← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23636

المفردات في غريب القرآن

الراغب الأصفهاني

Полный текст (881 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

[الحديد/ ١٤] ، ونفى من المؤمنين الِارْتِيَابَ فقال: وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ [المدثر/ ٣١] ، وقال: ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا [الحجرات/ ١٥] ، وقيل: «دع ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ» «١» ورَيْبُ الدّهر صروفه، وإنما قيل رَيْبٌ لما يتوهّم فيه من المكر، والرِّيبَةُ اسم من الرّيب قال: بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ [التوبة/ ١١٠] ، أي: تدلّ على دغل وقلّة يقين. روح الرَّوْحُ والرُّوحُ في الأصل واحد، وجعل الرّوح اسما للنّفس، قال الشاعر في صفة النار: ٢٠٢- فقلت له ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واجعلها لها قيتة قدرا «٢» وذلك لكون النّفس بعض الرّوح كتسمية النوع باسم الجنس، نحو تسمية الإنسان بالحيوان، وجعل اسما للجزء الذي به تحصل الحياة والتّحرّك، واستجلاب المنافع واستدفاع المضارّ، وهو المذكور في قوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء/ ٨٥] ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر/ ٢٩] ، وإضافته إلى نفسه إضافة ملك، وتخصيصه بالإضافة تشريفا له وتعظيما، كقوله: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج/ ٢٦] ، ويا عِبادِيَ [الزمر/ ٥٣] ، وسمّي أشراف الملائكة أَرْوَاحاً، نحو: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [النبأ/ ٣٨] ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ [المعارج/ ٤] ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء/ ١٩٣] ، سمّي به جبريل، وسمّاه بِرُوحِ القدس في قوله: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ [النحل/ ١٠٢] ، وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة/ ٢٥٣] ، وسمّي عيسى ﵇ رُوحاً في قوله: وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء/ ١٧١] ، وذلك لما كان له من إحياء الأموات، وسمّي القرآن رُوحاً في قوله: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى/ ٥٢] ، وذلك لكون القرآن سببا للحياة الأخرويّة الموصوفة في قوله: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [العنكبوت/ ٦٤] ، والرَّوْحُ التّنفّس، وقد أَرَاحَ الإنسان إذا تنفّس. وقوله: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ [الواقعة/ ٨٩] ، فالرَّيْحَانُ: ما له رائحة، وقيل: رزق، ثمّ يقال

стр. 352

للحبّ المأكول رَيْحَانٌ في قوله: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ [الرحمن/ ١٢] ، وقيل لأعرابيّ: إلى أين؟ فقال: أطلب من رَيْحَانِ الله، أي: من رزقه، والأصل ما ذكرنا. وروي: «الولد من رَيْحَانِ الله» «١» وذلك كنحو ما قال الشاعر: ٢٠٣- يا حبّذا ريح الولد ... ريح الخزامى في البلد «٢» أو لأنّ الولد من رزق الله تعالى. والرِّيحُ معروف، وهي فيما قيل الهواء المتحرّك. وعامّة المواضع الّتي ذكر الله تعالى فيها إرسال الرّيح بلفظ الواحد فعبارة عن العذاب، وكلّ موضع ذكر فيه بلفظ الجمع فعبارة عن الرّحمة، فمن الرِّيحِ: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً [القمر/ ١٩] ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً [الأحزاب/ ٩] ، مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ [آل عمران/ ١١٧] ، اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ [إبراهيم/ ١٨] . وقال في الجمع: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر/ ٢٢] ، أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الروم/ ٤٦] ، يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً [الأعراف/ ٥٧] . وأمّا قوله: يرسل الرّيح فتثير سحابا «٣» فالأظهر فيه الرّحمة، وقرئ بلفظ الجمع «٤» ، وهو أصحّ. وقد يستعار الرّيح للغلبة في قوله: وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال/ ٤٦] ، وقيل: أَرْوَحَ الماءُ: تغيّرت ريحه، واختصّ ذلك بالنّتن. ورِيحَ الغديرُ يَرَاحُ: أصابته الرِّيحُ، وأَرَاحُوا: دخلوا في الرَّوَاحِ، ودهن مُرَوَّحٌ: مطيّب الرّيح. وروي: «لم يَرَحْ رَائِحَةَ الجنّة» «٥» أي: لم يجد ريحها، والمَرْوَحَةُ: مهبّ الرّيح، والمِرْوَحَةُ: الآلة التي بها تستجلب الرّيح، والرَّائِحَةُ: تَرَوُّحُ هواء. ورَاحَ فلان إلى أهله إمّا أنه أتاهم في السّرعة كالرّيح، أو أنّه استفاد برجوعه إليهم روحا من

стр. 353

المسرّة. والرَّاحةُ من الرَّوْح، ويقال: افعل ذلك في سراح ورَوَاحٍ، أي: سهولة. والمُرَاوَحَةُ في العمل: أن يعمل هذا مرّة، وذلك مرّة، واستعير الرَّوَاحُ للوقت الذي يراح الإنسان فيه من نصف النّهار، ومنه قيل: أَرَحْنَا إبلَنا، وأَرَحْتُ إليه حقّه مستعار من: أرحت الإبل، والْمُرَاحُ: حيث تُرَاحُ الإبل، وتَرَوَّحَ الشجر ورَاحَ يَراحُ: تفطّر. وتصوّر من الرّوح السّعة، فقيل: قصعة رَوْحَاءُ، وقوله: لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف/ ٨٧] ، أي: من فرجه ورحمته، وذلك بعض الرّوح. رود الرَّوْدُ: التّردّد في طلب الشيء برفق، يقال: رَادَ وارْتَادَ، ومنه: الرَّائِدُ، لطالب الكلإ، ورَادَ الإبلُ في طلب الكلإ، وباعتبار الرّفق قيل: رَادَتِ الإبلُ في مشيها تَرُودُ رَوَدَاناً، ومنه بني المرْوَدُ. وأَرْوَدَ يُرْوِدُ: إذا رفق، ومنه بني رُوَيْدٌ، نحو: رُوَيْدَكَ الشّعر يغبّ «١» . والْإِرَادَةُ منقولة من رَادَ يَرُودُ: إذا سعى في طلب شيء، والْإِرَادَةُ في الأصل: قوّة مركّبة من شهوة وحاجة وأمل، وجعل اسما لنزوع النّفس إلى الشيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل، أو لا يفعل، ثم يستعمل مرّة في المبدإ، وهو: نزوع النّفس إلى الشيء، وتارة في المنتهى، وهو الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، فإذا استعمل في الله فإنه يراد به المنتهى دون المبدإ، فإنه يتعالى عن معنى النّزوع، فمتى قيل: أَرَادَ الله كذا، فمعناه: حكم فيه أنه كذا وليس بكذا، نحو: إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً [الأحزاب/ ١٧] ، وقد تذكر الْإِرَادَةُ ويراد بها معنى الأمر، كقولك: أُرِيدَ منك كذا، أي: آمرك بكذا، نحو: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة/ ١٨٥] ، وقد يذكر ويراد به القصد، نحو: لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ [القصص/ ٨٣] ، أي: يقصدونه ويطلبونه. والْإِرَادَةُ قد تكون بحسب القوّة التّسخيرية والحسّيّة، كما تكون بحسب القوّة الاختياريّة. ولذلك تستعمل في الجماد، وفي الحيوانات نحو: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف/ ٧٧] ، ويقال: فرسي تريد التّبن. والمُرَاوَدَةُ: أن تنازع غيرك في الإرادة، فتريد غير ما يريد، أو ترود غير ما يرود، ورَاوَدْتُ فلانا عن كذا. قال: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي [يوسف/ ٢٦] ، وقال: تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ [يوسف/ ٣٠] ، أي: تصرفه عن رأيه، وعلى ذلك قوله: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ [يوسف/ ٣٢] ، سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ [يوسف/ ٦١] .

стр. 354

رأس الرَّأْسُ معروف، وجمعه رُؤُوسٌ، قال: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم/ ٤] ، وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ [البقرة/ ١٩٦] ، ويعبّر بِالرَّأْسِ عن الرَّئِيسِ، والْأَرْأَسُ: العظيم الرّأس، وشاة رَأْسَاءُ: اسودّ رأسها. ورِيَاسُ السّيف: مقبضه. ريش رِيشُ الطائر معروف، وقد يخصّ الجناح من بين سائره، ولكون الرِّيشِ للطائر كالثياب للإنسان استعير للثياب. قال تعالى: وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى [الأعراف/ ٢٦] ، وقيل: أعطاه إبلا بِرِيشِهَا، أي: ما عليها من الثياب والآلات، ورِشْتُ السّهم أَرِيشُهُ رَيْشاً فهو مَرِيشٌ: جعلت عليه الرّيش، واستعير لإصلاح الأمر، فقيل: رِشْتُ فلانا فَارْتَاشَ، أي: حسن حاله، قال الشاعر: ٢٠٤- فَرِشْنِي بخير طالما قد بريتني ... فخير الموالي من يَرِيشُ ولا يبري «١» ورمح رَاشٌ: خوّار، تصوّر منه خور الرّيش. روض الرَّوْضُ: مستنقع الماء، والخضرة، قال: فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ [الروم/ ١٥] ، وباعتبار الماء قيل: أَرَاضَ الوادي، واسْتَرَاضَ، أي: كثر ماؤه، وأَرَاضَهُمْ: أرواهم. والرِّيَاضَةُ: كثرة استعمال النّفس ليسلس ويمهر، ومنه: رُضْتُ الدّابّة. وقولهم: افعل كذا ما دامت النّفس مُسْتَرَاضَةً «٢» ، أي: قابلة للرّياضة، أو معناه: متّسعة، ويكون من الرّوض والْإِرَاضَةِ. وقوله: فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ [الروم/ ١٥] ، فعبارة عن رِيَاضِ الجنة، وهي محاسنها وملاذّها. وقوله: فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ [الشورى/ ٢٢] ، فإشارة إلى ما أعدّ لهم في العقبى من حيث الظاهر، وقيل: إشارة إلى ما أهّلهم له من العلوم والأخلاق التي من تخصّص بها، طاب قلبه. ريع الرِّيعُ: المكان المرتفع الذي يبدو من بعيد، الواحدة رِيعَةٌ. قال: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً [الشعراء/ ١٢٨] ، أي: بكلّ مكان مرتفع، وللارتفاع قيل: رَيْعُ البئر: للجثوة المرتفعة حواليها، ورَيْعَانُ كلّ شيء: أوائله التي تبدو منه، ومنه استعير الرَّيْعُ للزيادة والارتفاع الحاصل، ومنه: تَرَيَّعَ السّراب «٣» . روع الرُّوعُ: الخلد، وفي الحديث: «إنّ روح

стр. 355

القدس نفث في رُوعِي» «١» ، والرَّوْعُ: إصابة الرُّوع، واستعمل فيما ألقي فيه من الفزع، قال: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ [هود/ ٧٤] ، يقال: رُعْتُهُ ورَوَّعْتُهُ، ورِيعَ فلان، وناقة رَوْعَاءُ: فزعة. والْأَرْوَعُ: الذي يروع بحسنه، كأنه يفزع، كما قال الشاعر: ٢٠٥- يهولك أن تلقاه صدرا لمحفل «٢» روغ الرَّوْغُ: الميل على سبيل الاحتيال، ومنه: رَاغَ الثّعلب يَرُوغُ رَوَغَاناً، وطريق رَائِ غٌ: إذا لم يكن مستقيما، كأنه يُرَاوِغُ، ورَاوَغَ فلان فلانا، ورَاغَ فلان إلى فلان: مال نحوه لأمر يريده منه بالاحتيال قال: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ [الذاريات/ ٢٦] ، فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [الصافات/ ٩٣] ، أي: مال، وحقيقته: طلب بضرب من الرَّوَغَانِ، ونبّه بقوله: (على) على معنى الاستيلاء. رأف الرَّأْفَةُ: الرّحمة، وقد رَؤُفَ فهو رَئِفٌ «٣» ورُؤُوفٌ، نحو يقظ، وحذر، قال تعالى: لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور/ ٢] . روم الم غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم/ ١- ٢] ، يقال مرّة للجيل المعروف، وتارة لجمع رُومِيٍّ كالعجم. رين الرَّيْنُ: صدأ يعلو الشيء الجليّ، قال: بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [المطففين/ ١٤] ، أي: صار ذلك كصدإ على جلاء قلوبهم، فعمي عليهم معرفة الخير من الشرّ، قال الشاعر: ٢٠٦- قد رَانَ النّعاس بهم «٤» وقد رِينَ على قلبه. رأى رَأَى: «٥» عينه همزة، ولامه ياء، لقولهم: رُؤْيَةٌ، وقد قلبه الشاعر فقال:

стр. 356

٢٠٧- وكلّ خليل رَاءَنِي فهو قائل ... من أجلك: هذا هامة اليوم أو غد «١» وتحذف الهمزة من مستقبله «٢» ، فيقال: تَرَى ويَرَى ونَرَى، قال: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً [مريم/ ٢٦] ، وقال: أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [فصلت/ ٢٩] ، وقرئ: أرنا «٣» . والرُّؤْيَةُ: إدراك الْمَرْئِيُّ، وذلك أضرب بحسب قوى النّفس: والأوّل: بالحاسّة وما يجري مجراها، نحو: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر/ ٦- ٧] ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ [الزمر/ ٦٠] ، وقوله: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ [التوبة/ ١٠٥] فإنه ممّا أجري مجرى الرّؤية الحاسّة، فإنّ الحاسّة لا تصحّ على الله، تعالى عن ذلك، وقوله: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف/ ٢٧] . والثاني: بالوهم والتّخيّل، نحو: أَرَى أنّ زيدا منطلق، ونحو قوله: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال/ ٥٠] . والثالث: بالتّفكّر، نحو: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ [الأنفال/ ٤٨] . والرابع: بالعقل، وعلى ذلك قوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [النجم/ ١١] ، وعلى ذلك حمل قوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم/ ١٣] . ورَأَى إذا عدّي إلى مفعولين اقتضى معنى العلم، نحو: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [سبأ/ ٦] ، وقال: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ [الكهف/ ٣٩] ، ويجري (أَرَأَيْتَ) مجرى أخبرني، فيدخل عليه الكاف، ويترك التاء على حالته في التّثنية، والجمع، والتأنيث، ويسلّط التّغيير على الكاف دون التّاء، قال: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي [الإسراء/ ٦٢] ، قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ [الأنعام/ ٤٠] ، وقوله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى [العلق/ ٩] ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ [الأحقاف/ ٤] ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ [القصص/ ٧١] ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ [الأحقاف/ ١٠] ، أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا [الكهف/ ٦٣] ، كلّ ذلك فيه معنى التّنبيه. والرَّأْيُ: اعتقاد النّفس أحد النّقيضين عن

стр. 357

غلبة الظّنّ، وعلى هذا قوله: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران/ ١٣] ، أي: يظنّونهم بحسب مقتضى مشاهدة العين مثليهم، تقول: فعل ذلك رأي عيني، وقيل: رَاءَةَ عيني. وال رَّوِيَّ ةُ والتَّرْوِيَةُ: التّفكّر في الشيء، والإمالة بين خواطر النّفس في تحصيل الرّأي، والْمُرْتَئِي والْمُرَوِّي: المتفكّر، وإذا عدّي رأيت بإلى اقتضى معنى النّظر المؤدّي إلى الاعتبار، نحو: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ [الفرقان/ ٤٥] ، وقوله: بِما أَراكَ اللَّهُ [النساء/ ١٠٥] ، أي: بما علّمك. والرَّايَةُ: العلامة المنصوبة للرّؤية. ومع فلان رَئِيٌّ من الجنّ، وأَرْأَتِ الناقة فهي مُرْءٍ: إذا أظهرت الحمل حتى يرى صدق حملها. والرُّؤْيَا: ما يرى في المنام، وهو فعلى، وقد يخفّف فيه الهمزة فيقال بالواو، وروي: «لم يبق من مبشّرات النّبوّة إلّا الرّؤيا» «١» . قال: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ [الفتح/ ٢٧] ، وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ [الإسراء/ ٦٠] ، وقوله: فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ [الشعراء/ ٦١] ، أي: تقاربا وتقابلا حتى صار كلّ واحد منهما بحيث يتمكّن من رؤية الآخر، ويتمكّن الآخر من رؤيته. ومنه قوله: «لا تَتَرَاءَى نارهما» «٢» . ومنازلهم رِئَاءٌ، أي: متقابلة. وفعل ذلك رِئَاءُ الناس، أي: مُرَاءَاةً وتشيّعا. والْمِرْآةُ ما يرى فيه صورة الأشياء، وهي مفعلة من: رأيت، نحو: المصحف من صحفت، وجمعها مَرَائِي، والرِّئَةُ: العضو المنتشر عن القلب، وجمعه من لفظه رِؤُونَ، وأنشد (أبو زيد) : ٢٠٨- فغظناهمو حتى أتى الغيظ منهمو ... قلوبا وأكبادا لهم ورئينا «٣» ورِئْتُهُ: إذا ضربت رِئَتَهُ. روى تقول: ماء رَوَاءٌ، ورِوًى، أي: كثير مُرْوٍ، فَرِوًى على بناء عدى: ومَكاناً سُوىً [طه/ ٥٨] ، قال الشاعر:

стр. 358

من شكّ في فلج فهذا فلج ... ماء رواء وطريق نهج «١» وقوله: هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً [مريم/ ٧٤] ، فمن لم يهمز «٢» جعله من رَوِيَ، كأنه رَيَّانُ من الحسن «٣» ، ومن همز فللّذي يرمق من الحسن به «٤» . وقيل: هو منه على ترك الهمز، والرِّيُّ: اسم لما يظهر منه، والرِّوَاءُ منه، وقيل: هو مقلوب من رأيت. قال أبو عليّ الفسويّ: المروءة هو من قولهم حسن في مرآة العين. كذا قال، وهذا» غلط، لأنّ الميم في مرآة زائدة، ومروءة فعولة. وتقول: أنت بمرأى ومسمع، أي: قريب، وقيل: أنت منّي مرأى ومسمع، بطرح الباء، ومرأى: مفعل من رأيت «٦» . تمّ كتاب الرّاء

стр. 359

كتاب الزّاي زبد الزَّبَدُ: زَبَدُ الماء، وقد أَزْبَدَ، أي: صار ذا زَبَدٍ، قال: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً [الرعد/ ١٧] ، والزُّبْدُ اشتقّ منه لمشابهته إيّاه في اللّون، وزَبَدْتُهُ زَبَداً: أعطيته مالا كالزّبد كثرة، وأطعمته الزُّبْدَ، والزَّبَادُ: نور يشبهه بياضا. زبر الزُّبْرَةُ: قطعة عظيمة من الحديد، جمعه زُبَرٌ، قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف/ ٩٦] ، وقد يقال: الزُّبْرَةُ من الشّعر، جمعه زُبُرٌ، واستعير للمجزّإ، قال: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً [المؤمنون/ ٥٣] ، أي: صاروا فيه أحزابا. وزَبَرْتُ الكتاب: كتبته كتابة غليظة، وكلّ كتاب غليظ الكتابة يقال له: زَبُورٌ، وخصّ الزَّبُورُ بالكتاب المنزّل على داود ﵇، قال: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً [النساء/ ١٦٣] ، وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء/ ١٠٥] ، وقرئ زبورا «١» بضم الزاي، وذلك جمع زَبُورٍ، كقولهم في جمع ظريف: ظروف، أو يكون جمع زِبْرٍ «٢» ، وزِبْرٌ مصدر سمّي به كالكتاب، ثم جمع على زُبُرٍ، كما جمع كتاب على كتب، وقيل: بل الزَّبُورُ كلّ كتاب يصعب الوقوف عليه من الكتب الإلهيّة، قال: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء/ ١٩٦] ، وقال: وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ [آل عمران/ ١٨٤] ، أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ [القمر/ ٤٣] ، وقال بعضهم: الزَّبُورُ: اسم للكتاب المقصور على الحكم العقليّة دون الأحكام الشّرعيّة، والكتاب: لما يتضمّن الأحكام والحكم، ويدلّ على ذلك أنّ زبور داود ﵇ لا يتضمّن شيئا من الأحكام. وزِئْبُرُ الثّوب

стр. 360

معروف «١» ، والْأَزْبَرُ: ما ضخم زُبْرَةُ كاهله، ومنه قيل: هاج زَبْرَؤُهُ، لمن يغضب «٢» . زج ال زُّجَا جُ: حجر شفّاف، الواحدة زُجَاجَةٌ، قال: فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ [النور/ ٣٥] ، والزُّجُّ: حديدة أسفل الرّمح، جمعه زِجَاجٌ، وزَجَجْتُ الرّجل: طعنته بالزّجّ، وأَزْجَجْتُ الرّمح: جعلت له زُجّاً، وأَزْجَجْتُهُ: نزعت زُجَّهُ. والزَّجَجُ: دقّة في الحاجبين مشبّه بالزّجّ، وظليم أَزَجُّ، ونعامة زَجَّاءُ: للطّويلة الرّجل. زجر الزَّجْرُ: طرد بصوت، يقال: زَجَرْتُهُ فَانْزَجَرَ، قال: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ [النازعات/ ١٣] ، ثمّ يستعمل في الطّرد تارة، وفي الصّوت أخرى. وقوله: فَالزَّاجِراتِ زَجْراً [الصافات/ ٢] ، أي: الملائكة التي تَزْجُرُ السّحاب، وقوله: ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر/ ٤] ، أي: طرد ومنع عن ارتكاب المآثم. وقال: وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [القمر/ ٩] ، أي: طرد، واستعمال الزّجر فيه لصياحهم بالمطرود، نحو أن يقال: اعزب وتنحّ ووراءك «٣» . زجا التَّزْجِيَةُ: دَفْعُ الشّيء لينساق، كَتَزْجِيَةِ رديء البعير، وتَزْجِيَةِ الرّيح السّحاب، قال: يُزْجِي سَحاباً [النور/ ٤٣] ، وقال: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ [الإسراء/ ٦٦] ، ومنه: رجل مُزْجًى، وأَزْجَيْتُ رديء التّمر فَزَجَا، ومنه استعير: زَجَا الخراج يَزْجُو، وخراج زَاجٍ، وقول الشاعر: ٢١٠- وحاجة غير مُزْجَاةٍ من الحاج «٤» أي: غير يسيرة، يمكن دفعها وسوقها لقلّة الاعتداد بها. زحح فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ [آل عمران/ ١٨٥] ، أي: أزيل عن مقرّه فيها.

стр. 361

زحف أصل الزَّحْفِ: انبعاث مع جرّ الرّجل، كانبعاث الصّبيّ قبل أن يمشي وكالبعير إذا أعيا فجرّ فرسنه «١» ، وكالعسكر إذا كثر فيعثر انبعاثه. قال: إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً [الأنفال/ ١٥] ، والزَّاحِفُ: السّهم يقع دون الغرض. زخرف الزُّخْرُفُ: الزّينة المزوّقة، ومنه قيل للذّهب: زُخْرُفٌ، وقال: أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها [يونس/ ٢٤] ، وقال: بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ [الإسراء/ ٩٣] ، أي: ذهب مزوّق، وقال: وَزُخْرُفاً [الزخرف/ ٣٥] ، وقال: زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام/ ١١٢] ، أي: المزوّقات من الكلام. زرب الزَّرَابِي: جمع زُرْبٍ، وهو ضرب من الثياب محبّر منسوب إلى موضع «٢» ، وعلى طريق التشبيه والاستعارة قال: وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية/ ١٦] ، والزَّرْبُ، وال زَّرِي بَةُ: موضع الغنم، وقترة الرّامي «٣» . زرع الزَّرْعُ: الإنبات، وحقيقة ذلك تكون بالأمور الإلهيّة دون البشريّة. قال: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة/ ٦٤] ، فنسب الحرث إليهم، ونفى عنهم الزَّرْعَ ونسبه إلى نفسه، وإذا نسب إلى العبد فلكونه فاعلا للأسباب التي هي سبب الزّرع، كما تقول أنبتّ كذا: أذا كنت من أسباب نباته، والزَّرْعُ في الأصل مصدر، وعبّر به عن الْمَزْرُوعِ نحو قوله: فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً [السجدة/ ٢٧] ، وقال: وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ [الدخان/ ٢٦] ، ويقال: زَرَعَ الله ولدك، تشبيها، كما تقول: أنبته الله، والمُزْرِعُ: الزَّرَّاعُ، وازْدَرَعَ النبات: صار ذا زرع. زرق الزُّرْقَةُ: بعض الألوان بين البياض والسواد، يقال: زَرَقَتْ عينه زُرْقَةً وزَرَقَاناً، وقوله تعالى: زُرْقاً يَتَخافَتُونَ [طه/ ١٠٢] ، أي: عميا عيونهم لا نور لها. والزُّرَقُ طائر، وقيل: زَرَقَ الطائرُ يَزْرِقُ «٤» ، وزَرَقَهُ بِالْمِزْرَاقِ: رماه به «٥» . زرى زَرَيْتُ عليه: عبته، وأَزْرَيْتُ به: قصّرت به،

стр. 362

وكذلك ازْدَرَيْتُ، وأصله: افتعلت قال: وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ [هود/ ٣١] ، أي: تستقلّهم، تقديره: تَزْدَرِيهِمْ أعينكم، أي: تستقلّهم وتستهين بهم. زعق الزُّعَاقُ: الماء الملح الشديد الملوحة، وطعام مَزْعُوقٌ: كثر ملحه حتى صار زُعَاقاً، وزَعَقَ به: أفزعه بصياحه، فَانْزَعَقَ، أي: فزع، والزَّعِقُ: الكثير الزّعق، أي: الصّوت، والزَّعَّاقُ: النّعّار «١» . زعم الزَّعْمُ: حكاية قول يكون مظنّة للكذب، ولهذا جاء في القرآن في كلّ موضع ذمّ القائلون به، نحو: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا [التغابن/ ٧] ، لْ زَعَمْتُمْ [الكهف/ ٤٨] ، كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام/ ٢٢] ، زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الإسراء/ ٥٦] ، وقيل للضّمان بالقول والرّئاسة: زَعَامَةٌ، فقيل للمتكفّل والرّئيس: زَعِيمٌ، للاعتقاد في قوليهما أنهما مظنّة للكذب. قال: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف/ ٧٢] ، أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ [القلم/ ٤٠] ، إمّا من الزَّعَامَةِ أي: الكفالة، أو من الزَّعْمِ بالقول. زف زَفَّ الإبل يَزِفُّ زَفّاً وزَفِيفاً، وأَزَفَّهَا سائقها، وقرئ: إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات/ ٩٤] ، أي: يسرعون، ويَزِفُّونَ «٢» أي: يحملون أصحابهم على الزَّفِيفِ. وأصل الزَّفِيفِ في هبوب الرّيح، وسرعة النّعام التي تخلط الطيران بالمشي. وزَفْزَفَ النّعام: أسرع، ومنه استعير: زَفَّ العروس، واستعارة ما يقتضي السّرعة لا لأجل مشيتها، ولكن للذّهاب بها على خفّة من السّرور. زفر قال: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ [الأنبياء/ ١٠٠] ، فَالزَّفِيرُ: تردّد النّفس حتى تنتفخ الضّلوع منه، وازْدَفَرَ فلان كذا: إذا تحمّله بمشقّة، فتردّد فيه نفسه، وقيل للإماء الحاملات للماء: زَوَافِرُ. زقم إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ [الدخان/ ٤٣- ٤٤] ، عبارة عن أطعمة كريهة في النار، ومنه استعير: زَقَمَ فلان وتَزَقَّمَ: إذا ابتلع شيئا كريها. زكا أصل الزَّكَاةِ: النّموّ الحاصل عن بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدّنيويّة والأخرويّة. يقال: زَكَا الزّرع يَزْكُو: إذا حصل منه نموّ وبركة. وقوله: أَيُّها أَزْكى طَعاماً [الكهف/ ١٩] ،

стр. 363

إشارة إلى ما يكون حلالا لا يستوخم عقباه، ومنه الزَّكاةُ: لما يخرج الإنسان من حقّ الله تعالى إلى الفقراء، وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النّفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعا، فإنّ الخيرين موجودان فيها. وقرن الله تعالى الزَّكَاةَ بالصّلاة في القرآن بقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة/ ٤٣] ، وبِزَكَاءِ النّفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحقّ في الدّنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة. وهو أن يتحرّى الإنسان ما فيه تطهيره، وذلك ينسب تارة إلى العبد لكونه مكتسبا لذلك، نحو: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس/ ٩] ، وتارة ينسب إلى الله تعالى، لكونه فاعلا لذلك في الحقيقة نحو: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ [النساء/ ٤٩] ، وتارة إلى النّبيّ لكونه واسطة في وصول ذلك إليهم، نحو: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة/ ١٠٣] ، يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ [البقرة/ ١٥١] ، وتارة إلى العبادة التي هي آلة في ذلك، نحو: وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً [مريم/ ١٣] ، لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [مريم/ ١٩] ، أي: مُزَكًّى بالخلقة، وذلك على طريق ما ذكرنا من الاجتباء، وهو أن يجعل بعض عباده عالما وطاهر الخلق لا بالتّعلّم والممارسة بل بتوفيق إلهيّ، كما يكون لجلّ الأنبياء والرّسل. ويجوز أن يكون تسميته بالمزكّى لما يكون عليه في الاستقبال لا في الحال، والمعنى: سَيَتَزَكَّى، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ [المؤمنون/ ٤] ، أي: يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكّيهم الله، أو لِيُزَكُّوا أنفسهم، والمعنيان واحد. وليس قوله: «للزّكاة» مفعولا لقوله: «فاعلون» ، بل اللام فيه للعلة والقصد. وتَزْكِيَةُ الإنسان نفسه ضربان: أحدهما: بالفعل، وهو محمود وإليه قصد بقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس/ ٩] ، وقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى/ ١٤] . والثاني: بالقول، كتزكية العدل غيره، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه، وقد نهى الله تعالى عنه فقال: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم/ ٣٢] ، ونهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح الإنسان نفسه عقلا وشرعا، ولهذا قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقّا؟ فقال: مدح الرّجل نفسه. زل الزَّلَّةُ في الأصل: استرسال الرّجل من غير قصد، يقال: زَلَّتْ رِجْل تَزِلُّ، والْمَزِلَّةُ: المكان الزّلق، وقيل للذّنب من غير قصد: زَلَّةٌ، تشبيها بزلّة الرّجل. قال تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ [البقرة/ ٢٠٩] ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ [البقرة/ ٣٦] ، واسْتَزَلَّهُ: إذا تحرّى زلّته، وقوله: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ [آل عمران/ ١٥٥] ، أي:

стр. 364

استجرّهم الشّيطان حتى زلّوا، فإنّ الخطيئة الصّغيرة إذا ترخّص الإنسان فيها تصير مسهّلة لسبيل الشّيطان على نفسه. وقوله ﵇: «من أُزِلَّتْ إليه نعمةٌ فليشكرها» «١» أي: من أوصل إليه نعمة بلا قصد من مسديها، تنبيها أنه إذا كان الشّكر في ذلك لازما فكيف فيما يكون عن قصده. والتَّزَلْزُلُ: الاضطراب، وتكرير حروف لفظه تنبيه على تكرير معنى الزّلل فيه، قال: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [الزلزلة/ ١] ، وقال: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج/ ١] ، وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [الأحزاب/ ١١] ، أي: زعزعوا من الرّعب. زلف الزُّلْفَةُ: المنزلة والحظوة «٢» ، وقوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً [الملك/ ٢٧] ، قيل: معناه: لمّا رأوا زلفة المؤمنين وقد حرموها. وقيل: استعمال الزّلفة في منزلة العذاب كاستعمال البشارة ونحوها من الألفاظ. وقيل لمنازل الليل: زُلَفٌ قال: وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [هود/ ١١٤] ، قال الشاعر: ٢١١- طيّ الليالي زلفا فزلفا «٣» والزُّلْفَى: الحظوة، قال الله تعالى: إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر/ ٣] ، والمَزَالِفُ: المراقي، وأَزْلَفْتُهُ: جعلت له زلفى، قال: وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ [الشعراء/ ٦٤] ، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [الشعراء/ ٩٠] ، وليلة الْمُزْدَلِفَةِ: خصّت بذلك لقربهم من منى بعد الإفاضة. وفي الحديث: «ازْدَلِفُوا إلى الله بركعتين» «٤» . زلق الزَّلَقُ والزّلل متقاربان، قال: صَعِيداً زَلَقاً [الكهف/ ٤٠] ، أي: دحضا لا نبات فيه، نحو قوله: فَتَرَكَهُ صَلْداً [البقرة/ ٢٦٤] ، والْمَزْلَقُ: المكان الدّحض. قال: لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ [القلم/ ٥١] ، وذلك كقول الشاعر:

стр. 365

٢١٢- نظرا يزيل مواضع الأقدام «١» ويقال: زَلقَهُ وأَزْلَقَهُ فَزَلقَ، قال يونس «٢» : لم يسمع الزَّلقُ والْإِزْلَاقُ إلّا في القرآن، وروي أنّ أبيّ بن كعب «٣» قرأ: (وأَزْلَقْنَا ثمّ الآخرين) «٤» أي: أهلكنا. زمر قال: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [الزمر/ ٧٣] ، جمع زُمْرَةٍ، وهي الجماعة القليلة، ومنه قيل: شاة زَمِرَةٌ: قليلة الشّعر، ورجل زَمِرٌ: قليل المروءة، وزَمَرَتِ النّعامة تَزْمِرُ زمَاراً، وعنه اشتقّ الزَّمْرُ، والزَّمَّارَةُ كناية عن الفاجرة. زمل يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل/ ١] ، أي: الْمُتَزَمِّلُ في ثوبه، وذلك على سبيل الاستعارة، كناية عن المقصّر والمتهاون بالأمر وتعريضا «٥» به، والزُّمَيْلُ: الضّعيف، قالت أمّ تأبّط شرّا: ( ليس بزمّيل ... شروب للقيل ) «٦» . زنم الزَّنِيمُ والْمَزَنَّمُ: الزّائد في القوم وليس

стр. 366

منهم، تشبيها بِالزَّنمَتَيْنِ من الشّاة، وهما المتدلّيتان من أذنها، ومن الحلق، قال تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [القلم/ ١٣] ، وهو العبد زلمة وزَنْمَةً، أي: المنتسب إلى قوم معلّق بهم لا منهم، وقال الشاعر: ٢١٣- فأنت زَنِيمٌ نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الرّاكب القدح الفرد «١» زنا الزِّنَاءُ: وطء المرأة من غير عقد شرعيّ، وقد يقصر، وإذا مدّ يصحّ أن يكون مصدر المفاعلة، والنّسبة إليه زَنَوِيٌّ، وفلان لِزِنْيَةٍ وزَنْيَةٍ «٢» ، قال الله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ [النور/ ٣] ، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي [النور/ ٢] ، وزنأ في الجبل بالهمز زنأ وزنوءا، والزّناء: الحاقن بوله، و «نهي الرّجل أن يصلّي وهو زناء» «٣» . زهد الزَّهِيدُ: الشيء القليل، والزَّاهِدُ في الشيء: الرّاغب عنه والرّاضي منه بالزّهيد، أي: القليل. قال تعالى: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [يوسف/ ٢٠] . زهق زَهَقَتْ نفسه: خرجت من الأسف على الشيء، قال: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ [التوبة/ ٥٥] . زيت زَيْتُونٌ، وزَيْتُونَةٌ، نحو: شجر وشجرة، قال تعالى: زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [النور/ ٣٥] ، والزَّيْتُ: عصارة الزّيتون، قال: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ [النور/ ٣٥] ، وقد زَاتَ طعامَهُ، نحو سمنه، وزَاتَ رأسَهُ، نحو دهنه به، وازْدَاتَ: ادّهن. زوج يقال لكلّ واحد من القرينين من الذّكر والأنثى في الحيوانات الْمُتَزَاوِجَةُ زَوْجٌ، ولكلّ قرينين فيها وفي غيرها زوج، كالخفّ والنّعل، ولكلّ ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادّ زوج. قال تعالى: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [القيامة/ ٣٩] ، وقال: وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة/ ٣٥] ، وزَوْجَةٌ لغة رديئة، وجمعها زَوْجَاتٌ، قال الشاعر:

стр. 367

٢١٤- فبكا بناتي شجوهنّ وزوجتي «١» وجمع الزّوج أَزْوَاجٌ. وقوله: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ [يس/ ٥٦] ، احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات/ ٢٢] ، أي: أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم، وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [الحجر/ ٨٨] ، أي: أشباها وأقرانا. وقوله: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ [يس/ ٣٦] ، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [الذاريات/ ٤٩] ، فتنبيه أنّ الأشياء كلّها مركّبة من جوهر وعرض، ومادّة وصورة، وأن لا شيء يتعرّى من تركيب يقتضي كونه مصنوعا، وأنه لا بدّ له من صانع تنبيها أنه تعالى هو الفرد، وقوله: خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [الذاريات/ ٤٩] ، فبيّن أنّ كلّ ما في العالم زوج من حيث إنّ له ضدّا، أو مثلا ما، أو تركيبا مّا، بل لا ينفكّ بوجه من تركيب، وإنما ذكر هاهنا زوجين تنبيها أنّ الشيء- وإن لم يكن له ضدّ، ولا مثل- فإنه لا ينفكّ من تركيب جوهر وعرض، وذلك زوجان، وقوله: أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى [طه/ ٥٣] ، أي: أنواعا متشابهة، وكذلك قوله: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [لقمان/ ١٠] ، ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الأنعام/ ١٤٣] ، أي: أصناف. وقوله: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة/ ٧] ، أي: قرناء ثلاثا، وهم الذين فسّرهم بما بعد «٢» . وقوله: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير/ ٧] ، فقد قيل: معناه: قرن كلّ شيعة بمن شايعهم في الجنّة والنار، نحو: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات/ ٢٢] ، وقيل: قرنت الأرواح بأجسادها حسبما نبّه عليه قوله في أحد التّفسيرين: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر/ ٢٧- ٢٨] ، أي: صاحبك. وقيل: قرنت النّفوس بأعمالها حسبما نبّه قوله: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [آل عمران/ ٣٠] ، وقوله: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ [الدخان/ ٥٤] ، أي: قرنّاهم بهنّ، ولم يجئ في القرآن زوّجناهم حورا، كما يقال زوّجته امرأة، تنبيها أن ذلك لا يكون على حسب المتعارف فيما بيننا من المناكحة. زاد الزِّيادَةُ: أن ينضمّ إلى ما عليه الشيء في نفسه شيء آخر، يقال: زِدْتُهُ فَازْدَادَ، وقوله وَنَزْدادُ

стр. 368

كَيْلَ بَعِيرٍ [يوسف/ ٦٥] ، نحو: ازْدَدْتُ فضلا، أي: ازداد فضلي، وهو من باب: سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة/ ١٣٠] ، وذلك قد يكون زيادة مذمومة كالزّيادة على الكفاية، مثل زيادة الأصابع، والزّوائد في قوائم الدّابّة، وزِيَادَةُ الكبد، وهي قطعة معلّقة بها يتصوّر أن لا حاجة إليها لكونها غير مأكولة، وقد تكون زيادة محمودة، نحو قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس/ ٢٦] ، وروي من طرق مختلفة أنّ هذه الزّيادة النّظر إلى وجه الله «١» ، إشارة إلى إنعام وأحوال لا يمكن تصوّرها في الدّنيا. وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة/ ٢٤٧] ، أي: أعطاه من العلم والجسم قدرا يزيد على ما أعطى أهل زمانه، وقوله: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً [مريم/ ٧٦] ، ومن الزّيادة المكروهة قوله: ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [فاطر/ ٤٢] ، وقوله: زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ [النحل/ ٨٨] ، فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ [هود/ ٦٣] ، وقوله: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة/ ١٠] ، فإنّ هذه الزّيادة هو ما بني عليه جبلّة الإنسان، أنّ من تعاطى فعلا إن خيرا وإن شرّا تقوّى فيما يتعاطاه فيزداد حالا فحالا. وقوله: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق/ ٣٠] ، يجوز أن يكون ذلك استدعاء للزّيادة، ويجوز أن يكون تنبيها أنها قد امتلأت، وحصل فيها ما ذكر تعالى في قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [السجدة/ ١٣] . يقال: زدته، وزاد هو، وازْدَادَ، قال وَازْدَادُوا تِسْعاً [الكهف/ ٢٥] ، وقال: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً [آل عمران/ ٩٠] ، وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ [الرعد/ ٨] ، وشرّ زَائِدٌ وزَيْدٌ. قال الشاعر: ٢١٥- وأنتمو معشر زيد على مائة ... فأجمعوا أمركم كيدا فكيدوني «٢» والزَّادُ: المدّخر الزّائد على ما يحتاج إليه في الوقت، والتَّزَوُّدُ: أخذ الزّاد، قال: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [البقرة/ ١٩٧] ، والْمِزْوَدُ: ما يجعل فيه الزّاد من الطّعام، والْمَزَادَةُ: ما يجعل فيه الزّاد من الماء. زور الزَّوْرُ: أعلى الصّدر، وزُرْتُ فلانا: تلقّيته

стр. 369

بزوري، أو قصدت زوره، نحو: وجهته، ورجل زَائِرٌ، وقوم زَوْرٌ، نحو سافر وسفر، وقد يقال: رجل زَوْرٌ، فيكون مصدرا موصوفا به نحو: ضيف، والزَّوَرُ: ميل في الزّور، والْأَزْوَرُ: المائلُ الزّور، وقوله: تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ [الكهف/ ١٧] ، أي: تميل، قرئ بتخفيف الزاي وتشديده «١» وقرئ: تَزْوَرُّ «٢» . قال أبو الحسن: لا معنى لتزورّ هاهنا، لأنّ الِازْوِرَارَ الانقباض، يقال: تَزَاوَرَ عنه، وازْوَرَّ عنه، ورجلٌ أَزْوَرُ، وقومٌ زَوَّرٌ، وبئرٌ زَوْرَاءُ: مائلة الحفر وقيل لِلْكَذِبِ: زُورٌ، لكونه مائلا عن جهته، قال: ظُلْماً وَزُوراً [الفرقان/ ٤] ، وقَوْلَ الزُّورِ [الحج/ ٣٠] ، مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً [المجادلة/ ٢] ، لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان/ ٧٢] ، ويسمّى الصّنم زُوراً في قول الشاعر: ٢١٦- جاءوا بزوريهم وجئنا بالأصم «٣» لكون ذلك كذبا وميلا عن الحقّ. زيغ الزَّيْغُ: الميل عن الاستقامة، والتَّزَايُغُ: التمايل، ورجل زَائِغٌ، وقوم زَاغَةٌ، وزائغون، وزاغت الشمس، وزَاغَ البصر، وقال تعالى: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ [الأحزاب/ ١٠] ، يصحّ أن يكون إشارة إلى ما يداخلهم من الخوف حتى اظلمّت أبصارهم، ويصحّ أن يكون إشارة إلى ما قال: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران/ ١٣] ، وقال: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [النجم/ ١٧] ، مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ [التوبة/ ١١٧] ، فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف/ ٥] ، لمّا فارقوا الاستقامة عاملهم بذلك. زال زَالَ الشيء يَزُولُ زَوَالًا: فارق طريقته جانحا عنه، وقيل: أَزَلْتُهُ، وزَوَّلْتُهُ، قال: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر/ ٤١] ، وَلَئِنْ زالَتا [فاطر/ ٤١] ، لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [إبراهيم/ ٤٦] ، والزَّوَالُ يقال في شيء قد كان ثابتا قبل، فإن قيل: قد قالوا: زوال الشمس، ومعلوم أن لا ثبات للشمس بوجه، قيل: إنّ ذلك قالوه لاعتقادهم في الظّهيرة أنّ لها

стр. 370

ثباتا في كبد السماء، ولهذا قالوا: قام قائم الظّهيرة، وسار النهار، وقيل: زَالَهُ يَزِيلُهُ «١» زَيْلًا، قال الشاعر: ٢١٧- زَالَ زوالها «٢» أي: أذهب الله حركتها، والزَّوَالُ: التّصرّف. وقيل: هو نحو قولهم: أسكت الله نأمته «٣» ، وقال الشاعر: ٢١٨- إذا ما رأتنا زال منها زويلها «٤» ومن قال: زال لا يتعدّى، قال: (زوالها) نصب على المصدر، وتَزَيَّلُوا [الفتح/ ٢٥] ، تفرّقوا، قال فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ [يونس/ ٢٨] ، وذلك على التّكثير فيمن قال: زلت متعدّ، نحو: مزته وميّزته، وقولهم: مَا زَالَ ولا يزال خصّا بالعبارة، وأجريا مجرى كان في رفع الاسم ونصب الخبر، وأصله من الياء، لقولهم: زَيَّلْتُ، ومعناه معنى ما برحت، وعلى ذلك: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود/ ١١٨] ، وقوله: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ [التوبة/ ١١٠] ، وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد/ ٣١] ، فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ [غافر/ ٣٤] ، ولا يصحّ أن يقال: ما زال زيد إلّا منطلقا، كما يقال: ما كان زيد إلّا منطلقا، وذلك أنّ زَالَ يقتضي معنى النّفي، إذ هو ضدّ الثّبات، وما ولا: يقتضيان النّفي، والنّفيان إذا اجتمعا اقتضيا الإثبات، فصار قولهم: ما زَالَ يجري مجرى (كان) في كونه إثباتا فكما لا يقال: كان زيد إلا منطلقا لا يقال: ما زال زيد إلا منطلقا. زين الزِّينَةُ الحقيقيّة: ما لا يشين الإنسان في شيء من أحواله لا في الدنيا، ولا في الآخرة، فأمّا ما يزينه في حالة دون حالة فهو من وجه شين، والزِّينَةُ بالقول المجمل ثلاث: زينة نفسيّة كالعلم، والاعتقادات الحسنة، وزينة بدنيّة، كالقوّة وطول القامة، وزينة خارجيّة كالمال والجاه. فقوله: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ

стр. 371

[الحجرات/ ٧] ، فهو من الزّينة النّفسيّة، وقوله: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ [الأعراف/ ٣٢] ، فقد حمل على الزّينة الخارجيّة، وذلك أنه قد روي: (أنّ قوما كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهوا عن ذلك بهذه الآية) «١» ، وقال بعضهم: بل الزّينة المذكورة في هذه الآية هي الكرم المذكور في قوله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات/ ١٣] ، وعلى هذا قال الشاعر: ٢١٩- وزِينَةُ العاقل حسن الأدب «٢» وقوله: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ [القصص/ ٧٩] ، فهي الزّينة الدّنيويّة من المال والأثاث والجاه، يقال: زَانَهُ كذا، وزَيَّنَهُ: إذا أظهر حسنه، إمّا بالفعل، أو بالقول، وقد نسب الله تعالى التّزيين في مواضع إلى نفسه، وفي مواضع إلى الشيطان، وفي مواضع ذكره غير مسمّى فاعله، فممّا نسبه إلى نفسه قوله في الإيمان: وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات/ ٧] ، وفي الكفر قوله: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [النمل/ ٤] ، زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [الأنعام/ ١٠٨] ، وممّا نسبه إلى الشيطان قوله: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [الأنفال/ ٤٨] ، وقوله تعالى: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحجر/ ٣٩] ، ولم يذكر المفعول لأنّ المعنى مفهوم. وممّا لم يسمّ فاعله قوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ [آل عمران/ ١٤] ، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ [التوبة/ ٣٧] ، وقال: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا [البقرة/ ٢١٢] ، وقوله: زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ «٣» ، تقديره: زيّنه شركاؤهم «٤» ، وقوله: زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [فصلت/ ١٢] ، وقوله: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [الصافات/ ٦] ، وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ [الحجر/ ١٦] ، فإشارة إلى الزّينة

стр. 372

التي تدرك بالبصر التي يعرفها الخاصّة والعامّة، وإلى الزّينة المعقولة التي يختصّ بمعرفتها الخاصّة، وذلك أحكامها وسيرها. وتَزْيِينُ الله للأشياء قد يكون بإبداعها مزيّنة، وإيجادها كذلك، وتَزْيِينُ الناس للشيء: بتزويقهم، أو بقولهم، وهو أن يمدحوه ويذكروه بما يرفع منه. تمّ كتاب الزاي

стр. 373

كتاب السّين سبب السَّبَبُ: الحبل الذي يصعد به النّخل، وجمعه أَسْبَابٌ، قال: فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ [ص/ ١٠] ، والإشارة بالمعنى إلى نحو قوله: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [الطور/ ٣٨] ، وسمّي كلّ ما يتوصّل به إلى شيء سَبَباً، قال تعالى: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً [الكهف/ ٨٤- ٨٥] ، ومعناه: أنّ الله تعالى آتاه من كلّ شيء معرفة، وذريعة يتوصّل بها، فأتبع واحدا من تلك الأسباب، وعلى ذلك قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ [غافر/ ٣٦- ٣٧] ، أي: لعلّي أعرف الذرائع والأسباب الحادثة في السماء، فأتوصّل بها إلى معرفة ما يدعيه موسى، وسمّي العمامة والخمار والثوب الطويل سَبَباً «١» ، تشبيها بالحبل في الطّول. وكذا منهج الطريق وصف بالسّبب، كتشبيهه بالخيط مرّة، وبالثوب الممدود مرّة. والسَّبُّ: الشّتم الوجيع، قال: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام/ ١٠٨] ، وسَبَّهُمْ لله ليس على أنهم يَسُبُّونَهُ صريحا، ولكن يخوضون في ذكره فيذكرونه بما لا يليق به، ويتمادون في ذلك بالمجادلة، فيزدادون في ذكره بما تنزّه تعالى عنه. وقول الشاعر: ٢٢٠- فما كان ذنب بني مالك ... بأن سبّ منهم غلاما فسبّ ٢٢١- بأبيض ذي شطب قاطع ... يقطّ العظام ويبري العصب «٢» فإنه نبّه على ما قال الآخر:

стр. 374

٢٢٢- ونشتم بالأفعال لا بالتّكلّم «١» والسِّبُّ: الْمُسَابِبُ، قال الشاعر: ٢٢٣- لا تسبّنّني فلست بسبّي ... إنّ سبّي من الرّجال الكريم «٢» والسُّبَّةُ: ما يسبّ، وكنّي بها عن الدّبر، وتسميته بذلك كتسميته بالسّوأة. والسَّبَّابَةُ سمّيت للإشارة بها عند السّبّ، وتسميتها بذلك كتسميتها بالم سبّح ة، لتحريكها بالتسبيح. سبت أصل السَّبْتُ: القطع، ومنه سبت السّير: قطعه، وسَبَتَ شعره: حلقه، وأنفه: اصطلمه، وقيل: سمّي يوم السَّبْت، لأنّ الله تعالى ابتدأ بخلق السموات والأرض يوم الأحد، فخلقها في ستّة أيّام كما ذكره، فقطع عمله يوم السّبت فسمّي بذلك، وسَبَتَ فلان: صار في السّبت وقوله: يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً [الأعراف/ ١٦٣] ، قيل: يوم قطعهم للعمل، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ [الأعراف/ ١٦٣] ، قيل: معناه لا يقطعون العمل، وقيل: يوم لا يكونون في السّبت، وكلاهما إشارة إلى حالة واحدة، وقوله: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ [النحل/ ١٢٤] ، أي: ترك العمل فيه، وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً [النبأ/ ٩] ، أي: قطعا للعمل، وذلك إشارة إلى ما قال في صفة اللّيل: لِتَسْكُنُوا فِيهِ [يونس/ ٦٧] . سبح السَّبْحُ: المرّ السّريع في الماء، وفي الهواء، يقال: سَبَحَ سَبْحاً وسِبَاحَةً، واستعير لمرّ النجوم في الفلك نحو: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء/ ٣٣] ، ولجري الفرس نحو: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً [النازعات/ ٣] ، ولسرعة الذّهاب في العمل نحو: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [المزمل/ ٧] ، والتَّسْبِيحُ: تنزيه الله تعالى. وأصله: المرّ السّريع في عبادة الله تعالى، وجعل ذلك في فعل الخير كما جعل الإبعاد في الشّرّ، فقيل: أبعده الله، وجعل التَّسْبِيحُ عامّا في العبادات قولا كان، أو فعلا، أو نيّة، قال: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [الصافات/ ١٤٣] ، قيل: من المصلّين «٣» ، والأولى أن يحمل على ثلاثتها، قال: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ [البقرة/ ٣٠] ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِ [غافر/ ٥٥] ، فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ

стр. 375

[ق/ ٤٠] ، قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ [القلم/ ٢٨] ، أي: هلّا تعبدونه وتشكرونه، وحمل ذلك على الاستثناء، وهو أن يقول: إن شاء الله، ويدلّ على ذلك قوله: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ [القلم/ ١٧] ، وقال: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء/ ٤٤] ، فذلك نحو قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الرعد/ ١٥] ، وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [النحل/ ٤٩] ، فذلك يقتضي أن يكون تسبيحا على الحقيقة، وسجودا له على وجه لا نفقهه، بدلالة قوله: وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء/ ٤٤] ، ودلالة قوله: وَمَنْ فِيهِنَّ [الإسراء/ ٤٤] ، بعد ذكر السّموات والأرض، ولا يصحّ أن يكون تقديره: يسبّح له من في السّموات، ويسجد له من في الأرض، لأنّ هذا ممّا نفقهه، ولأنه محال أن يكون ذلك تقديره، ثم يعطف عليه بقوله: وَمَنْ فِيهِنَّ والأشياء كلّها تسبّح له وتسجد، بعضها بالتّسخير وبعضها بالاختيار، ولا خلاف أنّ السّموات والأرض والدّوابّ مُسَبِّحَاتٌ بالتّسخير، من حيث إنّ أحوالها تدلّ على حكمة الله تعالى، وإنّما الخلاف في السموات والأرض هل تسبّح باختيار؟ والآية تقتضي ذلك بما ذكرت من الدّلالة، و (سُبْحَانَ) أصله مصدر نحو: غفران، قال فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ [الروم/ ١٧] ، وسُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا [البقرة/ ٣٢] ، وقول الشاعر: ٢٢٤- سبحان من علقمة الفاخر «١» قيل: تقديره سبحان علقمة على طريق التّهكّم، فزاد فيه (من) ردّا إلى أصله «٢» ، وقيل: أراد سبحان الله من أجل علقمة، فحذف المضاف إليه. والسُّبُّوحُ القدّوس من أسماء الله تعالى «٣» ، وليس في كلامهم فعّول سواهما «٤» ،

стр. 376

وقد يفتحان، نحو: كلّوب وسمّور، والسُّبْحَةُ: التّسبيح، وقد يقال للخرزات التي بها يسبّح: سبحة. سبخ قرئ: (إنّ لك في النّهار سَبْخاً) «١» أي: سعة في التّصرّف، وقد سَبَخَ الله عنه الحمّى فَتَسَبَّخَ، أي: تغشّى، والسَّبِيخُ: ريش الطائر، والقطن المندوف، ونحو ذلك ممّا ليس فيه اكتناز وثقل. سبط أصل السَّبْط: انبساط في سهولة، يقال: شَعْرٌ سَبْطٌ، وسَبِطٌ، وقد سَبِطَ سُبُوطاً وسَبَاطَةً وسَبَاطاً، وامرأة سَبْطَةُ الخلقة، ورجل سَبْطُ الكفّين: ممتدّهما، ويعبّر به عن الجود، والسِّبْطُ: ولد الولد، كأنه امتداد الفروع، قال: وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ [البقرة/ ١٣٦] ، أي: قبائل كلّ قبيلة من نسل رجل، وقال تعالى: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً [الأعراف/ ١٦٠] ، والسَّابَاطُ: المنبسط بين دارين. وأخذت فلانا سَبَاطِ، أي: حمّى تمطّه، والسُّبَاطَةُ خط من قمامة، وسَبَطَتِ النّاقة ولدها، أي: ألقته. سبع أصل السَّبْع العدد، قال: سَبْعَ سَماواتٍ [البقرة/ ٢٩] ، سَبْعاً شِداداً [النبأ/ ١٦] ، يعني: السموات السّبع وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ [يوسف/ ٤٦] ، سَبْعَ لَيالٍ [الحاقة/ ٧] ، سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف/ ٢٢] ، سَبْعُونَ ذِراعاً [الحاقة/ ٣٢] ، سَبْعِينَ مَرَّةً [التوبة/ ٨٠] ، سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الحجر/ ٨٧] . قيل: سورة الحمد لكونها سبع آيات، السَّبْعُ الطّوال: من البقرة إلى الأعراف، وسمّي سور القرآن المثاني، لأنه يثنى فيها القصص، ومنه: السَّبْعُ، والسَّبِيعُ والسِّبْعُ، في الورود. والْأُسْبُوعُ جمعه: أَسَابِيعُ، ويقال: طفت بالبيت أسبوعا، وأسابيع، وسَبَعْتُ القومَ: كنت سابعهم، وأخذت سبع أموالهم، والسَّبُعُ: معروف. وقيل: سمّي بذلك لتمام قوّته، وذلك أنّ السَّبْعَ من الأعداد التامّة، وقول الهذليّ: ٢٢٥- كأنّه عبد لآل أبي ربيعة مسبع «٢» أي: قد وقع السّبع في غنمه، وقيل: معناه

стр. 377

المهمل مع السّباع، ويروى (مُسْبَع) بفتح الباء، وكنّي بالمسبع عن الدّعيّ الذي لا يعرف أبوه، وسَبَعَ فلان فلانا: اغتابه، وأكل لحمه أكل السّباع، والْمَسْبَع: موضع السَّبُع. سبغ درع سَابِغٌ: تامّ واسع. قال الله تعالى: أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ [سبأ/ ١١] ، وعنه استعير إِسْبَاغُ الوضوء، وإسباغ النّعم قال: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان/ ٢٠] . سبق أصل السَّبْقِ: التّقدّم في السّير، نحو: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً [النازعات/ ٤] ، والِاسْتِبَاقُ: التَّسَابُقُ. قال: إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ [يوسف/ ١٧] ، وَاسْتَبَقَا الْبابَ [يوسف/ ٢٥] ، ثم يتجوّز به في غيره من التّقدّم، قال: ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [الأحقاف/ ١١] ، سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [طه/ ١٢٩] ، أي: نفدت وتقدّمت، ويستعار السَّبْقُ لإحراز الفضل والتّبريز، وعلى ذلك: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة/ ١٠] ، أي: المتقدّمون إلى ثواب الله وجنّته بالأعمال الصّالحة، نحو قوله: وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [آل عمران/ ١١٤] ، وكذا قوله: وَهُمْ لَها سابِقُونَ [المؤمنون/ ٦١] ، وقوله: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [الواقعة/ ٦٠] ، أي: لا يفوتوننا، وقال: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا [الأنفال/ ٥٩] ، وقال: وَما كانُوا سابِقِينَ [العنكبوت/ ٣٩] ، تنبيه أنهم لا يفوتونه. سبل السَّبِيلُ: الطّريق الذي فيه سهولة، وجمعه سُبُلٌ، قال: وَأَنْهاراً وَسُبُلًا [النحل/ ١٥] ، وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا [الزخرف/ ١٠] ، لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ [الزخرف/ ٣٧] ، يعني به طريق الحق، لأنّ اسم الجنس إذا أطلق يختصّ بما هو الحقّ، وعلى ذلك: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس/ ٢٠] ، وقيل لسالكه سَابِلٌ، وجمعه سَابِلَةٌ، وسبيل سابل، نحو شعر شاعر، وابن السَّبِيلِ: المسافر البعيد عن منزله، نسب إلى السّبيل لممارسته إيّاه، ويستعمل السَّبِيلُ لكلّ ما يتوصّل به إلى شيء خيرا كان أو شرّا، قال: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل/ ١٢٥] ، قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [يوسف/ ١٠٨] ، وكلاهما واحد لكن أضاف الأوّل إلى المبلّغ، والثاني إلى السّالك بهم، قال: قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران/ ١٦٩] ، إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر/ ٢٩] ، وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام/ ٥٥] ،

стр. 378

فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ [النحل/ ٦٩] ، ويعبّر به عن المحجّة، قال: قُلْ: هذِهِ سَبِيلِي [يوسف/ ١٠٨] ، سُبُلَ السَّلامِ [المائدة/ ١٦] ، أي: طريق الجنة، ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة/ ٩١] ، فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى/ ٤١] ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ [الشورى/ ٤٢] ، إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء/ ٤٢] ، وقيل: أَسْبَلَ ال سّت ر، والذّيل، وفرس مُسْبَلُ الذّنب، وسَبَلَ المطرُ، وأَسْبَلَ، وقيل للمطر: سَبَلٌ ما دام سَابِلًا، أي: سائلا في الهواء، وخصّ السَّبَلَةُ بشعر الشّفة العليا لما فيها من التّحدّر، والسُّنْبُلَةُ جمعها سَنَابِلُ، وهي ما على الزّرع، قال: سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ [البقرة/ ٢٦١] ، وقال: سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ [يوسف/ ٤٦] ، وأَسْبَلَ الزّرعُ: صار ذا سنبلة، نحو: أحصد وأجنى، والْمُسْبِلُ اسم القدح الخامس. سبأ قال : وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل/ ٢٢] ، سَبَأ اسم بلد تفرق أهله، ولهذا يقال: ذهبوا أيادي سبأ «١» ، أي: تفرّقوا تفرّق أهل هذا المكان من كلّ جانب، وسَبَأْتُ الخمر: اشتريتها، والسَّابِيَاءُ: جِلْدٌ فيه الولد «٢» . ست قال تعالى: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الأعراف/ ٥٤] ، وقال: سِتِّينَ مِسْكِيناً [المجادلة/ ٤] ، فأصل ذلك سُدُسٌ، ويذكر في بابه إن شاء الله. ستر السَّتْرُ: تغطية الشّيء، والسِّتْرُ والسُّتْرَةُ: ما يستتر به، قال: لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً [الكهف/ ٩٠] ، حِجاباً مَسْتُوراً [الإسراء/ ٤٥] ، والِاسْتِتَارُ: الاختفاء، قال: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ [فصلت/ ٢٢] . سجد السُّجُودُ أصله: التّطامن «٣» والتّذلّل، وجعل ذلك عبارة عن التّذلّل لله وعبادته، وهو عامّ في الإنسان، والحيوانات، والجمادات، وذلك ضربان: سجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحقّ الثواب، نحو قوله: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم/ ٦٢] ، أي: تذللوا له، وسجود تسخير، وهو للإنسان، والحيوانات، والنّبات، وعلى ذلك قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [الرعد/ ١٥] ، وقوله: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ

стр. 379

سُجَّداً لِلَّهِ [النحل/ ٤٨] ، فهذا سجود تسخير، وهو الدّلالة الصامتة الناطقة المنبّهة على كونها مخلوقة، وأنّها خلق فاعل حكيم، وقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ [النحل/ ٤٩] ، ينطوي على النّوعين من السّجود، التّسخير والاختيار، وقوله: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [الرحمن/ ٦] ، فذلك على سبيل التّسخير، وقوله: اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة/ ٣٤] ، قيل: أمروا بأن يتّخذوه قبلة، وقيل: أمروا بالتّذلّل له، والقيام بمصالحه، ومصالح أولاده، فائتمروا إلّا إبليس، وقوله: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً [النساء/ ١٥٤] ، أي: متذلّلين منقادين، وخصّ السّجود في الشريعة بالرّكن المعروف من الصلاة، وما يجري مجرى ذلك من سجود القرآن، وسجود الشّكر، وقد يعبّر به عن الصلاة بقوله: وَأَدْبارَ السُّجُودِ [ق/ ٤٠] ، أي: أدبار الصلاة، ويسمّون صلاة الضّحى: سبحة الضّحى، وسُجُود الضّحى، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [طه/ ١٣٠] قيل: أريد به الصلاة «١» ، والمَسْجِدُ: موضع الصلاة اعتبارا بالسجود، وقوله: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [الجن/ ١٨] ، قيل: عني به الأرض، إذ قد جعلت الأرض كلّها مسجدا وطهورا كما روي في الخبر «٢» ، وقيل: الْمَسَاجِدَ: مواضع السّجود: الجبهة والأنف واليدان والرّكبتان والرّجلان، وقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ [النمل/ ٢٥] «٣» أي: يا قوم اسجدوا، وقوله: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [يوسف/ ١٠٠] ، أي: متذلّلين، وقيل: كان السّجود على سبيل الخدمة في ذلك الوقت سائغا، وقول الشاعر: ٢٢٦- وافى بها لدراهم الْإِسْجَادِ «٤» عنى بها دراهم عليها صورة ملك سجدوا له. سجر السَّجْرُ: تهييج النار، يقال: سَجَرْتُ التَّنُّورَ، ومنه: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [الطور/ ٦] ، قال الشاعر:

стр. 380

٢٢٧- إذا شاء طالع مَسْجُورَة ... ترى حولها النّبع والسّاسما «١» وقوله: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ [التكوير/ ٦] «٢» أي: أضرمت نارا، عن الحسن «٣» ، وقيل: غيضت مياهها، وإنما يكون كذلك لتسجير النار فيه، ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر/ ٧٢] ، نحو: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [البقرة/ ٢٤] ، وسَجَرَتِ الناقة، استعارة لالتهابها في العدو، نحو: اشتعلت الناقة، والسَّجِيرُ: الخليل الذي يسجر في مودّة خليله، كقولهم: فلان محرق في مودّة فلان، قال الشاعر: ٢٢٨- سُجَرَاءُ نفسي غير جمع أشابة «٤» سجل السَّجْلُ: الدّلو العظيمة، وسَجَلْتُ الماء فَانْسَجَلَ، أي: صببته فانصبّ، وأَسْجَلْتُهُ: أعطيته سجلا، واستعير للعطيّة الكثيرة، والْمُسَاجَلَةُ: المساقاة بالسّجل، وجعلت عبارة عن المباراة والمناضلة، قال: ٢٢٩- من يساجلني يساجل ماجدا «٥» والسِّجِّيلُ: حجر وطين مختلط، وأصله فيما قيل: فارسيّ معرّب، والسِّجِلُّ: قيل حجر كان يكتب فيه، ثم سمّي كلّ ما يكتب فيه سجلّا، قال تعالى: كطيّ السّجلّ للكتاب [الأنبياء/ ١٠٤] «٦» ، أي: كطيّه لما كتب فيه حفظا له. سجن السَّجْنُ: الحبس في السِّجْنِ، وقرئ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ [يوسف/ ٣٣] ، بفتح السين «٧» وكسرها. قال: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ

стр. 381

[يوسف/ ٣٥] ، وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ [يوسف/ ٣٦] ، وال سِّجِّي نُ: اسم لجهنم، بإزاء علّيّين، وزيد لفظه تنبيها على زيادة معناه، وقيل: هو اسم للأرض السابعة «١» ، قال: لَفِي سِجِّينٍ وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ [المطففين/ ٧- ٨] ، وقد قيل: إنّ كلّ شيء ذكره الله تعالى بقوله: وَما أَدْراكَ فسّره، وكلّ ما ذكر بقوله: وَما يُدْرِيكَ تركه مبهما «٢» ، وفي هذا الموضع ذكر: وَما أَدْراكَ، وكذا في قوله: وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ [المطففين/ ١٩] «٣» ، ثم فسّر الكتاب لا السّجّين والعليّين، وفي هذه لطيفة موضعها الكتب التي تتبع هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، لا هذا. سجى قال تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا سَجى [الضحى/ ٢] ، أي: سكن، وهذا إشارة إلى ما قيل: هدأت الأرجل، وعين سَاجِيَةٌ: فاترة الطّرف، وسَجَى البحر سَجْواً: سكنت أمواجه، ومنه استعير: تَسْجِيَةُ الميّت، أي: تغطيته بالثوب. سحب أصل السَّحْبِ: الجرّ كسحب الذّيل، والإنسان على الوجه، ومنه: السَّحَابُ، إمّا لجرّ الرّيح له، أو لجرّه الماء، أو لانجراره في مرّه، قال تعالى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ [القمر/ ٤٨] ، وقال تعالى: يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ [غافر/ ٧١] ، وقيل: فلان يَتَسَحَّبُ على فلان، كقولك: ينجرّ، وذلك إذا تجرّأ عليه، والسَّحَابُ: الغيم فيها ماء أو لم يكن، ولهذا يقال: سحاب جهام «٤» ، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً [النور/ ٤٣] ، حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً [الأعراف/ ٥٧] ، وقال: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ [الرعد/ ١٢] ، وقد يذكر لفظه ويراد به الظّلّ والظّلمة، على طريق التّشبيه، قال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ [النور/ ٤٠] . سحت السُّحْتُ: القشر الذي يستأصل، قال تعالى:

стр. 382

فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ «١» . [طه/ ٦١] ، وقرئ: فَيَسْحِتَكُمْ يقال: سَحَتَهُ وأَسْحَتَهُ، ومنه: السَّحْتُ والسُّحْتُ للمحظور الذي يلزم صاحبه العار، كأنه يسحت دينه ومروءته، قال تعالى: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة/ ٤٢] ، أي: لما يسحت دينهم. وقال ﵇: «كلّ لحم نبت من سحت فالنّار أولى به» «٢» ، وسمّي الرّشوة سحتا لذلك، وروي «كسب الحجّام سحت» «٣» فهذا لكونه سَاحِتاً للمروءة لا للدّين، ألا ترى أنه أذن ﵇ في إعلافه الناضح وإطعامه المماليك «٤» . سحر السَّحَرُ «٥» : طرف الحلقوم، والرّئة، وقيل: انتفخ سحره، وبعير سَحِيرٌ: عظيم السَّحَرِ، والسُّحَارَةُ: ما ينزع من السّحر عند الذّبح فيرمى به، وجعل بناؤه بناء النّفاية والسّقاطة. وقيل: منه اشتقّ السِّحْرُ، وهو: إصابة السّحر. والسِّحْرُ يقال على معان: الأوّل: الخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعبذ بصرف الأبصار عمّا يفعله لخفّة يد، وما يفعله النمّام بقول مزخرف عائق للأسماع، وعلى ذلك قوله تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ [الأعراف/ ١١٦] ، وقال: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ [طه/ ٦٦] ، وبهذا النّظر سمّوا موسى ﵇ سَاحِراً فقالوا: يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ [الزخرف/ ٤٩] . والثاني: استجلاب معاونة الشّيطان بضرب من التّقرّب إليه، كقوله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء/ ٢٢١- ٢٢٢] ، وعلى ذلك قوله تعالى: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة/

стр. 383

١٠٢] ، والثالث: ما يذهب إليه الأغتام «١» ، وهو اسم لفعل يزعمون أنه من قوّته يغيّر الصّور والطّبائع، فيجعل الإنسان حمارا، ولا حقيقة لذلك عند المحصّلين. وقد تصوّر من السّحر تارة حسنه، فقيل: «إنّ من البيان لسحرا» «٢» ، وتارة دقّة فعله حتى قالت الأطباء: الطّبيعية ساحرة، وسمّوا الغذاء سِحْراً من حيث إنه يدقّ ويلطف تأثيره، قال تعالى: بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر/ ١٥] ، أي: مصروفون عن معرفتنا بالسّحر. وعلى ذلك قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشعراء/ ١٥٣] ، قيل: ممّن جعل له سحر تنبيها أنه محتاج إلى الغذاء، كقوله تعالى: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ [الفرقان/ ٧] ، ونبّه أنه بشر كما قال: ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [الشعراء/ ١٥٤] ، وقيل: معناه ممّن جعل له سحر يتوصّل بلطفه ودقّته إلى ما يأتي به ويدّعيه، وعلى الوجهين حمل قوله تعالى: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [الإسراء/ ٤٧] ، وقال تعالى: فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً [الإسراء/ ١٠١] ، وعلى المعنى الثاني دلّ قوله تعالى: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [سبأ/ ٤٣] ، قال تعالى: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف/ ١١٦] ، وقال: أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ [يونس/ ٧٧] ، وقال: فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء/ ٣٨] ، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ [طه/ ٧٠] ، والسَّحَرُ والسَّحَرَةُ: اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار، وجعل اسما لذلك الوقت، ويقال: لقيته بأعلى السّحرين، والْمُسْحِرُ: الخارج سحرا، والسَّحُورُ: اسم للطعام المأكول سحرا، والتَّسَحُّرُ: أكله. سحق السَّحْقُ: تفتيت الشيء، ويستعمل في الدّواء إذا فتّت، يقال: سَحَقْتُهُ فَانْسَحَقَ، وفي الثوب إذا أخلق، يقال: أَسْحَقَ، والسُّحْقُ: الثوب البالي، ومنه قيل: أَسْحَقَ الضّرعُ، أي: صار سَحْقاً لذهاب لبنه، ويصحّ أن يُجعل إِسْحَاقُ منه، فيكون حينئذ منصرفا «٣» ، وقيل: أبعده الله وأَسْحَقَهُ، أي: جعله سَحِيقاً، وقيل: سَحَقَهُ، أي جعله باليا، قال تعالى: فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ [الملك/ ١١] ، وقال تعالى: أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الحج/ ٣١] ، ودم مُنْسَحِقٌ، وسَحُوقٌ مستعار، كقولهم: مدرور.

стр. 384

سحل قال : فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ [طه/ ٣٩] ، أي: شاطئ البحر أصله من: سَحَلَ الحديد، أي: بَرَدَهُ وقَشَرَهُ، وقيل: أصله أن يكون مَسْحُولًا، لكن جاء على لفظ الفاعل، كقولهم: همّ ناصب. وقيل: بل تصوّر منه أنه يَسْحَلُ الماءَ، أي: يفرّقه ويضيّقه، والسُّحَالَةُ: البرادة، والسَّحِيلُ والسُّحَالُ: نهيق الحمار «١» ، كأنه شبّه صوته بصوت سحل الحديد، والْمِسْحَلُ: اللسان الجهير الصوت، كأنه تصوّر منه سحيل الحمار من حيث رفع صوته، لا من حيث نكرة صوته، كما قال تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان/ ١٩] ، والْمِسْحَلَتَانِ: حلقتان على طرفي شكيم «٢» اللّجام. سخر التَّسْخِيرُ: سياقة إلى الغرض المختصّ قهرا، قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الجاثية/ ١٣] ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ [إبراهيم/ ٣٣] ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ [إبراهيم/ ٣٣] ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ [إبراهيم/ ٣٢] ، كقوله: سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الحج/ ٣٦] ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا [الزخرف/ ١٣] ، فَالْمُسَخَّرُ هو المقيّض للفعل، والسُّخْرِيُّ: هو الذي يقهر فَيَتَسَخَّرُ بإرادته، قال: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [الزخرف/ ٣٢] ، وسَخِرْتُ منه، واسْتَسْخَرْتُهُ لِلْهُزْءِ منه، قال تعالى: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [هود/ ٣٨] ، بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات/ ١٢] ، وقيل: رجل سُخْرَةٌ: لمن سَخِرَ، وسُخْرَةٌ لمن يُسْخَرُ منه «٣» ، والسُّخْرِيَةُ والسِّخْرِيَةُ: لفعل الساخر. وقوله تعالى: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا [المؤمنون/ ١١٠] ، وسخريا «٤» ، فقد حمل على الوجهين على التّسخير، وعلى السّخرية قوله تعالى: وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا [ص/ ٦٢- ٦٣] . ويدلّ على الوجه الثاني قوله بعد: وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون/ ١١٠] . سخط السَّخَطُ والسُّخْطُ: الغضب الشديد المقتضي للعقوبة، قال: إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة/

стр. 385

٥٨] ، وهو من الله تعالى: إنزال العقوبة، قال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ [محمد/ ٢٨] ، أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المائدة/ ٨٠] ، كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران/ ١٦٢] . سد السَّدُّ والسُّدُّ قيل هما واحد، وقيل: السُّدُّ: ما كان خلقة، والسَّدُّ: ما كان صنعة «١» ، وأصل السَّدِّ مصدر سَدَدْتُهُ، قال تعالى: بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، [الكهف/ ٩٤] ، وشبّه به الموانع، نحو: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا [يس/ ٩] ، وقرئ سدا «٢» السُّدَّةُ: كالظُّلَّة على الباب تقية من المطر، وقد يعبّر بها عن الباب، كما قيل: (الفقير الذي لا يفتح له سُدَدُ السّلطان) «٣» ، والسَّدَادُ والسَّدَدُ: الاستقامة، والسِّدَادُ: ما يُسَدُّ به الثّلمة والثّغر، واستعير لما يسدّ به الفقر. سدر السِّدْرُ: شجر قليل الغناء عند الأكل، ولذلك قال تعالى: وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سبأ/ ١٦] ، وقد يخضد ويستظلّ به، فجعل ذلك مثلا لظلّ الجنة ونعيمها في قوله تعالى: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ [الواقعة/ ٢٨] ، لكثرة غنائه في الاستظلال، وقوله تعالى: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [النجم/ ١٦] ، فإشارة إلى مكان اختصّ النّبيّ ﷺ فيه بالإفاضة الإلهية، والآلاء الجسيمة، وقد قيل: إنها الشجرة التي بويع النبيّ ﷺ تحتها» ، فأنزل الله تعالى السّكينة فيها على المؤمنين، والسّدر: تحيّر البصر، والسَّادِرُ: المتحيّر، وسَدَرَ شَعْرَهُ، قيل: هو مقلوب عن دَسَرَ. سدس السُّدُسُ: جزء من ستّة، قال تعالى: فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء/ ١١] ، والسِّدُسُ في الإظماء، وسِتٌّ أصله سِدْسٌ «٥» ، وسَدَسْتُ القومَ: صرت سادسهم، وأخذت سُدُسَ أموالهم، وجاء سَادِساً، وسَاتّاً، وسَادِياً بمعنى، قال تعالى:

стр. 386

وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ [المجادلة/ ٧] ، وقال تعالى: وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ [الكهف/ ٢٢] ، ويقال: لا أفعل كذا سَدِيسَ عجيس، أي: أبدا «١» ، والسُّدُوسُ: الطّيلسان، والسّندس: الرّقيق من الدّيباج، والإستبرق: الغليظ منه. سرر الْإِسْرَارُ: خلاف الإعلان، قال تعالى: سِرًّا وَعَلانِيَةً [إبراهيم/ ٣١] ، وقال تعالى: وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ [التغابن/ ٤] ، وقال تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ [الملك/ ١٣] ، ويستعمل في الأعيان والمعاني، والسِّرُّ هو الحديث المكتم في النّفس. قال تعالى: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [طه/ ٧] ، وقال تعالى: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ [التوبة/ ٧٨] ، وسَارَّهُ: إذا أوصاه بأن يسرّه، وتَسَارَّ القومُ، وقوله: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ [يونس/ ٥٤] ، أي: كتموها «٢» وقيل: معناه أظهروها بدلالة قوله تعالى: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا [الأنعام/ ٢٧] ، وليس كذلك، لأنّ النّدامة التي كتموها ليست بإشارة إلى ما أظهروه من قوله: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا [الأنعام/ ٢٧] ، وأَسْرَرْتُ إلى فلان حديثا: أفضيت إليه في خفية، قال تعالى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُ [التحريم/ ٣] ، وقوله: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة/ ١] ، أي: يطلعونهم على ما يسرّون من مودّتهم، وقد فسّر بأنّ معناه: يظهرون «٣» ، وهذا صحيح، فإنّ الإسرار إلى الغير يقتضي إظهار ذلك لمن يفضى إليه بالسّرّ، وإن كان يقتضي إخفاءه عن غيره، فإذا قولهم أسررت إلى فلان يقتضي من وجه الإظهار، ومن وجه الإخفاء، وعلى هذا قوله: وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً [نوح/ ٩] . وكنّي عن النكاح بالسّرّ من حيث إنه يخفى، واستعير للخالص، فقيل: هو من سرّ قومه «٤» ، ومنه: سِرُّ الوادي وسِرَارَتُهُ، وسُرَّةُ البطن: ما يبقى بعد القطع، وذلك لاستتارها بعكن البطن، والسُّرُّ والسُّرَرُ يقال لما يقطع منها. وأَسِرَّةُ الرّاحة، وأَسَارِيرُ الجبهة، لغضونها، والسَّرَارُ، اليوم الذي يستتر فيه القمر آخر الشهر. والسُّرُورُ: ما ينكتم من الفرح، قال

стр. 387

تعالى: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً [الإنسان/ ١١] ، وقال: تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [البقرة/ ٦٩] ، وقوله تعالى في أهل الجنة: وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً [الانشقاق/ ٩] ، وقوله في أهل النار: إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً [الانشقاق/ ١٣] ، تنبيه على أنّ سُرُورَ الآخرة يضادّ سرور الدّنيا، والسَّرِيرُ: الذي يجلس عليه من السّرور، إذ كان ذلك لأولي النّعمة، وجمعه أَسِرَّةٌ، وسُرُرٌ، قال تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ [الطور/ ٢٠] ، فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية/ ١٣] ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ [الزخرف/ ٣٤] ، وسَرِيرُ الميّت تشبيها به في الصّورة، وللتّفاؤل بالسّرور الذي يلحق الميّت برجوعه إلى جوار الله تعالى، وخلاصه من سجنه المشار إليه بقوله ﷺ : «الدّنيا سجن المؤمن» «١» . سرب السَّرَبُ: الذّهاب في حدور، والسَّرَبُ: الْمَكَانُ الْمُنْحَدِرُ، قال تعالى: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً [الكهف/ ٦١] ، يقال: سَرَبَ سَرَباً وسُرُوباً «٢» ، نحو مرّ مرّا ومرورا، وانْسَرَبَ انْسِرَاباً كذلك، لكن سَرَبَ يقال على تصوّر الفعل من فاعله، وانْسَرَبَ على تصوّر الانفعال منه. وسَرَبَ الدّمع: سال، وانْسَرَبَتِ الحَيَّةُ إلى جُحْرِهَا، وسَرَبَ الماء من السّقاء، وماء سَرَبٌ، وسَرِبٌ: متقطّر من سقائه، والسَّارِبُ: الذّاهب في سَرَبِهِ أيّ طريق كان، قال تعالى: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ [الرعد/ ١٠] ، والسَّرْبُ: جمع سَارِبٍ، نحو: ركب وراكب، وتعورف في الإبل حتى قيل: زُعِرَتْ سَرْبُهُ، أي: إبله. وهو آمن في سِرْبِهِ، أي: في نفسه، وقيل: في أهله ونسائه، فجعل السِّرْبُ كناية، وقيل: اذهبي فلا أنده سِرْبَكِ «٣» ، في الكناية عن الطّلاق، ومعناه: لا أردّ إبلك الذّاهبة في سربها، والسُّرْبَةُ: قطعة من الخيل نحو العشرة إلى العشرين. والْمَسْرَبَةُ: الشّعر المتدلّي من الصّدر، السَّرَابُ: اللامع في المفازة كالماء، وذلك لانسرابه في مرأى العين، وكان

стр. 388

السّراب فيما لا حقيقة له كالشّراب فيما له حقيقة، قال تعالى: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً [النور/ ٣٩] ، وقال تعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً [النبأ/ ٢٠] سربل السِّرْبَالُ: القميص من أيّ جنس كان، قال: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ [إبراهيم/ ٥٠] ، سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل/ ٨١] ، أي: تقي بعضكم من بأس بعض. سرج السِّرَاجُ: الزّاهر بفتيلة ودهن، ويعبّر به عن كلّ مضيء، قال: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [نوح/ ١٦] ، سِراجاً وَهَّاجاً [النبأ/ ١٣] ، يعني: الشمس. يقال: أَسْرَجْتُ السّراج، وسَرَّجْتُ كذا: جعلته في الحسن كالسّراج، قال الشاعر: ٢٣٠- وفاحما ومرسنا مُسَرَّجاً «١» والسَّرْجُ: رحالة الدّابّة، والسَّرَّاجُ صانعه. سرح السَّرْحُ: شجر له ثمر، الواحدة: سَرْحَةٌ، وسَرَّحْتُ الإبل، أصله: أن ترعيه السَّرْحَ، ثمّ جعل لكلّ إرسال في الرّعي، قال تعالى: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [النحل/ ٦] ، والسَّارِحُ: الرّاعي، والسَّرْحُ جمع كالشّرب «٢» ، والتَّسْرِيحُ في الطّلاق، نحو قوله تعالى: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة/ ٢٢٩] ، وقوله: وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [الأحزاب/ ٤٩] ، مستعار من تَسْرِيحِ الإبل، كالطّلاق في كونه مستعارا من إطلاق الإبل، واعتبر من السّرح المضيّ، فقيل: ناقة سَرْحٌ: تسرح في سيرها، ومضى سرحا سهلا. والْمُنْسَرِحُ: ضرب من الشّعر استعير لفظه من ذلك. سرد السَّرْدُ: خرز ما يخشن ويغلظ، كنسج الدّرع، وخرز الجلد، واستعير لنظم الحديد. قال: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ/ ١١] ، ويقال: سَرْدٌ وزَرْدٌ، والسِّرَادُ، والزّراد، نحو سراط، وصراط، وزراط، والْمِسْرَدُ: المثقب. سردق السُّرَادِقُ فارسيّ معرّب، وليس في كلامهم

стр. 389

اسم مفرد ثالثه ألف. وبعده حرفان «١» ، قال تعالى: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [الكهف/ ٢٩] ، وقيل: بيت مُسَرْدَقٌ، مجعول على هيئة سرادق. سرط السِّرَاطُ: الطّريق المستسهل، أصله من: سَرَطْتُ الطعامَ وزردته: ابتلعته، فقيل: سِرَاطٌ، تصوّرا أنه يبتلعه سالكه، أو يبتلع سالكه، ألا ترى أنه قيل: قتل أرضا عالمها، وقتلت أرض جاهلها، وعلى النّظرين قال أبو تمام: ٢٣١- رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء المزن ينهلّ ساكبه «٢» وكذا سمّي الطريق اللّقم، والملتقم، اعتبارا بأنّ سالكه يلتقمه. سرع السُّرْعَةُ: ضدّ البطء، ويستعمل في الأجسام، والأفعال، يقال: سَرُعَ، فهو سَرِيعٌ، وأَسْرَعَ فهو مُسْرِعٌ، وأَسْرَعُوا: صارت إبلهم سِرَاعاً، نحو: أبلدوا، وسَارَعُوا، وتَسَارَعُوا. قال تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران/ ١٣٣] ، وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [آل عمران/ ١١٤] ، يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً [ق/ ٤٤] ، وقال: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً [المعارج/ ٤٣] ، وسَرَعَانُ القوم: أوائلهم السِّرَاعُ. وقيل: (سَرْعَانَ ذا إهالة) «٣» ، وذلك مبنيّ من سرع، كوشكان من وشك، وعجلان من عجل، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [المائدة/ ٤] ، وسَرِيعُ الْعِقابِ [الأنعام/ ١٦٥] ، فتنبيه على ما قال: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس/ ٨٢] . سرف السَّرَفُ: تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر. قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان/ ٦٧] ، وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً [النساء/ ٦] ، ويقال تارة اعتبارا بالقدر، وتارة بالكيفيّة، ولهذا قال سفيان: (ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سَرَفٌ، وإن كان قليلا) «٤» ، قال الله تعالى: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ

стр. 390

[الأنعام/ ١٤١] ، وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ [غافر/ ٤٣] ، أي: المتجاوزين الحدّ في أمورهم، وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر/ ٢٨] ، وسمّي قوم لوط مسرفين «١» ، من حيث إنهم تعدّوا في وضع البذر في الحرث المخصوص له المعنيّ بقوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة/ ٢٢٣] ، وقوله: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر/ ٥٣] ، فتناول الإسراف في المال، وفي غيره. وقوله في القصاص: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء/ ٣٣] ، فسرفه أن يقتل غير قاتله، إمّا بالعدول عنه إلى من هو أشرف منه، أو بتجاوز قتل القاتل إلى غيره حسبما كانت الجاهلية تفعله، وقولهم: مررت بكم فَسَرِفْتُكُمْ «٢» ، أي: جهلتكم، من هذا، وذاك أنه تجاوز ما لم يكن حقّه أن يتجاوز فجهل، فلذلك فسّر به، والسُّرْفَةُ: دويبّة تأكل الورق، وسمّي بذلك لتصوّر معنى الإسراف منه، يقال: سُرِفَتِ الشجرةُ فهي مسروفة. سرق السَّرِقَةُ: أخذ ما ليس له أخذه في خفاء، وصار ذلك في الشّرع لتناول الشيء من موضع مخصوص، وقدر مخصوص، قال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ [المائدة/ ٣٨] ، وقال تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [يوسف/ ٧٧] ، وقال: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ [يوسف/ ٧٠] ، إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ [يوسف/ ٨١] ، واسْتَرَقَ السّمع: إذا تسمّع مستخفيا، قال تعالى: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ [الحجر/ ١٨] ، والسَّرَقُ والسَّرَقَةُ واحد، وهو الحرير. سرمد السَّرْمَدُ: الدّائم، قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً [القصص/ ٧١] ، وبعده: النَّهارَ سَرْمَداً [القصص/ ٧٢] . سرى السُّرَى: سير اللّيل، يقال: سَرَى وأَسْرَى. قال تعالى: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ [هود/ ٨١] ، وقال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء/ ١] ، وقيل: إنّ (أسرى) ليست من لفظة سرى يسري، وإنما هي من السَّرَاةِ، وهي أرض واسعة، وأصله من الواو، ومنه قول الشاعر:
следующие страницы →