) أي خرج منها وتركها. وكذلك الليل والنهار.
وقوله: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ [٤٢] : من مثل فلك نوح (ما يَرْكَبُونَ) يقول: جعلنا لَهُم السفن مثلت عَلَى ذَلِكَ المثال. وهي الزواريق «٥» وأشباهها مما يَركب فِيهِ الناس. ولو قرأ قارئ:
من مَثَلِهِ كَانَ وجهًا يريد من مثاله: ولم أسمع أحدًا قرأ به.
стр. 899
وقوله: ذُرِّيَّتَهُمْ [٤١] إنّما يخاطب أهل مكة، فجعل الذرية التي كانت مع نوحٍ لأهل مكة لأنها أصل لهم، فقال: (ذُرِّيَّتَهُمْ) وهم أبناء الذُّرِّية.
وقوله: فَلا صَرِيخَ لَهُمْ [٤٣] الصريخ: الإغاثة.
وقوله: إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا [٤٤] يقول: إلا أن نفعل ذَلِكَ رحمةً. وقوله (وَمَتاعاً إِلى حِينٍ) يقول: بقاء إلى أجَلٍ، أي نرحمهم فنمتعهم إلى حين.
وقوله: اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ [٤٥] من عذاب الآخرة (وَما خَلْفَكُمْ) من عذاب الدُّنْيَا مما لا تأمنونَ من عذاب ثَمُود ومن مضى.
وقوله: إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ [٤٦] جواب للآية، وجواب لقوله (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا) فلما أن كَانُوا معرضين عَن كل آية كفى جوابُ واحدةٍ من ثنتين لأن المعنى: وإذا قيل لَهُم:
اتقوا أعرضوا، وإذا أتتهم آية أعرضوا.
وقوله: وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [٤٩] قرأها «١» يَحْيَى بن وثّاب (يَخصمون) وقرأها عَاصِم (يَخِصِّمُونَ) ينصب الياء ويكسر الخاء. ويَجُوز «٢» نصب الخاء لأن التاء كانت تكون منصوبة فنقل إعرابُها إلى الخاء. والكسر أكثر وأجود. وقرأها أهل الحجاز (يَخْصّمونَ) يشدّدون ويَجمعون بين ساكنين. وهي فِي قراءة أُبَيّ بن كعب (يَخْتَصِمُون) فهذه حجة لمن يشدد. وأمّا معنى يَحْيَى بن وثاب فيكون عَلَى معنى يفعلون من الخصومة كأنه قَالَ: وهم يتكلمونَ ويكون عَلَى وجه آخر: وهم يخصمون: وهم فِي أنفسهم يخصِمُونَ من وعدهم الساعة. وهو وجه حسن أي تأخذهم الساعة لأن المعنى: وهم عند أنفسهم يَغلبونَ من قَالَ لَهُم: إن الساعة آتية.
وقوله: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [٥٠] يقول: لا يستطيع/ ١٥٧ ب بعضهم أن يوصى إلى
стр. 900
بعض. (وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) أي لا يرجعونَ إلى أهلهم قولًا. ويُقال: لا يرجعون:
لا يستطيعون الرجوع إلى أهليهم من الأسواق.
وقوله: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [٥٢] يُقال: إن الكلام انقطعَ عند المرقد. ثُمَّ قالت الملائكة لَهُم: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) ف (هَذَا) و (ما) فِي موضع رفع كأنك قلت:
هَذَا وعد الرحمن. ويكون (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا) فيكون (هَذَا) من نعت المرقد خفضًا و (ما) فِي موضع رفع: بعثكم وعد الرحمن. وَفِي قراءة عبد الله بن مسعود (مَنْ أَهَبَّنَا من مرقدنا هَذَا) والبعث فِي هَذَا الموضع كالاستيقاظ تَقُولُ: بعثت ناقتي فانبعثت إِذَا أثارها.
وقوله: فاكِهُونَ [٥٥] بالألف. وتقرأ (فكِهون «١» ) وهي بمنزلة حَذِرون وحاذرون وهي فِي قراءة عبد الله (فاكهينَ) بالألف.
وقوله: عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ [٥٦] و (عَلَى الأرائك متكئين) منصوبًا عَلَى القطع. وَفِي قراءتنا رفع، لأنها منتهى الخبر.
وقوله (فِي ظُلَلٍ «٢» ) أراد «٣» جمع ظُلَّة وظُلَل. ويكون أيضًا (ظِلَالًا «٤» ) وهي جمع لظُلَّة كما تَقُولُ: حُلّة وحُلل فإذا كثرت فهي الحلال. والجِلال «٥» والقلال «٦» . ومن قال: (فى ظلال) فهى جمع ظلّ «٧» .
وقوله: سَلامٌ قَوْلًا [٥٨] وَفِي قراءة عبد الله (سلامًا قولًا) فمن رفع قَالَ: ذَلِكَ لَهُم سلام قولًا، أي لَهُم ما يدّعونَ مُسَلّم خالص، أي هُوَ لهم خالص، يجعله خبرا لقوله (لَهُمْ ما يَدَّعُونَ)
стр. 901
خالص. ورُفع عَلَى الاستئناف يريد ذَلِكَ لَهُم سَلام. ونصب القول إن شئت عَلَى أن يخرج من السَّلَام كانك قلت قاله قولًا. وإن شئت جعلته نصبا من قوله (لَهُمْ ما يَدَّعُونَ) (قولًا) كقولك:
عِدَة من الله.
وقوله: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ [٦٥] وَفِي قراءة عبد الله (ولِتُكَلِّمَنَا) كأنه قَالَ: نختم عَلَى أفواههم لتكلمنا. والواو فِي هَذَا الموضع بمنزلة قوله (وَكَذلِكَ «١» نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ) وقوله: نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [٦١] قرأ عَاصِم والأعمش وحَمْزَة (نُنَكِّسْهُ) بالتشديد. وقرأ الْحَسَن وأهل المدينة (نَنْكُسْهُ) بالتخفيف وفتح النون
وقوله: فَمِنْها رَكُوبُهُمْ [٧٢] اجتمعَ القراء عَلَى فتح الرّاء لأن المعنى: فمنها ما يركبون. ويقوّي ذَلِكَ أن عائشة قرأت (فمنها رَكُوبَتُهم) ولو قرأ «٢» قارئ: فمنها رُكوبهم كما تَقُولُ: منها أكلهم وشربهم ورُكوبهم كان وجها.
وقوله: مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ [٨٠] ولم يقل: الْخُضْر. وقد قَالَ الله (مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ «٣» خُضْرٍ) ولم يقل: أخضر. والرَفْرَف ذكر مثل الشجر. والشجر أشدّ اجتماعًا وأشبه بالواحد من الرفرف ألا ترى اجتماعه كاجتماع الْعُشب والحصى والتمر، وأنت تَقُولُ: هَذَا حَصًى أبيض وحَصًى أسود، لأن جمعه أكثر فِي الكلام من انفراد واحده. ومثله الحنطة السمراء، وهي واحدة فِي لفظ جمع. ولو قيل حنطة سمركان صوابًا ولو قيل الشجر الْخُضُر كَانَ صوابًا كما قيل الحنطة السمراء «٤» وقد قَالَ الآخر:
بهر جاب ما دام الأراك به خضرا «٥»
стр. 902
فقال: خُضْرًا ولَم يقل: أخضر. وكل صواب. والشجر يؤنث ويُذكر. قَالَ الله (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) فأنّث. وقال (وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) فذكر ولم يقل:
فيها. وقال (فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) فذكّر.
ومن سورة الصافات
قوله: وَالصَّافَّاتِ [١] تخفض التاء من (الصافات) ومن (التاليات) لأنه قسمٌ. وكانَ ابن مسعود يُدغم (وَالصَّافَّاتِ صفا) / ١٥٨ اوكذلك (فَالتَّالِياتِ) (فَالزَّاجِراتِ) يُدغم التاء منهن والتبيان أجود لأن القراءة بنيت عَلَى التفصيل والبيان.
وهذه الأحرف- فيما ذكروا- الملائكة.
قوله: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [٦] تُضاف الزينة إلى الكواكب. وهي قراءة العامة. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي قيس وَأَبُو معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق أنه قرأ «١» (بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ) يخفض الكواكب بالتكرير فيَرُدّ معرفة عَلَى نكرة، كما قَالَ (لَنَسْفَعاً «٢» بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) فردّ نِكرة عَلَى معرفة. ولو نصبت «٣» (الْكَواكِبِ) إِذَا نَوَّنت فِي الزينة كَانَ وجهًا صوابًا. تريد: بتزييننا الكواكب. ولو «٤» رفعت الكواكب) تريد: زيَّناها بتزيينها الكواكب تجعل الكواكب هي التي زيَّنت السماء.
وقوله: لا يَسَّمَّعُونَ [٩] قرأها أصحاب «٥» عبد الله بالتشديد عَلَى معنى يتسمعونَ. وقرأها الناسُ (يَسْمَعُونَ) وكذلك قرأها ابن عباس وقال: هم (يتَسَمَّعُونَ ولا يسمعون «٦» ) .
стр. 903
وَمَعْنَى (لا) كقوله (كَذلِكَ «١» سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) لو كَانَ فِي موضع (لا) (أَنْ) صلح ذَلِكَ، كما قَالَ (يُبَيِّنُ «٢» اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تضلّوا) وكما قَالَ (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ «٣» رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) «٤» ويصلح فِي (لا) عَلَى هَذَا المعنى الجزم. العرب تَقُولُ: ربطت الفرس لا ينفلت، وأوثقت عبدي لا يفِررْ. وأنشدني «٥» بعض بني عقيل:
وَحَتَّى رأينا أحسنَ الْوُدّ بيننا ... مساكتةً لا يقرِفِ الشرَّ قَارفُ
وبعضهم يقول: لا يَقْرفُ الشرّ والرفع لغة أهل الحجاز. وبذلك جاء القرآن.
وقوله: مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً [٨] بضم الدَّال. ونصبها أَبُو عبد الرحمن السلمي. فمن ضمها جعلها مصدرًا كقولك: دَحرته دُحُورًا. ومن فَتَحها جعلها اسمًا كأنه قَالَ: يقذفونَ بداحرٍ وبِما يَدْحَرُ. ولست أشتهيها لأنها لو وجِّهت عَلَى ذَلِكَ عَلَى صحة لكانت فيها الباء كما تقول: يقذفون بالحجارة، ولا نقول يُقذفونَ الحجارة. وهو جائز قَالَ الشاعر:
نُغَالِي اللحم للأضياف نِيئًا ... وتُرخصه إِذَا نِضجَ الْقُدورُ «٦»
والكلام: نغالى باللحم.
وقوله: (عَذابٌ واصِبٌ) (وَلَهُ الدِّينُ «٧» واصِباً) دائم خالص.
стр. 904
قوله: مِنْ طِينٍ لازِبٍ [١١] اللازب: اللاصق. وقيس تَقُولُ: طين لاتب. أنشدني بعضهم:
صُدَاع وتوْصيم العظام وفَترة ... وغثيٌ مع الإشراق فِي الْجَوْف لاتب «١»
والعربُ تَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بضربةِ لازِب ولازم، يبدلونَ الباء ميمًا لتقارب المخرج.
وقوله: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [١٢] قرأها الناس بنصب «٢» التاء ورفعها «٣» والرفع أحبّ إليّ لأنها قراءة عَليّ وابن مسعود وعبد الله بن عَبَّاسٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ:
حَدَّثَنِي مِنْدَلُ بْنُ عَليّ الْعَنْزِيّ عَن الأعمش قَالَ: قَالَ شقيق: قرأتُ عند شُرَيح (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) فقال: إن الله لا يَعْجب من شيء، إنها يَعجب من لا يعلم. قَالَ: فذكرت ذَلِكَ لإبراهيم النَّخَعيّ فقال: إن شرُيحًا شاعر يُعجبه عِلمه، وعبد الله أعلم بذلك منه. قرأها (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) .
قَالَ أَبُو زكريّا: والعجب ١٥٨ ب وإن أُسند إلى الله فليسَ معناهُ من الله كمعناهُ من العباد، ألا ترى أَنَّهُ قال (فَيَسْخَرُونَ «٤» مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) وليس السُّخْرِي من الله كمعناهُ (من العباد «٥» ) وكذلك قوله (اللَّهُ «٦» يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) (لَيْسَ ذَلِكَ من الله كمعناهُ من العباد) ففي ذَا بيانٌ (لكسر «٧» قول) شُرَيح، وإن كَانَ جائزًا لأن المفسرين قالوا: بَلْ عَجِبْتَ يا محمد ويسخرون هم. فهذا وجه النصب.
وقوله: كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ [٢٨] يقول: كنتم تأتوننا من قبل الدين، أي تأتوننا تخدعوننا بأقوى الوجوه. واليمين: القدرة والقوّة. وكذلك قوله (فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ) أي بالقوّة والقدرة.
стр. 905
وقال الشاعر «١» :
إِذَا ما غاية رُفِعت لمجدٍ ... تلقاها عَرَابةُ باليمين
أي بالقدرة والقوة. وقد جاء فِي قوله (فَراغَ «٢» عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ) يقول: ضربهم بيمينه التي قالها (وَتَاللَّهِ «٣» لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) .
وقوله: لا فِيها غَوْلٌ [٤٧] لو قلت: لا غَوْلَ فيها كَانَ رفعًا ونصبًا. فإذا حُلْتَ بين لا وبينَ الغول بلامٍ أو بغيرها من الصفات «٤» لَمْ يكن إلّا الرفع. والغول يقول: ليس فيها غِيلَةَ وغَائلة وغُول وغَوْل.
وقوله: (وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) و (يُنْزَفُونَ) وأصحابُ عبد الله يقرءون (يُنْزِفُون) وله معنيان.
يُقال: قد أنزفَ الرجل إِذَا فنيت خَمْره، وأنزف إِذَا ذهب عقله. فهذان وجهان. ومن قال (ينزفون) يقول: لا تذهب عقولهم وهو من نُزِف الرجلُ فهو مَنْزوف.
وقوله: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [٥٤] هَذَا رجل مِنْ أهل الجنة، قد كَانَ لَهُ أخ من أهل الكفر، فأحبّ أن يَرَى مكانه فيأذنَ الله لَهُ، فيطلع فِي النار، ويخاطبه.
فإذا رآهُ قَالَ (تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) وَفِي قراءة عبد الله (إِنْ كِدْت لَتُغْوِين) ، ولولا رحمة «٥» ربى (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) أي معك فِي النار مُحضرًا.
يقول الله (لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) وهذا من قول الله.
وقد قرأ بعضُ «٦» القراء (قالَ هَلْ أَنتم مُطْلِعُونِ فَأُطْلِعَ) فكسر النون. وهو شاذٌّ لأن العرب لا تختار عَلَى الإضافة إِذَا أسندوا فاعلًا مجموعًا أو موحدًّا إلى اسم مكنّى عَنْهُ. فمن ذَلِكَ أن
стр. 906
يقولوا: أنت ضاربي. ويقولون للاثنين: أنتما ضارباي، وللجميع: أنتم ضاربي، ولا يقولوا للاثنين:
أنتما ضاربانني ولا للجميع: ضاربونَني. وإنّما تكون هَذِه النون فِي فعل ويفعل، مثل (ضربوني «١» ويضربني وضربني) . وربما غلط الشاعر فيذهب إلى المعنى، فيقول: أنتَ «٢» ضاربُني، يتوهم أَنَّهُ أراد: هَل تضربني، فيكون ذَلِكَ عَلَى غير صحَّة.
قَالَ الشاعر:
هَلِ الله من سَرْو الْعَلَاةِ مُرِيحنِي ... ولَمَّا تَقَسَّمْني النِّبَارُ الكوانِسُ «٣»
النِّبْر: دابة تشبه الْقُرَاد. وقال آخر:
وما أدري وظنِّي كلُّ ظنّ ... أمسلمني إلى قوم شراح «٤»
١٥٩ ايريد: شراحيل ولم يقل: أمسلميّ. وهو وجه الكلام. وقال آخر:
هم القائلونَ الخيرَ والفاعلونَه ... إِذَا ما خَشُوا من محدث الأمر مُعْظَما «٥»
ولم يقل: الفاعلوه. وهو وجه الكلام.
وإنّما اختاروا الإضافة فِي الاسم المكنى لأنه يختلط بِما قبله. فيصير الحرفان كالحرف الواحد.
فلذلك استحبُّوا الإضافة فِي المكنيّ، وقالوا: هما ضاربان زيدًا، وضاربَا زيدٍ لأن زيدًا فِي ظهوره لا يَختلط بِما قبله لأنه لَيْسَ بِحرف واحدٍ والمكنى حرف.
стр. 907
فأمَّا «١» قوله (فَاطَّلَعَ) فإنه يكون عَلَى جهة فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ، كما تَقُولُ: دعَا فأجيب «٢» يَا هَذَا.
ويكون: هَل أنتم مُطْلِعِونِ فَأَطَّلِعَ أنا فيكون منصوبًا بِجواب الفاء.
وقوله: شَجَرَةٌ تَخْرُجُ [٦٤] وهي فِي قراءة عبد الله (شَجَرةً نابتة «٣» فى أصل الجحيم) .
وقوله: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [٦٥] فإن فِيهِ فِي العربية ثلاثة أوجه. أحدها أن تشبه طَلْعها فِي قبحه برءوس الشياطين لأنها موصوفة بالقبح، وإن كانت لا تُرى. وأنت قائل للرجل: كأنه شيطان إِذَا استقبحته. والآخر أن العرب تسمّي بعض الحيّات شيطانًا. وهو حَيّة ذو عرف «٤» .
قَالَ الشاعر، وهو يذم امرأة لَهُ:
عنجرد تحلف حين أحلف ... كمثل شيطانِ الحماط أعرف «٥»
ويُقال: إنه نبت قبيح يسمى برءوس الشياطين. والأوجه الثلاثة يذهب إلى معنى واحد فِي القبح.
وقوله: لَشَوْباً [٦٧] الْخَلْط يُقال: شاب الرجل طَعَامه يشوبُه شَوْبًا.
وقوله: فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ [٧٠] أي يسرعونَ بسيرهم. والإهراع: الإسْرَاع فِيهِ، شبيه بالرِّعدة (ويُقال «٦» قد أُهْرِعَ إهراعًا) .
وقوله: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ [٧٨] (يقول: «٧» أَبقينا لَهُ ثناءً حَسَنًا فِي الآخرين ويقال:
(تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ) أي تركنا عَلَيْهِ هَذِه الكلمة كما تَقُولُ: قرأت من القرآن
стр. 908
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) فيكون «١» فِي الجملة فِي معنى نصبٍ ترفعها بالكلام، كذلك (سَلامٌ عَلى نُوحٍ) ترفعه «٢» بِعَلَى، وهو فِي تأويل نَصْبٍ. ولو كَانَ: تركنا عَلَيْهِ سَلامًا كَانَ صوابًا.
وقوله: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ [٨٣] يقول: إِنّ من شيعة مُحَمَّد لإبراهيم ﷺ .
يقول: عَلى «٣» دينه ومنهاجه، فهو من شيعته، وإن كَانَ إِبْرَاهِيم سابقًا لَهُ. وهذا مثل قوله (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ) أَيْ ذرية من (هُوَ منهم) «٤» فجعلها ذريتهم وقد سبقتهم.
وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ [٨٩] أي مطعون من الطاعون. ويُقال: إنها كلمة فيها مِعْراض «٥» ، أي إنه كُلُّ من كَانَ فِي عنقه الموت فهو سقيم، وإن لَمْ يكن بِهِ حين قالها سُقْم ظاهر. وهو وجهٌ حسن.
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ أبو كدينة عن الحسن ابن عمارة ١٥٩ ب عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ فِي قوله (لا تُؤاخِذْنِي «٦» بِما نَسِيتُ) قَالَ: لَمْ يَنْسَ وَلَكِنَّهَا مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلامِ وقد قال عُمَر فِي قوله: إنّ فِي معاريض الكلام لَمَا يُغنينا عَن الكذب.
وقوله: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [٩٣] أي مال عليهم ضربًا، واغتنم خَلوتَهم من أهل دينهم.
وَفِي قراءة عبد الله (فَرَاغَ عَليهم صَفْقًا باليمين) وكأن الروغ هاهنا أنّه اعتلّ رَوْغًا ليفعل بآلهتهم ما فعل.
وقوله: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [٩٤] قرأها الأعمش «٧» (يُزِفُّونَ) كأنَّها من أزففت. ولم نسمعها
стр. 909
إلّا زَفَفْت: تَقُولُ للرجل: جاءنا يَزِفّ. ولعلّ قراءة الأعمش من قول العرب: قد أطردْت الرجل أي، صيّرته طريدًا، وطَرَدْته إِذَا أنت قلت لَهُ: اذهب عنّا فيكون (يُزِفّون) أي جَاءوا عَلَى هَذِه الهيئة بمنزلة المزفوفة عَلَى هَذِه الحال فتدخل الألف كما تَقُولُ للرجل: هُوَ محمودٌ إِذَا أظهرت حمده، وهو مُحَمَّد إِذَا رأيت أمره إلى الحمد ولم تنشر حمده. قَالَ: وأنشدني المفضل:
تَمَّنى حُصَين أن يسود جِذَاعَه ... فأَمْسَى حُصَين قد أَذَلّ وَأَقَهَرا «١»
فقال: أَقْهَرَ أي صار إلى حَالِ القهر وإنما هُوَ قُهِرَ. وقرأ الناس بعدُ (يَزِفُّونَ) بفتح الياء وكسر الزَّاي وقد قرأ بعضُ القراء (يَزِفونَ) بالتخفيف كأنها من وَزَف يَزف وزعم الْكِسَائي أَنَّهُ لا يعرفها.
وقال الفراء: لا أعرفها أيضًا إلا أن تكون لَمْ تقع إلينا.
وقوله: هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [١٠٠] ولم يقل: صالِحًا، فهذا بمنزلة قوله: ادْنُ فأصِب من الطعام، وهو كَثِير: يَجْتزأ بمن عَن المضمر كما قَالَ الله (وَكانُوا فِيهِ «٢» مِنَ الزَّاهِدِينَ) ولم يقل:
زاهدينَ من الزاهدين.
وقوله: بِغُلامٍ حَلِيمٍ [١٠١] يريد: فِي كِبَره «٣» .
[قوله] : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [١٠٢] يقول: أطاقَ أن يعينه على عمله وَسَعْيه. وَكَانَ إِسْمَاعِيل يومئذ ابن ثلاث عشرة (فَانْظُرْ ماذا تَرى) وتُقرأ (تُرَى) «٤» حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي هُشَيْم عَن مُغِيرَة عَن إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قرأ (فَانْظُرْ ماذا تَرى) قَالَ الفراء:
وَحَدَّثَنِي حَفْص بن غِيَاث عَن الأعمش عَن عمارة بن عمير عَن الأسود أَنَّهُ قرأها (تَرَى) وأن يَحْيَى بن وثّاب قرأها (تُرِي) وقد رُفع (تُرِي) إلى عبد الله بن مسعود قَالَ الفراء، وحدثنى قيس عن
стр. 910
مغيرة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ (فَانْظُرْ مَاذا تَرى) : تشير، و (ماذا تَرى) : تَأمر قَالَ أَبُو زكريا: وأرى والله أعلم- أنه لم يستشره فِي أمر الله، ولكنه قَالَ: فانظر ما تريني من صبرك أو جزعك، فقال (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) وقد يكون أن يطلع ابنه عَلَى ما أمر بِهِ لينظر ما رأيه وهو ماضٍ عَلَى ما أُمِرَ بِهِ.
وقوله فَلَمَّا أَسْلَمَا وتلّه للجبين [١٠٣] يقول: أسْلَما أي فَوَّضَا وأطاعَا وَفِي قراءة عبد الله (سَلَّمَا) يقول سَلّمَا من التسليم، كما تَقُولُ: إِذَا أصابتك مُصيبة فسَلّم لأمر الله أي فارْضَ بِهِ.
وقد قَالَ (افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) ولم يقل (بِهِ) كأنه أراد: افعل الأمر الَّذِي تؤمره. ولو كانت (بِهِ) كَانَ وجهًا جيدًا وَفِي قراءة عبد الله (إني أَرَى فِي المنامِ افعل ما أُمِرْت بِهِ) .
ويُقال أين جواب قوله (فَلَمَّا أَسْلَما) ؟
وجوابها فى قوله (وَنادَيْناهُ) والعرب ١٦٠ اتدخل الواو فى جواب فلمّا (وحتّى إذا) وتُلقيها.
فمن ذَلِكَ قول الله (حَتَّى إِذا جاؤُها «١» فُتِحَتْ) وفى موضع آخر (وَفُتِحَتْ) «٢» وكلّ صَوَابٌ. وَفِي قراءة عَبْد اللَّه (فَلَمَّا «٣» جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ وَجَعَل السِّقَايَةَ) وَفِي قراءتِنَا بغير واو وقد فسرناهُ «٤» فِي الأنبياء «٥» .
وقوله: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [١٠٧] والذِّبْح الكبش وكلّ ما أعددته للذَبْح فهو ذِبْح.
ويُقال: إنه رَعَى فِي الجنة أربعين خريفًا فأعظم بِهِ. وقال مجاهد (عَظِيمٍ) متقبَّل.
وقوله: وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ [١١٦] فجعلهَما كالجمع، ثُمَّ ذكرهما «٦» بعد ذَلِكَ اثنين وهذا من سعة العربيّة:
стр. 911
أن يُذهب بالرئيس: النَّبِيّ والأمير وشبهه إلى الجمع لِجنوده وأتباعه، وإلى التوحيد لأنه واحد فِي الأصل. ومثله (عَلى خَوْفٍ «١» مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ) وفى موضع آخر «٢» (وَمَلَأَهُ) ورُبّما ذهبت العرب بالاثنين إلى الجمع كما يُذهب بالواحِدِ إلى الجمع ألا ترى أنك تُخاطب الرجل فتقول:
ما أحسنتم ولا أجملتم، وأنت تريده بعينه، ويقول الرجل لِلْفُتْيا يُفتي بِهَا: نحن نقول: كذا وكذا وهو يريد نفسه. ومثل ذلك قوله فى سورة ص (وَهَلْ أَتاكَ «٣» نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) ثُمَّ أعاد ذكرهما بالتثنية إذ قَالَ: خَصْمَانِ بغى بعضنا على بعض.
وقوله: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [١٢٣] ذُكِرَ أَنَّهُ نبيٌّ، وأنّ هَذَا الاسم اسم من أسماء العبرانية كقولِهم: إِسْمَاعِيل وإسحاق والألف واللام منه، ولو جعلته عربيًا من الألْيَس «٤» فتجعله إفعالًا مثل الإخراج والإدخالِ لَجَرى «٥» .
ثُمَّ قال: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ [١٣٠] فجعله بالنون. والعجميُّ من الأسماء قد يفعل بِهِ هَذَا العرب. تَقُولُ: ميكالُ وميكائيل وميكائل وميكائين بالنون. وهي فِي بني أسد يقولون: هَذَا إسماعين قد جاء، بالنون، وسائر العرب باللام. قَالَ: وأنشدني بعض بني نُمَير لضب صاده بعضهم:
يقول أهلُ السوق لَمَّا جينا ... هَذَا وَربِّ البيت إسرائينا «٦»
فهذا وجه لقوله: إلياسينَ. وإن شئت ذهبت بإلياسين إلى أن تجعله جمعا «٧» . فتجعل أصحابه
стр. 912
داخلين فِي اسمه، كما تَقُولُ للقوم رئيسهم الْمُهَلّب: قد جاءتكم المهالبة والمهلَّبون، فيكون بمنزلة قوله:
الأشعرِين والسَّعْدِين وشبهه. قَالَ الشاعر «١» :
أنا ابن سعدٍ سَيّدِ السَّعْدِينا
وهو فِي الاثنين أكثر: أن يضم أحدهما إلى صاحبه إِذَا كَانَ أشهر منه اسمًا كقول الشاعر «٢» :
جزاني الزَّهدمان جزاء سَوءٍ ... وكنتُ المرءَ يُجزَى بالكرامَهْ
واسم أحدهما زَهْدَم. وقال الآخر «٣» :
جزى الله فيها الأعورَين ذَمَامةً ... وفروة ثَغْر الثورة المتضاجِم
واسم أحدهما أَعور:
وقد قرأ بعضهم (وَإِنَّ الْيَأْسَ) يجعل اسْمه يأسًا، أدخل عَلَيْهِ الألف واللام. ثُمَّ يقرءون (سَلامٌ عَلَى آل «٤» ياسينَ) جاء التفسير فِي تفسير الكلبي عَلَى آل ياسين: عَلَى آل مُحَمَّد ﷺ .
والأوّل أشبه بالصواب- والله أعلم- لأنها فِي قراءة/ ١٦٠ ب عبد الله (وَإِنّ إدريسَ لَمِنَ المرسَلِينَ) (سَلَامٌ عَلَى إدراسِين) وقد يشهد عَلَى صواب هَذَا قوله: (وَشَجَرَةً «٥» تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ) ثُمَّ قَالَ فِي موضع آخر (وَطُورِ «٦» سِينِينَ) وهو معنى واحد وموضع واحد والله أعلم.
وقوله: أَتَدْعُونَ بَعْلًا [١٢٥] ذكروا أَنَّهُ كَانَ صنمًا من ذهب يُسمَّى بعلا، فقال (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) أي هَذَا الصنم ربًّا. ويُقال: أتدعون بعلًا ربًّا سوى الله. وذُكر عَن ابن عباس أن ضالّة «٧»
стр. 913
أُنشدت، فجاء صاحبها فقال: أنا بعلها. فقال ابن عباس: هَذَا قول الله (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) أي ربّا.
وقوله: اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [١٢٦] تقرأ نصبًا «١» ورفعًا «٢» . قرأها بالنصب الربيع بن خيثم.
وقوله. الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
[١٤٠] السفينة إِذَا جهزت وملئت وقع عليها هَذَا الاسم. والفُلك يذكر ويؤنث ويُذهب بِهَا إلى الجمع قَالَ الله (حَتَّى إِذا «٣» كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) فجعلها جَمعًا. وهو بمنزلة الطفل يكون واحدًا وجَمعًا، والضيفُ والبَشَر مثله.
وقوله: وَهُوَ مُلِيمٌ [١٤٢] وهو الَّذِي قد اكتسبَ اللَّوْمَ وإن لَمْ يلم. والموم الذي قد لِيم باللسان. وهو مثل قول العرب أصبحت مُحمقًا معطِشًا أي عندك الحمق والعطش. وهو كثير فى الكلام.
وقوله. المدحضين [١٤١] المغلوبين. يُقال: أدحض الله حُجَّتك فَدَحضت. وهو فِي الأصل أن يَزْلَق الرَّجُل.
وقوله: مِنْ يَقْطِينٍ [١٤٦] قيل عند ابن عباس: هُوَ ورق الْقَرْع. فقال: ومَا جعل ورق الْقَرع من بين الشجر يقطينًا! كل وَرَقةٍ اتسعت وسَترت فهي يقطين.
وقوله: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [١٤٧] أو هاهنا فِي معنى بَلْ. كذلك «٤» فِي التفسير مع صحته فِي العربية.
وقوله: فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [١٤٨] وَفِي قراءة عبد الله (فمتعناهم حَتَّى حين) وحتى وإلى فِي الغايات مع الأسماء سواء.
وقوله: فَاسْتَفْتِهِمْ [١٤٩] أي سلهم سل أهل مكة.
стр. 914
وقوله: لَكاذِبُونَ [١٥٢] أصطفى [١٥٣] استفهام وَفِيهِ توبيخ لَهُم. وقد تُطرح ألف الاستفهام من التوبيخ. ومثله قوله (أَذْهَبْتُمْ «١» طَيِّباتِكُمْ) يُستفهم بِهَا ولا يستفهم. ومعناهما جَميعًا واحد.
وألف (أَصْطَفَى) إِذَا لَمْ يُستفهم بِهَا تذهب فِي «٢» اتّصال الكلام، وتبتدئها بالكسر.
وقوله: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [١٥٨] يُقال: الْجِنَّة هاهنا الملائكة. جعلوا بينه وبين خلقه نسبا. (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ) أنّ الذين قالوا هذا القول (لَمُحْضَرُونَ) فى النار.
وقوله: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ [١٦١] يريد: وآلهتكم التي تعبدون (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ) بمضلّين.
وما أنتم عَلَيْهِ [١٦٢] أي عَلَى ذَلِكَ الدين بمضلين. وقوله (عليه) و (به) و (له) سواء.
وأهل نَجد يقولون: بمُفتنينَ. أهل الحجاز فتنت الرجل، وأهل نَجد يقولون: أفتنتُه.
وقوله: إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ [١٦٣] إلا من قُدّر لَهُ أن يَصْلَى الجحيم فِي السابق من علم الله.
وقرأ الْحَسَن (إِلَّا من هُوَ صَالُ الجحيم) رفع اللام فيما ذكروا فإن كَانَ أراد واحدًا فليس بِجائز لأنك لا تَقُولُ: هَذَا قاضٌ ولا رامٌ. وإن يكن عَرَف فيها لغة مقلوبة مثل عاثَ وعثا فهو صواب.
قد قالت العرب. جُرُفٌ هارٌ وهَارٍ وهو شاكُ السّلاح ١٦١ اوشاكى «٣» السّلاح وأنشدني بعضهم:
فلو أَنِّي رميتك من بَعيد ... لَعاقَكَ عَن دعاء الذئبِ عَاقِي «٤»
يريد: عائِق. فهذا مما قُلِب. ومنه (وَلا تَعْثَوْا «٥» ) ولا تعِيثوا لغتان. وقد يكون أن تجعل (صالو) جَمعًا كما تَقُولُ: من الرجال من هُوَ إخوتك، تذهب بِهُوَ إلى الاسم المجهول، وتُخرج فعله عَلَى الجمع كما قَالَ الشاعر:
стр. 915
إِذَا ما حَاتم وُجد ابن عمّي ... مَجَدنَا من تكلّم أجْمَعينَا «١»
ولم يقل تكلّموا. وأجود ذَلِكَ فِي العربية إِذَا أخرجت الكناية أن تخرجها عَلَى المعنى والعدد لأنك تنوي تَحقيق الاسم.
وقوله: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [١٦٤] ، هَذَا من قول الملائكة. إلى قوله (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) يريد: (المصَلُّون) وَفِي قراءة عبد الله (وإِنْ كُلَّنا لَمَّا لَهُ مقامٌ معلوم) .
وَفِي مريم (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي «٢» السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً) ومعنى إن ضربت لزيدًا كمعنى قولك: ما ضربت إلا زيدًا، لذلك ذكرت هذا.
وقوله: وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ [١٦٧] يعني أهل مكة (لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ) يقول: كتابًا أو نُبُوَّةً (لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) .
قال الله: فَكَفَرُوا بِهِ [١٧٠] والمعنى: وقد أرسل إليهم مُحَمَّد بالقرآن، فكفروا بِهِ. وهو مضمر لَمْ يُذكر لأن معناهُ معروف مثل قوله (يُرِيدُ أَنْ «٣» يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) ثم قال (فَماذا تَأْمُرُونَ) «٤» فوصل قول فرعون بقولِهم لأن المعنى بيّن.
وقوله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا [١٧١] التي سبقت لَهُم السعادة. وهي فِي قراءة عبد الله (ولقد سبقت كلمتنا عَلَى عبادنا المرسَلين) وَعَلَى تصلح فِي موضع اللام لأن مَعْنَاهُمَا يرجع إلى شَيء واحدٍ.
وكأن المعنى: حَقّت عليهم ولهم، كما قَالَ (عَلى «٥» مُلْكِ سُلَيْمانَ) ومعناهُ: فِي مُلك سُلَيْمَان. فكما أُوخِيَ بين فِي وَعَلَى إذَا اتّفقَ المعنى فكذلك فُعِلَ هذا.