وقال العماد: دخلنا عليه ليلة الأحد للعيادة، ومرضه في زيادة، وفي كلِّ يوم تضعف القلوب، وتتضاعف الكروب، ثم انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء سُحْرة يوم الأربعاء، ومات بموته رجاءُ الرِّجال، وأغرب بغروب شَمْسه فضاءُ الإفضال، ودُفِنَ بقلعة دمشق في مسكنه، ودفن جِماعُ الكرم والفَضْل في مدفنه، ورثاه الشعراء، [(١) وبكاه الفصحاء، فمن ذلك قصيدة ذكرها العماد في "البرق الشامي"، عددها مئتان وعشرون بيتًا، ذكرت هاهنا غُررها، وسطرت دررها، وذكرت منها ما حَسُنَ ذكره، وأهملت ما سمج هذره، وأولها:] [من الكامل]
شَمْلُ الهدى والمُلْكِ عَمَّ شتاتُهُ … والدَّهْرُ ساءَ وأَقْلَعَتْ حسناتُهُ
[ومنها] (٢):
بالله أين النَّاصِرُ الملك الَّذي … لله خالصةً صَفَتْ نِيَّاتُهُ
أين الَّذي مُذْ لم تَزَلْ مَخْشِيَّةً … مَرْجُوَّةً هَبَّاتُهُ وَهِبَاتُهُ
أين الَّذي كانت له طاعاتنا … مبذولةً ولرَبِّهِ طاعاتُهُ
أين الَّذي ما زال سُلْطانًا لنا … يُرْجى نَدَاه وتُتَّقى سَطَواتُهُ
أين الَّذي شَرُفَ الزَّمان بفَضْله … وسَمَتْ على الفُضَلاءِ تَشْريفاتُهُ
لا تَحْسَبُوه ماتَ شَخْصٌ واحدٌ … قد عَمَّ كلَّ العالمين مماتُهُ
مَلِكٌ عن الإسلام كان محاميًا … أبدًا لماذا أَسْلَمَتْهُ حُماتُهُ
قد أظلمت مُذْ غاب عنَّا دُورُه … لما خَلَتْ من بَدْره داراتُهُ
دُفِنَ السَّماحُ فليس تُنْشَرُ بعدما … أَوْدَى إلى يوم النُّشور رُفاتُهُ
الدِّينُ بعد أبي المُظَفَّر يوسُفٍ … أَقْوَتْ قُواه وأَقْفَرَتْ ساحاتُهُ
بحرٌ خلا من وارديه ولم تَزَلْ … محفوفةً بوروده حافَاتُهُ
مَنْ لليتامى والأرامل راحِمٌ … متعطِّفٌ مفضوضةٌ صدقاتُهُ
لو كان في عَصْرِ النَّبيِّ لأُنْزِلَتْ … من ذِكْرِهِ في ذِكْرِهِ آياتُهُ
بَكَتِ الصَّوارِمُ والصَّواهِلُ إذ خَلَتْ … من سَلِّها وركوبها عَزَماتُهُ
стр. 10362
[(١) يا وحشة الإسلام يوم تمكَّنت … في كل قلبٍ مؤمن روعاتُهُ
ما كان أسرعَ عَصْرَه لما انقضى … فكأنما سنواتُهُ ساعاتُهُ
يا راعيًا للدين حين تمكنَّتْ … منه الذئاب وأسلمتْهُ رُعاتُهُ
ما كان ضرك لو أقمت مراعيًا … دينًا تولى مذ رحلت وُلاتُهُ
فارقتَ مُلْكًا غير باقٍ مُتْعبًا … ووصَلْتَ مُلْكًا باقيًا راحاتُهُ
فعلى صلاح الدين يوسفَ دائمًا … رضوانُ رَبِّ العرش بل صلواتُهُ
وكتب الفاضل إلى الظاهر -وهو بحلب -كتاب التعزية، يقول فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] الآية، كتبت إلى الملك الظاهر، أحسن الله عزاءه في مصابه، وجعل الخلف فيه لمماليك المرحوم وأصحابه، والدموع قد حفرت النواظر، والقلوب قد بلغت الحناجر، وإني ودَّعت أباك مخدومي وداعًا لا نلتقي بعده، وأسلمته إلى الله طالبًا فضله ورِفْده، ولم تدفع عنه جنوده المجندة القضاء، ولا ردَّت عنه أسلحته والخزائن البلاء، فالعين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا يوسف لمحزونون.
وفي آخر الكتاب: فإن اتفقتم ما عدمتم إلا شخصه، وإن اختلفتم، فإن المصائب المستقبلة هولها عظيم.
قلت: وقد فات الفاضل شيئان، أحدهما عند قوله: ودعته وداعًا لا نلتقي بعده، وكان الأَوْلى أن يقول: إلا في جنات النعيم. والثاني عند قوله: هولها عظيم، كان ينبغي أن يقول: ذلك تقدير العزيز العليم.
ذكر ما خلف من المال، واختلفوا فيه:
ذكر القاضي ابن شداد في سيرة السلطان، وقال: توفي ولم يخلف سوى سبعة وأربعين درهمًا ناصرية، وجرمًا واحدًا صوريًّا ذهبًا، ولم يخلف دارًا ولا عقارًا، ولا ضيعة ولا بستانًا ولا مسقفًا ولا غيره (٢).
стр. 10363
وقال العماد الكاتب: لم يخلف في خزانته سوى ستة وثلاثين درهمًا، ودينارًا واحدًا ذهبًا- ذكر بمعنى ما ذكر ابن شداد.
ذِكْرُ فتوحاته:
أول ما فتح الدِّيار المِصْرية، والحجاز، ومكة والمدينة، واليمن من زبيد إلى حضرموت متصلًا إلى الهند، وفي الشام: دمشق وبعلبك وحمص وبانياس وحماة وحلب وأعمالها، ومن حصون الساحل وبلاد القدس وغزة والداروم وتل الصافية وعسقلان ويافا وقيسارية وحيفا وعكا وطبرية والشقيف وصفد، وكوكب والكرك والشوبك، ونابلس وصيدا وبيروت وجُبيل، وجبلة واللاذقية وبكاس وصهيون، وبلاطنس وحصن بُرْزَيه، وقد ذكرنا تلك الحصون، ومن الشرق: حران والرها والرقة ورأس عين وسنجار ونصيبين وحملين والموزَّر وسروج وديار بكر وميافارقين، وآمد وحصونها، وشهرزور والبوازيج.
وخطب له على المنابر من باب همذان إلى الفرات، ومن الفرات إلى حضرموت، ومن الغرب إفريقية، ويقال: إنه فتح ستين حصنًا، وزاد على نور الدين بمصر والحجاز والمغرب واليمن والقدس والساحل وبلاد الفرنج ودياربكر، ولو عاش لفتح الدنيا شرقًا وغربًا، وبُعْدًا وقربًا.
وكان مبدأ فتوحه مصر بهمة نور الدين وأمواله وعساكره ورجاله، وبينهما مقاربة في السيرة والعدل والأيام، واجتناب الآثام، وكلاهما لم يبلغ ستين سنة، وكم حصَّلا من فضيلة ومثوبة وحسنة، وقد ذكرنا أن نور الدين ولد في سنة إحدى عشرة وخمس مئة، وتوفي سنة تسع وستين وخمس مئة، وصلاح الدين ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة، وتوفي سنة تسع وثمانين وخمس مئة، وقد ذكرنا ذلك.
ذِكْرُ أولاده:
وكانوا ستة عشر ذكرًا وابنة واحدة، كان أكبر أولاده الأفضل علي، ولد بمصر سنة خمس وستين وخمس مئة يوم عيد الفطر، وأخوه لأبيه وأمه خضر الملقب بالظافر، ولد بمصر في سنة ثمان وستين وخمس مئة، وأخوهما لأبيهما وأمهما موسى، ويلقب قطب الدين، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة. وعثمان الملك العزيز، ولد بمصر سنة سبع وستين وخمس مئة، وأخوه لأبيه وأمه يعقوب الأعز، ولد بمصر سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة. وغازي الملك الظاهر، ولد بمصر سنة ثمان وستين وخمس مئة، وأخوه لأبيه
стр. 10364
وأمه الزاهر داود، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة، والمعز إسحاق، ولد سنة سبعين وخمس مئة، والمؤيد واسمه مسعود، ولد بدمشق سنة إحدى وسبعين وخمس مئة. والأشرف محمد، ولد بالشام سنة خمس وسبعين وخمس مئة، وأخوه لأبيه وأمه المحسن ولقبه الجواد (١)، ولد سنة ثمان وسبعين وخمس مئة. وتورانشاه ولقبه المُعَظَّم، ولد بمصر سنة سبع وسبعين وخمس مئة، وأخوه لأبيه وأمه ملك شاه ويلقب بالغالب، ولد بالشام سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، وأخوهما لأبيهما وأمهما أبو بكر ويلقب بالنصرة، ولد بحران بعد وفاة أبيه في سنة تسع وثمانين وخمس مئة.
أما البنت فاسمها مؤنسة خاتون، تزوجها الكامل محمد بن العادل، وماتت عنده، وكان لصلاح الدين ولد اسمه إسماعيل، مات في حياة أبيه.
ذِكْرُ قضاته ووزرائه وكُتَّابه:
القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، وشرف الدين ابن أبي عصرون] (٢)، وولده أبو حامد، ومحيي الدين بن زكي الدين، ووزيره صفي الدين بن القابض، وكاتبه الفاضل، والعماد، وكان الفاضل حاكمًا على الجميع، وهو المشار إليه بالسيف والقلم، لا يصدر السلطان إلا عن رأيه، [ولا يمضي في الأمور إلا بمضائه] (٣).
ذِكْرُ ما تجدَّد بعد وفاته:
كان [أخوه] (٣) العادل [سيف الدين] (٣) لما توفي بالكَرَك، فقدم دمشق معزِّيًا للأفضل، فأقام أيامًا، ثم رحل إلى الجزيرة، وحَرَّان والرُّها وسُمَيساط والرَّقَّة، وقلعة جَعْبر، وميَّافارِقِين ودياربكر، وهي البلاد التي أعطاه إياها السُّلْطان، وكان له بالشَّام الكرك والشَّوْبك، وبعث الأفضل القاضي ضياء الدين بن الشَّهْرُزُوري رسولًا إلى الخليفة [ومعه] (٣) زرَدية السُّلْطان وسيفه وحصانه وكَزَاغَنْده، ودبُّوسه، وتُحَفًا كثيرة، [وعابَ النَّاس عليه حيث بعث بعُدَّة السلطان إلى بغداد،] (٣) وكَتَبَ كتابًا [على يد ابن الشَّهْرُزوري،] (٣) منه: أصدر
стр. 10365
العبد خدمته [هذه] (١)، وصَدْرُه معمورٌ بالولاء، وقلبه مغمور بالصَّفاء، ويده مرفوعة إلى السَّماء، للابتهال إلى الله بالدُّعاء، ولسانه ناطِقٌ بشكر النَّعْماء، وحياته بين الخوف والرَّجاء، وطرفه مغضٍ من الحياء، وقد أحاطت العلوم الشَّريفة أَنَّ الخادم والده أيام حياته كان باذلًا نفسه لله تعالى، والبيت المقدس من فتوحاته، وأنه مَلَكَ ملوك الشِّرْك، وغلَّ أعناقها، وأَسَرَ طواغيت الكُفْر وشدَّ خِناقها، وجَمَعَ كلمةَ الإيمان وعَصَمَ جَنَابها، وقمع عبدةَ الصُّلْبان وقَصَمَ أصلابها، وسدَّ الثغور، وسدَّد الأمور، وما فارق الدُّنيا إلا وهو ملازمٌ الخِدْمة الإمامية، والنَّبْعة النَّبوية، وتحت أحكامها داخل، وبمتجرها الرَّابح إلى دار الإقامة راحل، وإنْ كان قد مضى الوالد على طاعة إمامه، فأولاده وإخوته قائمون في مقامه. وذكر فصولًا في طلب التَّقليد.
وبعث الظَّاهر القاضي ابنَ شَدَّاد بكتابٍ يسأل تقريره على حلب وأعمالها، فقيل لابن الشَّهْرُزُوري وابنِ شَدَّاد: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] فرجعا بالوَعْد لا بالنقد.
وأما العادل، فإنَّ المشارقة ثاروا عليه، واستشار عِزُّ الدين صاحبُ الموصل أصحابَه، فأشار عليه المجد ابن الأثير بالخروج، وأشار عليه مجاهد الدين قيماز بالقيام لتظهر حقائق الأمور، ويراسل جيرانه ابن زين الدين صاحب إرْبل، وسنجرشاه صاحب الجزيرة، وعماد الدين صاحب سِنْجار، فراسلهم، فلم يجبه منهم أحدٌ إلا أخوه عماد الدين صاحب سِنْجار، وخَرَجَ عِزُّ الدين من المَوْصل، واجتمعا على نَصِيبين [ليأخذا بلاد الجزيرة] (١)، وكان العادل على حَرَّان، فاستنجد بأولاد أخيه، فجاءته عساكرُ الشَّام ومِصْر، ومَرِضَ عِزُّ الدين على نَصِيبين بالإسهال، وتقدَّم [إلى] (٢) دُنَيْسر، وبَعَثَ إلى العادل يسأله الصُّلْح على أن يكون العادل نائبه في البلاد، فأبى العادل، وقوي الإسهال بعز الدين، فرجع إلى المَوْصل، فتوفي في شعبان، وقد ذكرناه.
стр. 10366
وكان بَكْتَمُر صاحب خِلاط قد شَمِتَ بموتِ السُّلْطان، وتسمَّى بالملك النَّاصر، وعَزَمَ على أَخْذِ الجزيرة والشَّام، فَقُتِلَ في جُمادى [الأولى] (١) لما ذكرناه.
وجاء العادل إلى مارِدِين، وعَزَمَ على حِصارها، فصالحه صاحِبُها، فعاد إلى حَرَّان، وجاءته الرُّسُل من خِلاط يطلبونه، فنزل الثَّلْج، فمنعه من ذلك، وعادتِ العساكر إلى مراكزها.
وقدم شمسُ الملوك ابنُ سيف الإسلام من اليمن إلى دمشق، فأقام عند الأفضل.
وكان الأفضل قد استوزر ضياءَ الدين الجَزَري، فأساء السِّيرة، وشغب قلوب الجند والأعيان على الأفضل، فسار سامة الجِيلي والفاضل وابن أبي عَصْرون والأعيان إلى مِصْر، فالتقاهم العزيز وأكرمهم، وكان معهم مُعْظم الصَّلاحية، فغار منهم الأكراد، فخرج منهم جماعةٌ إلى الأفضل، فالتقاهم وأكرمهم، واشتغل الأفضل بلهوه، وكان القُدْس في يده، فَعَجَزَ عثه، فسلَّمه إلى نواب العزيز، فبان للنَّاس عَجْزُ الأفضل، ومضى الظَّافر إلى العادل، فأعطاه الرَّقَّة، فأقام بها، وشرعت الوَحْشة فيما بين العزيز والأَفْضل، وبلغ الفرنج، فطمعوا، وحاصروا جُبيل، وكان بها جماعةٌ من الأكراد، فباعوها للفرنج، وبَرَزَ العزيز من مِصْر إلى البركة يريد قتال الفرنج ظاهرًا، وأَخْذَ دمشق باطنًا، وعَلِمَ الأفضل، فكَتَبَ إلى عمه العادل والمشارقة، فأجابوه إلى ما يريد، وجاء العزيزُ، فنزل بظاهر دمشق، وسار العادل بعساكر الشَّرْق، فلما قَرُبَ من دمشق، وكان العزيز قد نزل بعقبة شحورا، وجاء العادل فنزل بمرج عَذْراء، فأرسل إليه العزيز يقول: أريد أن نجتمع، فاجتمعا على ظهر خيولهما وتفاوضا، فقال له العادل: لا تخرب البيت، وتدخل عليه الآفة، والعدو وراءنا من كلِّ جانب، وقد أخذوا جُبَيل، وسيأخذوا الباقي إنِ اختلفتم، فارجعْ إلى مِصْر، واحْفظ عَهْدَ أبيك، وأيضًا فلا تكسر حرمة دمشق، ويطمع فيها كلُّ أحد. وعاد العادل عنه إلى دمشق، وأقام العزيز في منزلته، وقدمتِ العساكرُ على الأفضل، وبَعَثَ إليه العادل: ارحل إلى مرج الصُّفَّر، فرحل وهو مريض، وكان قَصْدُ العادل أَنْ يُبْعِدَه عن البلد لتصلَ العساكر، فوصل الظَّاهر من حلب، والمنصور من حماة، وشيركوه من حمص، والأمجد من بَعْلَبَكَّ في
стр. 10367
نجدة الأفضل، فقال لهم العادل: قد تقرَّر أنَّه يرحل إلى مِصْر، ويقع الاتفاق، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه. واشتدَّ مرض العزيز، ولولا مرضُه لما صالح، فأرسل العزيز كبراءَ دولته فخر الدين شركس وغيره، فحلَّف الملوكَ، وطلب مصاهرة العادل، فزوَّجه ابنته خاتون، ورَجَعَ كلُّ واحدٍ إلى بلده، وذلك في شعبان.
وقال العماد: خَرَجَ الملوك لتوديع الملك العزيز إلى مرج الصُّفَّر واحدًا بعد واحد، خرج الطاهر أولًا، فبات عند العزيز ليلةً وعاد، وخرج الأفضل إليه، فقام له، واعتنقا وبكيا، وأقام عنده يومًا، وكان قد فارقه منذ تسع سنين، فلما عاد كتب إلى العزيز من إنشائه: [من الوافر]
نظرتُك نظرةً من بعد تِسْعٍ … تقضَّتْ بالتَّفَرُّقِ مِنْ سنينِ
وغَضَّ الدَّهْر عنها طَرْفَ غَدْرٍ … مسافةَ قُرْبِ طَرْفٍ من جبينِ
فَوَيحَ الدَّهْرِ لم يَسْمَحْ بوَصْلٍ … يعودُ به الهجوعُ إلى الجفونِ
فلا تُبْدي جيوشَ القُرْبِ حتَّى … يُرَتَبَ جيشَ بُعْدٍ في الكَمِينِ
ولا يُدْني محلِّي منك إلا … إذا دارَتْ رحى الحَرْبِ الزَّبُونِ
فليتَ الدَّهْرَ يَسْمَحُ لي بأُخرى … ولو أمضى بها حُكْمَ المَنُونِ
ولما انفصلتِ العساكر عن دمشق شرع الأفضل في اللَّهْو واللَّعب، واحتجبَ عن الرَّعية، فسمِّي الملك النَّوَّام، وفوَّضَ الأُمور إلى وزيره الجَزَري، وحاجبه الجمال محاسن ابن العجمي، فأفسدا عليه الأحوال، وكانا سببًا لزوال دولته، واستبدلا بكبراء الأُمراء والأجناد أراذل الناس، [ففسدت أمور العباد] (١).
وكان الظَّاهر لما وَصَلَ العزيز إل دمشق قَبَضَ على دُلْدُرم بن ياروق وأهله، وحبسهم في القلعة، وأراد كحلهم، فاشتغل، فلما عاد [العادل إلى] (٢) حلب بعد يومين، وطَلَعَ القلعة، وبات بها، وسأل في دُلْدُرم، فما أمكنه مخالفته، فأطلقه، ولما نَزَلَ العادل من القلعة ندم الظَّاهر حيث لم يمسك عمه، وأفضى بسِره إلى القاضي ابنِ شدَّاد، فقال له:
стр. 10368
اشكرِ الله تعالى حيث لم تؤهَّل لهذا، فإنَّ الرجل أولاده ملوك، وما كان يحصل لك إلا اللعان والسُّبَّة والغَدْر بمن وثق إليك.
السنة التسعون وخمس مئة
فيها زادت دِجْلة، ووصل الماءُ إلى سور بغداد العتيق الغربي الَّذي بناه المنصور، فأبان الماءُ عن تلٍّ قريب السُّور، وفي التَّلِّ مَيتٌ وقد بلي، وعظامه مسداة (١)، وهو مسمَّر بمسامير الحديد، وعليه ضبات من الحديد، وفي وجهه ضبة فيها مِسْمارٌ كبير، وآخر في سُرَّته، وكان هائل العِظام.
قال ابنُ القادسي: وفيها أهدر الخليفةُ الطيور العتق، وأمر بذبحها ومحو أثرها، وعَمَدَ إلى فراخٍ ذبح آباءها وأمهاتها، واستفرخ الأولاد، وأرسلها إلى المشاهد لتطير إلى بغداد، وفوَّض أمرها إلى قاضي القُضاة ابن البخاري ويوسف العقاب مقدَّم الفِتْيان، وجعلها اثني عشر صنفًا باسم الأئمة الاثني عشر، ثم سمَّاها فقال: العلويات والحسنيات والحسينيات والمحمديات [والكاظميات والهاشميات والباقريات والعبدويات والزيديات] (٢) والمهديات والصَّادقيات والعابديات، وأرسلها إلى المشاهد، فطارت منها إلى بغداد.
[قال القادسي] (٢): وحكى [لي] (٢) عمر بن كُلَيب التَّاجر قال: نزلنا في بلاد الرُّوم تحت شجرة عليها ورق أخضر وزهر أصفر، فأخذ بعضُنا يصفق وينشد: [من السريع]
يا نازلًا بالبَلَدِ البَلْقعِ … ويا ديارَ الظَّاعنين اسمعي
ما هي بأطلالٍ ولكنَّها … رسومُ أحبابي فنوحي معي
[قال] (٢): فلم يزل يردِّدُها حتَّى ألقت الشجرة ورقها بأسره.
وفيها قَدِمَ ابنُ القَصَّاب الوزير من العجم، وخَلَعَ عليه الخليفةُ، وأمر أربابَ الدَّوْلة أن يمشوا بين يديه، منهم ابنُ يونس أستاذ الدَّار، وكان وزيرًا قبل هذا، فامتنع [ابن يونس من المشي بين يديه] (٢)، فقال ابنُ القَصَّاب: هذا ظاهَرَ الخوارجَ على الخليفة،
стр. 10369
وكَسَرَ عسكره بحماقته، وشنَّع على الخليفة بأنَّه مات، وكَتَبَ محضرًا بذلك، وأثبته على القضاة، وعَرَضَه على الخليفة، فأمر بالقَبْض على ابن يونس، وأُهين، وأُخذ أخذة شنيعة، وقيد ورُمي تحت التَّاج، فكان آخرَ العهد به.
[ذكر محنة جدِّي ﵀:
لما قُبِض ابن يونس تتبع ابن القصَّاب] (١) أصحابَه، فقال له الركن عبد السَّلام: أين أنتَ من ابن الجوزي؟ هو كان من أكابر أصحاب ابنِ يونس، وأعطاه مدرسةَ جدِّي، وأحرق كتبي بمشورته، وهو ناصبي من أولاد أبي بكر. وكان ابن القصاب متشيِّعًا، فكتب إلى الخليفة، وساعده جماعةٌ من أهل مذهبه، ولبَّسوا على الخليفة، فأمر بتسليمه إلى عبد السَّلام.
قال المصنف ﵀: وكان جدِّي يسكن بباب الأَزَج في دار بنفشا، وكان الزَّمان صيفًا، وهو جالس في السِّرْداب يكتب، وأنا صبيٌّ صغير، [وجرى عليهم ما لم يجر على أقل الناس] (٢)، وإذا بعبد السَّلام قد هَجَمَ عليه السرداب، وأسمعه غليظ الكلام، وخَتَمَ على كتبه وداره وشتَّت عياله، فلما كان [في] (٢) أول الليل حملوا جدِّي إلى سفينة، فأنزلوه فيها، ونَزَلَ معه عبد السَّلام لا غير، وعلى جدِّي غِلالة بغير سراويل، وعلى رأسه تخفيفة، وحدروه إلى واسط، واستوفى منه الكلام، وجدِّي لا يجيبه، وبلغني أَنَّ جدي أقام خمسة أيام ما أكل طعامًا إلى واسط، وسيق عبد السلام إلى واسط، وكان ناظرها العماد ابن مينا، وكان متشيعًا، فقال له الركن: حَرَسَ الله أيامك، مكِّنِّي من عدوي لأرميه في المطمورة، فَعَزَّ عليه وَزَبَره، وقال: يا زنديق، أرمي ابن الجوزي في المطمورة بقولك، هاتِ خط الخليفة! والله لو كان من أهل مذهبي لبذلت روحي ومالي في خِدْمته. فعاد عبد السَّلام إلى بغداد، وأقام جدِّي في دار بدرب الدِّيوان، وعلى بابه بوابٌ لا غير، وكان قد قارَبَ ثمانين سنة، فكان يخدم نفسه؛ يغسل ثوبه، ويطبخ، ويستقي الماء من البئر، ولم يدخلِ الحمَّام مدَّة خمس سنين مقامه بواسط، ولما عاد إلى بغداد سمعته
стр. 10370
يقول: قرأتُ بواسط مدَّة مقامي كل يوم ختمة ما قرأتُ فيها سورة يوسف من حُزْني على ولدي يوسف، وكتب إلى بغداد أشعارًا كثيرة.
[منها هذه الأبيات: [من الطويل]
أحبَّة قلبي لو يُباع رجوعُكُمْ … علينا لكُنَّا بالنفوس فديناكُمْ
فلا تحسبوا أني نسيتُ ودادكم … وإني وإن طال المدى لستُ أنساكُمْ
وأسأل أنفاسَ الرِّياح لأنها … تمرُّ على أطلالكُمْ وتلقاكمْ
قضى الله بالتفريق بيني وبينكم … فيا ليتنا من أجله ما عرفناكمْ
ومن كان وكان:
لما تزايد وجدي فيكم وقل تصبري … وعَزَّ فيكم عزائي وقلت الحركات
يا حاضرين بقلبي يا غائبين عن النظر … يا ساكنين فؤادي أطلتم الحسرات
متى يجيء مبشر من عندكم بقدومكم … ويفرحون أصدقائي وأكمد الشمات
متى تدق طبول الهنا على أبواب الرجا … وقول للعين قري قد رد ما قد مات
متى يقولوا قد جو وأخرج بسرعة للقا … وأقول يا أحبائي أطلتم الغيبات
وإن قضى لي ربي أموت ولا أنظر شخصكم … وجاء نذيري إليكم يقل لكم قد مات
فحدثوا بحفظ الوفا على رأس الملا … إني على العهد باق حتَّى يجي الميقات
ومن المواليا:
ما لي وما لي وما لي … تغيرت أحوالي
لقيت ما لا يكيف … ولا يدور ببالي
يا بيت عبد القادر … كنتم ببختي في القضا
ما مثلهم يحسدني … ولا هم أمثالي
هم هم في نفسي … وضيقوا في حبسي
ومزقوا كتب درسي … عمدًا وهم رأسَ مالي
مئة ألف عندي … يبكون مما قد جرى
ثلاث مئة مصنف … ما لاكها الغزالي
لو أن مسلم يرفع … إلى الإمام لوقع
стр. 10371
من حين ما كان يسمع … بقصتي قد رثى لي
من أبيات] (١).
واختلف النّاس في [كيفية محنة جدي، والظاهر أنها بسبب] (٢) ابن يونس [وما فعل ببيت عبد القادر] (١)، وأهل بغداد يقولون شيئًا آخر، والله أعلم.
وفيها عاد الاختلاف بين العزيز والأفضل، وسببه إغراء الجُنْد والوسائط، وكان أكثر المحرِّضين للعزيز على الأفضل سامة، قال له: إنَّ الله يسألك عن الرعية، هذا الرجل قد غرق في لهوه وشُرْبه، واستولى عليه الجَزَري وابن العجمي. وقال له ابن أبي عَصْرون: لا نسلم يوم القيامة -وكان العزيز قد ولاه القضاء على مصر سنة تسعين، فأقام قاضيًا عليها حتَّى عزله العادل- وبلغ الأفضل قول سامة وابن أبي عصرون، فأقلع عما كان عليه وتاب، وندم على تفريطه، وعاشَرَ العلماء والصُّلحاء، وشَرَعَ يكتب مُصْحفًا بخطِّه، وكان خطُّه مليحًا. ونزل العزيز لقصده، فسار الأفضل إلى عمه العادل يستنجد به، فالتقاه على صِفِّين، فسار معه بعساكر الشَّرْق إلى دمشق، وجاء الأفضل إلى حلب، واتَّفق مع أخيه الظَّاهر وتحالفا، وجاء إلى حماة وحمص، ففعل كذلك، وجاء إلى دمشق، وكان العادل يشير عليه بعَزْل الجَزَري عن الوزَارة ويقول: هذا يخرِّب بيتك. ولا يلتفت إليه، فحَنِقَ عليه، وكان الظَّاهر يشاقق ابنَ تقي الدين صاحب حماة، وعز الدين ابن المقدَّم صاحب بارين، ودُلْدُرم صاحب تل باشر، فكَتَبَ الظَّاهر إلى العادل في تسليم تل باشر إليه، وأن يكون صاحب حماة وابن المقدَّم مضافين إليه، فلم يجبه، فغضب الظَّاهر، وانفرد عنهم، وكتب إلى العزيز يخبره أَنَّه معه، ويستحثُّه على القدوم إلى دمشق، فجاء العزيز مسرعًا، فنزل الفَوَّار آخر شهر رمضان، وعَلِمَ العادل أَنَّه لا طاقة له بالظَّاهر والعزيز، فراسل الأَسدية، وأوعدهم بالأموال والإقطاعات، وكان العزيز قد قدَّم الصَّلاحية، ورفعهم فوقهم، فحنقوا عليهم، وتمكَّنتِ العداوة بينهم، فدسَّ إليهم العادل الأموال والهدايا والتُحف السنية، وكان مقدَّم الأكراد أبو الهيجاء السَّمين، وكان العزيز قد عَزَله عن ولاية القُدْس، ومقدَّم الأسدية سيف الدين أزكش، وقد كان العزيز قَصَّر في حقِّه، فركب أبو
стр. 10372
الهيجاء وأزكش في الليل، وقصدا دمشق، فأصبح العزيز، فلم يَرَ في الخيام من الأسدية أحدًا، فرجع إلى مِصْر، وشرع أزكش وأبو الهيجاء والأسدية يحرِّضون العادل على مِصْر، وكانت الأسدية والأكراد يكرهون العادل، وإنما دَعَتْهم الضَّرورة إليه، وهي مباينتهم للعزيز، واتَّفق العادل والأفضل، وتحالفا، وساروا خلف العزيز إلى مِصْر، فلما وصلوا القُدْس، ولّوا أبا الهيجاء كما كان، وعزلوا جُرْديك عنها، وساروا فنزلوا بِلْبيس، وبها جماعة من الصَّلاحية، فتوقَّف العادل عن القتال، ولمَ انتزاعُ مِصْر من يد العزيز! فظهرت منه قرائن أحوال تدلُّ على أَنَّه لا يُؤْثر السَّلْطنة للأفضل، ولا يرى تقدمته عليه، فأرسل إلى العزيز يطلب القاضي الفاضل، وكان قد اعتزلهم، وانقطع إلى داره، فارسل إليه العزيز يسأله، فامتنع، فتضرَّع إليه، وأقسم عليه، فخرج إلى العادل، فاحترمه وأكرمه، وتحدَّث معه بما قرَّره، وعاد الفاضل إلى العزيز، وتحدَّث معه، فأرسل العزيز ولديه الصّغيرين مع خادبم له برسالةٍ ظاهرة، مضمونها: لا تقاتلوا المُسْلمين، ولا تسفكوا دماءهم، قد نفَّذتُ ولديَّ هذين يكونان تحت كفالة عمي العادل، وأنا أترك لكم البلاد، وأمضي إلى الغرب. وكان ذلك بمشهدٍ من الأمراء، فَرَقَّ العادل وبكى، وبكى مَنْ حضر، وقال العادل: معاذ الله، ما وَصَلَ الأمر إلى هذا الحد. وقال للخادم: تقول للسُّلْطان عني (١): البلاد بلادُك، وأنتَ السُّلْطان، ونحن رعيتك.
وكان قد قرَّر مع الفاضل رَدَّ خبز الأسدية وإقطاعهم وأملاكهم، وأن يبقى أبا الهيجاء على ولاية القُدْس، وقال للأفضل: المصلحة أن تمضي إلى أخيك وتصالحه، وما عُذْرنا عند الله وعند النَّاس إن فعلنا بابنِ أخينا ما لا يليق. ففهم الأفضل أَنَّ العادل رجع عن يمينه، وما اتَّفقا عليه، وأَنَّه قد اتَّفق مع العزيز على أَخْذِ البلاد منه، لكنه لم يمكنه الكلام، فمضى إلى العزيز.
فلما بلغه وصوله إلى دمشق في ذي الحِجَّة، ودخل العزيز والعادل والأسدية إلى القاهرة يوم الخميس رابع ذي الحجة، وسَلْطَن العادلُ العزيزَ، ومشى بين يديه بالغاشية، ولو أراد العادل مِصْر لأخذها، وإنما قَصَدَ الإصلاح بين الأخوة، فلما بدا من الأفضل في حَقِّه ما بدا، وأراد قتله ألجأه إلى ما ألجأه إليه.
стр. 10373
وقال العماد: لما كان العزيز نازلًا على الفَوَّار رحل أبو الهيجاء والأسدية عشية الاثنين رابع شوَّال، وكانوا أكثر العسكر، وأُخبر العزيز بهم، فما بالى بانصرافهم، وقال: صفونا من أكدارهم. ولم يأمر أصحابه باتِّباعهم، وبقي في خواصِّه تلك الليلة، ورحل. واتَّفق العادلُ والأَفْضل على أن تكون ثلث البلاد للعادل، والثلثان للأفضل، وهو السُّلْطان، واستناب الأفضل بدمشق أخاه قُطْب الدِّين موسى، وخاف العزيز من الأسدية الذين في القاهرة أن يفعلوا كما فعل إخوانهم، ويمنعوه من دخولها، وكان قد استناب بها بهاء الدِّين قراقوش ثِقَةً بمودَّته، فلما وصل إلى القاهرة خَرَجَ قراقوش والأسدية إلى لقائه، فأكرمهم وأحسن إليهم، ولما وصل العسكر إلى بِلْبيس غلا السِّعْر، وظهرت ندامة الأسدية، فخاف العادل من ميلهم إلى العزيز وغَدْرهم، وأخبر الأفضل، وقال: المصلحة الصُّلْح. فاستزار الفاضل، ولقيه على فرسخ، وقرَّر الصُّلْح، واستبشر النَّاس بذلك، وعفا العزيز عن الأسدية وأحسن إليهم، واجتمع العزيز بالأفضل، وعاد الأفضل إلى دمشق، وأقام العادل عند العزيز.
وأما الأفضل فإنَّه لما عاد إلى دمشق ازداد وزيره الجَزَري من الأفعال القبيحة، وآذى الأكابر من الدَّولة، والأفضل يسمع منه ولا يخالفه، فكتب قيماز النجمي وأعيان الدولة إلى العادل يشكونه، فأرسل العادل إلى الأفضل يقول: ارفع يد هذا الأحمق السيئ التَّدْبير، القليل التوفيق. فلم يلتفت، فاتَّفق مع العزيز على النزول إلى الشَّام، فسار، فاستشار الأفضل أصحابه، فكلٌّ أشار عليه بأن يلتقي عمه وأخاه، ولا يخالفهما إلا الجزري، فإنَّه أشار عليه بالعصيان، فاستعدَّ للقتال والحصار، وحلَّف الأمراء والمقدَّمين، وفرَّقهم في الأبراج وعلى الأسوار، فراسلوا العزيز والعادل، وأصلحوا أمرهم في الباطن، واتَّفق العادل مع عز الدين ابن الحِمْصي على فَتْح الباب الشَّرقي، فكان مسلَّمًا إليه، فلما كان يوم الأربعاء سادس عشرين رجب ركب العادل والعزيز، وجاء إلى باب شرقي، ففتحه ابنُ الحمصي، فدخلا البلد من غير قتال، فنزل العزيز في دار عمَّته ستّ الشَّام، ونزل العادل دار العقيقي، ونَزَلَ الأفضل إليهما وهما بدار
стр. 10374
العقيقي، فدخل عليهما، وبكى بكاء شديدًا، فأمره العزيز بالانتقال إلى صرخد، فأخرج وزيره الجزري في الليل في جُمْلة الصَّناديق خوفًا عليه من القَتْل، فأخذ أموالًا عظيمة، وهَرَبَ إلى بلاده، وكان العزيز قد قرَّر مع العادل أن يكون نائبه بمِصْر، ويقيم الحزيز بدمشق، ثم ندم، فأرسل إلى الأفضل رسالة فيها صلاح حاله، [فأذاعها و] (١) وصلت إلى العادل، فغضب العزيز، ورَسَمَ عليه بالخروج، فخرج إلى مسجد خاتون بأهله وعياله، وسلَّم العزيز بُصْرى إلى العادل، وكان بها الظَّافر، وأقام العزيز بدمشق أربعة أيام، وصلَّى الجمعة عند مكان قبر والده بالكلاسة، وأمر ببناء القُبَّة والمدرسة إلى جانبها، وأمر محيي الدِّين بن زكي الدين بعمارة المدرسة العزيزية، ونُقِلَ السُّلْطان إلى الكلاسة في سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة، وكان الأفضل قد شَرَعَ في بناء تُرْبة عند مشهد القدم بوصيةٍ من السُّلْطان، فإنه قال: تكون تربتي على الجادَّة ليمر بها الصَّادر والوارد، فيترحم عليّ. فارتفع منها قامة، وجاء العزيز، فحصر دمشق وأخربها، وكان العزيز إذا جلس في مجالس لهوه يجلس العادل على بابه كأنه بردار (٢)، فلما كان آخر ليلة من مقامه بدمشق، وكانت ليلة الاثنين تاسع شعبان قال العادل لولده المعظم: ادخل فقبِّلْ يده، واطلب منه دمشق. وكان المُعَظَّم قد راهق الحُلُم، فقبَّل يده، وطلب منه دمشق، فدفعها إليه، وأعطاه سنجقه، وقيل: بل استنابه العادل فيها، وأعطاها للمعظم على ما نبين في سنة أربع وتسعين، ورحل تاسع شعبان إلى مِصْر، ومضى الأفضل إلى صَرْخَد، ونفى العادلُ ابنَ الحمصي الَّذي فتح له باب شرقي، وكان قد أعطاه عشرة آلاف دينار، فاستردَّها منه، واجتاز العزيز في طريقه إلى مصر بالقُدْس، فَعَزَلَ أبا الهيجاء السَّمين عنه، وولاه سُنْقُر الكبير، ومضى أبو الهيجاء إلى بغداد، [وسنذكره] (١).
وحج بالنَّاس سُنْقُر الكبير النَّاصري من بغداد.
стр. 10375
وفيها توفي
أحمد بن إسماعيل بن يوسف (١)
أبو الخير القزويني، الواعظ الشَّافعي، [تفقه بنيسابور على محمد بن يحيى صاحب الغَزَّالي، وسمع بها الحديث وبغيرها] (٢)، كان عالمًا بالتَّفاسير والفِقْه، متعبِّدًا يختم القرآن في كلِّ يوم وليلة، ومولده بقزوين سنة اثنتي عشرة وخمس مئة، وقدم بغداد حاجًّا سنة خمسٍ وخمسين [وخمس مئة] (٢)، فجلس بالنِّظامية ووعظ، ومال إلى الأَشْعري، فوقعتِ الفتن، وجلس يوم عاشوراء بالنِّظامية، فقيل له: العن يزيد بن معاوية. فقال: ذاك إمامٌ مجتهد. فجاءه الاجُرُّ، وكاد يقتل، وكان ابنه جالسًا بين يديه على المِنْبر، فقال له: العنه وإلا قُتِلْنا. فلطمه على رأسه، وألقى عمامته بين يديه، وكَثُرَ الرَّجم، فسقط من المنبر، فأُدخل إلى بيتٍ في النظامية، وأغلق عليه الباب، وأُخذت فتاوى الفقهاء بتعزيره، فقال بعضهم: يُضْرب عشرون سوطًا، قيل له: من أين لك هذا؟ فقال: من عمر بن عبد العزيز، سمع قائلًا يقول: قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فضربه عشرين سوطًا. ثم تعصَّب للقزويني جماعةٌ، وقالوا: شيخ غريب، وأخرجوه، فمضى إلى قزوبن، فتوفي بها في المحرم، [سمع بنيسابور أبا عبد الله الفُراوي، وأبا القاسم الشَّحَّامي، وأبا محمد البيهقي، وغيرهم] (٢).
السُّلْطان طُغريل شاه بن رسلان شاه (٣)
ابن طغريل شاه بن محمد بن مَلِكْشاه بن ألب رسلان [بن جغري بك بن ميكائيل بن سلجوق] (٢)، وهو آخر الملوك السَّلْجوقية سوى صاحب الرُّوم، وكان مبدأ أمره عند وفاة أبيه سنة إحدى وسبعين وخمس مئة، وكان صغير السِّنِّ، فكفله البهلوان إلى أن مات سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة، وعادتِ الأتابكية إلى قزل بن رسلان إلدكز، وهو
стр. 10376
أخو البهلوان لأمِّه، فلم يزل طغريل تحت يده حتَّى أنف من الحجر، فخرج عن يده، وانضاف إليه جماعة من الأُمراء، وكسر عسكر الخليفة، وأسر ابن يونس -كما ذكرنا- وهابته الملوك، وخاف منه القزل، وانضاف إلى طغريل عِدَّةٌ من مماليك البهلوان، فقيل له: لا تأمن أن يغتالوك فيقتلوك! فقتل جماعةً منهم، وفارقه الباقون، وضعف، فقصده قزل، فهرب منه، فولى قزل سنجر بن سليمان شاه، وخاطبه بمعين الدِّين.
وكان طغريل سفَّاكًا للدِّماء، قتل وزيره رضي الدين الغَزْنوي، وفخر الدين العلوي رئيس هَمَذَان، وزوجه حسن بن قفجاق أُخته، وجمع القزل عليه التُّرْكمان، فكسر طغريل، وحَبَسَه في بعض القلاع، فلما قُتِلَ قزل تعصَّب لطغريل امرأةٌ في القلعة التي كان بها، وشَرَطَتْ عليه أن يتزوَّجها إذا خلَّصَتْه، فأخرجته، فجاء إلى هَمَذَان، فالتقاه قتلغ ايناخ، وكان نائبًا عن قزل في الأتابكية، فاقتتلوا، فانهزم قتلغ، واستولى طغريل على المماليك، وزوج أم قتلغ إلى خوارزم شاه. وقيل: إنه قتل أم قتلغ أيضًا، وعرَّف قتلغ خوارزم شاه ما فعل طغريل، فخرج الخوارَزْمي في عساكره إلى العراق، وسار إليه طغريل، فالتقيا على الرّيّ، فجاءت طغريل نُشَّابة في عينه، فضربه مملوكٌ له بالسَّيف من ورائه، فقتله، وقَطَعَ رأسه، وحمله إلى الخوارزمي، فبعث به إلى بغداد، فدخلوا به في جُمادى الأولى على خشبةٍ، وكوساتُه مشقَّقة، وسنجقه وراءه مكسورٌ منكس.
قال المصنف ﵀: وقد رأيتُه، وكان من أحسنِ النَّاس صورة، ووجهه كأنَّه القمر، وأثر النُّشَّابة في عينه، وعلى خدِّه ضربة. قالوا: كان دور سيفيه عشرة أشبار، وعُلِّق رأسه بباب النوبي، ثم رُدَّ إلى خزانة الرؤوس، فجاءت فارةٌ، فأكلت أنفه وأُذنيه، وبقي الرأس إلى سنة إحدى وست مئة، فوقع حريقٌ في خزانة الرؤوس، فاحترق الجميع. وكتب خوارزم شاه إلى الخليفة كتابًا يضمن الطاعة، واستولى على خُراسان والجبال والرّي وأصبهان وغيرها مضافًا إلى ما بيده مما وراء النَّهر.
وهذا طغريل آخر السَّلْجوقية، وعِدَّتهم نيف وعشرون ملكًا، ومُدَّة ملكهم مئة وستون سنة، أولهم طُغْرُلْبَك، وأول ما ظهرت راياتُه من خراسان سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، ودخل بغداد سنة سبعٍ وأربعين، وأعاد القائم إلى بغداد سنة إحدى وخمسين، وتوفي سنة خمس وخمسين وأربع مئة، ولم يكن له ولد، فولَّى ألب رسلان بن داود بن
стр. 10377
ميكائيل بن سَلْجوق، هو ابن أخي طغرلبك، وكَسَرَ ملك الرُّوم، وقُتل بما وراء النهر، وملك ثماني عشر سنة، وقيل: عشرين.
وأخوه قاروت بك لم يستقم له أمر، وخُنِق.
وولي بعد ألب رسلان، ولده ملك شاه، وملك الدنيا، وأقام تسع عشرة سنة، ومات سنة خمس وثمانين وأربع مئة، وكان نظام الملك وزيره ووزير أبيه.
وقام بعده ولده محمود بن خاتون، ومات في هذه السَّنة، وقام بركياروق بن ملك شاه، ونازعه عمه تاج الدولة تُتُش صاحب الشَّام، فقتله بركياروق، وأقام سُلْطانًا اثنتي عشرة سنة، وخُطِبَ له ببغداد ستّ دفعات، وجرى بينه وبين إخوته محمد وسنجر حروب.
وملك بعد بركياروق أخوه محمد، فأقام اثنتي عشرة سنة، ومات سنة إحدى عشرة وخمس مئة.
وقام بالأمر بعده ولده محمود بن محمد، فأقام واليًا أربع عشرة سنة، وعهد إلى ابنه داود، ففوَّض سنجر الملك إلى طغريل، وجعل لداود ما يكفيه، ثم طمع مسعود أخو محمود في الملك، ودخل بغداد سنة ست وعشرين وخمس مئة، [وخطب له بالسلطنة، ولابن أخيه، وتوفي طغريل في سنة تسع وعشرين وخمس مئة] (١)، واستقلَّ مسعود بالمُلْك، وطالت أيامه، فأقام نيفًا وثلاثين سنة، وقتل المسترشد [والرَّاشد] (١).
وقام بعده ملك شاه بن محمود بن أخي مسعود، فأقام ثلاثة أشهر، وكتب خاصْبَك إلى محمد بن محمود أخي ملك شاه، وخدعه، وقبض على ملك شاه، فملك محمد بن محمود وقتل خاصبك، ونفر منه إلدكز وآق سُنْقُر، وقصداه، فهرب منهما، وملَّكا أخاه سليمان شاه، وجاء ملك شاه يقصد بغداد، فخرج إليه الخليفة، فدفعه، وفي سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة انحلَّت دولة بني سَلْجوق، واستولى الغُزّ على سنجر، وكانت دولتهم مستقيمة من سنة ثلاثين أو اثنتين وثلاثين وأربع مئة إلى سنة ثمان وأربعين
стр. 10378
وخمس مئة، ثم بدأت في النقض، ومات فيها سنجرشاه، وحاصر محمد شاه بغداد، وهو آخر مَنْ حاصرها، ومات محمد سنة أربع وخمسين وخمس مئة.
وقام بعده أخوه سليمان شاه، وخالفه أخوه ملك شاه، وتوفي أرسلان شاه بن طغريل بن ملك شاه سنة سبعين وخمس مئة.
وقام بعده ولده طغريل شاه وأتابكه محمد البهلوان، وقتل في هذه السنة، وهي سنة تسعين وخمس مئة، [فكان آخر ملوكهم] (١).
السَّنة الحادية والتسعون وخمس مئة
فيها ملك ابنُ القَصَّاب وزير الخليفة بلاد خوزستان: ششتر وأعمالها، ويقال: إنها تشتمل على أربعين قلعة، وقيل: بل ملكها في السنة الماضية، ودخل الأمير علي بن شملة وسوسان بغداد في صفر، وأخليت لهم الدور، وباتوا وأولادهم ببغداد.
وفيها أقطع العزيز فارس الدين ميمون القصري نابُلُس، فأقام في سبع مئة فارس في مقابلة الفرنج.
وفيها كانت وقعة الزلاقة (٢) بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وبين الفنش ملك طُلَيطُلة، وكان [الفنش] (١) قد استولى على جزيرة الأندلس وقهر ولاتها، [وكان] (١) يعقوب مشغولًا عن نُصْرتهم بالخارجين عليه، وبينه وبين الأندلس زقاق سبتة، وعرضه ثلاثة فراسخ، ويحتاج في عبوره إلى مشقَّة عظيمة، وطمع الفنش في المسلمين بهذا السبب، فكتب [الفنش] (١) إلى يعقوب كتابًا ينخيه: باسمك اللهم الكريم، فاطر السموات والأرض، وصلى الله على سيدنا المسيح عيسى ابن مريم الفصيح.
стр. 10379
أما بعد، أيها الملك، فإنَّه لا يخفى على ذي عَقْل لازب، وذكاء ثاقب أَنَّك أمير المِلَّة الحنيفية، كما [أنا] (١) أمير المِلَّة النَّصْرانية، وغيرُ خافٍ عنك ما عليه نوَّابك بالأندلس من التخاذل والتقاعد والتكاسل، وإهمال أمور الرَّعية، والاشتمال على اللَّذَّات الدَّنية، ولما أظهروا العِصْيان، وادَّرعوا الخِذْلان سَلَّطني الله عليهم، فأذقتُهم الخَسْف، وسُمْتُهم العُنْف، أُخلي منهم الدِّيار، وأمحو الآثار، وأسبي الذَّراري والولدان، وأمثِّل بالكهول والشُّبَّان، وقد جعلتُ ألوفًا من العذارى المُسْلمات مملوكاتٍ لبنات الإفرنجيات، ولا عُذْرَ لك في التخلف عن نُصْرتهم وقد مكَّنتك بهم القُدْرة، وأنت قادرٌ على النُّصْرة، مع أنكم تعتقدون أَنَّ الله فَرَضَ عليكم في كتابكم قتال [عشرة] (١) منا بواحدٍ منكم، وقد زاغ عنكم الصَّواب، وكذبتم بالكتاب، و ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَينِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] ونحن الآن يقتل واحدٌ منا عددًا منكم، فقد أظفرنا الله بكم، وأعاننا عليكم، ولا تقدرون دفاعًا، ولا تستطيعون امتناعًا، ثم بلغني أَنَّك أخذت في الاحتفال، وأشرفت على ربوة القتال، وجمعتَ جَمْعًا من البربر والعرب الذين ادَّرعوا العار، وعبدوا الدِّرْهم والدِّينار، وأحلُّوا الحرام، وباينوا دين الإسلام، وتمطل عامًا بعد عام تنتظر حوادث الزمان، وتقلب الحَدَثان، تقدم رِجْلًا وتؤخر أُخرى، وهذا الفعل بمثلك أحرى، فلا أدري الحَين أبطأ بك فَضَلَلْتَ في غَيِّك، أم التكذيب بما أنزل على نبيك؟ فإنْ كنتَ عاجزًا عن العبور إلي خوفًا من أهوال الزّقاق، فأنا أذكر لك ما فيه الرِّفْق بك والارتفاق، وهو أَنْ تعاهدني بالأَيمان المغلَّظة، والأقسام المعظَّمة ودَفْع الرَّهائن، وتوجّه إلي جُمْلة من المراكب لأعبر إليك، وأبارزك في أعزِّ الأماكن عليك، فإنْ كانت الدائرة لك كانت غنيمة ساقها الله إليك، وإن كانت يدي العُلْيا، استحققت إمارة المِلَّتين، والتقدُّم على الفئتين، والله تعالى يوفق للسَّعادة، ويسهل الإرادة، فإنه لا رَبّ غيره، ولا خير إلا خيره، والسَّلام.
стр. 10380
فلما قرأ يعقوب الكتاب استشاط غضبًا، وأدركته حَمِيَّة الإسلام، والغيرة على الإيمان، فكتب على رأس الكتاب بخطِّه: ﴿ارْجِعْ إِلَيهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧].
وكتب تحت الآية: [من الطويل]
ولا كُتْبَ إلا المَشْرَفية عندنا … ولا رُسْلَ إلا بالخميس العَرَمْرَمِ
ثم قام من ساعته، فشدَّ ذنب فرسه بيده، ولبس سلاحه، وسار إلى زقاق سبتة، فنزل عليه، وجمع الشَّواني والمراكب، وعَرَضَ جُنْده، فكانوا مئتي ألف مقاتل، مئة ألف يأكلون الدِّيوان، ومئة ألف مطاوعة، وعبر الزقاق إلى مكانٍ يقال له: الزلاقة (١)، وجاءه الفنش في مئتي ألف وأربعين ألفًا من أعيان الفرنج والمقاتلة، والتقوا، فجرى بينهم قتالٌ لم يجر في جاهليةٍ ولا إسلام، ثم أنزل الله نَصْره على المُسْلمين، فولى الفنش هاربًا في نفرٍ يسير إلى طُلَيطُلة، وغَنِمَ المُسْلمون ما كان في عسكره، وكان عِدَّةُ من قُتِل من الفرنج مئةَ ألف وستة وأربعين ألفًا، وعِدَّة الأسارى ثلاثون ألفًا، ومن الخيام مئة ألف خيمة وخمسون ألفًا، ومن الخيل ثمانون ألفًا، ومن البغال مئة ألف، ومن الحمير أربع مئة ألف حمار يحمل أثقالهم، لأَنَّهم لا جمال عندهم، ومن الأموال والجواهر والثياب ما لا يُحدّ ولا يحصى، وبِيعَ الأسير بدِرْهم، والسَّيف بنصف دِرْهم، والحصان بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وقسم يعقوب الغنائمَ بين المُسْلمين على مقتضى الشريعة، فاستغنوا إلى الأبد.
ووصل الفنش طليطلة على أقبح حال، فَحَلَق رأسه ولحيته، ونكَّس صليبه، وآلى أن لا ينام على فراش، ولا يقرب النِّساء، ولا يركب فرسًا ولا دابة حتَّى يأخذ بالثأر، وأقام يجمع من الجزائر والبلاد ويستعدّ، وقيل: كانت هذه الوقعة سنة تسعين.
وحج بالنَّاس من بغداد سنجر النَّاصري، ومن الشام سراسُنْقُر وأيبك فطيس الصَّلاحيان، [ومن مصر الشريف إسماعيل بن ثعلب الجعفري؛ من ولد جعفر بن أبي طالب] (٢).
стр. 10381
[وفيها توفي
عبد الله بن محمد بن عبد الله الصوفي (١)
أبو القاسم، شيخ رباط المأمونية ببغداد، وكان زاهدًا عابدًا، متورعًا، حسن العقيدة] (٢).
السنة الثانية والتسعون وخمس مئة
فيها بعد خروج الحاج من مكَّة هبَّت ريحٌ سوداء عمَّتِ الدُّنيا، ووقع على الناس رملٌ أحمر، ووقع [من] (٢) الركن اليماني قطعةٌ، وتحرَّك البيت الحرام مرارًا، وهذا شيءٌ لم يعهد منذ بناه ابن الزُّبير ﵄، وأعاده الحَجَّاج، وإلى هلمَّ جرا.
وفيها كانت الوقعة بين ميالجق مملوك خوارَزْم وبين ابن القَصَّاب وزير الخليفة على باب هَمَذَان، كان ابن القصَّاب لما استولى على خوزستان طَمِعَ في البلاد، فتقدَّم إلى هَمَذَان، ثم سار إلى أصبهان، فولى عليها عماد الدين طغريل صاحب البصرة مملوك الخليفة، وبلغ خوارزم شاه، فبعث إليهم يقول: هذه البلاد فتحتها بسيفي وقتلت عدوَّكم، فارجعوا وإلا فأنتم خبر، فجمع الوزير الأمراء واستشارهم، فقالوا: الرأي ما ترى، فقال: ما بعد الرِّبْح إلا الخسارة، وقد فتحنا خوزستان، والمَصْلحة رجوعنا. فلم يوافقه طغريل صاحب البصرة، وطغتكوا صاحب اللِّحْف، وكان خوارزم شاه قد قطع جيحون في خمسين ألفًا، وقدَّم بين يديه مملوكه ميالجق في خمسة آلاف، وعسكر الخليفة بأصبهان، وكان بها شحنة أسود من قبل خوارزم شاه ورئيسها الصَّدْر بن الخُجَنْدي، وكان عظيمًا من بيت الرياسة، فاتهمهما طغريل بمكاتبة الخوارزمي، فاستدعاهما إليه، وذبحهما بين يديه، وقيل: إنما قتلهما سُنْقُر الطَّويل، وهو كان شحنة أصبهان، ثم رحلوا إلى هَمَذَان، فنزلوا على بابها، ومَرِضَ الوزير من أصبهان إلى
стр. 10382
همذان، ومات تلك الليلة على باب همذان، وكبسهم ميالجق وهو في خمسة آلاف وهم في عشرين ألفًا، والتقوا، فكسرهم ميالجق كسرةً شنيعة أشنع من كسرة ابن يونس، عادوا إلى بغداد عرايا جياعًا، قد تقطَّعت أقدامهم من المشي، فلو تبعهم ميالجق مرحلة ما أبقى منهم أحدًا، وكان الوزير لما مات أرادوا أن يعفوا قبره، فأدركهم ميالجق، فدفنوه في سقاية على باب هَمَذَان، فسأل ميالجق عنه، فدُل عليه، فنبشه، وقطع رأسه، وبعث به وبأعلام الخليفة والكوسات والمهد والخزائن، وكان فيها ألف ألف دينار وجواهر بمثلها، وكانت الواقعة غُرَّة شعبان، فوصلوا إلى بغداد في رابع عشر رمضان.
ثم جاء خوارزم شاه إلى همذان على البلاد إلى باب بغداد، وبعث إلى الخليفة يطلب السَّلْطنة، واعادة دار السلطنة إلى ما كانت عليه، ويجيء إلى بغداد، ويكون الخليفة من تحت يده كما كان السَّلْجوقية، فانزعج الخليفةُ وأهلُ البلد، وغلتِ الأسعار، وولى الخليفة نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي نقابة الطَّالبيين، ثم استوزره بعد ذلك، ورتَّب ابن البخاري في نيابة الوزارة، وعزل شمس الدين بن القَصَّاب، فإنه كان ينوب عن أبيه.
وفيها كانت وقعة يعقوب [بن يوسف] (١) مع الفنش أيضًا. قد ذكرنا أنَّه حَشَدَ وجمع جَمْعًا أكثر من الأول، فالتقوا، فهزمه يعقوب، وساق خلفه إلى طُلَيطُلة، وضربها بالمجانيق، وضيَّق عليها، ولم يبق إلا فَتْحُها، فخرجت إليه والدة الفنش وبناتُه ونساؤه وأهلُه، وبَكين بين يديه، وسألْنَه إبقاءَ البلد عليهن، فَرَقَّ لهن، ومَنَ عليهن بها، ووَهَبَ لهن المال والجواهر، ورَدَّهن مكرمات بعد القُدْرة، ولو فتح طُلَيطُلة لفتح إلى مدينة النحاس (٢)، وعاد إلى قرطبة، فأقام شهرًا يقسم الغنائم، وجاءته رُسُل الفنش تسأله الصُّلْح، فصالحه مُدَّة، وأمَّن أهل الأندلس، وقيل: إن هذه الوقعة كانت إحدى وتسعين [وخمس مئة] (١).
стр. 10383
وفيها ظهر بيوصير؛ قرية بصعيد مِصْر [-وهي التي قتل فيها مروان الجعدي-] (١) بيت هرمس الحكيم، وفيه أمثلة كباش وضفادع وقوارير كلها نحاس، وفيه أموات لم تبل ثيابها.
وحجَّ بالنَّاس من بغداد ألب قرا مملوك طاشْتِكِين، وكان الخليفة قد أفرج عن طاشْتِكِين من الحبس في هذه السنة.
وحج بالنَّاس من مِصْر الشَّريف إسماعيل بن ثعلب الجعفري.
وفيها توفي
إبراهيم بن أحمد بن محمد (٢)
أبو طاهر العُكْبَري.
ولد سنة عشر وخمس مئة، [وسمع الحديث] (١)، ورأى في منامه في هذه السَّنة كأنه يقرأ سورة يس، وهي اثنتان وثمانون آية (٣)، ويقال: إنَّ مَنْ قرأها يعيش بعدد آياتها سنين، فمات في صفر، وله اثنتان وثمانون سنة، وكذا يقال: مَنْ قرأ سورة من أول ما نزل القرآن طال عمره، [ومن آخر ما نزل القرآن يقصر عمره، سمع أبا القاسم بن الحصين، وقاضي المارستان، وابن السمرقندي، وغيرهم] (١).
عبد الخالق بن عبد الوهاب بن محمد (٤)
[ويعرف بابن الصابوني] (١)، من أولاد المشايخ، [سمع الحديث ورواه] (١)، وتوفي في شوال ودفن عند معروف [الكرخي] (١)، وقد أناف على ثمانين سنة، [سمع أبا القاسم بن الحصين وطبقته] (١)، وأنشد لأبي الجوائز الواسطي: [من الطويل]
стр. 10384
دعِ النَّاس طُرًّا واصرفِ الودَّ عنهُم … إذا كنتَ في أخلاقهم لا تُسامحُ
ولا تبغِ من دَهْرٍ تكاثَفَ رَنْقُهُ … صفاءَ بنيه فالطِّباع جوامحُ
فشيئان معدومانِ في الأرض: دِرْهَمٌ … حلالٌ وخِلٌّ في الحقيقةِ ناصحُ (١)
عبد الله بن المُظَفَّر (٢)
ابن هبة الله ابن رئيس الرُّؤساء، ويلقب بالأثير، كان فاضلًا، ومن شعره: [من البسيط]
إنْ حاولَ الدَّهْرُ إخفائي فإنَّ له … في حبسيَ الآن سِرًّا سوف يُبْديه
أعدَّني للعُلا ذُخْرًا ومن ذَخَرَتْ … يداه في الدَّهْرِ شيئًا فَهْوَ يُخْفيه (٣)
محمد بن أحمد بن يحيى (٤)
أبو منصور، ويعرف بابن ناقة.
ولد بالكوفة سنة ثلاثين وخمس مئة، واشتغل بالأدب، [وكان أبوه فاضلًا أيضًا] (٥)، ومات [محمد] (٥) ببغداد، وحُمل إلى الكوفة. قال: أنشدني [خالي أبو القاسم علي ابن جدي، قال: أنشدني أبو منصور ابن ناقة، قال: أنشدني] (٥) أبي أحمدُ لنفسه: [من الطويل]
وكم شامتٍ بي إنْ هلكت بزعمه … وجاذب سَيفٍ عند ذِكْرِ وفاتي
ولو عَلِمَ المسكينُ ماذا يُصيبه … من الذُّلِّ بعدي مات قبل مماتي
стр. 10385
محمد بن علي بن أحمد، أبو الفَضْل (١)
مؤيَّد الدين، الوزير ابن القَصَّاب.
أصله من شيراز، قدم بغداد سنة أربع وثمانين وخمس مئة، واستخدم في ديوان الإنشاء، ثم ترقَّى إلى الوزارة، وقرأ الأدب [على أبي السعادات بن الشجري وغيره،] (٢) وكان داهية، رديءَ الاعتقاد [وهو الَّذي أعان ابن عبد القادر على نكبة جدي] (٢)، إلا أَنَّه كان له خِبْرَةٌ بأُمور الحرب، وفَتْحِ البلاد، وكان النَّاصر يُثْني عليه ويقول: لو قبلوا من رأيه ما جرى ما جرى، ولقد أتعب الوزراء بعده.
وكان الخليفةُ قد سلَّم إليه ابنَ يونس أستاذ الدَّار [لما قبض عليه، فسلَّمه ابن القصاب] (٢)، إلى ولده أحمد، ولما خرج عن بغداد كتب إلى ابنه، وهي له: [من المنسرح]
يا خازنَ النَّارِ خُذْ إليك أبا السَّـ … ـائب حِلْفَ الفُضُول والحُمُقِ
ولا تَكِلْهُ إلى زبانيةٍ … يأخُذُهُمْ بالخِداع والمَلَقِ
فلستَ تدري أيّ ابنِ زانيةٍ … عندك ملقًى في القِدِّ والحَلَقِ
وقد ذكرنا وفاته على باب هَمَذَان [وما جرى عليه] (٢)، وقيل: إنَّ رأسه دُفِنَ بالرّي بعد أن طافوا به البلاد، [ومن العجائب أَنَّه] (٣) وصل خبره مع الركابية إلى بغداد يوم الجمعة رابع عشر شعبان، وقد اجتمع على باب ولده شمس الدين أحمد أربابُ الدَّولة ليعبروا إلى تربة الخِلاطية في خِدْمته نيابةً عن أبيه، فجاء خادمٌ من عند الخليفة، فَرَدَّ بابه، وصرف أرباب الدولة [عن بابه] (٢)، ونقل [ابنه] (٢) من دار الوزارة التي تقابل باب النّوبي، وأسكنها ناصر الدين بن مهدي.
стр. 10386
محمد بن علي بن شُعَيب (١)
أبو شجاع، ابن الدَّهَّان، الفرضي، الحاسب، البغدادي.
كان حاسبًا فاضلًا، وصنَّف تاريخًا من سنة عشر وخمس مئة إلى هذه السنة، وكانت وفاته بالحِلَّة السَّيفية، وقَدِمَ الشَّام، ومَدَحَ تاج الدين الكِنْدي، فقال: [من البسيط]
يا زيدُ زادَكَ ربي مِنْ مواهبه … نعماءَ يَقْصُرُ عن إدراكها الأَمَلُ
لا غيَّر الله حالًا قدحَبَاك به … ما دارَ بين النُّحاةِ الحالُ والبَدَلُ
النحو أنتَ أحقُّ العالمين به … أليس باسْمِكَ فيه تُضْرَبُ المُثُلُ
محمد بن علي بن فارس (٢)
أبو الغنائم، ابن المُعَلِّم، الشَّاعر الهرثي، والهُرْث: قريةٌ تحت واسط، كان رقيقَ الشِّعْر، مليحَ المعاني، [أكثر في الغزل، ووصف المحبة والشوق والصبابة، فمالت القلوب إليه،] (٣) ومولده سنة إحدى وخمس مئة، [ومدح الأمراء والرؤساء والأعيان،] (٣) وكانت وفاته في رجب بالهُرْث، وديوانه مشهور [وفَضْله مذكور، وقد أنبأنا بشعره غير واحد، فمن شعره] (٤): [من الرمل]
لو قضى من أهل نَجْدٍ أَرَبَهْ … لم يَهِجْ نَشْرُ الخُزَامى طَرَبَهْ
علِّلوا الصَّبَّ بأنفاسِ الصَّبا … إنَّها تَشْفي النُّفوسَ الوَصِبَهْ
فَهْيَ إنْ مَرَّتْ عليهِ نَشَرَتْ … ما انطوى عنه وجلَّتْ كُرَبَهْ
стр. 10387
كَلَفي فيكُمْ قديمٌ عَهْدُهُ … ما صَبَاباتي بكُمْ مُكْتَسَبَهْ
أين وُرْقُ الجَزْعِ مَنْ لي أَنْ أرى … عُجْمَه إنْ لم أُشاهِدْ عَرَبَهْ
ونَعَمْ ذا بانُ حُزْوى فاسألوا … إنْ شككْتُمْ في عذابي عَذَبَهْ
عن جفوني النَّومُ من بَعَّده … وإلى جِسْمي الضَّنى من قَرَّبَهْ
وَصِلُوا الطَّيفَ إذا لم تَصِلُوا … مُسْتهامًا قد قَطَعْتُمْ سَبَبَهْ
وإلى أن تُحْسِنُوا صُنْعًا بنا … قد أساء الحبُّ فينا أَدَبَهْ
أعشَقُ اللَّوْمَ لحبي ذِكركم … يا لمُرٍّ في الهوى ما أعْذَبَهْ
واكشِفُوا لي سِرَّ ما ألقى بكم … فلقد أَشْكَلَ ما بي واشْتَبَهْ
هَبْكُمُ عذَّبْتُمُ طرفًا جنى … ففؤادي ما جنى مَنْ عَذَّبَهْ
إن يكن مجنون ليلى في الهوى … فأنا التَّنزيه وَهْوَ الشَّبَهْ
ولقد ذبتَ فلو تُكْحل في … مُقْلَةِ الوَسْنان وتْرًا ما انْتَبَهْ
فتجنَّبْ مركبَ البغي به … واتَّقِ الله وخفْ أَنْ تركَبَهْ
وقال: [من الرجز]
تنبَّهي يا عَذَبات الرَّنْدِ … كم ذا الكرى هَبَّ نسيمُ نَجْدِ
مَرَّ على الرَّوْضِ وجاءَ سَحَرًا … يَسْحَبُ ثَوْبي أَرَجٍ ونَدِّ
حتَّى إذا عانقتُ منه نَفْحةً … عادَ سَمُومًا والغرامُ يُعْدي
أُعلِّلُ القلبَ ببانِ رامةٍ … وما يَنُوبُ غُصنٌ عن قَدِّ
وأسألُ الرَّبْعَ ومَنْ لي لو وعى … رَجْعَ الكلامِ أو سخا بِرَدِّ
وأقتضي النَّوْح حماماتِ اللِّوى … هيهاتَ ما عند اللِّوى ما عندي
كم بين خالٍ وجَوٍ وساهرٍ … وواجلٍ وكاتمٍ ومُبْدِي
بانُوا فلا دارُ العقيقِ بَعْدَهُمْ … دارٌ ولا عهدُ اللِّوى بعَهْدِ
هُمْ حمَّلوا ثِقْلَ الفِراقِ والهوى … على فتًى يُضْنيه حَمْلُ البُرْدِ
ليس كما ظنَّ العِدى صبابتي … صبابتي فيهم ووجدي وجدي (١)
стр. 10388
وقال: [من البسيط]
يا نازلين الحِمى رِفْقًا بقلب فتًى … إنْ صاحَ للبَينِ داعٍ باحَ مُضْمَرُهُ
لا تحسِبُوا الصَّدَّ عن عهدي يغيِّرني … غيري ملازمةُ البَلْوى تغَيِّرُهُ
وما ذَكَرْتُكُمُ إلا وهِمْتُ جَوًى … وآفةُ المُبْتلى فيكم تذكُّرُهُ
يزدادُ في مَسْمَعي تكرارُ ذِكْرِكُمُ … طِيبًا ويَحْسُنُ في عيني مكرَّرُهُ
وقال: [من الطويل]
أجيرانَنا إنَّ الدُّموعَ التي جَرَتْ … رِخاصًا على أيدي النَّوى لغوالِ
أقيموا على الوادي ولو عمر ساعةٍ … كلوثِ إزارٍ أو كحلِّ عقالِ
وجُودوا على هذا المعنَّى بنظرةٍ … يعلِّلُ قلبي منكمُ بمحالِ
أذلتُمْ مصوناتِ الدُّموعِ بهَجْرِكُمْ … وحبُّكُمُ في الصَّدْرِ غيرُ مُذَالِ
أضمُّ عليه الرَّاحتين ولو دَرَتْ … يميني به لم تستعنْ بشمالِ
صحبناكُمُ والعُمْرُ غَضٌّ وحبُّنا … جديدٌ ومَيدانُ الصَّبابةِ خالِ
فقد رقَّ جِلْبابُ الشَّبابِ وما الصِّبى … بباقٍ ولا بُرْدُ الغرامِ ببالِ
وحبُّكُمُ حُبٌّ يقومُ بنفسه … ترفَّعَ عن شِبْهٍ له ومِثالِ
حماه حِفاظي أَنْ يلمَّ بخاطري … وأخفاه صوتي أَنْ يدورَ ببالِ
يقرُّ بعيني أَنْ أرى من دياركم … مع الفَجْرِ وَمْضَ البارِقِ المتعالِ
أداوي على بُعْدِ المَزَارِ بذكركُمْ … عقابيلَ داءٍ في الفؤادِ عُضَال
وقال: [من البسيط]
هو الحِمى ومغانيه معانيه … فاجلسْ وعانِ بليلى ما نعانيه
لا تسألِ الرَّكْبَ والحادِي فما سأَلَ الـ … ـعُشَّاقُ قَبْلَكَ عن رَكْبٍ وحادِيهِ
ما في الصِّحاب أخو وَجْدٍ نطارحُهُ … حديثَ وَجْدٍ ولا صَبٌّ نجاريهِ
إليكَ عن كلِّ قَلْبٍ في أماكنه … ساه وعن كل دمع في مآقيه
ما واجِدُ القَلْبِ في المعنى كفاقدِهِ … وجامدُ الدَّمْعِ في البلوى كجارِيهِ
كفى الكثيبُ هوًى عادتْ أواخِرُهُ … على الكثيبِ كما كانت أَوَاليهِ
يجدِّدُ العِشْقَ والأشجانُ تُخْلِقُهُ … وَينْشُرُ الدَّمْعَ والأحزانُ تَطْويهِ
стр. 10389
وقفتُ أشكو اشتياقي والسَّحابُ به … فانهلَّ جَفْني وما انحلَّتْ عَزَاليهِ
فالنَّار ن زَفَراتي لا تُؤَرِّقُهُ … والماءُ من عَبَرَاتي لا غواديه
يُوهي قِوَى جَلَدي من لا أبوحُ به … ويستبيحُ دمي مَنْ لا أُسَمِّيه
استوهبَ البدرُ شَكْلًا من محاسنِهِ … واستهدتِ الشمسُ معنًى من معانيهِ
ينأى وَيقْرُبُ والأيامُ تُبْعده … عن المتيَّمِ والأيامُ تُدْنيهِ
يا مالكًا غير ذُلِّي ليس يُقْنِعُهُ … وفاتكًا غير قَتْلي ليس يُرْضيه
قِسْمًا فما في لساني ما يعاتبه … ضعفًا بلى في فؤادي ما يداريه
أُهْدي السَّلام ليحيا مَنْ قُتِلْتُ به … فميِّتُ الحُبِّ يُحْيِيه مُحَيِّيهِ
محمد بن عبد اللطيف بن محمد (١)
أبو بكر، الصَّدْر الخُجَنْدِي، رئيس أصبهان وابن رئيسها، وبيتُه مشهور بالرياسة والتقدُّم والجاه العظيم.
قدم بغداد سنة ثمانٍ وثمانين وخمس مئة، فأنْعَمَ عليه الخليفة إنعامًا كثيرًا، وقربَّه، وخَلَعَ عليه، واحترمه، وولاه تدريس النِّظامية وأوقافها، فلما خَرَجَ ابنُ القَصَّاب إلى هَمَذَان خرج معه، ودخل معهم أصبهان، وولَّى ابنُ القصاب سُنْقُر الطَّويل أصبهان، وكان ابن الخُجَنْدِي ليس على يده يدٌ، فحسده سُنْقُر على مكانته، وقيل: اتَّهموه بالخوارزمي، فذبحوه.
نَصْر بن علي بن محمد (٢)
أبو طالب، زعيم الدين بن النَّاقد.
ولي حِجْبة الباب، ثم صاحب ديوان، ثم ولي المخزن، وهو الملقب بقَنْبَر، وكان إذا بلغه أَنَّ أحدًا لقبه قنبر يسعى في هلاكه، ودُفِنَ بمشهد باب التِّبْن.
стр. 10390
السنة الثالثة والتسعون وخمس مئة
فيها قدم حسام الدِّين أبو الهيجاء السَّمين بغداد، وخَرَجَ الموكب للقائه في زِيٍّ عظيم، رَتَّب الأطلاب على ترتيب الشَّام، وكان في خِدْمته عِدَّةٌ من الأمراء، منهم ولدا أخيه عز الدين كر والغرس، وأول ما تقدَّم طُلْب كر والغرس، ثم أمير أمير، وجاء هو بعد الكُلِّ في العُدَد الكاملة والسِّلاح التَّام، وخَرَجَ جميعُ من ببغداد للقائه، وكان رأسه صغيرًا، وبطنه كبيرًا جدًّا، بحيث كان على رقبة البغلة، وكان قد رآه عند الحَرْبية رجلٌ كوَّاز، فعمِلَ في ساعته كوزًا من طين، وسبقه فعلَّقه في السُّوق، فلما اجتاز به ضَحِكَ، وعمل بعد ذلك أهل بغداد كيزانًا، وسمُّوها أبا الهيجاء السمين [على صورته] (١)، وأنزله الخليفة بدار العميد غربي بغداد بعد أن عَبَرَ إلى الجانب الشَّرْقي، وقبَّل عَتَبَة باب النوبي، وأكرمه الخليفة، وقام له بالضِّيافات، ثم أمره أن يجرِّد جماعةً من أصحابه مع عسكر الخليفة إلى هَمَذَان، فجرَّد جماعةً، فلما بَعُدوا عن بغداد نهبوا خزانة الخليفة، وقتلوا جماعةً من عسكره، ومَضَوْا إلى المَوْصل والجزيرة، وعاد عسكرُ الخليفة إلى بغداد وقد جُرحوا، فنقله الخليفةُ إلى دارٍ عند النِّظامية بالجانب الشَّرْقي كانت لمجير الدين أبق سُلْطان دمشق، ووكَّل به، ثم خَلَعَ عليه بعد ذلك الجُبَّة والفَرَجية والعِمامة السَّوداء والقَبَاء الأسود، وبين يديه الخيلُ بمراكب الذهب [، وقد شاهدته وأنا صغير في هذه السنة] (١)، وأعطاه الأموال والرِّجال، وسار إلى هَمَذَان.
وفيها انقضتِ الهُدْنة التي كانت بين صلاح الدين والفرنج، فقصدوا بيروت وبها سامة الجِيلي، فهرب واستولى الفرنج عليها، فقال بعضُ الدِّمَشْقيين (٢): [من الخفيف]
سَلِّمِ الحِصْنَ ما عليك ملامَهْ … ما يُلامُ الَّذي يرومُ السَّلامَهْ
إنَّ أَخْذَ الحصونِ لا بقتالٍ … سُنَّةٌ سنَّها ببيروتَ سامَهْ
أبعد الله تاجرًا سَنَّ ذا البـ … ـيع وأخزى بخِزْيه مَنْ سامَهْ
стр. 10391
وحجَّ بالنَاس من بغداد شمس الدين أصبه، ومن الشام سيف الدين محمد بن تميرك.
وفيها توفي
أحمد بن عيسى الهاشمي (١)
من ولد الواثق بالله، ويعرف بابن الغريق، كان شاعرًا فاضلًا أديبًا، ومن شعره: [من الخفيف]
ظهر اللؤم في الأنامِ لهذا … صُنْتُ نفسي عن البريَّة طُرَّا
ورأيتُ الخمولَ أنفسَ شيءٍ … ولزومَ البيوتِ أَوْلى وأحرى
وقال: [من السريع]
لا تَرْجُ مَنْ نِعْمَتُهُ أُحْدِثَتْ … من بَعْدِ إملاقٍ وإعدامِ
فما ترى في وجهه راحةً … هل يُوجد الرِّيُّ من الظَّامي
وقال: [من مخلع البسيط]
لم أكتحلْ في صباح يومٍ … أُريقَ فيه دمُ الحسينِ
إلا لحُزْني فذاك أني … سوَّدْتُ حتَّى بياضَ عَيني
وماتَ في ذي القَعْدة عن ثمانين سنة، ودُفِنَ بباب حَرْب.
الحسن بن علي بن حمزة (٢)
أبو محمد الأقساسي، النَّقيب الطَّاهر، نقيب العلويين ببغداد.
كان فاضلًا أديبًا، قال: نمتُ ليلةً عن صلاتي، فرأيتُ أميرَ المؤمنين عليًّا ﵇ في جامع الكوفة وحوله جماعة، فسلَّمت عليه، فلم يَرُدَّ عليّ، ودفعني بيده من
стр. 10392
الجانب الآخر، ففعل بي كذلك، فخطر لي أَنَّه بسبب نومي عن الصَّلاة، ثم دفعني، وقال: [من البسيط]
لا تأملنْ عَوْدَ الشَّباب ولا … تأمل قُوى بعد ضعفٍ نازحِ البَصَرِ (١)
واحملْ على ظَلْعٍ إن كنتَ ذا أَرَبٍ … فَمُدْلِجُ اللَّيلِ لا يَعْتَلُّ بالسَّحَرِ
صَنْدَل بن عبد الله، عماد الدِّين الخادم المُقْتَفوي (٢)
كان كبير الخَدَمِ وأَعْقَلَهم، وأرسله النَّاصر إلى صلاح الدين مرارًا، وكان كثير الصَّدقات والخير، وولي ناظرًا بواسط، وكانت وفاته في صفر، ودُفِنَ بالتربة التي أنشأها عند جامع بلهيقا؛ غربي بغداد.
طُغتِكِين بن أيوب (٣)
سيف الإسلام، أخو صلاح الدين.
مَلَكَ اليمن من زبيد إلى حَضْرَموت، [وقمع الخوارج] (٤)، وكان شجاعًا شَهْمًا، [وقد ذكرناه] (٤)، وكانت وفاته [في شوال] (٤) بزبيد، وولي بعده ولده شمس الملوك إسماعيل، وادَّعى الخلافة، [وسنذكره] (٤).
طلحة بن مُطفَّر بن غانم (٥)
أبو محمد، الحنبلي العَلْثي، والعَلْث: قرية من أعمال دُجَيل.
стр. 10393
قدم بغداد، وتفقَّه على أبي الفَتْح بن المَنِّي، وعلى أبي الفرج بن الجوزي، وقرأ عليه أكثر مصنَّفاته، وكان ورعًا دَيِّنًا، انقطع قبل وفاته إلى زاويةٍ له بالعَلْث سنين، واشتغل بالعبادة، وسافر إليه النَّاس لطلب الحديث، وتوفي بالعَلْث في ذي الحِجَّة.
عبد الله بن منصور بن عمران (١)
أبو بكر، الباقلاوي [المقرئ] (٢).
ولد سنة خمس مئة، [وقرأ بواسط على أبي العز محمد بن الحسين القلانسي وغيره] (٢)، وانفرد بالرِّواية في القراءات العَشْر [عن القلانسي] (٢)، وقدم بغداد [فقرأ على أبي محمد عبد الله بن علي سبط أبي منصور الخياط وغيره، وكان حسن التلاوة، وكان قدومه إلى بغداد سنة عشرين وخمس مئة وبعدها، وآخر ما قدمها سنة ست وسبعين وخمس مئة] (٢)، وتوفي بواسط سَلْخ ربيع الآخر، ودفن [عند أبيه] (٢) بمقبرة المُصَلَّى، وكان يومًا مشهودًا، ورآه بعضُ الأعيان في المنام، فقال له: ما فعل بك؟ فقال: قد صلَّى عليَّ سبعون ألفًا من الأبدال. [سمع أبا القاسم بن الحُصَين وابن السمرقندي وقاضي المارستان وغيرهم، ولي منه إجازة] (٢).
عبد الرحمن بن علي (٣)
أبو محمد الشَّرابي، بغدادي.
كان زاهدًا، عابدًا، منقطعًا في مسجدٍ على دِجْلة، توفي يوم الفطر، ودفن بباب حرب.
حكى عن أشياخه أَنَّ ابن بَطَّة العُكْبَري اجتاز بالأحنف العُكْبَرِي فقام له، فأنكر ذلك، فقال الأحنف بديهًا: [من الخفيف]
لا تَلُمْني على القيامِ بحقِّي … حين تبدو أن لا أَمَلَّ القِياما
стр. 10394
أنتَ مِنْ أكرم البَرِيَّة عندي … ومن الحقِّ أَنْ أُجِلَّ الكراما
عبد الوهَّاب بن الشيخ عبد القادر الجِيلي (١)
ولد سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة.
وتفقَّه ووعظ، وكان ذكيًّا، ولاه الخليفة المظالم وتربة الخلاطية، وهو أبو الركن عبد السَّلام (٢)، [وكانت مجالس وعظه تمضي في الهزل والمجون] (٣).
قال يومًا في مجلسه: إذا مات العبد، وكان مدمنًا للخمر، نزل القبر وهو سكران، وسأله منكر ونكير وهو سكران، وقام من قبره وهو سكران، ومشى على الصراط وهو سكران، فقال له بعض الحاضرين: يا سيِّدنا، أين يُباع هذا الخمر؟ يساوي كل كوز منه دينار. فضحك سيف الدين عبد الوهَّاب والجماعة.
وقيل: إنَّ هذه الواقعة جرت لابن شاشير الواعظ، [وابن شاشير مات في سبع وست مئة] (٣).
وقيل له يومًا: ما تقول في أهل البيت؟ فقال: قد أعموني، وكان أعمش، [والسائل إنما سأله عن فضل بيت رسول الله ﷺ ، فأجاب عن بيت نفسه. وقيل له: بأي شيء يتبين المحق من المبطل؟ فقال: بليمونة، أراد من يخضب يزول خضابه بليمونة] (٣).
وكانت وفاته في شوال، ودفن بالحلبة. [سمع أباه، وأبا القاسم بن الحصين، وابن السمرقندي، وأبا الوقت وغيرهم] (٣).
عُبيد الله بن يونس بن أحمد (٤)
أبو المُظَفَّر، جلال الدين، الوزير، الحَنْبَلي.
стр. 10395
كان في بداية أمره أحدَ العدول ببغداد، ثم خَدَمَ في ديوان الأبنية، ولما مات أبوه توكَّل لأُم الخليفة، ثم ولي صاحب ديوان، ثم استوزره الخليفة وبعثه إلى طُغْريل، فكسره، وقد ذكرناه، وعا د إلى بغداد، فولاه الخليفة الديوان والمخزن، ثم ولاه أُستاذ دار، ثم عزله.
وكان قد قرأ القرآن وتفقَّه، وكان فاضلًا في الأُصولَين، والحساب، والهندسة، والجبر والمقابلة، غير أَنَّه شان فَضْلَه لَجاجُه ومخالفتُه الأمراء، وأخرب بيت الشيخ عبد القادر، وشتَّت أولاده، ويقال: إنه بعث في الليل مَنْ نَبَشَ الشيخ عبد القادر، ورمى عظامه في اللُّجَّة، وقال: هذا وقف ما يحِلُّ أن يدفن فيه أحد.
ولما اعتقله الخليفة كَتَبَ فتوى بأَنَّه كان سببًا لهزيمة العسكر، وذكر فيها أشياء أُخَر، فأفتَوْا بإباحة دمه، فَسُلِّم إلى أحمد بن الوزير ابن القَصَّاب، فبقي في داره، فلما مات ابنُ القَصَّاب اعتقل في التَّاج، فأُخرج في سابم عشر صفر ميتًا، ودفن بالسِّرداب.
محمد بن صدقة (١) بن علي (٢)
أبو المحاسن، البُوشَنْجي.
ولد سنة سبع عشرة وخمس مئة، واشتغل بالأدب، وبَرَعَ في الفَضْل، وكان يتوزَّر للأمراء، وقال يرثي أزدق بن قماح: [من الطويل]
سقى الله أرضًا ضمَّ أزدق عارضًا … شآبيبه مُنْهَلَّةٌ كنَوَالِهِ
فوالله لا جادَ الزَّمانُ بمِثله … ولا بَرِحَتْ عينُ العُلَى عن خيالِهِ
وقال:
بِتْنا وشعارُنا التُّقى والكرمُ … والشَّمْلُ بساحةِ اللِّقا ملتئمُ
نشكو ونبثُّ ما خباه الأَلَمُ … حتَّى بَسَمَ الصُّبْحُ ولاحَ العَلَمُ
стр. 10396
[وفيها توفي
يحيى بن أسعد (١)
ابن يحيى بن بَوْش، أبو القاسم الخباز، البغدادي.
سمع الكثير، وكان قد افتقر في آخر عمره، فكان يأخذ على التسميع أجرة، جلس ليلة ثالث ذي القعدة يأكل خبزًا، فغضَّ بلقمة، فمات فجأة، سمع قاضي المارَشتان، وأبا العز بن كادش، وأبا سعد بن الطيوري، وأبا طالب بن يوسف، وهو آخر من روى عن أبي طالب، وقد سمعتُ منه الحديث، وكان ثقة] (٢).
السنة الرابعة والتسعون وخمس مئة
فيها ولى الخليفة شمسَ الدِّين أبا الحسن عليَّ بن عبد السيد قضاء الجانب الغربي ببغداد مضافًا إلى الحِسْبة، وعَزَلَ عمادَ الدِّين عبد الله بن الحسين بن الدَّامَغَاني عن قضاء القُضَاة، وولى مكانه أحمد بن علي البخاري، وولى شرف الدِّين أبا القاسم النَّاقد المخزنَ، ومات في الوزارة.
وفيها نَزَلَ الفرنج في المحرَّم على تِبْنين، فأرسل العادل محيي الدِّين بن زكي الدِّين إلى العزيز إلى مِصْر يستنجده، فخرج بجيوشه إلى الشَّام، فوصل ثالث ربيع الأول، وكانوا قد ضايقوا الحِصْن ونقبوه من كلِّ ناحية، وأشرف على الأخذ، وهدُّوه بالمجانيق، [ونقبوه سربًا سربًا] (٢)، وكانوا يستظلون بالأسراب من المطر، وجعلوا النقوب بيوتًا يسكنونها، وكان الفرنج يحدِّثون المُسْلمين من النُّقوب، وكان العادل نازلًا عند هونين، ومعه شيركوه صاحب حِمْص، والأمجد صاحب بَعْلَبَك، وعز الدين ابن المقدَّم، ودُلْدُرُم صاحب تل باشر، وجاءهم العزيز، فساروا جميعًا إلى هُونين، فلو تأخَّروا يومًا أُخذت تبنين، وقُتِلَ كل مَن فيها، وأرسل الله في تلك الليلة مطرًا شديدًا وريحًا عظيمة، وأوقع في قلوب الفرنج
стр. 10397
الرُّعْب وقيل: جاءكم سُلْطان مِصْر والعساكر. فتركوا المجانيق والدَّبَّابات والآلات بحالها، والخيم وما فيها، وهربوا في اللَّيل إلى صور، ثم بعثوا يطلبون الصُّلْح، فصالحهم العزيز على قاعدة صُلْح صلاحِ الدِّين، وخَلَعَ العزيز على المُعَظَّم عيسى بن العادل، وأعطاه سنجقًا ومنشورًا بدمشق، وعاد إلى مِصْر، ومضى العادل إلى ماردين، فحصرها في رمضان، وملك الرَّبَض، ولم يبق سوى القلعة.
وحجَّ بالنَّاس من بغداد أيلبا، ومن الشَّام زين الدين قَرَاجا مملوك صلاح الدين.
وفيها توفي
جُرْديك بن عبد الله النُّوري (١)
كان من أكابر أمراء نور الدين، [ثم خدم صلاح الدين] (٢) في جميع غَزَواته، وهو الَّذي قَتَلَ شاور بمِصْر وابنَ الخَشَّاب بحلب، وكان جَوَادًا، ولاه صلاح الدين القُدْس، ثم أخذه منه الأفضل، [وولاه أبا الهيجاء، وقد ذكرناه] (٢).
حسن بن مُسَلَّم بن أبي الحسن (٣)
أبو علي، الشيخ الزَّاهد، الحَنْبلي، الفارسي: من قريةٍ بنهر عيسى يقال لها الفارسية، كان من الأبدال، لازمًا طريق السَّلَف، أقام أربعين سنة لم يكلِّم أحدًا من النَّاس، وكان صائم الدَّهْر، وقائم اللَّيل، يقرأ كل يوم وليلة ختمة.
[وذكره جدي في صفوة الصفوة، وقال: وكان] (٢) زاهد زمانه، وكانت السِّباع تأوي إلى زاويته، و [كان] (٢) الخليفة وأرباب الدَّولة يمشون إلى زيارته. [وحدثني عنه شيخنا عبد الكريم ابن أخيه، وكان صالحًا، قال: كان عمي الشيخ حسن] (٢) يتمثل دائمًا [بهذا البيت] (٢): [من الطويل]
وما كُنْتُ إلا مثل قابضِ كَفِّه … على الماءِ خانَتْه فروجُ الأصابعِ
стр. 10398
وكانت وفاته يوم عاشوراء، ودُفِنَ في رباطه بالفارسية (١).
قال المصنِّف ﵀: وقد زُرْتُه، وحكى لي جماعةٌ عن مشايخ القرية أَنَّ السِّباع تنامُ طول الليل حول زاويته، وإذا خرج أحدٌ من القرية في الليل إلى نهر عيسى لم تتعرَّض له، وأَنَّ فقيرًا نام في الزَّاوية في ليلةٍ باردة، فاحتلم، فنزل إلى النهر ليغتسل، فجاء السَّبُع فنام على جُبَّته، فكاد الفقير يموت من البَرْد والخوف، فخرج الشيخ حسن، وجاء إلى السَّبُع، وضربه بكُمِّه وقال: يا مبارك، قد قلنا لك: لا تتعرَّض لضيفنا. فقام السَّبُع يهرول.
[سمع قاضي المارستان، وابن الحُصَين، وابن الطيوري، وغيرهم] (٢).
زَنْكي بن مودود (٣)
ابن زَنْكي بن آق سُنْقُر، عماد الدين، صاحب سِنْجار، ابن أخي نور الدِّين، [وقد ذكرناه في السنين، و] (٢) كان عاقلًا جوادًا [وهو الَّذي قايض حلب بسنجار] (٢)، ولم يزل مع [السلطان] (٢) صلاح الدين في غزواته مجاهدًا، وكان ميمونَ النقيبة، وكان صلاح الدين يحترمه مثلما كان يحترم نور الدين، ويعطيه الأموال والهدايا والتُّحَف الكثيرة، ولما توفي صلاح الدين خَرَجَ مع أخيه عِزِّ الدَّين إلى لقاء العادل، ولما عاد عِزُّ الدِّين إلى المَوْصل صالح عمادُ الدين العادلَ، وكانت وفاته بسِنْجار، ولما احتُضر أوصى إلى أكبر أولاده، وهو قُطْب الدين محمد، ويلقب بالملك المنصور.
علي بن جابر بن زهير قاضي البطائح (٤)
قال: أنشدني القاسم بن علي صاحب المقامات لنفسه: [من البسيط]
стр. 10399
لا تَخْطُوَنَّ إلى خِطءٍ ولا خطأ … من بَعْدِ ما الشَّيبُ في فَوْدَيكَ قد وَخَطَا
فأيُّ عُذْرٍ لمن شابَتْ ذوائِبُهُ … إذا سعى في ميادين الصِّبا وخَطَا
علي بن علي بن ناصر (١)
أبو المجد، السيد العلوي [الحنفي] (٢)، مدرِّس الحنفية ببغداد.
ولد سنة خمس عشرة وخمس مئة، [وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وبرع فيه، وأفتى وناظر] (٢)، وكان المستنجد قد حبسه وطالبه بمالٍ، فرأى النبيَّ ﷺ في المنام، فقال له: يا يوسف، استوص بولدي خيرًا، فهو وديعتي عندك. فانتبه [الخليفة] (٢) مرعوبًا، وأحضره وخاطبه، وقال [له] (٢): اجعلني في حِلٍّ، فقد شَفَعَ فيك من لا يمكنني رَدّه. وأحسن إليه [غاية الإحسان، وأكرمه وقربه منه] (٢)، وكانت وفاته في ربيع الأول، ودُفِنَ عند مشهد عبيد الله شرقي بغداد، وكان صالحًا شريفًا على الحقيقة، [سمع ابن الحُصَين، وقاضي المارَسْتان وابن السمرقندي، وغيرهم] (٢).
قيماز بن عبد الله (٣)
مجاهد الدِّين، الخادم الرُّومي (٤)، الحاكم على المَوْصل، وهو الَّذي بنى الجامع المجاهدي والمدرسة، والرِّباط، والمارَسْتان بظاهر المَوْصل على دِجْلة، ووَقَفَ عليهم الأوقاف، وكان عليه رواتب كثيرة بحيث لم يَدَعْ في المَوْصل بيتًا فقيرًا إلا وأغنى أهله، وكان دَيِّنًا صالحًا، عادلًا كريمًا، يتصدَّق كل يوم خارجًا عن الرَّواتب بمئة دينار، وله حكاياتٌ مشهورة.
стр. 10400
ولما مات عِزُّ الدِّين مسعود، وولي ابنُه رسلان شاه حَبَسه وضيَّق عليه وآذاه، فتوفي في الحبس، فأُخرج ملفوفًا في كِساء، فلما وصل إلى باب البلد قال البوابون: قفوا حتَّى نستأذن له، فأُلقي على قارعة الطريق حتَّى أُذِنَ له.
وكان لعِزِّ الدين مسعود جاريةٌ يقال لها أقصرا أَوْلَدها الجهة الأتابكية (١) التي بَنَتْ في قاسيون التُّرْبة والمدرسة، وكانت زوجةَ الملك الأشرف ﵀، وكان عِزُّ الدَّين قد زوَّج أقصرا أم الأتابكية مجاهدَ الدين قيماز.
يحيى بن سعيد (٢)
ابن هبة الله، أبو طالب بن زَبَادة الواسطي، ولد سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، وقَدِمَ بغداد، واشتغل بالأدب، فَبَرَعَ في الإنشاء والكتابة، وانتهت إليه الرياسة فيهما مع تخصُّصه بفنون العلوم، كالفِقْه وعلم الكلام والأُصول والحساب والشِّعْر، جالسَ أبا المنصور ابنَ الجواليقي، وقرأ عليه، وسَمِعَ أبا القاسم بن الصَّباغ وغيره، وولي للخليفة عِدَّة خِدَم: حِجْبة الباب، ثم أستاذية الدار، ثم كتابة الإنشاء في آخر أمره، وكانت وفاتُه في ذي الحجة، ودُفِنَ بمقابر قريش، ومن شعره [من المجتث]:
الوَجْهُ كالبَرْقِ يخفق … حينًا وفي الحال يخفى
فتارةً يتلالا … وتارة يتخفَّى
يظميك طورًا وطورًا … يَسْقيك رِيًّا ورَشْفا
لو كنت في الحب صِرْفًا … سَقَوْك في الحال صرفا
وقال: [من الخفيف]
قد سَلَوْتُ الدُّنيا ولم يَسْلُها مَنْ … عَلِقَتْ بي آمالُه والأراجي
فإذا ما صَرَفْتُ وَجْهيَ عنها … قَذَفُوني في بحرِها العَجَّاجِ
يستضيئونَ بي وأَهْلِكُ وَحْدي … فكأنِّي ذُبالةٌ في سراجِ