دمشق، فأكرمه صلاح الدين، واحترمه بحيث إنه كان يأكل معه، ويغسل يده معه في الطَّسْت، فحسده شمسُ الدِّين بن هُبيرة، وبلغ السُّلْطان، فقال: هذا وزير ابن وزير إلى أن ينقطع النَّفَس، مع الدِّين المتين، والزُّهْد في الدنيا، وغيره ليس كذلك، وأقام عند السلطان محترمًا إلى أن توفي في جُمادى الآخرة، ودفن بقاسيون، وصلى عليه السلطان، وقد بلغ أربعًا وأربعين سنة.
محمد بن أتابك إلدكز (١)
ولقبه شمس الدين البهلوان [وهو الذي ذكرنا أنه نزل على خِلاط عام أول، و] (٢) كان حاكمًا على العراق وأذربيجان والرّي وأصفهان، وكان اسم الملك واقعًا على طغريل بن رسلان بن طغريل بن [محمد بن] (٣) ملك شاه، وكان تحت حِجْر البهلوان، ويأكل البلاد باسمه، وكان ظالمًا فاتكًا، ولما احْتُضر أوصى إلى أخيه لأمه قزل، ومات [البهلوان] (٢) بهمَذَان، وخلَّف ما لم يخلفه أحد، أما الأموال فما تحصى، وأما المماليك فترك خمسة آلاف مملوك، وثلاثين ألف فرس وبغل وجمل، وأقام أخاه مقامه وشبَّ طغريل، فأَنِفَ من الاحتجار، فركب من هَمَذَان، ومعه مماليكُ أبيه ومماليكه، وجاء إلى أصبهان، وتبعه قزل، ووقعت الحرب، فأحرق قزل أصبهان حتى مدارسها ورُبُطها ومساجدها، ومات الناس جوعًا [بسبب ذلك] (٤).
السنة الثالثة والثمانون وخمس مئة
فيها فُتِحَ البيتُ المقدَّس، وعكا، وحصون السَّاحل، وسببه وقعة حِطِّين.
خرج السُّلْطان من دمشق غُرَّة المحرَّم بعساكر الشَّام، فنزل بُصْرى يرتقب وصول الحاج وأُخته ست الشَّام، وولدها ابن لاجين، وكان قد بلغه أنَّ إبرنس الكَرَك يرتقب
стр. 10257
وصولهم، فخاف من غَدْره، ووصل الحاجّ في أواخر المحرَّم، وخلا سِرُّ السُّلْطان منهم، فسار إلى الكَرَك، فقطَع الأشجار، ورعى الزُّروع، وفعل بالشَّوْبك كذلك، وأقام ينتظر عسكر مِصْر، وكان عند مسيره إلى الكرك قد أمر ولده الملك الأفضل أن ينزل على رأس الماء بطائفةٍ من العسكر ينتظر باقي العساكر الشَّرْقية، فأنهض الأفضلُ منهم طائفة للغارة على طبرية، وجعل مقدَّم العساكر الشَّرْقية مظفَّر الدِّين بن زين الدين، وعلى عسكر الشَّام صارم الدين قَيماز النَّجْمي، فنازلوا طبرية، وتقدَّم بدر الدين دُلْدُرم، وكان مقدَّم عسكر حلب إلى طبرية، فخرج إليه [مقدَّم] (١) الدَّاوية والإسبتار ومعهما جماعة، فقاتلوهم، فقتلهم دُلْدُرم، وأَسَرَ بعضهم، وسار إلى صَفُّورية، ففعل كذلك، وعاد بالأسارى إلى الأفضل، وهو على شقيف القيعان، وجاء السُّلْطان إلى تسيل؛ قرية غربي نوى، وصعِدَ على تلِّها، وعرض العساكر، وسُرَّ بما رأى، واندفع يوم الجمعة سابع عشرين ربيع الأول نحو فِيْق، ورحل الأفضلُ والعساكر معه، فالتقوا على القحوانة، وكان يقصد المسير إلى العدو يوم الجمعة تبركًا بأدعية الخُطباء، وخيَّم على ساحل البحيرة في اثني عشر ألفًا من الفرسان، فأما الرَّجَّالة فكثير، وخرج الفرنج من عكا، فلم يدعوا بها مُحتلمًا، فيقال: إنهم كانوا في ثمانين ألفًا ما بين فارسٍ وراجل، فنزلوا صفُّورية، وتقدَّم السُّلْطان إلى طبرية، فنصبَ عليها المجانيق، ونقَّب أسوارها، ففتحها يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر، وتمنَّعت القلعة عليه، وبها السِّتّ زوجة القومص، وتقدَّم الفرنج، فنزلوا لوبية يوم الجمعة عند طلوع الشَّمس، وملك المسلمون عليهم الماء، وكان يومًا حارًّا، والتهب عليهم الغَوْر، وأضرم مظفر الدِّين النَّار في الزروع، وباتوا طول الليل والمسلمون حَوْلَهم، فلما طلع الفجر من يوم السبت قاتلوا إلى الظُّهْر، وصَعِدُوا إلى تل حطين والنار تُضْرم حولهم، فهلكوا وتساقطوا من التَّل، وكان القومص معهم، فحمل وفتح له السلطان دَرْبًا، فصعِدَ إلى صفد، وعملت السُّيوف في الفرنج قَتْلًا وأَسْرًا، وأُسِرَ من الملوك: كاي وأخوه جفري وإبرنس الكرك، والهنفري، وصاحب جُبيل وبيروت وصيدا، ومقدم الداوية والإسبتار وغيرهم، وجيء إلى السُّلْطان بصليب الصَّلبوت، وهو مرصَّعٌ بالجواهر واليواقيت في
стр. 10258
غلافٍ من ذهب، [وهو عند النصارى مثل المسيح]، والذي أَسَرَ الملك دِرْباسُ الكُرْدي، والذي أسر إبرنس الكرك إبراهيمُ غلام المِهْراني، فلما رآهم السلطان [نزل، وسجد شكرًا لله تعالى، وجاء إلى خيمته، فاستدعاهم، فجلس الملك عن يمينه، وإبرنس الكرك إلى جانب الملك، ونظر السلطان] (١) إلى الملك وهو يلتهب عَطَشًا، فأمر له بقدح من ثَلْج وماء، فشربه وسقى الإبرنس، فقال له السُّلْطان: ما أَذِنْتُ لك في سَقْيه، فلِمَ سقيته؟ وكان السُّلْطان [قد] (١) نذر أن يقتل الأبرنس بيده، فقال له: يا ملعون، يا غدَّار، حلفتَ وغدرتَ ونكثتَ، وجعل يعدِّدُ عليه غدراته، ثم قام إليه فضربه بالسَّيف حَلَّ كتفه، وتمَّمه المماليك، وقطعوا رأسه، وأطعموا جُثَّته الكلاب، فلما رآه الملك قتيلًا خاف، وطار عقلُه، فأَمَّنه السُّلْطان، وقال: هذا غدَّار كذَّاب، غَدَرَ غير مرَّة.
ثم عَرَضَ السُّلْطان الإسلام على الدَّاوية والإسبتار، فمن أسلم منهم استبقاه، ومن لم يُسْلم قتله، فقتل خَلْقًا عظيمًا، وبعث بباقي الملوك والأسارى إلى دمشق إلى الصَّفي ابن القابض، فاعتقل الأعيان في القلعة، وبِيعَ الأسارى بثمنٍ بخس، حتى باع بعضُ الفقراء أسيرًا بنَعْلٍ، فقيل له: هذا ثمن بخس. فقال: أردتُ هوانهم. [ودخل القاضي ابن أبي عصرون] (١) دمشق، وصليب الصَّلبوت منكسًا بين يديه.
وعاد السُّلْطان إلى طبرية، وأمن صاحبتها، فخرجت بنفسها ومالها إلى عكا، وولَّى طبرية قَيماز النَّجْمي.
وأما القومص، فإنَّه خرج من صفد إلى طرابُلُس، فماتَ بها، فقيل: إنَّه مات من جراحاتٍ كانتْ به، وقيل: إنَّ امرأته سمَّته، وقالت: هذا كان سببًا في هلاك دين النَّصرانية.
وأكثر الشعراء في هذه الوقعة، فقال العماد الكاتب: [من الطويل]
حَطَطْتَ على حِطِّينَ قَدْرَ مُلُوكِهِمْ … ولم تُبْقِ من أجناس كُفْرِهُمُ جِنْسا
بطونُ ذئابِ الأَرْض صارت قبورَهُمْ … ولم تَرْضَ أرضٌ أنْ تكون لهم رَمْسا
وقد طابَ رَيَّانا على طَبَرِيَّةٍ … فيا طِيبَها رِيًّا ويا حُسْنَها مَرْسى
стр. 10259
وقال ابنُ السَّاعاتي: [من الوافر]
جَلَتْ عَزَماتُك الفَتْحَ المُبِينا … فقد قَرَّتْ عيونُ المُؤْمنينا
وهانَ بك الصَّليبُ وكادْ قِدْمًا … يَعُزُّ على العوالي أن يَهُونا
يقاتِلُ كلُّ ذي مُلْك رياءً … وأنتَ تقاتلُ الأعداءَ دِينا
فَقَلْبُ القُدْس مسرورٌ ولولا … سُطاك لكان مكتئبًا حزينا
من أبيات.
ذِكْرُ فَتْحِ عكَّا -[وفيها لغتان: المدّ، والنسبة إليها عكاوي،] (١) وعكه بالهاء- وسار السُّلْطان من طبرية، فنازل عكه يوم الأربعاء سَلْخ ربيع الآخر، وليس بها مَنْ يحميها، لأَنَّ وقعة حِطِّين أبادتهم، وكانوا ثلاثين ألفًا، فطلبوا منه الأمان على نفوسهم، وما يقدرون على حَمْله، فأمَّنهم، ودخَلَها يوم الجُمُعة غُرَّة جمادى الأُولى، وكان بها من أسارى المسلمين أربعة آلاف، فاستنقذهم، وجعل الكنيسة جامعًا، وولَّاها ولده الأفضل، وولَّى القضاء والخطابة والإمامة لعبد اللطيف بن أبي النَّجيب السُّهْرَوَرْدِي، وغَنِمَ المسلمون أموالًا لا تُحصى، لما دخلوا عكا رَكَزَ كلُّ واحدٍ رُمْحه على دارٍ، فأخذها وما فيها، وأعطى [السُّلْطان] (١) الفقيه عيسى جميعَ ما يختصُّ بالدَّاوية، ولم يحضر هذا الفتوح العادل، كان بمِصْر، فجاء، ففتح في طريقه مجدل يابا ويافا، وحضره الملك العزيز لأَنَّه قَدِمَ مع العسكر المِصْري، ومضى إلى مِصْر، وما عاد اجتمع بأبيه، وفارقه في شعبان والسُّلْطان على صور.
وكتب العماد الكاتب إلى بغداد كتابًا أَوَّله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] والحمدُ لله على ما أنجز من هذا الوَعْد، وعلى نُصْرته لهذا الدِّين الحنيف من قَبْلُ ومن بعد، وجَعَلَ من بعد عُسْير يُسْرًا، وأحدث بعد أمرٍ أمرًا، وهوَّن الأمر الذي ما كان الإسلام يستطيع عليه صَبْرًا، وخُوطب الدِّين بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه: ٣٧] فالأُولى في عَصْر النَّبيِّ ﷺ والصحابة، والأُخرى في هذه الدَّولة التي عَتَقَ فيها من رِقِّ الكآبة، والزَّمان كهيئته قد استدار، والحقّ ببهجته قد استنار، والكُفْر قد رَدَّ ما عنده من المُسْتعار.
стр. 10260
والخادم يشرح مِنْ هذا الأمر والفتح العظيم والنَّصْر الكريم ما يَشْرَحُ به صَدْرَ المؤمنين، ويسوء وجوه الكافرين، ويورد من البُشْرى ما أنعم الله به من يوم الخميس الثَّالث والعشرين من ربيع الآخر إلى يوم الخميس سَلْخه، وتلك سبع ليالٍ وثمانية أيام حُسُومًا (١)، عَدِمُوا فيها نفوسًا وجُسُومًا، فأصبحوا قد هَوَوْا في الهاوية ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وأصبحت البلاد إلى الإسلام ضاحكة، كما كانت بالكُفْر باكية، ففي يوم الخميس الأَول فُتِحَتْ طبرية، ويوم الجُمُعة والسبت كانت الكسرة التي ما أبقت منهم بقية، ولا يقوم لهم بعد قائمة ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] وفي يوم الخميس سَلْخ الشهر فتحت عكَّه بالأمان، ورفعت بها أعلام الإيمان، وهي أُمُّ البلاد، وأُخت إِرَم ذاتِ العماد، وصليبُ الصَّلبوت عندنا مأسور، وقلب الكُفْر الأسير بجيشه المكسور مكسور، وأنصار الصَّليب وأعوانه قد أحاطت بهم يد القَبْضة، وغَلِقَ رَهْنه فلا يقبل فيه القناطير المقنطرة من الذَّهب والفِضَّة، وطبرية قد رُفعت أعلامُ الإسلام عليها، ونَكَصَتْ من عكه مِلَّةُ الكُفْر على عَقِبيها، وعُمِّرت حتى شَهِدَتْ يوم الإسلام، وهو خيرُ يوميها، وصارت البِيَعُ مساجدَ يَعْمُرها من آمنَ بالله واليوم الآخر، وصارت المذابحُ مواقفَ لخطباء المنابر.
وعَدَّ الحصونَ التي فُتِحَتْ، وقال في آخر الكتاب: وما يتأخَّر النهوض إلى بيت المقدس، وهذا أوان فَتْحه، وقد دامَ عليه ظلامُ الضَّلال، وقد آن [أن] (٢) يُسْفِرَ فيه الهُدَى عن صُبْحه، والسَّلام.
[ذكر ما فتح السُّلْطان في هذه السنة من بلاد الفرنج بعد طبرية وعكا:
لما فتح عكا] (٢) سار السلطان إلى تِبْنين، فتسلَّمها بالأمان، وتسلَّم صيدا، وبيروت، وجُبيل، وغَزَّة، والدَّاروم، والرَّمْلة، ويُبْنى، وبيت جبريل، والخليل ﵇، ونازل عسقلان، فَقُتِلَ عليها حسام الدين المِهْراني، ثم تسلَّمها، فكان بين أَخْذِ الفرنج لها وبين خلاصها منهم خمسٌ وثلاثون سنة، لأنَّهم ملكوها في جُمادى
стр. 10261
الآخرة سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة، وفوَّض السُّلْطان القضاء والخطابة إلى جمال الدين عبد الله بن عمر قاضي اليمن، وتسلَّم السُّلْطان هذه الأماكن في أربعين يومًا، أولها ثامن عشرين جمادى الأولى، وآخرها ثامن شهر رجب.
ذِكْرُ فتوح القُدْس: سار إليه السُّلْطان، فنازله يوم الأحد منتصف رجب، وكان المنجِّمون قد قالوا له: تفتح القُدْس وتذهب عَينُك الواحدة. فقال: رضيت أن أفتحه وأعمى.
وكان قد نَزَلَ على غربيِّه أولًا، ثم انتقل إلى شماليِّه من باب العمود إلى بُرْج الزاوية، ومن هذا المكان أخذه الفرنج، وكان مشحونًا بالمقاتلة من الخيَّالة والرَّجَّالة ما يزيد على ستين ألفًا غير النِّساء والذُّرِّيَّة، فنصب عليه المجانيق وآلة القتال، وتعلَّق النَّقابون بالسُّور، وقاتل الفرنجُ قتالًا شديدًا، فلما رأوا أَنَّ المُسْلمين قد ظهروا عليهم سُقِط في أيديهم، وأيقنوا بالخِذْلان فصاحوا: الأمان، فبطل عنهم القتال، واستقرَّ الأمر على أن يخرجوا بأنفسهم وأموالهم وذُرِّيَّاتهم سوى الخيل الحربية والسِّلاح بعد أن يؤدِّي كلُّ واحدٍ منهم عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة دنانير، وعن الصَّبي أربعة دنانير، وعن الطِّفْل دينارًا، ومن عجز منهم كان رقيقًا يستملك، ومن أراد من النَّصارى الإقامة فليقم، وتُؤخذ منه الجِزْية، وأقرَّ بأيديهم القُمامة، وعيَّنوا أماكن يزورونها، وسَلَّموا البلد يوم الجمعة سابع وعشرين رجب ليلة المعراج، فكانت مُدَّة استيلاءِ الفرنج عليه اثنتين وتسعين سنة، لأَنَّهم أخذوه سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، [وفتح في هذه السنة؛ سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة] (١) ودخل السُّلْطان الصَّخرة، وغَسَلها بالماوَرْد وبلحيته وهو يبكي، ومحا الصُّور منها، وكَسَرَ الصُّلْبان، وأخرب دار الدَّاوية، وعمر المسجد الأقصى، وفرَّق الأموال التي أخذها من الفرنج -وكانت نيفًا وثلاث مئة ألف دينار- على العلماء والفقهاء والصُّوفية، وكان قد حَضَرَ معه هذا الفتح زُهاء عشرة آلاف عِمامة من جميع الأجناس، وتطاول جماعةٌ من الأعيان إلى الخطابة، فتذكَّر السُّلْطان قولَ ابنِ زكي الدين قاضي القضاة بدمشق: [من البسيط]
وفتحكم حلبًا بالسَّيف في صَفَرٍ … مُبَشِّرٌ بفتوح القُدْس في رَجَبِ
стр. 10262
فأعطاه الخطابة (١).
وقال ابن القادسي [في "ذيله"] (٢): إنَّ صلاح الدين خطب، [بالبيت المقدَّس] (٢)، وهو وهم منه.
وخلَّص السُّلْطان من القُدْس ثلاثة آلاف من أسارى المسلمين، وبعث مع الفرنج الدِّين كانوا في القدس من أوصلهم إلى صور، وكان بها المركيس.
[قلت: ولقد ضيَّع السُّلْطان الحزم بتسيير الفرنج إلى صور، ولم ينظر في عواقب الأمور، فإن اجتماعهم بصور كان سببًا لأخذهم البلاد، وقتلهم من قتلوا بعكا من أجناد الإسلام والأعيان، وقد كان الواجب عرضهم على الإسلام، فإن أبوا فالسيف، وهو أصدق أنباء من الكتب، وأنى وكيف. وما أشبه هذه القصة بفدية الأسارى يوم بدر حيث أشار بعض الصحابة لأخذ ذلك القدر، وبعضهم أشار بضرب رقاب، وما صدر ذلك الرأي إلا عن صدر، فلا جَرَمَ قتل منهم يوم أحد سبعون، وأسر سبعون من المسلمين، كما فعلوا يوم بدر بالمشركين] (٢).
وكان القاضي الفاضل بدمشق مريضًا لم يحضر هذا الفتح، فأمر السُّلْطان العماد، فكتب إلى بغداد بالفتح كتابًا منه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥].
الحمدُ لله الذي أنجز لعباده الصَّالحين وَعْدَ الاستخلاف، وقهر بأهل التوحيد أهل الشِّرْك والخلاف، وخَصَّ سُلْطان الدِّيوان العزيز بهذه الخلافة، وبدَّل الأمن به من المخافة، وادَّخر هذا الفَتْح الأسنى، والنَّصْر الأهنى لخادم المقام النَّبوي، ومنحه أخلصَ أوليائه وأخصّ أصفيائه بعد أن انقرض من الملوك الماضية، والقرون الخالية على حسرةِ تمنِّيه، وفوات ترجِّيه، وتقاصرت عنه الهمم، وتخاذلت عنه ملوك الأمم، فلله الحَمْدُ الذي حقَّق بفتحه ما كان في النَّفْس، وبدَّل وحشة الكُفْر فيه من الإسلام بالأُنس، وجعل عِزَّ يومه ماحيًا ذُلَّ أمس، وأسكنه العالم والفقيه بعد البطرك والقَسّ،
стр. 10263
وعُبَّاد الصَّليب والشَّمْس، وأخرج أهل [يوم] (١) الجمعة منه أهل [يوم] (١) الأحد، وقَمَعَ مَنْ كان يقول بالتَّثليث أهل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وقد فتح الخادم بحمد الله من الدَّاروم إلى طرابُلُس، وجميع ما حَوَتْ مملكة الفرنج إلى نابُلُس.
وذكر في "الفَتْح القسِّي" كلامًا في هذا المعنى، فقال: وغُسلت الصَّخرة بدموع الباكين من المؤمنين، ونُزِعَ لباسُ البأس عنها بإفاضةِ ثوب المُحْسنين، ورَجَعَ الإسلام الغريب منه إلى داره، وطلع قمرُ الهدى به من سِرَاره، وعادتِ الأرضُ المقدَّسة إلى ما كانت عليه من التَّقديس، وأُمنت المخاوف فيها وبها، فصارت صباح السُّرى ومناخ التَّعْريس، وأُقصي من المسجد الأقصى الأقصون من الله الأبعدون، وتوافد إليه المُصْطَفَوْن المقرَّبون، وخَرِسَ النَّاقوس بزَجَلِ (٢) المسبِّحين، وخَرَجَ المُفْسدون بدخول المُصْلحين، وقال المحرابُ لأهله: مرحبًا وأهلًا، وشمل جماعة المسلمين ما جَمَعَ الله لهم فيه شَمْلًا، ورُفعت الأعلامُ الإسلامية على منبره، فأخذت من بِرِّه أوفى نصيب، وتلَتْ بألسنة عِزِّها ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] وغُسلت الصَّخرة بدموع المتَّقين من دَنَس الكافرين، وبَعُدَ أهلُ الإلحاد من قُرْبها بقُرْب الموحِّدين، وذُكر بها ما نُسي من عهد المعراج النَّبوي والإعجاز المحمَّدي، وعاد الإسلامُ بإسلامِ البيت المقدَّس إلى تقديسه، ورجع بُنْيانه من التَّقوى إلى تأسيسه.
[وذكر العماد فصولًا في هذا المعنى] (١).
وفي شعبان سار السُّلْطان إلى صور، فوصلها غُرَّة رمضان، فوجدها مدينة حصينة؛ وهي في البحر مثل السَّفينة، والبحر محيطٌ بها من جوانبها، وليس لها طريقٌ إلى البر إلا من كان في القدس من مكان واحد فيه سبعة أبراج، وفيها المركيس، وكان شجاعًا حازمًا، وقد انضوى إليه جميعُ مَنْ كان في القُدْس والسَّاحل من الفرنج، وأقام السُّلْطان ينتظر الأُسطول من مِصْر، فوصل فقاتلهم في البر والبحر، واتَّفق أَن الأُسطول غَفَلَ ليلةً، فكبسه الفرنج، فأخذوا المراكب، ورمى بعضُهم نفسه في البحر فغرق، فتأخَّر السُّلْطان إلى سَلْخ شوَّال.
стр. 10264
ووصل إليه من بغداد تاجُ الدِّين أبو بكر حامد أخو العماد الكاتب، فالتقاه السُّلْطان وأكرمه، فكان معه رسالة وتذكرة مشحونة بالعتاب على أسباب: منها أَنَّ الخليفة عتبه لأجل ابن البُوشَنْجي، ويلقب بالرَّشيد، وكان صبيًّا [ببغداد] (١) لا يُؤبه إليه، فخرج إلى الشَّام، واتَّصل بصلاح الدين، وقيل له: هذا من بيتٍ كبير، وكان أديبًا، فأعجب السُّلْطان، فسأله أن يبعثه إلى بغداد في رسالة، فبعثه، فشقَّ على الخليفة، وقال: ما كان عنده غير هذا! وقصَّروا في حقِّه، فلما عاد إلى السُّلْطان تكلَّم بكلمات، وقال: ما التفتَ عليَّ وأُهِنْتُ.
ومنها أنَّ كلَّ من هَرَبَ من بغداد ولجأ إلى السُّلْطان يقبل عليه مثل تميرك وابن رئيس الرؤساء وابن هُبيرة وابن أبي النَّجيب وأمثالهم. ومنها مشاركته في لقب الخليفة بالنَّاصر، وأشياء من هذا الجنس، ثم قال في آخره: ويمنُّ علينا بفتح القدس، وهل فتح إلا بعساكر الدِّيوان وتحت راياته؟
فاستشاطَ السُّلْطان غضبًا، وقد كان يرجو أن يأتيه الكتاب من الخليفة يشكره على ما فعل، ثم قال السُّلْطان لأخي العماد: أما ابنُ البُوشَنْجي فمن عندكم جاء، وقيل لي: إنَّه من بيتٍ كبير، وصحبني، وسألني إنفاذه إلى بغداد ليمنَّ على أهله ويتجمَّل بكم، فما أمكنني رَدَّ سؤاله، وأما الدِّين التجؤوا إليَّ من أرباب البيوت، فإنَّ الإنسان قد يلتجئ إلى كوخِ عجوز في البرية، فيجيره من القتل، فأنا فعلتُ فِعْلَ العرب، وحَفِظْتُ الذِّمام، وعرفتُ حقَّ من قَصَدني ولجأ إليّ، وصُنْتُهم أيضًا عن الحاجة إلى النَّاس، فيصير ذلك عارًا عليكم.
وأما مشاركتي في اللَّقب، فوالله إنني ما اخترته ولا اقترحته، ولكن لما أزلتُ دولةَ عدوه القائمة من مئتي سنة وكسر، وفعلتُ ما فعلت، لقبني المستضيء بهذا اللقب، وكتَبَ من بغداد إلى نور الدِّين بذلك، ولم يكن في زمانكم، ثم لو وقع هذا، ففي عسكري عشرة آلاف تركماني وكُرْدي لَقَبُ كلِّ واحدٍ صلاح الدين، فلِمَ لا أفكر عليه؟
стр. 10265
وأما قوله: إنني فتحتُ القُدْس تحت راياته وعساكره، فأين راياتُه وعساكره: والله ما فتحته إلا بعساكري وتحت راياتي.
وأرعد السلطان وأبرق، وتأكدت الوَحْشة باطنًا، وأمسك السُّلْطان نفسه ظاهرًا، وأكَّد الوحشة قَتْلُ ابنِ المقدَّم في هذه السنة على عرفات، وسنذكره إنْ شاء الله تعالى.
وأمر الفاضل فكتَبَ كتابًا إلى الخليفة يقول فيه: المحاققة تُوجب المفارقة، وإغلاقُ هذا الباب خيرٌ مِنْ فتحه، واندمالُ هذا الجرح خير من اتِّساعه وخَرْقه.
قلتُ (١): وقد وقفتُ على نسخة الرِّسالة الواردة بالإنكار، وهي عن قِوامِ الدِّين يحيى بن زَبَادة؛ أُستاذ دار الخليفة إذ ذاك، ومن إنشائه، والجواب عنها إليه من إنشاء القاضي، وهي رسالةٌ غريبة أحببتُ إثباتها هاهنا، والجواب عنها، وصورتُها بعد البسملة: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] ما جمعه الله تعالى للملك الصَّالح صلاح الدِّين -أدام الله عُلُوَّه- من أشتاتِ المناقب، والآراء الصائبة الثَّواقب، والبصيرة النافذة في المبادي والعواقب، يغني عن إطالة الكلام في كَشْف الغامض الخفي، فَضْلًا عن الواضح الجليّ، ومعلوم أَنَّ الأولياء المحروص عليهم، المرغوب في عمارة قلوبهم، واستخلاص غائل صدورهم، واستدامة الحُسْنى منهم وفيهم، لا تُطْوى الأمور معهم على إدراج الأدراج، ولا تُغضى العيون منهم على إقذاء الأقذاء، ولا تسمح بهم لمراجم الظُّنون ومظانّ الشُّبُهات، ولا يترك تعريفهم كلَّ ما ينظر منهم، بحيثُ يكون الإنعام محفوظًا فيهم، وودائع الصَّنائع مستبقاة عندهم، ولولا مكان صلاح الدين من الخِدْمة الشَّريفة، والشُّحّ به، والمنافسة فيه لما جُوْهِر بالعِتاب، ولا رُفِعَ دونه هذا الحجاب، بل كان يُترك الأمر على اختلاله، ويُدْمل الجُرْح على اعتلاله، وإنما الذي سَبَقَ له من الخِدَم، وسيق إليه من النِّعَم، والزَّمان الذي استنفد في اصطناعه، وإطارة صيته وإطالة باعه، والمبالغة في أسباب عُلوِّه وارتفاعه، لا يسمح للغِيَر، ولا يعرض صفوه للكدر، ولا يرى
стр. 10266
الدِّيوان العزيز أن يطوي عمله عنه بما نشرت الأيام منه، ليعرف مكان النظر بتوقيفه عليه، وإيضاحه لديه، كل ذلك على سبيل التسديد والتهذيب، لا على وجه التوبيخ والتَّثْريب، وقد ذكرتُ الأسباب التي أخذها الدِّيوان العزيز عليه، واستغرب وقوعها من كماله، ليُرْعيها سَمْعَه الكريم، ويستوري فيها رأيه الأصيل القويم، ويُنصف في استماعها والإجابة عنها، غير عائج على الجدل، ولا مُوتَمٍّ بالمِراء المذمومَين شَرْعًا وعقلًا، بل يحملُ قولي هذا على سبيل المماحضة والانتصاح، وصدق النِّيَّة في رَأب الثَّأي (١) والإصلاح، فإنَّ اتِّخاذ الدَّواء الممر لا يُتَّهم فيه الطبيبُ المجتلب للعافية.
فمنها أَنَّ كل من نشد بالعراق غيرَ ضالَّتِهِ، واقتضى الأقضية بما لم يقض أَرَبه، أو جَهِلَ فَعُرِّف، أو اعوجّ فثُقّفْ، أو تهوَّر فوقف، أو أحوج إلى تهذيبه بالتأديب وسياسته، أو توجَّه عليه حقٌّ، فخاس به بخساسته، لا لعزته ونفاسته، لجأ إلى صلاح الدِّين -حَرَسَ الله مَجْدَه- في دَفْع حُدود الله وحقوقِ النَّاس عنه، فصار كساده عنده نَفَاقًا، ووجوب حرمانه لديه استحقاقًا، ووجد عنده الإقبال عليه، والقَبول والمسامحة له بكل ما يتسمَّجُ به ويقول، حتى سرى ذلك في كثير من سفهاء جنود أمير المؤمنين وأصحابه، وشاع عنهم التسمُّج فيما لا يصلح، وإلاقة (٢) الأَلْسن فيما لا يحسن، والاجتراء إلى كلِّ مقول تحظِّره الأديان والعقول، ويكرهه الله والرسول، ويَزْجُر عنه المرويُّ والمنقول، وينبو بقائله عن الصِّراط المستقيم، ويؤتي إلى كلِّ أمرٍ مُظْلمٍ بهيم، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] فتوهَّم هذا أنه لو لم يكن لهذه الأعلاق عنده نَفاق، لما قامت بها لديه الأسواق، وقد كان الورعُ الدِّيني والأدب الدنيوي يوجبان على صلاح الدين -حَرَسَ الله نعمته- أن يقف في رضاه وسخطه، واعطائه ومَنْعه، وتقريبه وإبعاده، وحِرْمانه وإسعاده عند إشارة الدِّيوان العزيز، ولا يكون له إرادةٌ في نفسه، فيقيم على هيبة الخِدْمة الشَّريفة، حسيبًا على ملامح الألحاظ، ومخارج الألفاظ، ومظانّ الإيماء والإيماض، حتى لا يكون لأحدٍ مطمعٌ في أن لا يكون بمرأى من الدِّيوان ومَسْمع، فإنَّ صلاح الدين هو العُدَّة لقَمْعِ الأعداء بالسُّيوف وإِصْلاتها، فكيف بكفِّ الألسنة الهاجرة واسكاتها؟ وأعجبُ الأشياء أَنَّه يظنُّ انطواء هذا
стр. 10267
أو ذا في دقائقه عن علوم الديوان العزيز، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠].
فصل: وإنَّ مما أضحك ثغر الاستعبار ما انتهى عن العوام وأشباه الأنعام وطَغَام الشَّام من الخوض في المذاهب، والانتهاء في التَّشْنيع إلى [اختلاق] (١) كلِّ قولٍ كاذب، أما يعلم صلاح الدين وكل من صافح الإسلام قلبه أن هذا البيت المعظَّم الهاشمي هو البيت الذي اختاره الله من بَرِيَّته، واستودعه أسرار نبوته، واسترعاه خَلْقَه، واستخلفه في أرضه، وتعبَّدَ الأُممَ بولائه، ورفع من قدره وشأنه، وقسم الجَنَّة والنَّار بين أوليائه وأعدائه، وخصَّه لسوق الدنيا بحذافيرها إليه، وتحريم الصَّدقة عليه، وغَرَسَ له في قلبِ كلِّ مؤمن حُبًّا، فقال عَزَّ من قائل: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فإذا كان ولاؤهم على غيرهم فَرْضًا، فكيف لا يتولى بعضهم بعضًا: أفصائرٌ دين الله مُضْغة لكلِّ جاهلٍ، أغلف القلب موقور السَّمْع، منزور العقل، مفتون العقيدة، قد حَطَّه الله عن أوج الاجتهاد إلى حضيض التقليد، وتردَّى من مكان بعيد، لا يفرِّق بين أيًا من أي، ولا يعرف الرُّشْد من الغَيّ، لا يعقِلُ الحقَّ فيتوخَّاه، ولا الباطل فيتوقَّاه، أما يعلمُ صلاح الدين أَنَّ هذا البيت المقدَّس عنه يؤخذ الفَرْض، ومنه تتلقَّى السُّنَة، وباعتقاد إمامته تنعقد الجماعة، يُعَلِّم ولا يُعَلَّم، ويُخرس كلَّ منطق إذا تكلَّم، ولهذا قال عليُّ بنُ أبي طالب ﵇: "نحن صنائع رَبِّنا، والنَّاسُ بَعْدُ صنائعٌ لنا" فما لكلِّ ذي ظَلْعٍ لا يَرْبَع على ظَلْعه، والخوضُ في دين الله؟ أما تعلم أَنَّ الحُكْم في دين الله مردودٌ إلى هذا البيت: أفرد الله تعالى بذلك منصب خليفته، وعزل عنه سائر خليقته، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيطَانَ إلا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].
ومنها: ما جرى من سَيف الإسلام بالحجاز من إزعاج الحُجَّاج، وإرهاج تلك الفِجاج، والإقدام على مناسك الله وشعائره، وإيقاد سعير الفِتن ونوائره، وتجديد السِّيَر القاسطة، وإحياء بِدَعِ القرامطة، ما نَفَر منه كلُّ طَبْعٍ، ومجَّه كلُّ سَمْعٍ، لأَنَّ مكَّة -حَرَسَها الله تعالى- هي أُمُّ الدِّين، الذي انتخبه وقرَّبه أمير المؤمنين، الذي أخرجه إرثًا عن آبائه الخلفاء الأبرار،
стр. 10268
والأنبياء المُصْطَفَين الأخيار، فهم أصحابُ هذا البيت مُذْ بوَّأَ الله إبراهيمَ مكانه، ورَفَعَ هو وإسماعيلُ قواعِدَه وأركانَه، وقد كان في الدُّهور المتطاولة، والفترات المتراخية من تداول الدُّوَل، وتناسخ الشَّرائع والمِلَل، ما عَجَزَ أهلُ السِّيَر عن ضَبْطه، وحَصِرَتِ التواريخ عن حَصْره، فلم يكن في هذه الأزمان كلِّها مَنْ تعرَّض لهذا البيت المنصور، في ذلك البيت المعمور، حتى كانتِ الملوكُ في الجاهلية وقَبْلَها يسمُّون هذا الحيَّ من ولد إسماعيل ﵇: أهل الله وسَدَنة بيته، فإذا كانت الظُّغاة والجبابرة، وأهل النِّحَل الكافرة، لم يعترضوا لتلك البقعة المباركة لعِلْمهم بسِرِّ الله تعالى فيها، وفي أهلها، وإحلال المَثُلاث بمن أخافها، وتعرَّض لها مع كونِ الدُّوَل والمِلَل متمالئة عليه، تطمع الآن فيه، والدول تخدمه، والأديان تعظِّمه، هذا من غرائب تساويل الشَّيطان، ومرامي الأطماع، وأماني النفوس، فهذه نبذةٌ من أمالي الشَّرْع وقضايا العقل عُزِيا إلى ما يوجبه الأدب، وعرفان مواقع النِّعَم، أما كان فيما أولاه أمير المؤمنين-صلوات الله عليه- وولاه من تلك البلاد والأطراف، والولايات الواسعة الضَّواحي والأرياف، إلى غير ذلك مما استكفاه فيه كفاف يصدُّه عن الطموح، إلى وطن أمير المؤمنين، والبيت الذي وقفه عليه ربُّ العالمين؟ فليس لأحدٍ مِنْ خَلْق الله تعالى فيه مطمع، ولا لبصرٍ من الأبصار نحوه مَطْمح، فكيف جاز لصلاح الدين أن يرخي عِنان أخيه فيما يقوِّض سوابقه وأواخيه، ويثبِّتُ عليه الحُجَّة، وتتعذَّر المعذرة فيه، هل هذا إلا تحككٌ بالغِيَر، وتنفيرٌ لأوانس النِّعَم؟ نعيذ صلاح الدين بالله مِنْ ذلك.
ومنها: ما قضى الناس منه العَجَب، وفُوْرِقَ فيه من الأدب والحَزْم ما وجب، التَّلَقُّب باللَّقب الذي استأثر به أمير المؤمنين -صلوات الله عليه- وجعله عَلَمًا لعظمته، وصار له كالاسم الأعظم الذي لا يُشارك فيه، ولا ينبغي لغيره، وقد شارف زمان الدَّولة -ثبَّتها الله- خوارج دوَّخوا البلاد، وأسرفوا في العناد، وجاسُوا خلال الدِّيار، وأخافوا المسالك، واستضاموا الممالك، واقتحموا من الشقاق أشقَّ المهالك، فما انتهى أحدٌ منهم فيما ارتكب واحتقب، إلى المشاركة في اللَّقب، فإنْ كان صلاح الدين رأى أو سَمِعَ من شارك الخلفاء الرَّاشدين ﵈ في أخصِّ صفاتهم، وانتهى إلى مساماتهم في سماتهم، فليمهد عذره بذكره والإعثار عليه، ليعلم أَنَّه بسعادته حذا على مثال، ونسجَ على منوال، وامتثل ما سَبَقَ إليه أمثال، وإلا فسبحان الله! أما كان في الألقاب الفاخرة النَّابهة مندوحة
стр. 10269
عن الوقوف على هذا المزلق المرتجِّ، وركوب هذا البحر الملتج، والمنازعة فيما لا يوجد له شاهد ولا محتجّ! ومن العجب أَنَّ أمير المؤمنين -صلوات الله عليه- يخاطبه من سمة الملك بما لم يكن له، ويزاحمه هو فيما ليس ينبغي لغيره، ومن الحِكَم البالغة في وجيز الكلام: الذي يَصْلُحُ للمولى على العَبْد حرام.
ومنها: أنَّ كلَّ طرف يتاخمُ الدِّيوان العزيز من مواطن التركمان والأكراد ما زال أهلُه رعيَّةَ العراق، وخَوَلَ الدِّيوان العزيز، يَرِثُون الطَّاعة خالفًا عن سالف، لا يعرفون سوى أبوابه، ولا يجتمعون على غير نوابه، يسافر صلاح الدين -أدام الله علوَّه- إليهم باستزلال أقدامهم، والاسترسال لإقدامهم، وفَلِّ عزائمهم، وطَمْس ما رقمه الزَّمان من الطَّاعة في صدورهم، أفما كان فيهم من ألان الديوان العزيز لصلاح الدِّين مقادته، وألزمهم طاعته، وجعلهم أتباعه وأجناده من جموع تلك الخطط وأمرائها، ومتقدِّمي بيوتها وقدماتها غُنْية عن أجناد الحضرة وأشياع الحوزة؟ ولعل أجمل أعذاره وأمهدها في نفسه أن يقول: إنني أواصِلُ من يواصله الديوان العزيز، وأتقرَّب إلى من يقرِّبه، وتلك خدعةُ الصَّبيِّ عن اللَّبن. وجواب ذلك من وجوه متعدِّدة: أحدها أنه لو كانت قصوده -كما ذكر- لكان ينبغي له أن يقدِّم استئمار الدِّيوان العزيز فيه، ولا يفاتح أحدَهُمْ بخطاب، ولا يسمح لهم إن فاتحوه بجواب دون المطالعة بذلك، وتنجُّزِ الإذن فيه، وعَرْضِ كلِّ ما يجري في عرض التكاتب والتراسل على رأي الدِّيوان العزيز، فما يرتضيه يمضيه، وما يردُّه يقف عند محدود أمره فيه.
والثاني: أَنَّ كلَّ من يتكفَّل الدِّيوان العزيز بأمره، ويقف به في الاستحقاق عند حدِّه وقَدْره، لا يجوز لأحدٍ من الأولياء بَسْطُ أمله إلى حيث يقبضه الديوان العزيز عنه، لأن الذي يُسْديه إلى عبيده من الإنعام، لا يحتاج من غيره إلى تمام، لاسيما إذا عُومل الدِّيوان مع هذه الأحوال الغريبة بالمعافصة والمكاتمة، فظهر على ذلك كلُّ ما يوجب الإيماء بالظُّنون، والإيماض بالعيون، وشاع من ذلك ما أنكرته قلوب الخواصّ، وأطلق ألسنة العوام، نظرًا إلى الظواهر والعادات التي لا يعتبر في الأكثر سواها، ولا يُحْكَمُ في الأغلب إلا عليها، وكتب الظَّواهر إذا حَسُنَتْ، والبواطن إذا عمرت سلمت
стр. 10270
من هواجم الأوهام البارعة، ورواجم الأقوال المنازعة، فكيف إذا تنكرت المخايل، واشتبهت الدلائل، فقد أضاع -أدام الله علوه- الحَزْمَ، ونكث عن اللائق بأمثاله من أكابر الأولياء الدِّين يقتدي بهم مَنْ دونهم، إلى غير ذلك من الأسباب التي توجب الاتِعاظ بها، ويُعَوَّل على الألمعية الكريمة في التبطُّنِ لها، كل هذا يجري والديوان العزيز لا يتأثر به، ويحمله على أحسن محامله ثقةً بصلاح الدين، واعتمادًا على صِدْق ولائه، وأصالة رأيه، وصحة معتقده، إلا أنه لما كَثُرَت الأقاويل النَّاشئة عن كل أمرٍ متوهَّمٍ مخيَّل أوجبَ الحزم أن يُواجه هذا المشروح بمثاله، ويُوازن بمقاله، ويكايل بمكياله، ليلمح صلاح الدين -أدام الله علوه- بتلطُّف فطنته النيِّرة مرمى الدِّيوان العزيز في ذلك، فيثوب إلى الواجب من قريب، ويرجع في مسالك المخالصة إلى سواء السَّبيل، فما أشار عليه بذلك مَنْ نصحه، ولا سوَّل له مَنْ شَكَرَ صنيعه عنده، لأنه عَرَضٌ لا يظن ويطنُّ به، ويشكك ويتشكك فيه، وما هذا إلا مِنْ حاسدٍ حَسَدَ صلاحَ الدين على نِعَمِ الدِّيوان العزيز، ولم يستطع أن يغير آراءه الجميلة فيه، فغيَّره هو عليه.
ثمْ من أدلِّ الأشياء على صفاء رأي الدِّيوان العزيز، وتلونه بسعادته (١) عليه ما جرى في البوازيج، وهو عضو من أعضاء العراق، كان الدِّيوان قد استولى عليها، ودخل العسكر المنصور من أقطارها، وأقام شمس الدين مقلَّد بن مهارش بها، يستطلع الأوامر الشَّريفة فيها، فأوعز إليه بالخروج عنها لمكان الوثوق بصلاح الدِّين، وما سبق من حلفه مغلَّظات الأيمان، المودعة خُزُن الدِّيوان، أنه يفتتحها وتكريت معًا، ويسلمها إليه، فركن منه إلى ذلك، وأعذر بالمهلة، وأخذ معه بوثائق الحُجَّة، ثم نقضت بالانتظار والإمهال المُدَّة، فلم يعضد ذلك القولَ فِعْلٌ، ولا لاحت له أمارة، ولا تحرَّك فيه ساكن، وطارت بذلك الوعد عنقاءُ مغرب، مع أَنَّ الديوان العزيز ما كان يتعذَّر عليه أخذ البوازيج ولا غيرها، فإنَّ عسكره المنصور قد فتح القلاع الناهية بين الخَلْق، فاستنزل أهلها من صياصيها الشُّمْخ الشم، فلم تكن البوازبج المستأمَنة بأطماع التركمان، المستأمِنة برعاتها لتمتنع عن الجيوش المنصورة، التي تكفل الله بإظهارها
стр. 10271
في كلِّ ما قط، وأيدها بالملائكة في كل ما رق، ولكنَّ حِفْظَ قلبِ صلاح الدين الذي حفظه عند الدِّيوان العزيز من أهمِّ المطالب، واصطفاء ولائه الذي هو أنفس الرَّغائب، ثم رعى الديوان العزيز مع ذلك دقيقةً مهمة، وصوبًا ظاهر الصَّواب، خفيَّ اللَّمْحِ، وهو أن يُظْهِرَ للكافة أَنَّ عند صلاح الدين من حُسْنِ الطاعة ونقاء السريرة، والاجتهاد في مراضي الخدمة ما بعثه على انتزاع البلاد من مخالب الآساد، اقتسارًا وحَرْبًا، وتسليمها إلى الديوان العزيز صَفْوًا عفوًا، خدمةً يطَوَّع بها من تلقاء نفسه، وامتيازًا على كلِّ من يناصبه من أبناء جنسه، واحتجاجًا لأمير المؤمنين -صلوات الله عليه- في اختصاصه وإدنائه، وليعرف أصحابُ الأطراف وولاة الممالك أنَّ مُثُلَ الديوان العزيز إلى صلاح الدين دونهم، وإبطائه إعفاءهم (١)، والإنافة به عليهم عن استحقاق بجميلِ المساعي، واستحبابٍ بحميد الوسائل والدَّواعي، لأن الديوان العزيز خصَّ صلاح الدين بالأَثَرةِ والتقديم، ورفع بناءه على كلِّ بيت قديم، واستهدف فيه مع أصحاب الأطراف، وذوي التيجان الموروثة عن الأسلاف لكلِّ معتبة، واحتمل منهم في سبيله كلَّ لائمة، ولو لم يكن في إحفاظهم، وتنكُّرِ طباعهم، وخطأ حظّهم إلا ما يوجد به -أدام الله رفعته- من بينهم، وقطع به أنفاس منافساتهم من خطابه بالمُلْك، حتى لم يبقَ من يخاطبه قلمُ الديوان العزيز ملكًا سواه، لكان ذلك كافيًا في إنفار قلوبهم، وإيغار صدورهم، واستثارة حفائظهم، واستخراج ضغائنهم، وكأَنِّي بصلاح الدين قد عارض هذه المعاتبة الحازمة، والمراشد الجازمة، والحجج الثَّابتة اللازمة بالامتنان بفتح مِصْر، وجهاد أهلِ الشِّرْك، وسدِّ تلك الثغور المنفرجة، وتمهيد تلك الخطط المضطربة، فإن كان المقصود الجنوح إلى المواربة، والتجانف عن الموافقة والمجامعة، والأخذ في الجدل، وإبراز شُبَهِ في معترض الحِجاج، فذاك أطولُ من الأعمار، وقد جُودل في الآيات المحكمة وصحاح الأخبار، وما أمسكت قط الألسن الأهوية والإعراض عن المماراة والاعتراض، وإن كان المقصود بمحض القول محض الحقِّ، فلا مِرْية أن فوائد فتح مصر كلها مقصورة على صلاح الدِّين -أدام الله سعده- في إطالة الباع، وإطارة الصِّيت، وتأثيل المجد، واجتلابِ الدَّرِّ، والمزاحمة بمنكب
стр. 10272
الملك، والتخطِّي إلى مقام لم يكن له من قبل، والديوان العزيز في نجوةٍ من ذلك كلِّه، لأن منصب الإمامة المفروضة لا تزيده مصر والثُّغور إذا فتحت، ولا تنقصه إذا استغلقت، وقد كان صيت رسول الله ﷺ في السماء مشهورًا، وصوت بلال بالأذان في القليب مستورًا، ولقد قُبض رسول الله ﷺ ولم يَعْدُ سُلْطانُه دُومة الجندل والبحرين، فما كان ضِيقُ رقعة مملكته قادحًا في سَعَة أجزاء نبوته، وكانت الولاية الحقيقية في الدنيا له، وإن كانت أسياف أهلها عليه، وكذلك الإمامة التي هي وراثةُ النُّبوة، فلو لم يكن لأمير المؤمنين -ثبَّت الله دعوته- من دنياه إلا مكان مسجده ومصلاه، لما أبطل تغلُّبُ الباطلِ عليها حقَّه، ولا أخرجه استيلاءُ الطُّغيان عن ملكه لها، وطالما كانت مصر في أيدي الخوارج المارقين، وما أَثَّر ذلك في مماجد الخلافة وإمرة أمير المؤمنين، وكما لم يقدح استيلاءُ المُشْركين على بلاد الشَّام، وهي لمقر الخلافة والإمامة أقرب، كذلك لم يقدح استيلاءُ الخارجين على مصر، وهي عنها أبعد، وأمير المؤمنين -صلواتُ الله عليه- صاحبُ الأرضِ بأَسْرها، والمستحقُّ لها باستخلاف الله تعالى إياه فيها، سواءٌ زُويت كلُّها له أو زُويت عنه، فإنْ نافره منافِرٌ كان كما لو كَفَرَ بالله كافر، فكما لا يُخْرِجُ الكافرَ كُفْرُه أن يكون عبدًا لله، فكذلك التغلُّب على الأرض لا يخرجها عن استحقاقِ خليفة الله، وإذا فخرت الملوك بالممالك، فخرت الممالك بالخلائف، وبعدُ، فوالله ما كانت مِصْرُ محميةً بمن كان فيها، بل باشتغال الخلفاء الرَّاشدين ﵈ بالأحداث عنها، وما زال عمال الدولة القاهرة حاكمين فيها إلى أن تجدَّدت الأخلاف الشَّاجرة، والفتن النَّائرة، وانتثال الخوارج من كلِّ صوب، وانتزاء النَّواجم من كل أوب، فَشُغِلَ الدِّيوان العزيز عمن تغلَّب على مِصْر من الباغين، كما شُغِلَ عمن تغلَّب على الشَّام من المشركين، وباباتهم، تَمَّ ذلك كلُّه (١): ممن خرج على الخلافة وعصاها، وفارق الجماعة وشَقَّ عصاها، ولم يكن الديوان في أثناء ذلك كلِّه مهملًا لمِصْر، ولا غافلًا عما فعل الظالمون، ولكن أخَّر ذلك إلى حين بلوغ أجلِ الكتاب في التدبير، أَخْذًا بسُنَّة الله تعالى في تقديم الإملاء على التدبير، وكوتب الصَّالح نور الدين محمود بن زَنْكي -
стр. 10273
﵀ في تلك الأيام السعيدة المقتفية -قدَّسها الله تعالى- لأنه كان يومئذٍ نائبَ الدِّيوان العزيز في ذلك الطَّرف بالشرْع في أمر مِصْر، وأن يُعملَ فِكْره، ويستوريَ رأيه، وينتضيَ عزمه، وأنْ يهجرَ الدَّعَة، متجرِّدًا في نَصَبه وانتصابه، إلى أَنْ يستقرَّ حقُّها في نصابه، وكان أسدُ الدين شيركوه ﵀ ظهيره يومئذٍ، فتظاهرا على امتثال ذلك المرسوم، وأصَّلا لذلك الأمر أساسًا، وفتلا له أمراسًا، وكان صلاحُ الدين المخصوص باختتام مناقبها، واعتلاء مراقبها، والاستئثار بفخر صدورها، فتقدَّمَ الدِّيوان العزيز بقِدَمِ أسبابه حتى أقدم، وابتدائه حتى تمَّم، واحتطب له حتى أضرم، وهل كانت نائبة مِصْر إلا طيفًا حلم به الزَّمان، ورقيمة كُفْرٍ محاها الإيمان، ومَعْلَمَ باطلٍ زَحَفَ به الحقّ، فدرس عفاء، وزبدًا احتمله السَّيل فذهب جُفاءً، وإنْ أنصفَ صلاحُ الدين عَلِمَ أَنَّه ما فتح تلك الأَرْتاج، وتسنَّى تلك الاستزادة إلا بيُمْن آراء الدِّيوان العزيز وتسديده، ولا فتح أقاليمها إلا بتقليد تقليده، فإنَّه استند من عِزِّ الخلافة الشَّريفة إلى حَوْلٍ لا يُحاول، وسما من طَوْدِها إلى طَوْدٍ لا يُطاول، وجاش من جُيوشها بصلالٍ لا يُصاول، فذلَّ له كلُّ صَعْب، والتأم به كلُّ شِعْب، وأسلست له المصاعب قِيادَها، وقرَّبت له الآمالُ آمادها، حتى أباح تلك الأرضين وأبادها، وفَرَسَتْ ثعالبه آسادَها، ورسا أصل إمرته ورسخ، وسما فَرْعُها وشمخ، وكذلك كلُّ مَنْ تقدَّم وسلف، وكذا يكون كل من تأخر وخَلَف، ممن عَصَبَتْ عليه النباهة تاجًا، ونَصَبَتْ له الرِّياسة مِعْراجًا، فَمَن الذي ارتفع شأنه إلا بإعلائها، ولُويَتْ له الرِّقابُ إلا بلوائها، أو نَبُهَ اسمٌ إلا بتنويهها وإسمائها، وأخصب له جنابٌ إلا في رَوْضها المَرُود، أو نَقَعَ له أُوام مرامه إلا من حَوْضها المورود، أَوْ علت له ذروةُ مجدٍ إلا على ضوامرها القُود، أو رأى يومًا أبيض إلا تحت راياتها السُّود، وهذا كلُّه لا أقوله إنكارًا لجلائل مقاماتِ صلاح الدين، ومشاهير مواقف جهاده في سبيل الله تعالى ونَصْرِ المسلمين، ولا طمسًا لآثار مآثره التي طرَّزت السِّيَر، ولا رينًا على أيامه الواضحة الغرر، ولا جَحْدًا لمناقبه في النِّضال عن الدولة القاهرة، والنصح لدعوتها الهادية، وركوب الأخطار في إعلاء كلمة الدين حتى قام أوده، وجثومه على رجفان الزَّمان حتى سكن ميده. وإنه -أدام الله علوَّه- رجل وقته، ونسيج وَحْدِه، والمُرْبي على كلِّ من سَلَفَ من صنائع الدَّولة القاهرة، وعلى من يأتي من بعده، ولكنه الولي المخلص، الذي
стр. 10274
عهد فوفى، واسْتكفي فكفى، وطَبَّ فشفى، ونَهَجَ محجة الطاعة فلم يغادر فيها أَمْتًا ولا جَنَفًا، فكيف يجوز له بسعادته أن يُهَجِّنَ مساعيه الغُرَّ المحجلة، ويُهْبِطَ مكانته المكرمة المبجلة، ويُبْطِلَ حقوقه الثابتة المسجلة، ويخْرج عن يده رأيًا لا تقوم الممالك إلا بأمره، ولا تطمئن المنابر إلا بذكره، ولا يصحُّ نَسَبُ الفخر إلا بالانتماء إلى عبوديته، وليس في سائر الوجوه عنه عِوَض، ولا يأخذ من الخَلْق عنه عفاء لا سيَّما صلاح الدين وأمثاله من أكابر الدِّيوان لا يَفْرعون ذروةَ المجد، ولا يستمدُّون وطاء المُلْك، ولا يستصغرون الخدودَ الصُّعْر، ولا يستذلون الرِّقاب الغُلْب، ولا يتوطَّد لهم مقام زَلِق، ولا يتحزَّمُ لهم وضينٌ قَلِق، إلا إذا استندوا إلى رُكْنه، وأووا إلى ربوة خدمته، وأشرقت عليهم أشعة طاعته، وماسوا في ذلاذل تشريفاته، وكاثروا بجنود حدوده، واستنجدوا بالملائكة التي لا تسوَّم إلا لنصره، فقد عَلِمَ كلُّ مَنْ نظر في التَّواريخ والآثار، ونصحته بصيرتُه في التبضُر والاعتبار، أَنَّ هذا البيت المُعَظَّم مازال يرفع الأقدارَ الخاملة، ويسم الأغفال الهاملة، ويجذب بصنع العبيد من كلِّ مهوى بعيد، تقبلًا لسنة الله تعالى في الإيجاد من العدم، وعموم الأُمم بالنِّعم، فيثورون عليه بطرًا، فيغار الله له منتصرًا، ويعقبه عليهم إظهارًا وظَفَرًا، كدأب آل طولون وآل سامان وآل بُويه وآل سَلْجُوق، وقرونًا بين ذلك كثيرًا، فمن الذي زلزلوه فَثبَتَ؟ ومن ذا الذي حصدوه فنبت؟ وأيّ نار أوقدوها فَخَبَتْ؟ كلا والله ما طاش لهم سَهْمٌ، ولا صَلَدَ لهم زَنْد، ولا فُلَّ لهم حَدّ، ولا قامت إلا ببقائهم قائمة، وهذا أمرٌ عقده الله في سمائه، وحكم بإنفاذه وإمضائه، وعنون به سِرَّ قَدَره وقضائه، ونَصَبَه عَلَمًا على إسخاطه وإرضائه، فمن ذا الذي يحلُّ معاقدَ الأقدار، ويطور بهذه الأطوار، ويمانعُ شامخَ الفلك الدَّوَّار، ويكشف الأستار عن مراد الله في هذه الأسرار؟ ولما اعترض فيه الملائكة المقرَّبون أُسْكتوا وبُكِّتوا بأني أعلم نبأَ ما لا تعلمون، فبالله عليه بسعادته ما الذي أحوجه إلى فَصْمِ العِصَمِ عن بيتٍ هذا مُرْتقاه في الدُّنيا، وله الشَّفاعة والمقامُ المحمود في العُقْبى؟ وما الذي حمله على هذه الوحشات؟ هل استكثر له جزيل المال؟ أو أُنيف بغيره إلى هذا المكان العال؟ أو طُولب بحقِّ الله مما اختاره من الغنائم والأنفال؟ أو حُطَّتْ له رتبة؟ أو ذُلِّلت له صعبة؟ أو طُومِنَ له بَأْوٌ، أو كُفْكِفَ له شَأْو؟ لا والله، بل جعله أمير المؤمنين -صلواتُ الله
стр. 10275
عليه- مطمحًا للأبصار، وعنوانًا لولاةِ الضَّواحي والأمصار، وتاجًا على رؤوس الموالي والأنصار، وأَرْبى به على كلِّ مجد، ووَسَّطَ به كل عِقْد، وأَسْلَفه من النِّعم الشَّريفة في هذا الأمد القصير من التنويه والتنويل، ما لا يُدْرك في المساعي العظيمة في الزَّمان الطويل، بحُسْن فراسةٍ فيه، وجميلِ ظَنٍّ به، وبصيرةِ الرأي في اصطفائه، واستزكاء لمغارس الصُّنْع عنده، فلا ينبغي له مع هذه المزايا التي أصبح بفخرها نابهًا، والعطايا التي أضحى في نعمائها دون الأنام فاكهًا، أن يُصالت من أصلته دون كل سَيفٍ مغمد، وأشبَّ ناره دون كلِّ وقود مخمد، ولا يحملنَّ صلاحُ الدين -أدام الله علوَّه- هذا العِتابَ اللطيف، والإبداء والإعادة في التأنيس والتوقيف على صورةٍ ملجئة إليه، ولا حافر باغيةٍ عليه، بل مجرَّد حرص الديوان على استضواء أقباسه، واستثمار أغراسه، وإلا فإنَّ وراء كتبه كتائب تغصُّ الفضا، وتنصُّ القضا، قوية السُّطا، موصولة السيوف بالخُطَا، بأسهم شديد، وقلوبهم تحت الحديد حديد، غانين بالكثرة والأَيد، عن دقيق الحِيل والكيد، يقارعون على الحَقّ، ويغيرون على الموت في سبيله، والآن فلا يكونن قول هذا مستدعيًا للمناقضة، ومفتاحًا للمعارضة، فإنِّي أعلم أَنَّ عنده بسعادته أذهانًا صقيلة، وألسنة قؤولة، وأقلامًا في هياج الاحتجاج صؤولة، لكن لسنا في تحاسين الأقوال، وتلافيق المِراء والجدال، والاستباق في مضمار الكلام، وإنما نحن في معاظم، وتسكين ثوائر، وإطفاء نوائر، وتمهيد أمر مائر، وحدٍّ لا يجوز فيه التجوز، ولا يصلح فيه إلا الإنصات إلى الحق والإنصاف في الحكم به، وأنا معذور، بل مشكور على تشقيق المقال في هذا المعترك من وجوه كثيرة، منها: مذهبي في الصِّدق، وإدارة إرادتي على نَهْجِ الحق، وإنني في هذه السعادة جئت على فَتْرَةٍ من الرُّسُل، وتراخٍ من الكتب، وثائرٍ من القلوب، ولم أجد لإدمال هذه الجراح على أصل الصحة والصَّلاح، إلا بالقول المحض، والصِّدْق الصراح، وربما أُتَّهمُ في قول هذا بإغراقي في النَّصيحة، وكَشْفي الأغطية، وقديمًا وقَعَ ذلك لكلِّ مصلح، وقد يستفيد الظِّنَّةَ المنتصح، ولكن مقامي هذا لا يحتمل اللَّجْلَجة والمسايرة دون المصارحة والمظاهرة، والانتهاء إلى الغاية التي توجبها الأمانة، وكفانا بالتعيين في هذه السِّفارة على تاج الدين -أدام الله علوه- فإن الله سبحانه امتنَّ على الأُمم بابتعاث الرسل إليهم
стр. 10276
من أنفسهم، وقد بلغتُ جَهْدي في الكشف عن وجه الأمر ليؤْتَى تدبيرٌ من صَوْب الصَّواب، والله الموفق لتيسير الدَّواعي والأسباب، بمنه وكَرَمه، اللهم هل بَلَّغْتُ؟ وللرأي السَّامي الصَّلاحي علوُّه، إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السُّلْطان صلاح الدِّين ﵀ من إنشاء القاضي الفاضل ﵀: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. أدام الله أيام المجلس السَّامي القِوامي إدامةً تؤذن بتشييد معاليه، ويشتمل بيُمْنها وبركتها حاضر وقته وتاليه، ويؤيد من يواليه مواليه، ويخلد معها ناضر وقته وحاليه، ويتكافأ بها ترادف النصر وتواليه، وتزينه بمحاسن الصِّفات وتحلِّيه، وترى طلوع نجمه من مطالع السَّعْد وتجلِّيه، وتضاعف ما تمنحه به الكرامة وتوليه، والله في كل حال حافظه وكاليه. وصل الكتاب الكريم فملأ القلوب مهابةً، وحاكى بطيبِ عَرْفه ملابه، ونشر النَّاشر منه عطرًا، ونشق الناشق منه قطرًا، وأطيل الرنو إليه بالعيون، وأعظم أن يحمل على الأيدي فحمل على الجفون، وتبسمت الأرض عند معاينته تقبيلًا ولثمًا، حتى كاد أن يؤثر بالشفاه صدعًا ورثمًا، وكأنما استحال التُّرْب عند لثمه عبيرًا، وانقلب أديم الغبراء سُنْدسًا وحريرًا، ورُفِعَ الدُّعاءُ إلى مقرِّ الإجابة ومظنَّتها، وشفع بمفروض الضراعة وسُنَّتها، على أنه تضمن ما يزعزع الأطواد، ويقطع الأكباد، ويطرد عن الجفون الرقاد، وفض عن ثناء عظيم، وخَطْبٍ جسيم ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] يرعد الفرائص فَرَقًا، ويغصُّ بالرِّيق شَرَقًا، لأنه عَبَّر فيه عما يعجز أهل البلاغة واللَّسَن تلافيه، وشاب عَذْبَ كَلامه بعذاب كِلامه، ومزج الشَّهْد من حُسْنِ رأيه بذُعافِ الواشي وافترائه، وفي سالف الوقت قيل فيمنْ سارع اللائم إليه وأَعْنته: رُبَّ ملومٍ لا ذنب له، وإن كان -أعلى الله كلمته- أعنقَ في النَّصيحة وأَوْضَع، فلقد أنهر الجروح وأوسع، وربما بالغ الطبيبُ في إغراق المبضع فأوجع، واشتدَّ الألم وإن لم يلم، لأنه غير خاف عن أحد من أهل مِلَّة الإسلام، وذوي العقول والأحلام أن الدِّين عِقْدٌ سيدنا ومولانا أمير المؤمنين -صلوات الله عليه- واسِطَتُهُ، وعَقْدٌ هو رابطته، وَورْدٌ هو قُرْبه، وسجاح
стр. 10277
هو كرمه، وعماد هو مشيده، وظَهْرٌ هو أبهره ووريدُه، وكتاب هو عنوانه، ودُرٌّ هو صِوانه، ورمح هو مسلاته واهتزازه، وبُرْدٌ هو تحبيره وطرازه، وأنَّ طاعته سبيل مَنْ خالفها ضَلَّ وغوى، ومنار من تنكبه زَلَّ وهوى، وهو الشَّمْس التي لا يكفرها ضبابُ الجحود، والنعمة التي لا ينكرها إلا المارد الكنود، وله العهودُ المحيطة بالرِّقاب، والأمانة الخالدة على الأحقاب، والدعوة الباقية في الأعقاب، والرتبة التي يستوجب بها الأسماء وأشرف الألقاب، ولزوم الحجة التي لا تدفع بالمناكرة، ووجوب الإخلاص الذي لا يُلْغى بالخِدَع والمماكرة، والأمانة المُؤَدِّي حَقّ نفسه من أدَّاها، والمتابعة المنصوص بالسُّخْط على من جاوزها بالخِلاف وتعدَّاها، هذا ما يجب على المسلم اعتقاده، فكيف يُشَكُّ فيمن هذا ما ينطوي عليه ضميره وفؤاده: أو يُرتاب بمن قد أسنده ظهر؟ وهو تقديره في نفسه وتقريره، وتحقيقه في حِسِّه وتحريره، وأمير المؤمنين -أدام الله سُلْطانه، وعمر بإعزاز الخلافة المعظمة مواقفه الشَّريفة وأوطانه- عينُ الحنيفية الصَّافية، والنعمة السَّابغهْ الضَّافية، والممتثلة أوامره كَرْهًا وطوعًا، والسَّعيد مَن كان لدعوتها أسمع وأوعى، وهو وليُّ الأمة وإمامها، وجامع شتات المِلَّة ونظامها، أمورها إليه مردودة، وحدودها إليه محدودة، وهو المفوض إليه ما يتنازع فيه المتنازعون، والحاكم فيما يتثبط عنه المتثبطون، ويسارع إليه المسارعون، لا ينازع في ذلك منازع إلا والله بما يضمر عالم، ولما يقول سامع ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].
وأما ما أنهى من تترامى به إلى هذه الخطة المرامي، فإنه وإن دعت ضرورته إلى إعانته وجَبْرِ كسرته، فما أصغى إلى شكاته أحدهم بمسمع، ولا التفت عليه بمجمع، ولا تبين له في ذلك مطمع، وكيف ينصت إلى من أضاف إلى الآراء المظهرة جورًا، وجاوز بذلك حدًّا، وتعدَّى به طورًا، وهي النَّيِّرة بصيرةً عند انطواء الأمور واستتارها، والمأمونة على أحوال الأُمة وأستارها، وإنَّ طريد نقمتها بعدما كان يريد نعمتها، وإنْ وقذته فهي التي غَذَتْه، وأي تقوُّل يبسط، أو قول يظلم فيه ويقسط، ومن يقول بفيه التراب، وعلته الرَّباب، وليده الفدع، ولأنفه الجَدْع، ولو سُمِعَ من متسمج ما بدل
стр. 10278
فساد ما أظهره فساد ما أخفاه، لَعُجِّلت عقوبته، ولانتزع لسانه من قفاه، ومَنْ جُلّ همه نَشْرُ الدعوة الهادية كيف يُظَنُّ به أن يسوغ لمن يهدم بهوانه ما بناه، حاش لله، ولولا الوقوفُ على قدم الأدب وقوة الظن أن هذا الضجر لا يقع إلا عن سببٍ لقلت: مِنَ المتزيد غير المتأيد، وأما نسبة ذلك الخادم واعتماده فهو الموجِبُ للهب كبده واتقاده، ونفور جفنه عن رقاده، وكيف يكون ذلك وهو بطاعة هذا البيت الشريف الذي نزلت فيه الآيات، ووردت الأخبار، وعلى ولائه عاش الصلحاء ومات الأخيار، وإليه مقاليدُ الأمور، وعليه أجمع الجمهور، وبفضله نَزَلَ الكتاب، وهلك بذلك المرتاب، فإنه الحَرَمُ المَزُور، والعلم المنشور، ولا يخالف ذلك إلا آثمٌ كفور، وإليه إيالة المغارب والمشارق، وكلما أَفَلَ نجمٌ نَجَمَ شارق، لا تحصى مآثره، ولا تكثر مكاثره، ولا تعدُّ مفاخره، المحمود الممدوح أوله وآخره، ووضوح الحق بذلك واستنارة دلالاته، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فهو معدن المفاخرة وجماعها، والصخرة التي أعيا الرِّجال انصداعُها، والذِّروة التي طال اعتياصها وامتناعها، لم يُغْره من سلطان إنالة، ولا يستطيل غيرهم بما لهم من الاستطالة، ولا يستطيع قائل أن يقول في سواهم هذه المقالة، أمرهم البليغ المطاع، والدُّنيا لهم نسوعٌ وأنطاع، والوَصَاة بطاعتهم من الله ونبيه المختار، أَنَّ السلامة في جماعتهم، ومن شذَّ شذَّ في النار. هذا جُزْءٌ من مناقبهم التي لا يستطيع أحدٌ أن يحصيها، ولا ارتيابَ بها ولا شك فيها، وأنه ما طمع في مناوأتهم إلا من قُمِعَ وُوُتِرَ، ولا ناوأهم إلا من دَرَسَ، فلا عينٌ ولا أثر، ولا يغلبُ عليهم متغلِّب إلا عَثَرَ جَذُه، وعُفِّر خدُّه، وردَّ الله كيده في نحره، ولا يدرك وصف فضائلهم مسهبٌ مطنب، ولا يملك نعت فواضلهم مِصْقَعٌ مُعْرب، طاعتهم واجبة بالاتِّفاق، لازمة في الأعناق، مقترنةٌ بطاعة الله ورسوله على الاطلاع، هذا ما لديَّ عتيد، والله علي به شهيد، وما على من سَمِعَ لَمْزة لَمَزَها متخرِّصٌ، ونُهْزَةً انتهزها متفرِّص عَتْبٌ وملامة، ولا ذنب يكسبه ندامة، وإن هذا عندي أعلمه يقينًا، ولا أفتقر أن أحلف عليه يمينًا، بل مؤكد لا يحتاج إلى تقرير، ولم يتوسَّم أو يتوهم في الخادم غير ذلك، ولو احتوى على ما احتوى عليه كتاب المسالك والممالك، وأنه بحمد الله أمدُّ المماليكِ في الخدمة باعًا، وأسرعهم لأوامرها اتباعًا، وأقبلهم لها طباعًا، وأشدهم
стр. 10279
بحسن آرائها انتفاعًا، وأكثرهم بها دفاعًا، والله المسؤول والمأمول أن يوضح الآراء الشريفة ما تشتمل عليه من الولاء ضلوعه، وما عليه تعويله وإليه مرجوعه، غير معرِّج على تخرُّصِ العدو واجترائه، وإقدام الواشي وافترائه، فإنه لا يرى نجاح مقاصده إلا بجميل آرائه، ولا معتقده إلا جُنَّة واقية من بأساء الدهر وضرّائه، وقد وَهَبَ الله تعالى الرَّعايا عامة، والمماليك الخدمة الشريفة خاصة، مِنْ فسيحِ رحمتها ورأفتها، وتغمدها بالعواطف المخطئ والمصيب، ومتثبِّط عن الطَّاعة ومستجيب، ما تحصل به الطمأنينة للعبد، لاسيما لمن لا يتداخله في الخلاف لها حَمِيَّة، ولا مرق عن طاعتها مروقَ السَّهم عن الرمية، ولا أَخَذَتْه عن التنويه في الانقياد لأوامرها سَوْرَةٌ جاهلية، بل يرى طاعته لهذا البيت محضًا لازمًا، وفرضًا جازمًا، مع أنه لم يَشُبْ صفاءَ ودِّه شائبة، وإن رأى يومًا خلافًا رأى ذلك عقًا وجهالة، وإن ابتدعوا الخروج عن الطاعة قال: هذا بدعة، وكل بدعة ضلالة، لا يوافق لها مخالفًا، ولا يكون لنافرٍ عنها آلفًا، بل يجري من محض الطاعة على معهوده، ويبذل فيها قدرته وأنهى مجهوده، ولو حُمِلَ من الأوامر على الأصعب لرآه الأوفق الأقرب، مستعيذًا بالله من زلةٍ تفتقر إلى التجاوز والإغضاء، معترفًا لأنعمه التي ضفت عليه ملابسها، واطمأنت إليه أوانسها، وظهرت عليه صنائعها، وطلعت عليه بالغدوِّ والآصال طلائِعُها، وما ذكر ذلك إلا ليثبت البراءة من تخرُّصِ ما نَقَلَ الناقل، ليحق الحق ويُبْطل الباطل، ثم مع براءة الساحة وثبوت النزاهة، فإنه يلجأ إلى معقل التجاوز والعفو، ويأوي إلى رُكْنٍ شديد يشرع منه إلى مورد الصفو، ولا يخرج ذلك كما رَسَمَ مخرج الاحتجاج والمجادلة، ولا على وَجْه المناقضة والمناضلة، والمجلس السَّامي -أسماه الله- يأْسو بطبه مرض هذه الحال، ويحسم داء هذا القول المحال، ويقول الخادم: إنّ تجرُّعَ مرارةِ الأعذار خيرٌ من التَّسرُّع إلى المعارضة بالإنكار، لا سيما مع ما يأمل من العفو لعظيم الزَّلات، وما ألف من كرم أعراقه، ومكارم أخلاقه بطلب الصَّلاح فيما يأمر به، ويشير إليه، حيث لم يُؤْنس منه إلا إعمال الرَّويَّة الصحيحة، والاعتماد على قوله ﵇: "الدين النصيحة" (١)، ولولا امتثالي لأوامره، واعتمادي لمرسومه عن آخره، فلا أقف مع المناهضة ولا المناقضة ولا
стр. 10280
المعارضة، لقلت: متى زَلَّتْ بي عن الطاعة قدم، واستقلت بي استقلالًا يحمل على ندم؟ ولم أزل مرتديًا أردية الخضوع عمري، في باطن حالي وظاهر أمري، لا أخلُّ بالمماحضة في مشهدٍ ولا غَيبٍ، ولا أخرج عن المناصحة إلى شُبْهةٍ ولا رَيب، ولا أرفع ولا أضع، ولا أكفُّ ولا أزع، ولا آخذ ولا أدع، ولا أطير ولا أقع، إلا بعد المطالعة بمكنون أمري وخافيه، وما لا يباين ظاهر الصِّدْق ولا ينافيه، وما تعرفت إلى نعمةٍ فكان لها مني تنكير، ولا غفلت عن شُكْرٍ فأفتقر إلى تذكير.
وأما سيف الإسلام، فما جهل فيما اعتمد حقَّ البيتِ وأهله، ولا أنكر حدود حَرَمه، وإنما عاين أمورًا مختلة، وأحوالًا معتلة، فظنَّ أنه يلم شعثها، ويرم منتكثها، ويثقِّفُ اعوجاجها، ويُسَكِّن ارتجاجها، فَعَذْلُ المنتهي عن الغرض، كمن يصف للطبيب غير المرض، وما قصد إلا إطفاء الفتنة وإخمادها، أو صادَفَ الحال إجمادها، ولم تُنْه الحالُ على جليتها، ولا جُليت في حِلْيتها، ولو عَلِمَ أَنَّ هذا يقع من الخِدْمة الشَّريفة موقعَ السُّخْط والإنكار، لكان في حيازة مراضيها شُغْلٌ عن تلك الأحوال، والدُّخول فيها، لكن غَلَبَ على ظَنِّه أنَّ فِعْلَه خدمةٌ يتقرَّبُ بها إلى الآراء الشَّريفة، لا لينتسب إلى الإقدام والاجتراء، والحدود تُدْرأ بالشُّبهات، والتوبة تمحو السيئات.
وأما الاتِّسام بما استأثرتْ به الآراءُ الشريفة من اللقب المعظم، فما كان ذلك إلا مِنْ قَبْل أن يقعَ به الاتِّسام النبوي -زاده الله جلالًا- ولم يرسم فيه ما تقع الطَّاعة في مقابلته بالامتثال والارتسام، ولم يُجهل في ذلك مفروض، ولا طُمع أن يُتناول الجوهر تناول العُروض، وكيف يُحاول كَفُّ الثريا باللَّمْس، وأين السُّها النَّحْلَى من مطالع الشَّمْس، الحق أوضح منارًا، وأوسع مطارًا، وكيف يُخامر هِمَّتَه الكريمة الطمعُ في المشاركة في سمةٍ تتحاماها أطرافُ الرِّماح، وتقصر عينُ كل طَرْفٍ عن الدُّنو إلى ذلك الطِّماح، وما صار لبدر الخدمة الشريفة هالة، ونُكِّبَ عن حالة كان عليها إعلاء حاله، فصار بذلك حَرَمًا، وملئ ما شاء عتقًا وكرمًا، فتحامته الأطماع، ووقع بإجلاله وإعظامه الإجماع، وإنما وقع تواصل ذلك، ولم يُعلم الانقطاع عنه والإمساك لما حصل على توزعها سفار البلاد، وترامت بها الأغوار والأنجاد، فلم يتمكن من استدراكها، ولا ارتجاعها من أيدي ملاكها.
وما كلُّ دارٍ رَوْضُهُ دارَةُ الحِمَى … ولا كلُّ مَصْقُولِ التَّرائب زينبُ
стр. 10281
وأما مواصلة من أُنكرتْ مواصلتهم من الأكراد، فما كان ذلك لثقلهم عن خدمةٍ هو فيها يشاركهم، قيامُ كل بها فَرْضُ عين، من غير تخلُّقٍ ولا مَين، ولكن كانت لهم وشائجُ نسب، وولائج خدم وسبب، فالتُمِسَتْ موافاتهم لتحصل مكافأتهم، وكان التعويل على استخراج الإذن الأشرف عند إجابتهم، فسيرفدهم بعد الإبعاد، فيحسن قِراهم عند القِرى، ويرجعون إلى خدمة المالك، ولولا ما قد أَلِفَ الخادم من التقلُّب في هذه البلاد، والتعرُّف والتصرف فيها لمغالبة أعداء الله بالجهاد، لودَّ أن يكون تحت الولاية الشَريفة حاضرًا كما هو تحتها باديًا، وأن يخدمها باطنًا كما يخدمها رائحًا وغاديًا، فيكون على النّعمة باطنه وظاهره، ويفوز من ذلك بخير الدنيا والآخرة، فبحسن الآراء الشريفة مصبح النّعم وممساها، تتبع أُولى النّعم أُخراها، وباسم الله مجراها ومرساها.
وأما البوازيج، فما تأخر أمرها إلا لأمور عرضت من دونها واعترضت، وموارد تكدَّرت مشاربها وغرضت، وتقلُّب الفرنج في البلاد، وتغلّبهم على حاضرٍ منها وباد، وتنقُّلهم بين الأغوار منها والأنجاد، وتوصلهم إلى البقاع والوهاد، فذاك الذي صرف الهِمَّة عنها والطَّرْفُ إليها طامح، وأوقع الإحجامَ عنها والعَزْم نحوها جانح، وإن خلا لها الزرع، حَصَلَ منها أصلُ المقصود والفرع. وأما الموسومون بالطَّغام، فلا يأنف الغنيُّ منهم الرّغام، وإن كان ما أنكر ثبت عمن له اسم يعتبر، أو وسم يختبر، فإن أنعم بتعريفه أوقع به ما يحذر ولا يعذر، وإن كان من الغثاء والغُتْر، ومن يقلُّ بهم الكُثْر، فأولئك الذين اغتبقوا الجهالة في المهد، ولا يمكن جمعهم على الحقِّ بجهد، وما وجدنا لأكثرهم من عهد، ومن لم يكن له حُلُم يَزَعُهُ، كان في الحلوم الشَّريفة ما يسعه.
وأما ما ذكره فيه بالإنعام عليه بالخطاب المفرد به عمن سواه، فما جهل الإنعام به، فكيف فحواه!
وأما ما تأثر بذلك عند الأطراف، ورجال على الأعراف، فحاله ينوب عندهم عن الديوان العزيز، وتقوم بحجته عند أهل النظر والتمييز، وذلك أنه لم يكن فيهم مَنْ خَدَمَ خِدْمته، ولا قدَّم من مناصحته ما قدَّمه، والبينة عليهم ظاهرة، وبراهين الخادم لهم قاهرة.
стр. 10282
وأما ما حصل له من الصِّيت من فَتْحِ مصر فهذا لا يمكن أن يخفى ظهوره، ولا يُطْفا نوره، فإنَّ من احتفَّ بالسُّدَّة الشَّريفة، واقتحم في إعلاء كلمتها الأَهوال المخيفة، انتشر له صيتٌ لا يتوارى، وعلا له صوتٌ لا يُشَك في علوِّه ولا يُتمارى، وعلاؤه معذوق بإعلائها، وارتقاؤه متعلِّقٌ بارتقائها، والكلُّ منسوبٌ إليها، ومحسوبٌ من نِعَمِ الله عليها، وليس الخادم للأَنْعُمِ بجاحد، ولا من أيام اغترافه بواجد.
وأما ما يرجع إلى الفتوح التي افتتحها، ومنائح السبيل التي أوسعها الله للإسلام وفسحها، فأفعاله فيها نجومُ الديوان العزيز سناها، وثمارٌ له ما طاب وعَذُبَ من جناها، حيث بدعوتها يُبْدأ ويُعاد، وبمفاخرها يبنى ويشاد، وباستشراف الأدعية على منابرها ومنائرها يُتَشَرَّف، وبنفوذ التصرفات يُتعبد لأوامرها وباستحكام أواصرها يُتَصَرَّف، فهل من يقتحم غَمَراتها، فيزدحم على حُماتها بلجم نفسه أخطار دوائرها ودواهيها، إلا مترددًا بين أوامرها ونواهيها؟ وهل يُظَنُّ الحِلْم فيه إلا لها لا عليها، والاستقلال بها إلا منها وإليها؟ وهل يكون لمُلابِسها وملامسها صوتٌ أو صيت، ولو ملك جميع آفاقها إلا بجريه على مراضي الخدمة ووفاقها؟ وهل هو عبد الخاصّ والعام، والناقص والتام إلا بمنزلة الرّيش مع الريح يطير بمطارها، ويسير في أقطارها، يفيء حيث فاءت، ويتصرَّف كيف شاءت، لا ينفرد ببَسْط ولا قَبْض، ولا سماء له مع استزادة ولا أرض، هذا مما يمكن إنكاره، أو يسوغُ للعقل ابتداء الرأي فيه وابتكاره؟ لا والله، بل الحقُّ المبين اليقين، والصدق المبين أَنَّ أمر الخدمة الشَّريفة فوق كلِّ أمر، وقدرها أسمى وأسنى من كل قدر، وأن الكل بطاعتها يقفون، وبسُدَّتها الشريفة يحتفون، وليس ذلك مما يُنْكر فيه الواجب، ولا يُسْتر عن العيون بالرَّواجب.
وأما ما ذكر فيه من توفير الغنائم والأثقال، والإعراض عن إفساد السريع النازل منها والثِّقال، فإنَّ العلوم النبوية محيطةٌ بما قد جرت عليه عادة هذه البلاد، من مَرَدِّ ذلك على أهل المكابدة بها والجلاد، وصار ذلك قاعدة مقرَّرة وسُنَّة، ووقاية دون نقلها إلى غيرها وجُنَّة، وعادة المستناب يفوِّض أمره إليه، يجريه مجراه، ويضعه من المصلحة حيثُ يراه، هذا على أَنَّ أكثرها تعتوره النُّهّاب، ويستولي عليه الذَّهاب في حالةٍ لا يمكن فيها المناقشة ولا المشاققة، ولا المنافسة ولا المحاققة، خصوصًا مع ما طرق هذه السنوات، وطبَّق من الهَنات، وما انثال كما انهال من الرِّمال، فأيُّ مال واكتساب يقع بحَصْر واحتساب؟ وأي حاصل يَسْلَمُ للاختزان؟ وأي عطاء يُنْتَظَرُ به لشرط
стр. 10283
وميزان، وليس إلا نفوسٌ تُسْلَب، وجثث تُسْحب، ودماء تُسْكب، ومهجات تُطْلب، وكماة على حُشاشاتها تغلب، وفرسان على مناكبها تُقْلب، وحِمامُ الأرواح يجلب، وأخلاف المنيَّة تدرُّ قبل أَنْ تحلب، وشجعان بدماءٍ تُرْمَل، مع ما يعلم أَنَّ الخادم ليس له داعية إلى احتقاب مال ولا احتجانٍ، ولا ارتباط مَقْرَبٍ ولا هِجان، وإنِّ رِكابَ الأحمرِ والأبيض عنده مَلِق، فلا يمرُّ عليه إلا وهو منطلق، وقد مرت عليه أحوالٌ كثيرة، حاملة على التعرُّضِ لرافد الديوان العزيز مثيرة، فمنعه ما يعلم من أثقالٍ تحكم بأن تُحمل عنه، وإن كان البحر لا يَعْدَمُ مجتديًا، والبدر لا يسأم مهتديًا.
وأما ما شرح من أثر سيدنا ومولانا أمير المؤمنين -خَلَّد الله سُلْطانه ومُلْكه، وألحق بعدوه هُلْكَه- وحقوقه الواجبة على الإِسلام والمسلمين من قديم وحديث، ومكتسب وموروث، وكلّ مسلِّم به متعيّن الإقرار، ممن يعتقد فيه متيقن الإسرار، لا يفتقر أن تشقَّق له نهاية العبارات، ولا تتدفق بهاء الإشارات، فالصُّبْح أغنى بانتشار ضيائه مِنْ أَنْ يقال: أضاء أو قد أشرق، قَرَنَ الله كمال مناقبه بالتخليد، ووفقنا لحيازة مراضيه وكافة العبيد، قد شَرِبَ الخادم هذا الدواء، ولا بد له من تصريف، وهو ما يعد له من تشريف، لتكون الزيارة من الحبيب، والدواء من الطبيب، إن شاء الله تعالى.
[(١) قلت: وقد ذكر محمد بن القادسي قصة ابن البُوشَنْجي، فقال: كان] أمردَ في دروب بغداد، فطلعت لحيته، فخرج إلى الشَّام، فخدم يوسف بن أيوب، وسأله أن يرسله إلى الديوان في رسالةٍ، فأرسله، فقامتِ القيامة على الدِّيوان، فلما عاد ابن البُوشَنْجي إلى الشّام أكثر كلامه، فما مضى إلا أسبوع حتى جاءته نُشّابة فذبحته، وكان ذلك عقوبة لما بسط به لسانه.
[قلت] (٢): وهذه من هَنات ابنِ القادسي، فإنَّه كان عاميًا يتعمَّد المثالب، وقد أساء الأدب في مواضع، منها قوله: كان أمرد في دروب بغداد، ومنها قوله عن السُّلْطان يوسف بن أيوب، وما ذكره ببعض ألقابه، ومنها قوله: جاءته نُشّابة فذبحته، جعل الشَّهادة في سبيل الله عقوبة. وهذه الواقعة كانت في هذه السنة، وابن البُوشَنْجي
стр. 10284
استشهد سنة ستٍّ وثمانين بعد أخذ الفرنج عكا من السُّلْطان، [(١) ومن العجائب في هذه الواقعة أنني اجتمعت في الموصل بالثقة ابن باز؛ شيخ] دار الحديث المظفَّرية في سنة خمس وست مئة، وجرت مذاكرة في غَزَوات صلاح الدِّين ﵀، فقال: حضرتُ معه في مرج عكا والفرنج قد أخذوها، فبينا أنا قاعد في سوق العسكر، وإذا بشابٍّ من أحسن الشَّباب قد جلس إلى جنبي، فذاكرته، فرأيته فاضلًا فصيحًا عاقلًا، فقلت له: يا سيدي من أين أنت؟ فقال: من أهل بغداد من بيت البُوشَنْجي، قلت: فما اللَّقب؟ فقال: يقبح بي أن ألقب نفسي، فأقسمت عليه، فقال: يقال: الرَّشيد، فقلتُ: وما الذي جاء بك إلى ها هنا؟ فقال: سمعتُ أَنَّ هذا السُّلْطان يعرف أقدار أولاد النَّاس، ويُحْسن إليهم، ورغبت أيضًا في الشَّهادة، فأتيتُ إليه، فأحسنَ إليَّ وأكرمني وأعطاني، ثم قال: أخاف أن تنقضي هذه الغزوات وما تحصل لي شهادة، فاسألِ الله تعالى أن يرزقني الشَّهادة، فقد تاقت نفسي إليها. فدعوتُ الله أَنْ يختار له [ما فيه الخِيَرة] (٢)، ثم قلت [له: يا سيدي] (٢) أنشدني [شيئًا] (٢) من شعرك، [(٣) قال: نعم.
وأنشدني هذه الأبيات]: [من الطويل]
قفوا فاسأَلُوا عن حالِ قلبي وضَعْفه … فقد زاده الشَّوق الأسى فوق ضَعْفِهِ
وقولوا لمن أرجو الشفاء بوَصْله … مريضُك قد أشفى على الموت فاشْفِهِ
أخو سَقَمٍ أجفاه إخفاؤه الهوى … نحولًا ومَنْ يُخْفِ المحبَّةَ تُخْفِهِ
وما شَغَفي بالدّارِ إلا لأهلِها … وما جَزَعي بالجَزْعِ إلا لخَشْفِهِ
يعزُّ على قلبي المقام بذي النَّقا … إذا لم يقمْ ذاك الغزالُ بحِقْفِهِ
وما أُمُّ رئمٍ أشفقتْ منه فالتجت … إلى شامخ ما ذَرَّ من نحو كَهْفِهِ
تغارُ عليه من نسيمٍ ومرِّه … وتشفقُ من إيماضِ بَرْقٍ وخَطْفِهِ
أتاحَ لها المقدورُ أَخْدَرَ موغلًا … على غَفْلةٍ منها بأسباب حَتْفِهِ
بأَوْجَعَ مني يوم بانوا وربما … توجَّعَ يوم البَينِ إلفٌ لإِلْفِهِ
стр. 10285
ثم قام من عندي باكيًا، وقَصَدَ الفرنج، فاستشهد، ﵀.
وفيها أخرب الخليفة دار السَّلْطنة ببغداد التي عمرها الدَّيالمة والسَّلْجوقية، وإنما قَصَدَ قَطْعَ الأطماع عنها.
وحجَّ بالنّاس من العراق طاشْتِكِين، ومن الشّام شمس الدين ابن المقدَّم، وقتل على عرفات [وسنذكره] (١)، وكان في الحج القاضي بهاء الدَّين بن شداد، ولما عاد اتَّصل بخِدْمة [السلطان] (١) صلاح الدين.
وفيها توفي
عبد الجبار بن صالح (٢)
من أهل باب الأَزَج، شيخ الفِتْيان ببغداد، لبس منه الإمام النَّاصر سراويل الفتوة، وكان شيخًا صالحًا يعمل في البساتين، و [كانت] (١) له صومعة بباب كَلْواذى يتعبَّد فيها، وحجَّ بالناس في هذه السنة، وتوفي بمكَّة، ودفن بالمُعَلَّى، رحمه الله تعالى.
عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع الزّاهد (٣)
ويعرف بابن نُقْطة.
كان له زاويةٌ ببغداد يأوي إليها الفقراء، وكان دَينًا جَوادًا، سَمْحًا، لم يكن ببغداد في عصره من يقاومه في التجريد، كان يُفتح عليه قبل غروب الشمس بألف دينار فيفرِّقها، والفقراء صيام، فلا يدَّخر لهم منها شيئًا، ويقول: نحن لا نعمل بأجرة؛ يعني لا نصوم وندَّخر ما نُفْطر عليه.
وكانت والدة النّاصر تُحْسِن الظَّنَّ به، زوَّجته بجاريةٍ من خواصِّها، ونقلت معها جهازًا يساوي عشرة آلاف دينار، فما حال الحول وعنده منه سوى هاون، فجاء فقيرٌ
стр. 10286
فوقف على الباب، وقال: لي ثلاثةُ أيام ما أكلتُ شيئًا. فأَخرجَ إليه الهاون، وقال: لا تشنّع على الله، كُلْ بهذا ثلاثين يومًا.
وكان له أخ يقال له: أبو منصور بن نقطة، مزكلش؛ ينشد "كان وكان" (١) في الأسواق، ويسحِّرُ الناس في رمضان، فقيل له: أخوك زاهد العراق، وأنت تزكلش في الأسواق! فقال مواليا:
قد خاب مَنْ شَبَّه الجزعه إلى دُرَّه … وسام قَحْبَه إلى مُسْتَحْسنه حُرَّه
أنا مغني وخي زاهد إلى مَرَّه … في الدّار بيرين ذي حُلْوه وذي مرَّه
وكانت وفاته يوم الثلاثاء رابع جُمادى الآخرة، ودفن بزاويته، [وحكى لي جماعة من المشايخ أن الحفار الذي وسَّده وسد جماعة منهم الشيخ عبد القادر] (٢)، فلما أُنزل إلى اللّحد قال بعضُ أصحابه للحفّار: خُذْ، ما رأيتَ على يديك مِثْلَه. فلما صَعِدَ الحفار قال للرَّجل: قد وسَّدْتُ الشيخَ عبد القادر، وفلانًا، وأنتَ تقول لي هذا؟! فقال: نَعَمْ، الشيخ عبد القادر وغيره طلبوا من الله تعالى، وعبد الغني ما أراد غيرَ الله تعالى.
عبد المُغيث بن زهير (٣)
ابن عبد الله بن زهير، أبو العز، الحَرْبي، الحَنْبلي.
ولد سنة خمس مئة، وسمع الحديث، وصنَّف كتابًا في فَضْل يزيد بن معاوية، رَدَّ عليه الشيخ جمال الدين بن الجوزي ﵀ في كتاب سمّاه: "الرَّد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد" (٤).
стр. 10287
توفي عبد المغيث في المحرَّم، ودُفن قريبًا من الإمام أحمد، رحمة الله عليه، ومن شعره: [من الكامل]
يا عزّ من سَمَحَتْ له أطماعُهُ … أنْ باتَ ذا عَدَمٍ خفيفِ المِزْوَدِ
فاليأسُ عِزٌّ فادَّرِعْهُ وَصِلْ به … نَيلَ السّيادة في سبيلٍ أَقْصَدِ
والحُرُّ من نَزَلَتْ به أزمانُهُ … في حُبّ مَكْرُمةٍ وحُسْنِ تَسَدُّدِ
لم يَسْتكِنْ للنّائباتِ إذا عَرَتْ … صَوْلًا على الأعداءِ غير مقيَّدِ
مَنْ ذا ينافس كُلَّ قَيلٍ أروعٍ … سَمْح خليقتُه كريم المَحْتِدِ
علي بن أحمد بن علي (١)
ابن محمد، أبو الحسن بن الدّامغاني، قاضي القضاة ببغداد، قاضي ابن قاضي ابن قاضي ابن قاضي.
ولد سنة ثلاث عشرة وخمس مئة، ولّاه المقتفي القضاء بمدينة السَّلام وسائر البلاد شَرقًا وغربًا، وأقرَّه المستنجد ثم عَزَله، ثمَّ أعاده المستضيء سنة سبعين، ثمَّ أقرَّه النّاصر إلى أن توفي في ذي القعدة هذه السنة، ودفن بالشُّونيزيَّة عند جدّه لأُمِّه أبي الفَتْح السّاوي، وكان فاضلًا، نَزِهًا، عفيفًا.
محمَّد بنُ عبد الملك بن المقدَّم (٢)
ولقبه شمسُ الدِّين.
من أكابر أمراء السُّلْطان نور الدين، والسُّلْطان صلاح الدين [وقد ذكرنا أَنَّه سلَّم سِنْجار إلى نور الدين (٣)، وأن صلاح الدين أعطاه بعلبك، ثم عوضه عنها ببارين
стр. 10288
وغيرها، وأن صلاح الدين لما توجّه إلى الشرق استنابه بالشام،] (١)، وله المواقفُ المشهورة في الغزوات، وحَضَرَ حِطِّين والقُدْس، وعكّا، وفتوح السّاحل، فلما دنا موسمُ الحج سأل السُّلْطانَ أن يحج [ليجمع بين فضيلتي الحج والجهاد] (١)، فأَذِنَ له على كُرْهٍ من مفارقته، فلما وصل إلى عرفات أراد أن يرفعَ علمَ صلاحِ الدِّين على الجبل، ويضربَ الطَّبْل، فمنعه طاشْتِكِين، وقال: هذا موضعٌ لا يُرْفَع فيه إلا عَلَمُ الخليفة. فقال ابنُ المقدَّم: فالسُّلْطان مملوك أمير المؤمنين، ونحن مماليك السُّلْطان. فمنعه طاشْتِكِين، فأمر ابنُ المقدَّم غِلْمانَه، فأطلعوا العلم، فنكَّسوه، فركب ابنُ المقدَّم ومَنْ معه من الشَّاميين، وركب طاشْتِكِين والعسكر، واقتتلوا، وقُتِلَ من الفريقين جماعة، ورمى مملوكُ طاشْتِكِين ابنَ المقدم بسهمٍ، فوقع في عينه، فخرَّ صريعًا، وجاء طاشْتِكِين، فحمله إلى خيمته، وحمله إلى مِنى، فتوفِّي يوم الخميس يوم عيد [الله] (١) الأكبر، وصُلِّي عليه بمسجد الخَيف، ونُهِبَ الحاج الشَّامي، وأقاموا بمِنى ومكة على أسوأ حال، ودُفِنَ شمس الدين بالمَعْلَى.
وقال العماد الكاتب: وَصَلَ شمسُ الدِّين إلى عرفات وما عرف الآفات، وشاع وصوله، وضُرِبَتْ طُبوله، وجالت خيوله، وخَفَقَتْ أعلامُه، وضُربت خيامه، فغاظ ذلك أمير الحاج العراقي طاشْتِكِين، فركب في أصحابه وأحزابه، فأوقع بشمسِ الدين وأترابه، وكان رَفْعُ العَلَمِ وضَربُ الطَّبْل من أوكد أسبابه، وقُتِلَ جماعةٌ من حاج الشام، وجُرحوا، وهُتكوا وافتُضِحوا، ونقل طاشْتِكِين شمسَ الدِّين إلى خيمته وهو مجروح، وفيه رُوح، وحمله معه إلى مِنى، فقضى ودفن بالمَعْلَى، وارتاع طاشْتِكِين لما اجترمه، ولم يراقبِ الله وأحلَّ حَرَمَه، وأخذ [طاشْتِكِين] (١) شهادة الأعيان أنَّ الذنب لابنِ المقدَّم، وقُرِئَ المحضر في الدِّيوان، ولما بلغ السُّلْطان مَقْتَلُه بكى بكاء عظيمًا، وحَزِنَ حُزْنًا كبيرًا، وقال: قتلني الله إنْ لم أنتصر له. وتأكدتِ الوَحْشة بينه وبين الخليفة، وجاءه رسولٌ يعتذر، فقال: أنا الجواب عمّا جرى (٢). ثم اشتغل بالجهاد.
стр. 10289
محمد بن عُبيد الله بن عبد الله (١)
أبو الفتح الشَّاعر، البغدادي، ويعرف بسِبْط ابن التَّعاويذي، [مدح] (٢) الخلفاء والوزراء، ونور الدين وصلاح الدين، وانقطع إلى ابن رئيس الرؤساء، سمع قائلًا يقول: [من مجزوء الكامل]
والعُمْرُ مِثْلُ الكأسِ يَرْ … سُبُ في أَسافِلِهِ القَذَى
فقال: [من المتقارب]
ومَنْ شَبَّه العُمْرَ بالكأسِ يرسو … قَذاه وَيرْسُبُ في أَسْفَلِهْ
فإنِّي رأيتُ القَذَى طافيًا … على صَفْحةِ العُمْرِ مِنْ أَوَّلهْ
وقال: [من مجزوء الكامل]
يا مُنْفِقًا أيَّامَهُ … في لَهْوهِ ومُزاحِهِ
يستحقبُ الأيَّامَ بيـ … نَ غُدُوِّه ورَواحِه
ما أنتَ مِمَّنْ نَحْمَدُ الـ … إسراءَ عندَ صباحِهِ (٣)
وكان الوزير ابن رئيس الرؤساء قد أطلق له عطاءً على يد رجل علوي، ثم عُزِلَ الوزير، فمنعه العلوي، فكَتَبَ إليه: [من الخفيف]
يا سَمِيَّ النَّبيِّ يا ابنَ عليٍّ … قامعِ الشِّرْكِ والبَتُولِ الطَّهُورِ
أنتَ يا ابنَ المُخْتارِ أَكْرَمُ مَنْ ينـ … ظُرُ في أمرٍ مُسْتَفادٍ حقيرِ
ولقد كان لائقًا بك أنْ تَنـ … ـظُرَ في الحال عند عَزْلِ الوزيرِ
وأخو الفَضْلِ مَنْ يُساعِدُ في الشِّدَّ … ةِ لا في الرَّخاءِ والمَيسُورِ
ومتى ما استمرَّ خَلْفُكَ بالوَعـ … ـدِ ولم تعتذر من التَّقْصيرِ
стр. 10290
صرتُ من جُمْلَةِ النَّواصبِ لا آ … كُلُ غيرَ الجِرِيِّ والجرْجِيرِ
وتكَحَّلْتُ واغتسلتُ ثلاثًا … وطبختُ الحبوبَ في عاشورِ
وتبدَّلْتُ مِنْ مبيتيَ في مَشْـ … ـهدِ موسى بجامعِ المنصورِ
فتكون المسؤول عن مؤمنٍ ألـ … قَيتَهُ أنتَ في عذاب السَّعيرِ (١)
فضحك العلويُّ، وأطلق له العطاء.
وكتَبَ إلى العماد الكاتب: قد كَلِفَ الخادمُ مكارمه وإن لم يكن للجودِ عليها كُلْفة، وأتحفه بما وجَّهه إليه من أمله وهو لعَمْرُ الله تُحفة، أهدى فروة دمشقية، سَرِيَّة نقية، يلين لمسها، ويزين لبسها، دِباغَتُها نظيفة، وخياطتها لطيفة، طويلة كطَوْله، سابغة كأَنْعُمه، حاليةٌ كذِكْره، جميلةٌ كفِعْله، واسعة كصَدْره، نقية كعِرْضه، رفيعة كقَدْره، موشية كنَظْمه ونَثْره، طاهرةٌ كطهارة باطنه، يتجمَّل بها اللَّابس، ويتحلَّى بها في المجالس، فهي لخادمه سِرْبال، وله -حَرَسَ الله مَجْدَه- جمال، تذهب خميلةُ وَبَرِها، ويبقى حميدُ أثرها، وقد نَظَمَ الخادمُ أبياتًا ركب في نَظْمها الغَرَر، وأهدى بها التَمْر إلى هَجَر، إلا أَنَّه قد وَضَعَ الطِّيب عند عَطّاره، وعَرَضَ الثوب في يدي سِمْساره، وهي في خِفارة نسبه وكَرَمه: [من مجزوء الرمل]
بأبي من ذُبْتُ في الحُـ … بِّ له شَوْقًا وصَبْوَهْ
كلَّما زادَ جَفاءً … زادَ مِنْ قلبيَ حُظْوَهْ
شَقْوَتي ما تنقضي في … حُبِّهِ والحبُّ شَقْوَهْ
بُحْتُ شَجْوًا فيه والمَحْـ … ـزونُ لا يَكْتُمُ شَجْوَهْ
لو أجابَ الله للعا … شقِ في المعشوقِ دَعْوَهْ
لسألتُ اللهَ أَنْ يُنْـ … ـصفني في حُبِّ عَلْوَهْ
مَلَكَتْ قلبي وقد كا … ن من الحُبِّ بنَجْوَهْ
كَتَبَتْ فيه هوًى لا … يملك العاذِلُ مَحْوَهْ
يا مليحَ الدَّلِّ زِدْ جَوْ … رًا على القَلْب وقَسْوَهْ
لي بمَنْ ماتَ بداءِا الـ … ـحُبِّ في عِشْقك أُسْوَهْ
لا أتاحَ اللهُ لي وَصـ … ـلكَ إنْ أَضْمَرْتُ سَلْوَهْ
стр. 10291
قسَمًا إنَّ عماد الدِّ … ينِ في الآدابِ قُدْوَهْ
إنَّ بغدادَ التي للـ … ـبُخْلِ أَضْحَتْ دارَ دَعْوَهْ
وبنوها فَهُمُ أكـ … ـثرُ أهلِ الأرضِ جَفْوَهْ
قد أقامَ الثَّلْجُ فيها … شَتْوَةً من بعد شَتْوَهْ
فَهْو يغزونا مساءً … في نواحيها وغُدْوَهْ
مِثْلَما يُتْبِعُ نورُ الدِّ … ينِ في الأعداء غَزْوَهْ
فافْرِ عن جِسْمي أذاه … يا أخا الجُوْدِ بفَرْوَهْ
أكْتَسِي منها جمالًا … رائعًا في كلّ نَدْوَهْ
ففِرا جِلِّقَ عند النَّـ … ـا سِ في بغداد شَهْوَهْ (١)
فبعث له العماد بفروهٍ، وأبياتٍ على هذا الرَّويِّ.
نَصْر بن فتْيان (٢)
أبو الفَتْح، ابنُ المَنِّي النَّهْرواني، الفقيه الحَنْبلي.
ولد سنة إحدى وخمس مئة، وحَفِظَ القرآن وهو ابنُ إحدى عشرة سنة، وبَرَعَ في الفِقْه، وناظر، وسَمِعَ الحديث الكثير، وتفقَّه عليه جماعة: منهم عبد الرَّزّاق ابن الشيخ عبد القادر، والشيخ الموفَّق، والشيخ العماد، والبهاء النّابُلُسي، والشّهاب محمد بن راجح، والنّاصح بن الحَنْبَلي، والفخر ابن تيمية خطيب حَرّان، وخَلْق كثير.
وكانت وفاتُه في رمضان بعدما أَضَرَّ في آخر عمره، ودُفِنَ إلى جانب مسجده بالمأمونية، وكان شيخًا صالحًا، زاهدًا متعبّدًا، صائمًا قائمًا، وكان الشيخ عبد القادر يقول له: أنت عينُ القِلادة.
стр. 10292
هبة الله بن علي بن هبة الله (١)
أبو الفَضْل، مجد الدين، أُستاذ الدّار، ابنُ الصَّاحب.
ولاه المستضيء أُستاذ الدار، وأقرَّه الناصر، وقرَّبه تقريبًا زائدًا، فبَسَطَ يده في الأموال، وسَفَك الدِّماء، وسبَّ الصحابة ﵃ ظاهرًا، وبَطِرَ بَطَرًا شديدًا، وعَزَمَ على تغيير الدَّولة، وكَثُرَتِ السّعايات فيه إلى الخليفة، وأُشير عليه بقَتْله وإلا صَعُبَ أمره، فاستدعي يوم السبت تاسع عشر ربيع الأول إلى دار الخِلافة، فعلم أَنَّه مقتول، فاغْتَسَلَ غُسْلَ المَيِّت، وودَّع أهله، وخَرَجَ، فمر على دار الطَّبْل قُبيل الظهر، فقال لعريف الطَّبالين: دَخَلَ الوقت؟ فقال: قد قَرُبَ، فتطيَّر، فلما حَصَلَ في بعض الدَّهاليز وَثَبَ عليه ياقوت شِحْنة بغداد، فقتله، وماجت بغداد، فأخرج رأسه، فعُلِّق بباب النّوبي، فسكَنَ النَّاس، وعمره إحدى وأربعون سنة، ووجدوا في داره [ما لم يوجد في دور الخلفاء] (٢) من العين ألف ألف وخمس مئة ألف دينار، ومن الخيل والبغال والمماليك والجواهر والثِّياب بمثل ذلك.
السنة الرَّابعة والثمانون وخمس مئة
فيها جهَّز الخليفةُ ابنَ يونس -وكان قد استوزره- إلى هَمَذان، فخرج ليلة الثلاثاء ثامن عشرين المحرم نصف الليل، وسار في العساكر للقاء السُّلْطان طغريل على هَمَذان، وكان قد بعث إلى الخليفة يطلُبُ السَّلْطنة، فأخرج الأموال، وجَهَّز جيشًا عظيمًا قدَّم عليهم ابنَ يونس، وكان في جُمْلة الأمراء طُغْرُل صاحبُ البَصْرة، وأمير الحاج طاشْتِكِين، فأَنِفا من تقديم ابنِ يونس عليهما ولم يُعدّاه، فقال ابنُ يونس: والله لأرمينَّهم في المهالك. وسار إلى باب هَمَذان، والتقوا هناك، فقصَّر طُغْرُل وطاشْتِكِين، والتقاهم السّلْطان، فكَسَرهم ومزَّقهم كل ممزَّق، وقَتَلوا وأسروا، وأُخذ الوزير ابنُ
стр. 10293
يونس، [وكان محلوق الرأس] (١)، فأحضروه بين يدي السّلْطان، فألبسه طُرطُورًا أحمر فيه جَلاجِل (٢)، وجعل يضحك عليه، ولم يصل إلى بغداد من العسكر إلا القليل، فتقطَّعوا في الجبال، وماتوا عطشًا وجوعًا، [وكانت هذه الوقعة من جنس وقعة المسترشد] (١)، وأُخذت خزائن الخليفة وخَيله ومماليكه، [وقيل: كانت أعظم، وعمل الناس الأشعار فيها] (١)، فقال أحمد بن الواثق بالله: [من الخفيف]
اُتركونا من جائحاتِ الجريمَهْ … طلعةً طلعةً تكونُ وخيمهْ
بركاتُ الوزيرِ قد شَمَلَتْنا … فلهذا أمورُنا مُسْتقيمهْ
خَرَجَ الجُنْدُ يَطْلبون خُراسا … نَ جميعًا بأُبَّهاتٍ عظيمهْ
بخيولٍ وعُدَّةٍ وعديدٍ … وسيوفٍ مجرَّباتٍ قديمهْ
ووزيرٍ وطاقِ طُنْبٍ ونَقْشٍ … وخيولٍ مُعَدَّةٍ للهزيمهْ
هُمْ رأَوْا غُرَّة العدوِّ وقد أقـ … ـبل ولَّوا وانحلَّ عَقْدُ العزيمهْ
وأتونا بأوْجُهٍ كالحاتٍ … خاضعاتٍ مسوَّداتٍ ذميمهْ
لو رأى صاحب الزمان ولو عا … ينَ أفعالهم وعُظْم المَلِيمهْ
قابل الكُلَّ بالنَّكالِ وناهيـ. ـكَ بها سُبَّةً عليهم مقيمهْ
واستوزر الخليفة أبا المعالي سعيد بن علي بن حديدة، ورتَّب اسفنديار الواعظ في كتابة الإنشاء بديوان الخليفة، وكان يلقب بالموفَّق، فلقب بمؤيَّد الدين، وخُلِعَ عليه.
وفيها نَزَلَ السّلْطان على كوكب، فرآها تحتاج إلى قتال ومصابرة، فوكَّل بها قَيماز النَّجْمي، ووكَّل بصفد طُغْريل الجانْدار، وبَعَثَ إلى الكَرَك والشَّوْبك كوجبا صِهْر السُّلْطان، وكانت هذه الحصون الأربعة أحصنَ القِلاع، ومسالكها صعبة، فرأى مطاولتها، وقَطْعَ الموادِّ عنها.
وسار السُّلْطان إلى ناحية الشَّمال في السَّاحل، ففتح عِدَّة حصون، منها أَنْطَرسوس، نازلها في جُمادى الأولى، وكان بها بُرْجان عظيمان، فأخربهما، وقتل مَنْ كان فيهما.
стр. 10294
ومنها جَبَلَة، وكان قاضيها منصور بن نبيل، فأرسل إلى السُّلْطان يشير عليه بقَصْدها، وقيل: إن القاضي والأعيان خرجوا إليه، وهوَّنوا عليه أمرها، فسار من أنطرسوس، وعبر تحت المرْقَب، وهو حِصْن الإسبتار في مكانٍ ضيِّق، وجاء أُسطول الفرنج من صِقلية، واصطفتِ المراكب، ورموا بالزَّنبورك، فمنعوا العَسْكر من العبور، فصفَّ المسلمون الدَّرَق والجفاتي على السّاحل، والرُّماة خَلْفها، وعبروا، وأخذ القاضي من السُّلْطان أمانًا لأهل جَبَلَة، وسَبَقَ به إلى البلد، وكان إبرنس أَنْطاكية قد سلَّمها إلى القاضي، ووَثِقَ به في حِفْظها، فنازلها السُّلْطان، ففتح البلد يوم الجمعة ثاني عشر جُمادى الأُولى، وامتنع الحِصْن عليه يومًا، ثُمّ سَلَّمه إليه يوم السبت بالأمان.
ومنها اللاذقية، سار إليها، وهي بلدةٌ كبيرة على السَّاحل، ولها قلعتان متَّصلتان على تل يشرف على البلد، ولها ميناء من أحسن المواضع، وهي من أطيبِ البلاد، وأحسنها عمارة، فحصرها السُّلْطان، وأقام عليها أيامًا، ففتح البلد، وغَنِمَ المسلمون منه غنائم كثيرة، لأَنَّه كان بلدَ التُّجار، وفيه أموالهم، وكان فتح البلد يوم الخميس رابع وعشرين جُمادى الأولى، فأصبح يوم الجمعة، فنازل القلعتين، وعلَّقوا النُّقوب، فصاحوا: الأمان. فأمنهم، فخرجوا بأموالهم وأهلهم إلى أنطاكية، وولاها السُّلْطان مملوكه سُنْقُر الخِلاطي، وشَرَعَ المُسْلمون في تشويهها، وقَلْع رخامها.
[قال العماد: ولقد كَثُرَ تأسفي على تلك العمارات كيف زالت، وعلى تلك الحالات كيف حالت، ولكن زاد سروري بأنها عادت للإسلام مرابع، ولشموسه مطالع] (١).
وكتب العماد إلى [اليمن إلى] (١) سيف الإِسلام كتابًا منه في وصفها: وهي مدينةٌ جامعة، وخُطَّةٌ واسعة، معاقلها لا تُرام، وأعلاقها لا تُسام، وهي جنَةٌ، وكان يسكنها أهلُ الجحيم، وطالما مكثت بالكُفْر دار بؤس، فعادت بالإِسلام دار نعيم.
ومنها صِهْيَوْن، نازلها السُّلْطان تاسع عشرين جُمادى الأولى يوم الثلاثاء، وهي قلعة حصينةٌ في طرف الجبل، خنادقها أودية هائلة، وليس لها خندق محفورٌ إلا من ناحية واحدة، طوله سِتُون ذراعًا، نُقِرَ في حجر، ولها ثلاثة أسوار، وكان على قُلَّتها (٢)
стр. 10295
عَلَمٌ طويل، عليه صليب، فلما شارفها المُسْلمون وقع الصَّليب، فاستبشروا، ونَصَبوا عليها المجانيق، وصَعِدَ المسلمون سور الرَّبَض، وقاتلوا القلعة، فصاحوا: الأمان، وسَلَّموها ثاني جُمادى الآخرة، وبثَّ السُّلْطان عسكره وأولاده في تلك النَّاحية، فأخذوا جميع الحصون التي بها، بعضها عَنْوَةً وبعضها صُلْحًا، مثل حِصْن بلاطُنُس، وقلعة الجماهريين، وبَكاس، والشُّغْر، وسُرْمانية، ودَرْبَساك، وبَغْرَاس، وأخرب السُّلْطان معظمها، ومن أحْصنها حِصن بُرزَيَه، وهو على سِن جبلٍ شاهق، يُضْرب به المَثَل في المَنَعة والقوة، وعلوُّ القلعة خمس مئة وسبعين ذراعًا، من جوانبها أوديةٌ تحيطُ بها، وصاحبها زوج أُخت البرنس صاحب أنطاكية، وتعرف زوجته بدام سِبِيل وكانت عَيْنًا للسُّلْطان على الفرنج، والسلطان يُهْدِي إليها ويلاطِفُها، وقاتَلَ السُّلْطان القلعة، ففتحها عَنْوَة، وأَسَرَها وزوجها وأولادها، فأحسنَ السُّلْطان إليهم وأطلقهم، وبعث معهم مَنْ أوصلهم إلى أنطاكية، فزادت محبتها للسّلْطان، ومناصحتها له.
وقال العماد: وآخر ما فتحنا حصن بُرزَيَه الذي تُضْرب به الأمثال، ولا تَرْقَى إلى ذُروته مُنَى الآمال، فأخذناه بالسَّيف عَنْوَة، وفتحناه ضحْوة، فيا لها ضحوة أظلمت على أهل التَّثْليث، واشتغل المؤمنون عن ذكر الفتوح القديمة بهذا الفتح الحديث، ولو وكلنا إلى اجتهادنا في هذا الفتح وإلى نفوسنا لتعذَّر، ولكن الله سَهَّلَ ويَسَّر. وسَلَّم السُّلْطان دَرْبَساك إلى عَلَم الدِّين سليمان بن علي بن جَنْدَر، وهي قلعةٌ حصينة، قريبةٌ من أنطاكية.
ذِكْرُ عَقْد الهُدنة بين السُّلْطان وإبرنس أنطاكية:
ولما فتح السُّلْطان هذه الحصون سار يقصد أنطاكية، فنزل الجسر الحديد، فضَعُفَ قلب إبرنس أنطاكية، فراسل السُّلْطان وهاداه، وكانت العساكر الشرقية قد ضَجِرَتْ، وخصوصًا عماد الدين صاحب سِنْجار، وطال عليه المقام، وضعفت هِمَمُ العساكر عن القتال، فهادنه السلطان ثمانية أشهر بمقدار ما تستريح العساكر الشرقية، ويُطلق جميعَ مَنْ عنده مِنْ أُسارى المسلمين، فإنْ جاء الفرنج نجدةً، وإلا سَلَّموا أنطاكية.
وبعث شمس الدولة ابن مُنْقذ ليخلِّص الأُسارى.