← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23636

المفردات في غريب القرآن

الراغب الأصفهاني

Полный текст (881 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

واستعمال ذلك في عبارة النحويِّين هو أن يُجْعَلَ الاسم على صِيغَةٍ مخصوصةٍ، ونَكَرْتُ على فُلَانٍ وأَنْكَرْتُ: إذا فَعَلْتُ به فِعْلًا يَرْدَعُهُ. قال تعالى: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ [الملك/ ١٨] أي: إِنْكَارِي. والنُّكْرُ: الدّهاءُ والأمْرُ الصَّعْبُ الذي لا يُعْرَفُ، وقد نَكَرَ نَكَارَةً «١» ، قال تعالى: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر/ ٦] . وفي الحديث: «إِذَا وُضِعَ المَيِّتُ فِي القَبْرِ أَتَاهُ مَلَكَانِ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ» «٢» ، واستُعِيرَتِ المُنَاكَرَةُ للمُحَارَبَةِ. نكس النَّكْسُ: قَلْبُ الشيءِ عَلَى رَأْسِهِ، ومنه: نُكِسَ الوَلَدُ: إذا خَرَجَ رِجْلُهُ قَبْلَ رَأْسِهِ، قال تعالى: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ [الأنبياء/ ٦٥] والنُّكْسُ في المَرَضِ أن يَعُودَ في مَرَضِهِ بعد إِفَاقَتِهِ، ومن النَّكْسِ في العُمُرِ قال تعالى: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [يس/ ٦٨] وذلك مثل قوله: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [النحل/ ٧٠] وقرئ: ننكسه «٣» ، قال الأخفش: لا يكاد يقال نَكَّسْتُهُ بالتَّشْدِيدِ إلّا لما يُقْلَبُ فيُجْعَلُ رأسُهُ أسْفَلَهُ «٤» . والنِّكْسُ: السَّهْمُ الذي انكَسَرَ فوقُه، فجُعِلَ أَعْلَاهُ أسْفَلُه فيكون رديئاً، ولِرَدَاءَتِهِ يُشَبَّهُ به الرَّجُلُ الدَّنِيءُ. نكص النُّكُوصُ: الإِحْجَامُ عن الشيء. قال تعالى: نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ [الأنفال/ ٤٨] . نكف يقال: نَكَفْتُ من كذا، واسْتَنْكَفْتُ منه: أَنِفْتُ. قال تعالى: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ [النساء/ ١٧٢] ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا [النساء/ ١٧٣] وأصله من: نَكَفْتُ الشيْءَ: نَحَّيْتُهُ، ومن النَّكْفِ، وهو تَنْحِيَةُ الدَّمْعِ عن الخَدِّ بِالإِصْبَعِ، وبَحْرٌ لا يُنْكَفُ. أي: لا يُنْزَحُ، والانْتِكَافُ: الخُرُوجُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ. نكل يقال: نَكَلَ عَنِ الشَّيْءِ: ضَعُفَ وعَجَزَ،

стр. 807

ونَكَلْتُهُ: قَيَّدْتُهُ، والنِّكْلُ: قَيْدُ الدَّابَّةِ، وحديدةُ اللِّجَامِ، لكونهما مانِعَيْنِ، والجمْعُ: الأَنْكَالُ. قال تعالى: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً [المزمل/ ١٢] ونَكَّلْتُ به: إذا فَعَلْتُ به ما يُنَكَّلُ به غيرُه، واسم ذلك الفعل نَكَالٌ. قال تعالى: فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها [البقرة/ ٦٦] ، وقال: جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة/ ٣٨] وفي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ النَّكَلَ عَلَى النَّكَلِ» «١» ، أي: الرَّجُلَ القَوِيَّ عَلَى الفَرَسِ القَوِيِّ. نم النَّمُّ: إِظْهَارُ الحَدِيثِ بِالوِشَايَةِ، والنَّمِيمَةُ الوِشَايَةُ، ورَجُلٌ نَمَّامٌ. قال تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم/ ١١] وأصل النَّمِيمَةِ: الهَمْسُ والحَرَكَةُ الخَفِيفَةُ، ومنه: أَسْكَتَ اللَّهُ نَامَّتَهُ «٢» . أي: ما يَنِمُّ عليه مِنْ حَرَكَتِهِ، والنَّمَّامُ: نَبْتٌ يَنِمُّ عليه رَائِحَتُهُ، والنَّمْنَمَةُ: خُطُوطٌ مُتَقَارِبَةٌ، وذلك لقِلَّةِ الحَرَكَةِ من كاتِبِهَا في كِتَابَتِهِ. نمل قال تعالى: قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ [النمل/ ١٨] وطَعَامٌ مَنْمُولٌ: فيه النَّمْلُ، والنَّمْلَةُ: قُرْحَةٌ تَخْرُجُ بالجَنْبِ تشبيهاً بالنَّمْلِ في الهَيْئَةِ، وشَقٌّ في الحافِر، ومنه: فَرَسٌ نَمِلُ القَوَائِمِ: خَفِيفُهَا. ويُستعارُ النَّمْلُ للنَّمِيمَةِ تَصَوُّراً لدَبِيبِهِ، فيقال: هو نَمِلٌ، وذُو نَمْلَةٍ، ونَمَّالٌ. أي: نَمَّامٌ، وتَنَمَّلَ القَوْمُ: تَفَرَّقُوا للجَمْعِ تَفَرُّقَ النَّمْلِ، ولذلك يقال: هُوَ أَجْمَعُ مِنْ نَمْلَةٍ «٣» ، والأُنْمُلَةُ: طَرَفُ الأَصَابِعِ، وجمْعُه: أَنَامِلُ. نهج النَّهْجُ: الطريقُ الوَاضِحُ، ونَهَجَ الأمْرُ وأَنْهَجَ: وَضَحَ، ومَنْهَجُ الطَّرِيقِ ومِنْهَاجُهُ. قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة/ ٤٨] ومنه قولهم: نَهَجَ الثَّوْبُ وأَنْهَجَ: بَانَ فِيهِ أَثَرُ البِلَى، وقد أَنْهَجَهُ البِلَى. نهر النَّهْرُ: مَجْرَى الماءِ الفَائِضِ، وجمْعُه: أَنْهَارٌ، قال تعالى: وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً [الكهف/ ٣٣] ، وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا [النحل/ ١٥] وجعل اللهُ تعالى ذلك مثلا لما يَدِرُّ من فَيْضِهِ وفَضْلِهِ في الجنَّة على

стр. 808

الناس. قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [القمر/ ٥٤] ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً [نوح/ ١٢] ، جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [المائدة/ ١١٩] . والنّهر: السّعة تشبيها بنهر الماء، ومنه: أَنْهَرْتُ الدَّمَ. أي: أسلته إسالة، وأَنْهَرَ الماء: جرى، ونَهْرٌ نَهِرٌ: كثير الماء، قال أبو ذؤيب: ٤٥٣- أقامت به فابتنت خيمة ... على قصب وفرات نهر «١» والنهارُ: الوقت الذي ينتشر فيه الضّوء، وهو في الشرع: ما بين طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس، وفي الأصل ما بين طلوع الشمس إلى غروبها. قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [الفرقان/ ٦٢] وقال: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً [يونس/ ٢٤] وقابل به البيات في قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً [يونس/ ٥٠] ورجل نَهِرٌ: صاحب نهار، والنهار: فرخ الحبارى، والمنهرة: فضاء بين البيوت كالموضع الذي تلقى فيه الكناسة، والنَّهْرُ والانتهارُ: الزّجر بمغالظة، يقال: نَهَرَهُ وانتهره، قال: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما [الإسراء/ ٢٣] ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى/ ١٠] . نهى النهي: الزّجر عن الشيء. قال تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى [العلق/ ٩- ١٠] وهو من حيث المعنى لا فرق بين أن يكون بالقول أو بغيره، وما كان بالقول فلا فرق بين أن يكون بلفظة افعل نحو: اجتنب كذا، أو بلفظة لا تفعل. ومن حيث اللفظ هو قولهم: لا تفعل كذا، فإذا قيل: لا تفعل كذا فنهي من حيث اللفظ والمعنى جميعا. نحو قوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة/ ٣٥] ، ولهذا قال: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ [الأعراف/ ٢٠] وقوله: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى [النازعات/ ٤٠] فإنه لم يعن أن يقول لنفسه: لا تفعل كذا، بل أراد قمعها عن شهوتها ودفعها عمّا نزعت إليه وهمّت به، وكذا النهي عن المنكر يكون تارة باليد، وتارة باللّسان، وتارة بالقلب. قال تعالى: أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا [هود/ ٦٢] وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ إلى قوله: وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ [النحل/ ٩٠] «٢» ، أي: يحثّ على فعل الخير ويزجر عن الشّرّ، وذلك بعضه بالعقل الذي ركّبه فينا، وبعضه بالشّرع الذي شرعه لنا، والانتهَاءُ: الانزجار عمّا نهى عنه، قال تعالى:

стр. 809

قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال/ ٣٨] وقال: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم/ ٤٦] وقال: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء/ ١١٦] ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة/ ٩١] ، فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ [البقرة/ ٢٧٥] أي: بلغ به نهايته. والإنهاء في الأصل: إبلاغ النهي، ثم صار متعارفا في كلّ إبلاغ، فقيل: أنهيت إلى فلان خبر كذا. أي: بلّغت إليه النهاية، وناهيك من رجل كقولك: حسبك، ومعناه: أنه غاية فيما تطلبه، وينهاك عن تطلّب غيره، وناقة نِهْيَة: تناهت سمنا، والنُّهيَةُ: العقل الناهي عن القبائح. جمعها: نُهًى. قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى [طه/ ٥٤] وتَنْهِيَةُ الوادي حيث ينتهي إليه السّيل، ونَهَاءُ النّهار: ارتفاعه، وطلب الحاجة حتى نُهِيَ عنها. أي: انتهى عن طلبها، ظفر بها أو لم يظفر. نوب النَّوْب: رجوع الشيء مرّة بعد أخرى. يقال: نَابَ نَوْباً ونَوْبَة، وسمّي النّحل نَوْباً لرجوعها إلى مقارّها، ونَابَتْهُ نائبة. أي: حادثة من شأنها أن تنوب دائبا، والإنابة إلى الله تعالى: الرّجوع إليه بالتّوبة وإخلاص العمل. قال تعالى: وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ [ص/ ٢٤] ، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا [الممتحنة/ ٤] ، وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ [الزمر/ ٥٤] ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ [الروم/ ٣١] وفلان ينتاب فلانا. أي: يقصده مرّة بعد أخرى. نوح نوح اسم نبيّ، والنَّوْح: مصدر ناح أي: صاح بعويل، يقال: ناحت الحمامة نَوْحاً وأصل النَّوْح: اجتماع النّساء في المَنَاحَة، وهو من التّناوح. أي: التّقابل، يقال: جبلان يتناوحان، وريحان يتناوحان، وهذه الرّيح نَيْحَة تلك. أي: مقابلتها، والنَّوَائِح: النّساء، والمَنُوح: المجلس. نور النّور: الضّوء المنتشر الذي يعين على الإبصار، وذلك ضربان دنيويّ، وأخرويّ، فالدّنيويّ ضربان: ضرب معقول بعين البصيرة، وهو ما انتشر من الأمور الإلهية كنور العقل ونور القرآن. ومحسوس بعين البصر، وهو ما انتشر من الأجسام النّيّرة كالقمرين والنّجوم والنّيّرات. فمن النّور الإلهي قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [المائدة/ ١٥] ، وقال: وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [الأنعام/ ١٢٢] ، وقال: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [الشورى/ ٥٢] وقال: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ

стр. 810

[الزمر/ ٢٢] ، وقال: نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [النور/ ٣٥] ، ومن المحسوس الذي بعين البصر نحو قوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [يونس/ ٥] وتخصيص الشّمس بالضّوء، والقمر بالنّور من حيث إنّ الضّوء أخصّ من النّور، قال: وَقَمَراً مُنِيراً [الفرقان/ ٦١] أي: ذا نور. ومما هو عامّ فيهما قوله: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام/ ١] ، وقوله: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ [الحديد/ ٢٨] ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها [الزمر/ ٦٩] ومن النّور الأخرويّ قوله: يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [الحديد/ ١٢] ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا [التحريم/ ٨] انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد/ ١٣] ، فَالْتَمِسُوا نُوراً [الحديد/ ١٣] ، ويقال: أنار الله كذا، ونَوَّرَه، وسمّى الله تعالى نفسه نورا من حيث إنه هو المُنَوِّر، قال: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النور/ ٣٥] وتسميته تعالى بذلك لمبالغة فعله. والنَّارُ تقال للهيب الذي يبدو للحاسّة، قال: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ [الواقعة/ ٧١] ، وقال: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [البقرة/ ١٧] ، وللحرارة المجرّدة، ولنار جهنّم المذكورة في قوله: النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحج/ ٧٢] ، وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [البقرة/ ٢٤] ، نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ [الهمزة/ ٦] وقد ذكر ذلك في غير موضع. ولنار الحرب المذكورة في قوله: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ [المائدة/ ٦٤] ، وقال بعضهم: النّار والنّور من أصل واحد، وكثيرا ما يتلازمان لكن النار متاع للمقوين في الدّنيا، والنّور متاع لهم في الآخرة، ولأجل ذلك استعمل في النّور الاقتباس، فقال: نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد/ ١٣] وتنوّرت نارا: أبصرتها، والمَنَارَة «١» : مفعلة من النّور، أو من النار كمنارة السّراج، أو ما يؤذّن عليه، ومَنَارُ الأرض: أعلامها، والنَّوَار: النّفور من الرّيبة، وقد نَارَتِ المرأة تَنُور نَوْراً ونَوَاراً، ونَوْرُ الشّجر ونُوَّارُهُ تشبيها بالنّور، والنَّوْرُ: ما يتّخذ للوشم. يقال: نَوَّرَت المرأة يدها، وتسميته بذلك لكونه مظهرا لنور العضو. نوس النَّاس قيل: أصله أُنَاس، فحذف فاؤه لمّا أدخل عليه الألف واللام، وقيل: قلب من نسي، وأصله إنسيان على إفعلان، وقيل: أصله من: نَاسَ يَنُوس: إذا اضطرب، ونِسْتُ الإبل: سقتها، وقيل: ذو نواس: ملك كان ينوس على ظهره ذؤابة فسمّي بذلك، وتصغيره على هذا

стр. 811

نويس. قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس/ ١] [والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوّزا، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانيّة، وهو وجود العقل، والذّكر، وسائر الأخلاق الحميدة، والمعاني المختصّة به، فإنّ كلّ شيء عدم فعله المختصّ به لا يكاد يستحقّ اسمه كاليد، فإنّها إذا عدمت فعلها الخاصّ بها فإطلاق اليد عليها كإطلاقها على يد السّرير ورجله، فقوله: آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ [البقرة/ ١٣] أي: كما يفعل من وجد فيه معنى الإنسانيّة، ولم يقصد بالإنسان عينا واحدا بل قصد المعنى، وكذا قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [النساء/ ٥٤] أي: من وجد فيه معنى الإنسانيّة أيّ إنسان كان، وربّما قصد به النّوع كما هو، وعلى هذا قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ «١» «٢» . نوش النَّوْش: التّناول. قال الشاعر: ٤٥٤- تَنُوش البرير حيث طاب اهتصارها «٣» البرير: ثمر الطّلح، والاهتصار: الإمالة، يقال: هصرت الغصن: إذا أملته، وتناوش القوم كذا: تناولوه. قال تعالى: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ [سبأ/ ٥٢] أي: كيف يتناولون الإيمان من مكان بعيد، ولم يكونوا يتناولونه عن قريب في حين الاختيار والانتفاع بالإيمان. إشارة إلى قوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها الآية [الأنعام/ ١٥٨] . ومن همز «٤» ، فإما أنه أبدل من الواو همزة. نحو: أقّتت في وقّتت، وأدؤر في أدور، وإمّا أن يكون من النّأش، وهو الطّلب. نوص ناص إلى كذا: التجأ إليه، وناص عنه: ارتدّ، يَنُوصُ نَوْصاً، والمناص: الملجأ. قال تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [ص/ ٣] . نيل النَّيْلُ: ما يناله الإنسان بيده، نِلْتُهُ أَنَالُهُ نَيْلًا. قال تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ [آل عمران/ ٩٢] ، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا [التوبة/ ١٢٠] ، لَمْ يَنالُوا خَيْراً [الأحزاب/ ٢٥] والنَّوْلُ: التّناول. يقال: نِلْتُ كذا أَنُولُ نَوْلًا، وأَنَلْتُهُ: أوليته، وذلك مثل: عطوت كذا: تناولت، وأعطيته: أنلته. ونِلْتُ: أصله نَوِلْتُ

стр. 812

على فعلت، ثم نقل إلى فلت. ويقال: ما كان نَوْلُكَ أن تفعل كذا. أي: ما فيه نَوَال صلاحك، قال الشاعر: ٤٥٥- جزعت وليس ذلك بالنّوال «١» قيل: معناه بصواب. وحقيقة النّوال: ما يناله الإنسان من الصلة، وتحقيقه ليس ذلك مما تنال منه مرادا، وقال تعالى: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ [الحج/ ٣٧] . نوم النّوم: فسّر على أوجه كلّها صحيح بنظرات مختلفة، قيل: هو استرخاء أعصاب الدّماغ برطوبات البخار الصاعد إليه، وقيل: هو أن يتوفّى الله النّفس من غير موت. قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الآية [الزمر/ ٤٢] . وقيل: النّوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل، ورجل نؤوم ونُوَمَة: كثير النّوم، والمَنَام: النّوم. قال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ [الروم/ ٢٣] ، وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً [النبأ/ ٩] ، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة/ ٢٥٥] والنُّوَمَة أيضا: خامل الذّكر، واستنام فلان إلى كذا: اطمأنّ إليه، والمنامة: الثّوب الذي ينام فيه، ونامت السّوق: كسدت، ونام الثّوب: أخلق، أو خلق معا، واستعمال النّوم فيهما على التّشبيه. نون النّون: الحرف المعروف. قال تعالى: ن وَالْقَلَمِ [القلم/ ١] والنّون: الحوت العظيم، وسمّي يونس ذا النّون في قوله: وَذَا النُّونِ [الأنبياء/ ٨٧] لأنّ النّون كان قد التقمه، وسمّي سيف الحارث ابن ظالم ذا النّون «٢» . ناء يقال: ناء بجانبه ينوء ويناء. قال أبو عبيدة «٣» : ناء مثل ناع. أي: نهض، وأَنَأْتُهُ: أنهضته. قال تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ [القصص/ ٧٦] . نأى يقال: نأى بجانبه. قال أبو عمرو: نأى يَنْأَى

стр. 813

نَأْياً، مثل: نعى: أعرض، وقال أبو عبيدة: تباعد «١» . وقرئ: نَأى بِجانِبِهِ [الإسراء/ ٨٣] «٢» مثل: نعى. أي: نهض به، عبارة عن التكبر كقولك: شمخ بأنفه، وازورّ بجانبه «٣» . وانتأى افتعل منه، والمنتأى: الموضع البعيد، وقرئ: ناء بجانبه [الإسراء/ ٨٣] «٤» أي: تباعد. ومنه: النُّؤي: لحفيرة حول الخباء تباعد الماء عنه. والنيّة تكون مصدرا، واسما من: نويت، وهي توجّه القلب نحو العمل، وليس من ذلك بشيء. تمّ كتاب النون

стр. 814

كتاب الهاء هبط الهُبُوط: الانحدار على سبيل القهر كهبوط الحجر، والهَبُوط بالفتح: المنحدر. يقال: هَبَطْتُ أنا، وهَبَطْتُ غيري، يكون اللازم والمتعدّي على لفظ واحد. قال تعالى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة/ ٧٤] يقال: هَبَطْتُ وهَبَطْتُهُ هَبْطاً، وإذا استعمل في الإنسان الهُبُوط فعلى سبيل الاستخفاف بخلاف الإنزال، فإنّ الإنزال ذكره تعالى في الأشياء التي نبّه على شرفها، كإنزال الملائكة والقرآن والمطر وغير ذلك. والهَبُوطُ ذكر حيث نبّه على الغضّ نحو: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة/ ٣٦] ، فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها [الأعراف/ ١٣] ، اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ [البقرة/ ٦١] وليس في قوله: فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ [البقرة/ ٦١] تعظيم وتشريف، ألا ترى أنه تعالى قال: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة/ ٦١] ، وقال جلّ ذكره: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً [البقرة/ ٣٨] ويقال: هَبَطَ المَرَضُ لحم العليل: حطّه عنه، والهَبِيط: الضّامر من النّوق وغيرها إذا كان ضمره من سوء غذاء، وقلّة تفقّد. هبا هَبَا الغبار يَهْبُو: ثار وسطع، والهَبْوَة كالغبرة، والهَبَاء: دقاق التّراب وما نبت في الهواء فلا يبدو إلّا في أثنا ضوء الشمس في الكوّة. قال تعالى: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان/ ٢٣] ، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا. [الواقعة/ ٦] . هجد الهُجُود: النّوم، والهَاجِد: النّائم، وهجّدته فتهجّد: أزلت هجوده نحو: مرّضته. ومعناه: أيقظته فتيقّظ، وقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ [الإسراء/ ٧٩] أي: تيقّظ بالقرآن، وذلك حثّ على إقامة الصلاة في الليل المذكور في قوله:

стр. 815

قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ [المزمل/ ٢- ٣] والمتهجّد: المصلّي ليلا، وأهجد البعير: ألقى جرانه على الأرض متحرّيا للهجود. هجر الهَجْرُ والهِجْرَان: مفارقة الإنسان غيره، إمّا بالبدن، أو باللّسان، أو بالقلب. قال تعالى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ [النساء/ ٣٤] كناية عن عدم قربهنّ، وقوله تعالى: إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان/ ٣٠] فهذا هَجْر بالقلب، أو بالقلب واللّسان. وقوله: وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا [المزمل/ ١٠] يحتمل الثلاثة، ومدعوّ إلى أن يتحرّى أيّ الثلاثة إن أمكنه مع تحرّي المجاملة، وكذا قوله تعالى: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم/ ٤٦] ، وقوله تعالى: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر/ ٥] ، فحثّ على المفارقة بالوجوه كلّها. والمُهاجرَةُ في الأصل: مصارمة الغير ومتاركته، من قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا [الأنفال/ ٧٤] ، وقوله: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ [الحشر/ ٨] ، وقوله: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ [النساء/ ١٠٠] ، فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء/ ٨٩] فالظاهر منه الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان كمن هاجر من مكّة إلى المدينة، وقيل: مقتضى ذلك هجران الشّهوات والأخلاق الذّميمة والخطايا وتركها ورفضها، وقوله: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [العنكبوت/ ٢٦] أي: تارك لقومي وذاهب إليه. وقوله: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [النساء/ ٩٧] ، وكذا المجاهدة تقتضي مع العدى مجاهدة النّفس كما روي في الخبر: «رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» «١» ، وهو مجاهدة النّفس. وروي: (هاجروا ولا تهجّروا) «٢» أي: كونوا من المهاجرين، ولا تتشبّهوا بهم في القول دون الفعل، والهُجْرُ: الكلام القبيح المهجور لقبحه. وفي الحديث: «ولا تقولوا هُجْراً» «٣» وأَهْجَرَ فلان: إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد،

стр. 816

وهَجَرَ المريض: إذا أتى ذلك من غير قصد، وقرئ: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ [المؤمنون/ ٦٧] «١» ، وقد يشبّه المبالغ في الهجر بالمُهْجِر، فيقال: أَهْجَرَ: إذا قصد ذلك، قال الشاعر: ٤٥٦- كما جدة الأعراق قال ابن ضرّة ... عليها كلاما جار فيه وأهجرا «٢» ورماه بهاجرات فمه أي: فضائح كلامه، وقوله: فلان هِجِّيراه كذا: إذا أولع بذكره، وهذي به هذيان المريض المهجر، ولا يكاد يستعمل الهِجِّير إلّا في العادة الذّميمة اللهمّ إلّا أن يستعمله في ضدّه من لا يراعي مورد هذه الكلمة عن العرب. والهَجِيرُ والهاجرة: الساعة التي يمتنع فيها من السّير كالحرّ، كأنها هجرت النّاس وهجرت لذلك، والهِجَار: حبل يشدّ به الفحل، فيصير سببا لهجرانه الإبل، وجعل على بناء العقال والزّمام، وفحل مهجور، أي: مشدود به، وهِجَار القوس: وترها، وذلك تشبيه بهجار الفحل. هجع الهُجُوع: النّوم ليلا. قال تعالى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ [الذاريات/ ١٧] وذلك يصحّ أن يكون معناه: كان هُجُوعهم قليلا من أوقات الليل، ويجوز أن يكون معناه: لم يكونوا يهجعون. والقليل يعبّر به عن النّفي والمشارف لنفيه لقلّته، ولقيته بعد هَجْعَةٍ. أي: بعد نومة، وقولهم: رجل هُجَعٌ كقولك: نوم للمستنيم إلى كل شيء. هدد الهَدُّ: هدم له وقع، وسقوط شيء ثقيل، والهَدَّة: صوت وقعه. قال تعالى: وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا [مريم/ ٩٠] وهدّدت البقرة: إذا أوقعتها للذّبح، والهِدُّ: المهدود كالذّبح للمذبوح، ويعبّر به عن الضّعيف والجبان، وقيل: مررت برجل هَدَّكَ من رجل «٣» ، كقولك: حسبك، وتحقيقه: يَهُدُّكَ ويزعجك وجود مثله، وهَدَّدْتُ فلانا وتَهَدَّدْتُهُ: إذا زعزعته بالوعيد، والهَدْهَدَة: تحريك الصّبيّ لينام، والهُدْهُدُ: طائر معروف. قال تعالى: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ [النمل/ ٢٠] وجمعه: هَدَاهِد، والهُدَاهِد بالضّمّ واحد، قال الشاعر:

стр. 817

٤٥٧- كهداهد كسر الرّماة جناحه ... يدعو بقارعة الطريق هدي لا «١» هدم الهدم: إسقاط البناء. يقال: هَدَمْتُهُ هَدْماً. والهَدَمُ: ما يهدم، ومنه استعير: دم هَدْمٌ. أي: هدر، والهِدْمُ بالكسر كذلك لكن اختصّ بالثّوب البالي، وجمعه: أهدام، وهدّمت البناء على التّكثير. قال تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ [الحج/ ٤٠] . هدى الهداية دلالة بلطف، ومنه: الهديّة، وهوادي الوحش. أي: متقدّماتها الهادية لغيرها، وخصّ ما كان دلالة بهديت، وما كان إعطاء بأهديت. نحو: أهديت الهديّة، وهديت إلى البيت. إن قيل: كيف جعلت الهداية دلالة بلطف وقد قال الله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات/ ٢٣] ، وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ [الحج/ ٤] . قيل: ذلك استعمل فيه استعمال اللّفظ على التّهكّم مبالغة في المعنى كقوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران/ ٢١] وقول الشاعر: ٤٥٧- تحيّة بينهم ضرب وجيع «٢» وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه: الأوّل: الهداية التي عمّ بجنسها كلّ مكلّف من العقل، والفطنة، والمعارف الضّروريّة التي أعمّ منها كلّ شيء بقدر فيه حسب احتماله كما قال: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه/ ٥٠] . الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء/ ٧٣] . الثالث: التّوفيق الذي يختصّ به من اهتدى، وهو المعنيّ بقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [محمد/ ١٧] ، وقوله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن/ ١١] ، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ [يونس/ ٩] ، وقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت/ ٦٩] ، وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً [مريم/ ٧٦] ، فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة/ ٢١٣] ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ

стр. 818

[البقرة/ ٢١٣] . الرّابع: الهداية في الآخرة إلى الجنّة المعنيّ بقوله: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [محمد/ ٥] ، وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف/ ٤٣] إلى قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا «١» . وهذه الهدايات الأربع مترتّبة، فإنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثّانية بل لا يصحّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثّانية لا تحصل له الثّالثة والرّابعة، ومن حصل له الرّابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللّذان قبله «٢» . ثمّ ينعكس، فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثاني ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدا إلّا بالدّعاء وتعريف الطّرق دون سائر أنواع الهدايات، وإلى الأوّل أشار بقوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى/ ٥٢] ، يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [السجدة/ ٢٤] ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد/ ٧] أي: داع، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص/ ٥٦] وكلّ هداية ذكر الله أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة، وهي التّوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرّابعة التي هي الثّواب في الآخرة، وإدخال الجنّة. نحو قوله : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ «٣» [آل عمران/ ٨٦] وكقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [النحل/ ١٠٧] وكلّ هداية نفاها الله عن النبيّ ﷺ وعن البشر، وذكر أنهم غير قادرين عليها فهي ما عدا المختصّ من الدّعاء وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل، والتّوفيق، وإدخال الجنة، كقوله عزّ ذكره: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [البقرة/ ٢٧٢] ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [الأنعام/ ٣٥] ، وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [النمل/ ٨١] ، إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [النحل/ ٣٧] ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر/ ٣٦] ، وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ [الزمر/ ٣٧] ، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص/ ٥٦] وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ

стр. 819

[يونس/ ٩٩] ، وقوله: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ [الإسراء/ ٩٧] ، أي: طالب الهدى ومتحرّيه هو الذي يوفّقه ويَهْدِيهِ إلى طريق الجنّة لا من ضادّه، فيتحرّى طريق الضّلال والكفر كقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [التوبة/ ٣٧] ، وفي أخرى الظَّالِمِينَ [التوبة/ ١٠٩] ، وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر/ ٣] الكاذب الكفّار: هو الذي لا يقبل هدايته، فإنّ ذلك راجع إلى هذا وإن لم يكن لفظه موضوعا لذلك، ومن لم يقبل هِدَايَتَهُ لم يهده، كقولك: من لم يقبل هَدِيَّتِي لم أهد له، ومن لم يقبل عطيّتي لم أعطه، ومن رغب عنّي لم أرغب فيه، وعلى هذا النحو: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة/ ١٠٩] وفي أخرى: الْفاسِقِينَ [التوبة/ ٨٠] وقوله: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى [يونس/ ٣٥] ، وقد قرئ: يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى «١» أي: لا يهدي غيره ولكن يهدى. أي: لا يعلم شيئا ولا يعرف أي لا هداية له، ولو هدي أيضا لم يهتد، لأنها موات من حجارة ونحوها، وظاهر اللّفظ أنه إذا هدي اهْتَدَى لإخراج الكلام أنها أمثالكم كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [الأعراف/ ١٩٤] وإنّما هي أموات، وقال في موضع آخر: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ [النحل/ ٧٣] ، وقوله : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [الإنسان/ ٣] ، وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد/ ١٠] ، وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الصافات/ ١١٨] فذلك إشارة إلى ما عرّف من طريق الخير والشّرّ «٢» ، وطريق الثواب والعقاب بالعقل والشرع وكذا قوله: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف/ ٣٠] ، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص/ ٥٦] ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن/ ١١] فهو إشارة إلى التّوفيق الملقى في الرّوع فيما يتحرّاه الإنسان وإياه عنى بقوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [محمد/ ١٧] وعدّي الهِدَايَةُ في مواضع بنفسه، وفي مواضع باللام، وفي مواضع بإلى، قال تعالى: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران/ ١٠١] ، وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام/ ٨٧] وقال: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ [يونس/ ٣٥] وقال: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى [النازعات/ ١٨- ١٩] . وما عدّي بنفسه نحو: وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً

стр. 820

[النساء/ ٦٨] ، وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الصافات/ ١١٨] ، اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة/ ٦] ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ [النساء/ ٨٨] ، وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً [النساء/ ١٦٨] ، أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ [يونس/ ٤٣] ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً [النساء/ ١٧٥] . ولمّا كانت الهِدَايَةُ والتّعليم يقتضي شيئين: تعريفا من المعرّف، وتعرّفا من المعرّف، وبهما تمّ الهداية والتّعليم فإنه متى حصل البذل من الهَادِي والمعلم ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْدِ ولم يعلّم اعتبارا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعلّم اعتبارا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إنّ الله تعالى لم يهد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتّعليم، وصحّ أن يقال: هَدَاهُمْ وعلّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الْهِدَايَةِ. فعلى الاعتبار بالأول يصحّ أن يحمل قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة/ ١٠٩] ، وَالْكافِرِينَ [التوبة/ ٣٧] وعلى الثاني قوله : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت/ ١٧] والأولى حيث لم يحصل القبول المفيد فيقال: هداه الله فلم يهتد، كقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ الآية، وقوله: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى قوله: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ «١» [البقرة/ ١٤٢- ١٤٣] فهم الّذين قبلوا هداه واهتدوا به، وقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة/ ٦] ، وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً [النساء/ ٦٨] فقد قيل: عني به الهِدَايَةُ العامّة التي هي العقل، وسنّة الأنبياء، وأمرنا أن نقول ذلك بألسنتنا وإن كان قد فعل ليعطينا بذلك ثوابا كما أمرنا أن نقول: اللهمّ صلّ على محمد وإن كان قد صلّى عليه بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب/ ٥٦] وقيل: إن ذلك دعاء بحفظنا عن استغواء الغواة واستهواء الشّهوات، وقيل: هو سؤال للتّوفيق الموعود به في قوله: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [محمد/ ١٧] وقيل: سؤال للهداية إلى الجنّة في الآخرة، وقوله : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [البقرة/ ١٤٣] فإنه يعني به من هداه بالتّوفيق المذكور في قوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً. والهُدَى والهِدَايَةُ في موضوع اللّغة واحد لكن قد خصّ الله لفظة الهدى بما تولّاه

стр. 821

وأعطاه، واختصّ هو به دون ما هو إلى الإنسان نحو: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة/ ٢] ، أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة/ ٥] ، هُدىً لِلنَّاسِ [البقرة/ ١٨٥] ، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ [البقرة/ ٣٨] ، قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى [الأنعام/ ٧١] ، وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران/ ١٣٨] ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [الأنعام/ ٣٥] ، إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [النحل/ ٣٧] ، أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة/ ١٦] . والاهْتِدَاءُ يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إمّا في الأمور الدّنيويّة، أو الأخرويّة قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها [الأنعام/ ٩٧] ، وقال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء/ ٩٨] ويقال ذلك لطلب الهداية نحو: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة/ ٥٣] ، وقال: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة/ ١٥٠] ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا [آل عمران/ ٢٠] ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا [البقرة/ ١٣٧] . ويقال المُهْتَدِي لمن يقتدي بعالم نحو: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [المائدة/ ١٠٤] تنبيها أنهم لا يعلمون بأنفسهم ولا يقتدون بعالم، وقوله: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ [النمل/ ٩٢] فإن الِاهْتِدَاءَ هاهنا يتناول وجوه الاهتداء من طلب الهداية، ومن الاقتداء، ومن تحرّيها، وكذا قوله: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [النمل/ ٢٤] وقوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [طه/ ٨٢] فمعناه: ثم أدام طلب الهداية، ولم يفترّ عن تحرّيه، ولم يرجع إلى المعصية. وقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ «١» [البقرة/ ١٥٧] أي: الذين تحرّوا هدايته وقبلوها وعملوا بها، وقال مخبرا عنهم: وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ [الزخرف/ ٤٩] . والهَدْيُ مختصّ بما يُهْدَى إلى البيت. قال الأخفش «٢» : والواحدة هَدْيَةٌ، قال: ويقال للأنثى هَدْيٌ كأنه مصدر وصف به، قال الله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

стр. 822

[البقرة/ ١٩٦] ، هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة/ ٩٥] ، وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ [المائدة/ ٢] ، وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً [الفتح/ ٢٥] . والهَدِيَّةُ مختصّة باللُّطَف الذي يُهْدِي بعضنا إلى بعضٍ. قال تعالى: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [النمل/ ٣٥] ، بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل/ ٣٦] والمِهْدَى الطّبق الذي يهدى عليه، والْمِهْدَاءُ: من يكثر إِهْدَاءَ الهديّة، قال الشاعر: ٤٦٧- وإنّك مهداء الخنا نطف الحشا «١» والْهَدِيُّ يقال في الهدي، وفي العروس يقال: هَدَيْتُ العروسَ إلى زوجها، وما أحسن هَدِيَّةَ فلان وهَدْيَهُ، أي: طريقته، وفلان يُهَادِي بين اثنين: إذا مشى بينهما معتمدا عليهما، وتَهَادَتِ المرأة: إذا مشت مشي الهدي. هرع يقال هَرِعَ وأَهْرَعَ: ساقه سوقا بعنف وتخويف. قال الله تعالى: وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [هود/ ٧٨] وهَرَعَ برمحه فَتَهَرَّعَ: إذا أشرعه سريعا، والهَرِعُ: السّريع المشي والبكاء، قيل: والْهَرِيعُ والْهَرْعَةُ: القملة الصّغيرة. هرت قال تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ [البقرة/ ١٠٢] قيل: هما الملكان. وقال بعض المفسّرين: هما اسما شيطانين «٢» من الإنس أو الجنّ، وجعلهما نصبا بدلا من قوله تعالى: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ بدل البعض من الكلّ كقولك: القوم قالوا إنّ كذا زيد وعمرو. والْهَرْتُ: سعة الشِّدْق، يقال: فرس هَرِيتُ الشِّدْق، وأصله من: هَرِتَ ثوبه: إذا مزّقه، ويقال: الْهَرِيتُ: المرأة المفضاة. هرن هَارُونُ اسم أعجميّ، ولم يرد في شيء من كلام العرب. هزز الْهَزُّ: التّحريك الشّديد، يقال: هَزَزْتُ الرّمح فَاهْتَزَّ وهَزَزْتُ فلانا للعطاء. قال تعالى: وَهُزِّي

стр. 823

إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم/ ٢٥] ، فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ [النمل/ ١٠] ، واهْتَزَّ النّبات: إذا تحرّك لنضارته، قال تعالى: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج/ ٥] واهْتَزَّ الكوكب في انقضاضه، وسيف هَزْهَازٌ، وماء هُزَهِزٌ ورجل هُزَهِزٌ: خفيف. هزل قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق/ ١٣- ١٤] الْهَزْلُ: كلّ كلام لا تحصيل له، ولا ريع تشبيها بِالهُزَالِ. هزؤ الهُزْءُ: مزح في خفية، وقد يقال لما هو كالمزح، فممّا قصد به المزح قوله: اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً [المائدة/ ٥٨] ، وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً [الجاثية/ ٩] ، وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً [الفرقان/ ٤١] ، وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً [الأنبياء/ ٣٦] ، أَتَتَّخِذُنا هُزُواً [البقرة/ ٦٧] ، وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً [البقرة/ ٢٣١] ، فقد عظّم تبكيتهم، ونبّه على خبثهم من حيث إنه وصفهم بعد العلم بها، والوقوف على صحّتها بأنهم يَهْزَءُونَ بها، يقال: هَزِئْتُ به، واسْتَهْزَأْتُ، والاسْتِهْزَاءُ: ارتياد الْهُزُؤِ وإن كان قد يعبّر به عن تعاطي الهزؤ، كالاستجابة في كونها ارتيادا للإجابة، وإن كان قد يجري مجرى الإجابة. قال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ [التوبة/ ٦٥] ، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [هود/ ٨] ، ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الحجر/ ١١] ، إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها [النساء/ ١٤٠] ، وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام/ ١٠] والِاسْتِهْزَاءُ من الله في الحقيقة لا يصحّ، كما لا يصحّ من الله اللهو واللّعب، تعالى الله عنه. وقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة/ ١٥] أي: يجازيهم جزاء الهزؤ. ومعناه: أنه أمهلهم مدّة ثمّ أخذهم مغافصة «١» ، فسمّى إمهاله إيّاهم استهزاء من حيث إنهم اغترّوا به اغترارهم بالهزؤ، فيكون ذلك كالاستدراج من حيث لا يعلمون، أو لأنهم استهزءوا فعرف ذلك منهم، فصار كأنه يهزأ بهم كما قيل: من خدعك وفطنت له ولم تعرّفه فاحترزت منه فقد خدعته. وقد روي: [أنّ الْمُسْتَهْزِئِينَ في الدّنيا يفتح لهم باب من الجنّة فيسرعون نحوه فإذا انتهوا إليه سدّ عليهم فذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين/ ٣٤] «٢» وعلى هذه

стр. 824

الوجوه قوله : سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التوبة/ ٧٩] . هزم أصل الهَزْمِ: غمز الشيء اليابس حتى ينحطم، كَهَزْمِ الشّنّ، وهَزْمِ القثّاء والبطّيخ، ومنه: الهَزِيمَةُ لأنه كما يعبّر عنه بذلك يعبّر عنه بالحطم والكسر. قال تعالى: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة/ ٢٥١] ، جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ [ص/ ١١] وأصابته هَازِمَةُ الدّهر. أي: كاسرة كقولهم: فاقرة، وهَزَمَ الرّعد: تكسّر صوته، والْمِهْزَامُ: عود يجعل الصّبيان في رأسه نارا فيلعبون به، كأنّهم يَهْزِمُونَ به الصّبيان. ويقولون للرّجل الطّبع: هَزَمَ واهْتَزَمَ. هشش الْهَشُّ: يقارب الهزّ في التّحريك، ويقع على الشيء اللّيّن كَهَشِّ الورق، أي: خبطه بالعصا. قال تعالى: وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي [طه/ ١٨] وهَشَّ الرّغيف في التّنّور يَهِشُّ، وناقة هَشُوشٌ: ليّنة غزيرة اللّبن، وفرس هَشُوشٌ «١» : ضدّ الصّلود، والصّلود: الذي لا يكاد يعرق. ورجل هَشُّ الوجه: طلق المحيّا، وقد هَشَشْتُ، وهَشَّ للمعروف يَهِشُّ، وفلان ذو هَشَاشٍ. هشم الْهَشْمُ: كسر الشيء الرّخو كالنّبات. قال تعالى: فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ [الكهف/ ٤٥] ، فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [القمر/ ٣١] يقال: هَشَمَ عظمه، ومنه: هَشَمْتُ الخبز، قال الشاعر: ٤٦٨- عمرو العلا هَشَمَ الثّريد لقومه ... ورجال مكّة مسنتون عجاف «٢» والْهَاشِمَةُ: الشّجّة تَهْشِمُ عظم الرأس، واهْتَشَمَ كلّ ما في ضرع الناقة: إذا احتلبه ويقال: تَهَشَّمَ فلان على فلان: تعطّف. هضم الْهَضْمُ: شدخ ما فيه رخاوة، يقال: هَضَمْتُهُ فَانْهَضَمَ، وذلك كالقصبة الْمَهْضُومَةِ التي يزمّر بها، ومزمار مُهْضَمٌ. قال تعالى: وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ [الشعراء/ ١٤٨] أي: داخل بعضه في بعض كأنما شدخ، والْهَاضُومُ: ما يَهْضِمُ الطّعام وبطن هَضُومٌ، وكشح مِهْضَمٌ وامرأة هَضِيمَةٌ الكشحين، واستعير الْهَضْمُ للظّلم. قال تعالى: فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً [طه/ ١١٢] .

стр. 825

هطع هَطَعَ الرجل ببصره: إذا صوّبه، وبعير مُهْطِعٌ: إذا صوّب عنقه. قال تعالى: مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [إبراهيم/ ٤٣] ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [القمر/ ٨] . هلل الْهِلَالُ: القمر في أوّل ليلة والثّانية، ثم يقال له القمر، ولا يقال: له هِلَالٌ، وجمعه: أَهِلَّةٌ، قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ [البقرة/ ١٨٩] وقد كانوا سألوه عن علّة تَهَلُّلِهِ وتغيّره. وشبّه به في الهيئة السّنان الذي يصاد به وله شعبتان كرمي الهلال، وضرب من الحيّات، والماء المستدير القليل في أسفل الرّكيّ، وطرف الرّحا، فيقال لكلّ واحد منهما: هِلَالٌ، وأَهَلَّ الهلال: رؤي، واسْتَهَلَّ: طلب رؤيته. ثم قد يعبّر عن الْإِهْلَالِ بِالاسْتِهْلَالِ نحو: الإجابة والاستجابة، والإهْلالُ: رفع الصّوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لكلّ صوت، وبه شبّه إِهْلَالُ الصّبيّ، وقوله: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [البقرة/ ١٧٣] أي: ما ذكر عليه غير اسم الله، وهو ما كان يذبح لأجل الأصنام، وقيل: الْإِهْلَالُ والتَّهَلُّلُ: أن يقول لا إله إلّا الله، ومن هذه الجملة ركّبت هذه اللّفظة كقولهم: التّبسمل والبسملة «١» ، والتّحولق والحوقلة إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، ومنه الْإِهْلَالُ بالحجّ، وتَهَلَّلَ السّحاب ببرقه: تلألأ، ويشبّه في ذلك بالهلال، وثوب مُهَلَّلٌ: سخيف النّسج، ومنه شعر مُهَلْهَلٌ. هَلْ: حرف استخبار، إما على سبيل الاستفهام، وذلك لا يكون من الله : قال تعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا [الأنعام/ ١٤٨] وإمّا على التّقرير تنبيها، أو تبكيتا، أو نفيا. نحو: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [مريم/ ٩٨] . وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم/ ٦٥] ، فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك/ ٣] كلّ ذلك تنبيه على النّفي. وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ [البقرة/ ٢١٠] ، لْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [النحل/ ٣٣] ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ [الزخرف/ ٦٦] ، هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ/ ٣٣] ، هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الأنبياء/ ٣] قيل: ذلك تنبيه على قدرة الله، وتخويف من سطوته. هلك الْهَلَاكُ على ثلاثة «٢» أوجه:

стр. 826

افتقاد الشيء عنك، وهو عند غيرك موجود كقوله تعالى: هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ [الحاقة/ ٢٩] . - وهَلَاكِ الشيء باستحالة وفساد كقوله: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [البقرة/ ٢٠٥] ويقال: هَلَكَ الطعام. والثالث: الموت كقوله: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ [النساء/ ١٧٦] وقال تعالى مخبرا عن الكفّار: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية/ ٢٤] . ولم يذكر الله الموت بلفظ الهلاك حيث لم يقصد الذّمّ إلّا في هذا الموضع، وفي قوله: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا [غافر/ ٣٤] ، وذلك لفائدة يختصّ ذكرها بما بعد هذا الكتاب. والرابع: بطلان الشيء من العالم وعدمه رأسا، وذلك المسمّى فناء المشار إليه بقوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص/ ٨٨] ويقال للعذاب والخوف والفقر: الهَلَاكُ، وعلى هذا قوله: وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ [الأنعام/ ٢٦] ، وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [مريم/ ٧٤] ، وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها [الأعراف/ ٤] ، فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها [الحج/ ٤٥] ، أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف/ ١٧٣] ، أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الأعراف/ ١٥٥] . وقوله: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ [الأحقاف/ ٣٥] هو الهلاك الأكبر الذي دلّ النبيّ ﷺ بقوله: «لا شرّ كشرّ بعده النّار» «١» ، وقوله تعالى: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ [النمل/ ٤٩] . والْهُلْكُ بالضّمّ: الْإِهْلَاكُ، وَالتَّهْلُكَةُ: ما يؤدّي إلى الهلاك، قال تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة/ ١٩٥] وامرأة هَلُوكٌ: كأنها تَتَهَالَكُ في مشيها كما قال الشاعر: ٤٦٩- مريضات أو بات التّهادي كأنّما ... تخاف على أحشائها أن تقطّعا «٢» وكنّي بِالْهَلُوكِ عن الفاجرة لتمايلها، والهَالِكِيُّ: كان حدّادا من قبيلة هَالِكٍ، فسمّي كلّ حدّاد هالكيّا، والْهُلْكُ: الشيء الهالك. هلم هَلُمَّ دعاء إلى الشيء، وفيه قولان:

стр. 827

أحدهما: أنّ أصله هَا لُمَّ «١» . من: قولهم: لممت الشيء. أي: أصلحته، فحذف ألفها فقيل: هلمّ. وقيل أصله هل أمّ «٢» ، كأنه قيل: هل لك في كذا أمّه. أي: قصده، فركّبا. قال : وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا [الأحزاب/ ١٨] ، فمنهم من تركه على حالته في التّثنية والجمع، وبه ورد القرآن، ومنهم من قال: هَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلُمِّي، وهَلْمُمْنَ «٣» . همم الهَمُّ الحَزَنُ الذي يذيب الإنسان. يقال: هَمَمْتُ الشّحم فَانْهَمَّ، والهَمُّ: ما هممت به في نفسك، وهو الأصل، ولذا قال الشاعر: ٤٧٠- وهمّك ما لم تمضه لك منصب «٤» قال الله تعالى: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا [المائدة/ ١١] ، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها [يوسف/ ٢٤] ، إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ [آل عمران/ ١٢٢] ، لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ [النساء/ ١١٣] ، وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا [التوبة/ ٧٤] ، وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ [التوبة/ ١٣] ، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ [غافر/ ٥] وأَهَمَّنِي كذا. أي: حملني على أن أَهِمَّ به. قال الله تعالى: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ [آل عمران/ ١٥٤] ويقال: هذا رجل هَمُّكَ من رجل «٥» ، وهِمَّتُكَ من رجل، كما تقول: ناهيك من رجل. والْهَوَامُّ: حشرات الأرض، ورجل هِمٌّ، وامرأة هِمَّةٌ. أي: كبير، قد هَمَّهُ العمر. أي: أذابه. همد يقال: هَمَدَتِ النّارُ: طفئت، ومنه: أرض هَامِدَةٌ: لا نبات فيها، ونبات هَامِدٌ: يابس. قال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً [الحج/ ٥] والإِهْمَادُ: الإقامة بالمكان كأنّه صار ذا هَمَدٍ، وقيل: الإِهْمَادُ السّرعة، فإن يكن ذلك صحيحا فهو كالإشكاء في كونه تارة لإزالة الشكوى، وتارة لإثبات الشّكوى. همر الهَمْرُ: صبّ الدّمع والماء، يقال: هَمَرَهُ فَانْهَمَرَ. قال تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ [القمر/ ١١] وهَمَرَ ما في الضّرع: حلبه كلّه، وهَمَرَ الرجل في الكلام، وفلان يُهَامِرُ

стр. 828

الشيء أي: يجرفه، ومنه: هَمَرَ له من ماله: أعطاه، والهَمِيرَةُ: العجوز. همز الْهَمْزُ كالعصر. يقال: هَمَزْتُ الشيء في كفّي، ومنه: الْهَمْزُ في الحرف، وهَمْزُ الإنسان: اغتيابه. قال تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم/ ١١] يقال: رجل هَامِزٌ، وهَمَّازٌ، وهُمَزَةٌ. قال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة/ ١] وقال الشّاعر: ٤٧١- وإن اغتيب فأنت الْهَامِزُ اللُّمَزَهْ «١» وقال تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ [المؤمنون/ ٩٧] . همس الْهَمْسُ: الصوت الخفيّ، وهَمْسُ الأقدام: أخفى ما يكون من صوتها. قال تعالى: فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [طه/ ١٠٨] . هن ا هُنَا يقع إشارة إلى الزمان، والمكان القريب، والمكان أملك به، يقال: هُنَا، وهُنَاكَ، وهُنَالِكَ، كقولك: ذا، وذاك، وذلك. قال الله تعالى: جُنْدٌ ما هُنالِكَ [ص/ ١١] ، إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة/ ٢٤] ، هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [يونس/ ٣٠] ، هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ [الأحزاب/ ١١] ، هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف/ ٤٤] ، فَغُلِبُوا هُنالِكَ [الأعراف/ ١١٩] . هن هَنٌ: كناية عن الفرج وغيره مما يستقبح ذكره، وفي فلان هَنَاتٌ. أي: خصال سوء، وعلى هذا ما روي: «سيكون هَنَاتٌ» «٢» ، قال تعالى: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة/ ٢٤] . هنأ الْهَنِيءُ: كلّ ما لا يلحق فيه مشقّة، ولا يعقب وخامة. وأصله في الطّعام يقال: هَنِئَ الطّعامُ فهو هَنِيءٌ. قال : فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء/ ٤] ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ [الحاقة/ ٢٤] ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المرسلات/ ٤٣] ، والهِنَاءُ: ضرب من القطران، يقال: هَنَأْتُ الإبلَ، فهي مَهْنُوءَةٌ. هود الْهَوْدُ: الرّجوع برفق، ومنه: التَّهْوِيدُ، وهو

стр. 829

مشي كالدّبيب، وصار الْهَوْدُ في التّعارف التّوبة. قال تعالى: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف/ ١٥٦] أي: تبنا، قال بعضهم: يَهُودُ في الأصل من قولهم: هُدْنَا إليك، وكان اسم مدح، ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازما لهم وإن لم يكن فيه معنى المدح، كما أنّ النصارى في الأصل من قوله: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [الصف/ ١٤] ثم صار لازما لهم بعد نسخ شريعتهم. ويقال: هَادَ فلان: إذا تحرّى طريقة الْيَهُودِ في الدّين، قال الله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا [البقرة/ ٦٢] والاسم العلم قد يتصوّر منه معنى ما يتعاطاه المسمّى به. أي: المنسوب إليه، ثم يشتقّ منه. نحو: قولهم تفرعن فلان، وتطفّل: إذا فعل فعل فرعون في الجور، وفعل طفيل في إتيان الدّعوات من غير استدعاء، وتَهَوَّدَ في مشيه: إذا مشى مشيا رفيقا تشبيها باليهود في حركتهم عند القراءة، وكذا: هَوَّدَ الرّائض الدابّة: سيّرها برفق، وهُودٌ في الأصل جمع هَائِدٍ. أي: تائب وهو اسم نبيّ ﵇. هار يقال: هَارَ البناء، وتَهَوَّرَ: إذا سقط نحو: انْهَارَ. قال تعالى: عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ [التوبة/ ١٠٩] وقرئ: (هَائِرٌ) «١» . يقال: بئر هَائِرٌ، وهَارٌ، وهَارٍ، ومُهَارٌ، ويقال: انْهَارَ فلان: إذا سقط من مكان عال، ورجل هَارٍ وهَائِرٌ: ضعيف في أمره تشبيها بالبئر الهَائِرِ، وتَهَوَّرَ الليل: اشتدّ ظلامه، وتَهَوَّرَ الشّتاءُ: ذهب أكثره، وقيل: تَهَيَّرَ، وقيل: تَهَيَّرَهُ فهذا من الياء، ولو كان من الواو لقيل تهوّره. هيت هَيْتَ: قريب من هلمّ، وقرئ: هَيْتَ لَكَ «٢» : أي: تهيّأت لك، ويقال: هَيْتَ به وتَهَيَّتْ: إذا قالت: هَيْتَ لك. قال الله تعالى: وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف/ ٢٣] . يقال: هَاتِ، وهَاتِيَا، وهَاتُوا. قال تعالى: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ [البقرة/ ١١١] قال الفرّاء: ليس في كلامهم هاتيت، وإنما ذلك في ألسن الحيرة «٣» ، قال: ولا يقال لا تهات. وقال الخليل «٤» : المُهَاتَاةُ والهتاءُ مصدر هات. هيهات هَيْهَاتَ كلمة تستعمل لتبعيد الشيء، يقال: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، وهَيْهَاتاً، ومنه قوله :

стр. 830

هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ [المؤمنون/ ٣٦] قال الزجاج: البعد لما توعدون «١» ، وقال غيره: غلط الزجاج واستهواه اللام، فإن تقديره بعد الأمر والوعد لما توعدون. أي: لأجله، وفي ذلك لغات: هَيْهَاتَ وهَيْهَاتِ وهَيْهَاتاً وهَيْهَا، وقال الفسويّ «٢» : هَيْهَاتِ بالكسر، جمع هَيْهَاتَ بالفتح. هاج يقال: هَاجَ البقل يَهِيجُ: اصفرّ وطاب، قال : ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا [الزمر/ ٢١] وأَهْيَجَتِ الأرضُ: صار فيها كذلك، وهَاجَ الدّم والفحل هَيْجاً وهَيَاجاً، وهَيَّجَتِ الشّرّ والحرب، والْهَيْجَاءُ: الحرب وقد يقصر، وهَيَّجْتُ البعيرَ: أَثَرْتُهُ. هيم يقال: رجل هَيْمَانُ، وهَائِمٌ: شديد العطش، وهَامَ على وجهه: ذهب، وجمعه: هِيمٌ، قال تعالى: فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [الواقعة/ ٥٥] والْهُيَامُ: داء يأخذ الإبل من العطش، ويضرب به المثل فيمن اشتدّ به العشق، قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ [الشعراء/ ٢٢٥] أي: في كلّ نوع من الكلام يغلون في المدح والذّمّ، وسائر الأنواع المختلفات، ومنه: الْهَائِمُ على وجهه المخالف للقصد الذاهب على وجهه، وهَامَ: ذهب في الأرض، واشتدّ عشقه، وعطش، والْهِيمُ: الإبل العطاش، وكذلك الرّمال تبتلع الماء، والْهِيَامُ من الرمل: اليابس، كأنّ به عطشا. هان الْهَوَانُ على وجهين: أحدهما: تذلّل الإنسان في نفسه لما لا يلحق به غضاضة، فيمدح به نحو قوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان/ ٦٣] ونحو ما روي عن النبيّ ﷺ : «المؤمن هَيِّنٌ ليّن» «٣» . الثاني: أن يكون من جهة متسلّط مستخفّ به

стр. 831

فيذمّ به. وعلى الثاني قوله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ [الأنعام/ ٩٣] ، فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ [فصلت/ ١٧] ، وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ [البقرة/ ٩٠] ، وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ [آل عمران/ ١٧٨] ، فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ [الحج/ ٥٧] ، وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج/ ١٨] ويقال: هانَ الأمْرُ على فلان: سهل. قال الله تعالى: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ [مريم/ ٢١] ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم/ ٢٧] ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً [النور/ ١٥] والْهَاوُونَ: فاعول من الهون، ولا يقال هارون، لأنه ليس في كلامهم فاعل. هوى الْهَوَى: ميل النفس إلى الشهوة. ويقال ذلك للنّفس المائلة إلى الشّهوة، وقيل: سمّي بذلك لأنّه يَهْوِي بصاحبه في الدّنيا إلى كلّ داهية، وفي الآخرة إلى الهَاوِيَةِ، وَالْهُوِيُّ: سقوط من علو إلى سفل، وقوله : فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [القارعة/ ٩] قيل: هو مثل قولهم: هَوَتْ أمّه أي: ثكلت. وقيل: معناه مقرّه النار، والْهَاوِيَةُ: هي النار، وقيل: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [إبراهيم/ ٤٣] أي: خالية كقوله: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [القصص/ ١٠] وقد عظّم الله تعالى ذمّ اتّباع الهوى، فقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [الجاثية/ ٢٣] ، وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى [ص/ ٢٦] ، وَاتَّبَعَ هَواهُ [الأعراف/ ١٧٦] وقوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ [البقرة/ ١٢٠] فإنما قاله بلفظ الجمع تنبيها على أنّ لكلّ واحد هوى غير هوى الآخر، ثم هوى كلّ واحد لا يتناهى، فإذا اتّباع أهوائهم نهاية الضّلال والحيرة، وقال : وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية/ ١٨] ، كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ [الأنعام/ ٧١] أي: حملته على اتّباع الهوى. وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا [المائدة/ ٧٧] ، قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ [الأنعام/ ٥٦] ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [الشورى/ ١٥] ، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص/ ٥٠] والهُوِيُّ: ذهاب في انحدار، والْهَوِيُّ: ذهاب في ارتفاع، قال الشاعر: ٤٧٢- يَهْوِي محارمها هويّ الأجدل «١» والْهَوَاءُ: ما بين الأرض والسماء، وقد حمل

стр. 832

على ذلك قوله: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [إبراهيم/ ٤٣] إذ هي بمنزلة الهواء في الخلاء. ورأيتهم يت ها وون في المَهْوَاةِ أي: يتساقطون بعضهم في أثر بعض، وَأَهْواهُ، أي: رفعه في الهواء وأسقطه، قال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى [النجم/ ٥٣] . هيأ الْهَيْئَةُ: الحالة التي يكون عليها الشيء، محسوسة كانت أو معقولة، لكن في المحسوس أكثر. قال تعالى: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران/ ٤٩] ، وَالمُهايأَةُ: ما يَتَهَيَّأُ القوم له فيتراضون عليه على وجه التّخمين، قال تعالى: وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً [الكهف/ ١٠] ، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً [الكهف/ ١٦] وقيل: هَيَّاكَ أن تفعل كذا. بمعنى: إيّاك، قال الشاعر: ٤٧٣- هيّاك هيّاك وحنواء العنق «١» ها هَا للتنبيه في قولهم: هذا وهذه، وقد ركّب مع ذا وذه وأولاء حتى صار معها بمنزلة حرف منها، و (ها) في قوله تعالى: ها أَنْتُمْ [آل عمران/ ٦٦] استفهام، قال تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ [آل عمران/ ٦٦] ، ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ [آل عمران/ ١١٩] ، هؤُلاءِ جادَلْتُمْ [النساء/ ١٠٩] ، ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة/ ٨٥] ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [النساء/ ١٤٣] . و «هَا» كلمة «٢» في معنى الأخذ، وهو نقيض: هات. أي: أعط، يقال: هَاؤُمُ، وهَاؤُمَا، وهَاؤُمُوا، وفيه لغة أخرى: هَاءِ، وهَاءَا، وهَاءُوا، وهَائِي، وهَأْنَ، نحو: خَفْنَ وقيل: هَاكَ، ثمّ يثنّى الكاف ويجمع ويؤنّث قال تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة/ ١٩] وقيل: هذه أسماء الأفعال، يقال: هَاءَ يَهَاءُ نحو: خاف يخاف «٣» ، وقيل:

стр. 833

هَاءَى يُهَائِي، مثل: نادى ينادي، وقيل: إِهَاءُ نحو: إخالُ. هُوَ «١» : كناية عن اسم مذكّر، والأصل: الهاء، والواو زائدة صلة للضمير، وتقوية له، لأنها الهاء التي في: ضربته، ومنهم من يقول: هُوَّ مثقّل، ومن العرب من يخفّف ويسكّن، فيقال: هُو. تمّ كتاب الهاء

стр. 834

كتاب الواو وبل الوَبْلُ والْوَابِلُ: المطر الثّقيل القطار. قال تعالى: فَأَصابَهُ وابِلٌ [البقرة/ ٢٦٤] ، كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ [البقرة/ ٢٦٥] ولمراعاة الثّقل قيل للأمر الذي يخاف ضرره: وَبَالٌ. قال تعالى: فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ [التغابن/ ٥] ، ويقال طعام وَبِيلٌ، وكلأ وَبِيلٌ: يخاف وباله. قال تعالى: فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا [المزمل/ ١٦] . وبر الوَبَرُ معروف، وجمعه: أَوْبَارٌ. قال تعالى: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها [النحل/ ٨٠] وقيل: سكّان الوبر لمن بيوتهم من الوبر، وبنات أَوْبَرَ للكمء الصّغار التي عليها مثل الوبر، ووَبَّرَتِ الأرنبُ: غطّت بالوبر الذي على زمعاتها «١» أثرها، ووَبَّرَ الرّجل في منزله: أقام فيه تشبيها بالوبر الملقى، نحو: تلبّد بمكان كذا: ثبت فيه ثبوت اللّبد، ووبارِ قيل: أرض كانت لعاد. وبق وَبَقَ: إذا تثبّط فهلك، وَبَقاً ومَوْبِقاً. قال تعالى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً [الكهف/ ٥٢] وأَوْبَقَهُ كذا. قال تعالى: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا [الشورى/ ٣٤] . وتن الوَتِينُ: عرق يسقي الكبد، وإذا انقطع مات صاحبه. قال تعالى: ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة/ ٤٦] والْمَوْتُونُ: المقطوع الوتين، والْمُوَاتَنَةُ: أن يقرب منه قربا كقرب الوتين، وكأنه أشار إلى نحو ما دلّ عليه قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق/ ١٦] واسْتَوْتَنَ الإبلُ: إذا غلُظ وتينُها من السِّمن.

стр. 835

وتد الوَتِدُ والوَتَدُ، وقد وَتَدْتُهُ أَتِدُهُ وَتْداً. قال تعالى: وَالْجِبالَ أَوْتاداً [النبأ/ ٧] وكيفية كون الجبال أوتادا يختصّ بما بعد هذا الباب، وقد يسكّن التاء ويدغم في الدال فيصير ودّا، والوَتِدَان من الأذن تشبيها بالوتد للنّتوّ فيهما. وتر الوَتْرُ في العدد خلاف الشّفع، وقد تقدّم الكلام فيه في قوله: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر/ ٣] «١» وأَوْتَرَ في الصلاة. والوِتْرُ والوَتَرُ، والتِّرَةُ: الذّحل، وقد وَتَرْتُهُ: إذا أصبته بمكروه. قال تعالى: وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ [محمد/ ٣٥] . والتَّواتُرُ: تتابع الشيء وترا وفرادى، وجاءوا تَتْرَى قال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [المؤمنون/ ٤٤] ولا وتيرة في كذا، ولا غميزة، ولا غير، والوَتِيرَة: السّجيّة من التّواتر، وقيل للحلقة التي يتعلم عليها الرّمي: الوَتِيرَة، وكذلك للأرض المنقادة، والوَتِيرَة: الحاجز بين المنخرين. وثق وَثِقْتُ به أَثِقُ ثِقَةً: سكنت إليه واعتمدت عليه، وأَوْثَقْتُهُ: شددته، والوَثَاقُ والوِثَاقُ: اسمان لما يُوثَقُ به الشيء، والوُثْقَى: تأنيث الأَوْثَق. قال تعالى: وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ [الفجر/ ٢٦] ، حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ [محمد/ ٤] والمِيثاقُ: عقد مؤكّد بيمين وعهد، قال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران/ ٨١] ، وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ [الأحزاب/ ٧] ، وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [النساء/ ١٥٤] والمَوْثِقُ الاسم منه. قال: حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ إلى قوله: مَوْثِقَهُمْ [يوسف/ ٦٦] «٢» . والوُثْقَى قريبة من الموثق، قال: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [البقرة/ ٢٥٦] وقالوا رجل ثِقَةٌ، وقوم ثِقَةٌ، ويستعار للموثوق به، وناقة مُوثَقَة الخلق: محكمته. وثن الوَثَن: واحد الأوثان، وهو حجارة كانت تعبد. قال تعالى: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً [العنكبوت/ ٢٥] وقيل: أَوْثَنْتُ فلانا: أجزلت عطيّته، وأَوْثَنْتُ من كذا: أكثرت منه. وجب الوجوب: الثّبوت. والواجب يقال على أوجه:

стр. 836

الأوّل: في مقابلة الممكن، وهو الحاصل الذي إذا قدّر كونه مرتفعا حصل منه محال. نحو: وجود الواحد مع وجود الاثنين، فإنه محال أن يرتفع الواحد مع حصول الاثنين. الثاني: يقال في الذي إذا لم يفعل يستحقّ به اللّوم، وذلك ضربان: واجب من جهة العقل، كوجوب معرفة الوحدانيّة، ومعرفة النّبوّة. وواجب من جهة الشّرع كوجوب العبادات الموظّفة. ووَجَبَتِ الشمس: إذا غابت، كقولهم: سقطت ووقعت، ومنه قوله تعالى: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها [الحج/ ٣٦] ووَجَبَ القلب وَجِيباً. كلّ ذلك اعتبار بتصوّر الوقوع فيه، ويقال في كلّه: أَوْجَب. وعبّر بالمُوجِبَات عن الكبائر التي أوجب الله عليها النار. وقال بعضهم: الواجب يقال على وجهين: أحدهما: أن يراد به اللازم الوجوب، فإنه لا يصحّ أن لا يكون موجودا، كقولنا في الله ﷻ : واجب وجوده. والثاني: الواجب بمعنى أنّ حقّه أن ي وجد . وقول الفقهاء: الواجب: ما إذا لم يفعله يستحقّ العقاب «١» ، وذلك وصف له بشيء عارض له لا بصفة لازمة له، ويجري مجرى من يقول: الإنسان الذي إذا مشى مشى برجلين منتصب القامة. وجد الوجود أضرب: وجود بإحدى الحواسّ الخمس. نحو: وَجَدْتُ زيدا، ووَجَدْتُ طعمه. ووجدت صوته، ووجدت خشونته. ووجود بقوّة الشّهوة نحو: وَجَدْتُ الشّبع. ووجود بقوّة الغضب كوجود الحزن والسّخط. ووجود بالعقل، أو بواسطة العقل كمعرفة الله تعالى، ومعرفة النّبوّة، وما ينسب إلى الله تعالى من الوجود فبمعنى العلم المجرّد، إذ كان الله منزّها عن الوصف بالجوارح والآلات. نحو: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ [الأعراف/ ١٠٢] . وكذلك المعدوم يقال على هذه الأوجه. فأمّا وجود الله تعالى للأشياء فبوجه أعلى من كلّ هذا. ويعبّر عن التّمكّن من الشيء بالوجود. نحو: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة/ ٥] ، أي: حيث رأيتموهم، وقوله تعالى: فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ [القصص/ ١٥] أي: تمكّن منهما، وكانا يقتتلان، وقوله: وَجَدْتُ امْرَأَةً إلى قوله: يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ [النمل/ ٢٣-

стр. 837

٢٤] «١» فوجود بالبصر والبصيرة، فقد كان منه مشاهدة بالبصر، واعتبار لحالها بالبصيرة، ولولا ذلك لم يكن له أن يحكم بقوله: وَجَدْتُها وَقَوْمَها الآية، وقوله: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً [النساء/ ٤٣] ، فمعناه: فلم تقدروا على الماء، وقوله: مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق/ ٦] ، أي: تمكّنكم وقدر غناكم وقد يعبّر عن الغنى بالوجدان والجدة، وقد حكي فيه الوَجْد والوِجْد والوُجْد «٢» ، ويعبّر عن الحزن والحبّ بالوَجْد، وعن الغضب بالمَوْجِدَة، وعن الضالّة بالوُجُود. وقال بعضهم: الموجودات ثلاثة أضرب: موجود لا مبدأ له ولا منتهى، وليس ذلك إلا الباري تعالى، وموجود له مبدأ ومنتهى كالنّاس في النّشأة الأولى، وكالجواهر الدّنيويّة، وموجود له مبدأ، وليس له منتهى، كالنّاس في النّشأة الآخرة. وجس الوَجْس: الصّوت الخفيّ، والتَّوَجُّس: التّسمّع، والإيجاس: وجود ذلك في النّفس. قال تعالى: فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [الذاريات/ ٢٨] فالوَجْس قالوا: هو حالة تحصل من النّفس بعد الهاجس، لأنّ الهاجس مبتدأ التّفكير «٣» ، ثم يكون الواجس الخاطر. وجل الوَجَل: استشعار الخوف. يقال: وَجِلَ يَوْجَلُ وَجَلًا، فهو وَجِلٌ. قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال/ ٢] ، إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قالُوا لا تَوْجَلْ [الحجر/ ٥٢- ٥٣] ، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون/ ٦٠] . وجه أصل الوجه الجارحة. قال تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ [المائدة/ ٦] ، وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم/ ٥٠] ولمّا كان الوجه أوّل ما يستقبلك، وأشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كلّ شيء، وفي أشرفه ومبدئه، فقيل: وجه كذا، ووجه النهار. وربّما

стр. 838

عبّر عن الذّات بالوجه في قول الله: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن/ ٢٧] قيل: ذاته. وقيل: أراد بالوجه هاهنا التّوجّه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، وقال: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة/ ١١٥] ، كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص/ ٨٨] ، يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [الروم/ ٣٨] ، إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [الإنسان/ ٩] قيل: إنّ الوجه في كلّ هذا زائد، ويعنى بذلك: كلّ شيء هالك إلّا هو، وكذا في أخواته. وروي أنه قيل ذلك لأبي عبد الله بن الرّضا «١» ، فقال: سبحان الله! لقد قالوا قولا عظيما، إنما عني الوجه الذي يؤتى منه «٢» ، ومعناه: كلّ شيء من أعمال العباد هالك وباطل إلا ما أريد به الله، وعلى هذا الآيات الأخر، وعلى هذا قوله: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف/ ٢٨] ، تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [الروم/ ٣٩] ، وقوله: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف/ ٢٩] فقد قيل: أراد به الجارحة، واستعارها كقولك: فعلت كذا بيدي، وقيل: أراد بالإقامة تحرّي الاستقامة، وبالوجه التّوجّه «٣» ، والمعنى: أخلصوا العبادة لله في الصلاة. وعلى هذا النحو قوله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [آل عمران/ ٢٠] ، وقوله: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [لقمان/ ٢٢] ، وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [النساء/ ١٢٥] ، وقوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً [الروم/ ٣٠] فالوجه في كلّ هذا كما تقدّم، أو على الاستعارة للمذهب والطريق. وفلان وجه القوم، كقولهم: عينهم ورأسهم ونحو ذلك. وقال: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى [الأعلى/ ١٩- ٢٠] ، وقوله: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ [آل عمران/ ٧٢] أي: صدر النهار. ويقال: واجهت فلانا: جعلت وجهي تلقاء وجهه، ويقال للقصد: وجْهٌ، وللمقصد جهة ووِجْهَةٌ، وهي حيثما نتوجّه للشيء، قال: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [البقرة/ ١٤٨] إشارة إلى الشّريعة، كقوله: شِرْعَةً [المائدة/ ٤٨] وقال بعضهم: الجاه مقلوب عن الوجه لكن الوجه يقال في العضو والحظوة، والجاه لا يقال إلّا في الحظوة. ووجّهت الشيء: أرسلته في جهة واحدة فتوجّه، وفلان وجِيهٌ: ذو جاه. قال تعالى: وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [آل عمران/ ٤٥]

стр. 839

وأحمق ما يتوجّه به: كناية عن الجهل بالتّفرّط، وأحمق ما يتوجّه «١» ، بفتح الياء وحذف به عنه، أي: لا يستقيم في أمر من الأمور لحمقه، والتّوجيه في الشّعر: الحرف الذي بين ألف التأسيس وحرف الرّويّ «٢» . وجف الوجيف: سرعة السّير، وأوجفت البعير: أسرعته. قال تعالى: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ [الحشر/ ٦] وقيل: أدلّ فأمّل، وأوجف فأعجف، أي: حمل الفرس على الإسراع فهزله بذلك، قال تعالى: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ [النازعات/ ٨] أي: مضطربة كقولك: طائرة وخافقة، ونحو ذلك من الاستعارات لها. وحد الوحدة: الانفراد، والواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتّة، ثمّ يطلق على كلّ موجود حتى إنه ما من عدد إلّا ويصحّ أن يوصف به، فيقال: عشرة واحدة، ومائة واحدة، وألف واحد، فالواحد لفظ مشترك يستعمل على ستّة أوجه: الأوّل ما كان واحدا في الجنس، أو في النّوع كقولنا: الإنسان والفرس واحد في الجنس، وزيد وعمرو واحد في النّوع. الثاني: ما كان واحدا بالاتّصال، إمّا من حيث الخلقة كقولك: شخص واحد، وإمّا من حيث الصّناعة، كقولك: حرفة واحدة. الثالث: ما كان واحدا لعدم نظيره، إمّا في الخلقة كقولك: الشّمس واحدة، وإمّا في دعوى الفضيلة كقولك: فلان واحد دهره، وكقولك: نسيج وحده. الرابع: ما كان واحدا لامتناع التّجزّي فيه، إمّا لصغره كالهباء، وإمّا لصلابته كالألماس. الخامس: للمبدإ، إمّا لمبدإ العدد كقولك: واحد اثنان، وإمّا لمبدإ الخطّ كقولك: النّقطة الواحدة. والوحدة في كلّها عارضة، وإذا وصف الله تعالى بالواحد فمعناه: هو الذي لا يصحّ عليه التّجزّي ولا التكثّر «٣» ، ولصعوبة هذه الوحدة قال تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الزمر/ ٤٥] ،

стр. 840

والوحد المفرد، ويوصف به غير الله تعالى، كقول الشاعر: ٤٥٦- على مستأنس وحد «١» وأحد مطلقا لا يوصف به غير الله تعالى، وقد تقدّم فيما مضى «٢» ، ويقال: فلان لا واحد له، كقولك: هو نسيج وحده، وفي الذّمّ يقال: هو عيير وحده، وجحيش وحده، وإذا أريد ذمّ أقلّ من ذلك قيل: رجيل وحده. وحش الوحش: خلاف الإنس، وتسمّى الحيوانات التي لا أنس لها بالإنس وحشا، وجمعه: وُحُوش. قال تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير/ ٥] ، والمكان الذي لا أنس فيه: وَحْش، يقال: لقيته بوحش إصمت «٣» . أي: ببلد قفر، وبات فلان وحشا: إذا لم يكن في جوفه طعام، وجمعه أوحاش، وأرض مُوحِشَة: من الوحش، ويسمّى المنسوب إلى المكان الوَحِش وحشيّا، وعبّر بالوحشيّ عن الجانب الذي يضادّ الإنسيّ، والإنسيّ هو ما يقبل منهما على الإنسان، وعلى هذا وحشيّ القوس وإنسيّه. وحى أصل الوحي: الإشارة السّريعة، ولتضمّن السّرعة قيل: أمر وَحْيٌ، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرّمز والتّعريض، وقد يكون بصوت مجرّد عن التّركيب، وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكتابة، وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريّا: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم/ ١١] فقد قيل: رمز. وقيل: أشار، وقيل: كتب، وعلى هذه الوجوه قوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام/ ١١٢] ، وقوله: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [الأنعام/ ١٢١] فذلك بالوسواس المشار إليه بقوله: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ [الناس/ ٤] ، وبقوله ﵊: «وإنّ للشّيطان لمّة» «٤» . ويقال للكلمة الإلهيّة التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه: وحي، وذلك أضرب حسبما دلّ

стр. 841

عليه قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً إلى قوله بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [الشورى/ ٥١] «١» وذلك إمّا برسول مشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه، كتبليغ جبريل ﵇ للنّبيّ في صورة معيّنة، وإمّا بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى كلام الله، وإمّا بإلقاء في الرّوع كما ذكر ﵊: «إنّ روح القدس نفث في روعي» «٢» ، وإمّا بإلهام نحو: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص/ ٧] ، وإمّا بتسخير نحو قوله: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل/ ٦٨] أو بمنام كما قال ﵊: «انقطع الوحي وبقيت المبشّرات رؤيا المؤمن» «٣» فالإلهام والتّسخير والمنام دلّ عليه قوله: إِلَّا وَحْياً [الشورى/ ٥١] وسماع الكلام معاينة دلّ عليه قوله: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى/ ٥١] ، وتبليغ جبريل في صورة معيّنة دلّ عليه قوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ [الشورى/ ٥١] ، وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام/ ٩٣] فذلك لمن يدّعي شيئا من أنواع ما ذكرناه من الوحي أيّ نوع ادّعاه من غير أن حصل له، وقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ الآية [الأنبياء/ ٢٥] . فهذا الوحي هو عامّ في جميع أنواعه، وذلك أنّ معرفة وحدانيّة الله تعالى، ومعرفة وجوب عبادته ليست مقصورة على الوحي المختصّ بأولي العزم من الرّسل، بل يعرف ذلك بالعقل والإلهام كما يعرف بالسّمع. فإذا القصد من الآية تنبيه أنه من المحال أن يكون رسول لا يعرف وحدانيّة الله ووجوب عبادته، وقوله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ [المائدة/ ١١١] فذلك وحي بوساطة عيسى ﵇، وقوله: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ [الأنبياء/ ٧٣] فذلك وحي إلى الأمم بوساطة الأنبياء. ومن الوحي المختصّ بالنّبيّ ﵊: اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [يونس/ ١٠٩] ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [يونس/ ١٥] ، قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [الكهف/ ١١٠] . وقوله: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ [يونس/ ٨٧] فوحيه إلى موسى بوساطة جبريل، ووحيه تعالى إلى هرون بوساطة جبريل وموسى، وقوله: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ

стр. 842

[الأنفال/ ١٢] فذلك وحي إليهم بوساطة اللّوح والقلم فيما قيل، وقوله: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [فصلت/ ١٢] فإن كان الوحي إلى أهل السماء فقط فالموحى إليهم محذوف ذكره، كأنه قال: أوحى إلى الملائكة، لأنّ أهل السّماء هم الملائكة، ويكون كقوله: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ [الأنفال/ ١٢] وإن كان الموحى إليه هي السموات فذلك تسخير عند من يجعل السماء غير حيّ، ونطق عند من جعله حيّا، وقوله: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة/ ٥] ، فقريب من الأوّل وقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه/ ١١٤] فحثّ على التّثبّت في السّماع، وعلى ترك الاستعجال في تلقّيه وتلقّنه. ودد الودّ: محبّة الشيء، وتمنّي كونه، ويستعمل في كلّ واحد من المعنيين على أن التّمنّي يتضمّن معنى الودّ، لأنّ التّمنّي هو تشهّي حصول ما تَوَدُّهُ، وقوله تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم/ ٢١] ، وقوله: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا [مريم/ ٩٦] ، فإشارة إلى ما أوقع بينهم من الألفة المذكورة في قوله: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ الآية [الأنفال/ ٦٣] . وفي المودّة التي تقتضي المحبّة المجرّدة في قوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى/ ٢٣] ، وقوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج/ ١٤] ، إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود/ ٩٠] ، فالودود يتضمّن ما دخل في قوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة/ ٥٤] وتقدّم معنى محبّة الله لعباده ومحبّة العباد له «١» ، قال بعضهم: مودّة الله لعباده هي مراعاته لهم. روي: (أنّ الله تعالى قال لموسى: أنا لا أغفل عن الصّغير لصغره ولا عن الكبير لكبره، وأنا الودود الشّكور) «٢» . فيصح أن يكون معنى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا [مريم/ ٩٦] معنى قوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة/ ٥٤] . ومن المودّة الّتي تقتضي معنى التّمنّي: وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ [آل عمران/ ٦٩] وقال: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر/ ٢] ، وقال: وَدُّوا ما عَنِتُّمْ [آل عمران/ ١١٨] ، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [البقرة/ ١٠٩] ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال/ ٧] ، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا [النساء/ ٨٩] ، يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ [المعارج/ ١١] ،

стр. 843

وقوله: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة/ ٢٢] فنهي عن موالاة الكفّار وعن مظاهرتهم، كقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ إلى قوله: بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة/ ١] «١» أي: بأسباب المحبّة من النّصيحة ونحوها، كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ [النساء/ ٧٣] وفلان وديد فلان: موادّه، والودّ: صنم سمّي بذلك، إمّا لمودّتهم له، أو لاعتقادهم أنّ بينه وبين الباري مودّة تعالى الله عن القبائح. والودّ: الوتد، وأصله يصحّ أن يكون وتد فأدغم، وأن يكون لتعلّق ما يشدّ به، أو لثبوته في مكانه فتصوّر منه معنى المودّة والملازمة. ودع الدّعة: الخفض. يقال: ودعت كذا أدعه وَدْعاً. نحو: تركته، وادعا وقال بعض العلماء: لا يستعمل ماضيه واسم فاعله وإنما يقال: يَدَعُ ودَعْ «٢» ، وقد قرئ: (ما وَدَعَكَ ربّك) [الضحى/ ٣] «٣» ، وقال الشاعر: ٤٥٧- ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحبّ حتى ودعه «٤» والتودّع: ترك النّفس عن المجاهدة، وفلان متّدع ومتودّع، وفي دعة: إذا كان في خفض عيش، وأصله من التّرك. أي: بحيث ترك السّعي لطلب معاشه لعناء، والتّوديع أصله من الدّعة، وهو أن تدعو للمسافر بأن يتحمّل الله عنه كآبة السّفر، وأن يبلّغه الدّعة، كما أنّ التّسليم دعاء له بالسّلامة فصار ذلك متعارفا في تشييع المسافر وتركه، وعبّر عن التّرك به في قوله: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ [الضحى/ ٣] ، كقولك: ودّعت فلانا نحو: خلّيته، ويكنّى بالمودع عن الميّت، ومنه قيل: استودعتك غير مودع، ومنه قول الشاعر: ٤٥٨- ودّعت نفسي ساعة التّوديع «٥» ودق الوَدَق قيل: ما يكون من خلال المطر كأنه غبار، وقد يعبّر به عن المطر. قال تعالى: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [النور/ ٤٣] ويقال لما يبدو في الهواء عند شدّة الحرّ وَدِيقَة،

стр. 844

وقيل: وَدَقَتِ الدّابّةُ واسْتَوْدَقَتْ، وأتانٌ وَدِيقٌ ووَدُوقٌ: إذا أَظْهَرَتْ رطوبةً عند إرادة الفحل، والْمَوْدِقُ: المكان الذي يَحْصُلُ فيه الْوَدَقُ، وقول الشاعر: ٤٥٩- تعفّي بذيل المرط إذ جئت مَوْدِقِي «١» تعفّي أي: تزيل الأثر، والمرط: لباس النّساء فاستعارة، وتشبيه لأثر موطئ القدم بأثر موطئ المطر. وادي قال تعالى: إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ [طه/ ١٢] أصل الوَادِي: الموضع الذي يسيل فيه الماء، ومنه سُمِّيَ المَفْرَجُ بين الجبلين وَادِياً، وجمعه: أَوْدِيَةٌ، نحو: ناد وأندية، وناج وأنجية، ويستعار الوَادِي للطّريقة كالمذهب والأسلوب، فيقال: فلان في وَادٍ غير وَادِيكَ. قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ [الشعراء/ ٢٢٥] فإنه يعني أساليب الكلام من المدح والهجاء، والجدل والغزل «٢» ، وغير ذلك من الأنواع. قال الشاعر: ٤٦٠- إذا ما قطعنا وَادِياً من حديثنا ... إلى غيره زدنا الأحاديث وادياً «٣» وقال ﵊: «لو كان لابن آدم وَادِيَانِ من ذهب لابتغى إليهما ثالثا» «٤» ، وقال تعالى: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [الرعد/ ١٧] أي: بقَدْرِ مياهها. ويقال: وَدِيَ يَدِي، وكنّي بِالْوَدْي عن ماء الفحل عند الملاعبة، وبعد البول فيقال فيه: أَوْدَى نحو: أَمْذَى، وأَمْنَى. ويقال: وَدَى وأَوْدَى، ومَنَى وأَمْنَى، والوَدِيُّ: صغار الفسيل اعتبارا بسيلانه في الطّول، وأَوْدَاهُ: أهلكه كأنه أسال دمه، ووَدَيْتُ القتيلَ: أعطيت دِيَتَهُ، ويقال لما يعطى في الدّم: دِيَةٌ. قال تعالى: فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ [النساء/ ٩٢] . وذر [يقال: فلان يَذَرُ الشيءَ. أي: يقذفه لقلّة اعتداده به] ، ولم يستعمل ماضيه. قال تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا [الأعراف/ ٧٠] ، وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ

стр. 845

[الأعراف/ ١٢٧] ، فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ [الأنعام/ ١١٢] ، وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا [البقرة/ ٢٧٨] إلى أمثاله وتخصيصه في قوله: وَيَذَرُونَ أَزْواجاً [البقرة/ ٢٣٤] ، ولم يقل: يتركون ويخلّفون، فإنه يذكر فيما بعد هذا الكتاب إن شاء الله. [والوَذَرَةُ: قطعة من اللّحم، وتسميتها بذلك لقلة الاعتداد بها نحو قولهم فيما لا يعتدّ به: هو لحم على وضم] «١» . ورث الوِرَاثَةُ والإِرْثُ: انتقال قنية إليك عن غيرك من غير عقد، ولا ما يجري مجرى العقد، وسمّي بذلك المنتقل عن الميّت فيقال للقنيةِ المَوْرُوثَةِ: مِيرَاثٌ وإِرْثٌ. وتُرَاثٌ أصله وُرَاثٌ، فقلبت الواو ألفا وتاء، قال تعالى: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ [الفجر/ ١٩] وقال ﵊: «اثبتوا على مشاعركم فإنّكم على إِرْثِ أبيكم» «٢» أي: أصله وبقيّته، قال الشاعر: ٤٦١- فينظر في صحف كالرّيا ... ط فيهنّ إِرْثٌ كتاب محيّ «٣» ويقال: وَرِثْتُ مالًا عن زيد، ووَرِثْتُ زيداً: قال تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [النمل/ ١٦] ، وَوَرِثَهُ أَبَواهُ [النساء/ ١١] ، وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ [البقرة/ ٢٣٣] ويقال: أَوْرَثَنِي الميّتُ كذا، وقال: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [النساء/ ١٢] وأَوْرَثَنِي اللهُ كذا، قال: وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء/ ٥٩] ، وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ [الدخان/ ٢٨] ، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ [الأحزاب/ ٢٧] ، وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الآية [الأعراف/ ١٣٧] ، وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء/ ١٩] ويقال لكلّ من حصل له شيء من غير تعب: قد وَرِثَ كذا، ويقال لمن خُوِّلَ شيئا مهنّئا: أُورِثَ، قال تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها [الزخرف/ ٧٢] ، أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ [المؤمنون/ ١٠- ١١] وقوله: وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم/ ٦] فإنه يعني وِرَاثَةَ النّبوّةِ والعلمِ، والفضيلةِ دون المال، فالمال لا قدر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه، بل قلّما يقتنون المال ويملكونه، ألا ترى أنه قال عليه الصلاة
следующие страницы →