عليه قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً
إلى قوله بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [الشورى/ ٥١] «١» وذلك إمّا برسول مشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه، كتبليغ جبريل ﵇ للنّبيّ في صورة معيّنة، وإمّا بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى كلام الله، وإمّا بإلقاء في الرّوع كما ذكر ﵊: «إنّ روح القدس نفث في روعي» «٢» ، وإمّا بإلهام نحو: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ
[القصص/ ٧] ، وإمّا بتسخير نحو قوله:
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
[النحل/ ٦٨] أو بمنام كما قال ﵊: «انقطع الوحي وبقيت المبشّرات رؤيا المؤمن» «٣» فالإلهام والتّسخير والمنام دلّ عليه قوله: إِلَّا وَحْياً [الشورى/ ٥١] وسماع الكلام معاينة دلّ عليه قوله: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى/ ٥١] ، وتبليغ جبريل في صورة معيّنة دلّ عليه قوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ [الشورى/ ٥١] ، وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام/ ٩٣] فذلك لمن يدّعي شيئا من أنواع ما ذكرناه من الوحي أيّ نوع ادّعاه من غير أن حصل له، وقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ
الآية [الأنبياء/ ٢٥] . فهذا الوحي هو عامّ في جميع أنواعه، وذلك أنّ معرفة وحدانيّة الله تعالى، ومعرفة وجوب عبادته ليست مقصورة على الوحي المختصّ بأولي العزم من الرّسل، بل يعرف ذلك بالعقل والإلهام كما يعرف بالسّمع. فإذا القصد من الآية تنبيه أنه من المحال أن يكون رسول لا يعرف وحدانيّة الله ووجوب عبادته، وقوله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ [المائدة/ ١١١] فذلك وحي بوساطة عيسى ﵇، وقوله: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ [الأنبياء/ ٧٣] فذلك وحي إلى الأمم بوساطة الأنبياء. ومن الوحي المختصّ بالنّبيّ ﵊: اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [يونس/ ١٠٩] ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [يونس/ ١٥] ، قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [الكهف/ ١١٠] .
وقوله: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ [يونس/ ٨٧] فوحيه إلى موسى بوساطة جبريل، ووحيه تعالى إلى هرون بوساطة جبريل وموسى، وقوله:
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ
стр. 842
[الأنفال/ ١٢] فذلك وحي إليهم بوساطة اللّوح والقلم فيما قيل، وقوله: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [فصلت/ ١٢] فإن كان الوحي إلى أهل السماء فقط فالموحى إليهم محذوف ذكره، كأنه قال: أوحى إلى الملائكة، لأنّ أهل السّماء هم الملائكة، ويكون كقوله: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ [الأنفال/ ١٢] وإن كان الموحى إليه هي السموات فذلك تسخير عند من يجعل السماء غير حيّ، ونطق عند من جعله حيّا، وقوله: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة/ ٥] ، فقريب من الأوّل وقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه/ ١١٤] فحثّ على التّثبّت في السّماع، وعلى ترك الاستعجال في تلقّيه وتلقّنه.
ودد
الودّ: محبّة الشيء، وتمنّي كونه، ويستعمل في كلّ واحد من المعنيين على أن التّمنّي يتضمّن معنى الودّ، لأنّ التّمنّي هو تشهّي حصول ما تَوَدُّهُ، وقوله تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
[الروم/ ٢١] ، وقوله: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
[مريم/ ٩٦] ، فإشارة إلى ما أوقع بينهم من الألفة المذكورة في قوله: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ الآية [الأنفال/ ٦٣] . وفي المودّة التي تقتضي المحبّة المجرّدة في قوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى/ ٢٣] ، وقوله:
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ
[البروج/ ١٤] ، إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود/ ٩٠] ، فالودود يتضمّن ما دخل في قوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة/ ٥٤] وتقدّم معنى محبّة الله لعباده ومحبّة العباد له «١» ، قال بعضهم: مودّة الله لعباده هي مراعاته لهم. روي: (أنّ الله تعالى قال لموسى: أنا لا أغفل عن الصّغير لصغره ولا عن الكبير لكبره، وأنا الودود الشّكور) «٢» .
فيصح أن يكون معنى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
[مريم/ ٩٦] معنى قوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة/ ٥٤] .
ومن المودّة الّتي تقتضي معنى التّمنّي: وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ
[آل عمران/ ٦٩] وقال: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ
[الحجر/ ٢] ، وقال: وَدُّوا ما عَنِتُّمْ
[آل عمران/ ١١٨] ، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [البقرة/ ١٠٩] ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
[الأنفال/ ٧] ، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا [النساء/ ٨٩] ، يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ
[المعارج/ ١١] ،
стр. 843
وقوله: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[المجادلة/ ٢٢] فنهي عن موالاة الكفّار وعن مظاهرتهم، كقوله:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ إلى قوله: بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة/ ١] «١» أي:
بأسباب المحبّة من النّصيحة ونحوها، كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ [النساء/ ٧٣] وفلان وديد فلان: موادّه، والودّ: صنم سمّي بذلك، إمّا لمودّتهم له، أو لاعتقادهم أنّ بينه وبين الباري مودّة تعالى الله عن القبائح. والودّ: الوتد، وأصله يصحّ أن يكون وتد فأدغم، وأن يكون لتعلّق ما يشدّ به، أو لثبوته في مكانه فتصوّر منه معنى المودّة والملازمة.
ودع
الدّعة: الخفض. يقال: ودعت كذا أدعه وَدْعاً. نحو: تركته، وادعا وقال بعض العلماء:
لا يستعمل ماضيه واسم فاعله وإنما يقال: يَدَعُ ودَعْ «٢» ، وقد قرئ: (ما وَدَعَكَ ربّك) [الضحى/ ٣] «٣» ، وقال الشاعر:
٤٥٧-
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحبّ حتى ودعه
«٤» والتودّع: ترك النّفس عن المجاهدة، وفلان متّدع ومتودّع، وفي دعة: إذا كان في خفض عيش، وأصله من التّرك. أي: بحيث ترك السّعي لطلب معاشه لعناء، والتّوديع أصله من الدّعة، وهو أن تدعو للمسافر بأن يتحمّل الله عنه كآبة السّفر، وأن يبلّغه الدّعة، كما أنّ التّسليم دعاء له بالسّلامة فصار ذلك متعارفا في تشييع المسافر وتركه، وعبّر عن التّرك به في قوله: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ
[الضحى/ ٣] ، كقولك: ودّعت فلانا نحو: خلّيته، ويكنّى بالمودع عن الميّت، ومنه قيل: استودعتك غير مودع، ومنه قول الشاعر:
٤٥٨-
ودّعت نفسي ساعة التّوديع
«٥»
ودق
الوَدَق قيل: ما يكون من خلال المطر كأنه غبار، وقد يعبّر به عن المطر. قال تعالى:
فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
[النور/ ٤٣] ويقال لما يبدو في الهواء عند شدّة الحرّ وَدِيقَة،
стр. 844
وقيل: وَدَقَتِ الدّابّةُ واسْتَوْدَقَتْ، وأتانٌ وَدِيقٌ ووَدُوقٌ: إذا أَظْهَرَتْ رطوبةً عند إرادة الفحل، والْمَوْدِقُ: المكان الذي يَحْصُلُ فيه الْوَدَقُ، وقول الشاعر:
٤٥٩-
تعفّي بذيل المرط إذ جئت مَوْدِقِي
«١» تعفّي أي: تزيل الأثر، والمرط: لباس النّساء فاستعارة، وتشبيه لأثر موطئ القدم بأثر موطئ المطر.
وادي
قال تعالى: إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ
[طه/ ١٢] أصل الوَادِي: الموضع الذي يسيل فيه الماء، ومنه سُمِّيَ المَفْرَجُ بين الجبلين وَادِياً، وجمعه: أَوْدِيَةٌ، نحو: ناد وأندية، وناج وأنجية، ويستعار الوَادِي للطّريقة كالمذهب والأسلوب، فيقال: فلان في وَادٍ غير وَادِيكَ. قال تعالى:
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ [الشعراء/ ٢٢٥] فإنه يعني أساليب الكلام من المدح والهجاء، والجدل والغزل «٢» ، وغير ذلك من الأنواع. قال الشاعر: ٤٦٠-
إذا ما قطعنا وَادِياً من حديثنا ... إلى غيره زدنا الأحاديث وادياً
«٣» وقال ﵊: «لو كان لابن آدم وَادِيَانِ من ذهب لابتغى إليهما ثالثا» «٤» ، وقال تعالى: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
[الرعد/ ١٧] أي: بقَدْرِ مياهها. ويقال: وَدِيَ يَدِي، وكنّي بِالْوَدْي عن ماء الفحل عند الملاعبة، وبعد البول فيقال فيه: أَوْدَى نحو: أَمْذَى، وأَمْنَى. ويقال:
وَدَى وأَوْدَى، ومَنَى وأَمْنَى، والوَدِيُّ: صغار الفسيل اعتبارا بسيلانه في الطّول، وأَوْدَاهُ:
أهلكه كأنه أسال دمه، ووَدَيْتُ القتيلَ: أعطيت دِيَتَهُ، ويقال لما يعطى في الدّم: دِيَةٌ. قال تعالى: فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ
[النساء/ ٩٢] .
وذر
[يقال: فلان يَذَرُ الشيءَ. أي: يقذفه لقلّة اعتداده به] ، ولم يستعمل ماضيه. قال تعالى:
قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا
[الأعراف/ ٧٠] ، وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
стр. 845
[الأعراف/ ١٢٧] ، فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ
[الأنعام/ ١١٢] ، وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا
[البقرة/ ٢٧٨] إلى أمثاله وتخصيصه في قوله:
وَيَذَرُونَ أَزْواجاً
[البقرة/ ٢٣٤] ، ولم يقل:
يتركون ويخلّفون، فإنه يذكر فيما بعد هذا الكتاب إن شاء الله. [والوَذَرَةُ: قطعة من اللّحم، وتسميتها بذلك لقلة الاعتداد بها نحو قولهم فيما لا يعتدّ به: هو لحم على وضم] «١» .
ورث
الوِرَاثَةُ والإِرْثُ: انتقال قنية إليك عن غيرك من غير عقد، ولا ما يجري مجرى العقد، وسمّي بذلك المنتقل عن الميّت فيقال للقنيةِ المَوْرُوثَةِ:
مِيرَاثٌ وإِرْثٌ. وتُرَاثٌ أصله وُرَاثٌ، فقلبت الواو ألفا وتاء، قال تعالى: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ
[الفجر/ ١٩] وقال ﵊: «اثبتوا على مشاعركم فإنّكم على إِرْثِ أبيكم» «٢» أي:
أصله وبقيّته، قال الشاعر:
٤٦١-
فينظر في صحف كالرّيا ... ط فيهنّ إِرْثٌ كتاب محيّ
«٣» ويقال: وَرِثْتُ مالًا عن زيد، ووَرِثْتُ زيداً:
قال تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ
[النمل/ ١٦] ، وَوَرِثَهُ أَبَواهُ
[النساء/ ١١] ، وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ
[البقرة/ ٢٣٣] ويقال:
أَوْرَثَنِي الميّتُ كذا، وقال: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً
[النساء/ ١٢] وأَوْرَثَنِي اللهُ كذا، قال: وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ
[الشعراء/ ٥٩] ، وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ [الدخان/ ٢٨] ، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ
[الأحزاب/ ٢٧] ، وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ
الآية [الأعراف/ ١٣٧] ، وقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً
[النساء/ ١٩] ويقال لكلّ من حصل له شيء من غير تعب: قد وَرِثَ كذا، ويقال لمن خُوِّلَ شيئا مهنّئا: أُورِثَ، قال تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها
[الزخرف/ ٧٢] ، أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ
[المؤمنون/ ١٠- ١١] وقوله: وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
[مريم/ ٦] فإنه يعني وِرَاثَةَ النّبوّةِ والعلمِ، والفضيلةِ دون المال، فالمال لا قدر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه، بل قلّما يقتنون المال ويملكونه، ألا ترى أنه قال عليه الصلاة
стр. 846
والسلام: «إنّا معاشر الأنبياء لا نُورَثُ، ما تركناه صدقةٌ» «١» نصب على الاختصاص، فقد قيل:
ما تركناه هو العلم، وهو صدقة تشترك فيها الأمّة، وما روي عنه ﵊ من قوله:
«العلماء وَرَثَةُ الأنبياءِ» «٢» فإشارة إلى ما وَرِثُوهُ من العلم. واستُعْمِلَ لفظُ الوَرَثَةِ لكون ذلك بغير ثمن ولا منّة، وقال لعليّ ﵁: «أنت أخي ووَارِثِي. قال: وما أَرِثُكَ؟ قال: ما وَرَّثَتِ الأنبياءُ قبلي، كتاب الله وسنّتي» «٣» ووصف الله تعالى نفسه بأنه الوَارِثُ «٤» من حيث إنّ الأشياء كلّها صائرة إلى الله تعالى. قال الله تعالى:
وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[آل عمران/ ١٨٠] ، وقال: وَنَحْنُ الْوارِثُونَ
[الحجر/ ٢٣] وكونه تعالى وَارِثاً لما روي «أنه» ينادي لمن الملك اليوم؟ فيقال لله الواحد القهّار» «٥» ويقال: وَرِثْتُ علماً من فلان. أي:
استفدت منه، قال تعالى: وَرِثُوا الْكِتابَ
[الأعراف/ ١٦٩] ، أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ
[الشورى/ ١٤] ، ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ
[فاطر/ ٣٢] ، يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
[الأنبياء/ ١٠٥] فإنّ الوِرَاثَةَ الحقيقيةَ هي أن يحصل للإنسان شيء لا يكون عليه فيه تبعة، ولا عليه محاسبة، وعباد الله الصالحون لا يتناولون شيئا من الدّنيا إلا بقدر ما يجب، وفي وقت ما يجب، وعلى الوجه الذي يجب، ومن تناول الدّنيا على هذا الوجه لا يحاسب عليها ولا يعاقب بل يكون ذلك له عفوا صفوا كما روي أنه «من حاسب نفسه في الدّنيا
стр. 847
لم يحاسبه الله في الآخرة» «١» .
ورد
الوُرُودُ أصله: قصد الماء، ثمّ يستعمل في غيره. يقال: وَرَدْتُ الماءَ أَرِدُ وُرُوداً، فأنا وَارِدٌ، والماءُ مَوْرُودٌ، وقد أَوْرَدْتُ الإبلَ الماءَ. قال تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
[القصص/ ٢٣] والوِرْدُ: الماءُ المرشّحُ للوُرُودِ، والوِرْدُ: خلافُ الصّدر، والوِرْدُ. يومُ الحمّى إذا وَرَدَتْ، واستعمل في النار على سبيل الفظاعة. قال تعالى: فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ
[هود/ ٩٨] ، إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً
[مريم/ ٨٦] ، أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ
[الأنبياء/ ٩٨] ، ما وَرَدُوها
[الأنبياء/ ٩٩] . والوَارِدُ: الذي يتقدّم القوم فيسقي لهم. قال تعالى: فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ
[يوسف/ ١٩] أي: ساقيهم من الماء المَوْرُودِ، ويقال لكلّ من يَرِدُ الماءَ وَارِدٌ، وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[مريم/ ٧١] فقد قيل منه: وَرَدْتُ ماءَ كذا: إذا حضرته، وإن لم تشرع فيه، وقيل: بل يقتضي ذلك الشّروع ولكن من كان من أولياء الله والصالحين لا يؤثّر فيهم بل يكون حاله فيها كحال إبراهيم ﵇ حيث قال: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [الأنبياء/ ٦٩] والكلام في هذا الفصل إنما هو لغير هذا النحو الذي نحن بصدده الآن. ويعبّر عن المحموم بالمَوْرُودِ، وعن إتيان الحُمَّى بالوِرْدِ، وشعرٌ وَارِدٌ: قد وَرَدَ العَجُزَ أو المتنَ، والوَرِيدُ: عرقٌ يتّصل بالكبد والقلب، وفيه مجاري الدّم والرّوح. قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق/ ١٦] أي: من روحه. والوَرْدُ: قيل: هو من الوَارِدِ، وهو الذي يتقدم إلى الماء، وتسميته بذلك لكونه أوّل ما يَرِدُ من ثمار السّنة، ويقال لنَوْرِ كلِّ شجرٍ: وَرْدٌ، ويقال: وَرَّدَ الشّجرُ: خرج نَوْرُهُ، وشبّه به لون الفرس، فقيل: فرسٌ وَرْدٌ، وقيل في صفة السماء إذا احمرّت احمراراً كالوَرْدِ أمارةً للقيامة. قال تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
[الرحمن/ ٣٧] .
ورق
وَرَقُ الشّجرِ. جمعه: أَوْرَاقٌ، الواحدة:
وَرَقَةٌ. قال تعالى: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها [الأنعام/ ٥٩] ، ووَرَّقْتُ الشّجرةَ:
أخذت وَرَقَهَا، والوَارِقَةُ: الشّجرةُ الخضراءُ الوَرَقِ الحسنةُ، وعامٌ أَوْرَقُ: لا مطر له، وأَوْرَقَ فلانٌ:
إذا أخفق ولم ينل الحاجة، كأنه صار ذا وَرَقٍ بلا ثمر، ألا ترى أنه عبّر عن المال بالثّمر في قوله:
وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ [الكهف/ ٣٤] قال ابن عباس
стр. 848
رضي الله عنه: هو المال «١» . وباعتبار لونه في حال نضارته قيل: بَعِيرٌ أَوْرَقُ: إذا صار على لونه، وبعيرٌ أَوْرَقُ: لونه لون الرّماد، وحمامةٌ وَرْقَاءُ. وعبّر به عن المال الكثير تشبيها في الكثرة بالوَرَقِ، كما عبّر عنه بالثّرى، وكما شبّه بالتّراب وبالسّيل كما يقال: له مال كالتّراب والسّيل والثرى، قال الشاعر:
واغفر خطاياي وثمّر وَرَقِي
«٢» والوَرِقُ بالكسر: الدّراهم. قال تعالى:
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ
[الكهف/ ١٩] وقرئ: بِوَرِقِكُمْ «٣» و (بِوِرْقِكُمْ) «٤» ، ويقال: وَرْقٌ ووَرِقٌ ووِرْقٌ، نحو كَبْد وكَبِد، وكِبْد.
ورى
يقال: وَارَيْتُ كذا: إذا سترته. قال تعالى:
قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ
[الأعراف/ ٢٦] وتَوَارَى: استتر. قال تعالى:
حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ
[ص/ ٣٢] وروي أن النبيّ ﵊ «كان إذا أراد غزوا وَرَّى بِغَيْرِهِ» «٥» ، وذلك إذا ستر خبرا وأظهر غيره.
والوَرَى، قال الخليل «٦» : الوَرَى: الأنامُ الذين على وجه الأرض في الوقت، ليس من مضى، ولا من يتناسل بعدهم، فكأنّهم الذين يسترون الأرض بأشخاصهم، و (وَرَاءُ) إذا قيل: وَرَاءُ زيدٍ كذا، فإنه يقال لمن خلفه. نحو قوله تعالى: وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [هود/ ٧١] ، ارْجِعُوا وَراءَكُمْ [الحديد/ ١٣] ، فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ [النساء/ ١٠٢] ، ويقال لما كان قدّامه نحو: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف/ ٧٩] ، وقوله: أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ [الحشر/ ١٤] ، فإن ذلك يقال في أيّ جانب من الجدار، فهو وَرَاءَهُ باعتبار الذي في الجانب الآخر. وقوله: وَراءَ ظُهُورِكُمْ
[الأنعام/ ٩٤] ، أي: خلّفتموه بعد موتكم، وذلك تبكيت لهم في أن لم يتوصّلوا بمالهم إلى اكتساب ثواب الله تعالى به وقوله فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
[آل عمران/ ١٨٧] ، فتبكيت لهم. أي: لم يعملوا به ولم يتدبّروا آياته، وقوله: فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ
[المؤمنون/ ٧] ، أي: من ابتغى أكثر مما بيّناه، وشرعناه من تعرّض لمن يحرم التّعرّض له فقد
стр. 849
تعدّى طوره، وخرق ستره، وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ
[البقرة/ ٩١] ، اقتضى معنى ما بعده، ويقال: وَرِيَ الزَّنْدُ يَرِي وَرْياً: خرجت ناره، وأصله أن يخرج النّار من وَرَاءِ المقدح، كأنما تصوّر كمونها فيه كما قال:
٤٦٢-
ككمون النار في حجره
«١» يقال: وَرِيَ يَرِي مثل: وَلِيَ يَلِي. قال تعالى:
أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ
[الواقعة/ ٧١] ويقال: فلان وَارِي الزّندِ: إذا كان منجحا، وكابي الزّند: إذا كان مخفقا، واللّحمُ الوَارِي:
السّمينُ. والوَرَاءُ: ولدُ الولدِ، وقولهم:
(وَرَاءَكَ) «٢» ، للإغراء ومعناه: تأخّر. يقال: وَرَاءَكَ أوسع لك، نصب بفعل مضمر. أي: ائت.
وقيل تقديره: يكن أوسع لك. أي: تنحّ، وائت مكانا أوسع لك. والتَّوْرَاةُ: الكتابُ الذي ورثوه عن موسى، وقد قيل: هو فَوْعَلَةٌ، ولم يجعل تَفْعَلَة لقلة وجود ذلك، والتاء بدل من الواو نحو:
تَيْقُورٍ، لأنّ أصله وَيْقُورٌ، التاء بدل عن الواو من الوقار، وقد تقدّم «٣» .
وزر
الوَزَرُ: الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل.
قال تعالى: كَلَّا لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ
[القيامة/ ١١] والوِزْرُ: الثّقلُ تشبيها بِوَزْرِ الجبلِ، ويعبّر بذلك عن الإثم كما يعبّر عنه بالثقل. قال تعالى:
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً (يَوْمَ الْقِيامَةِ) وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ
[النحل/ ٢٥] ، كقوله: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت/ ١٣] وحمل وِزْر الغيرِ في الحقيقة هو على نحو ما أشار إليه ﷺ بقوله: «من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء، ومن سنّ سنّة سيّئة كان له وِزْرُهَا ووِزْرُ من عمل بها» «٤» أي: مثل وِزْرِ مَن عمل بها. وقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
[الأنعام/ ١٦٤] أي: لا يحمل وِزْرَهُ من حيث يتعرّى المحمول عنه، وقوله: وَوَضَعْنا عَنْكَ
стр. 850
وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
[الشرح/ ٢- ٣] ، أي:
ما كنت فيه من أمر الجاهليّة، فأعفيت بما خصصت به عن تعاطي ما كان عليه قومك، والوَزِيرُ: المتحمِّلُ ثقل أميره وشغله، والوِزَارَةُ على بناء الصّناعة.
وأَوْزَارُ الحربِ واحدها وِزْرٌ: آلتُها من السّلاح، والمُوَازَرَةُ: المعاونةُ. يقال: وَازَرْتُ فلاناً مُوَازَرَةً: أعنته على أمره. قال تعالى: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي
[طه/ ٢٩] ، وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ
[طه/ ٨٧] .
وزع
يقال: وَزَعْتُهُ عن كذا: كففته عنه. قال تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ إلى قوله: فَهُمْ يُوزَعُونَ
[النمل/ ١٧] «١» فقوله:
يُوزَعُونَ [النمل/ ١٧] إشارةٌ إلى أنهم مع كثرتهم وتفاوتهم لم يكونوا مهملين ومبعدين، كما يكون الجيش الكثير المتأذّى بمعرّتهم بل كانوا مسوسين ومقموعين. وقيل في قوله:
يُوزَعُونَ
أي: حبس أولهم على آخرهم، وقوله: وَيَوْمَ يُحْشَرُ إلى قوله: فَهُمْ يُوزَعُونَ
[فصلت/ ١٩] فهذا وَزْعٌ على سبيل العقوبة، كقوله: وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج/ ٢١] وقيل: لا بدّ للسّلطان من وَزَعَةٍ «٢» ، وقيل: الوُزُوعُ الولوعُ بالشيء «٣» . يقال: أَوْزَعَ اللهُ فلاناً: إذا ألهمه الشّكر، وقيل: هو من أُوْزِعَ بالشيء: إذا أُولِعَ به، كأن الله تعالى يُوزِعُهُ بشكره، ورجلٌ وَزُوعٌ، وقوله: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ
[النمل/ ١٩] قيل: معناه:
ألهمني «٤» ، وتحقيقه: أولعني ذلك، واجعلني بحيث أَزِعُ نفسي عن الكفران.
وزن
الوَزْنُ: معرفة قدر الشيء. يقال: وَزَنْتُهُ وَزْناً وزِنَةً، والمتّعارف في الوَزْنِ عند العامّة: ما يقدّر بالقسط والقبّان. وقوله: وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ
[الشعراء/ ١٨٢] ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ
[الرحمن/ ٩] إشارة إلى مراعاة المعدلة في جميع ما يتحرّاه الإنسان من الأفعال والأقوال. وقوله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً
[الكهف/ ١٠٥] وقوله: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ
[الحجر/ ١٩] فقد قيل: هو المعادن كالفضّة والذّهب، وقيل: بل ذلك إشارة إلى كلّ ما أوجده الله تعالى، وأنه خلقه باعتدال كما قال: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر/ ٤٩] ، وقوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُ
[الأعراف/ ٨] فإشارة إلى العدل في محاسبة الناس كما قال: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
[الأنبياء/ ٤٧] وذكر في
стр. 851
مواضع المِيزَانَ بلفظ الواحد اعتبارا بالمحاسب، وفي مواضع بالجمع اعتبارا بالمحاسبين، ويقال:
وَزَنْتُ لفلان ووَزَنْتُهُ كذا. قال تعالى: وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
[المطففين/ ٣] ، ويقال: قام مِيزَانُ النهارِ: إذا انتصف.
وسوس
الوَسْوَسَةُ: الخطرةُ الرّديئة، وأصله من الوَسْوَاسِ، وهو صوت الحلي، والهمس الخفيّ. قال الله تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ [طه/ ١٢٠] ، وقال: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ [الناس/ ٤] ويقال لهمس الصّائد وَسْوَاسٌ.
وسط
وَسَطُ الشيءِ: ما له طرفان متساويا القدر، ويقال ذلك في الكمّيّة المتّصلة كالجسم الواحد إذا قلت: وَسَطُهُ صلبٌ، وضربت وَسَطَ رأسِهِ بفتح السين.
ووَسْطٌ بالسّكون. يقال في الكمّيّة المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين. نحو: وَسْطِ القومِ كذا. والوَسَطُ تارة يقال فيما له طرفان مذمومان.
يقال: هذا أَوْسَطُهُمْ حسبا: إذا كان في وَاسِطَةِ قومه، وأرفعهم محلّا، وكالجود الذي هو بين البخل والسّرف، فيستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتّفريط، فيمدح به نحو السّواء والعدل والنّصفة، نحو: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[البقرة/ ١٤٣] وعلى ذلك قوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ
[القلم/ ٤٨] وتارة يقال فيما له طرف محمود، وطرف مذموم كالخير والشّرّ، ويكنّى به عن الرّذل. نحو قولهم: فلان وَسَطُ من الرجال تنبيها أنه قد خرج من حدّ الخير. وقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
[البقرة/ ٢٣٨] ، فمن قال: الظّهر «١» ، فاعتبارا بالنهار، ومن قال: المغرب «٢» ، فلكونها بين الرّكعتين وبين الأربع اللّتين بني عليهما عدد الرّكعات، ومن قال: الصّبح «٣» فلكونها بين صلاة اللّيل والنهار.
قال: ولهذا قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ الآية [الإسراء/ ٧٨] . أي:
صلاته. وتخصيصها بالذّكر لكثرة الكسل عنها إذ
стр. 852
قد يحتاج إلى القيام إليها من لذيذ النّوم، ولهذا زيد في أذانه: (الصّلاة خير من النّوم) «١» ، ومن قال: صلاة العصر «٢» فقد روي ذلك عن النبيّ ﷺ «٣» ، فلكون وقتها في أثناء الأشغال لعامّة الناس بخلاف سائر الصلوات التي لها فراغ، إمّا قبلها، وإمّا بعدها، ولذلك توعّد النّبيّ ﷺ فقال: «من فاته صلاة العصر فكأنّما وتر أهله وماله» «٤» .
وسع
السَّعَةُ تقال في الأمكنة، وفي الحال، وفي الفعل كالقدرة والجود ونحو ذلك. ففي المكان نحو قوله: إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ
[العنكبوت/ ٥٦] ، أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً [النساء/ ٩٧] ، وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ [الزمر/ ١٠] وفي الحال قوله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ
[الطلاق/ ٧] وقوله: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ
[البقرة/ ٢٣٦] والوُسْعُ من القدرة: ما يفضل عن قدر المكلّف. قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[البقرة/ ٢٨٦] تنبيها أنه يكلّف عبده دوين ما ينوء به قدرته، وقيل: معناه يكلّفه ما يثمر له السَّعَة. أي: جنّة عرضها السّموات والأرض كما قال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة/ ١٨٥] وقوله: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
[الأعراف/ ٨٩] فوصف له نحو: أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [الطلاق/ ١٢] وقوله: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
[البقرة/ ٢٦٨] ، وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً
[النساء/ ١٣٠] فعبارة عن سَعَةِ قدرته وعلمه ورحمته وإفضاله كقوله: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
[الأنعام/ ٨٠] وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
[الأعراف/ ١٥٦] ، وقوله: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
[الذاريات/ ٤٧] فإشارة إلى نحو
стр. 853
قوله: الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه/ ٥٠] ووَسِعَ الشّيءُ: اتَّسَعَ. والوُسْعُ:
الجدةُ والطّاقةُ، ويقال: ينفق على قدر وُسْعِهِ.
وأَوْسَعَ فلانٌ: إذا كان له الغنى، وصار ذا سَعَةٍ، وفرس وَسَاعُ الخطوِ: شديد العدو.
وسق
الوَسْقُ: جمع المتفرّق. يقال: وَسَقْتُ الشيءَ: إذا جمعته، وسمّ ي قدر معلوم من الحمل كحمل البعير وَسْقاً، وقيل: هو ستّون صاعا «١» ، وأَوْسَقْتُ البعيرَ: حمّلته حِمله، وناقة وَاسِقٌ، ونوق مَوَاسِيقُ. إذا حملت. ووَسَّقْتُ الحنطةَ: جعلتها وَسْقاً، ووَسِقَتِ العينُ الماءَ:
حملته، ويقولون: لا أفعله ما وَسَقَتْ عيني الماءَ «٢» . وقوله: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ
[الانشقاق/ ١٧] قيل: وما جمع من الظّلام، وقيل: عبارة عن طوارق اللّيل، ووَسَقْتُ الشيءَ: جمعته، والوَسِيقَةُ الإبلُ المجموعةُ كالرُّفْقة من الناس، والاتِّسَاقُ: الاجتماع والاطّراد. قال الله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ
[الانشقاق/ ١٨] .
وسل
الوَسِيلَةُ: التّوصّل إلى الشيء برغبة وهي أخصّ من الوصيلة، لتضمّنها لمعنى الرّغبة. قال تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة/ ٣٥] وحقيقةُ الوَسِيلَةِ إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحرّي مكارم الشّريعة، وهي كالقربة، والوَاسِلُ: الرّاغب إلى الله تعالى، ويقال إنّ التَّوَسُّلَ في غير هذا: السّرقة، يقال:
أخذ فلان إبل فلان تَوَسُّلًا. أي: سرقة.
وسم
الوَسْمُ: التأثير، والسِّمَةُ: الأثرُ. يقال:
وَسَمْتُ الشيءَ وَسْماً: إذا أثّرت فيه بِسِمَةٍ، قال تعالى: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
[الفتح/ ٢٩] ، وقال: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ
[البقرة/ ٢٧٣] ، وقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
[الحجر/ ٧٥] ، أي:
للمعتبرين العارفين المتّعظين، وهذا التَّوَسُّمُ هو الذي سمّاه قوم الزَّكانةَ، وقوم الفراسة، وقوم الفطنة. قال ﵊: «اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله» «٣» وقال تعالى:
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ
[القلم/ ١٦] ، أي:
نعلّمه بعلامة يعرف بها كقوله: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين/ ٢٤] ، والوَسْمِيُّ: ما يَسِمُ من المطر الأوّل بالنّبات.
стр. 854
وتَوَسَّمْتُ: تعرّفت بِالسِّمَةِ، ويقال ذلك إذا طلبت الوَسْمِيَّ، وفلان وَسِي مٌ الوجه: حسنه، وهو ذو وَسَامَةٍ عبارة عن الجمال، وفلانة ذات مِيسَمٍ:
إذا كان عليها أثر الجمال، وفلان مَوْسُومٌ بالخير، وقوم وَسَامٌ، ومَوْسِمُ الحاجِّ: معلمهم الذي يجتمعون فيه، والجمع: المَوَاسِمُ، ووَسَّمُوا:
شهدوا المَوْسِمَ كقولهم: عرّفوا، وحصّبوا وعيّدوا: إذا شهدوا عرفة، والمحصّب، وهو الموضع الذي يرمى فيه الحصباء.
وسن
الوَسَنُ والسِّنَةُ: الغفلة والغفوة. قال تعالى:
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
[البقرة/ ٢٥٥] ورجلٌ وَسْنَانُ، وتَوَسَّنَهَا: غشيها نائمة، وقيل: وَسِنَ وأَسِنَ: إذا غشي عليه من ريح البئر، وأرى أنّ وَسِنَ يقال لتصوّر النّوم منه لا لتصوّر الغشيان.
وسى
مُوسَى من جعله عربيّا «١» فمنقول عن مُوسَى الحديد، يقال: أَوْسَيْتُ رأسه: حلقته.
وشى
وَشَيْتُ الشيءَ وَشْياً: جعلت فيه أثرا يخالف معظم لونه، واستعمل الوَشْيُ في الكلام تشبيها بالمنسوج، والشِّيَةُ فِعَلَة «٢» من الوَشْيِ. قال تعالى: مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها
[البقرة/ ٧١] وثورٌ مُوَشَّى القوائمِ. والوَاشِي يكنّى به عن النّمّام، ووَشَى فلانٌ كلامَه عبارة عن الكذب نحو: موّهه وزخرفه.
وصب
الوَصَبُ: السّقمُ اللّازم، وقد وَصِبَ فلانٌ فهو وَصِبٌ، وأَوْصَبَهُ كذا فهو يَتَوَصَّبُ نحو: يتوجّع.
قال تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ
[الصافات/ ٩] ، وَلَهُ الدِّينُ واصِباً
[النحل/ ٥٢] .
فتوعّد لمن اتّخذ إلهين، وتنبيه أنّ جزاء من فعل ذلك عذاب لازم شديد، ويكون الدّين هاهنا الطّاعة، ومعنى الوَاصِبِ الدّائم. أي: حقّ الإنسان أن يطيعه دائما في جميع أحواله، كما وصف به الملائكة حيث قال: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم/ ٦] ويقال: وَصَبَ وُصُوباً: دام، ووَصَبَ الدّينُ:
وجب، ومفازةٌ وَاصِبَةٌ: بعيدة لا غاية لها.
وصد
الوَصِيدَةُ: حُجْرَةٌ تجعل للمال في الجبل، يقال: أَوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ. أي: أطبقته وأحكمته، وقال تعالى: عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ
[البلد/ ٢٠] وقرئ بالهمز «٣» : مطبقة، والوَصِيدُ المتقارب الأصول.
стр. 855
وصف
الوَصْفُ: ذكرُ الشيءِ بحليته ونعته، والصِّفَةُ:
الحالة التي عليها الشيء من حليته ونعته، كالزِّنَةِ التي هي قدر الشيء، والوَصْفُ قد يكون حقّا وباطلا. قال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
[النحل/ ١١٦] تنبيها على كون ما يذكرونه كذبا، وقوله : رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
[الصافات/ ١٨٠] تنبيه على أنّ أكثر صِفَاتِهِ ليس على حسب ما يعتقده كثير من النّاس لم يتصوّر عنه تمثيل وتشبيه، وأنه يتعالى عمّا يقول الكفّار، ولهذا قال :
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النحل/ ٦٠] .
ويقال: اتَّصَفَ الشيءُ في عين الناظر: إذا احتمل الوَصْفَ، ووَصَفَ البعيرُ وُصُوفاً: إذا أجاد السّير، وال وَصِي فُ: الخادم، والوَصِيفَةُ: الخادمة، ويقال: أَوْصَفَتِ الجاريةُ «١» .
وصل
الِاتِّصَالُ: اتّحادُ الأشياء بعضها ببعض كاتّحاد طرفي الدائرة، ويضادّ الانفصال، ويستعمل الوَصْلُ في الأعيان، وفي المعاني.
يقال: وَصَلْتُ فلاناً. قال الله تعالى:
وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
[البقرة/ ٢٧] ، وقوله تعالى إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ
[النساء/ ٩٠] أي:
ينسبون. يقال: فلان مُتَّصِلٌ بفلان: إذا كان بينهما نسبة، أو مصاهرة، وقوله :
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ
[القصص/ ٥١] أي: أكثرنا لهم القول مَوْصُولًا بعضُهُ ببعض، ومَوْصِلُ البعيرِ: كلّ موضعين حصل بينهما وُصْلَةٌ نحو: ما بين العجز والفخذ، وقوله: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ
[المائدة/ ١٠٣] وهو أنّ أحدهم كان إذا ولدت له شاته ذكرا وأنثى قالوا: وَصَلَتْ أخاها، فلا يذبحون أخاها من أجلها، وقيل: الوَصِيلَةُ:
العمارة والخصب، والوَصِيلَةُ: الأرضُ الواسعة، ويقال: هذا وَصْلُ هذا. أي صِلَتُهُ.
وصى
الوَصِيَّةُ: التّقدّمُ إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم: أرض وَاصِيَةٌ: متّصلة النّبات، ويقال: أَوْصَاهُ ووَصَّاهُ. قال تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ
[البقرة/ ١٣٢] وقرئ:
وأَوْصَى «٢» قال الله : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
[النساء/ ١٣١] ، وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ [العنكبوت/ ٨] ، يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
[النساء/ ١١] ، مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها
[النساء/ ١٢] حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ
стр. 856
[المائدة/ ١٠٦] ، ووَصَّى: أنشأ فضله، وتَوَاصَى القومُ: إذا أَوْصَى بعضُهم إلى بعض. قال تعالى: وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
[العصر/ ٣] أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ [الذاريات/ ٥٣] .
وضع
الوَضْعُ أعمّ من الحطّ، ومنه: المَوْضِعُ. قال تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
[النساء/ ٤٦] ويقال ذلك في الحمل والحمل، ويقال: وَضَعَتِ الحملَ فهو مَوْضُوعٌ. قال تعالى:
وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ
[الغاشية/ ١٤] ، وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ
[الرحمن/ ١٠] فهذا الوَضْعُ عبارة عن الإيجاد والخلق، ووَضَعَتِ المرأةُ الحمل وَضْعاً. قال تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ
[آل عمران/ ٣٦] فأما الوُضْعُ والتُّضْعُ فأن تحمل في آخر طهرها في مقبل الحيض. ووَضْعُ البيتِ: بناؤُهُ. قال الله تعالى:
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
[آل عمران/ ٩٦] ، وَوُضِعَ الْكِتابُ [الكهف/ ٤٩] هو إبراز أعمال العباد نحو قوله: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [الإسراء/ ١٣] ووَضَعَتِ الدابَّةُ تَضَعُ في سيرها وَضْعاً: أسرعت، ودابّة حسنةُ المَوْضُوعِ، وأَوْضَعْتُهَا: حملتها على الإسراع. قال الله : وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ
[التوبة/ ٤٧] والوَضْعُ في السير استعارة كقولهم: ألقى باعه وثقله، ونحو ذلك، والوَضِيعَةُ: الحطيطةُ من رأس المال، وقد وُضِعَ الرّجلُ في تجارته يُوضَعُ: إذا خسر، ورجل وَضِيعٌ بيّن الضعَةِ في مقابلة رفيع بيّن الرّفعة.
وضن
الوَضْنُ: نسج الدّرع، ويستعار لكلّ نسج محكم. قال تعالى: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ
[الواقعة/ ١٥] ومنه: الوَضِينُ، وهو حزام الرّحل، وجمعه: وُضُنٌ.
وطر
الوَطَرُ: النّهمة والحاجة المهمّة. قال الله : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً
[الأحزاب/ ٣٧] .
وطأ
وَطُؤَ الشيءُ فهو وَطِيءٌ بيّن الوَطَاءَةِ، والطَّأَةِ والطِّئَةِ، والوِطَاءُ: ما تَوَطَّأْتَ به، ووَطَأْتُ له بفراشه. ووَطَأْتُهُ برجلي أَطَؤُهُ وَطْأً ووَطَاءَةً، وتَوَطَّأْتُهُ. قال الله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً
[المزمل/ ٦] وقرئ: وِطَاءً «١» وفي الحديث: «اللهمّ اشدد وَطْأَتَكَ على
[البقرة/ ٥١] وأربعين وثلاثين مفعول لا ظرف. أي: انقضاء ثلاثين وأربعين، وعلى هذا قوله: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ
[طه/ ٨٠] ، وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ
[البروج/ ٢] وإشارة إلى القيامة كقوله :
مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة/ ٥٠] . ومن الإِيعَادِ قوله: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[الأعراف/ ٨٦] ، وقال: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ
[إبراهيم/ ١٤] ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [ق/ ٤٥] ، لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ
[ق/ ٢٨] ورأيت أرضهم وَاعِدَةً: إذا رجي خيرها من النّبت، ويومٌ وَاعِدٌ:
حرّ أو برد، ووَعِيدُ الفحلِ: هديره، وقوله : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله:
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ [النور/ ٥٥] «١» وقوله:
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ تفسير لوَعَدَ كما أنّ قوله : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ «٢» [النساء/ ١١] تفسير الوصيّة. وقوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ
[الأنفال/ ٧] فقوله:
أَنَّها لَكُمْ بدل من قوله: إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، تقديره: وَعَدَكُمُ اللهُ أنّ إحدى الطائفتين لكم، إما طائفة العير، وإما طائفة النّفير. والعِدَةُ من الوَعْدِ، ويجمع على عِدَاتٍ، والوَعْدُ مصدر لا يجمع. ووَعَدْتُ يقتضي مفعولين الثاني منهما مكان، أو زمان، أو أمر من الأمور. نحو: وَعَدْتُ زيداً يوم الجمعة، ومكان كذا، وأن أفعل كذا، فقوله: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يجوز أن يكون المفعول الثاني من: واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ
[البقرة/ ٥١] لأنّ الوَعْدَ لم يقع في الأربعين بل انقضاء الأربعين وتمامها: لا يصحّ الكلام إلا بهذا.
وعظ
الوَعْظُ: زجر مقترن بتخويف. قال الخليل «٣» :
هو التّذكير بالخير فيما يرقّ له القلب، والعِظَةُ والمَوْعِظَةُ: الاسم. قال تعالى: يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[النحل/ ٩٠] ، قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ
[سبأ/ ٤٦] ، ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ
[المجادلة/ ٣] ، قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
[يونس/ ٥٧] ، وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى [هود/ ١٢٠] ، وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران/ ١٣٨] ، وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا [الأعراف/ ١٤٥] ، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ
[النساء/ ٦٣] .
стр. 859
وعى
الوَعْيُ: حفظ الحديث ونحوه. يقال: وَعَيْتُهُ في نفسه. قال تعالى: لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[الحاقة/ ١٢] .
والإِيعَاءُ: حفظ الأمتعة في الوِعَاءِ. قال تعالى: وَجَمَعَ فَأَوْعى
[المعارج/ ١٨] قال الشاعر:
٤٦٣-
والشّرّ أخبث ما أَوْعَيْتَ من زاد
«١» وقال تعالى: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ
[يوسف/ ٧٦] ولا وَعْيَ عن كذا. أي: لا تماسك للنّفس دونه، ومنه: مالي عنه وَعْيٌ. أي: بدّ، ووَعَى الجرحُ يَعِي وَعْياً: جَمَعَ المِدَّةَ «٢» ، ووَعَى العظمُ: اشتدّ وجمع القوّةَ، والوَاعِيَةُ: الصّارخةُ، وسمعت وَعْيَ القومِ. أي: صراخهم.
وفد
يقال: وَفَدَ القومُ تَفِدُ وِفَادَةً، وهم وَفْدٌ ووُفُودٌ، وهم الذين يقدمون على الملوك مستنجزين الحوائج، ومنه: الوَافِدُ من الإبل، وهو السابق لغيره. قال تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
[مريم/ ٨٥] .
وفر
الوَفْرُ: المال التّامّ. يقال: وَفَرْتُ كذا: تمّمته وكمّلته، أَفِرُهُ وَفْراً ووُفُوراً وفِرَةً ووَفَّرْتُهُ على التّكثير. قال تعالى: فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً
[الإسراء/ ٦٣] ووَفَرْتُ عرضَهُ: إذا لم تنتقصه، وأرضٌ في نبتها وَفْرَةٌ: إذا كان تامّا، ورأيت فلانا ذا وَفَارَةٍ. أي: تامّ المروءة والعقل، والوَافِرُ: ضربٌ من الشِّعْر.
وفض
الإِيفَاضُ: الإسراعُ، وأصله أن يعدو من عليه الوَفْضَةُ، وهي الكنانة تتخشخش عليه، وجمعها: الوِفَاضُ. قال تعالى: كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
[المعارج/ ٤٣] أي:
يسرعون، وقيل: الأَوْفَاضُ الفرق من الناس المستعجلة. يقال: لقيته على أَوْفَاضٍ «٣» . أي:
على عجلة، الواحد: وَفْضٌ.
وفق
الوِفْقُ: المطابقة بين الشّيئين. قال تعالى:
جَزاءً وِفاقاً
[النبأ/ ٢٦] يقال: وَافَقْتُ فلاناً، ووَافَقْتُ الأمرَ: صادفته، والِاتِّفَاقُ: مطابقة فعل الإنسان القدر، ويقال ذلك في الخير والشّرّ، يقال:
стр. 860
اتَّفَقَ لفلان خير، واتَّفَقَ له شرٌّ. والتَّ وْفِي قُ نحوه لكنه يختصّ في التّعارف بالخير دون الشّرّ. قال تعالى: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ
[هود/ ٨٨] ، ويقال: أتانا لِتِيفَاقِ الهلالِ ومِيفَاقِهِ «١» . أي: حين اتَّفَقَ إهلالُهُ.
وفى
الوَافِي: الذي بلغ التّمام. يقال: درهم وَافٍ، وكيل وَافٍ، وأَوْفَيْتُ الكيلَ والوزنَ. قال تعالى:
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ
[الإسراء/ ٣٥] ، وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً، وأَوْفَى: إذا تمّم العهد ولم ينقض حفظه، واشتقاق ضدّه، وهو الغدر يدلّ على ذلك وهو التّرك، والقرآن جاء بِأَوْفَى. قال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
[البقرة/ ٤٠] ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [النحل/ ٩١] ، بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى
[آل عمران/ ٧٦] ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا
[البقرة/ ١٧٧] ، يُوفُونَ بِالنَّذْرِ
[الإنسان/ ٧] ، وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة/ ١١١] ، وقوله: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
[النجم/ ٣٧] ، فَتَوْفِيَتُهُ أنه بذل المجهود في جميع ما طولب به، مما أشار إليه في قوله:
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [التوبة/ ١١١] ، من بذله ماله بالإنفاق في طاعته، وبذل ولده الذي هو أعزّ من نفسه للقربان، وإلى ما نبّه عليه بقوله: وَفَّى أشار بقوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة/ ١٢٤] ، وتَوْفِيَةُ الشيءِ:
بذله وَافِياً، واسْتِيفَاؤُهُ: تناوله وَافِياً. قال تعالى:
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
[آل عمران/ ٢٥] ، وقال: وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ
[آل عمران/ ١٨٥] ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ
[البقرة/ ٢٨١] ، إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[الزمر/ ١٠] ، مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها
[هود/ ١٥] ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
[الأنفال/ ٦٠] ، فَوَفَّاهُ حِسابَهُ
[النور/ ٣٩] ، وقد عبّر عن الموت والنوم بالتَّوَفِّي، قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
[الزمر/ ٤٢] ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ
[الأنعام/ ٦٠] ، قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة/ ١١] ، اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ [النحل/ ٧٠] ، الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
[النحل/ ٢٨] ، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا
[الأنعام/ ٦١] ، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
[يونس/ ٤٦] ، وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ
[آل عمران/ ١٩٣] ، وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ [الأعراف/ ١٢٦] ، تَوَفَّنِي مُسْلِماً
[يوسف/ ١٠١] ، يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَ
[آل عمران/ ٥٥] ، وقد
стр. 861
قيل: تَوَفِّيَ رفعةٍ واختصاص لا تَوَفِّيَ موتٍ. قال ابن عباس: تَوَفِّي موتٍ، لأنّه أماته ثمّ أحياه «١» .
وقب
الوَقْبُ كالنّقرة في الشيء، ووَقَبَ: إذا دخل في وَقْبٍ ومنه وَقَبَتِ الشمسُ: غابت. قال تعالى: وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ [الفلق/ ٣] والإِيقَابُ: تغييبُهُ، والوَقِيبُ: صوتُ قُنْبِ «٢» الدّابّةِ، وقبّبه، وقبّه «٣» .
وقت
الوَقْتُ: نهاية الزمان المفروض للعمل، ولهذا لا يكاد يقال إلّا مقدّرا نحو قولهم: وَقَّتُّ كذا: جعلت له وَقْتاً. قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
[النساء/ ١٠٣] . وقوله: وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ
[المرسلات/ ١١] . والمِيقَاتُ: الوقتُ المضروبُ للشيء، والوعد الذي جعل له وَقْتٌ.
قال : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ
[الدخان/ ٤٠] ، إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً
[النبأ/ ١٧] ، إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
[الواقعة/ ٥٠] ، وقد يقال المِيقَاتُ للمكان الذي يجعل وَقْتاً للشيء، كمِيقَاتِ الحجّ.
وقد
يقال: وَقَدَتِ النارُ تَقِدُ وُقُوداً ووَقْداً، والوَقُودُ يقال للحطب المجعول للوُقُودِ، ولما حصل من اللهب. قال تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
[البقرة/ ٢٤] ، أُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ
[آل عمران/ ١٠] ، النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ
[البروج/ ٥] واستَوْقَدْتُ النارَ: إذا ترشّحتُ لإِيقَادِهَا، وأَوْقَدْتُهَا. قال تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
[البقرة/ ١٧] ، وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ
[الرعد/ ١٧] ، فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ
[القصص/ ٣٨] ، نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ
[الهمزة/ ٦] ومنه: وَقْدَةُ الصّيفِ أشدُّ حرّاً «٤» ، واتَّقَدَ فلانٌ غضبا. ويستعار وَقَدَ واتَّقَدَ للحرب كاستعارة النّار والاشتعال، ونحو ذلك لها. قال تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
[المائدة/ ٦٤] وقد يستعار ذلك للتّلألؤ، فيقال: اتَّقَدَ الجوهرُ والذّهبُ.
وقذ
قال الله تعالى: وَالْمَوْقُوذَةُ
[المائدة/ ٣] أي: المقتولة بالضّرب «٥» .
стр. 862
وقر
الوَقْرُ: الثِّقلُ في الأُذُن. يقال: وَقَرَتْ أُذُنُهُ تَقِرُ وتَوْقَرُ. قال أبو زيد «١» : وَقِرَتْ تَوْقَرُ فهي مَوْقُورَةٌ.
قال تعالى: وَفِي آذانِنا وَقْرٌ
[فصلت/ ٥] ، وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
[الأنعام/ ٢٥] والوَقْرُ:
الحِمْل للحمار وللبغل كالوسق للبعير، وقد أَوْقَرْتُهُ، ونخلةٌ مُوقِرَةٌ ومُوقَرَةٌ، والوَقارُ: السّكونُ والحلمُ. يقال: هو وَقُورٌ، ووَقَارٌ ومُتَوَقِّرٌ. قال تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
[نوح/ ١٣] وفلان ذو وَقْرَةٍ، وقوله: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ
[الأحزاب/ ٣٣] قيل: هو من الوَقَارِ.
وقال بعضهم «٢» : هو من قولهم: وَقَرْتُ أَقِرُ وَقْراً.
أي: جلست، والوَقِيرُ: القطيعُ العظيمُ من الضأن، كأنّ فيها وَقَاراً لكثرتها وبطء سيرها.
وقع
الوُقُوعُ: ثبوتُ الشيءِ وسقوطُهُ. يقال: وَقَعَ الطائرُ وُقُوعاً، والوَاقِعَةُ لا تقال إلّا في الشّدّة والمكروه، وأكثر ما جاء في القرآن من لفظ «وَقَعَ» جاء في العذاب والشّدائد نحو: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ
[الواقعة/ ١- ٢] ، وقال: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ
[المعارج/ ١] ، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ [الحاقة/ ١٥] ووُقُوعُ القولِ: حصول متضمّنه، قال تعالى: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا
[النمل/ ٨٥] أي: وجب العذاب الذي وعدوا لظلمهم، فقال : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ
[النمل/ ٨٢] أي: إذا ظهرت أمارات القيامة التي تقدّم القول فيها. قال تعالى: قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ
[الأعراف/ ٧١] وقال:
أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ [يونس/ ٥١] ، وقال: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء/ ١٠٠] واستعمال لفظة الوُقُوعِ هاهنا تأكيد للوجوب كاستعمال قوله تعالى: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
[الروم/ ٤٧] ، كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس/ ١٠٣] وقوله : فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
[الحجر/ ٢٩] فعبارة عن مبادرتهم إلى السّجود، ووَقَعَ المطرُ نحو: سقط، ومَوَاقِعُ الغيثِ: مَساقِطُهُ، والمُوَاقَعَةُ في الحرب، ويكنّى بالمُوَاقَعَةِ عن الجماع، والإِيقَاعُ يقال في الإسقاط، وفي شنّ الحرب بالوَقْعَةِ. ووَقْعُ الحديدِ: صوتُهُ، يقال:
وَقَعْتُ الحَدِيدَةَ أَقَعُهَا وَقْعاً: إذا حددتها بالمِيقَعَةِ، وكلّ سقوط شديد يعبّر عنه بذلك، وعنه استعير:
الوَقِيعَةُ في الإنسان. والحَافِرُ الوَقِعُ: الشّديدُ الأثرِ، ويقال للمكان الذي يستقرّ الماء فيه:
الوَقِيعَةُ، والجمع: الوَقَائِعُ، والموضع الذي يستقرّ فيه الطّير: مَوْقِعٌ، والتَّوْقِيعُ: أثرُ الدَّبَرِ بِظَهْرِ
стр. 863
البعيرِ، وأثرُ الكتابةِ في الكتاب، ومنه استعير التَّ وْقِي عُ في القصص.
وقف
يقال: وَقَفْتُ القومَ أَقِفُهُمْ وَقْفاً، ووَاقَفُوهُمْ وُقُوفاً. قال تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
[الصافات/ ٢٤] ومنه استعير: وَقَفْتُ الدّارَ: إذا سبّلتها، والوَقْفُ: سوارٌ من عاج، وحمارٌ مُوَقَّفٌ بأرساغه مثلُ الوَقْفِ من البياض، كقولهم: فرس مُحجَّل: إذا كان به مثلُ الحَجَل، ومَوْقِفُ الإنسانِ حيث يَقِفُ، والمُوَاقَفَةُ: أن يَقِفَ كلُّ واحد أمره على ما يَقِفُهُ عليه صاحبه، والوَقِيفَةُ:
الوحشيّة التي يلجئها الصائد إلى أن تَقِفَ حتى تصاد.
وقى
الوِقَايَةُ: حفظُ الشيءِ ممّا يؤذيه ويضرّه.
يقال: وَقَيْتُ الشيءَ أَقِيهِ وِقَايَةً ووِقَاءً. قال تعالى:
فَوَقاهُمُ اللَّهُ
[الإنسان/ ١١] ، وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
[الدخان/ ٥٦] ، وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ
[الرعد/ ٣٤] ، ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ [الرعد/ ٣٧] ، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
[التحريم/ ٦] والتَّقْوَى جعل النّفس في وِقَايَةٍ مما يخاف، هذا تحقيقه، ثمّ يسمّى الخوف تارة تَقْوًى، والتَّقْوَى خوفاً حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه والمقتضي بمقتضاه، وصار التَّقْوَى في تعارف الشّرع حفظ النّفس عمّا يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتمّ ذلك بترك بعض المباحات لما روي: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه» «١» قال الله تعالى: فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[الأعراف/ ٣٥] ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
[النحل/ ١٢٨] ، وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [الزمر/ ٧٣] ولجعل التَّقْوَى منازل قال: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
[البقرة/ ٢٨١] ، واتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء/ ١] ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ
[النور/ ٥٢] ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [النساء/ ١] ، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
[آل عمران/ ١٠٢] . وتخصيص كلّ واحد من هذه الألفاظ له ما بعد هذا الكتاب.
ويقال: اتَّقَى فلانٌ بكذا: إذا جعله وِقَايَةً لنفسه، وقوله: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[الزمر/ ٢٤] تنبيه على شدّة ما ينالهم، وأنّ أجدر شيء يَتَّقُونَ به من العذاب يوم القيامة هو وجوههم، فصار ذلك كقوله: وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم/ ٥٠] ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ [القمر/ ٤٨] .
стр. 864
وكد
وَكَّدْتُ القولَ والفعلَ، وأَكَّدْتُهُ: أحكمته. قال تعالى: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها
[النحل/ ٩١] والسّير الذي يشدّ به القربوس «١» يسمّى التَّأْكِيدَ، ويقال: تَوْكِيدٌ، والوَكَادُ: حبل يشدّ به البقر عند الحلب، قال الخليل «٢» : أَكَّدْتُ في عقد الأيمان أجود، ووَكَّدْتُ في القول أجود، تقول إذا عقدت: أَكَّدْتُ، وإذا حلفت وَكَّدْتُ ووَكَّدَ وَكْدَهُ: إذا قصد قصده وتخلّق بخلقه.
وكز
الوَكْزُ: الطّعن، والدّفع، والضّرب بجميع الكفّ. قال تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى
[القصص/ ١٥] .
وكل
التَّوْكِيلُ: أن تعتمد على غيرك وتجعله نائبا عنك، والوَكِيلُ فعيلٌ بمعنى المفعول. قال تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
[النساء/ ٨١] أي: اكتف به أن يتولّى أمرك، ويَتَوَكَّلَ لك، وعلى هذا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
[آل عمران/ ١٧٣] ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
[الأنعام/ ١٠٧] ، أي: بِمُوَكَّلٍ عليهم وحافظ لهم، كقوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى [الغاشية/ ٢٢- ٢٣] فعلى هذا قوله تعالى: قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام/ ٦٦] ، وقوله: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان/ ٤٣] ، أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
[النساء/ ١٠٩] أي: من يَتَوَكَّلُ عنهم؟ والتَّوَكُّلُ يقال على وجهين، يقال:
تَوَكَّلْتُ لفلان بمعنى: تولّيت له، ويقال: وَكَّلْتُهُ فَتَوَكَّلَ لي، وتَوَكَّلْتُ عليه بمعنى: اعتمدته قال : فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
[التوبة/ ٥١] ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
[الطلاق/ ٣] ، رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا
[الممتحنة/ ٤] ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا
[المائدة/ ٢٣] ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
[النساء/ ٨١] ، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود/ ١٢٣] ، وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان/ ٥٨] . وواكلَ فلانٌ: إذا ضيّع أمره مُتَّكِلًا على غيره، وتَوَاكَلَ القومُ: إذا اتَّكَلَ كلٌّ على الآخر، ورجلٌ وُكَلَةٌ تُكَلَةٌ: إذا اعتمد غيرَهُ في أمره، والوَكَالُ في الدابّة: أن لا يمشي إلّا بمشي غيره، وربّما فسّر الوَكِيلُ بالكفيل، والوَكِيلُ أعمّ، لأنّ كلّ كفيل وَكِيلٌ، وليس كلّ وَكِيلٍ كفيلا.
ولج
الوُلُوجُ: الدّخول في مضيق. قال تعالى:
стр. 865
حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
[الأعراف/ ٤٠] ، وقوله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
[الحج/ ٦١] فتنبيه على ما ركّب الله عليه العالم من زيادة الليل في النهار، وزيادة النهار في الليل، وذلك بحسب مطالع الشمس ومغاربها. والوَلِيجَةُ:
كلّ ما يتّخذه الإنسان معتمدا عليه، وليس من أهله، من قولهم: فلان وَلِيجَةٌ في القوم: إذا لحق بهم وليس منهم، إنسانا كان أو غيره. قال تعالى: وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً
[التوبة/ ١٦] وذلك مثل قوله:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة/ ٥١] ورجل خرجة وَلِجَةٌ «١» : كثير الخروج والوُلُوجِ.
وكأ
الوِكَاءُ: رباط الشيء، وقد يجعل الوِكَاءُ اسما لما يجعل فيه الشيء فيشدّ به، ومنه أَوْكَأْتُ فلاناً: جعلت له مُتَّكَأً، وتَوَكَّأَ على العصا: اعتمد بها وتشدّد بها. قال تعالى: هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
[طه/ ١٨] ، وفي الحديث: «كان يُوكِي بين الصّفا والمروة» «٢» قال معناه: يملأ ما بينهما سعيا كما يُوكَى السِّقَاءُ بعد الملء، ويقال:
أَوْكَيْتُ السِّقَاءَ ولا يقال أَوْكَأْتُ.
ولد
الوَلَدُ: المَوْلُودُ. يقال للواحد والجمع والصّغير والكبير. قال الله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ
[النساء/ ١١] ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ [الأنعام/ ١٠١] ويقال للمتبنّى وَلَدٌ، قال: أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً [القصص/ ٩] وقال: وَوالِدٍ وَما وَلَدَ
[البلد/ ٣] قال أبو الحسن: الوَلَدُ: الابن والابنة، والوُلْدُ هُمُ الأهلُ والوَلَدُ. ويقال: وُلِدَ فلانٌ. قال تعالى: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ [مريم/ ٣٣] ، وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ
[مريم/ ١٥] والأب يقال له وَالِدٌ، والأمّ وَالِدَةٌ، ويقال لهما وَالِدَانِ، قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ
[نوح/ ٢٨] والوَلِيدُ يقال لمن قرب عهده بالوِلَادَةِ وإن كان في الأصل يصحّ لمن قرب عهده أو بعد، كما يقال لمن قرب عهده بالاجتناء: جنيّ، فإذا كبر الوَلَدُ سقط عنه هذا الاسم، وجمعه:
وِلْدَانٌ، قال: يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً
[المزمل/ ١٧] والوَلِيدَةُ مختصّة بالإماء في عامّة كلامهم، واللِّدَةُ مختصّةٌ بالتِّرْبِ، يقال: فلانٌ لِدَةُ فلانٍ، وتِرْبُهُ، ونقصانه الواو، لأنّ أصله وِلْدَةٌ.
стр. 866
وتَوَلُّدُ الشيءِ من الشيء: حصوله عنه بسبب من الأسباب، وجمعُ الوَلَدِ أَوْلادٌ. قال تعالى: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[التغابن/ ١٥] ، إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ [التغابن/ ١٤] فجعل كلّهم فتنة وبعضهم عدوّا. وقيل:
الوُلْدُ جمعُ وَلَدٍ نحو: أُسْدٍ وأَسَدٍ، ويجوز أن يكون واحدا نحو: بُخْلٍ وبَخَلٍ، وعُرْبٍ وعَرَبٍ، وروي: (وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ) «١» وقرئ: مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ
[نوح/ ٢١] «٢» .
ولق
الوَلْقُ: الإسراع، ويقال: وَلَقَ الرجلُ يَلِقُ كذب، وقرئ: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
[النور/ ١٥] «٣» أي: تسرعون الكذب، من قولهم:
جاءت الإبل تَلِقُ، والأَوْلَقُ: من فيه جنون وهَوَجٌ، ورجلٌ مَأْلُوقٌ ومُؤْلَقٌ، وناقةٌ وَلْقَى:
سريعة، والوَلِيقَةُ: طعامٌ يتّخذ من السَّمْن، والوَلَقُ: أَخَفُّ الطّعنِ.
وهب
الهِبَةُ: أن تجعل ملكك لغيرك بغير عوض.
يقال: وَهَبْتُهُ هِبَةً ومَوْهِبَةً ومَوْهِباً. قال تعالى:
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ
[الأنعام/ ٨٤] ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
[إبراهيم/ ٣٩] ، إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
[مريم/ ١٩] ، فنَسَبَ المَلَكُ إلى نفسه الهِبَةَ لمّا كان سببا في إيصاله إليها، وقد قرئ: لِيَهَبَ لَكِ «٤» فنسب إلى الله تعالى، فهذا على الحقيقة، والأوّل على التّوسّع. وقال تعالى: فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً
[الشعراء/ ٢١] ، وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ [ص/ ٣٠] ، وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ [ص/ ٤٣] ، وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [مريم/ ٥٣] ، فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي
[مريم/ ٥] ، رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ
[الفرقان/ ٧٤] ، هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً [آل عمران/ ٨] ، هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص/ ٣٥] ، ويوصف الله تعالى بِالْوَاهِبِ والوَهَّابِ «٥» بمعنى:
أنه يعطي كلًّا على استحقاقه، وقوله: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها
[الأحزاب/ ٥٠] . والِاتِّهَابُ:
стр. 867
قبولُ الهبةِ، وفي الحديث: «لقد هممت أن لا أَتَّهِبَ إلّا من قرشيّ أو أنصاريّ أو ثقفيّ» «١» .
وهج
الوَهَجُ: حصولُ الضّوءِ والحرِّ من النّار، والوَهَجَانُ كذلك وقوله: وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً
[النبأ/ ١٣] أي: مضيئا، وقد وَهَجَتِ النارُ تَوْهَجُ، ووَهَجَ يَهِجُ ويَوْهَجُ، وتَوَهَّجَ الجوهر: تلألأ.
ولي
الوَلَاءُ والتَّوَالِي: أن يَحْصُلَ شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النّسبة، ومن حيث الدّين، ومن حيث الصّداقة والنّصرة والاعتقاد، والوِلَايَةُ النُّصْرةُ «٢» ، والوَلَايَةُ: تَوَلِّي الأمرِ، وقيل: الوِلَايَةُ والوَلَايَةُ نحو: الدِّلَالة والدَّلَالة، وحقيقته: تَوَلِّي الأمرِ. والوَلِيُّ والمَوْلَى يستعملان في ذلك كلُّ واحدٍ منهما يقال في معنى الفاعل. أي: المُوَالِي، وفي معنى المفعول. أي: المُوَالَى، يقال للمؤمن: هو وَلِيُّ اللهِ ولم يرد مَوْلَاهُ، وقد يقال: اللهُ تعالى وَلِيُّ المؤمنين ومَوْلَاهُمْ، فمِنَ الأوَّل قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة/ ٢٥٧] ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ
[الأعراف/ ١٩٦] ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران/ ٦٨] ، ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا
[محمد/ ١١] ، نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
[الأنفال/ ٤٠] ، وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى
[الحج/ ٧٨] ، قال : قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ
[الجمعة/ ٦] ، وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ
[التحريم/ ٤] ، ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ
[الأنعام/ ٦٢] والوالِي الذي في قوله: وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
[الرعد/ ١١] بمعنى الوَلِيِّ، ونفى الله تعالى الوَلَايَةَ بين المؤمنين والكافرين في غير آية، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ إلى قوله: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
[المائدة/ ٥١] «٣» ، لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ
стр. 868
وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ
[التوبة/ ٢٣] ، وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ
[الأعراف/ ٣] ، ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[الأنفال/ ٧٢] ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة/ ١] ، تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
إلى قوله: وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ [المائدة/ ٨٠- ٨١] «١» وجعل بين الكافرين والشّياطين مُوَالاةً في الدّنيا، ونفى بينهم المُوَالاةَ في الآخرة، قال الله تعالى في المُوَالاةُ بينهم في الدّنيا: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة/ ٦٧] وقال: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[الأعراف/ ٣٠] ، إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأعراف/ ٢٧] ، فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ [النساء/ ٧٦] فكما جعل بينهم وبين الشّيطان مُوَالاةً جعل للشّيطان في الدّنيا عليهم سلطانا فقال: إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ
[النحل/ ١٠٠] ونفى المُوَالاةَ بينهم في الآخرة، فقال في مُوَالاةِ الكفارِ بعضهم بعضا: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً
[الدخان/ ٤١] ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ [العنكبوت/ ٢٥] ، قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا الآية [القصص/ ٦٣] ، وقولهم تَوَلَّى إذا عدّي بنفسه اقتضى معنى الوَلَايَةِ، وحصوله في أقرب المواضع منه يقال: وَلَّيْتُ سمعي كذا، ووَلَّيْتُ عيني كذا، ووَلَّيْتُ وجهي كذا: أقبلت به عليه، قال الله : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
[البقرة/ ١٤٤] ، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[البقرة/ ١٤٤] وإذا عدّي ب (عن) لفظا أو تقديرا اقتضى معنى الإعراض وترك قربه. فمن الأوّل قوله: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
[المائدة/ ٥١] ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[المائدة/ ٥٦] . ومن الثاني قوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
[آل عمران/ ٦٣] ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ
[الغاشية/ ٢٣] ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا
[آل عمران/ ٦٤] ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
[محمد/ ٣٨] ، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
[التغابن/ ١٢] ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ
[الأنفال/ ٤٠] ، فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
[آل عمران/ ٨٢] والتَّوَلِّي قد يكون بالجسم، وقد يكون بترك الإصغاء والائتمار، قال الله :
стр. 869
وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ
[الأنفال/ ٢٠] أي:
لا تفعلوا ما فعل الموصوفون بقوله: وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً [نوح/ ٧] ولا ترتسموا قولَ من ذُكِرَ عنهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت/ ٢٦] ويقال: وَلَّاهُ دُبُرَهُ: إذا انهزم.
وقال تعالى: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ
[آل عمران/ ١١١] ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ
[الأنفال/ ١٦] ، وقوله: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
[مريم/ ٥] أي: ابنا يكون من أَوْلِيَائِكَ، وقوله: خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي
[مريم/ ٥] قيل: ابن العمّ، وقيل مَوَالِيهَ. وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ
[الإسراء/ ١١١] ، فيه نفي الوَلِيِّ بقوله : مِنَ الذُّلِّ إذ كان صالحو عباده هم أَوْلِيَاءُ اللهِ كما تقدم لكن مُوَالاتُهُمْ ليستولي هو تعالى بهم، وقوله: وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا
[الكهف/ ١٧] ، والوَلِيُّ:
المطرُ الذي يَلِي الوَسْمِيَّ، والمَوْلَى يقال للمعتِقِ، والمعتَقِ، والحليفِ، وابنِ العمِّ، والجارِ، وكلِّ من وَلِيَ أمرَ الآخرِ فهو وَلِيُّهُ، ويقال: فلان أَوْلَى بكذا. أي أحرى، قال تعالى:
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
[الأحزاب/ ٦] ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [آل عمران/ ٦٨] ، فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما [النساء/ ١٣٥] ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال/ ٧٥] وقيل:
أَوْلى لَكَ فَأَوْلى
[القيامة/ ٣٤] من هذا، معناه: العقاب أَوْلَى لك وبك، وقيل: هذا فعل المتعدّي بمعنى القرب، وقيل: معناه انزجر.
ويقال: وَلِيَ الشيءُ الشيءَ، وأَوْلَيْتُ الشيءَ شيئا آخرَ أي: جعلته يَلِيهِ، والوَلَاءُ في العتق: هو ما يورث به، و «نهي عن بيع الوَلَاءِ وعن هبته» »
، والمُوَالاةُ بين الشيئين: المتابعة.
وهن
الوَهْنُ: ضعف من حيث الخلق، أو الخلق.
قال تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
[مريم/ ٤] ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ
[آل عمران/ ١٤٦] ، وَهْناً عَلى وَهْنٍ
[لقمان/ ١٤] أي: كلّما عظم في بطنها: زادها ضعفا على ضعف: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ
[النساء/ ١٠٤] ، وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا [آل عمران/ ١٣٩] ، ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ
[الأنفال/ ١٨] .
وهى
الوَهْيُ: شقّ في الأديم والثّوب ونحوهما،
стр. 870
ومنه يقال: وَهَتْ عَزَالَيِ السّحابِ بمائها «١» ، قال تعالى: وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ
[الحاقة/ ١٦] وكلُّ شيءٍ استرخى رباطه فقد وَهِيَ.
وي
وَيْ كلمةٌ تُذْكَرُ للتَّحَسُّر، والتَّنَدُّم، والتَّعَجُّب، تقول: وَيْ لعبد الله، قال تعالى:
وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ
[القصص/ ٨٢] وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
[القصص/ ٨٢] ، وقيل: وَيْ لِزيدٍ، وقيل: وَيْكَ، كان وَيْلَ كَ فحذف منه اللام.
ويل
قال الأصمعيّ: وَيْلٌ قُبْحٌ، وقد يستعمل على التَّحَسُّر.
ووَيْسَ استصغارٌ. ووَيْحَ ترحُّمٌ. ومن قال: وَيْلٌ وادٍ «٢» في جهنّم، فإنه لم يرد أنّ وَيْلًا في اللّغة هو موضوع لهذا، وإنما أراد من قال الله تعالى ذلك فيه فقد استحقّ مقرّا من النّار، وثبت ذلك له. قال : فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ
[البقرة/ ٧٩] ، وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ [إبراهيم/ ٢] ، وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الجاثية/ ٧] ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [مريم/ ٣٧] ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا [الزخرف/ ٦٥] ، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين/ ١] ، وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ [الهمزة/ ١] ، يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا
[يس/ ٥٢] ، يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ [الأنبياء/ ٤٦] ، يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ [القلم/ ٣١] .
والله أعلم بمراده.
تمّ كتاب الواو
стр. 871
كتاب الياء
يبس
يَبِسَ الشيءُ يَيْبَسُ، واليَبْسُ: يَابِسُ النّباتِ، وهو ما كان فيه رطوبة فذهبت، واليَبَسُ: المكانُ يكون فيه ماء فيذهب. قال تعالى: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً
[طه/ ٧٧] والأَيْبَسَانِ «١» : ما لا لحم عليه من الساقين إلى الكعبين.
يتم
اليُتْمُ: انقطاع الصَّبيِّ عن أبيه قبل بلوغه، وفي سائر الحيوانات من قِبَلِ أمّه. قال تعالى:
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى
[الضحى/ ٦] ، وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان/ ٨] وجمعه:
يَتَامَى. قال تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ
[النساء/ ٢] ، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى [النساء/ ١٠] ، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى [البقرة/ ٢٢٠] وكلُّ منفردٍ يَتِيمٌ، يقال: دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ، تنبيها على أنّه انقطع مادّتها التي خرجت منها، وقيل: بَيْتٌ يَتِيمٌ تشبيها بالدّرّة اليَتِيمَةِ.
يد
الْيَدُ: الجارحة، أصله: يَدْيٌ لقولهم في جمعه: أَيْدٍ ويَدِيٌّ «٢» . وأَفعُلٌ في جمع فَعْلٍ أكثرُ. نحو: أفلُس وأكلُب، وقيل: يَدِيٌّ نحو:
عَبْدٍ وعَبِيدٍ، وقد جاء في جمع فَعَلٍ نحو: أَزمُن وأَجبُل. قال تعالى: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
[المائدة/ ١١] ، أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها
[الأعراف/ ١٩٥] وقولهم: يَدَيَانِ على أنّ أصله يَدْيٌ على وزن فَعْلٍ، ويَدَيْتُهُ: ضربت يَدَهُ، واستعير اليَدُ للنّعمة، فقيل: يَدَيْتُ إليه. أي: أسديت إليه،
стр. 872
وتجمع على أَيَادٍ، وقيل: يَدِيٌّ. قال الشاعر:
٤٧٤-
فإنّ له عندي يَدِيّاً وأَنْعُماً
«١» وللحوز والملك مرّة يقال: هذا في يَدِ فلانٍ.
أي: في حوزه وملكه. قال تعالى: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ
[البقرة/ ٢٣٧] وقولهم: وقع في يَدَيْ عَدْلٍ.
وللقوّة مرّةً، يقال: لفلان يَدٌ على كذا، ومالي بكذا يَدٌ، ومالي به يَدَانِ. قال الشاعر:
٤٧٥-
فاعمد لما تعلو فمالك بالّذي ... لا تستطيع من الأمور يَدَانِ
«٢» وشبّه الدّهر فجعل له يَدٌ في قولهم: يَدُ الدّهرِ، ويَدُ المِسْنَدِ، وكذلك الريح في قول الشاعر:
٤٧٦-
بِيَدِ الشّمال زمامها
«٣» لما له من القوّة ومنه، قيل: أنا يَدُكَ، ويقال:
وضع يَدَهُ في كذا: إذا شرع فيه. ويَدُهُ مطلقة:
عبارة عن إيتاء النّعيم، ويَدٌ مَغْلُولَةٌ: عبارة عن إمساكها. وعلى ذلك قيل: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[المائدة/ ٦٤] ، ويقال: نفضت يَدِي عن كذا. أي: خلّيت وقوله : إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ
[المائدة/ ١١٠] ، أي:
قوّيت يَدَكَ، وقوله: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة/ ٧٩] ، فنسبته إلى أَيْدِيهِمْ تنبيه على أنهم اختلقوه، وذلك كنسبة القول إلى أفواههم في قوله : ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ [التوبة/ ٣٠] ، تنبيها على اختلافهم.
وقوله: أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها
[الأعراف/ ١٩٥] ، وقوله: أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ
[ص/ ٤٥] ، إشارة إلى القوّة الموجودة لهم. وقوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ
[ص/ ١٧] ، أي: القوّة. وقوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
[التوبة/ ٢٩] ، أي: يعطون ما يعطون عن مقابلة نعمة عليهم في مقارّتهم. وموضع قوله:
стр. 873
عَنْ يَدٍ
في الإعراب. حال «١» . وقيل: بل اعتراف بأنّ أَيْدِيَكُمْ فوق أَيْدِيهِمْ. أي: يلتزمون الذّلّ.
وخذ كذا أثر ذي يَدَيْنِ «٢» ، ويقال: فلانٌ يَدُ فلانٍ أي: وَلِيُّهُ وناصرُهُ، ويقال لأولياء الله: هم أَيْدِي اللهِ، وعلى هذا الوجه قال : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
[الفتح/ ١٠] ، فإذا يَدُهُ ﵊ يَدُ اللهِ، وإذا كان يَدُهُ فوق أيديهم فيَدُ اللهِ فوق أيديهم، ويؤيّد ذلك ما روي: «لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويَدَهُ الّتي يبطش بها» «٣» وقوله تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا
[يس/ ٧١] ، وقوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ
[ص/ ٧٥] ، فعبارة عن تولّيه لخلقه باختراعه الذي ليس إلا له . وخصّ لفظ اليَدِ ليتصوّر لنا المعنى، إذ هو أجلّ الجوارح التي يتولّى بها الفعل فيما بيننا ليتصوّر لنا اختصاص المعنى لا لنتصوّر منه تشبيها، وقيل معناه: بنعمتي التي رشّحتها لهم، والباء فيه ليس كالباء في قولهم: قطعته بالسكّين، بل هو كقولهم: خرج بسيفه. أي: معه سيفه، معناه:
خلقته ومعه نعمتاي الدّنيويّة والأخرويّة اللّتان إذا رعاهما بلغ بهما السّعادة الكبرى. وقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
[الفتح/ ١٠] ، أي: نصرته ونعمته وقوّته، ويقال: رجل يَدِيٌّ، وامرأةٌ يَدِيَّةٌ.
أي: صناع، وأما قوله تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ
[الأعراف/ ١٤٩] ، أي: ندموا، يقال:
سقط في يَدِهِ وأسقط: عبارة عن المتحسّر، أي:
عمّن يقلّب كفّيه كما قال : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [الكهف/ ٤٢] ، وقوله: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [إبراهيم/ ٩] ، أي: كفّوا عمّا أمروا بقبوله من الحقّ، يقال: ردّ يَدَهُ في فمه. أي: أمسك ولم يجب «٤» ، وقيل: ردّوا أَيْدِيَ الأنبياءِ في أفواههم.
أي: قالوا ضعوا أناملكم على أفواهكم واسكتوا، وقيل: ردّوا نعم الله بأفواههم بتكذيبهم.
يسر
اليُسْرُ: ضدّ العسر. قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة/ ١٨٥] ، سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً
[الطلاق/ ٧] ، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً [الكهف/ ٨٨] ، فَالْجارِياتِ يُسْراً [الذاريات/ ٣] وتَيَسَّرَ كذا واسْتَيْسَرَ أي:
стр. 874
تسهّل، قال: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة/ ١٩٦] ، فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ
[المزمل/ ٢٠] أي: تسهّل وتهيّأ، ومنه:
أَيْسَرَتِ المرأةُ، وتَيَسَّرَتْ في كذا. أي: سهَّلته وهيّأته، قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ
[القمر/ ١٧] ، فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ
[مريم/ ٩٧] واليُسْرَى: السّهل، وقوله: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى
[الليل/ ٧] ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى [الليل/ ١٠] فهذا- وإن كان قد أعاره لفظ التَّيْسِيرِ- فهو على حسب ما قال : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران/ ٢١] . واليَسِيرُ والمَيْسُورُ: السّهلُ، قال تعالى: فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
[الإسراء/ ٢٨] واليَسِيرُ يقال في الشيء القليل، فعلى الأوّل يحمل قوله: يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
[الأحزاب/ ٣٠] ، وقوله: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
[الحج/ ٧٠] . وعلى الثاني يحمل قوله: وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً
[الأحزاب/ ١٤] والمَيْسَرَةُ واليَسَارُ عبارةٌ عن الغنى. قال تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ
[البقرة/ ٢٨٠] واليَسَارُ أختُ اليمين، وقيل: اليِسَارُ بالكسر، واليَسَرَاتُ: القوائمُ الخِفافُ، ومن اليُسْرِ المَيْسِرُ.
يأس
اليَأْسُ: انتفاءُ الطّمعِ، يقال: يَئِسَ واسْتَيْأَسَ مثل: عجب واستعجب، وسخر واستسخر. قال تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
[يوسف/ ٨٠] ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ
[يوسف/ ١١٠] ، قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ
[الممتحنة/ ١٣] ، إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ
[هود/ ٩] وقوله: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا
[الرعد/ ٣١] قيل: معناه: أفلم يعلموا «١» ، ولم يرد أنّ اليَأْسَ موضوع في كلامهم للعلم، وإنما قصد أنَّ يَأْسَ الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل بعد العلم بانتفاء ذلك، فإذا ثبوت يَأْسِهِمْ يقتضي ثبوت حصول علمهم.
يقن
اليَقِينُ من صفة العلم فوق المعرفة والدّراية وأخواتها، يقال: علم يَقِينٍ، ولا يقال: معرفة يَقِينٍ، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم، وقال: عِلْمَ الْيَقِينِ
[التكاثر/ ٥] «٢» ، وعَيْنَ الْيَقِينِ
[التكاثر/ ٧] «٣» وحَقُّ الْيَقِينِ
[الواقعة/ ٩٥] «٤» وبينها فروق مذكورة
стр. 875
في غير هذا الكتاب، يقال: اسْتَيْقَنَ وأَيْقَنَ، قال تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
[الجاثية/ ٣٢] ، وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ
[الذاريات/ ٢٠] ، لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
[البقرة/ ١١٨] وقوله : وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً
[النساء/ ١٥٧] أي: ما قتلوه قتلا تَيَقَّنُوهُ، بل إنما حكموا تخمينا ووهما.
اليم
اليَمُّ: البحر. قال تعالى: فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص/ ٧] ويَمَّمْتُ كذا، وتَيَمَّمْتُهُ:
قصدته، قال تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
[النساء/ ٤٣] وتَيَمَّمْتُهُ برمحي: قصدته دون غيره. واليَمَامُ: طيرٌ أصغرُ من الورشان، ويَمَامَةُ:
اسمُ امرأةٍ، وبها سمّيت مدينةُ اليَمَامَةِ.
يمن
اليَمِينُ: أصله الجارحة، واستعماله في وصف الله تعالى في قوله: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[الزمر/ ٦٧] على حدّ استعمال اليد فيه، وتخصيص اليَمِينِ في هذا المكان، والأرض بالقبضة حيث قال جلّ ذكره:
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الزمر/ ٦٧] «١» يختصّ بما بعد هذا الكتاب. وقوله:
إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ
[الصافات/ ٢٨] أي: عن الناحية التي كان منها الحقّ، فتصرفوننا عنها، وقوله: لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
[الحاقة/ ٤٥] أي: منعناه ودفعناه. فعبّر عن ذلك الأخذ باليَمِينِ كقولك: خذ بِيَمِينِ فلانٍ عن تعاطي الهجاء، وقيل: معناه بأشرف جوارحه وأشرف أحواله، وقوله جلّ ذكره: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ
[الواقعة/ ٢٧] أي: أصحاب السّعادات والمَيَامِنِ، وذلك على حسب تعارف الناس في العبارة عن المَيَامِنِ باليَمِينِ، وعن المشائم بالشّمال. واستعير اليَمِينُ للتَّيَمُّنِ والسعادة، وعلى ذلك وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ [الواقعة/ ٩٠- ٩١] ، وعلى هذا حمل:
٤٧٧-
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليَمِينِ
«٢» واليَمِينُ في الحلف مستعار من اليد اعتبارا بما يفعله المعاهد والمحالف وغيره. قال تعالى:
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
[القلم/ ٣٩] ، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
стр. 876
[النور/ ٥٣] ، لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ
[البقرة/ ٢٢٥] ، وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ
[التوبة/ ١٢] ، إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ
[التوبة/ ١٢] وقولهم: يَمِينُ اللهِ، فإضافته إليه هو إذا كان الحلف به.
ومولى اليَمِينِ: هو من بينك وبينه معاهدة، وقولهم: ملك يَمِينِي أنفذ وأبلغ من قولهم: في يدي، ولهذا قال تعالى: مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
[النور/ ٣٣] وقوله ﷺ آله: «الحجر الأسود يَمِينُ اللهِ» «١» أي: به يتوصّل إلى السّعادة المقرّبة إليه. ومن اليَمِينِ: تُنُووِلَ اليُمْنُ، يقال:
هو مَيْمُونُ النّقيبة. أي: مبارك، والمَيْمَنَةُ: ناحيةُ اليَمِينِ.
ينع
يَنَعَتِ الثمرةُ تَيْنَعُ يَنْعاً ويُنْعاً، وأَيْنَعَتْ إِينَاعاً، وهي يَانِعَةٌ ومُونِعَةٌ. قال: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ
[الأنعام/ ٩٩] وقرأ ابن أبي إسحاق «٢» (ويُنْعِهِ) «٣» ، وهو جمع يَانِعٍ، وهو المدرك البالغ.
يوم
اليَوْمُ يعبّر به عن وقت طلوع الشمس إلى غروبها. وقد يعبّر به عن مدّة من الزمان أيّ مدّة كانت، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
[آل عمران/ ١٥٥] ، وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ
[النحل/ ٨٧] ، وقال:
أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
[البقرة/ ٢٥٤] ، وغير ذلك، وقوله :
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
[إبراهيم/ ٥] فإضافة الأَيَّامِ إلى الله تعالى تشريف لأمرها لما أفاض الله عليهم من نعمه فيها. وقوله : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
الآية [فصلت/ ٩] ، فالكلام في تحقيقه يختصّ بغير هذا الكتاب. ويركّب يَوْمٌ مع «إذ» ، فيقال:
يَوْمَئِذٍ نحو قوله : فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ [المدثر/ ٩] وربّما يعرب ويبنى، وإذا بني فللإضافة إلى إذ.
стр. 877
يس
يس قيل معناه يا إنسان «١» ، والصحيح أنّ يس هو من حروف التّهجّي كسائر أوائل السّور،
يا
: يَا حرفُ النّداءِ «٢» ، ويستعمل في البعيد وإذا استعمل في الله نحو: (يَا ربِّ) فتنبيه للدّاعي أنه بعيد من عون الله وتوفيقه تمّ ما كتبناه بحمد الله وتوفيقه وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
стр. 878
الفهارس الفنيّة
стр. 879
مقدّمة للفهارس الفنيّة وفيها زيادة على ما تقدّم في ترجمة المؤلف
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإنّ كتاب «المفردات» للراغب الأصفهاني مع صغر حجمه جمّ الفوائد، كثير المسائل، غزير المنافع، وهو مرجع عظيم الأهميّة لجميع الباحثين والدّارسين الذين يشتغلون في علوم اللّغة العربية والتّفسير، فلذلك أحببت أن أسهّل على الباحثين مهمّة الرّجوع إليه لمراجعة أيّ كلمة، أو آية، أو مثل، أو حكمة، أو بيت من الشعر، أو مسألة عملية من مسائل العلم المختلفة، فعملت له فهارس علمية شاملة، جامعة وافية، لتحقّق المقصود، فكان مجموعها/ ٢٤/ فهرسا.
وأحببت هاهنا أن أذكر بعض الزّيادات والتوضيحات التي تتعلّق بالمؤلف وحياته وعصره، فأقول:
قد بيّنت في مقدمة الكتاب بطلان القول المشهور أنّ الراغب توفي سنة ٥٠٢ هـ، وقد ظهر لنا من خلال كتبه أنّ الراغب الأصفهاني أدرك عصر الصاحب بن عباد الوزير المشهور، لكنّه كان شابا يافعا، ولم يجالسه، والصاحب توفي سنة ٣٨٥ هـ، وتولّى بعده الوزارة أبو العباس الضّبي «١» ، واسمه أحمد بن ابراهيم وكان رجلا يحبّ العلم والعلماء، وأدركه الراغب، وحضر مجالسه، وتناظر وتباحث مع العلماء في مجلسه، ومع الوزير أيضا، كما مرّ الكلام في صفحة ٢٩ والذي يؤكّد ما قلته، ما ذكره الراغب نفسه في كتابه محاضرات الأدباء «٢» ، حيث قال: وتكلّم بعض أهل زماننا عند الصّاحب، فسأله عن شيء، فقال: لا، أطال الله بقاءك.
فقال: قل: لا، وأطال الله بقاءك.
فهذه دلالة يقينية أنّه أدرك العلماء الذين عاصروا الصاحب بن عبّاد وجالسوه، وأيضا فإنّ
стр. 880
عبد الصّمد بن بابك الشّاعر المفلق كما وصفه بذلك الفيروزآبادي «١» ، كان من مجالسي الصاحب بن عبّاد، وأحد الذين مدحوه، ثمّ رثوه لما توفي «٢» ، فقد أدركه الراغب ولكنه لم يجتمع به وإنما أدرك من اجتمع به، وهو أبو سعيد ابن مرداس الأصفهاني، وفي ذلك يقول الراغب «٣» :
حدّثني أبو سعيد ابن مرداس أنّه قعد مع جماعة فيهم ابن بابك تحت عريش كرم يشربون، فأصابهم مطر، فقال ابن بابك:
وشى بريّا إليّ ... طيف ألم فحيّا
ونبّهتني شمول ... تموت فيّ وأحيا
يا صخرة الرعد رشّي ... دمع الغمام عليّ
فحبذا الرّوح وردا ... ومنحني النور فيّا
هذي سماء مدام ... لم تمش فيها الحميّا
فكلّ كرم سماء ... وكلّ نجم ثريّا
وأبو منصور الثعالبي وهو من معاصري الراغب الأصفهاني كان قد اجتمع مع ابن بابك، كما ذكر هو فقال «٤» : سمعت أبا القاسم عبد الصمد بن بابك يقول: كان أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي المخزومي أشعر شعراء أهل العراق بعد ابن نباته السّعدي.
وإنما لم يذكر الثعالبي الراغب في اليتيمة، لأنه لم تصله أخباره، ولأنّ الراغب لم يكن من الشعراء المبرّزين.
وكان الرّاغب يحضر المجالس الأدبية، كما يحضر المجالس العلمية، وكان يجالس كبار أدباء عصره، ومنهم أبو القاسم ابن أبي العلاء، واسمه غانم، كان من الذين جالسوا الصاحب ابن عبّاد ومدحه بقصائد عديدة، ولمّا توفي الصّاحب رثاه أبو القاسم بعدّة قصائد «٥» ، وفيه يقول الثعالبي «٦» :
شاعر ملء ثوبه، محسن ملء فمه، مرغوب في ديباجة كلامه، متنافس في سحر شعره.
فقد ذكر الراغب»
أنّ أبا القاسم بن أبي العلاء أنشد يوما شعرا كاتب به رئيسا، وكنّا سمعناه