المنام من تعاطي الذبح أمرا «١» .
وقوله تعالى: وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود/ ٩٧] فعامّ في أقواله وأفعاله، وقوله:
أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل/ ١] إشارة إلى القيامة، فذكره بأعمّ الألفاظ، وقوله: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً [يوسف/ ١٨] أي:
ما تأمر النفس الأمّارة بالسوء.
وقيل: أَمِرَ القومُ: كثروا، وذلك لأنّ القوم إذا كثروا صاروا ذا أمير من حيث إنهم لا بدّ لهم من سائس يسوسهم، ولذلك قال الشاعر:
٢٦-
لا يصلح النّاس فوضى لا سراة لهم
«٢» وقوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها
[الإسراء/ ١٦] أي: أمرناهم بالطاعة، وقيل: معناه:
كثّرناهم.
وقال أبو عمرو: لا يقال: أمرت بالتخفيف في معنى كثّرت، وإنما يقال: أمّرت وآمرت.
وقال أبو عبيدة: قد يقال: أمرت «٣» بالتخفيف نحو: «خير المال مهرة مأمورة وسكّة مأبورة» «٤» وفعله: أمرت.
وقرئ: (أَمَّرْنَا) «٥» أي: جعلناهم أمراء، وكثرة الأمراء في القرية الواحدة سبب لوقوع هلاكهم، ولذلك قيل: لا خير في كثرة الأمراء، وعلى هذا حمل قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها [الأنعام/ ١٢٣] ، وقرئ: (آمَرْنَا) «٦» بمعنى: أكثرنا.
والائْتِمَارُ: قبول الأمر، ويقال للتشاور: ائتمار لقبول بعضهم أمر بعض فيما أشار به.
قال تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ [القصص/ ٢٠] . قال الشاعر:
٢٧-
وآمرت نفسي أيّ أمريّ أفعل
«٧»
стр. 72
وقوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً
[الكهف/ ٧١] أي: منكرا، من قولهم: أَمِرَ الأَمْرُ، أي: كَبُرَ وكَثُرَ كقولهم: استفحل الأمر.
وقوله: وَأُولِي الْأَمْرِ [النساء/ ٥٩] قيل:
عنى الأمراء في زمن النبيّ ﵊.
وقيل: الأئمة من أهل البيت «١» ، وقيل: الآمرون بالمعروف، وقال ابن عباس ﵄: هم الفقهاء وأهل الدين المطيعون لله.
وكل هذه الأقوال صحيحة، ووجه ذلك: أنّ أولي الأمر الذين بهم يرتدع الناس أربعة:
الأنبياء، وحكمهم على ظاهر العامة والخاصة وعلى بواطنهم، والولاة، وحكمهم على ظاهر الكافّة دون باطنهم، والحكماء، وحكمهم على باطن الخاصة دون الظاهر، والوعظة، وحكمهم على بواطن العامة دون ظواهرهم.
أمن
أصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأَمْنُ والأَمَانَةُ والأَمَانُ في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال/ ٢٧] ، أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأحزاب/ ٧٢] قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل: العدالة «٢» ، وقيل: حروف التهجي، وقيل: العقل، وهو صحيح فإنّ العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم حروف التهجي، بل بحصوله تعلّم كل ما في طوق البشر تعلّمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضّل على كثير ممّن خلقه.
وقوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
[آل عمران/ ٩٧] أي: آمنا من النار، وقيل: من بلايا الدنيا التي تصيب من قال فيهم: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [التوبة/ ٥٥] .
ومنهم من قال: لفظه خبر ومعناه أمر، وقيل:
يأمن الاصطلام «٣» ، وقيل: آمن في حكم الله، وذلك كقولك: هذا حلال وهذا حرام، أي: في حكم الله.
والمعنى: لا يجب أن يقتصّ منه ولا يقتل فيه إلا أن يخرج، وعلى هذه الوجوه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً [العنكبوت/ ٦٧] . وقال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة/ ١٢٥] . وقوله: أَمَنَةً نُعاساً
[آل عمران/ ١٥٤] أي: أمنا، وقيل: هي جمع كالكتبة.
стр. 73
وفي حديث نزول المسيح: «وتقع الأمنة في الأرض» «١» .
وقوله تعالى: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ
[التوبة/ ٦] أي: منزله الذي فيه أمنه.
وآمَنَ: إنما يقال على وجهين:
- أحدهما متعديا بنفسه، يقال: آمنته، أي:
جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.
- والثاني: غير متعدّ، ومعناه: صار ذا أمن.
والإِيمان يستعمل تارة اسما للشريعة التي جاء بها محمّد ﵊، وعلى ذلك:
الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [المائدة/ ٦٩] ، ويوصف به كلّ من دخل في شريعته مقرّا بالله وبنبوته. قيل: وعلى هذا قال تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف/ ١٠٦] .
وتارة يستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [الحديد/ ١٩] .
ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح: إيمان. قال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة/ ١٤٣] أي:
صلاتكم، وجعل الحياء وإماطة الأذى من الإيمان «٢» .
قال تعالى: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ [يوسف/ ١٧] قيل: معناه: بمصدق لنا، إلا أنّ الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء/ ٥١] فذلك مذكور على سبيل الذم لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب- ما لم يكن مطبوعا عليه- أن يطمئن إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله: مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [النحل/ ١٠٦] ، وهذا كما يقال:
إيمانه الكفر، وتحيته الضرب، ونحو ذلك.
وجعل النبيّ ﷺ أصل الإيمان ستة أشياء في
стр. 74
خبر جبريل حيث سأله فقال: ما الإيمان؟ والخبر معروف «١» .
ويقال: رجل أَمْنَةٌ وأَمَنَةٌ: يثق بكل أحد، وأَمِينٌ وأَمَانٌ يؤمن به. والأَمُون: الناقة يؤمن فتورها وعثورها.
آمين يقال بالمدّ والقصر، وهو اسم للفعل نحو:
صه ومه. قال الحسن: معناه: استجب، وأَمَّنَ فلان: إذا قال: آمين. وقيل: آمين اسم من أسماء الله تعالى «٢» . وقال أبو علي الفسوي «٣» :
أراد هذا القائل أنّ في آمين ضميرا لله تعالى، لأنّ معناه: استجب.
وقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ [الزمر/ ٩] تقديره: أم من، وقرئ: (أمن) «٤» وليسا من هذا الباب.
إِنَّ وأَنَ
إِنَّ أَنَّ ينصبان الاسم ويرفعان الخبر، والفرق بينهما أنّ «إِنَّ» يكون ما بعده جملة مستقلة، و «أَنَّ» يكون ما بعده في حكم مفرد يقع موقع مرفوع ومنصوب ومجرور، نحو: أعجبني أَنَّك تخرج، وعلمت أَنَّكَ تخرج، وتعجّبت من أَنَّك تخرج. وإذا أدخل عليه «ما» يبطل عمله، ويقتضي إثبات الحكم للمذكور وصرفه عمّا عداه، نحو: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
[التوبة/ ٢٨] تنبيها على أنّ النجاسة التامة هي حاصلة للمختص بالشرك، وقوله : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ [البقرة/ ١٧٣] أي: ما حرّم ذلك إلا تنبيها على أنّ أعظم المحرمات من المطعومات في أصل الشرع هو هذه المذكورات.
وأَنْ على أربعة أوجه:
الداخلة على المعدومين من الفعل الماضي أو المستقبل، ويكون ما بعده في تقدير مصدر، وينصب المستقبل نحو: أعجبني أن تخرج وأن خرجت.
والمخفّفة من الثقيلة نحو: أعجبني أن زيدا منطلق.
والمؤكّدة ل «لمّا» نحو: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ [يوسف/ ٩٦] .
والمفسّرة لما يكون بمعنى القول، نحو:
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا [ص/ ٦] أي: قالوا: امشوا.
стр. 75
وكذلك «إِنْ» على أربعة أوجه:
للشرط نحو: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ [المائدة/ ١١٨] ، والمخفّفة من الثقيلة ويلزمها اللام نحو: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا [الفرقان/ ٤٢] ، والنافية، وأكثر ما يجيء يتعقّبه «إلا» ، نحو: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا [الجاثية/ ٣٢] ، إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر/ ٢٥] ، إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [هود/ ٥٤] .
والمؤكّدة ل «ما» النافية، نحو: ما إن يخرج زيد.
أنث
الأنثى: خلاف الذكر، ويقالان في الأصل اعتبارا بالفرجين، قال : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [النساء/ ١٢٤] ، ولمّا كان الأنثى في جميع الحيوان تضعف عن الذكر اعتبر فيها الضعف، فقيل لما يضعف عمله: أنثى، ومنه قيل: حديد أنيث «١» ، قال الشاعر:
٢٨-
... عندي ... جراز لا أفلّ ولا أنيث «٢»
وقيل: أرض أنيث: سهل، اعتبارا بالسهولة التي في الأنثى، أو يقال ذلك اعتبارا بجودة إنباتها تشبيها بالأنثى، ولذا قال: أرض حرّة وولودة.
ولمّا شبّه في حكم اللفظ بعض الأشياء بالذّكر فذكّر أحكامه، وبعضها بالأنثى فأنّث أحكامها، نحو: اليد والأذن، والخصية، سميت الخصية لتأنيث لفظ الأنثيين، وكذلك الأذن. قال الشاعر:
٢٩-
ضربناه تحت الأنثيين على الكرد
«٣» وقال آخر:
٣٠-
وما ذكر وإن يسمن فأنثى
«٤» يعني: القراد، فإنّه يقال له إذا كبر: حلمة، فيؤنّث «٥» .
وقوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً
стр. 76
[النساء/ ١١٧] فمن المفسرين من اعتبر حكم اللفظ فقال: لمّا كانت أسماء معبوداتهم مؤنثة نحو: اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ [النجم/ ١٩- ٢٠] قال ذلك:
ومنهم- وهو أصحّ- من اعتبر حكم المعنى، وقال: المنفعل يقال له: أنيث، ومنه قيل للحديد الليّن: أنيث، فقال: ولمّا كانت الموجودات بإضافة بعضها إلى بعض ثلاثة أضرب:
- فاعلا غير منفعل، وذلك هو الباري فقط.
- ومنفعلا غير فاعل، وذلك هو الجمادات.
- ومنفعلا من وجه كالملائكة وال إنس والجن، وهم بالإضافة إلى الله تعالى منفعلة، وبالإضافة إلى مصنوعاتهم فاعلة، ولمّا كانت معبوداتهم من جملة الجمادات التي هي منفعلة غير فاعلة سمّاها الله تعالى أنثى وبكّتهم بها، ونبّههم على جهلهم في اعتقاداتهم فيها أنها آلهة، مع أنها لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر، بل لا تفعل فعلا بوجه، وعلى هذا قول إبراهيم ﵊: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
[مريم/ ٤٢] .
وأمّا قوله : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف/ ١٩] فلزعم الذين قالوا: إنّ الملائكة بنات الله.
إنس
الإنس: خلاف الجن، والأنس: خلاف النفور، والإنسيّ منسوب إلى الإنس يقال ذلك لمن كثر أنسه، ولكلّ ما يؤنس به، ولهذا قيل:
إنسيّ الدابة للجانب الذي يلي الراكب «١» ، وإنسيّ القوس: للجانب الذي يقبل على الرامي.
والإنسيّ من كل شيء: ما يلي الإنسان، والوحشيّ: ما يلي الجانب الآخر له.
وجمع الإنس أَناسيُّ، قال الله تعالى:
وَأَناسِيَّ كَثِيراً [الفرقان/ ٤٩] .
وقيل ابن إنسك للنفس «٢» ، وقوله :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً
[النساء/ ٦] أي:
أبصرتم أنسا بهم، وآنَسْتُ ناراً [طه/ ١٠] ، وقوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
[النور/ ٢٧] أي:
تجدوا إيناسا.
والإِنسان قيل: سمّي بذلك لأنه خلق خلقة لا قوام له إلا بإنس بعضهم ببعض، ولهذا قيل:
الإنسان مدنيّ بالطبع، من حيث لا قوام لبعضهم إلا ببعض، ولا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه، وقيل: سمّي بذلك لأنه يأنس بكلّ ما يألفه «٣» ، وقيل: هو إفعلان، وأصله: إنسيان، سمّي بذلك لأنه عهد الله إليه فنسي.
стр. 77
أنف
أصل الأنف: الجارحة، ثم يسمّى به طرف الشيء وأشرفه، فيقال: أنف الجبل وأنف اللحية «١» ، ونسب الحمية والغضب والعزّة والذلة إلى الأنف حتى قال الشاعر:
٣١-
إذا غضبت تلك الأنوف لم أرضها ... ولم أطلب العتبى ولكن أزيدها
«٢» وقيل: شمخ فلان بأنفه: للمتكبر، وترب أنفه للذليل، وأَنِفَ فلان من كذا بمعنى استنكف، وأَنَفْتُهُ: أصبت أنفه. وحتى قيل الأَنَفَة: الحمية، واستأنفت الشيء: أخذت أنفه، أي: مبدأه، ومنه قوله : ماذا قالَ آنِفاً
[محمد/ ١٦] أي: مبتدأ.
أنمل
قال الله تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْ أَنا مِلَ مِنَ الْغَيْظِ
[آل عمران/ ١١٩] الأنامل جمع الأنملة، وهي المفصل الأعلى من الأصابع التي فيها الظفر، وفلان مؤنمل الأصابع «٣» أي: غليظ أطرافها في قصر. والهمزة فيها زائدة بدليل قولهم: هو نمل الأصابع، وذكّرها هاهنا للفظه.
أنى
أَنَّى للبحث عن الحال والمكان، ولذلك قيل: هو بمعنى كيف وأين «٤» ، لتضمنه معناهما، قال الله : أَنَّى لَكِ هذا [آل عمران/ ٣٧] ، أي: من أين، وكيف. و:
أنا
أَنَا ضمير المخبر عن نفسه، وتحذف ألفه في الوصل في لغة، وتثبت في لغة «٥» ، وقوله : لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف/ ٣٨] فقد قيل: تقديره: لكن أنا هو الله ربي، فحذف الهمزة من أوله، وأدغم النون في النون، وقرئ:
لكنّ هو الله ربي، فحذف الألف أيضا من آخره «٦» .
ويقال: أُنِيَّة الشيء وأَنِيَّتُه، كما يقال: ذاته، وذلك إشارة إلى وجود الشيء، وهو لفظ محدث
стр. 78
ليس من كلام العرب، وآناء الليل: ساعاته، الواحد: إِنْيٌ وإنىً وأَناً «١» ، قال :
يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ [آل عمران/ ١١٣] وقال تعالى: وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ [طه/ ١٣٠] ، وقوله تعالى: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ
[الأحزاب/ ٥٣] أي: وقته، والإنا إذا كسر أوّله قصر، وإذا فتح مدّ، نحو قول الحطيئة:
٣٢-
وآنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشّعرى فطال بي الأناء
«٢» أَنَى وآن الشيء: قرب إناه، وحَمِيمٍ آنٍ
[الرحمن/ ٤٤] بلغ إناه من شدة الحر، ومنه قوله تعالى: مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ
[الغاشية/ ٥] وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[الحديد/ ١٦] أي: ألم يقرب إناه.
ويقال «٣» : آنَيْتُ الشيء أُنِيّاً، أي: أخّرته عن أوانه، وتَأَنَّيْتُ: تأخّرت، والأَنَاة: التؤدة.
وتَأَنَّى فلان تَأَنِّياً، وأَنَى يَأْنِي فهو آنٍ، أي:
وقور. واستأنيته: انتظرت أوانه، ويجوز في معنى استبطأته، واستأنيت الطعام كذلك، والإِنَاء: ما يوضع فيه الشيء، وجمعه آنِيَة، نحو: كساء وأكسية، والأَوَانِي جمع الجمع.
أهل
أهل الرجل: من يجمعه وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، وأهل الرجل في الأصل: من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوّز به فقيل: أهل الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في أسرة النبيّ ﵊ مطلقا إذا قيل:
أهل البيت لقوله : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب/ ٣٣] ، وعبّر بأهل الرجل عن امرأته.
وأهل الإسلام: من يجمعهم، ولمّا كانت الشريعة حكمت برفع حكم النسب في كثير من الأحكام بين المسلم والكافر قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [هود/ ٤٦] ، وقال تعالى: وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [هود/ ٤٠] .
وقيل: أَهَلَ الرّجل يَأْهَلُ أُهُولًا، وقيل: مكان مأهول «٤» : فيه أهله، وأُهِلَ به: إذا صار ذا ناس وأهل، وكلّ دابّة ألف مكانا يقال: أَهِلٌ وأَهْلِيٌّ.
стр. 79
وتَأَهَّلَ: إذا تزوّج، ومنه قيل: آهَلَكَ الله في الجنة «١» ، أي: زوّجك فيها وجعل لك فيها أهلا يجمعك وإياهم، ويقال: فلان أَهْلٌ لكذا، أي:
خليق به، ومرحبا وأهلا في التحية للنازل بالإنسان، أي: وجدت سعة مكان عندنا، ومن هو أهل بيت لك في الشفقة «٢» .
وجمع الأهل: أَهْلُونَ وأَهَال وأَهَلَات.
أوب
الأَوْبُ: ضرب من الرجوع، وذلك أنّ الأوب لا يقال إلا في الحيوان الذي له إرادة، والرجوع يقال فيه وفي غيره، يقال: آب أَوْباً وإِيَاباً ومَآباً.
قال الله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ [الغاشية/ ٢٥] وقال: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً [النبأ/ ٣٩] ، والمآب: المصدر منه واسم الزمان والمكان.
قال الله تعالى: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران/ ١٤] ، والأوَّاب كالتوّاب، وهو الراجع إلى الله تعالى بترك المعاصي وفعل الطاعات، قال تعالى: أَوَّابٍ حَفِيظٍ [ق/ ٣٢] ، وقال: إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص/ ٣٠] ومنه قيل للتوبة: أَوْبَة، والتأويب يقال في سير النهار «٣» وقيل: آبت يد الرّامي إلى السهم «٤» وذلك فعل الرامي في الحقيقة وإن كان منسوبا إلى اليد، ولا ينقض ما قدّمناه من أنّ ذلك رجوع بإرادة واختيار، وكذا ناقة أَؤُوب: سريعة رجع اليدين.
أيد
قال الله : أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ
[المائدة/ ١١٠] فعّلت من الأيد، أي: القوة الشديدة.
وقال تعالى: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ
[آل عمران/ ١٣] أي: يكثر تأييده، ويقال: إِدْتُهُ أَئِيدُهُ أَيْداً نحو: بعته أبيعه بيعا، وأيّدته على التكثير. قال : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [الذاريات/ ٤٧] ، ويقال: له أيد، ومنه قيل للأمر العظيم مؤيد.
وإِيَاد الشيء: ما يقيه، وقرئ: (أَأْيَدْتُكَ) «٥» ، وهو أفعلت من ذلك.
قال الزجاج ﵀ «٦» : يجوز أن يكون فاعلت، نحو: عاونت، وقوله : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما
[البقرة/ ٢٥٥] أي: لا يثقله، وأصله من الأود، آد يؤود أودا وإيادا: إذا أثقله،
стр. 80
نحو: ق ال يقول قولا، وفي الحكاية عن نفسك:
أدت مثل: قلت، فتحقيق آده «١» : عوّجه من ثقله في ممرِّه.
أيك
الأَيْكُ: شجر ملتف، وأصحاب الأيكة قيل:
نسبوا إلى غيضة كانوا يسكنونها، وقيل: هي اسم بلد.
آل
الآل: مقلوب من الأهل «٢» ، ويصغّر على أهيل إلا أنّه خصّ بالإضافة إلى الأعلام الناطقين دون النكرات، ودون الأزمنة والأمكنة، يقال: آل فلان، ولا يقال: آل رجل ولا آل زمان كذا، أو موضع كذا، ولا يقال: آل الخياط بل يضاف إلى الأشرف الأفضل، يقال: آل الله وآل السلطان.
والأهل يضاف إلى الكل، يقال: أهل الله وأهل الخياط، كما يقال: أهل زمن كذا وبلد كذا.
وقيل: هو في الأصل اسم الشخص، ويصغّر أُوَيْلًا، ويستعمل فيمن يختص بالإنسان اختصاصا ذاتيا إمّا بقرابة قريبة، أو بموالاة، قال الله : وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ [آل عمران/ ٣٣] ، وقال: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر/ ٤٦] . قيل: وآل النبي ﵊ أقاربه، وقيل: المختصون به من حيث العلم، وذلك أنّ أهل الدين ضربان:
- ضرب متخصص بالعلم المتقن والعمل المحكم فيقال لهم: آل النبي وأمته.
- وضرب يختصون بالعلم على سبيل التقليد، يقال لهم: أمة محمد ﵊، ولا يقال لهم آله، فكلّ آل للنبيّ أمته وليس كل أمة له آله.
وقيل لجعفر الصادق «٣» ﵁: الناس يقولون: المسلمون كلهم آل النبي ﷺ ، فقال:
كذبوا وصدقوا، فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال:
كذبوا في أنّ الأمّة كافتهم آله، وصدقوا في أنهم إذا قاموا بشرائط شريعته آله.
وقوله تعالى: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر/ ٢٨] أي: من المختصين به وبشريعته، وجعله منهم من حيث النسب أو المسكن، لا من حيث تقدير القوم أنه على شريعتهم.
стр. 81
وقيل في جبرائيل وميكائيل: إنّ إيل اسم الله تعالى «١» ، وهذا لا يصح بحسب كلام العرب، لأنه كان يقتضي أن يضاف إليه فيجرّ إيل، فيقال:
جبرإيل.
وآل الشخص: شخصه المتردد. قال الشاعر:
٣٣-
ولم يبق إلّا آل خيم منضّد
«٢» والآل أيضا: الحال التي يؤول إليها أمره، قال الشاعر:
٣٤-
سأحمل نفسي على آلة ... فإمّا عليها وإمّا لها
«٣» وقيل لما يبدو من السراب: آل، وذلك لشخص يبدو من حيث المنظر وإن كان كاذبا، أو لتردد هواء وتموّج فيكون من: آل يؤول.
وآلَ اللبن يَؤُولُ: إذا خثر «٤» ، كأنّه رجوع إلى نقصان، كقولهم في الشيء الناقص: راجع.
التأويل من الأول، أي: الرجوع إلى الأصل، ومنه: المَوْئِلُ للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه، علما كان أو فعلا، ففي العلم نحو: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران/ ٧] ، وفي الفعل كقول الشاعر:
٣٥-
وللنّوى قبل يوم البين تأويل
«٥» وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف/ ٥٣] أي: بيانه الذي غايته المقصودة منه.
وقوله تعالى: ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء/ ٥٩] قيل: أحسن معنى وترجمة، وقيل: أحسن ثوابا في الآخرة.
والأَوْلُ: السياسة التي تراعي مآلها، يقال:
أُلْنَا وإِيلَ علينا «٦» .
стр. 82
وأَوَّل قال الخليل «١» : تأسيسه من همزة وواو ولام، فيكون فعّل، وقد قيل: من واوين ولام، فيكون أفعل، والأول أفصح لقلّة وجود ما فاؤه وعينه حرف واحد، كددن، فعلى الأول يكون من: آل يؤول، وأصله: آول، فأدغمت المدة لكثرة الكلمة.
وهو في الأصل صفة لقولهم في مؤنّثه:
أَوْلَى، نحو: أخرى.
فالأوّل: هو الذي يترتّب عليه غيره، ويستعمل على أوجه:
أحدها: المتقدّم بالزمان كقولك: عبد الملك أولا ثم المنصور.
الثاني: المتقدّم بالرئاسة في الشيء، وكون غيره محتذيا به. نحو: الأمير أولا ثم الوزير.
الثالث: المتقدّم بالوضع والنسبة، كقولك للخارج من العراق: القادسية أولا ثم فيد، وتقول للخارج من مكة: فيد أوّلا ثم القادسية.
الرابع: المتقدّم بالنظام الصناعي، نحو أن يقال: الأساس أولا ثم البناء.
وإذا قيل في صفة الله: هو الأوّل فمعناه: أنه الذي لم يسبقه في الوجود شيء «٢» ، وإلى هذا يرجع قول من قال: هو الذي لا يحتاج إلى غيره، ومن قال: هو المستغني بنفسه. وقوله تعالى: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام/ ١٦٣] ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف/ ١٤٣] فمعناه: أنا المقتدى بي في الإسلام وال إيم ان، وقال تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة/ ٤١] أي: لا تكونوا ممّن يقتدى بكم في الكفر. ويستعمل «أوّل» ظرفا فيبنى على الضم، نحو جئتك أوّل، ويقال:
بمعنى قديم، نحو: جئتك أولا وآخرا، أي:
قديما وحديثا. وقوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى
[القيامة/ ٣٤] كلمة تهديد «٣» وتخويف يخاطب بها من أشرف على هلاك فيحثّ بها على التحرز، أو يخاطب بها من نجا ذليلا منه فينهى عن مثله ثانيا، وأكثر ما يستعمل مكرّرا، وكأنه حثّ على تأمّل ما يؤول إليه أمره ليتنبّه للتحرز منه.
أيم
الأَيَامَى: جمع أَيِّم، وهي المرأة التي لا بعل لها، وقد قيل للرجل الذي لا زوج له، وذلك على طريق التشبيه بالمرأة فيمن لا غناء عنه لا على التحقيق.
والمصدر: الأَيْمَة، وقد آمَ الرجل وآمَتِ المرأة، وتَأَيَّمَ وتَأَيَّمَتْ، وامرأة أَيِّمَة ورجل أَيِّم، والحرب مَأْيَمَة، أي: يفرق بين الزوج والزوجة، والأَيِّم: الحيّة.
стр. 83
أي ن
أَيْنَ لفظ يبحث به عن المكان، كما أنّ «متى» يبحث به عن الزمان، والآن: كل زمان مقدّر بين زمانين ماض ومستقبل، نحو: أنا الآن أفعل كذا، وخصّ الآن بالألف واللام المعرّف بهما ولزماه، وافعل كذا آونة، أي: وقتا بعد وقت، وهو من قولهم: الآن.
وقولهم: هذا أوان ذلك، أي: زمانه المختص به وبفعله.
قال سيبويه «١» رحمه الله تعالى: الآن آنك، أي: هذا الوقت وقتك.
وآن يؤون، قال أبو العباس «٢» ﵀:
ليس من الأوّل، وإنما هو فعل على حدته.
والأَيْنُ: الإعياء، يقال: آنَ يَئِينُ أَيْناً، وكذلك: أنى يأني أينا: إذا حان.
وأمّا بلغ إناه فقد قيل: هو مقلوب من أنى، وقد تقدّم.
قال أبو العباس: قال قوم: آنَ يَئِينُ أَيْناً، والهمزة مقلوبة فيه عن الحاء، وأصله: حان يحين حينا، قال: وأصل الكلمة من الحين.
أوَّه
الأَوَّاه: الذي يكثر التأوّه، وهو أن يقول: أَوَّه أَوَّه، وكل كلام يدل على حزن يقال له: التَّأَوُّه، ويعبّر بالأوّاه عمّن يظهر خشية الله تعالى، وقيل في قوله تعالى: أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود/ ٧٥] أي:
المؤمن الداعي، وأصله راجع إلى ما تقدّم.
قال أبو العباس «٣» ﵀: يقال: إيها: إذا كففته، وويها: إذا أغريته، وواها: إذا تعجّبت منه.
أي
أَيُّ في الاستخبار موضوع للبحث عن بعض الجنس والنوع وعن تعيينه، ويستعمل ذلك في الخبر والجزاء، نحو: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الإسراء/ ١١٠] ، وأَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ [القصص/ ٢٨] والآية: هي العلامة الظاهرة، وحقيقته لكل شيء ظاهر، وهو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته، إذ كان حكمهما سواء، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العلم للطريق المنهج ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق، وكذا إذا علم شيئا مصنوعا علم أنّه لا بدّ له من صانع.
واشتقاق الآية إمّا من أيّ فإنها هي التي تبيّن أيّا من أيّ، أو من قولهم: أوى إليه.
والصحيح أنها مشتقة من التأيي الذي هو
стр. 84
التثبت «١» والإقامة على الشيء.
يقال: تأيّ، أي: ارفق «٢» ، أو من قولهم:
أوى إليه. وقيل للبناء العالي آية، نحو: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [الشعراء/ ١٢٨] . ولكلّ جملة من القرآن دالة على حكم آية، سورة كانت أو فصولا أو فصلا من سورة، وقد يقال لكل كلام منه منفصل بفصل لفظي: آية.
وعلى هذا اعتبار آيات السور التي تعدّ بها السورة.
وقوله تعالى: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية/ ٣] ، فهي من الآيات المعقولة التي تتفاوت بها المعرفة بحسب تفاوت منازل الناس في العلم، وكذلك قوله:
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت/ ٤٩] ، وكذا قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [يوسف/ ١٠٥] ، وذكر في مواضع آية وفي مواضع آيات، وذلك لمعنى مخصوص «٣» ليس هذا الكتاب موضع ذكره.
وإنما قال: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون/ ٥٠] ولم يقل: آيتين «٤» ، لأنّ كل واحد صار آية بالآخر. وقوله : وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً [الإسراء/ ٥٩] فالآيات هاهنا قيل: إشارة إلى الجراد والقمل والضفادع، ونحوها من الآيات التي أرسلت إلى الأمم المتقدمة، فنبّه أنّ ذلك إنما يفعل بمن يفعله تخويفا، وذلك أخسّ المنازل للمأمورين، فإنّ الإنسان يتحرّى فعل الخير لأحد ثلاثة أشياء:
- إمّا أن يتحراه لرغبة أو رهبة، وهو أدنى منزلة.
- وإمّا أن يتحراه لطلب محمدة.
- وإمّا أن يتحراه للفضيلة، وهو أن يكون ذلك الشيء فاضلا في نفسه، وذلك أشرف المنازل.
فلمّا كانت هذه الأمة خير أمة كما قال تعالى:
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران/ ١١٠] رفعهم عن هذه المنزلة، ونبّه أنه لا يعمّهم بالعذاب وإن كانت الجهلة منهم كانوا يقولون:
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الأنفال/ ٣٢] .
وقيل: الآيات إشارة إلى الأدلة، ونبّه أنه يقتصر معهم على الأدلة، ويصانون عن العذاب الذي يستعجلون به في قوله :
стр. 85
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ [العنكبوت/ ٥٤] .
وفي بناء آية ثلاثة أقوال: قيل: هي فعلة «١» ، وحقّ مثلها أن يكون لامه معلّا دون عينه، نحو:
حياة ونواة، لكن صحّح لامه لوقوع الياء قبلها، نحو: راية. وقيل: هي فعلة «٢» إلا أنها قلبت كراهة التضعيف كطائي في طيّئ. وقيل: هي فاعلة، وأصلها: آيية، فخفّفت فصار آية، وذلك ضعيف لقولهم في تصغيرها: أُيَيَّة، ولو كانت فاعلة لقيل: أويّ ة «٣» .
وأَيَّ انَ عبارة عن وقت الشيء، ويقارب معنى متى، قال تعالى: أَيَّانَ مُرْساها [الأعراف/ ١٨٧] ، أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [الذاريات/ ١٢] من قولهم: أي، وقيل: أصله: أيّ أوان، أي:
أيّ وقت، فحذف الألف ثم جعل الواو ياء فأدغم فصار أيّان. و:
وإِيَّا لفظ موضوع ليتوصل به إلى ضمير المنصوب إذا انقطع عمّا يتصل به، وذلك يستعمل إذا تقدّم الضمير، نحو: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة/ ٤] أو فصل بينهما بمعطوف عليه أو بإلا، نحو:
نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء/ ٣١] ، ونحو:
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء/ ٢٣] .
وإي
وإِي كلمة موضوعة لتحقيق كلام متقدّم «٤» ، نحو:
إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس/ ٥٣] .
و «أَيَا» و «أَيْ» و «أ» من حروف النداء، تقول: أي زيد، وأيا زيد وأزيد. و:
أَيْ كلمة ينبّه بها أنّ ما يذكر بعدها شرح وتفسير لما قبلها.
أوى
المَأْوَى مصدر أَوَى يَأْوِي أَوِيّاً ومَأْوًى، تقول:
أوى إلى كذا: انضمّ إليه يأوي أويّا ومأوى، وآوَاهُ غيره يُؤْوِيهِ إِيوَاءً.
стр. 86
ق ا ل : إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ [الكهف/ ١٠] ، وقال: سَآوِي إِلى جَبَلٍ [هود/ ٤٣] ، وقال تعالى: آوى إِلَيْهِ أَخاهُ [يوسف/ ٦٩] ، وقال: تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [الأحزاب/ ٥١] ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ [المعارج/ ١٣] ، وقوله تعالى: جَنَّةُ الْمَأْوى [النجم/ ١٥] ، كقوله: دارُ الْخُلْدِ [فصلت/ ٢٨] في كون الدار مضافة إلى المصدر، وقوله تعالى: مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ
[آل عمران/ ١٩٧] اسم للمكان الذي يأوي إليه.
وأَوَيْتُ له: رحمته، أَوِيّاً وأَيَّةً ومَأْوِيَةً، ومَأْوَاةً «١» .
وتحقيقه: رجعت إليه بقلبي وآوى إِلَيْهِ أَخاهُ [يوسف/ ٦٩] أي: ضمّه إلى نفسه.
يقال: أواه وآواه. والماوية في قول حاتم طيئ:
٣٦-
أماوي إنّ المال غاد ورائح
«٢» مأويّة فقد قيل: هي من هذا الباب، فكأنها سميت بذلك لكونها مأوى الصورة.
وقيل: هي منسوبة للماء، وأصلها مائية، فجعلت الهمزة واوا.
أ
الألفات التي تدخل لمعنى على ثلاثة أنواع:
- نوع في صدر الكلام.
- ونوع في وسطه.
- ونوع في آخره «٣» .
فالذي في صدر الكلام أضرب:
- الأوّل: ألف الاستخبار، وتفسيره بالاستخبار أولى من تفسيره بالاستفهام، إذ كان ذلك يعمّه وغيره نحو: الإنكار والتبكيت والنفي والتسوية.
فالاستفهام نحو قوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة/ ٣٠] ، والتبكيت إمّا للمخاطب أو لغيره نحو: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ [الأحقاف/ ٢٠] ، أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً [البقرة/ ٨٠] ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [يونس/ ٩١] ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ [آل عمران/ ١٤٤] ، أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [الأنبياء/ ٣٤] ، أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً [يونس/ ٢] ، آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ [الأنعام/ ١٤٤] .
والتسوية نحو: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ
стр. 87
صَبَرْنا [إبراهيم/ ٢١] ، سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة/ ٦] «١» ، وهذه الألف متى دخلت على الإثبات تجعله نفيا، نحو: أخرج؟ هذا اللفظ ينفي الخروج، فلهذا سأل عن إثباته نحو ما تقدّم.
وإذا دخلت على نفي تجعله إثباتا، لأنه يصير معها نفيا يحصل منهما إثبات، نحو: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف/ ١٧٢] «٢» ، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ [التين/ ٨] ، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ [الرعد/ ٤١] ، أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ [طه/ ١٣٣] أَوَلا يَرَوْنَ [التوبة:
١٢٦] ، أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ [فاطر/ ٣٧] .
- الثاني: ألف المخبر عن نفسه «٣» ، نحو:
أسمع وأبصر.
- الثالث: ألف الأمر، قطعا كان أو وصلا، نحو: أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [المائدة/ ١١٤] ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [التحريم/ ١١] ونحوهما.
- الرابع: الألف مع لام التعريف «٤» ، نحو:
العالمين.
- الخامس: ألف النداء، نحو: أزيد، أي: يا زيد.
والنوع الذي في الوسط: الألف التي للتثنية، والألف في بعض الجموع في نحو: مسلمات ونحو مساكين.
والنوع الذي في آخره: ألف التأنيث في حبلى وبيضاء «٥» ، وألف الضمير في التثنية، نحو:
اذهبا.
والذي في أواخر الآيات الجارية مجرى أواخر الأبيات، نحو: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب/ ١٠] ، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب/ ٦٧] ، لكن هذه الألف لا تثبت معنى، وإنما ذلك لإصلاح اللفظ.
تمّ كتاب الألف
стр. 88
كتاب الباء
بتك
البَتْك يقارب البتّ، لكن البتك يستعمل في قطع الأعضاء والشعر، يقال: بَتَكَ شعره وأذنه.
قال الله تعالى: فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ [النساء/ ١١٩] ، ومنه سيف بَاتِك «١» : قاطع للأعضاء، وبَتَّكْتُ الشعر: تناولت قطعة منه، والبَتْكَة: القطعة المنجذبة، جمعها بِتَكٌ، قال الشاعر:
٣٧-
طارت وفي كفّه من ريشها بتك
«٢» وأمّا البتّ فيقال في قطع الحبل والوصل، ويقال: طلقت المرأة بتّة وبتلة «٣» ، وبتتّ الحكم بينهما، وروي: «لا صيام لمن لم يبتّت الصوم من الليل» «٤» .
والبشك مثله، يقال في قطع الثوب، ويستعمل في الناقة السريعة، ناقة بشكى «٥» ، وذلك لتشبيه يدها في السرعة بيد الناسجة في نحو قول الشاعر «٦» :
стр. 89
٣٨-
فعل السريعة بادرت جدّادها ... قبل المساء تهمّ بالإسراع
بتر
البَتَر يقارب ما تقدّم، لكن يستعمل في قطع الذّنب، ثم أجري قطع العقب مجراه.
فقيل: فلان أَبْتَر: إذا لم يكن له عقب يخلفه، ورجل أَبْتَر وأَبَاتِر: انقطع ذكره عن الخير ورجل أَبَاتِر: يقطع رحمه، وقيل على طريق التشبيه:
خطبة بَتْرَاء لما لم يذكر فيها اسم الله تعالى.
وذلك لقوله ﵇: «كلّ أمر لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر» «١» .
وقوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر/ ٣] أي: المقطوع الذكر، وذلك أنهم زعموا أنّ محمدا ﷺ ينقطع ذكره إذا انقطع عمره لفقدان نسله، فنبّه تعالى أنّ الذي ينقطع ذكره هو الذي يشنؤه، فأمّا هو فكما وصفه الله تعالى بقوله: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح/ ٤] وذلك لجعله أبا للمؤمنين، وتقييض من يراعيه ويراعي دينه الحق، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين ﵁ بقوله: «العلماء باقون ما بقي الدّهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة» «٢» هذا في العلماء الذين هم تبّاع النبي ﵊، فكيف هو وقد رفع الله ذكره، وجعله خاتم الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام؟!
بتل
قال تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
[المزمل/ ٨] أي: انقطع في العبادة وإخلاص النية انقطاعا يختص به، وإلى هذا المعنى أشار بقوله : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [الأنعام/ ٩١] وليس هذا منافيا لقوله ﵊:
«لا رهبانية ولا تَبَتُّلَ في الإسلام» «٣» فإنّ التبتل هاهنا هو الانقطاع عن النكاح، ومنه قيل لمريم:
العذراء البَتُول، أي: المنقطعة عن الرجال «٤» ، والانقطاع عن النكاح والرغبة عنه محظور لقوله : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور/ ٣٢] ،
стр. 90
وقوله ﵊: «تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة» «١» . ونخلة مُبْتِل: إذا انفرد عنها صغيرة معها «٢» .
بث
أصل البَثِّ: التفريق وإثارة الشيء كبث الريح التراب، وبثّ النفس ما انطوت عليه من الغمّ والسّرّ، يقال: بَثَثْتُهُ فَانْبَثَّ، ومنه قوله :
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا
[الواقعة/ ٦] ، وقوله : وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [البقرة/ ١٦٤] إشارة إلى إيجاده تعالى ما لم يكن موجودا وإظهاره إياه. وقوله : كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ
[القارعة/ ٤] أي: المهيّج بعد ركونه وخفائه.
وقوله : نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي
[يوسف/ ٨٦] أي: غمّي الذي أبثّه عن كتمان، فهو مصدر في تقدير مفعول، أو بمعنى: غمّي الذي بثّ فكري، نحو: توزّعني الفكر، فيكون في معنى الفاعل.
بجس
يقال: بَجَسَ الماء وانْبَجَسَ: انفجر، لكن الانبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيق، والانفجار يستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع، ولذلك قال : فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [الأعراف/ ١٦٠] ، وقال في موضع آخر: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [البقرة/ ٦٠] ، فاستعمل حيث ضاق المخرج اللفظان «٣» ، قال تعالى: وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً [الكهف/ ٣٣] ، وقال:
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [القمر/ ١٢] ولم يقل: بجسنا.
بحث
البَحْثُ: الكشف والطلب، يقال: بَحَثْتُ عن الأمر، وبحثت كذا، قال الله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ
[المائدة/ ٣١] .
وقيل: بَحِثَتِ الناقةُ الأرض برجلها في السير: إذا شددت الوطء تشبيها بذلك.
بحر
أصل البَحْر: كل مكان واسع جامع للماء الكثير، هذا هو الأصل، ثم اعتبر تارة سعته
стр. 91
المعاينة، فيقال: بَحَرْتُ كذا: أوسعته سعة البحر، تشبيها به، ومنه: بَحرْتُ البعير: شققت أذنه شقا واسعا، ومنه سميت البَحِيرَة. قال تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة/ ١٠٣] ، وذلك ما كانوا يجعلونه بالناقة إذا ولدت عشرة أبطن شقوا أذنها فيسيبونها، فلا تركب ولا يحمل عليها، وسموا كلّ متوسّع في شيء بَحْراً، حتى قالوا: فرس بحر، باعتبار سعة جريه، وقال ﵊ في فرس ركبه: «وجدته بحرا» «١» وللمتوسع في علمه بحر، وقد تَبَحَّرَ أي: توسع في كذا، والتَبَحُّرُ في العلم: التوسع واعتبر من البحر تارة ملوحته فقيل: ماء بَحْرَانِي، أي: ملح، وقد أَبْحَرَ الماء. قال الشاعر:
٣٩-
قد عاد ماء الأرض بحرا فزادني ... إلى مرضي أن أبحر المشرب العذب
«٢» وقال بعضهم: البَحْرُ يقال في الأصل للماء الملح دون العذب «٣» ، وقوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
[الفرقان/ ٥٣] إنما سمي العذب بحرا لكونه مع الملح، كما يقال للشمس والقمر: قمران، وقيل السحاب الذي كثر ماؤه: بنات بحر «٤» .
وقوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
[الروم/ ٤١] قيل: أراد في البوادي والأرياف لا فيما بين الماء، وقولهم: لقيته صحرة بحرة، أي: ظاهرا حيث لا بناء يستره.
بخل
البُخْلُ: إمساك المقتنيات عمّا لا يحق حبسها عنه، ويقابله الجود، يقال: بَخِلَ فهو بَاخِلٌ، وأمّا البَخِيل فالذي يكثر منه البخل، كالرحيم من الراحم.
والبُخْلُ ضربان: بخل بقنيات نفسه، وبخل بقنيات غيره، وهو أكثرها ذمّا، دليلنا على ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ
[النساء/ ٣٧] .
стр. 92
بخس
البَخْسُ: نقص الشيء على سبيل الظلم، قال تعالى: وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
[هود/ ١٥] ، وقال تعالى: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ [الأعراف/ ٨٥] ، والبَخْسُ والبَاخِسُ: الشيء الطفيف الناقص، وقوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف/ ٢٠] قيل: معناه: بَاخِس، أي: ناقص، وقيل: مَبْخُوس أي: منقوص، ويقال: تَبَاخَسُوا أي: تناقصوا وتغابنوا فبخس بعضهم بعضا.
بخع
البَخْعُ: قتل النفس غمّا، قال تعالى:
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ
[الكهف/ ٦] حثّ على ترك التأسف، نحو: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر/ ٨] . قال الشاعر:
٤٠-
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه
«١» وبَخَعَ فلان بالطاعة وبما عليه من الحق: إذا أقرّ به وأذعن مع كراهة شديدة تجري مجرى بَخَعَ نفسه في شدته.
بدر
قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً
[النساء/ ٦] أي: مسارعة، يقال: بَدَرْتُ إليه وبَادَرْتُ، ويعبّر عن الخطأ الذي يقع عن حدّة:
بَادِرَة «٢» . يقال: كانت من فلان بَوَادِر في هذا الأمر، والبَدْرُ قيل سمّي بذلك لمبادرته الشمس بالطلوع، وقيل: لامتلائه تشبيها بالبَدْرَةِ «٣» ، فعلى ما قيل يكون مصدرا في معنى الفاعل، والأقرب عندي أن يجعل البدر أصلا في الباب، ثم تعتبر معانيه التي تظهر منه، فيقال تارة: بَدَرَ كذا، أي: طلع طلوع البدر، ويعتبر امتلاؤه تارة فشبّه البدرة به. والبَيْدَرُ: المكان المرشح لجمع الغلّة فيه وملئه منه لامتلائه من الطعام. قال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ
[آل عمران/ ١٢٣] ، وهو موضع مخصوص بين مكة والمدينة.
بدع
الإِبْدَاع: إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء، ومنه قيل: ركيّة بَدِيع أي: جديدة الحفر «٤» ، وإذا استعمل في الله تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة
стр. 93
ولا مادّة ولا زمان ولا مكان، وليس ذلك إلا لله «١» .
والبديع يقال للمُبْدِعِ «٢» ، نحو قوله تعالى:
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [البقرة/ ١١٧] ، ويقال للمبدع نحو: ركيّة بديع، وكذلك البِدْعُ يقال لهما جميعا بمعنى الفاعل والمفعول، وقوله تعالى: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ
[الأحقاف/ ٩] قيل: معناه: مبدعا لم يتقدّمني رسول، وقيل: مبدعا فيما أقوله.
والبِدْعةُ في المذهب: إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة، وروي: «كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار» «٣» .
والإِبْدَاع بالرّجل: الانقطاع به لما ظهر من كلال راحلته وهزالها «٤» .
بدل
الإبدال والتَّبديل والتَّبَدُّل والاستبدال: جعل شيء مكان آخر، وهو أعمّ من العوض، فإنّ العوض هو أن يصير لك الثاني بإعطاء الأول، والتبديل قد يقال للتغيير مطلقا وإن لم يأت ببدله، قال تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة/ ٥٩] ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النور/ ٥٥] وقال تعالى:
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان/ ٧٠] قيل: أن يعملوا أعمالا صالحة تبطل ما قدّموه من الإساءة، وقيل: هو أن يعفو تعالى عن سيئاتهم ويحتسب بحسناتهم «٥» .
وقال تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ [البقرة/ ١٨١] ، وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [النحل/ ١٠١] ، وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [سبأ/ ١٦] ، ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ [الأعراف/ ٩٥] ، يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
[إبراهيم/ ٤٨] أي: تغيّر عن حالها، أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ [غافر/ ٢٦] ، وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ [البقرة/ ١٠٨] ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [محمد/ ٣٨] ، وقوله:
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ
[ق/ ٢٩] أي: لا يغيّر ما سبق في اللوح المحفوظ، تنبيها على أنّ ما علمه أن سيكون يكون على ما قد علمه لا يتغيّر
стр. 94
عن حاله. وقيل: لا يقع في قوله خلف.
وعلى الوجهين قوله تعالى: تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
[يونس/ ٦٤] ، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم/ ٣٠] قيل: معناه أمر وهو نهي عن الخصاء. والأَبْدَال: قوم صالحون يجعلهم الله مكان آخرين مثلهم ماضين «١» .
وحقيقته: هم الذين بدلوا أحوالهم الذميمة بأحوالهم الحميدة، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان/ ٧٠] .
والبَأْدَلَة: ما بين العنق إلى الترقوة، والجمع:
البَئَادِل «٢» ، قال الشاعر:
٤١-
ولا رهل لبّاته وبآدله
«٣»
بدن
البَدَنُ: الجسد، لكن البدن يقال اعتبارا بعظم الجثة، والجسد يقال اعتبارا باللون، ومنه قيل:
ثوب مجسّد، ومنه قيل: امرأة بَادِنٌ وبَدِينٌ:
عظيمة البدن، وسميت البدنة بذلك لسمنها يقال: بَدَنَ إذا سمن، وبَدَّنَ كذلك، وقيل: بل بَدَّنَ إذا أسنّ «٤» ، وأنشد:
٤٢-
وكنت خلت الشّيب والتّبدينا
«٥» وعلى ذلك ما روي عن النبيّ ﵊: «لا تبادروني بالرّكوع والسّجود فإني قد بدّنت» «٦» أي: كبرت وأسننت، وقوله تعالى:
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ
[يونس/ ٩٢] أي:
بجسدك، وقيل: يعني بدرعك، فقد يسمى
стр. 95
الدرع بدنة لكونها على البدن، كما يسمى موضع اليد من القميص يدا، وموضع الظهر والبطن ظهرا وبطنا، وقوله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[الحج/ ٣٦] هو جمع البدنة التي تهدى.
بدا
بَدَا الشيء بُدُوّاً وبَدَاءً أي: ظهر ظهورا بيّنا، قال الله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر/ ٤٧] ، وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا [الزمر/ ٤٨] ، فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما [طه/ ١٢١] .
والبَدْوُ: خلاف الحضر، قال تعالى: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ [يوسف/ ١٠٠] أي: البادية، وهي كلّ مكان يبدو ما يعنّ فيه، أي: يعرض، ويقال للمقيم بالبادية: بَادٍ، كقوله تعالى:
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الحج/ ٢٥] ، لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ [الأحزاب/ ٢٠] .
بدأ
يقال: بَدَأْتُ بكذا وأَبْدَأْتُ وابْتَدَأْتُ، أي:
قدّمت، والبَدْءُ والابتداء: تقديم الشيء على غيره ضربا من التقديم. قال تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ [السجدة/ ٧] ، وقال تعالى:
كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [العنكبوت/ ٢٠] ، اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ [يونس/ ٣٤] ، كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف/ ٢٩] .
ومَبْدَأُ الشيء: هو الذي منه يتركب، أو منه يكون، فالحروف مبدأ الكلام، والخشب مبدأ الباب والسرير، والنواة مبدأ النخل، يقال للسيد الذي يبدأ به إذا عدّ السادات: بَدْءٌ.
والله هو المُبْدِئُ المعيد «١» ، أي: هو السبب في المبدأ والنهاية، ويقال: رجع عوده على بدئه، وفعل ذلك عائدا وبادئا، ومعيدا ومبدئا، وأَبْدَأْتُ من أرض كذا، أي: ابتدأت منها بالخروج، وقوله تعالى: بَادِئ الرأْي [هود/ ٢٧] «٢» أي: ما يبدأ من الرأي، وهو الرأي الفطير، وقرئ: بادِيَ
«٣» بغير همزة، أي:
الذي يظهر من الرأي ولم يروّ فيه، وشيء بَدِيءٌ:
لم يعهد من قبل كالبديع في كونه غير معمول قبل.
والبُدْأَةُ: النصيب المبدأ به في القسمة «٤» ، ومنه قيل لكل قطعة من اللحم عظيمة بدء.
بذر
التبذير: التفريق، وأصله إلقاء البذر وطرحه،
стр. 96
فاستعير لكلّ مضيّع لماله، فتبذير البذر: تضييع في الظاهر لمن لم يعرف مآل ما يلقيه. قال الله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
[الإسراء/ ٢٧] ، وقال تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً
[الإسراء/ ٢٦] .
برَّ
البَرُّ خلاف البحر، وتصوّر منه التوسع فاشتق منه البِرُّ، أي: التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو: إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ
[الطور/ ٢٨] ، وإلى العبد تارة، فيقال: بَرَّ العبد ربه، أي: توسّع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة. وذلك ضربان:
ضرب في الاعتقاد.
وضرب في الأعمال، وقد اشتمل عليه قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [البقرة/ ١٧٧] وعلى هذا ما روي «أنه سئل ﵊ عن البرّ، فتلا هذه الآية» «١» .
فإنّ الآية متضمنة للاعتقاد والأعمال الفرائض والنوافل. وبِرُّ الوالدين: التوسع في الإحسان إليهما، وضده العقوق، قال تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ [الممتحنة/ ٨] ، ويستعمل البِرُّ في الصدق لكونه بعض الخير المتوسع فيه، يقال: بَرَّ في قوله، وبرّ في يمينه، وقول الشاعر:
٤٣-
أكون مكان البرّ منه
«٢» قيل: أراد به الفؤاد، وليس كذلك، بل أراد ما تقدّم، أي: يحبّني محبة البر.
ويقال: بَرَّ أباه فهو بَارٌّ وبَرٌّ مثل: صائف وصيف، وطائف وطيف، وعلى ذلك قوله تعالى: وَبَرًّا بِوالِدَتِي [مريم/ ٣٢] . وبَرَّ في يمنيه فهو بَارٌّ، وأَبْرَرْتُهُ، وبَرَّتْ يميني، وحجّ مَبْرُور أي: مقبول، وجمع البارّ: أَبْرَار وبَرَرَة، قال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار/ ١٣] ، وقال: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين/ ١٨] ، وقال في صفة الملائكة: كِرامٍ بَرَرَةٍ
[عبس/ ١٦] .
стр. 97
فَبَرَرَةٌ خصّ بها الملائكة في القرآن من حيث إنه أبلغ من أبرار «١» ، فإنه جمع برّ، وأبرار جمع بار، وبَرٌّ أبلغ من بَارٍّ، كما أنّ عدلا أبلغ من عادل.
والبُرُّ معروف، وتسميته بذلك لكونه أوسع ما يحتاج إليه في الغذاء، والبَرِيرُ خصّ بثمر الأراك ونحوه، وقولهم: لا يعرف الهرّ من البرّ «٢» ، من هذا. وقيل: هما حكايتا الصوت. والصحيح أنّ معناه لا يعرف من يبرّه ومن يسيء إليه.
والبَرْبَرَةُ: كثرة الكلام، وذلك حكاية صوته.
برج
البُرُوج: القصور، الواحد: بُرْج، وبه سمّي بروج السماء لمنازلها المختصة بها، قال تعالى:
وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ [البروج/ ١] ، وقال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [الفرقان/ ٦١] ، وقوله تعالى: وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء/ ٧٨] يصح أن يراد بها بروج في الأرض، وأن يراد بها بروج النجم، ويكون استعمال لفظ المشيدة فيها على سبيل الاستعارة، وتكون الإشارة بالمعنى إلى نحو ما قال زهير:
٤٤-
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو نال أسباب السّماء بسلّم
«٣» وأن يكون البروج في الأرض، وتكون الإشارة إلى ما قال الآخر:
٤٥-
ولو كنت في غمدان يحرس بابه ... أراجيل أحبوش وأسود آلف
٤٦-
إذا لأتتني حيث كنت منيّتي ... يخبّ بها هاد لإثزي قائف
«٤» وثوب مُبَرَّج: صوّرت عليه بروج، واعتبر حسنه، فقيل: تَبَرَّجَتِ المرأة أي: تشبّهت به في إظهار المحاسن، وقيل: ظهرت من برجها، أي:
قصرها، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى [الأحزاب/ ٣٣] ، وقوله: غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ [النور/ ٦٠] ، والبَرَجُ: سعة العين وحسنها تشبيها بالبرج في الأمرين.
برح
البَرَاح: المكان المتسع الظاهر الذي لا بناء فيه ولا شجر، فيعتبر تارة ظهوره فيقال: فعل كذا بَرَاحاً، أي: صراحا لا يستره شيء، وبَرِحَ الخفاء: ظهر، كأنه حصل في براح يرى «٥» ، ومنه: بَرَاحُ الدار، وبَرِحَ: ذهب في البراح، ومنه: البَارِحُ للريح الشديدة، والبَارِحُ من الظباء والطير، لكن خصّ البارح بما ينحرف عن الرامي
стр. 98
إلى جهة لا يمكنه فيها الرمي فيتشاءم به، وجمعه بَوَارِح، وخصّ السّانح بالمقبل من جهة يمكن رميه، ويتيمّن به، والبَارِحَة: الليلة الماضية، وما بَرِحَ: ثبت في البراح، ومنه قوله : لا أَبْرَحُ [الكهف/ ٦٠] ، وخصّ بالإثبات، كقولهم: لا أزال، لأنّ برح وزال اقتضيا معنى النفي، و «لا» للنفي، والنفيان يحصل من اجتماعهما إثبات، وعلى ذلك قوله :
لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ [طه/ ٩١] ، وقال تعالى: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ [الكهف/ ٦٠] ، ولمّا تصوّر من البارح معنى التشاؤم اشتق منه التَّبْرِيح والتَّبَارِيح فقيل: برّح بي الأمر، وبرّح بي فلان في التقاضي، وضربه ضربا مُبَرِّحاً، وجاء فلان بالبرح، و:
٤٧-
أَبْرَحْتَ ربّا وأبرحت جارا
«١» أي: أكرمت، وقيل للرامي إذا أخطأ: برحى «٢» دعاء عليه، وإذا أصاب: مرحى، دعاء له، ولقيت منه البرَحِينَ «٣» والبُرَحَاء، أي:
الشدائد، وبُرَحَاء الحمّى: شدتها.
برد
أصل البرد خلاف الحر، فتارة يعتبر ذاته فيقال: بَرَدَ كذا، أي: اكتسب بردا، وبرد الماء كذا، أي: أكسبه بردا، نحو:
٤٨-
ستبرد أكبادا وتبكي بواكيا
«٤» ويقال: بَرَّدَهُ أيضا، وقيل: قد جاء أَبْرَدَ، وليس بصحيح «٥» ، ومنه البَرَّادَة لما يبرّد الماء، ويقال: بَرَدَ كذا، إذا ثبت «٦» ثبوت البرد، واختصاص للثبوت بالبرد كاختصاص الحرارة بالحرّ، فيقال: بَرَدَ كذا، أي: ثبت، كما يقال:
بَرَدَ عليه دين. قال الشاعر:
٤٩-
اليوم يوم بارد سمومه
«٧» وقال الآخر:
стр. 99
٥٠-
.... قد برد المو ... ت على مصطلاه أيّ برود
«١» أي: ثبت، يقال: لم يَبْرُدْ بيدي شيء، أي:
لم يثبت، وبَرَدَ الإنسان: مات.
وبَرَدَه: قتله، ومنه: السيوف البَوَارِد، وذلك لما يعرض للميت من عدم الحرارة بفقدان الروح، أو لما يعرض له من السكون، وقولهم للنوم، بَرْد، إمّا لما يعرض عليه من البرد في ظاهر جلده، أو لما يعرض له من السكون، وقد علم أنّ النوم من جنس الموت لقوله : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر/ ٤٢] ، وقال: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً
[النبأ/ ٢٤] أي: نوما.
وعيش بارد، أي: طيّب، اعتبارا بما يجد الإنسان في اللذة في الحرّ من البرد، أو بما يجد من السكون.
والأبردان: الغداة والعشي، لكونهما أبرد الأوقات في النهار، والبَرَدُ: ما يبرد من المطر في الهواء فيصلب، وبرد السحاب: اختصّ بالبرد، وسحاب أَبْرَد وبَرِد: ذو برد، قال الله تعالى:
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [النور/ ٤٣] . والبرديّ: نبت ينسب إلى البرد لكونه نابتا به، وقيل: «أصل كلّ داء البَرَدَة» «٢» أي: التخمة، وسميت بذلك لكونها عارضة من البرودة الطبيعية التي تعجز عن الهضم.
والبَرُود يقال لما يبرد به، ولما يبرد، فيكون تارة فعولا في معنى فاعل، وتارة في معنى مفعول، نحو: ماء برود، وثغر برود، كقولهم للكحل: برود. وبَرَدْتُ الحديد: سحلته، من قولهم: بَرَدْتُهُ، أي: قتلته، والبُرَادَة ما يسقط، والمِبْرَدُ: الآلة التي يبرد بها.
والبُرُد في الطرق جمع البَرِيد، وهم الذين يلزم كل واحد منهم موضعا منه معلوما، ثم اعتبر فعله في تصرّفه في المكان المخصوص به، فقيل
стр. 100
لكلّ سريع: هو يبرد، وقيل لجناحي الطائر:
بَرِيدَاه، اعتبارا بأنّ ذلك منه يجري مجرى البريد من الناس في كونه متصرفا في طريقه، وذلك فرع على فرع حسب ما يبيّن في أصول الاشتقاق.
برز
البَرَاز: الفضاء، وبَرَزَ: حصل في براز، وذلك إمّا أن يظهر بذاته نحو: وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً
[الكهف/ ٤٧] تنبيها أنه تبطل فيها الأبنية وسكّانها، ومنه: المبارزة للقتال، وهي الظهور من الصف، قال تعالى: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ [آل عمران/ ١٥٤] ، وقال : وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة/ ٢٥٠] ، وإمّا أن يظهر بفضله، وهو أن يسبق في فعل محمود، وإمّا أن ينكشف عنه ما كان مستورا منه، ومنه قوله تعالى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم/ ٤٨] ، وقال تعالى:
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ [غافر/ ١٦] ، وقوله: : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ
[الشعراء/ ٩١] تنبيها أنهم يعرضون عليها، ويقال: تَبَرَّزَ فلان، كناية عن التغوّط «١» . وامرأة بَرْزَة «٢» ، عفيفة، لأنّ رفعتها بالعفة، لا أنّ اللفظة اقتضت ذلك.
برزخ
البَرْزَخ: الحاجز والحدّ بين الشيئين، وقيل:
أصله برزه فعرّب، وقوله تعالى: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ [الرحمن/ ٢٠] ، والبرزخ في القيامة: الحائل بين الإنسان وبين بلوغ المنازل الرفيعة في الآخرة، وذلك إشارة إلى العقبة المذكورة في قوله : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد/ ١١] ، قال تعالى: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون/ ١٠٠] ، وتلك العقبة موانع من أحوال لا يصل إليها إلا الصالحون. وقيل: البرزخ ما بين الموت إلى القيامة.
برص
البَرَصُ معروف، وقيل للقمر: أَبْرَص، للنكتة التي عليه، وسام أَبْرَص «٣» ، سمّي بذلك تشبيها بالبرص، والبَرِيصُ: الذي يلمع لمعان الأبرص، ويقارب البصيص «٤» ، بصّ يبصّ: إذا برق .
برق
البَرْقُ: لمعان السحاب، قال تعالى: فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ [البقرة/ ١٩] . يقال:
стр. 101
بَرِقَ وأَبْرَقَ «١» ، وبَرَقَ يقال في كل ما يلمع، نحو: سيف بَارِقٌ، وبَرَقَ وبَرِقَ يقال في العين إذا اضطربت وجالت من خوف قال : فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ [القيامة/ ٧] ، وقرئ: (برق) «٢» ، وتصوّر منه تارة اختلاف اللون فقيل البُرْقَة للأرض ذات حجارة مختلفة الألوان، والأبرق:
الجبل فيه سواد وبياض، وسمّوا العين بَرْقَاء لذلك، وناقة بَرُوق: تلمع بذنبها، والبَرُوقَة:
شجرة تخضر إذا رأت السحاب، وهي التي يقال فيها: أشكر من بروقة «٣» . وبَرَقَ طعامه بزيت:
إذا جعل فيه قليلا يلمع منه، والبارقة والأُبَيْرِق:
السيف، للمعانه، والبُرَاق، قيل: هو دابة ركبها النبيّ ﷺ لمّا عرج به، والله أعلم بكيفيته، والإِبْريق معروف، وتصوّر من البرق ما يظهر من تجويفه، وقيل: بَرَقَ فلان ورعد، وأَبْرَقَ وأرعد:
إذا تهدّد.
برك
أصل البَرْك صدر البعير وإن استعمل في غيره، ويقال له: بركة، وبَرَكَ البعير: ألقى بركه، واعتبر منه معنى اللزوم، فقيل: ابْتَرَكُوا في الحرب، أي: ثبتوا ولازموا موضع الحرب، وبَرَاكَاء الحرب وبَرُوكَاؤُها للمكان الذي يلزمه الأبطال، وابْتَرَكَتِ الدابة: وقفت وقوفا كالبروك، وسمّي محبس الماء بِرْكَة، والبَرَكَةُ: ثبوت الخير الإلهي في الشيء.
قال تعالى: لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف/ ٩٦] ، وسمّي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة.
والمُبَارَك: ما فيه ذلك الخير، على ذلك:
وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ [الأنبياء/ ٥٠] تنبيها على ما يفيض عليه من الخيرات الإلهية، وقال:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ [الأنعام/ ١٥٥] ، وقوله تعالى: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً [مريم/ ٣١] أي: موضع الخيرات الإلهية، وقوله تعالى:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [الدخان/ ٣] ، رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً [المؤمنون/ ٢٩] أي: حيث يوجد الخير الإلهي، وقوله تعالى:
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً [ق/ ٩] فبركة ماء السماء هي ما نبّه عليه بقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ [الزمر/ ٢١] ، وبقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون/ ١٨] ، ولمّا كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا
стр. 102
يحسّ، وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل لكلّ ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مُبَارَكٌ، وفيه بركة، وإلى هذه الزيادة أشير بما روي أنه:
«لا ينقص مال من صدقة» «١» لا إلى النقصان المحسوس حسب ما قال بعض الخاسرين حيث قيل له ذلك، فقال: بيني وبينك الميزان.
وقوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً
[الفرقان/ ٦١] فتنبيه على ما يفيضه علينا من نعمه بواسطة هذه البروج والنيّرات المذكورة في هذه الآية، وكلّ موضع ذكر فيه لفظ «تبارك» فهو تنبيه على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة مع ذكر «تبارك» . وقوله تعالى:
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون/ ١٤] ، تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ [الفرقان/ ١] ، تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ [الفرقان/ ١٠] ، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [غافر/ ٦٤] ، تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك/ ١] . كلّ ذلك تنبيه على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة مع ذكر «تبارك» .
برم
الإِبْرَام: إحكام الأمر، قال تعالى: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ [الزخرف/ ٧٩] ، وأصله من إبرام الحبل، وهو ترديد فتله، قال الشاعر:
٥١-
على كلّ حال من سحيل ومبرم
«٢» والبَرِيمُ: المُبْرَم، أي: المفتول فتلا محكما، يقال: أَبْرَمْتُهُ فبَرِمَ، ولهذا قيل للبخيل الذي لا يدخل في الميسر: بَرَم «٣» ، كما يقال للبخيل:
مغلول اليد.
والمُبْرِم: الذي يلحّ ويشدّد في الأمر تشبيها بمبرم الحبل، والبرم كذلك، ويقال لمن يأكل تمرتين تمرتين: بَرَمٌ، لشدة ما يتناوله بعضه على بعض، ولما كان البريم من الحبل قد يكون ذا لونين سمّي كلّ ذي لونين به من جيش مختلط أسود وأبيض، ولغنم مختلط، وغير ذلك.
والبُرْمَةُ في الأصل هي القدر المبرمة، وجمعها بِرَامٌ، نحو حفرة وحفار، وجعل على بناء المفعول، نحو: ضحكة وهزأة «٤» .
стр. 103
بره
البُرْهَان: بيان للحجة، وهو فعلان مثل:
الرّجحان والثنيان، وقال بعضهم: هو مصدر بَرِهَ يَبْرَهُ: إذا ابيضّ، ورجل أَبْرَهُ وامرأة بَرْهَاءُ، وقوم بُرْهٌ، وبَرَهْرَهَة «١» : شابة بيضاء.
والبُرْهَة: مدة من الزمان، فالبُرْهَان أوكد الأدلّة، وهو الذي يقتضي الصدق أبدا لا محالة، وذلك أنّ الأدلة خمسة أضرب:
- دلالة تقتضي الصدق أبدا.
- ودلالة تقتضي الكذب أبدا.
- ودلالة إلى الصدق أقرب.
- ودلالة إلى الكذب أقرب.
- ودلالة هي إليهما سواء.
قال تعالى: قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة/ ١١١] ، قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ [الأنبياء/ ٢٤] ، قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء/ ١٧٤] .
برأ
أصل البُرْءِ والبَرَاءِ والتَبَرِّي: التقصّي مما يكره مجاورته، ولذلك قيل: بَرَأْتُ «٢» من المرض وبَرِئْتُ من فلان وتَبَرَّأْتُ وأَبْرَأْتُهُ من كذا، وبَرَّأْتُهُ، ورجل بَرِيءٌ، وقوم بُرَآء وبَرِيئُون.
قال : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
[التوبة/ ١] ، أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة/ ٣] ، وقال: أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس/ ٤١] ، إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة/ ٤] ، وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف/ ٢٦] ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا [الأحزاب/ ٦٩] ، وقال: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة/ ١٦٦] .
والبارئ خصّ بوصف الله تعالى، نحو قوله:
الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر/ ٢٤] ، وقوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [البقرة/ ٥٤] ، والبَرِيَّة: الخلق، قيل: أصله الهمز فترك «٣» ، وقيل: بل ذلك من قولهم: بريت العود، وسمّيت بريّة لكونها مبريّة من البرى «٤» أي: التراب،
стр. 104
بدلالة قوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ [غافر/ ٦٧] ، وقوله تعالى: أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة/ ٧] ، وقال: شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة/ ٦] .
بزغ
قال تعالى: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً
[الأنعام/ ٧٨] ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً [الأنعام/ ٧٧] أي: طالعا منتشر الضوء، وبَزَغَ النَّابُ، تشبيها به، وأصله من: بَزَغَ البيطارُ الدَّابَّةَ: أسال دمها فبزغ هو، أي: سال.
بسَ
قال الله تعالى: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا
[الواقعة/ ٥] ، أي: فتّتت، من قولهم: بَسَسْتُ الحنطة والسويق بالماء: فتتّه به، وهي بَسِيسَةٌ، وقيل: معناه: سقت سوقا سريعا، من قولهم:
انْبَسَّتِ الحيّات: انسابت انسيابا سريعا، فيكون كقوله : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [الكهف/ ٤٧] ، وكقوله: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النمل/ ٨٨] .
وبَسَسْتُ الإبلَ: زجرتها عند السوق، وأَبْسَسْتُ بها عند الحلب، أي: رقّقت لها كلاما تسكن إليه، وناقة بَسُوس: لا تدرّ إلا على الإِبْسَاس، وفي الحديث: «جاء أهل اليمن يَبُسُّونَ عيالهم» «١» أي: كانوا يسوقونهم.
بسر
البَسْرُ: الاستعجال بالشيء قبل أوانه، نحو:
بَسَرَ الرجل الحاجة: طلبها في غير أوانها، وبَسَرَ الفحل الناقة: ضربها قبل الضّبعة «٢» ، وماء بُسْر: متناول من غديره قبل سكونه، وقيل للقرح الذي ينكأ قبل النضج: بُسْر، ومنه قيل لما لم يدرك من التمر: بُسْر، وقوله : ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
[المدثر/ ٢٢] أي: أظهر العبوس قبل أوانه وفي غير وقته، فإن قيل: فقوله:
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ
[القيامة/ ٢٤] ليس يفعلون ذلك قبل الوقت، وقد قلت: إنّ ذلك يقال فيما كان قبل الوقت! قيل: إنّ ذلك إشارة إلى حالهم قبل الانتهاء بهم إلى النار، فخصّ لفظ البسر، تنبيها أنّ ذلك مع ما ينالهم من بعد يجري مجرى التكلف ومجرى ما يفعل قبل وقته، ويدل على ذلك قوله : تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ [القيامة/ ٢٥] .
بسط
بَسْطُ الشيء: نشره وتوسيعه، فتارة يتصوّر منه الأمران، وتارة يتصور منه أحدهما، ويقال: بَسَطَ
стр. 105
الثوب: نشره، ومنه: البِسَاط، وذلك اسم لكلّ مَبْسُوط، قال الله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً [نوح/ ١٩] والبِسَاط: الأرض المتسعة وبَسِيط الأرض: مبسوطه، واستعار قوم البسط لكل شيء لا يتصوّر فيه تركيب وتأليف ونظم، قال الله تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ [البقرة/ ٢٤٥] ، وقال تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ
[الشورى/ ٢٧] أي: لو وسّعه، وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ
[البقرة/ ٢٤٧] أي: سعة.
قال بعضهم: بَسَطْتُهُ في العلم هو أن انتفع هو به ونفع غيره، فصار له به بسطة، أي: جودا.
وبَسْطُ اليد: مدّها. قال : وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف/ ١٨] ، وبَسْطُ الكف يستعمل تارة للطلب نحو: كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ [الرعد/ ١٤] ، وتارة للأخذ، نحو: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ [الأنعام/ ٩٣] ، وتارة للصولة والضرب. قال تعالى: وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [الممتحنة/ ٢] ، وتارة للبذل والإعطاء: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [المائدة/ ٦٤] .
والبَسْطُ: الناقة تترك مع ولدها، كأنها المبسوط نحو: النّكث والنّقض في معنى المنكوث والمنقوض، وقد أَبْسَطَ ناقَتَه، أي:
تركها مع ولدها.
بسق
قال الله : وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ
[ق/ ١٠] أي: طويلات، والباسق هو الذاهب طولا من جهة الارتفاع، ومنه: بَسَقَ فلان على أصحابه: علاهم، وبَسَقَ وبصق أصله: بزق، وبَسَقَتِ الناقة: وقع في ضرعها لبأ «١» قليل كالبساق، وليس من الأول.
بسل
البَسْلُ: ضم الشيء ومنعه، ولتضمّنه لمعنى الضّم استعير لتقطيب الوجه، فقيل: هو بَاسِل ومُبْتَسِل الوجه، ولتضمنه لمعنى المنع قيل للمحرّم والمرتهن: بَسْلٌ، وقوله تعالى: وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ
[الأنعام/ ٧٠] أي: تحرم الثواب، والفرق بين الحرام والبَسْل أنّ الحرام عامّ فيما كان ممنوعا منه بالحكم والقهر، والبسل هو الممنوع منه بالقهر، قال : أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا
[الأنعام/ ٧٠] أي: حرموا الثواب، وفسّر بالارتهان لقوله: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر/ ٣٨] . قال الشاعر:
٥٢-
وإبسالي بنيّ بغير جرم
«٢»
стр. 106
وقال آخر:
٥٣-
فإن تقويا منهم فإنهم بسل
«١» أقوى المكان: إذا خلا.
وقيل للشجاعة: البَسالة، إمّا لما يوصف به الشجاع من عبوس وجهه، أو لكون نفسه محرّما على أقرانه لشجاعته، أو لمنعه لما تحت يده عن أعدائه، وأَبْسَلْتُ المكان: حفظته وجعلته بسلا على من يريده، والبُسْلَةُ: أجرة الراقي «٢» ، وذلك لفظ مشتق من قول الراقي: أَبْسَلْتُ فلانا، أي:
جعلته بَسَلًا، أي: شجاعا قويا على مدافعة الشيطان أو الحيّات والهوام، أو جعلته مُبْسَلًا، أي: محرّما عليها، [وسمّي ما يعطى الراقي بسلة] ، وحكي: بَسَّلْتُ الحنظل: طيّبته، فإن يكن ذلك صحيحا فمعناه: أزلت بَسَالَتَه، أي:
شدّته، أو بَسْلَهُ أي: تحريمه، وهو ما فيه من المرارة الجارية مجرى كونه محرّما، و (بَسَلْ) في معنى أجل وبس «٣»
بسم «٤»
قال تعالى: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها
[النمل/ ١٩] .
بشر
البَشَرَة: ظاهر الجلد، والأدمة: باطنه، كذا قال عامّة الأدباء، وقال أبو زيد بعكس ذلك «٥» ، وغلّطه أبو العباس وغيره، وجمعها: بَشَرٌ وأَبْشَارٌ، وعبّر عن الإنسان بالبَشَر اعتبارا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف أو الشعر أو الوبر، واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع، وثني فقال تعالى: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ [المؤمنون/ ٤٧] .
وخصّ في القرآن كلّ موضع اعتبر من الإنسان جثته وظاهره بلفظ البشر، نحو: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً [الفرقان/ ٥٤] ، وقال : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ص/ ٧١] ، ولمّا أراد الكفار الغضّ من الأنبياء اعتبروا ذلك فقالوا: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر/ ٢٥] ، وقال تعالى: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [القمر/ ٢٤] ، ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [يس/ ١٥] ، أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا [المؤمنون/
стр. 107
٤٧] ، فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا [التغابن/ ٦] ، وعلى هذا قال: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف/ ١١٠] ، تنبيها أنّ الناس يتساوون في البشرية، وإنما يتفاضلون بما يختصون به من المعارف الجليلة والأعمال الجميلة، ولذلك قال بعده: يُوحى إِلَيَّ [الكهف/ ١١٠] ، تنبيها أني بذلك تميّزت عنكم. وقال تعالى:
لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [مريم/ ٢٠] فخصّ لفظ البشر، وقوله: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
[مريم/ ١٧] فعبارة عن الملائكة، ونبّه أنه تشبّح لها وتراءى لها بصورة بشر، وقوله تعالى: ما هذا بَشَراً [يوسف/ ٣١] فإعظام له وإجلال وأنه أشرف وأكرم من أن يكون جوهره جوهر البشر.
وبَشَرْتُ الأديم: أصبت بشرته، نحو: أنفته ورجلته، ومنه: بَشَرَ الجراد الأرض إذا أكلته، والمباشرة: الإفضاء بالبشرتين، وكنّي بها عن الجماع في قوله: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ [البقرة/ ١٨٧] ، وقال تعالى:
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة/ ١٨٧] .
وفلان مُؤْدَم مُبْشَر «١» ، أصله من قولهم: أَبْشَرَهُ الله وآدمه، أي: جعل له بشرة وأدمة محمودة، ثم عبّر بذلك عن الكامل الذي يجمع بين الفضيلتين الظاهرة والباطنة.
وقيل معناه: جمع لين الأدمة وخشونة البشرة، وأَبْشَرْتُ الرجل وبَشَّرْتُهُ وبَشَرْتُهُ: أخبرته بسارّ بسط بشرة وجهه، وذلك أنّ النفس إذا سرّت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر، وبين هذه الألفاظ فروق، فإنّ بشرته عامّ، وأبشرته نحو: أحمدته، وبشّرته على التكثير، وأبشر يكون لازما ومتعديا، يقال: بَشَرْتُهُ فَأَبْشَرَ، أي:
اسْتَبْشَرَ، وأَبْشَرْتُهُ، وقرئ: يُبَشِّرُكَ [آل عمران/ ٣٩] ويبشرك «٢» ويبشرك «٣» ، قال الله : لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ قالَ: أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قالُوا: بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ [الحجر/ ٥٣- ٥٤] .
واستبشر: إذا وجد ما يبشّره من الفرح، قال تعالى: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ [آل عمران/ ١٧٠] ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ [آل عمران/ ١٧١] ، وقال تعالى: وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ [الحجر/ ٦٧] . ويقال للخبر السارّ: البِشارة والبُشْرَى، قال تعالى: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
[يونس/ ٦٤] ، وقال
стр. 108
تعالى: لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [الفرقان/ ٢٢] ، وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى [هود/ ٦٩] ، يا بُشْرى هذا غُلامٌ [يوسف/ ١٩] ، وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى [الأنفال/ ١٠] .
والبشير: المُبَشِّر، قال تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً [يوسف/ ٩٦] ، فَبَشِّرْ عِبادِ [الزمر/ ١٧] ، وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ
[الروم/ ٤٦] ، أي: تبشّر بالمطر.
وقال ﷺ : «انقطع الوحي ولم يبق إلا المبشّرات، وهي الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو ترى له» «١» وقال تعالى: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ [يس/ ١١] ، وقال: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران/ ٢١] ، بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ [النساء/ ١٣٨] ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة/ ٣] فاستعارة ذلك تنبيه أنّ أسرّ ما يسمعونه الخبر بما ينالهم من العذاب، وذلك نحو قول الشاعر:
٥٤-
تحيّة بينهم ضرب وجيع
«٢» ويصحّ أن يكون على ذلك قوله تعالى:
قُلْ: تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [إبراهيم/ ٣٠] ، وقال : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [الزخرف/ ١٧] .
ويقال: أَبشرَ، أي: وجد بشارة، نحو: أبقل وأمحل، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت/ ٣٠] ، وأبشرت الأرض: حسن طلوع نبتها، ومنه قول ابن مسعود ﵁: (من أحبّ القرآن فليبشر) «٣» أي: فليسرّ. قال الفرّاء:
إذا ثقّل فمن البشرى، وإذا خفّف فمن السرور يقال: بَشَرْتُهُ فَبَشَرَ، نحو: جبرته فجبر، وقال سيبويه «٤» : فَأَبْشَرَ، قال ابن قتيبة «٥» : هو من بشرت، الأديم، إذا رقّقت وجهه، قال: ومعناه فليضمّر نفسه، كما روي: «إنّ وراءنا عقبة لا يقطعها إلا الضّمر من الرّجال» «٦» ، وعلى الأول قول الشاعر:
стр. 109
٥٥-
فأعنهم وابشر بما بشروا به ... وإذا هم نزلوا بضنك فانزل
«١» وتَبَاشِير الوجه وبِشْرُهُ: ما يبدو من سروره، وتباشير الصبح: ما يبدو من أوائله.
وتباشير النخيل: ما يبدو من رطبه، ويسمّى ما يعطى المبشّر: بُشْرَى وبشَارَة.
بصر
البَصَر يقال للجارحة الناظرة، نحو قوله تعالى: كَلَمْحِ الْبَصَرِ [النحل/ ٧٧] ، ووَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ [الأحزاب/ ١٠] ، وللقوّة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة:
بَصِيرَة وبَصَر، نحو قوله تعالى: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق/ ٢٢] ، وقال:
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [النجم/ ١٧] ، وجمع البصر أَبْصَار، وجمع البصيرة بَصَائِر، قال تعالى: فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ [الأحقاف/ ٢٦] ، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة، ويقال من الأوّل: أبصرت، ومن الثاني: أبصرته وبصرت به «٢» ، وقلّما يقال بصرت في الحاسة إذا لم تضامّه رؤية القلب، وقال تعالى في الأبصار: لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
[مريم/ ٤٢] ، وقال: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا [السجدة/ ١٢] ، وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ [يونس/ ٤٣] ، وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات/ ١٧٩] ، بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ [طه/ ٩٦] ومنه: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف/ ١٠٨] أي: على معرفة وتحقق. وقوله:
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
[القيامة/ ١٤] أي: تبصره فتشهد له، وعليه من جوارحه بصيرة تبصره فتشهد له وعليه يوم القيامة، كما قال تعالى: تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ [النور/ ٢٤] . والضرير يقال له: بصير على سبيل العكس، والأولى أنّ ذلك يقال لما له من قوة بصيرة القلب لا لما قالوه، ولهذا لا يقال له:
مبصر وباصر، وقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام/ ١٠٣] حمله كثير من المفسرين على الجارحة، وقيل:
ذلك إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام، كما قال أمير المؤمنين ﵁: (التوحيد أن لا تتوهمه) «٣» وقال: (كلّ ما أدركته فهو غيره) .
والبَاصِرَة عبارة عن الجارحة الناظرة، يقال:
رأيته لمحا باصرا «٤» ، أي: نظرا بتحديق، قال : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً
[النمل/ ١٣] ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [الإسراء/ ١٢]
стр. 110
أي: مضيئة للأبصار وكذلك قوله :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء/ ٥٩] ، وقيل: معناه صار أهله بصراء نحو قولهم: رجل مخبث «١» ومضعف، أي: أهله خبثاء وضعفاء، وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ [القصص/ ٤٣] أي: جعلناها عبرة لهم، وقوله: وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات/ ١٧٩] أي: انظر حتى ترى ويرون، وقوله : وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [العنكبوت/ ٣٨] أي: طالبين للبصيرة.
ويصحّ أن يستعار الاسْتِبْصَار للإِبْصَار، نحو استعارة الاستجابة للإجابة، وقوله :
وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً
[ق/ ٧- ٨] أي: تبصيرا وتبيانا. يقال: بَصَّرْتُهُ تبصيرا وتبصرة، كما يقال: قدّمته تقديما وتقدمة، وذكّرته تذكيرا وتذكرة، قال تعالى: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج/ ١٠- ١١] أي:
يجعلون بصراء بآثارهم، يقال: بصَّرَ الجرو:
تعرّض للإبصار لفتحه العين «٢» . والبَصْرَة: حجارة رخوة تلمع كأنّها تبصر، أو سمّيت بذلك لأنّ لها ضوءا تبصر به من بعد.
ويقال له بِصْرٌ، والبَصِيرَة: قطعة من الدّم تلمع، والترس اللامع، والبُصْرُ: الناحية، والبَصِيرَةُ ما بين شقتي الثوب، والمزادة ونحوها التي يبصر منها، ثم يقال: بصرتُ الثوب والأديم: إذا خطت ذلك الموضع منه.
بصل
البَصَلُ معروف في قوله : وَعَدَسِها وَبَصَلِها [البقرة/ ٦١] ، وبيضة الحديد:
بصل، تشبيها به لقول الشاعر:
٥٦-
وتركا كالبصل
«٣»
بضع
البِضَاعَة: قطعة وافرة من المال تقتنى للتجارة، يقال: أَبْضَعَ بِضَاعَة وابْتَضَعَهَا. قال تعالى: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [يوسف/ ٦٥] وقال تعالى: بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ [يوسف/ ٨٨] ، والأصل في هذه الكلمة: البَضْعُ وهو جملة من اللحم تُبْضَعُ «٤» ، أي: تقطع. يقال: