← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 10221–10260 · переход к 10226.

стр. 10221

ولد عمر ببُجَيراباد من جُوين ليلة السبت العشرين من جُمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمس مئة، وقَدِمَ دمشق حاجًّا في زمن مجير الدِّين أَبَق، فأقام بها يسيرًا، ثم عاد إلى خراسان، ثم قَدِمها سنة ثلاث وستين في أيَّام نور الدين محمود بن زَنْكي، وأقبل نورُ الدِّين عليه، وأحسن إليه، وسأله المُقام بالشَّام ليصل إلى الصُّوفية بدمشق وبَعْلَبَكّ وحِمْص وحماة وغيرها، ولما توفِّيَ نورُ الدِّين وملك البلادَ صلاحُ الدين أقام عمر على حاله منقطعًا إلى العبادة، لم يكن له بصلاح الدين أُنسًا، ولا كان يغشاه، وكان بخانكاه الصُّميصاتي رجلٌ صوفي يعرف بتاج الدِّين مسعود البَنْدَهي، وهو الذي أوقفَ خزانة الكتب بالخانكاه، وكان يغشى صلاح الدين، فسأله يومًا عن عمر، وقال: أيش فيه؟ وما حاله؟ فقصَّر في وصفه، وقال: رجل صوفي في الماء والمحراب، فسكتَ صلاحُ الدِّين، وأقام مدَّة على حاله، واتَّفق وصول صدر الدين عبد الرَّحيم شيخ شيوخ بغداد إلى صلاح الدين رسولًا من الإمام النَّاصر، فنزل بخانكاه خاتون ظاهر دمشق، وبلغه انقطاع عماد الدين عمر، فأرسل إليه يسأله الاجتماع به ويعتذر عن قَصْده، فخرج إليه، فسأله عن حاله، فذكر له طرفًا من حديث البَنْدَهي، فقال: يزول هذا، وبينما هما في ذلك جاء صلاح الدين إلى شيخ الشيوخ، فقال شيخ الشيوخ لعماد الدين: لا تبرح من سَجَّادتي ولا تخرج عنها، وقام شيخ الشيوخ، والتقى صلاح الدين، ودخل وعماد الدِّين قاعدٌ على سجادة صدر الدين، فجلس إلى جانبه، وتأخر شيخ الشيوخ، ووقف في آخر الصُّفَّة، فقام صلاحُ الدين لقيامه، وقال: بسم الله، اجلس، فقال: لو جلس أحد من أجنادك في حضرتك بغير إذنك أما يكون قد أساء الأدب؟ قال: بلى. قال: فأنا من تلامذة هذا الشيخ عماد الدين ومن مريديه، فلا يسعني أَنْ أجلس بحضوره إلا بإذنه، فالتفتَ صلاحُ الدِّين إلى عمر، واعتذر إليه، وقال: نجتمع بخدمتك، ووالله ما عرفتُ مكانك وأصالتك. ولما انصرف صلاح الدين بعث إليه بقُماش وذهب وعِمامة مُذْهبة قيمتها ألف دينار، وترقَّت حاله عنده، وتأخر البَنْدَهي، وبان لصلاح الدين سوء مقصده.

стр. 10222

ذِكْرُ وفاته: كان ولده صدر الدين قد قدم من هَمَذَان إلى دمشق، فأقام عنده يسيرًا، ثم بعثه إلى العجم ليوفي دينًا عليه، فخرج من دمشق، فمرض الشيخ عماد الدين، فردَّه من بعض الطريق، فأقام عنده أيامًا، وتوفي عمر ليلة الاثنين ثالث عشرين رجب، ودفن بمقابر الصُّوفية في الشَّرف الأعلى. سمع عماد الدين جَدَّه محمد بن عمر بن حمُّوية وغيره، وتفقَّه على محمد بن يحيى وغيره، وسلك طريقة الزُّهْد والتصوف، وكان خروجه من خُراسان في فتنة الغُزّ أيام السلطان سنجر، فأقام بهمذان، وبنيت له بها الرُّبُط، وصنَّف الأمالي والرَّقائق، وكان عارفًا بالحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك، ولما توفي فوَّض صلاحُ الدِّين إمرة المشيخة إلى ولده صدر الدين، وماتَ صلاح الدين وارتفعت منزلته عند العادل، وسنذكره إنْ شاء الله تعالى. يحيى بن نجاح (١) أبو البركات، المؤدِّب البغدادي. من شعره يمدح المستضيء: [من الخفيف] أخيالٌ لطَيفِ سُعْدَى يزورُ … أم كذا في الظَّلام تَسْرِي البُدُورُ طَرَقَ الرَّكْبُ مَوْهِنًا فاهْتَدَى مَنْ … كان عن منهجِ السَّبيل يجورُ عَبِقَتْ نفحةُ النَّسيمِ بريَّا … هـ ففاحتْ كما يفوحُ العبيرُ مَنْ عَذِيري من لائمٍ في هواه … وَهْوَ في تَرْكِ لومه معذورُ يتجنَّى عليَّ تِيهًا ولم أَجْـ … ــــنِ ويجني وذنبُه مغفورُ وعَذَابُ المُحِبِّ يَعْذُبُ في الحُبِّ … ويلتذُّ بالهوى المهجورُ يا له من هوًى يقيمُ له ما … بين جنبيَّ منزلٌ مَعْمُورُ ما على اللَّائمِ المعنِّف لو أَقْـ … ـــصَرَ عني والعاذلون كثيرُ

стр. 10223

سوف أثني عِنانَه (١) عن ملامي … بمقالٍ حقٍّ إليه يَصيرُ بمديحِ المَوْلى الإمامِ الذي قد … ملأ الأرضَ عدلُه الموفورُ لم يَزَلْ منذ حَلَّ في المهد يعلو … هـ إلى اليوم في الخِلافة نورُ ثم وافَتْه تنجلي فتلقَّا … ها بوجهٍ هو الصَّباحُ المنيرُ فأضاءَتْ بالمُسْتضيء نواحي الـ … أرضِ إذْ قام وانجلى الدَّيجورُ أنتَ يا ابن القُروم من آل عبَّا … سٍ أمينٌ للمؤمنينَ أميرُ (٢) السَّنة الثامنة والسبعون وخمس مئة في المحرَّم سار سيف الإسلام طُغْتِكِين إلى اليمن، فنزل زَبيد وبها حِطَّان، فأمره أن يسير إلى الشَّام، فجمع أمواله وذخائره وأسبابه، ونزل بظاهر زبيد، فَقَبَضَ عليه سيفُ الإسلام، وأخذَ جميعَ ما كان معه، وقيمته ألف ألف دينار، ثم قتله بعد ذلك، وكان عثمان الزَّنْجيلي بعدَن، فلما بلغه ذلك سار يطلب الشَّام بعد أن أثر باليمن آثارًا كثيرة، ووقف الأوقاف، وله مدرسةٌ بمكة، ورباطٌ بالمدينة وغيرها. وفي خامس المحرَّم خرج صلاحُ الدّين من مِصْر، فنزل البركة (٣) قاصدًا الشَّام، وخرج أعيانُ الدَّولة لوداعه، وأنشده الشعراء أبياتًا في الوداع، فسمع قائلًا يقول في ظاهر الخيم: تَمَتَّعْ من شميمِ عَرَارِ نَجْدٍ … فما بَعْدَ العَشِيَّة من عَرَارِ (٤) فطلب القائل، فلم يوجد، فوجم السُّلْطان، وتطيَّر الحاضرون، فكان كما قال، اشتغل السُّلْطان بالشرق والفرنج، ولم يَعُدْ بعدها إلى مِصْر.

стр. 10224

وسار السُّلْطان على أَيْلَة والحسا ووادي موسى، وكان فَرُّخْشاه بدمشق فبلغه أَنَّ الفرنج قد اجتمعوا عند الكَرَك لقَصْد السُّلْطان، فخرج من دمشق، فنزل طبرية وعكا [ودَبُّورية] (١)، فقصدوه، فالتقاهم فكسرهم، وقَتَلَ منهم ألوفًا، وأَسَرَ وساق عشرين ألفًا من الأنعام وغيرها، وفتح حِصْن جلدك، وهو على شقيفٍ مُشْرف على السواد، وقتل مَنْ فيه، وأسكنه المسلمين، وجعلهم طلائع، وساق إلى بُصْرى، فالتقى السُّلْطان عندها، فَسُرَّ به، ودخلا دمشق في صفر. وكان مُظَفَّر الدين صاحب حَرَّان مقيمًا بحلب، وقد استشعر من عِزِّ الدِّين مسعود، فكاتب السُّلْطان وانتمى إليه، وخَرَجَ السُّلْطان من دمشق، ونزل حماة، وجاء مظفَّر الدين، واجتمع به، وسَهَّلَ عليه عبورَ الفُرات، وأَخْذَ الجزيرة، وأنَّه لا يتعرَّض لحلب؛ لئلا يشغله عن غيرها وأنها في يده، واستصوب رأيه، وعبر الفرات، ونزل على ألبيرة، وكاتَبَ ملوك الشرق بالوفود عليه، فمنْ جاء مُسْتسلمًا سُلِّمَتْ له بلاده على أن يساعده على الفرنج، فجاءه قُطْبُ الدين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أُرْتُق صاحب مارِدِين، فالتقاه وسُرَّ به؛ لأَنَّه أَوَّلُ من جاءه، ثم وصل نورُ الدِّين محمد بن قرا رسلان بن أُرْتُق صاحب حِصْن كيفا، فدخل في طاعته على أن يساعده على تخليص آمِد، ثم سار السُّلْطان من ألبيرة بعد أن أخذها، وأقطعها لشهاب الدِّين محمد الأُرْتُقي، ونزل على الرُّها، وبها فخر الدِّين مسعود الزَّعْفراني، فضايقها مُدَّة، فعَجَزَ مسعود عن مقاومته، فسلَّمها إليه بالأمان، فسلَّمها إلى مظفر الدين مضافةً إلى ما كان بيده من حَرَّان وأعمالها، ثم سار إلى الرَّقَّة، وبها قطب الدين ينال بن حَسَّان صاحب منبج، فأَمَّنه، ثم استولى على الخابور ونَصِيبين، وولاها أبا الهيجاء السَّمين، وولى الخابور جمال الدِّين خُشترين، وله رسالة (٢) عز الدين صاحب الموصل، ولا التفتَ إليه، فسار إلى المَوْصل، فنازلها؛ نزل السُّلْطان على الباب العمادي، وأخوه تاج الملوك على باب الجسر، وتقيُّ الدين عمر من ناحية الشرق، وتولى مجاهد الدين قيماز حِفْظَ البلد، فأحسنَ القيام، وبعث عِزُّ الدين مسعود إلى الخليفة يطلب الشَّفاعة

стр. 10225

إلى صلاح الدين، فبعثَ الخليفةُ شيخَ الشيوخ عبد الرحيم يأمر السُّلْطان بالرَّحيل على أن يعودَ عز الدين إلى الموافقة، ويعاونه على جهاد الفرنج، فقال العماد الكاتب: [من الكامل] شيخُ الشيوخ أتى ليصلحَ بيننا … أيظُنُّ أَنَّا في رِباط الزَّوْزَني وأقام السُّلْطان على المَوْصل أربعين يومًا، ورآه بلدًا عظيمًا، وفيه العساكر، وأَنَّه لا يحصل منه بالحصار غرض حتى يؤخذ ما حوله من القلاع، ويضعف بطول الزَّمان، فرحل ومعه رسول الخليفة، فنزل على سِنْجار في شعبان، وكان نزوله على المَوْصل عاشر رجب، وكان بسنجار شرف الدين بن قطب الدين، فضربها بالمجانيق، فانهدَّ من السور ثُلْمة، فخاف شرف الدين، فطلب الأمان، فأَمَّنه، فخرج بأهله وأمواله وأسبابه إلى الموصل، وأعطى سنجار لتقي الدِّين عمر، وكانت الرياسة فيها لبني يعقوب، فأبقاهم على ما هم عليه، وولَّى القضاء نظام الدين نَصْر بن المُظَفَّر بن محمد بن يعقوب. ثم رحل إلى حَرَّان، وعادتِ العساكر الدِّيار بكرية إلى مراكزها، وشيخ الشيوخ إلى بغداد، وأقام على حرَّان. وفيها كانت وقعة الحاجب لؤلؤ مع الفرنج؛ خرج إبرنس الكَرَك إلى أَيلَة، فأقام بها ومعه الأخشاب على الجمال والصُّنَّاع، فعمل المراكب، وكان قصده مكة والمدينة والغارات في البحر، فلما تَمَّ عملها ركب فيها، ووصل إلى عَيذاب في بحر القُلْزُم، فأخذ مراكب التجَّار، ونَهَبَ وقتل وأسر، وسار يريد جُدَّة، وبلغ الخبر إلى العادل أخي السُّلْطان، فأمر حسام الدين لؤلؤ الحاجب، فركب في بحر القُلْزُم، وسار خَلْفهم وساعدته الرِّيح، فأَدْركهم وقد أشرفوا على مدينة النَّبيِّ ﷺ ، فهربَ بعضُهم في البَرّ، وأَسَرَ الباقين، فأخذ مئة وسبعين أسيرًا، وخلَّص أموال التجار، وردَّها عليهم، واستولى على مراكبهم، وعاد إلى القاهرة، وكتبوا إلى السلطان بذلك، فقال: تُضْرب رقاب الأسرى، بعضُهم بالقاهرة، وبعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، ففعلوا.

стр. 10226

وكتب [القاضي] (١) الفاضل إلى الخليفة كتابًا في [هذا] (١) المعنى، منه: وكان الفرنجُ قد ركبوا من الأمر نُكْرًا، وافتضُّوا من البحر بِكْرًا، وعمروا مراكب شحنوها بالمقاتلة والأَزْواد، وضربوا بها سواحل تِهامة، وأوغلوا في البلاد، وما ظنَّ المسلمون إلا أنَّ الساعة قد نُشِرَ مطويُّ أشراطها، وطُويَ منشورُ بساطها، فثار غضبُ الله لفناء بيته المحرَّم، ومقام أنبيائه المعظَّم، وضريح نبيه المفخَّم ﷺ ، ورجوا من فَضْل الله آيةً كآية البيت إذْ قصده أصحابُ الفيل، ووكلوا الأمور إلى الله، فكان حَسْبُهم ونعْمَ الوكيل، فلم يُبْقِ الله من العدوِّ مُخَبِّرًا ولا أَثَرًا ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]. وفيها قَصَدَ ملوكُ الشَّرْق السُّلْطان، وهو على حران، جاءه ظهير الدين سكمان شاه أرمن صاحب خلاط، وهو خال صاحب ماردين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش، وصاحبُ مارِدِين هذا هو خال عِزِّ الدين مسعود صاحب المَوْصل، وسيف الدين بَكْتَمُر غلام صاحب خِلاط، وكان شاه أرمن قد بَعَثَ إلى السُّلْطان يشفع في المواصلة، فلم يقبل منه، فجاء شاه أرمن، فنزل على حَرْزم بدُنَيسر، وخَرَجَ إليه عِزُّ الدين من المَوْصل بعساكره وعسكر حلب، وكان عسكر مِصْر قد وصل منه إلى السُّلْطان خمسة آلاف، فساق إلى رأس العين، فنزلها، فتفرَّقوا، ورجع كلُّ واحدٍ إلى بلاده. وسار السُّلْطان إلى آمِد، وبها محمود بن إيكلدي، وقد حكم عليه رئيسها مسعود بن علي بن نَيْسان، وكان السُّلْطان قد وَعَدَ بها نورَ الدين محمد بن قرا رسلان على ما تقدَّم، فنصب عليها المجانيق، ولم يبق إلا فتحها، فخرج إليه العقائل من نساء ابن إيكلدي وابن نَيسان يسألونه المُهْلة أيامًا، فأمهلهم. وفيها قبض الجُنْدُ الذين كانوا بقلعة حارم على سرخك واليها، وأخرجوه منها، ونادوا بشعار السُّلْطان، وبعثوا إليه يسألونه تسلُّمها، فأرسل إليهم من تسلَّمها. وحج بالنَّاس من العراق طاشْتِكِين.

стр. 10227

وفيها توفي أحمد بن علي بن أحمد (١) أبو العَبَّاس بن الرِّفاعي، شيخ البطائحيين، كان يسكن أم عَبِيدة (٢)، وكان له كراماتٌ ومقامات، وأصحابه [على ما بلغني] (٣) يركبون السِّباع، ويلعبون بالحَيَّات (٤)، ويتسلَّق أحدهم في أطول النَّخل، ثم يُلْقي نفسه إلى الأرض ولا يتألَّم، ويجتمع عنده كلّ سنة في المواسم خَلْقٌ عظيم. قال المصنِّف ﵀: حكى لي بعضُ أشياخنا قال: حَضَرْتُ عنده ليلة نصف شعبان، وعنده نحو مئة ألف إنسان، قال: فقلتُ له: هذا جمع عظيم، فقال: حُشِرْتُ محشرَ هامان إنْ خَطَرَ ببالي أني مقدَّم هذا الجمع. وكان متواضعًا، سليمَ الصَّدْر، مجرَّدًا من الدُّنيا، وما ادَّخر شيئًا قط. [(٥) وحكى لي بعضُ أصحابه أنه رآه] في المنام في مقعد صِدْقٍ مرارًا، ولم يخبره، وكان للشيخ أحمد امرأةٌ بذيئة اللسان، تَسْفَهُ عليه وتؤذيه، فدخل عليه الذي رآه في مقعد صدق يومًا وبيد امرأته مِحْراكُ التَّنُّور، وهي تضربه على أكتافه، فاسودَّ ثوبه وهو ساكت، فانزعج الرجل، وخرج من عنده، فاجتمع بأصحاب الشيخ، وقال: يا قوم، يجري على هذا الشيخ من هذه المرأة هذا وأنتم سكوت؟! فقال بعضهم: [مهرها ثقيل، قال: ما مهرها؟ قال:] (٣) مهرها خمس مئة دينار، وهو فقير. فمضى الرجل، وجَمَعَ خمس مئة دينار، وجاء بها إلى الشيخ في صينية، فوضعها بين يديه، فقال: ما هذا؟ قال: مهر هذه السَّفيهة التي فعلت بك كذا وكذا. فتبسَّم، وقال: لولا صبري على ضَرْبها ولسانها ما رأيتني في مقعد صِدْق.

стр. 10228

وكراماته أكثر من أن تحصى، وكان سببُ وفاته أَنَّ عبد الغني محمد بن نُقْطة الزَّاهد مضى إلى زيارته، فأنشده أبياتًا منها: [من الطويل] إذا جَنَّ ليلي هامَ قَلْبي بذِكْركُمْ … أنوحُ كما ناح الحَمَامُ المطوَّقُ وفوقي سحابٌ يُمْطِرُ الهمَّ والأسى … وتحتي بحارٌ بالأسى تتدفَّقُ سلوا أُمَّ عمرٍو كيفَ بىاتَ أسيرُها … تُفَكُّ الأُسارى دونه وهو مُوْثَقُ فلا أنا مقتولٌ ففي القَتْلِ راحةٌ … ولا أنا ممنونٌ عليه فيعتقُ (١) فبكى الشيخ ومرض، وكانت وفاته يوم الخميس ثاني عشر جُمادى الأُولى، وقد جاوز سبعين سنة. الحسن بن هبة الله (٢) ابن محمد بن علي بن المُطَّلب، أبو المُظَفَّر، فخر الدَّوْلة، وكان أبو المعالي وزيرًا، وأخوه أبو المكارم علي أُستاذ الدار، وكان فخر الدولة فاضلًا سديدَ الرأي، يُسْتشار في الأمور الجسيمة، وكان كثيرَ الصدقات، متفقدًا لأرباب البيوت، سخيًّا، ذا مروءة ظاهرة، وله ببغداد آثارٌ جميلة منها جامعه المعروف بجامع فخر الدولة غربي بغداد، غرم عليه أموالًا عظيمة. ومنها رباطه شرقيّ بغداد عند عقد المصطنع عند دار الذَّهب، ووقف عليها أوقافًا كثيرة، وكانت وفاته في شوال، ودُفِنَ بجامعه، وله شبَّاك يشرف على دِجْلة، وقد خرب بعضه باستيلاء دِجْلة عليه. [قلت: قد رأيت هذا الجامع في سنة خمس وأربعين وست مئة، وقد استولت دجلة عليه، فأخربت بعضه، والظاهر أنها تخرب الباقي] (٣).

стр. 10229

فرُّخْشاه بن شاهنشاه بن أيوب (١) أبو سَعْد، عِزُّ الدين. كان من الأماثل الأفاضل، كثيرَ الصَّدقات، متواضعًا، سخيًّا جَوَادًا، مِقْدامًا، متنضِّلًا من المظالم، وكان عمُّه صلاح الدين قد استنابه بالشَّام. وقال العماد: كان يفضل بالفضائل على أهله، ويغني السُّؤَّال عن الابتذال بكرم بَذْله، ومن أَخصِّ خواصه وذوي استخلاصه تاج الدين الكِنْدي علامة زمانه، وحَسَّان إحسانه، ووزير دَسْته ومشير [وقته، وجليس] (٢) أنسه، وشعاع شَمْسه، وحبيبُ نفسه، وكان فَرُّخْشاه شاعرًا فصيحًا [(٣) قال العماد: أنشدني في قلعة دمشق، ونحن بين يدي صلاح الدين هذه الأبيات]: [من الطويل] إذا شئتَ أَنْ تُعْطي الأمورَ حقوقَها … وتوقعَ حُكْمَ العَدْلِ أحسنَ مَوْقعِهْ فلا تَصْنَعِ المعروفَ مَعْ غيرِ أهله … فظُلْمُكَ وَضْعُ الشَّيء في غير مَوْضِعِهْ (٤) وقال: [من الخفيف] كلَّ يومٍ يسعى إلى المُلْكِ قومٌ … في ازديادٍ وعُمْرهُمْ في انتقاصِ شَرَكٌ هذه الأماني فيا لـ … ـــلَّهِ كَمْ واقعٍ بغير خلاصِ وقال: [من الرمل] أَقْرَضُوني زمنًا قُرْبَهُم … واستعادوا بالنَّوى ما أَقْرَضُوا أنا راضٍ بالذي يُرْضيهمُ … ليتَ شِعْري بتلافي هل رضوا وقال في وصف دمشق: [من الطويل] دمشقُ سَقَاك الله صَوْبَ غمامةٍ … فما غائبٌ عنها لديَّ رشيدُ عسى مُسْعِدٌ لي أن أبيتَ بأَرْضها … على أنني لو صحَّ لي لسعيدُ

стр. 10230

[وله أشعار كثيرة مدونة، وكانت] (١) وفاته بدمشق في جُمادى الأُولى، ودُفِنَ بقُبَّته على المَيْدَان في الشَّرف الشَّمالي، وكان [السُّلْطان] (٢) قد عبر الفرات، فأبقى بَعْلَبَكَّ على ولده الملك الأمجد بَهْرام شاه، وبعث شمس الدِّين ابن المقدَّم نائبًا عنه بدمشق. وللعماد الكاتب فيه عدة قصائد، منها: [من الكامل] أَأَحِبَّتي إنْ غِبْتُ عنكُمْ فالهوى … دانٍ لقلبٍ بالغرامِ مُوَلَّهِ أما عُقودُ مدامعي فلقد وَهَتْ … وأَبَتْ عقودُ الودِّ مني أَنْ تَهِي لا تَنْهَني يا عاذلي فأنا الذي … تَبِعَ الهوى وأتى بما عنه نُهي قد قُلْتُ للحادي وقد نادَيتُهُ … في مَهْمَهٍ أَقْصِرْ وَصَلْتَ مهٍ مَهِ وهي ثمانون بيتًا (٣). وقد عارَضَها الشَّيخ تاج الدين الكِنْدي، فقال من أبيات: [من الكامل] هل أنتَ راحمُ عَبْرَتي وتولُّهي … ومجيرُ صَبٍّ عند مَأْمَنِهِ دُهي مَنْ بَلَّ من داءِ الغرام فإنني … مُذْ حَلَّ بي مرض الهوى لم أَنْقَهِ يا مُفْردًا في الحُسْن إنَّك منتهٍ … فيه كما أنا في الصَّبابة منتهي قد لامَ فيك معاشرٌ أفأنتهي … باللَّوْمِ عن حُبِّ الحياة وأنتَ هي قال المصنِّف ﵀: وأنشدني المهذَّب أبو الدُّرِّ الرُّومي (٤) سنة ستٍّ وتسعين وخمس مئة أبياتًا منها (٥): [من الكامل] أتظنُّني أَسْلُو هواكَ وأنتهي … عن حُبَّةٍ تحيي النّفوس وأنتَ هي بَرِحَ الخَفَاءُ وشاب صبري في الهوى … ووهى، وها عزماتُ وَجْدي لم تهي يا منتهٍ في حُسْنه وجماله … فَرْدًا كما أنا في الصَّبابة منتهي

стр. 10231

إن لم يكن لمحبِّك الروميِّ في … فِعْلِ الوفاءِ مشابهٌ فَتَشَبَّهِ مسعود بنُ محمد بن مسعود (١) أبو المعالي، القُطْب النَّيسابوري، الفقيه الشَّافعي. ولد سنة خمسٍ وخمس مئة بنيسابور، [وأبوه من طُرَيثيث] (٢)، وتفقَّه [القطب بنيسابور] (٢) وسمع الحديث، ودرَّس بنظامية نَيسابور نيابةً عن ابن بنت الجُوَيني. وقد قَدِمَ دمشق سنة أربعين [وخمس مئة] (٢)، ووعظ بها، وما كان الوعظ [من] (٢) فنه، وحَضَرَ نورُ الدِّين محمود مجلسه (٣)، ودرَّس بالمجاهدية، ثم بالزَّاوية [الغربية في الجامع] (٢) بعد وفاة نَصْر المقدسي، ثم سافر إلى حلب، ودرَّس بالمدرستين اللتين لنور الدين وأسد الدين، ثم عاد إلى دمشق، فحدَّث بها ودرَّس، وتوفي يوم عيد الفطر، وصُلِّي عليه بجامع دمشق، وكان يومًا مشهودًا، ودُفِنَ بمقابر الصوفية عند المُنَيبع، [وتزوج الفخر ابن عساكر ابنته، وذكره الحافظ ابن عساكر وأثنى عليه، وقال:] (٢) وكان حَسَنَ العِشْرة، كريمَ الأخلاق، متواضعًا، متردِّدًا إلى النَّاس، قليلَ التصنُّع، [سمع بنيسابور من هبة الله بن سهل وغيره، ورأى أبا نصر القشيري والمشايخ، وكان صالحًا ثقة صدوقًا] (٢). ممدود الدهبي البغدادي (٤) كان مجابَ الدَّعْوة، اتُّهم بسرقةٍ، فأُتي به إلى باب النُّوبي، ومُدَّ ليضرب، فرفع النَّقيب يده ليضربه، فيبست يده، فقال له حاجب الباب: ما لك؟ فقال: قد يبست يدي، فرفعوه من الأرض، فعادت يدُه صحيحة، فمدَّده، وعاد النقيب ليضربه، فيبست يده، فعلوا به ذلك ثلاثَ مرَّات، فلما كان في الثَّالثة بكى حاجبُ الباب، وقام له، وأجلسه إلى جانبه، واعتذر إليه، وكتب إلى الخليفة، فأخبره بأمره، فأمر أن يحسن إليه.

стр. 10232

هاشم بن المستضيء أبو منصور، أخو الإمام النَّاصر، كان شابًّا حسنًا دَيِّنًا، [وأشار ابن العطار بتوليه الخلافة، فلم يتمَّ له] (١)، توفي في شعبان، ودفن عند أبيه [المستضيء] (١). يوسف بن عبد المؤمن بن علي (٢) أبو يعقوب، صاحب المغرب، أمير الموحِّدين. كان حَسَنَ السِّيرة، عادلًا دَيِّنًا، ملازمًا للصَّلوات الخمس، لابسًا للصُّوف، مجاهدًا في سبيل الله [(٣) واختلفوا في وفاته على قولين: أحدهما] أن ألفنش ملك طُلَيطلة أغار على بلد الأندلس، فعدَّى إليه يوسف في مئتي ألف وثمانين ألفًا، ونزل على مدينة الفنش، فخامر عليه وزيره ابنُ المالِقي، فقال للعساكر: إنَّ أمير المؤمنين يأمركم أن تغدوا إلى مراكش، وهو واصلٌ خلفكم، فساروا، وبقي في نفرٍ يسير، فقال لابنِ المالقي: ما سبب هذا؟ قال: [إنهم] قد خامروا. وبعث [ابن المالقي] (١) إلى الفنش يقول [له] (١): ما عنده أحد، فجاء [الفنش] (١) في عساكره، فركب يوسف والتقاه، فَطُعِنَ في جَنْبه، فمات بعد يومين. [(٤) والثاني: أنه مرض ولم يقتل، ذكره عبد المنعم بن حسان الأندلسي في "تاريخه"، وقال: وفي سنة ثمان وسبعين وخمس مئة جاز أبو يعقوب يوسف إلى الأندلس في جمع كبير، وحاصر مدينة يقال لها شنترين]، فأصابه مرض، فتوفي في ربيع الأول (٥)، وحمل إلى إشبيلية، وكانت إمارته اثنتين وعشرين سنة، وماتَ عن غير وصية، فأجمع رأي مشايخ الموحدين وأولاد عبد المؤمن على تقديم ولده [أبي يوسف] (١) يعقوب، فبايعوه. وقيل: مات سنة ثمانين [وخمس مئة] (١)، فكتم ولده يعقوب وفاته، ثم أظهرها، ولقب نفسه بالمنصور، [وسنذكره في سنة خمس وتسعين] (١)، ولم يكن في بني عبد المؤمن مثل يعقوب [هذا، رحمة الله عليه] (١).

стр. 10233

السَّنة التَّاسعة والسبعون وخمس مئة في يوم الأحد عاشر المحرَّم تَسَلَّم السُّلْطان آمِد، ودخل إليها، وجلس في دار الإمارة، ثم سَلَّمها وأعمالها إلى نور الدين محمد بن قرا رسلان، وكان وَعَدَه بها لما جاء إلى خدمته. ذِكْرُ طرفٍ من أخبارها: كان مدبِّرها قديمًا مؤيَّد الدِّين عليَّ بن نيسان، وتوفِّي، فتولَّى أمرها ولدُه مسعود بن علي، وكان لآمد أميرٌ قديم يقال له: إيكلدي من أيام السَّلاطين القدماء، وكان شيخًا كبيرًا، وله ولد اسمه محمد صغير، ومات إيكلدي وحكم مسعود على محمد، وكان [يظهر] (١) أَنَّه يحفظ عليه آمِد، وكان نورُ الدّين يدَّعي أنها أُخذت من أبيه قرا رسلان أو من جدِّه، وأقام أبوه قرا رسلان يحاصرها زمانًا، فلم يقدر عليها، ومات بحسرتها، ولما أخذها صلاحُ الدِّين خرج الرئيس محمود بن علي ومحمد بن إيكلدي منها بأموالهما وحريمهما إلى المَوْصل، وأعانهما صلاحُ الدين بدوابّ تنقل بعض قماشهما، فحملا ما خَفَّ حمله، وعَجَزَا عن حمل كثيرٍ من الذَّخائر والأسلحة. وكتَبَ الفاضل إلى الخليفة كتابًا في الفَتْح، منه: والخادم يتوقَّع في جواب هذا أن يُمَدَّ بجيشٍ هو الكلام، ورِماحٍ هي الأقلام، وليس ذلك لوسائل تقدَّمت من دولةٍ أقامها بعد مَيلِ عروشها، ولا لدعوةٍ قام فيها بما تصاغَرَتْ دونه هِمَمُ جيوشها، بل لأن هذه الجزيرة الصَّغيرة منها تنبعث الجريرة الكبيرة، وهي دارُ الفُرْقة ومدار الشُّقَّة، ولو انتظمتْ في السِّلْك لانتظمَ جميعُ عسكر الإسلام في قتال أهل الشِّرْك، ولكان الكُفْرُ ينقلب على عقبيه، ويُلْقي بيديه، ويُغْزى من مِصْر برًّا وبحرًا، [ومن الشام] (٢) سرًّا وجهرًا، ومن الجزيرة مَدًّا وجَزْرًا. وفي المحرَّم عادَ السُّلْطان، فقطع الفرات قاصدًا إلى حلب، واجتاز في طريقه بعين تاب، وبها ناصحُ الدِّين محمد بن خُمارتكين، فنزل إليه، وقام بالضِّيافة فأبقاها عليه، وجاءه ابنُ السَّاعاتي، فأنشده أبياتًا منها: [من البسيط]

стр. 10234

فانهضْ إلى حلب في كلِّ سابقة … سُرُوْجُها قُلَلٌ تُغْني عن القُلَلِ ما فَتْحُها غيرُ إقليدِ الممالك والدَّ … اعي إليه جميعُ الخَلْقِ والمِلَلِ (١) فنازل حلبَ في سادس عشرين المحرَّم، ونزل بالمَيدان الأخضر، وباشر القتال بُكْرةً وعشيًّا، وزحف يومًا أخوه تاج الملوك بُوري، فجاء سهمٌ في عينه، فحُمِلَ مريضًا، فمات في الثَّالث والعشرين من صفر، ثم عَلِمَ عماد الدين زَنْكي أَنَّه لا طاقةَ له به، وضجَّ من اقتراح الأمراء عليه، فقال لحسام الدين طُمان: اخرج إلى صلاح الدين وسَلْه في الصُّلْح. [فخرج سرًّا، ولم يعلم به أحد، فقرر الصلح] (٢) وأن يردَّ عليه سنجار وأعمالها والخابور ونصيبين، ويسلم إليه قلعة حلب، وعَلِمَ النَّاسُ، فأصبح الأمراء، فخرجوا إلى صلاح الدِّين، فخلع عليهم، وجَعَلَ أهل حلب تحت القلعة إجَّانة وثيابًا وصابونًا، وصاحوا على عماد الدين: يا فاعل، يا صانع، انزل، فاغسلِ الثياب مثل المخانيث، ما يصلح لك غير هذا. وعملوا فيه الأشعار، [وغنوا بها في الأسواق] (٢)، منها: [من المتقارب] وبعتَ بسنجارَ خيرَ القِلاع … ثَكلتُكَ من بائعٍ مشتري [(٣) فلما كان اليوم الثالث والعشرين من صفر توفي تاج الملوك أخو السلطان، فحزن عليه حزنًا عظيمًا، وجلس للعزاء، ونزل إليه عماد الدين، فالتقاه السلطان، وأكرمه وأخدمه]، وقدَّم له الخيول العِتاق والتُّحَف الجليلة، وعاد [عماد الدين] إلى القلعة، وأقام السُّلْطان كئيبًا حزينًا على أخيه، وكان يبكي ويقول: ما وَفَتْ حلب بشعرة من أخي. [وقيل: إنه قال: ما غلت حلب ببوري، والأول أليق بالسلطان، لأنه ما كان في البيت مثل بوري] (٢).

стр. 10235

وسار عمادُ الدِّين إلى سنجار من يومه، وأقام السُّلْطان بالمخيَّم غير مكترث بحلب لما جرى عليه من وفاة أخيه، ثم صَعِدَ إلى القلعة سَلْخ صفر، فأنشده ابن القاضي زكي الدين محمد بن علي القُرَشي قاضي [قضاة] (١) دمشق أبياتًا، منها: [من البسيط] وفتحكُمْ حلبًا بالسَّيفِ في صفرٍ … مبشِّرٌ بفتوح القُدْس في رَجَبِ [(٢) فعجب الناس من رمية من غير رام، فكان -كما قال ولكن بعد أربع سنين]- الذي خطب بالقُدْس لما فتحه السُّلْطان، وولى السلطان القضاء بحلب محيي الدِّين بن زكي الدين، والقلعة سيف الدين أزكش، والدِّيوان ناصح الدِّين إسماعيل ابن العميد، وأعطى تل باشر وتل خالد لبدر الدين دُلْدُرم بن بهاء الدين بن ياروق، وأعطى قلعة عَزَاز لعلم الدين سليمان بن جَنْدَر، ثم رحل عن حلب يوم السبت ثاني عشرين ربيع الآخر، ودخل دمشق ثالث جمادى الأُولى، فأقام بها أيامًا، ثم خرج إلى الفَوَّار، فأقام به على رأس الماء. وفيها بعث الخليفة عسكرًا إلى دقوقا، فأخذها. وفيها عصى بهاءُ الدين يوسف بن زين الدين علي كوجك بإربل على المواصلة، وكاتب السُّلْطان، وانتمى إليه، فبعثَ إليه منشورًا بإربل، وعصى سنجرشاه بن سيف الدين غازي بالجزيرة، وهو صبيٌّ صغير، وسببُ هذا أَنَّ مجاهد الدين قَيماز النَّائب بالمَوْصل كان وصيَّ زين الدين وسيف الدين على ولديهما بإربل والجزيرة، فأشار محمود بن زلفَنْدار على عِزِّ الدِّين مسعود بالقبض على مجاهد الدين قيماز حسدًا منه له، فقبض عليه، فاختلتْ أمورُ البلاد وعَصَتْ عليه، فأطلقه، وولَّاه قلعة المَوْصل، وأحسنَ إليه، وقَبَضَ على ابن زلفَنْدار وعلى كلِّ مَنْ أشار [عليه] (٣) بقبض مجاهد الدين. وفيها كانت غَزَاة بَيسان: رحل السُّلْطان من الفَوَّار في جُمادى الآخرة، فنزل بَيسان وقد هَرَبَ أهلها، فقدَّم بين يديه جُرْديك النُّوري، وجاولي الأسدي وجماعة من

стр. 10236

النُّورية، فجاؤوا إلى عين الجالوت والفرنج على الفولة، فصادفوا على عين الجالوت طائفةً من الفرنج، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا مئة فارس، ورحل السُّلْطان إلى الفولة يطلب المصافّ، فتحصَّن الفرنج بالرَّاجل، ولم يخرج منهم أحد، فرحل السلطان إلى الطُّور، فلما كان في الليل ساروا طالبين عكا، ورحل السُّلْطان خلفهم يقاتل السَّاقة، فقتل منهم جماعةً، ودخلوا عكا، فعاد السُّلْطان على صفد، فنهب وأحرق، وعاد إلى دمشق. ثم خرج في رجب إلى الكَرَك، وكان أخوه العادل قد كَتَبَ إليه أن يعوِّضه بحلب عوض مِصْر، فكتَبَ إليه أن يوافيه على الكَرَك، فالتقيا على الكَرَك، ونَصَبَ السُّلْطان عليها المجانيق، وحشد الفرنج ونزلوا [الواله] (١) قريبًا من الكرك، فرأى السُّلْطان أن حصار الكرك يطول، فعاد إلى دمشق ومعه أخوه العادل، فأعطاه حلب، فسار إليها، وبها الملك الظاهر ولد السُّلْطان وسيف الدين أزكش، فسلَّماها إليه، وقدم الظاهر دمشق ومعه أزكش في شوال، وأقام الظاهر في خدمة أبيه، راضيًا في الظَّاهر، وفي الباطن ما فيه. وفيها وصل عبدُ الرَّحيم شيخُ الشيوخ من بغداد رسولًا إلى صلاح الدِّين، ومعه محيي الدِّين أبو حامد محمد بن قاضي القضاة كمال الدين الشَّهْرُزُوري رسولًا من المواصلة، فأغلظ [محيي الدين] (١) للسلطان وقال: [(٢) تحلف لعز الدين أن هذه] الجزيرة وما يقطع الفرات من ناحية المشرق يكونوا مضافين إلى عز الدين، ولا تعلُّق لك بهم، وإلا جاء البهلوان وملوك العجم إليك، واتفقوا عليك. فغضب السُّلْطان وقال: أنا قاصدٌ إليكم، فإذا فرغت منكم سرت إلى البهلوان. وفي ذي الحِجَّة أمر الخليفة أن لا يستخدم في الديوان يهودي ولا نَصْراني، ولا يُسْتعان بهم في عملٍ من الأعمال، فأُنهي أن ابن زطينا اليهودي ليس له نظيرٌ في الكتابة، فكَتَبَ على المطالعة: مات ابن زطينا، أيش نعمل؟ نبطل الديوان؟ فأسلم ابن زطينا يومئذٍ. وحجَّ من العراق طاشْتِكِين.

стр. 10237

وفيها توفي بوري بن أيوب (١) تاج الملوك، أبو سعيد. ولد في ذي الحِجَّة سنة ستٍّ وخمسين وخمس مئة، وكان الله قد جَمَعَ فيه محاسن أخلاق ومكارم وشيم، ولطف طباع، وكرمًا وشجاعة، وفضلًا وفصاحةً، وكان أديبًا شاعرًا مترسِّلًا، وله ديوانُ شعر. [(٢) وذكره العماد الكاتب في "الخريدة"، وأثنى عليه، وأنشد مقطعات من شعره، منها في رمضان]: [من الكامل] رمضانُ بل مرضانِ إلا أَنَّهم … غَلِطُوا إذًا في قولهم وأساؤوا مرضانِ فيه تحالفا فنهارُهُ … سُلٌّ وأمَّا ليلُه استسقاءُ وقال: [من الوافر] شَرِبْتُ من الفراتِ ونيلُ مِصْرٍ … أحبُّ إليَّ من شَطِّ الفرات ولي في مِصْرَ مَنْ أَصْبُو إليه … ومن في قُرْبه أبدًا حياتي فقلتُ وقد ذكرتُ زمانَ وَصْلٍ … تمادى بعده روحُ الحياةِ أرى ما أَشْتَهِيه يفرُّ مني … ومن لا أَشْتَهِيه إليَّ يأتي وقال [وقد بالغ] (٣): [من الخفيف] يا غزالًا يُميت طورًا ويُحيي … وَهْوَ بُرْءُ السَّقام سُقْمُ الصَّحيحِ هذه المعجزاتُ ليست لظَبْي … إنما هذه فِعالُ المسيحِ وعاش ثلاثًا وعشرين سنة وشهورًا.

стр. 10238

محمد بن بختيار بن عبد الله (١) أبو عبد الله الأبله الشَّاعر، وإنَّما سُمِّي الأبله لذكائه، [وهو من الأضداد] (٢)، كان خبيثَ اللِّسان، هَجَّاء، [(٣) هجا أباه وأمه وأخاه، وقد ذكرناه في ترجمة الوزير (٤) وقد ذكره أبو المعالي الكتبي في "ملح الملح"، وقال: من شعره في رجل كفل يتيمًا، وكان منهومًا بالغِلْمان]: [من مجزوء الكامل] يا ذا الذي كَفَلَ اليتيـ … ـــــــــمَ وقَصْدُه كِفْلُ اليتيمِ إن كنتَ تَطْمَعُ في النَّعيـ … ــــمِ فقد حَصَلْتَ على الجحيمِ [ذكر واقعة عجيبة جرت له] (٢): كان الأبله يصحب حاجب الباب ابن الدوامي ويمدحه، خَرَجَ معه إلى بُسْتان بباب مُحَوِّل، وكانت ليلة مُقْمرة [(٥) فأخذ ينشد لابن الدوامي قصائد، منها]: [من المديد] زار من أحيا بزَوْرته … والدُّجى في لون طُرَّتِهِ قمرٌ يثني معانِقُهُ … بانةً في ثِنْي بُرْدَتِهِ يا لها من زَوْرَةٍ قَصُرَتْ … فأماتتْ طُولَ جَفْوَتِهِ بتُّ أستجلي المُدام على … غِرَّة الواشي وغُرَّتِهِ حين حلَّتْ عَقْدَ مُصْطبري … عُقَدٌ من سحر مُقْلَتِهِ فلما أنهاها قال له ابنُ الدوامي: يا حُجَّة العرب، هذه القصيدة لك؟ فقال: نعم. فصاح صائحٌ من داخل البُسْتان: يكذب، ما هي له. فخاف ابنُ الدوامي وغِلْمانُه، وقاموا إلى الباب وهو مُغْلق، فطافوا البُسْتان، فلم يَرَوْا أحدًا، فعادوا وجلسوا، فقال له ابنُ الدوامي: أنشدنا أخرى، وأنشده، فقال له: هذه لك؟ قال: نعم. فصاح ذلك الصَّوت بعينه: يكذب، ما هي

стр. 10239

له. فقاموا وفتَّشوا، فلم يروا أحدًا، فقال: أنشدنا أخرى، فأنشده ثالثة، فقال: هذه لك؟ قال: نعم. فصاح ذلك الصَّوت بعينه: يكذب، ما هي له، فقال له الأبله: فخبِّرْه ما هي لي، فلمن هي؟ فقال: لي. قال: ومَنْ أنتَ؟ قال: شيطانك الذي أعلمك قول الشِّعْر، فقال له: صَدَقْتَ، والله يحفظك عليَّ، ولا يفرق بيني وبينك. وقال أبو الدر الرُّومي الشَّاعر: مَرِضَ الأَبْله، فدخلت [عليه] أعوده، فقال: ما بقيتُ أقدر أنظم شيئًا. قلتُ: فما سببه؟ قال: لا شك أَنَّ تابعي قد مات، وتوفي بعد ذلك في جُمادى الآخرة، وترك ثلاثة آلاف دينار. [قلت: والدليل على صحة هذه الحكاية قول الشاعر: [من الرجز] إني وكلُّ شاعرٍ من البَشَرْ … شيطانه أنثى وشيطاني ذكرْ] (١) السنةَ الثَّمانون وخمس مئة [وفيها كتب زين الدين ابنُ نُجَيَّة الواعظ من مصر إلى صلاح الدين يشوِّقه إليها، وكان السلطان بدمشق، قال: أدام الله أيام مولانا السلطان الملك الناصر، وقرنها بالتأييد والنَّصر والتسديد، أترى ما يشتاق مولانا إلى مصر ونيلها، وخيرها وسلسبيلها، ودار مُلْكه ودارة فلكه، وبحرها وخليجها، ونشرها وأريجها، ومقسم مقاسمها، وأُنس إيناسها، وقصور مُعِزِّها ومنازل عِزِّها، وجيزتها وجزيرتها، وبَرَكتها وبِرْكتها، وتعلق القلوب بقَلْيُوبها، واستلاب النفوس بأسلوبها، وملتقى البحرين، ومُرْتقى الهرمين، وروضة جِنانها، وجَنَّة رِضْوانها، ومشاهدها ومجامعها، ومساجدها وجوامعها، ونواظر بساتينها، ومناظر ميادينها، وساحات سواحلها، وآيات فضائلها. وذكر ابن نُجية كلامًا طويلًا من هذا الجنس. فكتب إليه السلطان: ورد كتاب الفقيه زين الدين -أدام الله توفيقه- لا ريب أن ساكن الشام أفضل، وأن أجر ساكنه أجزل، وأن القلوب إليه أميل، وأن زلاله البارد أعل وأنهل، وأن الهواء في صيفه وشتائه أعدل، وأن الجمال فيه أجمل، والجمال به أكمل، وأن القلب به أروح، والروح به أقبل، ودمشق فعاشقها مستهام، وما على

стр. 10240

محبها ملام، وما في ربوتها ريبة، ولكل نور بها شيبة، وساجعاتها على منابر الورق خطباء تطرب، وهزارتها وبلابلها تعرب وتعجم، وكم فيها من جواري ساقيات، وسواقي جاريات، وثمار بلا أثمان، وروح وريحان، وفاكهة ورمان، وخيرات حِسان، وكون الله تعالى أقسم به فقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ﴾ [التين: ١]، يدل على فضله المكنون، وقال ﷺ : "الشام خيرة الله من أرضه يسوق إليها خيرته من عباده" (١)، وعامة الصحابة اختاروا المقام بالشَّام، وفتحُ دمشق بكر الإسلام، وما ننكر أن الله ذكر مصر، ولكن على لسان فرعون بقوله: ﴿أَلَيسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١] لكن هذا خرج مخرج العَتْب له والذم، ألا ترى أن يوسف ﵇ نقل منها إلى الشام. ثم المقام بدمشق أقرب إلى الرباط، وأوجب للنشاط، وأين قطوب المقطم من سناء سَنِير؟ وأين ذُرى مَنْف من ذروة الشرف المنير؟ وأين لبانة البيان من الهرمين، وهل هما إلا مثل السلعتين؟ وهل للنيل مع طول نيله وطول ذيله برد بردى في نقع الغليل؟ وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل، وإذا فأخرنا بالجامع وقبة النسر ظهر بذلك قِصَرُ القَصْر، ولو كان لهم مثل باناس لما احتاجوا إلى قياس المقياس، ونحن لا نجفو الوطن كما جفاه، ولا نأبى فضله كما أباه، وحب الوطن من الإيمان، ونحن لا ننكر أن إقليم مصر إقليم عظيم الشان، ولكن نقول كما قال المجلس الفاضلي: إن دمشق تصلح أن تكون بستانًا لمصر، ولا نشك أن أحسن ما في البلاد البستان، ولعل زين الدين يرجع إلى الحق، ويوافق على ما هو الأحق. قلت: عاب السلطان على ابن نُجية كون أصله ومنشئه دمشق، وفضَّل عليها مصر، وليست من طارفه ولا من تلاده، وقد كان أولى أن يتشوق إلى السلطان من غير وصف لما فيه مضاهاة لوطنه وبلاده] (٢). وفيها عَزَلَ الخليفة وزيره ظهير الدين أبا الفتح بن صَدَقَة، وكان نائبَ الوزارة، ورتَّب مكانه أبا الفَتْح محمد بن عبد الملك، فأقام إلى سنة ثلاثٍ وثمانين، وولَّى كمال الدين أبا الفتح أحمد بن هُبيرة حِجْبة الباب.

стр. 10241

وفيها هَجَمَ السُّلْطان نابُلُس؛ كانت عساكر الشَرْق قد وصلت إليه لنجدته: نور الدين قرا رسلان صاحب الحِصْن وآمِد، وعسكر دياربكر، ومظفر الدِّين، والعادل من حلب، وتقيّ الدين عمر، فخرج من دمشق، فنازل الكَرَك، ونَصَبَ عليها المجانيق، وكان من أكبر مهامِّه فتحه لكونه على طريق مِصْر، وبلغ الفرنج، فجمعوا الفارس والرَّاجل، وقصدوه، فنزلوا الواله قريبًا من الكَرَك، فاغتنم السُّلْطان خُلُوَّ السَّاحل منهم، فسار على البَلْقاء، ونَزَل الغور، وهَجَمَ نابلس، فقتل وسبى، ونزل على سَبَسْطِيَة، وبها [جماعة من] (١) الرُّهْبان والأقسَّاء، وعندهم الودائع، فطلبوا منه الأمان، وأن يُطْلقوا ما عندهم من الأُسارى، فأَمَّنهم، ثم سلك الغَوْر، وطلع على عقبة فيق، وعاد إلى دمشق، وكان عنده شيخ الشيوخ عبد الرَّحيم وبشير الخادم رُسُل الخليفة مَرْضى، فطلبوا العَوْدَ إلى بغداد، فأَذِنَ لهم، فمات بشير بالسُّخنة، وشيخ الشيوخ بالرَّحبة. وحج بالنَّاس من العراق طاشْتِكِين. وفيها توفي إيلغازي بن ألبي (٢) ابن تمرتاش بن إيلغازي بن أُرْتُق، قُطْب الدين؛ صاحب مارِدِين، كانت وفاته في جُمادى الآخرة، وخلَّف ولدين صغيرين، وكان جَوَادًا، شجاعًا عادلًا، مُنْصِفًا عاقلًا. الحسين بن علي (٣) [بن أحمد] بن عبد الواحد بن شبيب، أبو عبد الله الطِّيبي، سَعْد الدين، صاحب المخزن، كان فاضلًا، عند المستنجد بمنزلة النَّديم والسمير. ومن شعره: [من الطويل]

стр. 10242

فأنقَذَ مِصْرًا من يدي كلِّ كافرٍ … لنعماه لا عَقْلٌ لَدَيه ولا دِينُ إذا ما أرادَ الله إهباطَ دَوْلةٍ … تبيذقَ منها في الدّسوتِ فرازينُ (١) ولما مضى فِرْعَوْنُها فَرَّ عَوْنُها … وأدركَها موسى الكليمُ وهارونُ وقد بقيتْ في نفس يعقوبَ حاجةٌ … إلى سَيفك الماضي هي الغَرْبُ والصِّينُ (٢) وقال: [من الطويل] صُنِ النَّاس عمَّن مَدَّ كَفًّا إليهمُ … بسوءٍ تَفُزْ بالحَمْدِ بين الخلائقِ فما اكتسبَ النُّعْمانُ ذِكْرًا مخلَّدًا … على الدَّهْرِ إلا صونه للشَّقائِقِ وقال: [من الكامل] ومُدامةٍ رَقَصَتْ لنا من دَنِّها … بزجاجةٍ فخبا سنا المِصْباحِ نَظَرَ الحكيمُ فلم يشكَّ بأَنَّها … شمسٌ بَدَتْ في غُرَّة الإصباحِ وكانت وفاتُه في ربيع الآخر ببغداد. عبد الرَّحيم بن إسماعيل بن أبي سَعْد (٣) أبو القاسم النَّيسابوري، شيخ الشيوخ ابن شيخ الشيوخ، ولقبه صَدْر الدِّين. ولد سنة ثمانٍ وخمس مئة، وتوفي أبوه سنة إحدى وأربعين، فولي مشيخة الشيوخ إلى حين توفي في رحبة ملك بن طَوْق، وقد عاد من عند صلاح الدين في شعبان، ودُفِنَ إلى جانب موفق الدين محمد الرَّحْبي، وكان فاضلًا مترسِّلًا بين الخليفة وصلاح الدين، وكان يَلْبَس الثِّياب الفاخرة، ويتخصص بالأطعمة، فكان أهل بغداد يعيبون عليه حيث لم يسلك طريق المشايخ في التعفُّف عن الدُّنيا، والقناعة منها باليسير، مع لبسه القصير، والتزيي بزِيِّ الصُّوفية، حتى هجاه محمود النعال في كان وكان، من أبيات: كذا طريق الشِّبْلي مع الجنيد أي … شيخنا يأكل حمل وحملاوه معه دجاج سمين

стр. 10243

تبعت سنة نبيك تطيب ثوبك بطيب … وللدّنا تجمع كذا شروط الدِّين وعُمِلَ العزاء ببغداد والمَوْصل ودمشق، ورثاه ابنُ المنجم المِصْري، فقال: [من المديد] يا أخِلَّائي وحقِّكُمُ … ما بقي مِنْ بعدكُمْ فَرَحُ أيُّ صَدْرٍ في الزَّمان لنا … بعد صَدْرِ الدِّين يَنْشَرِحُ وولي مشيخة الرباط بعده صفي الدِّين إسماعيل. محمد بن قرا أرسلان (١) نور الدين صاحب حِصْن كيفا الذي أعطاه صلاح الدين آمِد، ترك ابنه قطب الدين سُكْمان (٢) صغير، عمره عشر سنين. أبو طاهر بن عوف (٣) مدرِّس المالكية بالإسكندرية، كان يروي "الموطأ"، وكان شيخًا فاضلًا، صالحًا، وعمَّر طويلًا. السنة الحادية والثمانون وخمس مئة فيها قطع السُّلْطان الفرات، ونَزَل على حَرَّان سادس عشرين صفر، وكان مُظَفَّر الدِّين بن زين الدين يكاتبه، ويحثه على قَصْد الجزيرة، ويقول: عندي كل ما تحتاج إليه من المال والغرامات، وأحمل إليك خمسين ألف دينار. فلما قَطَعَ الفرات لم يَرَ شيئًا من ذلك، وقيل له: قد مال إلى المواصلة، فأرسل إليه يطلبُ المال، فأنكر، وأشير على السُّلْطان بحمله إلى قلعة حلب، فراسل السُّلْطان وقال: أنا أنزل عما بيدي من البلاد، وأخدمك بقية عمري بغير شيء. فاستقرَّ أن ينزل عن قلعة حَرَّان والرُّها، ويبقى بيده البلدان، فنزل، ثم أعادهما السُّلْطان إليه في آخر السنة.

стр. 10244

وسار السُّلْطان، فنزل على المَوْصل وضايقها، وخرج إليه أهلها العوام والخواص، فقاتلوه، وظهروا عليه، وجاءه الملوك: زين الدين بن زين الدِّين من إرْبل، وسنجرشاه صاحب الجزيرة، وعسكر دياربكر، وكان القتال يعمل كل يوم، ويخرج إليه المواصلة عُراةً (١) يقاتلون، فبينا هو على ذلك جاءه الخبر بوفاة شاه أرمن صاحب خِلاط، وجاءته كتب مقدَّميها يطلبونه، فشاور الأُمراء، فأشاروا عليه بقَصْدها لما رأوا أَنَّهم لا طمَعَ لهم في المَوْصل، وقالوا: ما تفوت الموصل. فسار إلى خِلاط، وفي مقدِّمته ناصر الدين محمد بن [أسد الدين] (٢) شيركوه، وتقيّ الدين عمر، فوصلوا مَيَّافارِقين، وبها الأسد يرنقش مملوك صاحب مارِدِين (٣)، فامتنع عليهم، وقال: أنا وصيُّ يتامى أُستاذي قُطْب الدِّين، وبعد هذا فالأمر للخاتون والدتهم. فأرسل إليها صلاحُ الدين خادمًا، ووعدها أن يتزوَّجها، ويزوج إحدى بناتها بابنه، فأجابته، وسَلَّمت إليه مَيَّافارقين، وأعطاها الهتَّاخ (٤)، وأعطى يرنقش جبل جور. وكان الحاكم على خِلاط الوزير مجد الدين بن الموفَّق، وهو الذي كاتَبَ السُّلْطان، فبعث إليه الفقيه عيسى ليكشف الحال، فغالطه، وقال: في القلعة سيف الدين بَكْتَمُر وبها ابنة البهلوان زوجة شاه أرمن، وربما جاء البهلوان، فعاد الفقيه عيسى إلى السُّلْطان بغير شيء، وجاء البهلوان بعساكر أذربيجان وهَمَذَان والشَّرْق، ونزل قريبًا من خِلاط، وراسل السُّلْطان يقول: هذه البلاد لابنتي، وهي في القلعة، والمصلحة أن تبقى المودَّة بيننا ودوام الصداقة. فرجع السُّلْطان إلى الجزيرة، ورجع البهلوان إلى بلاده بعد أن حمل إليه سيف الدين بَكْتَمُر أموالًا [وهدايا] (٢). وقال العماد: كان قُطْب الدِّين صاحِب مارِدِين قد مات، وبقيت الولاية لابنه الكبير وله عَشْرُ سنين، وكان القائم بتدبيره أسد الدين يرنقش، ومات أيضًا نور الدين صاحب آمِد، وتولى ابنه قطب الدين سُكْمان، فسار السُّلْطان إلى مَيَّافارقين، فعصى عليه

стр. 10245

يرنقش، وكان في المدينة الخاتون ابنة قرا رسلان زوجة قُطْب الدِّين سُكْمان صاحب مارِدِين، فأحال يرنقش الأمر عليها، فراسلها السُّلْطان، فأجابته، وطلبت منه الهتَّاخ ليكون عُشًّا لَلفراخ، فأعطاها إياه، وأقبل قطب الدين سُكْمان صاحب آمِد إلى خِدْمته، فأكرمه، ورَدَّه إلى موضعه، وكان معه وزيره أبو [محمد] (١) عبد الله بن سماقة. وولَّى السُّلْطان على مَيَّافارِقين ودياربكر مملوكه سُنْقُر الخِلاطي، وعاد إلى المَوْصل، وهذه المرة الثالثة وهي الأخيرة، فنزل الإسماعيلات، وقيل: نزل على كَفْر زَمَّار بدِجْلة، وعَزَمَ على أن يشتِّي بذلك المكان، واستعدَّ المواصلة للحصار، وأشار أُمراء عز الدين مسعود عليه بأن يُخرج إليه النِّساء الأتابكيات يشفعن إليه، فخرجن ومعهن والدة عز الدين [مسعود] (٢)، فأكرمهن ووعدهنَّ الإحسان، ولم يقبل شفاعتهن، وقال: قد جعلتُ عماد الدين زَنْكي واسطةً فيما يعود نفعه عليَّ وعليكم. ونَدِمَ على رَدِّهن، وبعث إلى عماد الدين صاحب سنجار في معنى الصُّلْح، فقرَّره عماد الدين، وخُطِبَ للسُّلْطان بالمَوْصل، وأُعطي شَهْرُزُور والبوازيج، ووقف بها قرية [تعرف] (٢) ببافيلا على ورثة شيخ الشيوخ ببغداد، ورحل عن الموصل يريد الجزيرة. [قال العماد] (٢): وكان [السلطان] (٢) قد لازم قراءة القرآن في شهر رمضان، واشتدَّ الحر، وأضيف إلى ذلك ندمه على رَدِّ النساء، فمرض مرضًا شديدًا، فتناثر شعر رأسه ولحيته، وقيل: إنه سُقي، وضَعُفَ ضعفًا خِيفَ عليه منه، وأُرجف بموته، وأقام على نَصِيبين وقد يئسوا منه، ثم تماثَلَ، فَحُمِلَ في مِحَفَّة إلى حَرَّان، فنزل ظاهرها، وبنى دارًا سمَّاها دار العافية. وقال ابنُ شَدَّاد: سببُ صُلْح المواصلة للسُّلْطان أَنَّهم استنجدوا بالدِّيوان والبهلوان، وأخرجوا النِّساء إليه، فلم ينفعهم، فلما مَرِضَ رأوا مرضه فُرصة، وعلموا رِقَّة قلبه، فأرسلوني إليه في هذا الأمر، فلما وصلنا إلى المخيَّم وجدناه في حد الإياس، فأقمنا حتى تماثَلَ، وأحضَرَنا يوم عرفة، وحَلَفَ لنا، ودام على يمينه طول عمره (٣).

стр. 10246

قال المصنِّف ﵀: كان الصُّلْح قد تقرَّر، وإنما لم يكن السُّلْطان حَلَفَ حتى جاءه ابنُ شداد والرَّبيب فاستحلفاه، وكان قد شاع أَنَّ المواصلة دَسُّوا عليه من سقاه السُّمَّ، فخافوا، وكان السُّلْطان لما يئس من نفسه أوصى إلى أخيه العادل، وجعل مِصْر للعزيز عثمان، ودمشق للأفضل، وحماة لتقي الدِّين، وقسم البلاد، ولما بَرِئَ وحَلَفَ للمواصلة أرسل إليهم بالهدايا والتُّحف، وجهَّز عِزُّ الدين العساكر في خِدْمة السُّلْطان إلى الجهاد، وَرَدَّ السُّلْطان على مظفر الدين حصن الرُّها وقلعة حرَّان، وسببه أنه لما طلب منه القلعتين بعث مظفر الدِّين نائبه إلى الولاة بالتسليم، فامتنعوا، فقال: قل لهم: بعلامة ما قلت لكم: إنْ أصابني شيءٌ فلا تسلِّموا إلا إلى السُّلْطان ولو بقيت له بنت واحدة. فعلم صلاحُ الدِّين حُسْنَ نيته ومقصده، فردَّهما عليه، وأكرمه. وجاء تقليدُ الخليفة للسُّلْطان بتفويض بلاد الشَّرْق ودياربكر إليه، وعليه علامةُ الخليفة بيده، وصورتها: الناصر الله. ودخل في هذا التوقيع الموصل وغيرها. وكان المنجِّمون بدمشق قد حكموا بأنه تهبُّ رمل مع هواء مزعج يُهلك النَّاس، فحفروا سردابًا وجثوا فيه، وظهر كذبُ المنجمين (١). وحج بالنَّاس من العراق طاشْتِكِين. وفيها توفي شاكر بن عبد الله بن محمد (٢) أبو اليُسْر التَّنوخي المعرِّي: كاتبُ الإنشاء لنور الدين محمود بن زَنْكي. ولد سنة ستٍّ وتسعين وأربع مئة، ونشأ بحماة عند جدِّه القاضي أبي المجد محمد بن عبد الله، وقرأ عليه الأدب، وسَمِعَ الحديث من جدِّه لأُمه أبي عبد الله الحسين بن العجمي بحلب، وكان فاضلًا.

стр. 10247

قال العماد الكاتب: تولَّى ديوان الإنشاء بالشَّام سنين كثيرة لنور الدين، ثم استعفى، وقَعَدَ في بيته، ووليتُ الإنشاءَ بعده، وتوفِّي بدمشق في هذه السنة، ومن شعره: [من الكامل] أحبابَنا ذَهَبَ الزَّمانُ وما لنا … من وَصْلِكُمْ حَظٌّ به نتمتَّعُ وتباينَ الغَرَضانِ مَنْ أهواه يَهـ … ـــجُرني ومَنْ أشْناه لي يتتبَّعُ طاووس حُسْنٍ صدَّ عني مُعْرِضًا … وغدا يُواصِلُني الغرابُ الأبقعُ عبد الله بن سماقة (١) وزير صاحب آمِد، كان قد استولى على الأمر، وحَسَمَ موادَّ الفساد، فاتَّفق جماعةٌ من مماليك صاحب آمد على قَتْله، فجاؤوا إليه وهو جالسٌ في الدِّيوان، وقالوا: المَلِك يَسْتدعيك. فقام، ودخل دار المُلْك، فقتلوه في الدِّهْليز، وكان الصَّلاحُ أحدُ الأمراء الأكابر محبوسًا، فأخرجوه واثقين به، فَقَتَلَ الجميع. عبد السَّلام بن يوسف بن محمد (٢) أبو الفَتْح الجُماهري، كان فاضلًا، ومن شعره: [من الطويل] على ساكني بطن العقيق سلامُ … وإنْ أسهروني بالفِراق وناموا حَظَرْتم عليَّ النَّومَ وهو محلَّلٌ … وحلَّلْتُمُ التَّعذيبَ وهو حَرَامُ إذا بنتمُ عن حاجر وحَجَرْتُمُ … على الدَّمْعِ أَنْ يدنو إليه مُلامُ فلا ميَّلَتْ ريحُ الصَّبَا فَرْعَ بانةٍ … ولا سَجَعَتْ فوقَ الغُصون حَمَامُ ولا قَهْقَهَتْ فيه الرُّعودُ ولا بكى … على حافَتَيه بالعَشِيَّ غَمَامُ فما لي وما للدَّمْعِ قد بان أَهْلُهُ … وقد قُوِّضَتْ من ساكنيه خيامُ ألا ليتَ شِعْري هل إلى الرَّمْلِ عودةٌ … وهل لي بتلك البانَتَينِ لِمامُ

стр. 10248

ألا يا حماماتِ الأراك إليكُمُ … فما ليَ في تغريدكُنَّ مَرَامُ فوَجْدي وشَوْقي مُسْعِدٌ ومؤانِسٌ … ونَوْحي ودَمْعي مُطْرِبٌ ومُدَامُ وكانت وفاتُهُ بدمشق. عصمة الدين خاتون بنت معين الدين أُنَر (١) زوجة السُّلْطان صلاح الدين، كانت قَبْلَه زوجة نور الدين محمود، وكانت من أعفِّ النِّساء وأكرمهن وأحزمهنَّ، ولها صدقاتٌ كثيرة وبِرٌّ عظيم، بَنَتْ بدمشق مدرسةً لأصحاب أبي حنيفة في حَجَر الذَّهب [قريبة من حمام أزكش، وتعرف بمدرسة خاتون] (٢)، وبنت للصُّوفية رِباطًا على الشَّرف القِبْلي خارج باب النَّصْر على بانالس، وبنت تُرْبة بقاسيون على نهر يزيد، ودُفنت بها، ووقفت على هذه الأماكن أوقافًا كثيرة، وكانت وفاتُها في رجب (٣)، وبلغ السُّلْطانَ وفاتُها وهو مريضٌ بحرَّان، فتزايد مرضه وحَزِنَ عليها وتأسَّفَ، وكان يصدر عن رأيها. ومات بعدها (٤) أخوها سعد الدين مسعود بن أُنَر (٥) في هذه السنة، وكان من أكابر الأمراء، زوَّجه السُّلْطان أُخته ربيعة خاتون [لما تزوج أخته الخاتون] (٢)، فلما توفي زوَّجها مظفر الدين بن زين الدين. محمد بن أسد الدين شيركوه (٦) ناصر الدِّين، ابن عم صلاح الدين، كان السُّلْطان يخافه لأنه كان يدَّعي أَنَّه أحقُّ بالملك منه، وكان يبلغ السُّلْطان عنه هذا، وكان قد فارق السلطان من حَرَّان، وجاء إلى حِمْص، وكان زوج ستّ الشَّام أُخت السُّلْطان، وتوفي بحمص يوم عرفة، وتناثر لحمه، وقيل: إنَّه سُمَّ، وقيل: مات فجأة، فنقلته زوجته ستّ الشَّام إلى تُرْبتها [بالعوينة

стр. 10249

شمالي دمشق] (١)، فدفنته عند أخيها شمس الدولة، ولما بلغ السُّلْطانَ وفاتُه أبقى على ولده أسد الدين شيركوه حمص وتدمر والرَّحبة وسَلَمية إقطاع أبيه، وخَلَعَ عليه، وكتب له منشورًا. السنة الثَّانية والثمانون وخمس مئة [(٢) ذكر محمد بن القادسي (٣) في الذيل فقال:] في يوم عاشوراء فُرش الرَّماد في الأسواق، وعُلِّقت المسوح، وناح أهل الكرخ والمختارة، [وبغداد] (١)، وخرج النِّساء حاسرات يلطمن وينحن من باب البَدْرية إلى باب حجرة الخليفة، والخِلَعُ تفاضُ عليهنَّ وعلى المُنْشدين من الرِّجال، وتعدَّى الأمر إلى سَبِّ الصَّحابة: أبي بكر وعمر وعثمان [وطلحة] (١) والزُّبير وعائشة ﵃، وكان أهل الكَرْخ يصيحون: ما بقي كتمان، وأقاموا امرأة، يقال [لها] (١) ابنة قرابا من أهل الكَرْخ، كان ظهير الدين العطار قد كَبَسَ دارَ أبيها، فأخرجَ منها كُتُبًا في سبِّ الصَّحابة، فقطع يديه ورِجْليه، ورجمه العوام حتى قتلوه، فقامت هذه المرأة على دِكَّةٍ تحت منظرة الخليفة في الرَّيحانيين، وحولها ألوفٌ من الرِّجال والنِّساء، وهي تنشد أشعار العَوْني وغيرها، وتسمث عائشة رِضْوان الله عليها، وتقول: العنوا راكبة الجَمَل، وتذكر حديث الإفك والنبي ﷺ بأقبح الشَّناعات، [قال:] (١) وكلُّ ذلك منسوبٌ إلى أُستاذ الدَّار ابن الصَّاحب. وفي هذا الشَّهر عَبَرَ صاحب الباب كمال الدين بن هُبيرة إلى الجانب الغَرْبي في موكبه إلى بُسْتان، وبين يديه أربابُ الدَّولة والسيوف المسلَّلة، فعاد في آخر النهار من يومه ماشيًا، مكشوف الرأس، وبين يديه نفَّاط، وقد نُتِفَتْ لحيته، وعِمامته في حَلْقه،

стр. 10250

وإلى جانبه مغنية ماشية، يقال لها: خطليشي، وكان نُقِلَ إلى الخليفة عنه أنه يعاشر المغنيات والنُّدماء، فاستعظمَ ذلك حتى فَعَلَ به ما فعل. وفيها حكم المنجمون في الآفاق بخراب العالم في جُمادى الآخرة، وقالوا: تقترن الكواكب السيارة: الشمس والقمر وزُحَل والمريخ والزُّهَرة وعُطارد والمُشْتري في بُرْجٍ الميزان أو السَّرطان، فتؤثر تأثيرًا يضمحلُّ به العالم، وتَهُبُّ سَمُومٌ مُحْرقة تحمل رملًا أحمر، فاستعدَّ النَّاس، وحفروا السَّراديب، وجمعوا فيها الزَّاد، وانقضت المدة [ولم يحدث شيء] (١)، وظهر كذب المنجمين، فقال [أبو الغنائم محمد] (١) ابنُ المعلِّم [الشَّاعر الهُرْثي] (١) في أبي الفَضْل المنجِّم، [وكان رئيسَ القوم] (١): [من المنسرح] قُلْ لأبي الفَضْل قَوْلَ معترفٍ … مضى جُمادى وجاءنا رَجَبُ [وما جرت زعزعًا كما حكموا … ولا بدا كوكبٌ له ذنبُ] (١) كلا ولا أظلمتْ ذُكاءُ ولا … أبدتْ أذًى في قرانها الشُّهُبُ يقضي عليها من ليس يَعْلَمُ ما … يُقْضى عليه هذا هو العَجَبُ فارْمِ بتقويمك الفراتَ والإسـ … ـــطرلابُ خيرٌ من صُفْرِهِ الخَشَبُ قد بان كِذْبُ المنجِّمين وفي … أيِّ مقالٍ قالوا فما كَذَبوا مدبِّرُ الأمرِ واحد ليس للسَّـ … ــــبعةِ في كلِّ حادثٍ سَبَبُ لا المشتري سالمٌ ولا زُحَلٌ … باقٍ ولا زُهْرةٌ ولا قُطُبُ تبارك الله حَصْحَصَ الحقُّ وانـ … ــــجابَ التَّمادي وزالتِ الرِّيَبُ فَلْيُبْطِلِ المُدَّعون ما وضعوا … في كُتْبهم وَلْتُخَرَّقِ الكُتُبُ وفيها قَطَعَ السُّلْطان الفرات، ووصل إلى حلب، وخرج منها يريد دمشق، فتلقَّاه أسد الدين صاحب حِمْص، وأُخته سفري خاتون بتل السُّلْطان، ومعهما الهدايا العظيمة، وسار إلى حِمْص، فأطلق المكوس، وأزال الضَّمانات، وقال لأخيه العادل: اقسمِ التِّركة بينهم على فرائض الله، وكان قد خلف شيركوه وسفري وزوجته ستّ الشَّام، فصعِدَ العادل إلى قلعة حمص، وأقام أيامًا يقسم التركة، وكان قد خلَّف أموالًا عظيمة، وجواهر ومناطق الذَّهب والفِضَّة، فكان مبلغ التركة ألف ألف دينار، وكان

стр. 10251

القاضي شرف الدين (١) بن أبي عَصْرون حاضرًا للقِسْمة، فقام يومًا، فوقعت من تحت ذيله منطقة جوهر، فنسبه العادل إلى ما لا يليق، وكان شرف الدين منزَّهًا عن ذلك [لأنه كان غنيًّا جوادًا شريف النفس] (٢)، فحلف للعادل: إنني ما علمتُ بها، [وصدق، وإنما الحساد وجدوا طريقًا للقول] (٣). وفيها دخل سيفُ الإسلام إلى مكَّة، ومنع من الأذان في الحرم بحيّ على خير العمل، وقَتَلَ جماعةً من العبيد كانوا يؤذون النَّاس، وأغلق أمير مكة بابَ البيت، وصَعِدَ إلى أبي قُبيس، فأرسل إليه وطلب المفتاح، فامتنع من إنفاذه، فقال سيفُ الإسلام لرسوله: قُلْ لصاحبك: إنَّ الله نهانا عن أشياءَ فارتكبناها، وقال النبيُّ ﷺ : "لا تأخذوا المفتاح من بني شيبة" (٤) فنأخذه، ونستغفر الله تعالى، فبعث إليه بالمِفْتاح. وفيها قَسَمَ السُّلْطان البلاد بين أولاده وأهله برأي القاضي الفاضل، فإنَّه لما مَرِضَ أشار عليه بذلك، وكان الملك الأفضل بالدِّيار المِصْرية، وهو المترشِّحُ لولاية العهد، وكان قد تأدَّبَ وكَتَبَ، فأحسن خَطَّه، وسمع الحديث، وكان في نَفْس السُّلْطان نقل العزيز إلى مِصْر، فكَتَبَ إلى الأفضل يستدعيه إلى دمشق بأهله ووالدته، فحضر، فزوَّجه السُّلْطان سفري خاتون بنت ناصر الدِّين صاحب حِمْص، فقال ابنُ سعادة الضَّرير: [من السريع] قد أقبل العُرْسُ السَّعيد الذي … أنوارُه مِنْ وَجْهِكَ المُقْبِلِ بنتُ سَمِيِّ المُصْطفى زُوِّجَتْ … سَمِيَّ صِهْرِ المُصْطفى المُرْسَلِ وجمع صلاحُ الدِّين أهله والأمراء، وأخذ عليهم العهود للأفضل، وكان السُّلْطان يؤثر أن تكون حلب للملك الظاهر ولده، وكان يستحيي من أخيه العادل، فزوَّجَ الظَّاهرَ بابنته، وقال له: قد علمت أَنَّ مدينة حلب جليلة، وقلعتها عظيمة، فاطْلُبْها من السُّلْطان، فعرَّفَ الظَّاهرُ أباه، فاستحسنَ ذلك من العادل، وفوَّضَ أمر حلب إلى

стр. 10252

الظَّاهر، وأمر دمشق إلى الأفضل، وأمر مِصْر إلى العزيز، وأقطع العادل إقطاعاتٍ كثيرةً بمصر، وجعله أتابك العزيز، وسيَّرهما إلى مِصْر. وكان تقيّ الدِّين بمصر، وحكمه بين يدي الأفضل بمنزلة الوالي، وبلغه ما فعل السُّلْطان، وكان يظن أنه يستقلُّ بمِصْر، فشقَّ عليه، وكان غلامه قراقوش قد وصل إلى أطراف المغرب، فكتَبَ إليه يستدعيه، ويطمعه في ملك جديد، فجهَّز أمواله وأثقاله إلى الإسكندرية، وكَتَبَ إلى السُّلْطان يستأذنه، فشقَّ عليه، وخاف أن يتبعه أكثر العسكر إلى المغرب، فكتب إليه يعتبه ويوبخه، ويقول: سمحت بفراقي. ويستدعيه إليه، فما أمكنه مخالفته، ودخل العزيزُ والعادل القاهرة أول شعبان، وقَدِمَ تقيُّ الدين دمشق سَلْخ شعبان، وتلقَّاه السُّلْطان، وأعاد ما كان بيده من البلاد وحماة والمعرَّة ومنبج، وأضاف إليه ميَّافارِقين، وثنى عزمه عن المغرب. وسار يوزبا مملوك تقيّ الدِّين إلى المغرب، فلقيه صاحب المغرب فأسره، ثم أطلقه، وبعث به إلى بعض الثغور، فأبلى بلاءً حسنًا، فقدَّمه على العساكر. وفيها ظهر الخلاف بين الفرنج، وتفرَّقت كلمتهم، وكان ذلك سببًا لسعادة الإسلام، وكان السبب أن ريمند بن الصنجيل قومص طرابُلُس رَغِبَ إلى مصافاة السُّلْطان، وكان قد تزوَّج الست صاحبة طبرية، وكان المُلْك في أخيها المجذوم (١)، فلما احتُضر أوصى بالملك لابن أخته وهو صبيٌّ صغير، فلما تزوَّج القومص أُمَّه رباه، وماتَ الصَّبي، فانتقل المُلْك إلى أُمِّه، على قاعدتهم في ذلك، فظن القومص أنَّ زوجته تفوِّض الأمر إليه، فمدَّت عينها إلى بعض الخيَّالة، واجتمعوا في القُدْس، فقامت بين الصَّفَّين وبيدها تاج الملك لتضعه على رأس من يستحق المُلْك، فتركتِ الملوكَ والخيَّالة، ووضعته على رأس الذي مدَّت عينها إليه، وملَّكَتْه طمعًا أن تتزوجه، فناصبها القومص والأكابر العداوة، ولم يرضوا بذلك، وأوقع الله بأسهم بينهم.

стр. 10253

وفيها غدر إبرنس الكَرَك، واسمه أرناط، وكان أخبثَ الفرنج وأشرّهم، فقطَعَ الطَّريق على قافلةٍ جاءت من مِصْر إلى الشَّام، وفيها خَلْقٌ عظيم، ومالٌ كثير، فاستولى على الجميع قَتْلًا وأَسْرًا ونَهْبًا، فأرسل إليه السُّلْطان يوبِّخُه على ما فعل ويقول: أين العهود [والمواثيق] (١)؟: رُدَّ ما أخذتَ. فلم يلتفت، وشنَّ الغارات على المُسْلمين، وفَتَكَ فيهم. قال العماد: وكان معه شِرْذِمة، وهي من شرِّ أُمَّة، وكان على الهُدْنة حتى لاحت له فرصة، فوقع على قافلةٍ ثقيلة، فيها نِعَمٌ جليلة، وكان فيها جماعةٌ من الأجناد وأعيان أهل البلاد، فحملهم إلى الكرك، وأوقعهم في الشَّرَك، فأرسل إليه السُّلْطان، وقبَّح أفعاله وغدره واغتياله، فأبى إلا الإضرار، والفَتْك في المسلمين والتُّجَّار، فنذر السُّلْطان دمه، ووفى في إراقته بحطِّين بما التزمه، وأقام السُّلْطان بدمشق يتجهز للقاء العدو، ويستدعي العساكر من المشرق والمغرب. وحجَّ بالنَّاس من العراق طاشْتِكِين، ومن الشام ستّ الشَّام، وولدها حسام الدِّين بن لاجين، وجماعة من المعتبرين. وفيها توفي أحمد بن أبي بكر المبارك (٢) أبو السُّعود الحَرِيمي الزَّاهد (٣)، كان عطارًا، فأقامه الله تعالى، فانقطع إليه، وصَحِبَ الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه، وأخذ عنه الطريق، فصار المشار إليه بعده، وكان له كراماتٌ وإشارات، وقَبُولٌ عام عند الخاصّ والعام، وكان طريقه الفناء لا يأكل حتى يُطْعَم، ولا يشرب حتى يُسْقى، ولا يَلْبَس ثوبًا حتى يُجعل في عنقه، وكان بين يدي الله تعالى بمنزلة المَيت بين يدي الغاسل، لا يزال مستقبل القِبْلة على طهارة، لا يتكلَّم إلا جوابًا، وكان حسنَ الأخلاق، كريمَ الطِّباع، متواضعًا. [وكان سليمان بن شاوس قد

стр. 10254

اختصَّ به، وحكى لي جماعةٌ من أهل الحريم من أصحابه، قالوا:] (١) وكان جالسًا يومًا على الصُّفَّة، وليس عنده أحد، فوقع السَّقف عليه، فجاء طرف الجِذْع في رؤوس أضلاعه فكَسَرها، فلم يتحرَّك حتى جاء أصحابُه، فأزالوا السقف عنه والجذع، فأقام عشرين سنة لا يعلم به أحد حتى مات، فلما وضع على المغتسل رأوا أضلاعه مكسَّرة. وقدم عليه الشيخ محمد بن قائد شيخ أَوَانا (٢)، فقال له: يا شيخ أبا السُّعود، قد أُعطيتُ شِحْنكية العراق، فلي من أَوَانا إلى بغداد، ولك من بغداد إلى البَصْرة، وَهَبْتُه لك. فقال له أبو السّعود: قد آثرتك بالكُلِّ، أنت في حِلٍّ. ولما توفي أراد بعضُ أصحابه أن يبقي بيت الحش الذي كان للشيخ، قال: فأتيتُ إلى رأس البئر، وإذا قد سدَّى عليها العنكبوت، وليس فيها شيء. وكانت وفاته ليلة الأربعاء عاشر شوال، ودُفِنَ بمقابر باب حَرْب، وبنوا عليه قُبَّةً عالية ظاهرة، وقبره ظاهرٌ يزار. سمع الشيخ عبد القادر وطبقته، [وحدَّث بشيء يسير] (١)، واشتغل بحاله عن الرِّواية. الحسن بن عليّ (٣) ابن بركة [بن عَبيدة -بفتح العين-] (١)، أبو محمد المقرئ [الكرخي] (١) النحوي، [قرأ القرآن على أبي محمد، والنحو على أبي السعادات ابن الشجري، وسمع الحديث على قاضي المارَسْتان وغيره، و] (١) استفاد منه خَلْقٌ كثير، وكانت وفاته في شَوَّال، ومن شعره: [من الطويل] وما شنآنُ الشَّيْبِ من أجل لونه … ولكنَّه حادٍ (٤) إلى الموتِ مُسْرعُ

стр. 10255

إذا ما بَدَتْ منه الطَّليعةُ آذنَت … بأنَّ المنايا بعدها تتطلَّعُ فإنْ قَصَّها المِقْراضُ جاءتْ بأُخْتها … وتطلعُ يتلوها ثلاثٌ وأربعُ وإن خُضِبَتْ حال الخِضابُ لأَنَّه … يُغالبُ صُنْعَ اللهِ واللهُ أَصْنَعُ ويَضْحى كريشِ الدِّيكِ فيه تلمُّعٌ … وأنصعُ ما يُكْساه ثوبٌ مُلَمَّعُ عبد الله بن عبد الجبار (١) المعروف بابن بَرِيّ النحوي، المِصْري. كان أديبًا فاضلًا، بارعًا في علم النحو والعربية، وانتفع به خَلْقٌ عظيم، وتوفي بمِصْر في شوال، وكان حُجَّةً، ثقة. [وفيها (٢) توفي ابن رئيس الرؤساء، واسمه علي بن محمد (٣) ابن عبد الله بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم علي بن الحسن بن المسلمة، أبو نصر ابن الوزير أبي الفرج]، الذي قتلته الباطنية (٤) [في أيام المستضيء] (٥) وهو يريد مكَّة، ولما قُتِلَ أبوه دخل في طريق التَّصوف، وبنى رباطًا بالقَصْر من دار الخلافة للصُّوفية، ورتَّبَ فيه جماعةً منهم، ولم يدخل في شيء من الولايات، [وكان قد سمع ببغداد أبا الوقت، وأبا الفَضْل بن الأُرْمَوي وغيرهما، وسمع منه ابن البَنْدَنيجي وغيره، وخرج من بغداد ولم يعلم به أحد] (٥)، وكان وصل

стр. 10256

دمشق، فأكرمه صلاح الدين، واحترمه بحيث إنه كان يأكل معه، ويغسل يده معه في الطَّسْت، فحسده شمسُ الدِّين بن هُبيرة، وبلغ السُّلْطان، فقال: هذا وزير ابن وزير إلى أن ينقطع النَّفَس، مع الدِّين المتين، والزُّهْد في الدنيا، وغيره ليس كذلك، وأقام عند السلطان محترمًا إلى أن توفي في جُمادى الآخرة، ودفن بقاسيون، وصلى عليه السلطان، وقد بلغ أربعًا وأربعين سنة. محمد بن أتابك إلدكز (١) ولقبه شمس الدين البهلوان [وهو الذي ذكرنا أنه نزل على خِلاط عام أول، و] (٢) كان حاكمًا على العراق وأذربيجان والرّي وأصفهان، وكان اسم الملك واقعًا على طغريل بن رسلان بن طغريل بن [محمد بن] (٣) ملك شاه، وكان تحت حِجْر البهلوان، ويأكل البلاد باسمه، وكان ظالمًا فاتكًا، ولما احْتُضر أوصى إلى أخيه لأمه قزل، ومات [البهلوان] (٢) بهمَذَان، وخلَّف ما لم يخلفه أحد، أما الأموال فما تحصى، وأما المماليك فترك خمسة آلاف مملوك، وثلاثين ألف فرس وبغل وجمل، وأقام أخاه مقامه وشبَّ طغريل، فأَنِفَ من الاحتجار، فركب من هَمَذَان، ومعه مماليكُ أبيه ومماليكه، وجاء إلى أصبهان، وتبعه قزل، ووقعت الحرب، فأحرق قزل أصبهان حتى مدارسها ورُبُطها ومساجدها، ومات الناس جوعًا [بسبب ذلك] (٤). السنة الثالثة والثمانون وخمس مئة فيها فُتِحَ البيتُ المقدَّس، وعكا، وحصون السَّاحل، وسببه وقعة حِطِّين. خرج السُّلْطان من دمشق غُرَّة المحرَّم بعساكر الشَّام، فنزل بُصْرى يرتقب وصول الحاج وأُخته ست الشَّام، وولدها ابن لاجين، وكان قد بلغه أنَّ إبرنس الكَرَك يرتقب

стр. 10257

وصولهم، فخاف من غَدْره، ووصل الحاجّ في أواخر المحرَّم، وخلا سِرُّ السُّلْطان منهم، فسار إلى الكَرَك، فقطَع الأشجار، ورعى الزُّروع، وفعل بالشَّوْبك كذلك، وأقام ينتظر عسكر مِصْر، وكان عند مسيره إلى الكرك قد أمر ولده الملك الأفضل أن ينزل على رأس الماء بطائفةٍ من العسكر ينتظر باقي العساكر الشَّرْقية، فأنهض الأفضلُ منهم طائفة للغارة على طبرية، وجعل مقدَّم العساكر الشَّرْقية مظفَّر الدِّين بن زين الدين، وعلى عسكر الشَّام صارم الدين قَيماز النَّجْمي، فنازلوا طبرية، وتقدَّم بدر الدين دُلْدُرم، وكان مقدَّم عسكر حلب إلى طبرية، فخرج إليه [مقدَّم] (١) الدَّاوية والإسبتار ومعهما جماعة، فقاتلوهم، فقتلهم دُلْدُرم، وأَسَرَ بعضهم، وسار إلى صَفُّورية، ففعل كذلك، وعاد بالأسارى إلى الأفضل، وهو على شقيف القيعان، وجاء السُّلْطان إلى تسيل؛ قرية غربي نوى، وصعِدَ على تلِّها، وعرض العساكر، وسُرَّ بما رأى، واندفع يوم الجمعة سابع عشرين ربيع الأول نحو فِيْق، ورحل الأفضلُ والعساكر معه، فالتقوا على القحوانة، وكان يقصد المسير إلى العدو يوم الجمعة تبركًا بأدعية الخُطباء، وخيَّم على ساحل البحيرة في اثني عشر ألفًا من الفرسان، فأما الرَّجَّالة فكثير، وخرج الفرنج من عكا، فلم يدعوا بها مُحتلمًا، فيقال: إنهم كانوا في ثمانين ألفًا ما بين فارسٍ وراجل، فنزلوا صفُّورية، وتقدَّم السُّلْطان إلى طبرية، فنصبَ عليها المجانيق، ونقَّب أسوارها، ففتحها يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر، وتمنَّعت القلعة عليه، وبها السِّتّ زوجة القومص، وتقدَّم الفرنج، فنزلوا لوبية يوم الجمعة عند طلوع الشَّمس، وملك المسلمون عليهم الماء، وكان يومًا حارًّا، والتهب عليهم الغَوْر، وأضرم مظفر الدِّين النَّار في الزروع، وباتوا طول الليل والمسلمون حَوْلَهم، فلما طلع الفجر من يوم السبت قاتلوا إلى الظُّهْر، وصَعِدُوا إلى تل حطين والنار تُضْرم حولهم، فهلكوا وتساقطوا من التَّل، وكان القومص معهم، فحمل وفتح له السلطان دَرْبًا، فصعِدَ إلى صفد، وعملت السُّيوف في الفرنج قَتْلًا وأَسْرًا، وأُسِرَ من الملوك: كاي وأخوه جفري وإبرنس الكرك، والهنفري، وصاحب جُبيل وبيروت وصيدا، ومقدم الداوية والإسبتار وغيرهم، وجيء إلى السُّلْطان بصليب الصَّلبوت، وهو مرصَّعٌ بالجواهر واليواقيت في

стр. 10258

غلافٍ من ذهب، [وهو عند النصارى مثل المسيح]، والذي أَسَرَ الملك دِرْباسُ الكُرْدي، والذي أسر إبرنس الكرك إبراهيمُ غلام المِهْراني، فلما رآهم السلطان [نزل، وسجد شكرًا لله تعالى، وجاء إلى خيمته، فاستدعاهم، فجلس الملك عن يمينه، وإبرنس الكرك إلى جانب الملك، ونظر السلطان] (١) إلى الملك وهو يلتهب عَطَشًا، فأمر له بقدح من ثَلْج وماء، فشربه وسقى الإبرنس، فقال له السُّلْطان: ما أَذِنْتُ لك في سَقْيه، فلِمَ سقيته؟ وكان السُّلْطان [قد] (١) نذر أن يقتل الأبرنس بيده، فقال له: يا ملعون، يا غدَّار، حلفتَ وغدرتَ ونكثتَ، وجعل يعدِّدُ عليه غدراته، ثم قام إليه فضربه بالسَّيف حَلَّ كتفه، وتمَّمه المماليك، وقطعوا رأسه، وأطعموا جُثَّته الكلاب، فلما رآه الملك قتيلًا خاف، وطار عقلُه، فأَمَّنه السُّلْطان، وقال: هذا غدَّار كذَّاب، غَدَرَ غير مرَّة. ثم عَرَضَ السُّلْطان الإسلام على الدَّاوية والإسبتار، فمن أسلم منهم استبقاه، ومن لم يُسْلم قتله، فقتل خَلْقًا عظيمًا، وبعث بباقي الملوك والأسارى إلى دمشق إلى الصَّفي ابن القابض، فاعتقل الأعيان في القلعة، وبِيعَ الأسارى بثمنٍ بخس، حتى باع بعضُ الفقراء أسيرًا بنَعْلٍ، فقيل له: هذا ثمن بخس. فقال: أردتُ هوانهم. [ودخل القاضي ابن أبي عصرون] (١) دمشق، وصليب الصَّلبوت منكسًا بين يديه. وعاد السُّلْطان إلى طبرية، وأمن صاحبتها، فخرجت بنفسها ومالها إلى عكا، وولَّى طبرية قَيماز النَّجْمي. وأما القومص، فإنَّه خرج من صفد إلى طرابُلُس، فماتَ بها، فقيل: إنَّه مات من جراحاتٍ كانتْ به، وقيل: إنَّ امرأته سمَّته، وقالت: هذا كان سببًا في هلاك دين النَّصرانية. وأكثر الشعراء في هذه الوقعة، فقال العماد الكاتب: [من الطويل] حَطَطْتَ على حِطِّينَ قَدْرَ مُلُوكِهِمْ … ولم تُبْقِ من أجناس كُفْرِهُمُ جِنْسا بطونُ ذئابِ الأَرْض صارت قبورَهُمْ … ولم تَرْضَ أرضٌ أنْ تكون لهم رَمْسا وقد طابَ رَيَّانا على طَبَرِيَّةٍ … فيا طِيبَها رِيًّا ويا حُسْنَها مَرْسى

стр. 10259

وقال ابنُ السَّاعاتي: [من الوافر] جَلَتْ عَزَماتُك الفَتْحَ المُبِينا … فقد قَرَّتْ عيونُ المُؤْمنينا وهانَ بك الصَّليبُ وكادْ قِدْمًا … يَعُزُّ على العوالي أن يَهُونا يقاتِلُ كلُّ ذي مُلْك رياءً … وأنتَ تقاتلُ الأعداءَ دِينا فَقَلْبُ القُدْس مسرورٌ ولولا … سُطاك لكان مكتئبًا حزينا من أبيات. ذِكْرُ فَتْحِ عكَّا -[وفيها لغتان: المدّ، والنسبة إليها عكاوي،] (١) وعكه بالهاء- وسار السُّلْطان من طبرية، فنازل عكه يوم الأربعاء سَلْخ ربيع الآخر، وليس بها مَنْ يحميها، لأَنَّ وقعة حِطِّين أبادتهم، وكانوا ثلاثين ألفًا، فطلبوا منه الأمان على نفوسهم، وما يقدرون على حَمْله، فأمَّنهم، ودخَلَها يوم الجُمُعة غُرَّة جمادى الأُولى، وكان بها من أسارى المسلمين أربعة آلاف، فاستنقذهم، وجعل الكنيسة جامعًا، وولَّاها ولده الأفضل، وولَّى القضاء والخطابة والإمامة لعبد اللطيف بن أبي النَّجيب السُّهْرَوَرْدِي، وغَنِمَ المسلمون أموالًا لا تُحصى، لما دخلوا عكا رَكَزَ كلُّ واحدٍ رُمْحه على دارٍ، فأخذها وما فيها، وأعطى [السُّلْطان] (١) الفقيه عيسى جميعَ ما يختصُّ بالدَّاوية، ولم يحضر هذا الفتوح العادل، كان بمِصْر، فجاء، ففتح في طريقه مجدل يابا ويافا، وحضره الملك العزيز لأَنَّه قَدِمَ مع العسكر المِصْري، ومضى إلى مِصْر، وما عاد اجتمع بأبيه، وفارقه في شعبان والسُّلْطان على صور. وكتب العماد الكاتب إلى بغداد كتابًا أَوَّله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] والحمدُ لله على ما أنجز من هذا الوَعْد، وعلى نُصْرته لهذا الدِّين الحنيف من قَبْلُ ومن بعد، وجَعَلَ من بعد عُسْير يُسْرًا، وأحدث بعد أمرٍ أمرًا، وهوَّن الأمر الذي ما كان الإسلام يستطيع عليه صَبْرًا، وخُوطب الدِّين بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه: ٣٧] فالأُولى في عَصْر النَّبيِّ ﷺ والصحابة، والأُخرى في هذه الدَّولة التي عَتَقَ فيها من رِقِّ الكآبة، والزَّمان كهيئته قد استدار، والحقّ ببهجته قد استنار، والكُفْر قد رَدَّ ما عنده من المُسْتعار.

стр. 10260

والخادم يشرح مِنْ هذا الأمر والفتح العظيم والنَّصْر الكريم ما يَشْرَحُ به صَدْرَ المؤمنين، ويسوء وجوه الكافرين، ويورد من البُشْرى ما أنعم الله به من يوم الخميس الثَّالث والعشرين من ربيع الآخر إلى يوم الخميس سَلْخه، وتلك سبع ليالٍ وثمانية أيام حُسُومًا (١)، عَدِمُوا فيها نفوسًا وجُسُومًا، فأصبحوا قد هَوَوْا في الهاوية ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وأصبحت البلاد إلى الإسلام ضاحكة، كما كانت بالكُفْر باكية، ففي يوم الخميس الأَول فُتِحَتْ طبرية، ويوم الجُمُعة والسبت كانت الكسرة التي ما أبقت منهم بقية، ولا يقوم لهم بعد قائمة ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] وفي يوم الخميس سَلْخ الشهر فتحت عكَّه بالأمان، ورفعت بها أعلام الإيمان، وهي أُمُّ البلاد، وأُخت إِرَم ذاتِ العماد، وصليبُ الصَّلبوت عندنا مأسور، وقلب الكُفْر الأسير بجيشه المكسور مكسور، وأنصار الصَّليب وأعوانه قد أحاطت بهم يد القَبْضة، وغَلِقَ رَهْنه فلا يقبل فيه القناطير المقنطرة من الذَّهب والفِضَّة، وطبرية قد رُفعت أعلامُ الإسلام عليها، ونَكَصَتْ من عكه مِلَّةُ الكُفْر على عَقِبيها، وعُمِّرت حتى شَهِدَتْ يوم الإسلام، وهو خيرُ يوميها، وصارت البِيَعُ مساجدَ يَعْمُرها من آمنَ بالله واليوم الآخر، وصارت المذابحُ مواقفَ لخطباء المنابر. وعَدَّ الحصونَ التي فُتِحَتْ، وقال في آخر الكتاب: وما يتأخَّر النهوض إلى بيت المقدس، وهذا أوان فَتْحه، وقد دامَ عليه ظلامُ الضَّلال، وقد آن [أن] (٢) يُسْفِرَ فيه الهُدَى عن صُبْحه، والسَّلام. [ذكر ما فتح السُّلْطان في هذه السنة من بلاد الفرنج بعد طبرية وعكا: لما فتح عكا] (٢) سار السلطان إلى تِبْنين، فتسلَّمها بالأمان، وتسلَّم صيدا، وبيروت، وجُبيل، وغَزَّة، والدَّاروم، والرَّمْلة، ويُبْنى، وبيت جبريل، والخليل ﵇، ونازل عسقلان، فَقُتِلَ عليها حسام الدين المِهْراني، ثم تسلَّمها، فكان بين أَخْذِ الفرنج لها وبين خلاصها منهم خمسٌ وثلاثون سنة، لأنَّهم ملكوها في جُمادى
следующие страницы →