← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23636

المفردات في غريب القرآن

الراغب الأصفهاني

Полный текст (881 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[لقمان/ ٢٧] . وأشرت في كتاب «الذريعة إلى مكارم الشريعة» «١» أن القرآن- وإن كان لا يخلو الناظر فيه من نور ما يريه، ونفع ما يوليه- فإنه: ١- كالبدر من حيث التفتّ رأيته ... يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا ٢- كالشّمس في كبد السّماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا «٢» لكن محاسن أنواره لا يثقّفها إلا البصائر الجليّة، وأطايب ثمره لا يقطفها إلا الأيدي الزكية، ومنافع شفائه لا ينالها إلا النفوس النقيّة، كما صرّح تعالى به فقال في وصف متناوليه: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة/ ٧٧- ٧٩] . وقال في وصف سامعيه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت/ ٤٤] . وذكرت أنه كما لا تدخل الملائكة الحاملة للبركات بيتا فيه صورة أو كلب، كذلك لا تدخل السكينات الجالبة للبينات قلبا فيه كبر وحرص، فالخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيّبين والطيّبون للطيّبات، ودلّلت في تلك الرسالة «٣» على كيفية اكتساب الزاد الذي يرقى كاسبه في درجات المعارف، حتى يبلغ من معرفته أقصى ما في قوة البشر أن يدركه من الأحكام والحكم، فيطّلع من كتاب الله على ملكوت السموات والأرض، ويتحقق أنّ كلامه كما وصفه بقوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام/ ٣٨] . جعلنا الله ممن تولّى هدايته حتى يبلّغه هذه المنزلة، ويخوّله هذه المكرمة، فلن يهديه البشر من لم يهده الله، كما قال تعالى لنبيّه ﷺ : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص/ ٥٦] . وذكرت أنّ أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللّبن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه، وليس ذلك نافعا في علم القرآن فقط، بل هو نافع في كلّ علم من علوم الشرع

стр. 37

فألفاظ القرآن هي لبّ كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذّاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرّعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة. وقد استخرت الله تعالى في إملاء كتاب مستوف فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجي، فنقدّم ما أوله الألف، ثم الباء على ترتيب حروف المعجم، معتبرا فيه أوائل حروفه الأصلية دون الزوائد، والإشارة فيه إلى المناسبات التي بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات حسبما يحتمل التوسع في هذا الكتاب، وأحيل بالقوانين الدالة على تحقيق مناسبات الألفاظ على «الرسالة» «١» التي عملتها مختصّة بهذا الباب. ففي اعتماد ما حررته من هذا النحو استغناء في بابه من المثبّطات عن المسارعة في سبيل الخيرات، وعن المسابقة إلى ما حثّنا عليه بقوله تعالى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد/ ٢١] ، سهّل الله علينا الطريق إليها. وأتبع هذا الكتاب- إن شاء الله تعالى ونسأ في الأجل- بكتاب ينبئ عن تحقيق «الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، وما بينها من الفروق الغامضة» «٢» ، فبذلك يعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته، نحو ذكر القلب مرّة والفؤاد مرة والصدر مرّة، ونحو ذكره تعالى في عقب قصّة: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الروم/ ٣٧] ، وفي أخرى: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس/ ٢٤] ، وفي أخرى: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة/ ٢٣٠] ، وفي أخرى: لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [الأنعام/ ٩٨] ، وفي أخرى: لِأُولِي الْأَبْصارِ [آل عمران/ ١٣] ، وفي أخرى: لِذِي حِجْرٍ [الفجر/ ٥] ، وفي أخرى: لِأُولِي النُّهى [طه/ ٥٤] ، ونحو ذلك ممّا يعدّه من لا يحقّ الحقّ ويبطل الباطل أنّه باب واحد «٣» ، فيقدّر أنه إذا فسّر: الْحَمْدُ لِلَّهِ بقوله: الشكر لله «٤» ، و

стр. 38

لا رَيْبَ فِيهِ «١» ب: لا شك فيه، فقد فسّر القرآن ووفّاه التبيان. جعل الله لنا التوفيق رائدا، والتقوى سائقا، ونفعنا بما أولانا وجعله لنا من معاون تحصيل الزاد المأمور به في قوله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [البقرة/ ١٩٧] .

стр. 39

كتاب الألف أبا الأب: الوالد، ويسمّى كلّ من كان سببا في إيجاد شيءٍ أو صلاحه أو ظهوره أبا، ولذلك يسمّى النبيّ ﷺ أبا المؤمنين، قال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب/ ٦] وفي بعض القراءات: (وهو أب لهم) «١» . وروي أنّه ﷺ قال لعليّ: «أنا وأنت أبوا هذه الأمّة» «٢» . وإلى هذا أشار بقوله: «كلّ سببٍ ونسبٍ منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» «٣» . وقيل: أبو الأضياف لتفقّده إياهم، وأبو الحرب لمهيّجها، وأبو عذرتها لمفتضّها. ويسمّى العم مع الأب أبوين، وكذلك الأم مع الأب، وكذلك الجدّ مع الأب، قال تعالى في قصة يعقوب: ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي؟ قالُوا: نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً [البقرة/ ١٣٣] ، وإسماعيل لم يكن من آبائهم وإنما كان عمّهم. وسمّي معلّم الإنسان أبا لما تقدّم ذكره. وقد حمل قوله تعالى: وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [الزخرف/ ٢٢] على ذلك. أي: علماءنا الذين ربّونا بالعلم بدلالة قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب/ ٦٧] . وقيل في قوله: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ

стр. 40

[لقمان/ ١٤] : إنه عنى الأب الذي ولده، والمعلّم الذي علمه. وقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الأحزاب/ ٤٠] ، إنما هو نفي الولادة، وتنبيه أنّ التبني لا يجري مجرى البنوّة الحقيقية. وجمع الأب آباء وأبوّة نحو: بعولة وخؤولة. وأصل «أب» فعل» ، وقد أجري مجرى قفا وعصا في قول الشاعر: ٣- إنّ أباها وأبا أباها «٢» ويقال: أبوت القوم: كنت لهم أبا، أأبوهم، وفلان يأبو بهمه أي: يتفقّدها تفقّد الأب. وزادوا في النداء فيه تاء، فقالوا: يا أبت «٣» . وقولهم: بأبأ الصبي، فهو حكاية صوت الصبي إذا قال: بابا «٤» . أبى الإباء: شدة الامتناع، فكل إباء امتناع وليس كل امتناع إباءا. قوله تعالى: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة/ ٣٢] ، وقال: وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ [التوبة/ ٨] ، وقوله تعالى: أَبى وَاسْتَكْبَرَ [البقرة/ ٣٤] ، وقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى [طه/ ١١٦] وروي: «كلّكم في الجنّة إلا من أبى» «٥» ، ومنه: رجل أَبِيٌّ: ممتنع من تحمّل الضيم، وأبيت الضير تأبى، وتيس آبَى، وعنز أَبْوَاء: إذا أخذه من شرب ماءٍ فيه بول الأروى داء يمنعه من شرب الماء «٦» .

стр. 41

أب قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا [عبس/ ٣١] . الأبّ: المرعى المتهيّئ للرعي والجز «١» ، من قولهم: أَبَّ لكذا أي: تهيّأ، أبّاً وإبابةً وإباباً، وأبّ إلى وطنه: إذا نزع إلى وطنه نزوعاً تهيّأ لقصده، وكذا أبّ لسيفه: إذا تهيأ لسلّه. وإبّان ذلك فعلان منه، وهو الزمان المهيأ لفعله ومجيئه. أبد قال تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَداً [النساء/ ١٢٢] . الأبد: عبارة عن مدّة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجرأ الزمان، وذلك أنه يقال: زمان كذا، ولا يقال: أبد كذا. وكان حقه ألا يثنى ولا يجمع إذ لا يتصور حصول أبدٍ آخر يضم إليه فيثنّى به، لكن قيل: آباد، وذلك على حسب تخصيصه في بعض ما يتناوله، كتخصيص اسم الجنس في بعضه، ثم يثنّى ويجمع، على أنه ذكر بعض الناس أنّ آباداً مولّد وليس من كلام العرب العرباء. وقيل: أبد آبد وأبيد أي: دائم «٢» ، وذلك على التأكيد. وتأبّد الشيء: بقي أبداً، ويعبّر به عما يبقى مدة طويلة. والآبدة: البقرة الوحشية، والأوابد: الوحشيات، وتأبّد البعير: توحّش، فصار كالأوابد، وتأبّد وجه فلان: توحّش، وأبد كذلك، وقد فسّر بغضب. أبق قال الله تعالى: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الصافات/ ١٤٠] . يقال: أَبَقَ العبد يَأْبِقُ إباقاً، وأَبَقَ يَأْبَقُ: إذا هرب «٣» . وعبد آبِق وجمعه أُبَّاق، وتأبّق الرجل: تشبّه به في الاستتار، وقول الشاعر: ٤- قد أحكمت حكمات القدّ والأبقا «٤» قيل: هو القنّب. إبل قال الله تعالى: وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ [الأنعام/ ١٤٤] ، الإبل يقع على البعران الكثيرة ولا واحد له من لفظه.

стр. 42

وقوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية/ ١٧] قيل: أريد بها السحاب «١» ، فإن يكن ذلك صحيحاً فعلى تشبيه السحاب بالإبل وأحواله بأحوالها. وأَبَلَ الوحشيّ يأبل أُبُولًا، وأبل أَبْلًا «٢» : اجتزأ عن الماء تشبّها بالإبل في صبرها عن الماء. وكذلك: تَأَبَّلَ الرجل عن امرأته: إذا ترك مقاربتها «٣» . وأَبَّلَ الرجل: كثرت إبله، وفلان لا يأتبل أي: لا يثبت على الإبل إذا ركبها، ورجل آبِلٌ وأَبِلٌ: حسن القيام على إبله، وإبل مُؤَبَّلة: مجموعة. والإبّالة: الحزمة من الحطب تشبيهاً به، وقوله تعالى: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ [الفيل/ ٣] أي: متفرّقة كقطعات إبلٍ، الواحد إبّيل «٤» . أتى الإتيان: مجيء بسهولة، ومنه قيل للسيل المارّ على وجهه: أَتِيّ وأَتَاوِيّ «٥» ، وبه شبّه الغريب فقيل: أتاويّ «٦» . والإتيان يقال للمجيء بالذات وبالأمر وبالتدبير، ويقال في الخير وفي الشر وفي الأعيان والأعراض، نحو قوله تعالى: إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ [الأنعام/ ٤٠] ، وقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل/ ١] ، وقوله: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [النحل/ ٢٦] ، أي: بالأمر والتدبير، نحو: وَجاءَ رَبُّكَ [الفجر/ ٢٢] ، وعلى هذا النحو قول الشاعر: ٥- أتيت المروءة من بابها «٧» فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها [النمل/ ٣٧] ، وقوله: لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى [التوبة/ ٥٤] ، أي: لا يتعاطون، وقوله: يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ [النساء/ ١٥] ، وفي

стр. 43

قراءة عبد الله: (تأتي الفاحشة) «١» فاستعمال الإتيان منها كاستعمال المجيء في قوله: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا [مريم/ ٢٧] . يقال: أتيته وأتوته «٢» ، ويقال للسقاء إذا مخض وجاء زبده: قد جاء أتوه، وتحقيقه: جاء ما من شأنه أن يأتي منه، فهو مصدر في معنى الفاعل. وهذه أرض كثيرة الإتاء أي: الرّيع، وقوله تعالى: مَأْتِيًّا [مريم/ ٦١] مفعول من أتيته. قال بعضهم «٣» : معناه: آتيا، فجعل المفعول فاعلًا، وليس كذلك بل يقال: أتيت الأمر وأتاني الأمر، ويقال: أتيته بكذا وآتيته كذا. قال تعالى: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [البقرة/ ٢٥] ، وقال: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها [النمل/ ٣٧] ، وقال: وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [النساء/ ٥٤] . [وكلّ موضع ذكر في وصف الكتاب «آتينا» فهو أبلغ من كلّ موضع ذكر فيه «أوتوا» ، لأنّ «أوتوا» قد يقال إذا أوتي من لم يكن منه قبول، وآتيناهم يقال فيمن كان منه قبول] «٤» . وقوله تعالى: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف/ ٩٦] وقرأه حمزة موصولة «٥» . أي: جيئوني. والإِيتاء: الإعطاء، [وخصّ دفع الصدقة في القرآن بالإيتاء] نحو: وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ [البقرة/ ٢٧٧] ، وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ [الأنبياء/ ٧٣] ، ووَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [البقرة/ ٢٢٩] ، ووَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ [البقرة/ ٢٤٧] . أث الأثاث: متاع البيت الكثير، وأصله من: أثّ «٦» ، أي: كثر وتكاثف. وقيل للمال كلّه إذا كثر: أثاث، ولا واحد له، كالمتاع، وجمعه أثاث «٧» . ونساء أثايث: كثيرات للحمل، كأنّ عليهن

стр. 44

أثاثاً، وتأثّث فلان: أصاب أثاثاً. أثر أَثَرُ الشيء: حصول ما يدلّ على وجوده، يقال: أثر وأثّر، والجمع: الآثار. قال الله تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا «١» [الحديد/ ٢٧] ، وَآثاراً فِي الْأَرْضِ [غافر/ ٢١] ، وقوله: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ [الروم/ ٥٠] . ومن هذا يقال للطريق المستدل به على من تقدّم: آثار، نحو قوله تعالى: فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات/ ٧٠] ، وقوله: هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [طه/ ٨٤] . ومنه: سمنت الإبل على أثارةٍ «٢» ، أي: على أثر من شحم، وأَثَرْتُ البعير: جعلت على خفّه أُثْرَةً، أي: علامة تؤثّر في الأرض ليستدل بها على أثره، وتسمّى الحديدة التي يعمل بها ذلك المئثرة. وأَثْرُ السيف: جوهره وأثر جودته، وهو الفرند، وسيف مأثور. وأَثَرْتُ العلم: رويته «٣» ، آثُرُهُ أَثْراً وأَثَارَةً وأُثْرَةً، وأصله: تتبعت أثره. أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف/ ٤] ، وقرئ: (أثرة) «٤» وهو ما يروى أو يكتب فيبقى له أثر. والمآثر: ما يروى من مكارم الإنسان، ويستعار الأثر للفضل، والإيثار للتفضل ومنه: آثرته، وقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ [الحشر/ ٩] وقال: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا [يوسف/ ٩١] وبَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا [الأعلى/ ١٦] . وفي الحديث: «سيكون بعدي أثرة» «٥» أي: يستأثر بعضكم على بعض. والاستئثار: التفرّد بالشيء من دون غيره، وقولهم: استأثر الله بفلان، كناية عن موته، تنبيه أنّه ممّن اصطفاه وتفرّد تعالى به من دون الورى

стр. 45

تشريفاً له. ورجل أَثِرٌ: يستأثر على أصحابه. وحكى اللحياني «١» : خذه آثراً ما، وإثراً ما، وأثر ذي أثير «٢» . أثل قال تعالى: ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سبأ/ ١٦] . أَثْل: شجر ثابت الأصل، وشجر متأثّل: ثابت ثبوته، وتأثّل كذا: ثبت ثبوته. وقوله ﷺ في الوصيّ: «غير متأثّل مالًا» «٣» أي: غير مقتنٍ له ومدّخر، فاستعار التأثّل له، وعنه استعير: نحتّ أثلته: إذا اغتبته «٤» . إثم الإثم والأثام: اسم للأفعال المبطئة عن الثواب «٥» ، وجمعه آثام، ولتضمنه لمعنى البطء قال الشاعر: ٦- جماليّةٍ تغتلي بالرّادف إذا كذّب الآثمات الهجير «٦» وقوله تعالى: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة/ ٢١٩] أي: في تناولهما إبطاء عن الخيرات. وقد أَثِمَ إثماً وأثاماً فهو آثِمٌ وأَثِمٌ وأَثِيمٌ. وتأثَّم: خرج من إثمه، كقولهم: تحوّب وتحرّج: خرج من حوبه وحرجه، أي: ضيقه. وتسمية الكذب إثماً لكون الكذب من جملة الإثم، وذلك كتسمية الإنسان حيواناً لكونه من جملته. وقوله تعالى: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة/ ٢٠٦] أي: حملته عزته على فعل ما يؤثمه، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [الفرقان/ ٦٨] أي: عذاباً، فسمّاه أثاماً لما كان منه، وذلك كتسمية النبات والشحم ندىً لما كانا منه في قول الشاعر: ٧- تعلّى الندى في متنه وتحدّرا «٧» وقيل: معنى: «يلق أثاماً» أي: يحمله ذلك

стр. 46

على ارتكاب آثام، وذلك لاستدعاء الأمور الصغيرة إلى الكبيرة، وعلى الوجهين حمل قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم/ ٥٩] . والآثم: المتحمّل الإثم، قال تعالى: آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة/ ٢٨٣] . وقوبل الإثم بالبرّ، فقال ﷺ : «البرّ ما اطمأنّت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك» «١» وهذا القول منه حكم البرّ والإثم لا تفسيرهما. وقوله تعالى: مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [القلم/ ١٢] أي: آثم، وقوله: يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [المائدة/ ٦٢] . قيل: أشار بالإثم إلى نحو قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [المائدة/ ٤٤] ، وبالعدوان إلى قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة/ ٤٥] ، فالإثم أعمّ من العدوان. أج قال تعالى: هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ [الفرقان/ ٥٣] : شديد الملوحة والحرارة، من قولهم: أجيج النار وأَجَّتُهَا، وقد أجّت، وائتجّ النهار. ويأجوج ومأجوج منه، شبّهوا بالنار المضطرمة والمياه المتموّجة لكثرة اضطرابهم «٢» . وأجّ الظّليم: إذا عدا، أجيجاً تشبيهاً بأجيج النار. أجر الأجر والأجرة: ما يعود من ثواب العمل دنيوياً كان أو أخروياً، نحو قوله تعالى: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [يونس/ ٧٢] ، وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت/ ٢٧] ، وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا [يوسف/ ٥٧] . والأُجرة في الثواب الدنيوي، وجمع الأجر أجور، وقوله تعالى: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء/ ٢٥] كناية عن المهور، والأجر والأجرة يقال فيما كان عن عقد وما يجري مجرى العقد، ولا يقال إلا في النفع دون الضر، نحو قوله تعالى: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [آل عمران/ ١٩٩] ، وقوله تعالى: فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى/ ٤٠] . والجزاء يقال فيما كان عن عقدٍ وغير عقد، ويقال في النافع والضار، نحو

стр. 47

قوله تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الإنسان/ ١٢] ، وقوله تعالى: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ [النساء/ ٩٣] . يقال: أَجَر زيد عمراً يأجره أجراً: أعطاه الشيء بأجرة، وآجَرَ عمرو زيداً: أعطاه الأجرة، قال تعالى: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ [القصص/ ٢٧] ، وآجر كذلك، والفرق بينهما أنّ أجرته يقال إذا اعتبر فعل أحدهما، وآجرته يقال إذا اعتبر فعلاهما «١» ، وكلاهما يرجعان إلى معنى واحدٍ، ويقال: آجره الله وأجره الله. والأجير: فعيل بمعنى فاعل أو مفاعل، والاستئجارُ: طلب الشيء بالأجرة، ثم يعبّر به عن تناوله بالأجرة، نحو: الاستيجاب في استعارته الإيجاب، وعلى هذا قوله تعالى: اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص/ ٢٦] . أجل الأَجَل: المدّة المضروبة للشيء، قال تعالى: لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى [غافر/ ٦٧] ، أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ [القصص/ ٢٨] . ويقال: دينه مُؤَجَّل، وقد أَجَّلْتُهُ: جعلت له أجلًا، ويقال للمدّة المضروبة لحياة الإنسان أجل فيقال: دنا أجله، عبارة عن دنوّ الموت. وأصله: استيفاء الأجل أي: مدّة الحياة، وقوله تعالى: بَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا [الأنعام/ ١٢٨] ، أي: حدّ الموت، وقيل: حدّ الهرم، وهما واحد في التحقيق. وقوله تعالى: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [الأنعام/ ٢] ، فالأول: هو البقاء في الدنيا، والثاني: البقاء في الآخرة، وقيل: الأول: هو البقاء في الدنيا، والثاني: مدّة ما بين الموت إلى النشور، عن الحسن، وقيل: الأول للنوم، والثاني للموت، إشارة إلى قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر/ ٤٢] ، عن ابن عباس «٢» . وقيل: الأجلان جميعاً للموت، فمنهم من أجله بعارضٍ كالسيف والحرق والغرق وكل شيء غير موافق، وغير ذلك من الأسباب المؤدّية إلى قطع الحياة، ومنهم من يوقّى ويعافى حتى يأتيه الموت حتف أنفه، وهذان هما المشار إليهما بقوله: (من أخطأه سهم الرزيّة لم يخطئه سهم المنيّة) . وقيل: للناس أجلان، منهم من يموت عبطة «٣» ، ومنهم من يبلغ حدّاً لم يجعله الله في

стр. 48

طبيعة الدنيا أن يبقى أحد أكثر منه فيها، وإليها أشار بقوله تعالى: وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [الحج/ ٥] ، وقصدهما الشاعر بقوله: ٨- رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته.... «١» وقول الآخر: ٩- من لم يمت عبطةً يمت هرماً «٢» والآجِل ضد العاجل، والأَجْلُ: الجناية التي يخاف منها آجلًا، فكل أَجْلٍ جناية وليس كل جناية أجلًا، يقال: فعلت كذا من أجله، قال تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ [المائدة/ ٣٢] ، أي: من جرّاء، وقرئ: (من إجل ذلك) «٣» بالكسر. أي: من جناية ذلك. ويقال: (أَجَلْ) في تحقيق خبرٍ سمعته. وبلوغ الأجل في قوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ [البقرة/ ٢٣١] ، هو المدة المضروبة بين الطلاق وبين انقضاء العدة، وقوله تعالى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [البقرة/ ٢٣٢] ، إشارة إلى حين انقضاء العدّة، وحينئذ لا جناح عليهنّ فيما فعلن في أنفسهن. أحد أَحَدٌ يستعمل على ضربين: أحدهما: في النفي فقط «٤» . والثاني: في الإثبات. فأمّا المختص بالنفي فلاستغراق جنس الناطقين، ويتناول القليل والكثير على طريق الاجتماع والافتراق، نحو: ما في الدار أحد، أي: لا واحد ولا اثنان فصاعدا لا مجتمعين ولا مفترقين، ولهذا المعنى لم يصحّ استعماله في

стр. 49

الإثبات، لأنّ نفي المتضادين يصح، ولا يصحّ إثباتهما، فلو قيل: في الدار واحد لكان فيه إثبات واحدٍ منفرد مع إثبات ما فوق الواحد مجتمعين ومفترقين، وذلك ظاهر الإحالة، ولتناول ذلك ما فوق الواحد يصح أن يقال: ما من أحدٍ فاضلين «١» ، كقوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقة/ ٤٧] . وأمّا المستعمل في الإثبات فعلى ثلاثة أوجه: الأول: في الواحد المضموم إلى العشرات نحو: أحد عشر وأحد وعشرين. والثاني: أن يستعمل مضافا أو مضافا إليه بمعنى الأول، كقوله تعالى: أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً [يوسف/ ٤١] ، وقولهم: يوم الأحد. أي: يوم الأول، ويوم الاثنين. والثالث: أن يستعمل مطلقا وصفا، وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى بقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص/ ١] ، وأصله: وحد «٢» ، ولكن وحد يستعمل في غيره نحو قول النابغة: ١٠- كأنّ رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد «٣» أخذ الأَخْذُ: حوز الشيء وتحصيله، وذلك تارةً بالتناول نحو: مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ [يوسف/ ٧٩] ، وتارةً بالقهر نحو قوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة/ ٢٥٥] . ويقال: أخذته الحمّى، وقال تعالى: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ [هود/ ٦٧] ، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى [النازعات/ ٢٥] ، وقال: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى [هود/ ١٠٢] . ويعبّر عن الأسير بالأَخِيذِ والمأخوذ، والاتّخاذ افتعال منه، ويعدّى إلى مفعولين ويجري مجرى الجعل نحو قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة/ ٥١] ، أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ [الشورى/ ٩] ، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا [المؤمنون/ ١١٠] ، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ: اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة/ ١١٦] ، وقوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ [النحل/ ٦١] فتخصيص لفظ المؤاخذة تنبيه على معنى المجازاة والمقابلة لما أخذوه من النعم فلم يقابلوه بالشكر.

стр. 50

ويقال: فلان م أخ وذ، وبه أَخْذَةٌ من الجن، وفلان يأخذ مَأْخَذَ فلان، أي: يفعل فعله ويسلك مسلكه، ورجل أَخِيذٌ، وبه أُخُذٌ كناية عن الرّمد. والإخاذة والإخاذ: أرض يأخذها الرجل لنفسه «١» ، وذهبوا ومن أخذ أَخْذَهُمْ وإِخْذَهُمْ «٢» . أخ أخ الأصل أخو، وهو: المشارك آخر في الولادة من الطرفين، أو من أحدهما أو من الرضاع. ويستعار في كل مشارك لغيره في القبيلة، أو في الدّين، أو في صنعة، أو في معاملة أو في مودّة، وفي غير ذلك من المناسبات. قوله تعالى: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ [آل عمران/ ١٥٦] ، أي: لمشاركيهم في الكفر، وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات/ ١٠] ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات/ ١٢] ، وقوله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء/ ١١] ، أي: إخوان وأخوات، وقوله تعالى: إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [الحجر/ ٤٧] ، تنبيه على انتفاء المخالفة من بينهم. والأخت: تأنيث الأخ، وجعل التاء فيه كالعوض من المحذوف منه، وقوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ [مريم/ ٢٨] ، يعني: أخته في الصلاح لا في النسبة، وذلك كقولهم: يا أخا تميم. وقوله تعالى: أَخا عادٍ [الأحقاف/ ٢١] ، سمّاه أخاً تنبيهاً على إشفاقه عليهم شفقة الأخ على أخيه، وعلى هذا قوله تعالى: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ [الأعراف/ ٧٣] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ [الأعراف/ ٦٥] ، وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ [الأعراف/ ٨٥] ، وقوله: وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [الزخرف/ ٤٨] ، أي: من الآية التي تقدّمتها، وسمّاها أختاً لها لاشتراكهما في الصحة والإبانة والصدق، وقوله تعالى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [الأعراف/ ٣٨] ، فإشارة إلى أوليائهم المذكورين في نحو قوله تعالى: أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [البقرة/ ٢٥٧] ، وتأخّيت أي: تحرّيت «٣» تحرِّي الأخ للأخ، واعتبر من الإخوة معنى الملازمة فقيل: أخيّة الدابة «٤» . أخر آخِر يقابل به الأوّل، وآخَر يقابل به الواحد، ويعبّر بالدار الآخرة عن النشأة الثانية، كما يعبّر بالدار

стр. 51

الدنيا عن النشأة الأولى نحو: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [العنكبوت/ ٦٤] ، وربما ترك ذكر الدار نحو قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ [هود/ ١٦] . وقد توصف الدار بالآخرة تارةً، وتضاف إليها تارةً نحو قوله تعالى: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأنعام/ ٣٢] ، وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا «١» [يوسف/ ١٠٩] . وتقدير الإضافة: دار الحياة الآخرة. و «أُخَر» معدول عن تقدير ما فيه الألف واللام، وليس له نظير في كلامهم، فإنّ أفعل من كذا، - إمّا أن يذكر معه «من» لفظا أو تقديرا، فلا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنّث. - وإمّا أن يحذف منه «من» فيدخل عليه الألف واللام فيثنّى ويجمع. وهذه اللفظة من بين أخواتها جوّز فيها ذلك من غير الألف واللام. والتأخير مقابل للتقديم، قال تعالى: بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة/ ١٣] ، ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح/ ٢] ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ [إبراهيم/ ٤٢] ، رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ [إبراهيم/ ٤٤] . وبعته بِأَخِرَةٍ. أي: بتأخير أجل، كقوله: بنظرة. وقولهم: أبعد الله الأَخِرَ أي: المتأخر عن الفضيلة وعن تحرّي الحق «٢» . أد قال تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا [مريم/ ٨٩] أي: أمراً منكرا يقع فيه جلبة، من قولهم: أدّت الناقة تئدّ، أي: رجّعت حنينها ترجيعاً شديداً «٣» . وال أدي د: الجلبة، وأدّ قيل: من الود «٤» ، أو من: أدّت الناقة. أدى الأداء: دفع الحق دفعةً وتوفيته، كأداء الخراج والجزية وأداء الأمانة، قال الله تعالى: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ [البقرة/ ٢٨٣] ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النساء/ ٥٨] ، وقال: وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ [البقرة/ ١٧٨] ، وأصل ذلك من الأداة، تقول: أدوت بفعل كذا، أي: احتلت، وأصله: تناولت الأداة

стр. 52

التي بها يتوصل إليه، واستأديت على فلان نحو: استعديت «١» . آدم آدم أبو البشر، قيل: سمّي بذلك لكون جسده من أديم الأرض، وقيل: لسمرةٍ في لونه. يقال: رجل آدم نحو أسمر، وقيل: سمّي بذلك لكونه من عناصر مختلفة وقوى متفرقة، كما قال تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ [الإنسان/ ٢] . ويقال: جعلت فلاناً أَدَمَة أهلي، أي: خلطته بهم «٢» ، وقيل: سمّي بذلك لما طيّب به من الروح المنفوخ فيه المذكور في قوله تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر/ ٢٩] ، وجعل له العقل والفهم والرّوية التي فضّل بها على غيره، كما قال تعالى: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الإسراء/ ٧٠] ، وذلك من قولهم: الإدام، وهو ما يطيّب به الطعام «٣» ، وفي الحديث: «لو نظرت إليها فإنّه أحرى أن يؤدم بينكما» «٤» أي: يؤلّف ويطيب. أذن الأذن: الجارحة، وشبّه به من حيث الحلقة أذن القدر وغيرها، ويستعار لمن كثر استماعه وقوله لما يسمع، قال تعالى: وَيَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ قُلْ: أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [التوبة/ ٦١] أي: استماعه لما يعود بخيرٍ لكم، وقوله تعالى: وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [الأنعام/ ٢٥] إشارة إلى جهلهم لا إلى عدم سمعهم. وأَذِنَ: استمع، نحو قوله: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ [الانشقاق/ ٢] ، ويستعمل ذلك في العلم الذي يتوصل إليه بالسماع، نحو قوله: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة/ ٢٧٩] . والأُذن والأذان لما يسمع، ويعبّر بذلك عن العلم، إذ هو مبدأ كثيرٍ من العلم فينا، قال الله تعالى: ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [التوبة/ ٤٩] ، وقال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [إبراهيم/ ٧] . وأذنته بكذا وآذنته بمعنى. والمُؤَذِّنُ: كل من يعلم بشيءٍ نداءً، قال

стр. 53

تعالى: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ [يوسف/ ٧٠] ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ [الأعراف/ ٤٤] ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج/ ٢٧] . وال أذي ن: المكان الذي يأتيه الأذان «١» ، والإِذنُ في الشيء: إعلام بإجازته والرخصة فيه، نحو، وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء/ ٦٤] أي: بإرادته وأمره، وقوله: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران/ ١٦٦] ، وقوله: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة/ ١٠٢] ، وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة/ ١٠] قيل: معناه: بعلمه، لكن بين العلم والإذن فرق، فإنّ الإذن أخصّ، ولا يكاد يستعمل إلا فيما فيه مشيئة به، راضياً منه الفعل أم لم يرض به «٢» ، فإنّ قوله: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [يونس/ ١٠٠] فمعلوم أنّ فيه مشيئته وأمره، وقوله: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة/ ١٠٢] ففيه مشيئته من وجهٍ، وهو أنه لا خلاف أنّ الله تعالى أوجد في الإنسان قوة فيها إمكان قبول الضرب من جهة من يظلمه فيضرّه، ولم يجعله كالحجر الذي لا يوجعه الضرب، ولا خلاف أنّ إيجاد هذا الإمكان من فعل الله، فمن هذا الوجه يصح أن يقال: إنه بإذن الله ومشيئته يلحق الضرر من جهة الظالم، ولبسط هذا الكلام كتاب غير هذا «٣» . والاستئذان: طلب الإذن، قال تعالى: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة/ ٤٥] ، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ [النور/ ٦٢] . و «إِذَنْ» جواب وجزاء، ومعنى ذلك أنّه يقتضي جواباً أو تقدير جواب، ويتضمن ما يصحبه من الكلام جزاءً، ومتى صدّر به الكلام وتعقّبه فعل مضارع ينصبه لا محالة، نحو: إذن أخرج، ومتى تقدّمه كلام ثم تبعه فعل مضارع يجوز نصبه ورفعه «٤» أنا إذن أخرج وأخرج، ومتى تأخّر عن الفعل أو لم يكن معه الفعل المضارع لم يعمل، نحو: أنا أخرج إذن، قال تعالى: إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ [النساء/ ١٤٠] . أذي الأذى: ما يصل إلى الحيوان من الضرر إمّا في نفسه أو جسمه أو تبعاته دنيوياً كان أو أخروياً،

стр. 54

قال تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [البقرة/ ٢٦٤] ، قوله تعالى: فَآذُوهُما [النساء/ ١٦] إشارة إلى الضرب، ونحو ذلك في سورة التوبة: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ [التوبة/ ٦١] ، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التوبة/ ٦١] ، ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى [الأحزاب/ ٦٩] ، وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا [الأنعام/ ٣٤] ، وقال: لِمَ تُؤْذُونَنِي [الصف/ ٥] ، وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ: هُوَ أَذىً [البقرة/ ٢٢٢] ، فسمّى ذلك أذىً باعتبار الشرع وباعتبار الطب على حسب ما يذكره أصحاب هذه الصناعة. يقال: آذَيْتُهُ أو أَذَيْتُهُ إِيذاءً وأذيّة وأذىً، ومنه: الآذيّ، وهو الموج المؤذي لركاب البحر. إذا إذا يعبّر به عن كلّ زمان مستقبل، وقد يضمّن معنى الشرط فيجزم به، وذلك في الشعر أكثر، و «إذ» يعبر به عن الزمان الماضي، ولا يجازى به إلا إذا ضمّ إليه «ما» نحو: ١١- إذ ما أتيت على الرّسول فقل له «١» أرب الأرب: فرط الحاجة المقتضي للاحتيال في دفعه، فكلّ أربٍ حاجة، وليس كلّ حاجة أرباً، ثم يستعمل تارة في الحاجة المفردة، وتارة في الاحتيال وإن لم يكن حاجة، كقولهم: فلان ذو أربٍ، وأريب، أي: ذو احتيال، وقد أَرِبَ إلى كذا، أي: احتاج إليه حاجةً شديدة «٢» ، وقد أَرِبَ إلى كذا أَرَباً وأُرْبَةً وإِرْبَةً ومَأْرَبَةً، قال تعالى: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [طه/ ١٨] ، ولا أرب لي في كذا، أي: ليس بي شدة حاجة إليه، وقوله: أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ [النور/ ٣١] كناية عن الحاجة إلى النكاح، وهي الأُرْبَى «٣» ، للداهية المقتضية للاحتيال، وتسمّى الأعضاء التي تشتد الحاجة إليها آراباً، الواحد: إِرْب، وذلك أنّ الأعضاء ضربان: - ضرب أوجد لحاجة الحيوان إليه، كاليد والرجل والعين. - وضرب للزينة، كالحاجب واللحية. ثم التي للحاجة ضربان:

стр. 55

- ضرب لا تشتد الحاجة إليه. - وضرب تشتد الحاجة إليه، حتى لو توهّم مرتفعاً لاختلّ البدن به اختلالًا عظيماً، وهي التي تسمى آراباً. وروي أنّه ﵊ قال: «إذا سجد العبد سجد معه سبعة آرابٍ: وجهه وكفّاه وركبتاه وقدماه» «١» . ويقال: أَرَّب نصيبه، أي: عظّمه، وذلك إذا جعله قدراً يكون له فيه أرب، ومنه: أرّب ماله أي: كثّر «٢» ، وأرّبت العقدة: أحكمتها «٣» . أرض الأرض: الجرم المقابل للسماء، وجمعه أرضون، ولا تجيء مجموعةً في القرآن «٤» ، ويعبّر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر بالسماء عن أعلاه. قال الشاعر في صفة فرس: ١٢- وأحمر كالديباج أمّا سماؤه ... فريّا، وأمّا أرضه فمحول «٥» وقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الحديد/ ١٧] عبارة عن كلّ تكوين بعد إفساد وعودٍ بعد بدء، ولذلك قال بعض المفسرين «٦» : يعني به تليين القلوب بعد قساوتها. ويقال: أرض أريضة، أي: حسنة النبت «٧» ، وتأرّض النبت: تمكّن على الأرض فكثر، وتأرّض الجدي: إذا تناول نبت الأرض، والأَرَضَة: الدودة التي تقع في الخشب من الأرض «٨» ، يقال: أُرِضَتِ الخشبة فهي مأروضة. أريك الأريكة: حجلة على سرير، جمعها: أرائك، وتسميتها بذلك إمّا لكونها في الأرض متّخذة من أراكٍ، وهو شجرة، أو لكونها مكانا للإقامة من قولهم: أَرَكَ بالمكان أُرُوكاً «٩» . وأصل الأروك: الإقامة على رعي الأراك، ثم تجوّز به في غيره من الإقامات.

стр. 56

أرم الإرم: علم يبنى من الحجارة، وجمعه: آرام، وقيل للحجارة: أُرَّم. ومنه قيل للمتغيظ: يحرق الأرم «١» ، وقوله تعالى: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ [الفجر/ ٧] إشارة إلى عمدٍ مرفوعة مزخرفة، وما بها أَرِمٌ وأَرِيمٌ، أي: أحد. وأصله الل از م للأرم، وخص به النفي، كقولهم: ما بها ديّار، وأصله للمقيم في الدار. أزّ قال تعالى: تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم/ ٨٣] أي: ترجعهم إرجاع القدر إذا أزّت، أي: اشتدّ غليانها. وروي أنّه ﵊: «كان يصلّي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل» «٢» . وأزّه أبلغ من هزّه. أزر أصل الأزر: الإزار الذي هو اللباس، يقال: إزار وإزارة ومِئْزَر، ويكنى بالإزار عن المرأة. قال الشاعر: ١٣- ألا أبلغ أبا حفصٍ رسولًا ... فدىً لك من أخي ثقةٍ إزاري «٣» وتسميتها بذلك لما قال تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة/ ١٨٧] . وقوله تعالى: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [طه/ ٣١] ، أي: أتقوّى به، والأزر: القوة الشديدة، وآزره: أعانه وقوّاه، وأصله من شدّ الإزار، قال تعالى: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ [الفتح/ ٢٩] . يقال: آزرته فتأزّر، أي: شددت أزره، وهو حسن الإزرة، وأزرت البناء وآزرته: قوّيت أسافله، وتأزّر النّبت: طال وقوي، وآزرته ووازرته: صرت وزيره، وأصله الواو، وفرس آزر: انتهى بياض قوائمه إلى موضع شدّ الإزار. قال تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ [الأنعام/ ٧٤] ، قيل: كان اسم أبيه تارخ فعرّب

стр. 57

فجعل آزر، وقيل: آزر معناه الضّال في كلامهم «١» . أزف قال تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ [النجم/ ٥٧] أي: دنت القيامة. وأزف وأفد يتقاربان، لكن أزف يقال اعتباراً بضيق وقتها، ويقال: أزف الشخوص، والأَزَفُ: ضيق الوقت، وسمّيت به لقرب كونها، وعلى ذلك عبّر عنها بالسّاعة، وقيل: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل/ ١] ، فعبّر عنها بالماضي لقربها وضيق وقتها، قال تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ [غافر/ ١٨] . أسَ أَسَّسَ بنيانه: جعل له أُسّاً، وهو قاعدته التي يبتنى عليها، يقال: أُسٌّ وأَسَاسٌ، وجمع الأس: إِسَاسٌ «٢» ، وجمع الإساس: أُسُس، يقال: كان ذلك على أسّ الدهر «٣» ، كقولهم: على وجه الدهر. أسِف الأَسَفُ: الحزن والغضب معاً، وقد يقال لكل واحدٍ منهما على الانفراد، وحقيقته: ثوران دم القلب شهوة الانتقام، فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضبا، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنا، ولذلك سئل ابن عباس عن الحزن والغضب فقال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف فمن نازع من يقوى عليه أظهره غيظاً وغضباً، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حزناً وجزعاً، ا. هـ. وبهذا النظر قال الشاعر: ١٤- فحزن كلّ أخي حزنٍ أخو الغضب «٤» وقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف/ ٥٥] أي: أغضبونا. قال أبو عبد الله ابن الرضا «٥» : إنّ الله لا يأسف كأسفنا، ولكن له أولياء يأسفون ويرضون، فجعل رضاهم رضاه وغضبهم غضبه، قال: وعلى ذلك قال: «من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة» «٦» .

стр. 58

وقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء/ ٨٠] . وقوله تعالى: غَضْبانَ أَسِفاً [الأعراف/ ١٥٠] ، والأسيف: الغضبان، ويستعار للمستخدم المسخّر، ولمن لا يكاد يسمّى، فيقال: هو أسيف. أسر الأَسْر: الشدّ بالقيد، من قولهم: أسرت القتب، وسمّي الأسير بذلك، ثم قيل لكلّ مأخوذٍ ومقيّد وإن لم يكن مشدوداً ذلك «١» . وقيل في جمعه: أَسَا رَى وأُسَارَى وأَسْرَى، وقال تعالى: وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان/ ٨] . ويتجوّز به فيقال: أنا أسير نعمتك، وأُسْرَة الرجل: من يتقوّى به. قال تعالى: وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ [الإنسان/ ٢٨] إشارة إلى حكمته تعالى في تراكيب الإنسان المأمور بتأمّلها وتدبّرها في قوله تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات/ ٢١] . والأَسْر: احتباس البول، ورجل مَأْسُور: أصابه أسر، كأنه سدّ منفذ بوله، والأسر في البول كالحصر في الغائط. أسِن يقال: أَسِنَ الماء يَأْسَنُ، وأَسَنَ يَأْسُنُ «٢» : إذا تغيّر ريحه تغيّراً منكراً، وماء آسن، قال تعالى: مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد/ ١٥] ، وأسن الرجل: مرض، من: أسن الماء، إذا غشي عليه «٣» ، قال الشاعر: ١٥- يميد في الرّمح ميد المائح الأسن «٤» وقيل: تَأَسَّن الرجل إذا اعتلّ تشبيهاً به. أسَا الأُسْوَة والإِسْوَةُ كالقدوة والقدوة، وهي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسنا وإن قبيحا، وإن سارّا وإن ضارّا، ولهذا قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب/ ٢١] ، فوصفها بالحسنة،

стр. 59

ويقال: تَأَسَّيْتُ به، والأَسَى: الحزن. وحقيقته: إتباع الفائت بالغم، يقال: أَسَيْتُ عليه وأَسَيْتُ له، قال تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [المائدة/ ٦٨] ، وقال الشاعر: ١٦- أسيت لأخوالي ربيعة «١» وأصله من الواو، لقولهم: رجل أَسْوَان «٢» ، أي: حزين، والأَسْوُ: إصلاح الجرح، وأصله: إزالة الأسى، نحو: كربت النخل: أزلت الكرب عنه، وقد أَسَوْتُهُ آسُوهُ أَسْواً، والآسِي: طبيب الجرح، جمعه: إِسَاة وأُسَاة، والمجروح مَأْسِيٌّ وأَسِيٌّ معا، ويقال: أَسَيْتُ بين القوم، أي: أصلحت «٣» ، وآسَيْتُهُ. قال الشاعر: ١٧- آسى أخاه بنفسه «٤» وقال آخر: ١٨- فآسى وآداه فكان كمن جنى «٥» وآسي هو فاعل من قولهم: يواسي، وقول الشاعر: ١٩- يكفون أثقال ثأي المستآسي «٦» فهو مستفعل من ذلك، فأمّا الإساءة فليست من هذا الباب، وإنما هي منقولة عن ساء. أشر الأَشَرُ: شدّة البطر، وقد أَشِرَ «٧» يَأْشَرُ أَشَراً، قال تعالى: سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [القمر/ ٢٦] ، فالأشر أبلغ من البطر، والبطر أبلغ من الفرح، فإنّ الفرح- وإن كان في

стр. 60

أغلب أحواله مذموما لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص/ ٧٦]- فقد يحمد تارة إذا كان على قدر ما يجب، وفي الموضع الذي يجب، كما قال تعالى: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس/ ٥٨] وذلك أنّ الفرح قد يكون من سرور بحسب قضية العقل، والأَشَرُ لا يكون إلا فرحا بحسب قضية الهوى، ويقال: ناقة مِئْشِير «١» ، أي: نشيطة على طريق التشبيه، أو ضامر من قولهم: أشرت الخشبة «٢» . أصر الأَصْرُ: عقد الشيء وحبسه بقهره، يقال: أَصَرْتُهُ فهو مَأْصُورٌ، والمَأْصَرُ والمَأْصِرُ: محبس السفينة. قال الله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [الأعراف/ ١٥٧] أي: الأمور التي تثبطهم وتقيّدهم عن الخيرات وعن الوصول إلى الثواب، وعلى ذلك: وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً [البقرة/ ٢٨٦] ، وقيل: ثقلا «٣» . وتحقيقه ما ذكرت، والإِصْرُ: العهد المؤكّد الذي يثبّط ناقضه عن الثواب والخيرات، قال تعالى: أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران/ ٨١] . الإصار: الطّنب والأوتاد التي بها يعمد البيت، وما يَأْصِرُنِي عنك شيء، أي: ما يحبسني. والأَيْصَرُ «٤» : كساء يشدّ فيه الحشيش فيثنى على السنام ليمكن ركوبه. أصبع الإصبع «٥» : اسم يقع على السلامي والظفر والأنملة والأطرة والبرجمة معا، ويستعار للأثر الحسيّ فيقال: لك على فلان إصبع «٦» ، كقولك: لك عليه يد. أصل بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [الأعراف/ ٢٠٥] أي: العشايا، يقال للعشية: أَصِيل وأَصِيلَة، فجمع الأصيل أُصُل وآصَال، وجمع الأصيلة: أَصَائِل، وقال تعالى: بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح/ ٩] .

стр. 61

وأَصْلُ الشيء: قاعدته التي لو توهّمت مرتفعة لارتفع بارتفاعه سائره لذلك، قال تعالى: أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ [إبراهيم/ ٢٤] ، وقد تَأَصَّلَ كذا وأَصَّلَهُ، ومجد أصيل، وفلان لا أصل له ولا فصل. أفّ أصل الأُفِّ: كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر وما يجري مجراها، ويقال ذلك لكل مستخف به استقذارا له، نحو: أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنبياء/ ٦٧] ، وقد أَفَّفْت لكذا: إذا قلت ذلك استقذارا له، ومنه قيل للضجر من استقذار شيء: أفّف فلان. أفق قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ [فصلت/ ٥٣] أي: في النواحي، والواحد: أُفُق وأفق «١» ، ويقال في النسبة إليه: أُفُقِيّ، وقد أَفَقَ فلان: إذا ذهب في الآفاق، وقيل: الآفِقُ للذي يبلغ النهاية في الكرم تشبيها بالأفق الذاهب في الآفاق. أفك الإفك: كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، ومنه قيل للرياح العادلة عن المهابّ: مُؤْتَفِكَة. قال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ [الحاقة/ ٩] ، وقال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى [النجم/ ٥٣] ، وقوله تعالى: قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة/ ٣٠] أي: يصرفون عن الحق في الاعتقاد إلى الباطل، ومن الصدق في المقال إلى الكذب، ومن الجميل في الفعل إلى القبيح، ومنه قوله تعالى: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات/ ٩] ، فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [الأنعام/ ٩٥] ، وقوله تعالى: أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا [الأحقاف/ ٢٢] ، فاستعملوا الإفك في ذلك لمّا اعتقدوا أنّ ذلك صرف من الحق إلى الباطل، فاستعمل ذلك في الكذب لما قلنا، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور/ ١١] ، وقال: لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الجاثية/ ٧] ، وقوله: أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [الصافات/ ٨٦] فيصح أن يجعل تقديره: أتريدون آلهة من الإفك «٢» ، ويصح أن يجعل «إفكا» مفعول «تريدون» ، ويجعل آلهة بدل منه، ويكون قد سمّاهم إفكا. ورجل مَأْفُوك: مصروف عن الحق إلى الباطل، قال الشاعر:

стр. 62

٢٠- فإن تك عن أحسن المروءة مأفو ... كا ففي آخرين قد أفكوا «١» وأُفِكَ يُؤْفَكُ: صرف عقله، ورجل مَأْفُوكُ العقل. أفل الأُفُول: غيبوبة النّيّرات كالقمر والنجوم، قال تعالى: فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام/ ٧٨] ، وقال: فَلَمَّا أَفَلَتْ [الأنعام/ ٧٦] ، والإِفَال «٢» : صغار الغنم، والأَفِيل: الفصيل الضئيل. أكل الأَكْل: تناول المطعم، وعلى طريق التشبيه قيل: أكلت النار الحطب، والأُكْل لما يؤكل، بضم الكاف وسكونه، قال تعالى: أُكُلُها دائِمٌ [الرعد/ ٣٥] ، والأَكْلَة للمرّة، والأُكْلَة كاللقمة، وأَكِيلَةُ الأسد: فريسته التي يأكلها، والأَكُولَةُ «٣» من الغنم ما يؤكل، والأَكِيل: المؤاكل. وفلان مُؤْكَلٌ ومُطْعَمٌ استعارة للمرزوق، وثوب ذو أُكْلٍ: كثير الغزل «٤» كذلك، والتمر مَأْكَلَةٌ للفم، قال تعالى: ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ [سبأ/ ١٦] ، ويعبّر به عن النصيب فيقال: فلان ذو أكل من الدنيا «٥» ، وفلان استوفى أكله، كناية عن انقضاء الأجل، وأَكَلَ فلانٌ فلاناً: اغتابه، وكذا: أكل لحمه. قال تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات/ ١٢] ، وقال الشاعر: ٢١- فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي «٦» وما ذقت أَكَالًا، أي: شيئا يؤكل، وعبّر بالأكل عن إنفاق المال لمّا كان الأكل أعظم ما يحتاج فيه إلى المال، نحو: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة/ ١٨٨] ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء/ ١٠] ، فأكل المال بالباطل صرفه إلى ما ينافيه الحق، وقوله تعالى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء/ ١٠] ، تنبيها على أنّ تناولهم لذلك يؤدي بهم إلى النار. والأَكُول والأَكَّال: الكثير الأكل، قال تعالى:

стр. 63

أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة/ ٤٢] . والأَكَلَة: جمع آكِل، وقولهم: هم أَكَلَةُ رأس عبارة عن ناس من قلّتهم يشبعهم رأس. وقد يعبّر بالأَكْلِ عن الف ساد، نحو: كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل/ ٥] ، وتَأَكَّلَ كذا: فسد، وأصابه إِكَالٌ في رأسه وفي أسنانه، أي: تأكّل، وأكلني رأسي. وميكائيل ليس بعربيّ. ألإلّ الإلّ كل حالة ظاهرة من عهد حلف وقرابة تئلّ: تلمع، فلا يمكن إنكاره. قال تعالى: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [التوبة/ ١٠] ، وأَلَّ الفرس، أي: أسرع. حقيقته: لمع، وذلك استعارة في باب الإسراع، نحو: برق وطار. والأَلَّة «١» : الحربة اللامعة، وأَلَّ بها: ضرب، وقيل: إلّ وإيل اسم الله تعالى، وليس ذلك بصحيح، وأذن مُؤَلَّلَة «٢» ، والأَلَالان «٣» : صفحتا السكين. ألف الأَلِفُ من حروف التهجي، والإِلْفُ: اجتماع مع التئام، يقال: أَلَّفْتُ بينهم، ومنه: الأُلْفَة ويقال للمألوف: إِلْفٌ وأَلِيفٌ. قال تعالى: إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [آل عمران/ ١٠٣] ، وقال: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال/ ٦٣] . والمُؤَلَّف: ما جمع من أجزاء مختلفة، ورتّب ترتيبا قدّم فيه ما حقه أن يقدّم، وأخّر فيه ما حقّه أن يؤخّر. ولِإِيلافِ قُرَيْشٍ [قريش/ ١] مصدر من آلف «٤» . والمؤلَّفة قلوبهم «٥» : هم الذين يتحرى فيهم بتفقدهم أن يصيروا من جملة من وصفهم الله، لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال/ ٦٣] ، وأو الف الطير: ما ألفت الدار.

стр. 64

والأَلْفُ: العدد الم خصوص، وسمّي بذلك لكون الأعداد فيه مؤتلفة، فإنّ الأعداد أربعة: آحاد وعشرات ومئات وألوف، فإذا بلغت الألف فقد ائتلفت، وما بعده يكون مكررا. قال بعضهم: الألف من ذلك، لأنه مبدأ النظام، وقيل: آلَفْتُ الدراهم، أي: بلغت بها الألف، نحو ماءيت، وآلفت «١» هي نحو أمأت. ألك الملائكة، ومَلَك أصله: مألك، وقيل: هو مقلوب عن ملأك، والمَأْلَك والمَأْلَكَة والأَلُوك: الرس الة ، ومنه: أَلَكَنِي إليه، أي: أبلغه رسالتي، والملائكة تقع على الواحد والجمع. قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [الحج/ ٧٥] . قال الخليل «٢» : المَأْلُكة: الرسالة، لأنها تؤلك في الفم، من قولهم: فرس يَأْلُكُ اللّجام أي: يعلك. ألم الأَلَمُ الوجع الشديد، يقال: أَلَمَ يَأْلَمُ أَلَماً فهو آلِمٌ. قال تعالى: فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ [النساء/ ١٠٤] ، وقد آلمت فلانا، وعذاب أليم، أي: مؤلم. وقوله: لَمْ يَأْتِكُمْ [الأنعام/ ١٣٠] فهو ألف الاستفهام، وقد دخل على «لم» . أله الله: قيل: أصله إله فحذفت همزته، وأدخل عليها الألف واللام، فخصّ بالباري تعالى، ولتخصصه به قال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم/ ٦٥] . وإله جعلوه اسما لكل معبود لهم، وكذا اللات، وسمّوا الشمس إِلَاهَة «٣» لاتخاذهم إياها معبودا. وأَلَهَ فلان يَأْلُهُ الآلهة: عبد، وقيل: تَأَلَّهَ. فالإله على هذا هو المعبود «٤» .

стр. 65

وقيل: هو من: أَلِهَ، أي: تحيّر، وتسميته بذلك إشارة إلى ما قال أمير المؤمنين عليّ ﵁: (كلّ دون صفاته تحبير الصفات، وضلّ هناك تصاريف اللغات) وذلك أنّ العبد إذا تفكّر في صفاته تحيّر فيها، ولهذا روي: «تفكّروا في آلاء الله ولا تفكّروا في الله» «١» . وقيل: أصله: ولاه، فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق والها نحوه، إمّا بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإمّا بالتسخير والإرادة معا كبعض الناس، ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها «٢» ، وعليه دلّ قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء/ ٤٤] . وقيل: أصله من: لاه يلوه لياها، أي: احتجب. قالوا: وذلك إشارة إلى ما قال تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام/ ١٠٣] ، والمشار إليه بالباطن في قوله: وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [الحديد/ ٣] . وإِلَهٌ حقّه ألا يجمع، إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أنّ هاهنا معبودات جمعوه، فقالوا: الآلهة. قال تعالى: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا [الأنبياء/ ٤٣] ، وقال: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف/ ١٢٧] وقرئ: (وإلاهتك) «٣» أي: عبادتك. ولاه أنت، أي: لله، وحذف إحدى اللامين. «اللهم» قيل: معناه: يا الله، فأبدل من الياء في أوله الميمان في آخره «٤» ، وخصّ بدعاء الله، وقيل: تقديره: يا الله أمّنا بخير «٥» ، مركّب تركيب حيّهلا. إلى إلى: حرف يحدّ به النهاية من الجوانب الست، وأَلَوْتُ في الأمر: قصّرت فيه، هو منه، كأنه رأى فيه الانتهاء، وأَلَوْتُ فلانا، أي: أوليته تقصيرا نحو: كسبته، أي: أوليته كسبا، وما ألوته جهدا، أي: ما أوليته تقصيرا بحسب الجهد، فقولك: «جهدا» تمييز، وكذلك: ما ألوته نصحا. وقوله تعالى: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا [آل

стр. 66

عمران/ ١١٨] منه، أي: لا يقصّرون في جلب الخبال، وقال تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ [النور/ ٢٢] قيل: هو يفتعل من ألوت، وقيل: هو من: آليت: حلفت. وقيل: نزل ذلك في أبي بكر، وكان قد حلف على مسطح أن يزوي عنه فضله «١» . وردّ هذا بعضهم بأنّ افتعل قلّما يبنى من «أفعل» ، إنما يبنى من «فعل» ، وذلك مثل: كسبت واكتسبت، وصنعت واصطنعت، ورأيت وارتأيت. وروي: «لا دريت ولا ائتليت» «٢» وذلك: افتعلت من قولك: ما ألوته شيئا، كأنه قيل: ولا استطعت. وحقيقة الإيلاء والأليّة: الحلف المقتضي لتقصير في الأمر الذي يحلف عليه. وجعل الإيلاء في الشرع للحلف المانع من جماع المرأة، وكيفيته وأحكامه مختصة بكتب الفقه. فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ [الأعراف/ ٦٩] أي: نعمه، الواحد: ألًا وإِلًى، نحو أناً وإنًى لواحد الآناء. وقال بعضهم في قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة/ ٢٢- ٢٣] : إنّ معناه: إلى نعمة ربها منتظرة، وفي هذا تعسف من حيث البلاغة «٣» . و «أَلَا» للاستفتاح، و «إِلَّا» للاستثناء، وأُولَاءِ في قوله تعالى: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ [آل عمران/ ١١٩] وقوله: أولئك: اسم مبهم موضوع للإشارة إلى جمع المذكر والمؤنث، ولا واحد له من لفظه، وقد يقصر نحو قول الأعشى: ٢٢- هؤلا ثم هؤلا كلّا أع ... طيت نوالا محذوّة بمثال «٤»

стр. 67

أمّ الأُمُّ بإزاء الأب، وهي الوالدة القريبة التي ولدته، والبعيدة التي ولدت من ولدته. ولهذا قيل لحوّاء: هي أمنا، وإن كان بيننا وبينها وسائط. ويقال لكل ما كان أصلا لوجود شيء أو تربيته أو إصلاحه أو مبدئه أمّ، قال الخليل: كلّ شيء ضمّ إليه سائر ما يليه يسمّى أمّا «١» ، قال تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ [الزخرف/ ٤] «٢» أي: اللوح المحفوظ وذلك لكون العلوم كلها منسوبة إليه ومتولّدة منه. وقيل لمكة أم القرى، وذلك لما روي: (أنّ الدنيا دحيت من تحتها) «٣» ، وقال تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الأنعام/ ٩٢] ، وأمّ النجوم: المجرّة «٤» . قال: ٢٣- بحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك «٥» وقيل: أم الأضياف وأم المساكين «٦» ، كقولهم: أبو الأضياف «٧» ، ويقال للرئيس: أمّ الجيش كقول الشاعر: ٢٤- وأمّ عيال قد شهدت نفوسهم «٨» وقيل لفاتحة الكتاب: أمّ الكتاب لكونها مبدأ الكتاب، وقوله تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [القارعة/ ٩] أي: مثواه النار فجعلها أمّا له، قال: وهو نحو مَأْواكُمُ النَّارُ [الحديد/ ١٥] ، وسمّى الله تعالى أزواج النبيّ ﷺ أمهات المؤمنين فقال: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب/ ٦] لما تقدّم في الأب، وقال: ابْنَ أُمَ [طه/ ٩٤] ولم يقل: ابن أب، ولا أمّ له يقال على سبيل الذم، وعلى سبيل المدح،

стр. 68

وكذا قوله: ويل أمّه «١» ، وكذا: هوت أمّه «٢» والأمّ قيل: أصله: أمّهة، لقولهم جمعا: أمهات، وفي التصغير: أميهة «٣» . وقيل: أصله من المضاعف لقولهم: أمّات وأميمة. قال بعضهم: أكثر ما يقال أمّات في البهائم ونحوها، وأمهات في الإنسان. والأُمّة: كل جماعة يجمعهم أمر ما إمّا دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا، وجمعها: أمم، وقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام/ ٣٨] أي: كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسّرفة «٤» ، ومدّخرة كالنمل ومعتمدة على قوت وقته كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع. وقوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [البقرة/ ٢١٣] أي: صنفا واحدا وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر، وقوله: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً [هود/ ١١٨] أي: في الإيمان، وقوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران/ ١٠٤] أي: جماعة يتخيّرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم، وقوله: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [الزخرف/ ٢٢] أي: على دين مجتمع. قال: ٢٥- وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع «٥» وقوله تعالى: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف/ ٤٥] أي: حين، وقرئ (بعد أمه) «٦» أي: بعد نسيان. وحقيقة ذلك: بعد انقضاء أهل عصر أو أهل دين. وقوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [النحل/ ١٢٠] أي: قائما مقام جماعة في عبادة الله، نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة. وروي: «أنه يحشر زيد بن عمرو بن نفيل أمّة وحده» «٧» .

стр. 69

وقوله تعالى: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ [آل عمران/ ١١٣] أي: جماعة، وجعلها الزجاج هاهنا للاستقامة، وقال: تقديره: ذو طريقة واحدة «١» ، فترك الإضمار أولى. والأُمِّيُّ: هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وعليه حمل: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة/ ٢] قال قطرب: الأُمِّيَّة: الغفلة والجهالة، فالأميّ منه، وذلك هو قلة المعرفة، ومنه قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة/ ٧٨] أي: إلا أن يتلى عليهم. قال الفرّاء: هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب، والنَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف/ ١٥٧] قيل: منسوب إلى الأمّة الذين لم يكتبوا، لكونه على عادتهم كقولك: عامّي، لكونه على عادة العامّة، وقيل: سمي بذلك لأنه لم يكن يكتب ولا يقرأ من كتاب، وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه، واعتماده على ضمان الله منه بقوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الأعلى/ ٦] . وقيل: سمّي بذلك لنسبته إلى أمّ القرى. والإِمام: المؤتمّ به، إنسانا كأن يقتدى بقوله أو فعله، أو كتابا، أو غير ذلك محقّا كان أو مبطلا، وجمعه: أئمة. وقوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء/ ٧١] أي: بالذي يقتدون به، وقيل: بكتابهم «٢» ، وقوله: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان/ ٧٤] . قال أبو الحسن: جمع آم «٣» ، وقال غيره: هو من باب درع دلاص، ودروع دلاص «٤» ، وقوله: وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً [القصص/ ٥] وقال: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص/ ٤١] جمع إمام. وقوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [يس/ ١٢] فقد قيل: إشارة إلى اللوح المحفوظ، والأَمُّ: القصد المستقيم، وهو التوجه نحو مقصود، وعلى ذلك: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ [المائدة/ ٢] وقولهم: أَمَّهُ: شجّه، فحقيقته إنما هو أن يصيب أمّ دماغه، وذلك على حدّ ما يبنون من إصابة الجارحة لفظ فعلت منه «٥» ، وذلك نحو: رأسته، ورجلته، وكبدته،

стр. 70

وبطنته: إذا أصيب هذه الجوارح. و «أَمْ» إذا قوبل به ألف الاستفهام فمعناه: أي «١» نحو: أزيد أم عمرو، أي: أيّهما، وإذا جرّد عن ذلك يقتضي معنى ألف الاستفهام مع بل، نحو: أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ [ص/ ٦٣] أي: بل زاغت. و «أمَّا» حرف يقتضي معنى أحد الشيئين، ويكرّر نحو: أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ [يوسف/ ٤١] ، ويبتدأ بها الكلام نحو: أمّا بعد فإنه كذا. أمد قال تعالى: تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران/ ٣٠] . والأَمَد والأبد يتقاربان، لكن الأبد عبارة عن مدّة الزمان التي ليس لها حدّ محدود، ولا يتقيد، لا يقال: أبد كذا. والأَمَدُ: مدّة لها حدّ مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر نحو أن يقال: أمد كذا، كما يقال: زمان كذا، والفرق بين الزمان والأمد أنّ الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عامّ في المبدأ والغاية، ولذلك قال بعضهم: المدى والأمد يتقاربان. أمر الأَمْرُ: الشأن، وجمعه أُمُور، ومصدر أمرته: إذا كلّفته أن يفعل شيئا، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، وعلى ذلك قوله تعالى: إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود/ ١٢٣] ، وقال: قُلْ: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران/ ١٥٤] ، أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة/ ٢٧٥] ويقال للإبداع: أمر، نحو: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف/ ٥٤] ، ويختص ذلك بالله تعالى دون الخلائق وقد حمل على ذلك قوله تعالى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [فصلت/ ١٢] وعلى ذلك حمل الحكماء قوله: قُلِ: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء/ ٨٥] أي: من إبداعه، وقوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل/ ٤٠] فإشارة إلى إبداعه، وعبّر عنه بأقصر لفظة، وأبلغ ما يتقدّم فيه فيما بيننا بفعل الشيء، وعلى ذلك قوله: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ [القمر/ ٥٠] ، فعبّر عن سرعة إيجاده بأسرع ما يدركه وهمنا. والأمر: التقدم بالشيء سواء كان ذلك بقولهم: افعل وليفعل، أو كان ذلك بلفظ خبر نحو: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [البقرة/ ٢٢٨] ، أو كان بإشارة أو غير ذلك، ألا ترى أنّه قد سمّى ما رأى إبراهيم في المنام من ذبح ابنه أمرا حيث قال: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ [الصافات/ ١٠٢] فسمّى ما رآه في

стр. 71

المنام من تعاطي الذبح أمرا «١» . وقوله تعالى: وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود/ ٩٧] فعامّ في أقواله وأفعاله، وقوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل/ ١] إشارة إلى القيامة، فذكره بأعمّ الألفاظ، وقوله: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً [يوسف/ ١٨] أي: ما تأمر النفس الأمّارة بالسوء. وقيل: أَمِرَ القومُ: كثروا، وذلك لأنّ القوم إذا كثروا صاروا ذا أمير من حيث إنهم لا بدّ لهم من سائس يسوسهم، ولذلك قال الشاعر: ٢٦- لا يصلح النّاس فوضى لا سراة لهم «٢» وقوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها [الإسراء/ ١٦] أي: أمرناهم بالطاعة، وقيل: معناه: كثّرناهم. وقال أبو عمرو: لا يقال: أمرت بالتخفيف في معنى كثّرت، وإنما يقال: أمّرت وآمرت. وقال أبو عبيدة: قد يقال: أمرت «٣» بالتخفيف نحو: «خير المال مهرة مأمورة وسكّة مأبورة» «٤» وفعله: أمرت. وقرئ: (أَمَّرْنَا) «٥» أي: جعلناهم أمراء، وكثرة الأمراء في القرية الواحدة سبب لوقوع هلاكهم، ولذلك قيل: لا خير في كثرة الأمراء، وعلى هذا حمل قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها [الأنعام/ ١٢٣] ، وقرئ: (آمَرْنَا) «٦» بمعنى: أكثرنا. والائْتِمَارُ: قبول الأمر، ويقال للتشاور: ائتمار لقبول بعضهم أمر بعض فيما أشار به. قال تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ [القصص/ ٢٠] . قال الشاعر: ٢٧- وآمرت نفسي أيّ أمريّ أفعل «٧»

стр. 72

وقوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [الكهف/ ٧١] أي: منكرا، من قولهم: أَمِرَ الأَمْرُ، أي: كَبُرَ وكَثُرَ كقولهم: استفحل الأمر. وقوله: وَأُولِي الْأَمْرِ [النساء/ ٥٩] قيل: عنى الأمراء في زمن النبيّ ﵊. وقيل: الأئمة من أهل البيت «١» ، وقيل: الآمرون بالمعروف، وقال ابن عباس ﵄: هم الفقهاء وأهل الدين المطيعون لله. وكل هذه الأقوال صحيحة، ووجه ذلك: أنّ أولي الأمر الذين بهم يرتدع الناس أربعة: الأنبياء، وحكمهم على ظاهر العامة والخاصة وعلى بواطنهم، والولاة، وحكمهم على ظاهر الكافّة دون باطنهم، والحكماء، وحكمهم على باطن الخاصة دون الظاهر، والوعظة، وحكمهم على بواطن العامة دون ظواهرهم. أمن أصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأَمْنُ والأَمَانَةُ والأَمَانُ في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال/ ٢٧] ، أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأحزاب/ ٧٢] قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل: العدالة «٢» ، وقيل: حروف التهجي، وقيل: العقل، وهو صحيح فإنّ العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم حروف التهجي، بل بحصوله تعلّم كل ما في طوق البشر تعلّمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضّل على كثير ممّن خلقه. وقوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران/ ٩٧] أي: آمنا من النار، وقيل: من بلايا الدنيا التي تصيب من قال فيهم: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [التوبة/ ٥٥] . ومنهم من قال: لفظه خبر ومعناه أمر، وقيل: يأمن الاصطلام «٣» ، وقيل: آمن في حكم الله، وذلك كقولك: هذا حلال وهذا حرام، أي: في حكم الله. والمعنى: لا يجب أن يقتصّ منه ولا يقتل فيه إلا أن يخرج، وعلى هذه الوجوه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً [العنكبوت/ ٦٧] . وقال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة/ ١٢٥] . وقوله: أَمَنَةً نُعاساً [آل عمران/ ١٥٤] أي: أمنا، وقيل: هي جمع كالكتبة.

стр. 73

وفي حديث نزول المسيح: «وتقع الأمنة في الأرض» «١» . وقوله تعالى: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة/ ٦] أي: منزله الذي فيه أمنه. وآمَنَ: إنما يقال على وجهين: - أحدهما متعديا بنفسه، يقال: آمنته، أي: جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن. - والثاني: غير متعدّ، ومعناه: صار ذا أمن. والإِيمان يستعمل تارة اسما للشريعة التي جاء بها محمّد ﵊، وعلى ذلك: الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [المائدة/ ٦٩] ، ويوصف به كلّ من دخل في شريعته مقرّا بالله وبنبوته. قيل: وعلى هذا قال تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف/ ١٠٦] . وتارة يستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [الحديد/ ١٩] . ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح: إيمان. قال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة/ ١٤٣] أي: صلاتكم، وجعل الحياء وإماطة الأذى من الإيمان «٢» . قال تعالى: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ [يوسف/ ١٧] قيل: معناه: بمصدق لنا، إلا أنّ الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء/ ٥١] فذلك مذكور على سبيل الذم لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب- ما لم يكن مطبوعا عليه- أن يطمئن إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله: مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [النحل/ ١٠٦] ، وهذا كما يقال: إيمانه الكفر، وتحيته الضرب، ونحو ذلك. وجعل النبيّ ﷺ أصل الإيمان ستة أشياء في

стр. 74

خبر جبريل حيث سأله فقال: ما الإيمان؟ والخبر معروف «١» . ويقال: رجل أَمْنَةٌ وأَمَنَةٌ: يثق بكل أحد، وأَمِينٌ وأَمَانٌ يؤمن به. والأَمُون: الناقة يؤمن فتورها وعثورها. آمين يقال بالمدّ والقصر، وهو اسم للفعل نحو: صه ومه. قال الحسن: معناه: استجب، وأَمَّنَ فلان: إذا قال: آمين. وقيل: آمين اسم من أسماء الله تعالى «٢» . وقال أبو علي الفسوي «٣» : أراد هذا القائل أنّ في آمين ضميرا لله تعالى، لأنّ معناه: استجب. وقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ [الزمر/ ٩] تقديره: أم من، وقرئ: (أمن) «٤» وليسا من هذا الباب. إِنَّ وأَنَ إِنَّ أَنَّ ينصبان الاسم ويرفعان الخبر، والفرق بينهما أنّ «إِنَّ» يكون ما بعده جملة مستقلة، و «أَنَّ» يكون ما بعده في حكم مفرد يقع موقع مرفوع ومنصوب ومجرور، نحو: أعجبني أَنَّك تخرج، وعلمت أَنَّكَ تخرج، وتعجّبت من أَنَّك تخرج. وإذا أدخل عليه «ما» يبطل عمله، ويقتضي إثبات الحكم للمذكور وصرفه عمّا عداه، نحو: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة/ ٢٨] تنبيها على أنّ النجاسة التامة هي حاصلة للمختص بالشرك، وقوله : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ [البقرة/ ١٧٣] أي: ما حرّم ذلك إلا تنبيها على أنّ أعظم المحرمات من المطعومات في أصل الشرع هو هذه المذكورات. وأَنْ على أربعة أوجه: الداخلة على المعدومين من الفعل الماضي أو المستقبل، ويكون ما بعده في تقدير مصدر، وينصب المستقبل نحو: أعجبني أن تخرج وأن خرجت. والمخفّفة من الثقيلة نحو: أعجبني أن زيدا منطلق. والمؤكّدة ل «لمّا» نحو: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ [يوسف/ ٩٦] . والمفسّرة لما يكون بمعنى القول، نحو: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا [ص/ ٦] أي: قالوا: امشوا.

стр. 75

وكذلك «إِنْ» على أربعة أوجه: للشرط نحو: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ [المائدة/ ١١٨] ، والمخفّفة من الثقيلة ويلزمها اللام نحو: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا [الفرقان/ ٤٢] ، والنافية، وأكثر ما يجيء يتعقّبه «إلا» ، نحو: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا [الجاثية/ ٣٢] ، إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر/ ٢٥] ، إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [هود/ ٥٤] . والمؤكّدة ل «ما» النافية، نحو: ما إن يخرج زيد. أنث الأنثى: خلاف الذكر، ويقالان في الأصل اعتبارا بالفرجين، قال : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [النساء/ ١٢٤] ، ولمّا كان الأنثى في جميع الحيوان تضعف عن الذكر اعتبر فيها الضعف، فقيل لما يضعف عمله: أنثى، ومنه قيل: حديد أنيث «١» ، قال الشاعر: ٢٨- ... عندي ... جراز لا أفلّ ولا أنيث «٢» وقيل: أرض أنيث: سهل، اعتبارا بالسهولة التي في الأنثى، أو يقال ذلك اعتبارا بجودة إنباتها تشبيها بالأنثى، ولذا قال: أرض حرّة وولودة. ولمّا شبّه في حكم اللفظ بعض الأشياء بالذّكر فذكّر أحكامه، وبعضها بالأنثى فأنّث أحكامها، نحو: اليد والأذن، والخصية، سميت الخصية لتأنيث لفظ الأنثيين، وكذلك الأذن. قال الشاعر: ٢٩- ضربناه تحت الأنثيين على الكرد «٣» وقال آخر: ٣٠- وما ذكر وإن يسمن فأنثى «٤» يعني: القراد، فإنّه يقال له إذا كبر: حلمة، فيؤنّث «٥» . وقوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً
следующие страницы →