[وفيها توفي
يحيى بن أسعد (١)
ابن يحيى بن بَوْش، أبو القاسم الخباز، البغدادي.
سمع الكثير، وكان قد افتقر في آخر عمره، فكان يأخذ على التسميع أجرة، جلس ليلة ثالث ذي القعدة يأكل خبزًا، فغضَّ بلقمة، فمات فجأة، سمع قاضي المارَشتان، وأبا العز بن كادش، وأبا سعد بن الطيوري، وأبا طالب بن يوسف، وهو آخر من روى عن أبي طالب، وقد سمعتُ منه الحديث، وكان ثقة] (٢).
السنة الرابعة والتسعون وخمس مئة
فيها ولى الخليفة شمسَ الدِّين أبا الحسن عليَّ بن عبد السيد قضاء الجانب الغربي ببغداد مضافًا إلى الحِسْبة، وعَزَلَ عمادَ الدِّين عبد الله بن الحسين بن الدَّامَغَاني عن قضاء القُضَاة، وولى مكانه أحمد بن علي البخاري، وولى شرف الدِّين أبا القاسم النَّاقد المخزنَ، ومات في الوزارة.
وفيها نَزَلَ الفرنج في المحرَّم على تِبْنين، فأرسل العادل محيي الدِّين بن زكي الدِّين إلى العزيز إلى مِصْر يستنجده، فخرج بجيوشه إلى الشَّام، فوصل ثالث ربيع الأول، وكانوا قد ضايقوا الحِصْن ونقبوه من كلِّ ناحية، وأشرف على الأخذ، وهدُّوه بالمجانيق، [ونقبوه سربًا سربًا] (٢)، وكانوا يستظلون بالأسراب من المطر، وجعلوا النقوب بيوتًا يسكنونها، وكان الفرنج يحدِّثون المُسْلمين من النُّقوب، وكان العادل نازلًا عند هونين، ومعه شيركوه صاحب حِمْص، والأمجد صاحب بَعْلَبَك، وعز الدين ابن المقدَّم، ودُلْدُرُم صاحب تل باشر، وجاءهم العزيز، فساروا جميعًا إلى هُونين، فلو تأخَّروا يومًا أُخذت تبنين، وقُتِلَ كل مَن فيها، وأرسل الله في تلك الليلة مطرًا شديدًا وريحًا عظيمة، وأوقع في قلوب الفرنج
стр. 10397
الرُّعْب وقيل: جاءكم سُلْطان مِصْر والعساكر. فتركوا المجانيق والدَّبَّابات والآلات بحالها، والخيم وما فيها، وهربوا في اللَّيل إلى صور، ثم بعثوا يطلبون الصُّلْح، فصالحهم العزيز على قاعدة صُلْح صلاحِ الدِّين، وخَلَعَ العزيز على المُعَظَّم عيسى بن العادل، وأعطاه سنجقًا ومنشورًا بدمشق، وعاد إلى مِصْر، ومضى العادل إلى ماردين، فحصرها في رمضان، وملك الرَّبَض، ولم يبق سوى القلعة.
وحجَّ بالنَّاس من بغداد أيلبا، ومن الشَّام زين الدين قَرَاجا مملوك صلاح الدين.
وفيها توفي
جُرْديك بن عبد الله النُّوري (١)
كان من أكابر أمراء نور الدين، [ثم خدم صلاح الدين] (٢) في جميع غَزَواته، وهو الَّذي قَتَلَ شاور بمِصْر وابنَ الخَشَّاب بحلب، وكان جَوَادًا، ولاه صلاح الدين القُدْس، ثم أخذه منه الأفضل، [وولاه أبا الهيجاء، وقد ذكرناه] (٢).
حسن بن مُسَلَّم بن أبي الحسن (٣)
أبو علي، الشيخ الزَّاهد، الحَنْبلي، الفارسي: من قريةٍ بنهر عيسى يقال لها الفارسية، كان من الأبدال، لازمًا طريق السَّلَف، أقام أربعين سنة لم يكلِّم أحدًا من النَّاس، وكان صائم الدَّهْر، وقائم اللَّيل، يقرأ كل يوم وليلة ختمة.
[وذكره جدي في صفوة الصفوة، وقال: وكان] (٢) زاهد زمانه، وكانت السِّباع تأوي إلى زاويته، و [كان] (٢) الخليفة وأرباب الدَّولة يمشون إلى زيارته. [وحدثني عنه شيخنا عبد الكريم ابن أخيه، وكان صالحًا، قال: كان عمي الشيخ حسن] (٢) يتمثل دائمًا [بهذا البيت] (٢): [من الطويل]
وما كُنْتُ إلا مثل قابضِ كَفِّه … على الماءِ خانَتْه فروجُ الأصابعِ
стр. 10398
وكانت وفاته يوم عاشوراء، ودُفِنَ في رباطه بالفارسية (١).
قال المصنِّف ﵀: وقد زُرْتُه، وحكى لي جماعةٌ عن مشايخ القرية أَنَّ السِّباع تنامُ طول الليل حول زاويته، وإذا خرج أحدٌ من القرية في الليل إلى نهر عيسى لم تتعرَّض له، وأَنَّ فقيرًا نام في الزَّاوية في ليلةٍ باردة، فاحتلم، فنزل إلى النهر ليغتسل، فجاء السَّبُع فنام على جُبَّته، فكاد الفقير يموت من البَرْد والخوف، فخرج الشيخ حسن، وجاء إلى السَّبُع، وضربه بكُمِّه وقال: يا مبارك، قد قلنا لك: لا تتعرَّض لضيفنا. فقام السَّبُع يهرول.
[سمع قاضي المارستان، وابن الحُصَين، وابن الطيوري، وغيرهم] (٢).
زَنْكي بن مودود (٣)
ابن زَنْكي بن آق سُنْقُر، عماد الدين، صاحب سِنْجار، ابن أخي نور الدِّين، [وقد ذكرناه في السنين، و] (٢) كان عاقلًا جوادًا [وهو الَّذي قايض حلب بسنجار] (٢)، ولم يزل مع [السلطان] (٢) صلاح الدين في غزواته مجاهدًا، وكان ميمونَ النقيبة، وكان صلاح الدين يحترمه مثلما كان يحترم نور الدين، ويعطيه الأموال والهدايا والتُّحَف الكثيرة، ولما توفي صلاح الدين خَرَجَ مع أخيه عِزِّ الدَّين إلى لقاء العادل، ولما عاد عِزُّ الدِّين إلى المَوْصل صالح عمادُ الدين العادلَ، وكانت وفاته بسِنْجار، ولما احتُضر أوصى إلى أكبر أولاده، وهو قُطْب الدين محمد، ويلقب بالملك المنصور.
علي بن جابر بن زهير قاضي البطائح (٤)
قال: أنشدني القاسم بن علي صاحب المقامات لنفسه: [من البسيط]
стр. 10399
لا تَخْطُوَنَّ إلى خِطءٍ ولا خطأ … من بَعْدِ ما الشَّيبُ في فَوْدَيكَ قد وَخَطَا
فأيُّ عُذْرٍ لمن شابَتْ ذوائِبُهُ … إذا سعى في ميادين الصِّبا وخَطَا
علي بن علي بن ناصر (١)
أبو المجد، السيد العلوي [الحنفي] (٢)، مدرِّس الحنفية ببغداد.
ولد سنة خمس عشرة وخمس مئة، [وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وبرع فيه، وأفتى وناظر] (٢)، وكان المستنجد قد حبسه وطالبه بمالٍ، فرأى النبيَّ ﷺ في المنام، فقال له: يا يوسف، استوص بولدي خيرًا، فهو وديعتي عندك. فانتبه [الخليفة] (٢) مرعوبًا، وأحضره وخاطبه، وقال [له] (٢): اجعلني في حِلٍّ، فقد شَفَعَ فيك من لا يمكنني رَدّه. وأحسن إليه [غاية الإحسان، وأكرمه وقربه منه] (٢)، وكانت وفاته في ربيع الأول، ودُفِنَ عند مشهد عبيد الله شرقي بغداد، وكان صالحًا شريفًا على الحقيقة، [سمع ابن الحُصَين، وقاضي المارَسْتان وابن السمرقندي، وغيرهم] (٢).
قيماز بن عبد الله (٣)
مجاهد الدِّين، الخادم الرُّومي (٤)، الحاكم على المَوْصل، وهو الَّذي بنى الجامع المجاهدي والمدرسة، والرِّباط، والمارَسْتان بظاهر المَوْصل على دِجْلة، ووَقَفَ عليهم الأوقاف، وكان عليه رواتب كثيرة بحيث لم يَدَعْ في المَوْصل بيتًا فقيرًا إلا وأغنى أهله، وكان دَيِّنًا صالحًا، عادلًا كريمًا، يتصدَّق كل يوم خارجًا عن الرَّواتب بمئة دينار، وله حكاياتٌ مشهورة.
стр. 10400
ولما مات عِزُّ الدِّين مسعود، وولي ابنُه رسلان شاه حَبَسه وضيَّق عليه وآذاه، فتوفي في الحبس، فأُخرج ملفوفًا في كِساء، فلما وصل إلى باب البلد قال البوابون: قفوا حتَّى نستأذن له، فأُلقي على قارعة الطريق حتَّى أُذِنَ له.
وكان لعِزِّ الدين مسعود جاريةٌ يقال لها أقصرا أَوْلَدها الجهة الأتابكية (١) التي بَنَتْ في قاسيون التُّرْبة والمدرسة، وكانت زوجةَ الملك الأشرف ﵀، وكان عِزُّ الدَّين قد زوَّج أقصرا أم الأتابكية مجاهدَ الدين قيماز.
يحيى بن سعيد (٢)
ابن هبة الله، أبو طالب بن زَبَادة الواسطي، ولد سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، وقَدِمَ بغداد، واشتغل بالأدب، فَبَرَعَ في الإنشاء والكتابة، وانتهت إليه الرياسة فيهما مع تخصُّصه بفنون العلوم، كالفِقْه وعلم الكلام والأُصول والحساب والشِّعْر، جالسَ أبا المنصور ابنَ الجواليقي، وقرأ عليه، وسَمِعَ أبا القاسم بن الصَّباغ وغيره، وولي للخليفة عِدَّة خِدَم: حِجْبة الباب، ثم أستاذية الدار، ثم كتابة الإنشاء في آخر أمره، وكانت وفاتُه في ذي الحجة، ودُفِنَ بمقابر قريش، ومن شعره [من المجتث]:
الوَجْهُ كالبَرْقِ يخفق … حينًا وفي الحال يخفى
فتارةً يتلالا … وتارة يتخفَّى
يظميك طورًا وطورًا … يَسْقيك رِيًّا ورَشْفا
لو كنت في الحب صِرْفًا … سَقَوْك في الحال صرفا
وقال: [من الخفيف]
قد سَلَوْتُ الدُّنيا ولم يَسْلُها مَنْ … عَلِقَتْ بي آمالُه والأراجي
فإذا ما صَرَفْتُ وَجْهيَ عنها … قَذَفُوني في بحرِها العَجَّاجِ
يستضيئونَ بي وأَهْلِكُ وَحْدي … فكأنِّي ذُبالةٌ في سراجِ
стр. 10401
قلت (١): هذا مقدار ما ذكره المصنِّف ﵀، وقد ذكره قاضي القضاة شمس الدين بن خَلِّكان ﵀ في "وَفَيات الأعيان" فقال: أبو طالب يحيى بن أبي الفرج سعيد بن أبي القاسم هبة الله بن علي بن زبادة الشَّيباني، الكاتب المنشئ، الواسطي الأصل، البغدادي المولد والدَّار والوفاة، الملقب قِوَام الدين، انتهت إليه المعرفة بأمور الكتابة والإنشاء وغير ذلك، وله النَّظْم الجيد، جالسَ ابن الجواليقي، وقرأ عليه وعلى مَنْ بعده، وسمع الحديث من جماعة، وخَدَمَ الدِّيوان من صباه إلى أن توفي عِدَّة خدمات، وكان مليحَ العبارة في الإنشاء، جَيِّدَ الفكرة، حلو التوضيح، لطيف الإشارة، وكان الغالب عليه في رسائله العناية بالمعاني أكثر من طلب التسجيع، وله رسائل بليغة، وشعرٌ رائق، وفَضْله أشهر من أن يذكر.
وتولى النظر بديوان البَصْرة وواسط والحِلَّة، ولم يزل على ذلك إلى أن طُلب من واسط في المحرم سنة خمس وسبعين وخمس مئة، ورتِّب حاجبًا بباب النوبي، وقُلِّد النَّظر في المظالم، ثم عُزِل عن ذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين، فلما قتل أُستاذ الدَّار -وهو مجد الدين أبو الفَضْل هبة الله بن علي بن هبة الله بن محمد بن الحسن المعروف بابن الصاحب، وكان قَتْلُه يوم السبت تاسع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين- ترتَّب ابن زبادة المذكور مكانه، ثم عُزِلَ في سنة خمس وثمانين، وعاد إلى واسط، فأقام بها إلى أن استدعي في شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين، وقُلِّد ديوان الإنشاء في يوم الاثنين الثَّاني والعشرين من شهر رمضان، ثم رُدَّ إليه النظر في ديوان المقاطعات، فكان على ذلك إلى حين وفاته.
وكان حَسَنَ السِّيرة، محمود الطَّريقة، متدينًا، حدَّث بشيءٍ يسير، وكتب النَّاس عنه كثيرًا من نَظْمه ونَثْره، فمن ذلك قوله: [من الخفيف]
باضطِّراب الزَّمان ترتفع الأنـ … ـذالُ فيه حتَّى يعمَّ البلاءُ
وكذا الماء ساكنًا فإذا حُرِّ … ك ثارتْ من قعره الأقذاءُ
стр. 10402
وله أيضًا: [من البسيط]
إني لأعظمُ ما يلقونني جَلَدًا … إذا توسَّطْتُ هولَ الحادثِ النكد
كذلك الشَّمْسُ لا تَزْدَاد قُوَّتها … إلا إذا حَصَلَتْ في زبرة الأَسَدِ
وكتب إلى الإمام المستنجد يهنيه بالعيد: [من البسيط]
يا ماجدًا جلَّ قدرًا أن نهنيه … لنا الهناءُ بظلٍّ منكَ ممدودِ
الدَّهْرُ أنتَ ويوم العيد منك وما … في العرف أنا نُهَنِّي الدَّهْرَ بالعيدِ
وله أيضًا: [من الكامل]
إنْ كنتَ تسعى للسعادة فاستقمْ … تنلِ المرادَ ولو سموتَ إلى السَّما
ألفُ الكتابة وهو بعضُ حروفها … لما استقام على الجميعِ تقدَّما
وقال: [من البسيط]
لا تغبطنَّ وزيرًا للملوك وإنْ … أناله الدَّهْرُ منهم فوق هِمَّتِهِ
واعلمْ بأن له يومًا تمورُ به الـ … أرضُ الوقورُ كما مارت لهيبته
هارون وهو أخو موسى الشقيق له … لولا الوزارةُ لم يأخذ بلحيته
وله كل معنًى مليح، وله ديوانُ رسائل وقفت عليه في بلادنا، ولم يحضرني شيءٌ منه كي أثبته ها هنا.
وقال أبو عبد الله محمد بن سعيد الدّبيثي في "تاريخه": أنشدنا أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله -يعني ابن زبادة المذكور- من حِفْظه، قال: أنشدني أبو بكر أحمد بن محمد الأرَّجاني لما قدم بغداد علينا في سنة ثمانٍ وثلاثين وخمس مئة لنفسه: [من الطويل]
ومقسومةِ العينين من دَهَش النَّوى … وقد راعها بالعيس رَجْعُ حُداءِ
تجيبُ بإحدى مقلتيها تحيتي … وأخرى تراعي أعينَ الرُّقباء
رأت حولها الواشين طافوا فغيضت … لهم دمعها واستعصمتْ بحياءِ
فلمَّا بكت عيني غداةَ وداعهمْ … وقد روَّعتني فرقةُ القُرَناء
بدت في محيَّاها خيالاتُ أدمعي … فغاروا وظنُّوا أنْ بكت لبكائي
стр. 10403
وكَتَبَ إليه أبو الغنائم محمد بن علي المعروف بابن المعلم الهُرْثي الشَّاعر، وقد عُزِلَ عن نظر واسط: [من الكامل]
ولأنتَ إن لم يبللِ الغيثُ الثَّرى … تروي الورى بسماحك الهتَّانِ
لم يعزلوك عن البلاد لحالةٍ … تدعو إلى النقصان والشنآنِ
بل مُذْ رأوا آثارَ جودكَ زاخرًا … حفظوا بلادهمُ مِنَ الطوفان
وحكى الوجيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن سويد التَّاجر التكريتي، قال: كان الشيخ محيي الدين أبو المُظَفَّر يوسف بن الحافظ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي، الواعظ المشهور، قد توجَّه رسولًا من بغداد إلى الملك العادل ابن الملك الكامل ابن الملك العادل بن أيوب سُلْطان مِصْر في ذلك الوقت، وكان أخوه الملك الصَّالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محبوسًا في قلعة الكَرَك يومئذٍ، فلما عاد محيي الدِّين راجعًا إلى بغداد، وقَدِمَ دمشق كنت بها، فدخلت عليه أنا والشيخ أصيل الدين أبو الفَضْل عباس بن عثمان بن نبهان الإرْبلي، وكان رئيس التجار في عَصْره، وجلسنا نتحدَّث معه، فقال: قد حلَّفت الملك النَّاصر داود صاحب الكَرَك أن لا يُخرج الملك الصَّالح من الحبس إلا بأمر أخيه الملك العادل، فقال له الأصيل: يا مولانا، هذا بأمر الدِّيوان العزيز؟ فقال محيي الدِّين: وهل هذا يحتاج إلى إذن؟ هذا اقتضته المصلحة، ولكن أنت تاريخ يا أصيل، فقال -يعني مولانا-: إني قد كبرت، وما أدري ما أقول، وأنا أحكي لمولانا حكاية في هذا المعنى أعرفها من غرائب الحكايات. قال: هاتِ. فقال: كان ابن رئيس الرؤساء ناظر واسط يحمل في كلّ شهر حمل واسط، وهو ثلاثون ألف دينار، لا يمكن أن يتأخر يومًا عن العادة، فتعذَّر في بعض الأشهر كمال الحمل، فضاق صدره لذلك وذكره لنوابه، فقالوا له: يا مولانا، هذا ابن زبادة عليه من الحقوق أضعاف ذلك، ومتى حاسبته قام بما يتم الحمل وزيادة، فاستدعاه وقال له: أنت لم لا تؤدي كما يؤدِّي الناس؟ فقال: أنا معي خط الإمام المستنجد بالمسامحة، قال: فهل معك خط مولانا الإمام النَّاصر؟ قال: لا. قال: قم واحمل ما يجبُ عليك. قال: ما ألتفتُ إلى أحد ولا أحمل شيئًا. ونَهَضَ من المجلس، فقال النواب لابن رئيس الرؤساء: أنت صاحبُ الوسادتين وناظر النظار، ما على يدك يد، ومن هو هذا حتَّى يقابلك بمثل هذا القول؟ ولو كبست داره وأخذت ما فيها ما قال لك أحد شيئًا. وحملوه حتَّى ركب بنفسه وأجناده، وكان ابن زبادة يسكن قبالة
стр. 10404
واسط، وقدَّموا لابن رئيس الرؤساء السفن حتَّى يعبر إليه، وإذ بزَبْزب قد قدم من بغداد، فقال: ما قدم هذا إلا في مهم، ننظر ما هو، ثم نعود إلى ما نحن بسببه، فلما دنا من الزبزب، فإذا فيه خدم من خدام الخليفة، فصاحوا به: الأرض الأرض، فقبَّل الأرض، وناولوه مطالعة، وفيها: قد بعثنا خِلْعة ودواة لابنِ زبادة، فتحمل الخلعة على رأسك والدَّواة على صَدْرك، وتمشي راجلًا إليه، وتلبسه الخلعة، وتجهزه إلينا وزيرًا. فحمل الخِلْعة على رأسه، والدَّواة على صدره، ومشى إليه راجلًا، فلما رآه ابن زبادة أنشده ابن رئيس الرؤساء: [من الطويل]
إذا المرء حيٌّ فهو يُرْجى ويتَّقى … وما يعلمُ الإنسان ما في المغيَّبِ
وأخذ يعتذر إليه، فقال ابن زبادة: لا تثريب عليكم اليوم. وركب في الزَّبزب إلى بغداد، وما علموا أَنَّ أحدًا أُرسلت إليه الوزارة غيره، فلما وصل إلى بغداد أول ما نظر فيه أن عزل ابن رئيس الرؤساء عن نظر واسط، وقال: هذا ما يصلح لهذا المنصب، ثم قال الأصيل: ولا يأمن يا مولانا أن يخرج الملك الصَّالح، ويملك وتعود إليه رسولًا، ويقع وجهك في وجهه، وتستحي منه، فأنشده محيي الدين [من الطويل]:
وحتى يؤوب القارظان كلاهما … وينشرَ في الموتى كليبٌ لوائل
فما كان إلا مديدة حتَّى خرج الملك الصَّالح من حبس الكَرَك، وملك مصر، وكان ما كان.
قال قاضي القضاة ﵀: وكنتُ بمصر ومحيي الدِّين بها رسول إلى العادل، وقُبض العادل، وجاء الصَّالح، فخرج محيي الدين التقاه، وشاهدتُ ذلك.
هكذا ذكر الوجيه هذه الحكاية، وفيها غلط إما من الوجيه أو من الأصيل، فإنَّ ابن زبادة ما ولي الوزارة ولا تولى إلا ما ذكرته في أوائل ترجمته، فإنْ كان هذا صحيحًا فيكون ذلك لما طلب للإنشاء كما شرحته. والله أعلم بالصَّواب.
قال ابن الدبيثي: سألتُ أبا طالب ابن زبادة عن مولده فقال: ولدت في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، وتوفي ليلة الجمعة السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وتسعين وخمس مئة، وصلي عليه بجامع القصر، ودُفِنَ بالجانب الغربي بمشهد الإمام موسى بن جعفر ﵄ ببغداد. انتهى كلام قاضي القضاة، ﵀ (١).
стр. 10405
قلتُ (١): ويحيى بن زبادة هو منشئُ الرِّسالة إلى السُّلْطان صلاح الدين ﵀ تتضمن العَتْب عليه، وقد أثبتها فيما تقدَّم (٢)، وهي من غُرَر الرَّسائل.
أبو الهيجاء السَّمين (٣)
حسام الدين الكُرْدي. قد ذكرنا أَنَّه قَدِمَ بغداد، وبعثه الخليفةُ إلى هَمَذَان، فلم يتمَّ له أمر، واختلف الأمراء عليه، وتفرَّق عنه أصحابه، فخاف من الخُوارَزْمي، واستحيا أن يعود إلى بغداد، فسار يطلب الشام على دَقُوقا، فلما وصل إليها مرض، وأقام بها أيامًا، فتوفي، و [بلغني أنَّه] (٤) كان نازلًا على تل، فقال: ادفنوني فيه، فحفروا له قبرًا على رأس التَّل، فظهرت بلاطةٌ عليها اسم أبيه، فدفنوه عليه.
السنة الخامسة والتسعون وخمس مئة
دخلت هذه السنة والعادل على مارِدِين، وتوفي الملك العزيز في المحرَّم، وكتبت الصَّلاحية إلى الأفضل وهو بصَرْخد ليقدم عليهم، فسار إلى مِصْر، فجعلوه أتابَك ولد العزيز.
قال المصنف ﵀: وفيها وقف خالي محيي الدين أبو محمد يوسف [للخليفة في رجب، ومعه قصة ببستان يقال له دولاب البقل] (٤) يذكر فيها ما نال جَدِّي وأهله من الضُّرّ، وكان نجاح الشرابي بين يدي الخليفة، فجاء، فأخذ الورقة، وقال له [الشرابي] (٤): تعال إلى باب البَدْرية، ووقعوا له بالإفراج عنه، فقَدِمَ جَدِّي بغداد في شعبان، وخُلِعَ عليه، وجلس عند تُرْبة أُمِّ الخليفة، وكانت تتعصَّب له، وساعدت في خلاصه، وأنشد جدِّي للشَّريف الرَّضي: [من السريع]
إن كان لي ذنبٌ ولم آته … فاستأنفِ العَفْوَ وَهَبْ ما مضى
[وهذا الشّعْر للرَّضي الموسوي، وقد ذكرناه في ترجمته] (٤).
стр. 10406
وأنشد أيضًا: [من الوافر]
شَقِينا بالنَّوى زمنًا فلما … تلاقَينا كأنَّا ما شَقِينا
سَخِطْنا عندما جَنَتِ الليالي … فما زالتْ بنا حتى رَضِينا
سَعِدْنا بالوصَال وكم سُقِينا … بكاساتِ الصُّدودِ وكم ضنينا
فَمَنْ لم يحيَ بعدَ الموتِ يومًا … فانَّا بعد ما مُتْنا حَيِينا
[وقد ذكرنا الأبيات] (١).
وفيها استدعى الخليفةُ ضياءَ الدِّين بن الشَّهْرُزُوري إلى بغداد، وولاه القضاء.
وحجَّ بالنَّاس مُظَفَّر الدِّين وجه السَّبُع.
وفيها توفي
الملك العزيز عثمان (٢)
ابن [يوسف] (١) صلاح الدين، صاحب مِصْر، [وقد ذكرنا أنَّه ولد في سنة سبع وستين وخمس مئة] (١)، كان صلاح الدين يحبُّه، وكان جَوَادًا، سَمْحًا، عادلًا مُنْصفًا، لطيفًا كثير الخير، رفيقًا بالرَّعية، حليمًا.
قال المصنف ﵀: حكى لي المبارز سُنْقُر الحلبي ﵀، قال: ضاق ما بيده بمِصْر، فلم يبق بالخزانة دِرْهم ولا دينار، فجاء رجل من أهل الصَّعيد إلى أزكش سيف الدين، فقال: عندي للسُّلْطان عشرة آلاف دينار، ولك ألف دينار، وتوليني قضاء الصَّعيد، فدخل أزكش على العزيز فأخبره، فقال: والله لا بعت دماء المُسْلمين وأموالهم بملك الأرض، وكَتَبَ ورقةً إلى أزكش بألف دينار، وقال: اخرج، فاطرد هذا الدبر، ولولاك لأدَّبته.
وقد ذكرنا أنَّه وَهَبَ دمشق للمعظَّم، وكان يطلق عشرة آلاف دينار وعشرين ألفًا، وكان سببُ وفاته أَنَّه خرج إلى الفيوم يتصيَّد، فَلاحَ له ظبيُّ، فركض خَلْفه [فكبا به
стр. 10407
الفرس، فدخل قربوس السرج في فؤاده، فحمل إلى القاهرة، فمات] (١) في العشرين من المحرَّم، ودُفِنَ عند الشَّافعي -رحمة الله عليه- عن سبعٍ وعشرين سنة وشهور.
وقيل: عن ثمانٍ وعشرين سنة.
وقال ابنُ القادسي: كان قد ركب وتبع غزالة، [فوقع] (١) فاندقت عُنُقه، وبقي أربعة أيام، ومات، ونَصَّ على ولده إنْ أمضى العادل ذلك، وكانت الوصية إلى أميرٍ كبير اسمه أزكش، فوثبتِ الأسديةُ عليه، فقتلوه.
قال المصنِّف ﵀: وهذه من هَنَات ابن القادسي [بقوله: اندقت عنقه] (١)، فإنَّ الملك العزيز ما اندقَّت عنقه، وإنما دخل قربوس السَّرج في فؤاده، وأقام بالقاهرة أسبوعين، ونصَّ على ولده ناصر الدين محمد، وهو أكبر أولاده، وكان له عشرة أولاد، ولم يذكر عمَّه العادل في الوصية. فأما سيف الدين أزكش فكان مقدَّم الأسدية، كبيرَ القَدْرِ فيهم، وعاش بعد العزيز مُدَّة طويلة، [وسنذكره] (١).
ذِكْرُ ما جرى بعد وفاته:
كان لابنه محمد عشر سنين، وكان مقدَّم الصلاحية فخر الدين شركس وأسد الدين سراسُنْقُر وزين الدين قَرَاجا، فاتَّفقوا على ناصرِ الدِّين محمد، وحلَّفوا له الأُمراء، وكان سيف الدين أزكوش مقدَّم الأسدية غائبًا بأسوان، فقدم، فصوَّب رأيهم وما فعلوه، إلا أَنَّه قال: هو صغير السِّنِّ لا ينهض بأعباء الملك، ولا بُدَّ من تدبيرِ كبيرٍ يحسم الموادَّ، ويقيم الأمور، والعادِلُ مشغولٌ في الشَّرْق بمارِدِين، وما ثَمَّ أقرب من الأفضل نجعله أتابك العَسْكر، فلم يمكن الصلاحية مخالفة الأسدية، وقالوا: افعلوا، فكتَبَ أزكش إلى الأفضل يستدعيه وهو بصَرْخَد، وكتبتِ الصَّلاحية إلى مَنْ في دمشق من أصحابهم يقولون: قد اتفقتِ الأسدية على الأفضل، وإن مَلَكَ حكموا علينا، فامنعوه من المجيء. فركب عسكر دمشق ليمنعوه، ففاتهم، وكان الأفضل قد التقى نجَّابًا من شركس إلى مَنْ في دمشق بهذا المعنى، ومعه كُتُبٌ، فأخذها منه وقال: ارجعْ، فرجَعَ إلى مِصْر، ولما وصل الأفضل إلى مِصْر التقاه الأسدية والصَّلاحية، ورأى شركس النجاب، فقال: ما أسرعَ ما عُدْتَ، فأخبره الخبر،
стр. 10408
فساق هو وقَراجا إلى القُدْس، فتحصَّنا به، ثم أشارتِ الأسديةُ على الأفضل بقَصْد دمشق، وأَنَّ العادل مشغول بمارِدِين، فكتب إلى الظَّاهر، فأجابه، وقال: أقدم حتَّى أساعدك.
[ذِكْرُ حصار دمشق:
فقام الأفضل، وسار] (١) بالعساكر إلى الشَّام، واستناب بمِصْر سيف الدين أزكوش، ووصل دمشق في شعبان، فأحدق بها، وبلغ العادل و [هو] (٢) على مارِدِين، وقد أقام عليها عشرة أشهر ولم يبق إلا تسليمُها، وصَعِدَتْ أعلامُه على القلعة، وسمعوا بوفاة العزيز فتوقَّفوا، فرحل العادل [عنها] (٢)، وترك ولده الكامل عليها، وجاء العادل ومعه دُلْدُرُم وابنُ المقدَّم وجماعةٌ من الأمراء، وكان الأفضل نازلًا في الميدان الأخضر، فأشار عليه جماعةٌ من الأمراء أن يتأخر إلى مشهد القدم حتَّى يصل الظاهر وصاحب حِمْص والأمراء، وكانت مكيدةً، فتأخَّر إلى مشهد القدم، ودخل العادل ومَنْ معه إلى دمشق، وجاء الظَّاهر بعسكر حلب، وجاء عسكر حماة وحمص، وبشارة من بانياس، وعسكر الحصون، وسعد الدين مسعود صاحب صفد، وضايقوا البلد، وكسروا باب السَّلامة، وجاء آخرون إلى باب الفراديس -[فيقال: إنَّ الناصح ابن الحنبلي والشهاب وأصحابهما كسروا باب الفراديس] (٢) - وكان العادل في القلعة قد استأمن إليه جماعةٌ من المِصْريين مثل ابن كهدان ومثقال الجمدار الخادم، وبلغه، فركب، وخرج إليهم، وجاء إلى جيرون، والمجد أخو الفقيه عيسى قائمٌ على فرسه يشرب الفُقَّاع، فصاح العادل: يا فَعَلة، يا صَنَعة، إلى ها هنا، فانهزموا وخرجوا، فأغلق باب السَّلامة، وجاء إلى باب الفراديس فوجدهم قد كسروا الأقفال بالمزربَّات، فقال: من فعل هذا؟ قالوا: الحنابلة، فسكتَ، ولم يقل شيئًا.
قال المصنف ﵀: وحكى لي المُعَظَّم عيسى ﵀، قال: لما رجعنا من باب الفراديس، ووصلنا إلى باب مدرسة الحنابلة رُمي على رأس أبي حُبُّ (٣) الزَّيت، فأخطأه، ووقع في رقبة الحصان، فوقع ميتًا، فنزل أبي وركب غيره، ولم ينطق بكلمة.
стр. 10409
وجاء شركس وقراجا في الليل من جبل سُنَير، فدخلا دمشق، وأما المواصلة فساقوا على الكامل، فرحَّلوه من مارِدِين، فجاء يقصد دمشق، وجمع التركمان.
وأما دمشق فإنَّه لما اشتدَّ الحصارُ عليها، وقطعوا أشجارها ومياهها الدَّاخلة إليها انقطعت عن أهلها المِيرة، وضجُّوا، فبعث العادلُ إلى الظَّاهر يقول: أنا أُسلِّم إليك دمشق على أن تكون أنتَ السُّلْطان، وتكون دمشق لك لا للأفضل. فَطَمِعَ الظَّاهر، وأرسل إلى الأفضل يقول: أنت صاحب مِصْر، فآثِرْني بدمشق. فقال: دمشق لي مِنْ أبي، وإنما أُخذت مني غَصْبًا، فلا أُعطيها لأحدٍ.
فوقع الخُلْف بينهما، ووقع التَّقاعد، وخرجت السنةُ على هذا.
ولما مات العزيز كَتَبَ الفاضل إلى العادل يعزيه يقول: أدام الله أيام مولانا الملك العادل، وفَدَتِ النفوس نَفْسَه الكريمة، وأحياه الله حياةً طيبة، يقفُ فيها في المواقف الجسيمة، وينقلب عنها بالأمور السَّالمة والعواقب السَّليمة، ولا نقَّص الله له عَدَدًا ولا عُددًا، ولا أعدمه نَفْسًا ولا ولدًا، ولا كدَّر له مشربًا ولا موردًا، وأعظم أجره في ولده الملك العزيز، رحم الله ذلك الوجه الكريم ونَضَّرَه، وإلى سبل الجَنَّة يَسَّره: [من الكامل]
وإذا محاسنُ وَجْهه بَلِيَتْ … فعفا البلى عن وجهه الحَسَنِ
قال: وكانت مُدَّة مرضه بعد عوده من الفيوم أُسبوعين، فأحزن القَلْب وأَجْرى العين.
قال المصنف ﵀: و [هذا] البيت الشِّعْر من أبيات (١)، أولها: [من البسيط]
إني أَرِقْتُ وذِكْرُ الموتِ أَرَّقني … فقلتُ للدَّمْعِ أَسْعِدْني فأَسْعَدَني
إنِّي أظنُّ البِلَى لوكان يَعْرِفُهُ … عفَّ البِلى عن بقايا وَجْههِ الحَسَنِ
يحيى بن علي بن الفَضْل (٢)
أبو القاسم بن فَضْلان.
стр. 10410
مدرِّس النِّظامية، ولد سنة خمس عشرة وخمس مئة، وتفقَّه على محمد بن يحيى بنيسابور، وقَدِمَ بغداد، فناظر وأفتى ودرَّس، وكان مقطوعَ اليد، وَقَعَ من الجمل، فعملت عليه يدُه، فخِيف عليه، فَقُطِعَتْ يده، وكانت وفاته في شعبان، وحَمَلَ الفقهاء جِنازته إلى الوَرْدِيَّة.
قال المصنف ﵀: أنشدنا عنه غيرُ واحد: [من الكامل]
وإذا أَرَدْتَ منازِلَ الأَشْرافِ … فعليكَ بالإسْعافِ والإنصافِ
وإذا بغى باغٍ عليك فَخَلِّهِ … والدَّهْرَ فَهْوَ له مكافٍ كافِ
يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (١)
أبو يوسف.
الملك المنصور الغازي المجاهد، صاحب المغرب، وهو الَّذي كَسَرَ الفنش على الزلاقة (٢)، ولم يكن في ولاة المغرب من له سيرةٌ كسيرته، ولا طَويَّةٌ كصالح سريرته، وقد أثنى عليه أربابُ السِّيَر، وليس الخُبْرُ كالخَبَر [وذكره عبد المنعم بن عمر في "تاريخه"، وأثنى عليه، وقال] (٣): لما توفي أبوه [يوسف] (٣) قام بالأمر أحسنَ قيام، فأقرَّ العيون بما قرَّر من قواعد الإسلام، ونَشَرَ كلمةَ التوحيد، وأَذَلَّ من الكُفْر كلَّ جبار عنيد، ورَفَعِ راية الجهاد، فتضوَّع باجتهاده كلُّ ناد، وأَمَرَ بالمعروف، ونهى عن المنكر، ونشَرَ نَشْرَةً أذكى من العَنْبر، وضوء كرمه أعلى من ضوء القمر الأنور، وأقام الحدود على العالمين، وخصوصًا على أهله وعشيرته الأقربين، فاستقامتِ الأمور ببركاته، وظهرتِ الفتوح العظيمة بعزماته، وانتشرتِ الخيراتُ بمكرماته.
قال المصنف ﵀: وحكى لي الشيخ [الصالح الفاضل] (٣) أبو العَبَّاس ابن تاميت المغربي اللواتي بالدِّيار المِصْرية [بالقرافة في] (٣) سنة أربعين وست مئة من فضائله الغرائب، وكان قد صحبه زمانًا، وانتفع به، واستفاد منه. قال: وكل ما أحكيه عنه فإنّما
стр. 10411
هو على المشاهدة والعِيان، [لا عن فلان وفلان قال:] (١) فمن ذلك أَنَّه قَدِمَ بلدَه فاس رجلٌ شريفٌ، وكان فاضلًا لطيفًا، وكان يعظ بصوتٍ طيِّب، فجلس بها، فمال النَّاس إليه، وأرادوا أن يبايعوه، وبلغ خبره إلى يعقوب، فكتب إليه كتابًا يقول فيه: قد بلغَنا قدومُك البلاد، ووصولُ بركتك إلى أهلها، ونحن نسألك أن تقدمَ علينا لنأخذ حظَّنا منك كما أخذ أهلُ البلاد حَظَّهم. وبَعَثَ إليه بعشرة آلاف دينار، فخاف الشَّريف، واجتمع إليه أهلُ البلاد، وقالوا: متى وقعتَ في يده قتلك، فأظهرِ العِصْيان، ونحن وأهل الجبال معك. فقال [الشريف:] (١) معاذَ الله أن أكون سببًا لإراقة دَم مُسْلم، ولكني أسير إليه، وأستعينُ بالله عليه، وبلغ يعقوبَ قولُه، فلما قَرُبَ من مَرَّاكُش خرج [يعقوب] (١) فاستقبله، وأنزله معه في قَصْره، وحمل إليه المال والتُّحَف، وجلس، وسَمِعَ كلامه، وكان يجالسه، واتفق عبور يعقوب للقاء الفنش، ومن عادتهم يوم المصافّ أن يصلِّيَ الخليفةُ بالنَّاس الفجر، ويركب وحوله خمسةُ آلاف من القُرَّاء مُلْبِسين الدُّروع، حاملين الأسلحة، فيقرؤون سُبْعًا من القرآن، ويدعو الخليفةُ لا يدعو غيره، وكان له [طبال اسمه حماد مقدَّم الطبالين] (١) وخَلْفه مئةُ كوس، وليس في العسكر من له طَبْلٌ غير الخليفة، فإذا فَرَغَ من الدُّعاء بعد القراءة قال: حماد، فيقول: لبيك، فيقول: اضربِ الطَّبْل. فتدقُّ الكُوسات، وتحمل العساكر، وهاتان الخلتان لا يشارك الخليفةَ فيهما أحدٌ: الدعاء، وقوله: يا حماد اضربِ الطَّبْل، فلما كان في هذا اليوم الَّذي التقى فيه يعقوب بالفنش صلَّى الخليفةُ بالنَّاس، وركب والشريف عن يمينه، ولما فَرَغَ من قراءة السُّبْع التفت [إلى الشريف] (١) وقال: يا شريف، ادعُ الله. فقال: الله الله يا أمير المؤمنين، العفو، هذه وظيفةُ أميرِ المؤمنبن. فقال: لا بُدّ. فما أمكنه مخالفته خوفًا منه، فمدَّ يده ودعا، وعَجِبَ النَّاس، ولما فَرَغَ من الدعاء قال له: يا شريف، قل لحماد يضرب الطَّبل. فقال: العفو يا أمير المؤمنين، فقال: لا بد، [فقال:] (١) يا حماد اضرب الطبل. فضرب وحملوا، ثم التفت إلى الشريف وقال: يا شريف، إنْ كان خطر ببالك أَنَّك تحكم على أهل البلاد، وأطمعك أهلُ فاس والجبال في هذا الأمر، أو رأيتَ منامًا فهو الَّذي رأيت، ما يحصل لك من الخلافة سواه. فنزل، وقَبَّل الأرض، وكسر الله الفنش، وأقام الشريف عنده في
стр. 10412
أرغد عيشٍ إلى أن توفي، [وما ظن أحد أنَّه يَسْلَمُ منه، فلله دَرّ هذه المكارم، لو كان غير يعقوب لفعل بالشريف العظائم.
ومنها ما حكاه لي أبو العباس أيضًا، قال:] (١) كان ليعقوب ابنُ أُخت لم يكن بمرَّاكُش أحسنَ صورةً منه، له ثمان عشرة سنة، فقدم مَرَّاكُش رجلٌ يرقِّص الدُّبَّ ومعه امرأتُه، فرآها ابنُ أُخت يعقوب، فأعْجَبَتْه، فأرسل إليها، فأخذها، فوقف زوجُها ليعقوب وقال: يا أمير المؤمنين إنني رجلٌ غريب، وقد غَصَبني ابنُ أختك وأخَذَ زوجتي. فقال له: اتَّبعني. وجاء إلى قَصْر ابنِ أخته، وقال للرجل: قف ها هنا. ودخل القَصْر، فاستدعى ابنَ أخته، وقال له: لِمَ أخذت زوجة هذا الرجل؟ فأنكر، فدعا بالرجل، وقال له: قد أنكر. فقال: يا أمير المؤمنين، لي كليبة قد رَبَّتها المرأة، تحضر كلَّ امرأة في هذا القصر، وأحضر الكليبة، فهي تعرفها من بين ألف امرأة، فإن وقفتْ عندها وإلا فاقتلني. فقال للرجل: اخرج، وقال لابنِ أخته: لا تبقى في القصر امرأةٌ إلا تخرج. فأخرج النِّساء، وخرجت المرأة بينهن وقد غيَّر زِيِّها، وأَلْبسها الحُلِي والجواهر والثِّياب الفاخرة، وأطلق الكُليبة، فجاءت، فوقفت عندها، فاستدعى الرجل، فقال له: خُذْ زوجتك بما عليها. ثم التفتَ إلى ابنِ أخته، وقال له: قَصْرُك مملوءٌ بالجواري المُسْتحسنات، وأنت تمدُّ عينك إلى امرأةِ رجلٍ غريب جاء من بلادٍ بعيدة تأخذها غَصْبًا منه؟! ثم قال لغِلْمانه: أعطوه الرِّماح. وهذه قتلة المغاربة. فخرجت أمه حاسرةً، فبكت بين يديه، وقالت: ما لي غيره، فقال: والله لأهذبنَّ به ملوك المغرب وغيرهم. وقَتَلَه.
[ومنها ما حكاه لي أبو العباس أيضًا، قال: (١)] اشْتَهَرَتْ امرأةٌ بالزُّهْد، وأنها ما تأكل الخبز، فبعثَ إليها يعقوب وقال: أقيمي عندي في القَصْر أيامًا لأتبارك بكِ. فأقامت عنده مُدَّة، فدخلت بعضُ جواريه إلى السِّقاية يومًا فرأتِ الزَّاهدة تأكل الخبز في بيت الماء، فبهتت، وجاءت إليه، فأخبرته، فقال لها: والله لئن سمع هذا غيري منك لأقتلنَّك. ثم بحث عن ذلك، فوجده صحيحًا، فأرسل إلى الزَّاهدة خمس مئة دينار وثيابًا وقال لها: قد حصلنا على البركة بمقامك عندنا، وقد سألني بنو عمِّي أَنْ تقيمي عندهم في قَصْرهم مثلما أقمتِ عندنا لتصل إليهم بركتك. فانتقلتْ إليهم، ولم يُظْهر أمرَ المرأة.
стр. 10413
[قال:] (١) وكان جوادًا سمحًا، يهب مئة ألف دينار وخمسين ألفًا، ويتفقد أربابَ البيوت، ويكرم العلماء والفقهاء، ولم يُسمع منه كلمةُ فحش، وكان عادلًا متمسِّكًا بالشرع، يصلِّي بالنَّاس الصَّلوات الخمس، ويَلْبَس الصُّوف على جسده، ويقف للمرأة والضَّعيف، ويأخذ لهم الحق، وفيه يقول الشَّاعر: [من الكامل]
أَهْلٌ لأنْ يُسعى إليه ويُرْتجى … ويزَارُ مِنْ أقصى البلادِ على الوَجَا
مَلِك غدا بالمَكْرُماتِ مُقَلَّدًا … وموشَّحًا ومختَّمًا ومتوَّجا
عُمِرَتْ مقاماتُ الملوك بذكره … وتعطَّرَتْ منه الرِّياح تأَرُّجا
من أبيات.
[قلت:] (١) وهو الَّذي راسله صلاح الدين بشمس الدين ابن منقذ يستنجد به سنة سبعٍ وثمانين [وخمس مئة] (١)، ومدحه ابن منقذ بهذه الأبيات: [من الطويل]
سأشكر بحرًا ذا عُبابٍ قَطَعْتُهُ … إلى بَحْرِ جُوْدٍ ما لنعماه ساحِلُ
إلى مَعْدِنِ التَّقوى إلى كعبة الهدى … إلى مَنْ سَمَتْ بالذِّكْرِ منه الأوائلُ
إليك أميرَ المؤمنين ولم تَزَل … إلى بابك المأمول تُزْجى الرَّواحِلُ
قطعتُ إليك البر والبحر موقنًا … بأن نَدَاك الغَمْرَ بالنُّجْحِ كافِلُ
رجوتُ بقَصْدِيك العُلا فبلغتُها … وأدنى عطاياك العُلا والفضائِلُ
فلا زِلْتَ للعَلْياء والجُود بانيًا … تبلِّغُك الآمال ما أنت آمِلُ
من أبيات.
فأعطاه لكلِّ بيتٍ ألفَ دينار، وقال: ما أعطيك هذا لأجل صاحبك، فإنَّه خاطَبَنا بما لم يخاطِبْنا به أحد، وإنما أعطيناك لفَضْلك وبَيتك، والحمد لله الَّذي وفق الفنش ملك الفرنج ما لم يهد إليه صاحبك، ولو خاطَبَنا بما يليق بنا لأنجدناه برًّا وبحرًا، وقد وكلناه إلى من خاطبه بما هو أليق بنا منه.
ومعناه أَنَّ صلاح الدين خاطبه بأمير المسلمين، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين.
стр. 10414
ذِكْرُ وفاته:
قال علماء السِّير: مَرِضَ يعقوب مرضًا أشفَى منه على الوفاة، فاوصى إلى ولده أبي عبد الله محمد، وأن لا يخفوا موته، وأن يصلِّيَ عليه المسلمون، ويدفن على قارعة الطريق ليترحَّم عليه من يمرُّ به. وتوفي في ربيع الأول، فكانت مُدَّة أيامه خمس عشرة سنة، وبايع الناس ولدَه محمدًا، واستمرَّ على سيرة أبيه، ثم اختلفتِ الأهواء، ودخل النَّقص على البيت بموت يعقوب، رحمه الله تعالى.
قال المصنف ﵀: وعَهدِي بالشَّيخ أبي العَبَّاس ابن تاميت باقيًا في سنة أربعين وست مئة، وبلغني أنَّه توفي سنة ثلاثٍ وخمسين وست مئة بالقرافة بمِصْر وقد جاوز المئة سنة، وجرى بيني وبينه مذاكرة في القرافة سنة ثلاث وأربعين [وست مئة] (١) في تارك الصَّلاة، وما حكمه؟ فقال: أنشدني ابن الرمامة واسمه محمد بن جعفر القيسي الحافظ، قال: أنشدني أبو الفَضْل طاهر النَّحْوي لنفسه هذه الأبيات: [من الكامل]
في حُكْمِ مَنْ تَرَك الصَّلاة وحُكْمُهُ … إنْ لَمْ يقرَّ بها كحكْمِ الكافر
فإذا أقرَّ بها وجانَبَ فِعْلَها … فالحُكْمُ فيهِ للحُسام الباترِ
وبه يقولُ الشَّافعي ومالكٌ … والحَنْبَليُّ تَمَسُّكًا بالظَّاهرِ
وأبو حنيفةَ لا يقول بقَتْلِهِ … ويقول بالضَّرْب الشَّديد الزَّاجرِ
هذي أقاويلُ الأئمةِ كلِّهم … وأَجلُّها ما قُلْتُه في الآخِرِ
المُسْلمون دماؤهم معصومةٌ … حتَّى تراقَ بمستنيرٍ باهرِ
مثل الزِّنا والقَتْل في شَرْطَيهما … وانظرْ إلى ذاكَ الحديثِ السَّائرِ
معنى قوله في أول الأبيات: تمسّكًا بالظاهر، يعني قوله ﷺ : "بين العَبْد والكُفْر تَرْكُ الصَّلاة" (٢).
стр. 10415
ومعنى قوله: في الآخر: "لا يحلُّ دمُ امرئٍ مُسْلم إلا بإحدى ثلاث". الحديث (١).
قلت (٢): وذكر قاضي القضاة شمس الدين بن خَلِّكان ﵀ يعقوب المذكور في "وَفَيات الأعيان" (٣) فقال: يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي، صاحب بلاد المغرب.
كان صافي السُّمْرة جدًّا، أَفْوَهَ، أَعْيَنَ، شديد الكحل، ضخم الأعضاء، جَهْوَرِيَّ الصوت، جَزْلَ الألفاظ، من أصدق النَّاس لهجةً، وأحسنهم حديثًا، وأكثرهم إصابة بالظَّنِّ، مجرِّبًا للأمور، ولي وزارة أبيه، فبحث عن الأحوال بحثًا شافيًا، وطالع مقاصد العمال والولاة وغيرهم مطالعةً أفادته معرفة جزئيات الأُمور.
ولما ولي قام بالأمر أحسنَ قيام، وهو الَّذي أظهر أُبَّهة ملكهم، ورفع راية الجهاد، ونَصَبَ ميزان العَدْل، وبسط أحكام النَّاس على حقيقة الشَّرْع، ونظر في أمور الدِّين والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام الحدود حتَّى في أهله وعشيرته، فاستقامتِ الأحوال، وعَظُمَتِ الفتوحات.
وبنى بالقرب من مدينة سلا مدينة عظيمة سماها رباط الفَتْح على هيئة الإسكندرية في اتِّساع الشوارع، وحُسْن التقسيم، وإتقانِ البناء، وتحسينه وتجصيصه، وبناها على البحر المحيط الَّذي هناك، وهي على نهر سلا مقابلةً لها من البَرِّ القِبْلي.
واختلفتِ الرِّوايات في أمره، فمن النَّاس من يقول: إنَّه ترك ما كان فيه، وتجرَّد، وساح في الأرض حتَّى انتهى إلى بلاد الشَّرْق وهو مستخفٍ لا يُعرف، ومات خاملًا. ومنهم من يقول: إنه مات في غُرَّة جُمادى الأولى، وقيل: في شهر ربيع الآخر في سابع عشره، وقيل: في غُرَّة صفر سنة خمسٍ وتسعين وخمس مئة بمرَّاكُش. وقيل: إنَّه مات بمدينة سلا، وكانت ولادته ليلة الأربعاء رابع شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وخمس مئة.
стр. 10416
قال قاضي القضاة: ثم حكى لي جَمْعٌ كبير بدمشق في شهور سنة ثمانين وست مئة أن بالقرب من المجدل البليدة التي من أعمال البقاع العزيزي قرية يقال لها: حَمَّارة، وإلى جانبها مشهد يعرف بقبر الأمير يعقوب ملك المغرب، وكلُّ أهل تلك النَّواحي متفقون على ذلك، وليس عندهم فيه خلاف.
وكان الأمير يعقوب يشدِّد في إلزام الرَّعية بإقامة الصَّلوات الخمس، وقتل في بعضِ الأحيان على شرب الخمر، وقتل العمال الذين تشكو الرَّعايا منهم، وأمر برفض فروع الفِقْه، وأنَّ العلماء لا يفتون إلا بالكتاب والسُّنَّة، ولا يقلِّدون أحدًا من الأئمة، بل تكون أحكامهم بما يؤدِّي إليه اجتهادهم.
وكان قد عَظُمَ مُلْكه، واتَسعت دائرةُ سَلْطنته حتَّى إنَّه لم يبق بجميعِ أقطار بلاد المغرب من البحر المحيط إلى برقة إلا مَنْ هو في طاعته، إلى غير ذلك من جزيرة الأندلس.
وكان من شعراء دولته أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحمن بن مُجبر الأندلسي المرسي، فمن قوله: [من المديد]
أتراه يتركُ الغَزَلا … وعليه شَبَّ واكتهلا
كَلِفٌ بالغِيد ما علقتْ … نَفْسُه السلوانَ مُذْ عقلا
غير راضٍ عن سجية مَنْ … ذاق طَعْمَ الحب ثُمَّ سلا
أيها اللُّوَّام ويحكُمُ … إنَّ لي عن لومكم شُغُلا
ثَقُلَتْ عن لومكم أُذُن … لم يجد فيها الهوى ثِقَلا
تسمعُ النَّجوى وإن خفيتْ … وهي ليست تسمع العذلا
نظرتْ عيني لشِقْوَتها … نظراتٍ وافقتْ أجلا
غادةً لما مثلتُ لها … تركتني في الهوى مثلًا
هي بزَّتني الشباب فقد … صار في أجفانها كحلا
أبطل الحقَّ الَّذي بيدي … سِحْرُ عينيها وما بطلا
عرضتْ دلًّا فإذ فطنتْ … بولوعي أعرضتْ خجلا
стр. 10417
وبدا لي أنها وجلت … من هَنَاتٍ تبعث الوَجَلا
حسبتْ أني سأحرقها … إذْ رأت رأسي قد اشتعلا
يا سراةَ الحيّ مثلكمُ … يتلافى الحادثَ الجللا
قد نزلنا في جواركُمُ … فشكرنا ذلك النُّزلا
ثم واجهنا ظباءكمُ … فلقينا الهول والوهلا
أضمنتم أَمْنَ جيرتكمْ … ثُمَّ ما آمنتم السبلا
وأردتم غَصْبَ أنفسهم … فبثثتم بينها المُقَلا
ليتنا خضنا السيوف ولم … نلقَ تلك الأعين النجلا
عارضتنا منكم فئة … أحدثتْ في عهدنا دَخَلا
ثُعَلِيَّاتٌ جفونُهُم … وهُمُ لم يعرفوا ثُعَلا
أشرعوا الأعطاف ناعمة … حين أشرعنا القنا الذبلا
واستفزتنا عيونهم … فَخَلَعْنا البَيضَ والأسلا
ورمتنا بالسهام فلم … نَرَ إلا الحلي والحللا
نُصروا بالحُسْن فانتهبوا … كل قلب بالهوى جذلا
عطلتني الغيدُ من جَلَدي … وأنا حليتها الغزلا
حملت نفسي على فتن … سُمتها صبرًا فما احتملا
ثم قالت سوف نتركها … سلبًا للحب أو نَفَلا
قلت أمَّا وَهْيَ قد علقت … بأميرِ المؤمنين فلا
ما عدا تأميلها ملكًا … من رآه أدرك الأملا
أودع الإحسانُ صفحته … ماء بشر ينقع الغُللا
فإذا ما الجودُ حرَّكه … فاض في يمناه فانهملا
وهي قصيدة طويلة، عددُ أبياتها مئة وسبعة أبيات.
ودخل إبراهيم بن يعقوب الشَّاعر، فأنشده: [من الوافر]
أزال حجابه عني وعَيْني … تراه من المهابة في حجابِ
وقرَّبني تفضُّله ولكنْ … بعدتُ مهابةً عند اقترابي
стр. 10418
السنة السادسة والتسعون وخمس مئة
[وفيها كان ابتداء جلوسي عند قبر الإمام أحمد بن حنبل في يوم الأربعاء، ويجتمع خلق عظيم، وتهب على تلك المجالس من القبول نسيم، ويعرف فيها نضرة النعيم، ويصحبها كل بارد من الطيب وكل تكريم، وسلام قولًا من ربٍ رحيم] (١).
ودخلت هذه السنة والحصار على دمشق، وكان أتابك رسلان شاه صاحب المَوْصل قد رحَّل الملك الكامل من مارِدِين، فقَدِمَ دمشق ومعه خَلْقٌ كثيرٌ من التركمان، وعسكر حَرَّان والرُّها، فتأخر الأفضل بالعساكر إلى عقبة شحورا سابع عشر صفر، ووصل الكامل تاسع عشره، فنزل بجوسق أبيه على الشَّرف، ورحل الأفضل إلى مرج الصُّفَّر، ورحل الظَّاهر إلى حلب، وأحرقوا ما عجزوا عن حَمْله، وسار الأفضل إلى مِصْر، وأحضر العادل بني الحنبلي النَّاصح وأخاه شهاب الدين وغيرهما، وكان الأفضل قد وعد النَّاصح بقضاء دمشق، والشِّهاب بالحِسْبة، فقال لهم العادل: ما الَّذي دعاكم إلى كَسْرِ باب الفراديس ومظاهرةِ أعدائي علي وسَفْك دمي؟ فقال له النَّاصح: أخطأنا، وما ثَمَّ إلا عفو السُّلْطان. فقال العادل: فما بدا مني إليكم ما يوجب ذلك، ولولا أَنْ يقال عني: إنني شنقتُ فقيهًا لما أبقيتُ منكم أحدًا، ولكنَّ البلد لكم فهبوه لي. فأخرجهم إلى حلب.
ثم [جرت بعد هذا واقعة عجيبة،] (١) شُفِعَ في الشِّهاب بعد ذلك إلى العادل فردَّه، وكان يذكر الدرس بعد ذلك في حَلْقة الحنابلة، ويأخذ مغل الوقف، وكان في الحنابلة رجل يقال له: نصر المِصْري يخدم الشيخ العماد، فأقام الشِّهاب سنين لا يعطيهم شيئًا، فاستغاثوا إلى العادل وهو في دار العَدْل، وكان [الملك الأشرف والمعظم] (١) أولاد العادل وقوفًا في الخِدْمة، فقال نصر: يا سُلْطان المُسْلمين، هذا الرَّجل للوقف معه مُدَّة يأكله، ولا يوصل إلينا شيئًا! وكان ذلك في حدود سنة عشر وست مئة. فقال العادل: كم له معه سنة؟ فقال نصر: مِنْ كَسْرِ باب الفراديس. فقال الملك الأشرف: ذا تاريخ مشؤوم. فضحك العادل والجماعة.
стр. 10419
وأما الأفضل، فإنَّه لما سار إلى مِصْر أرسل العادل وراءه أبا محمد نجيب الدِّين عَدْل الزَّبداني يقول له: ترفَّقْ، فإنَّا لك مثل الوالد، وعندي كل ماتريد. فقال للعدل: قل له: إن صَحَّ ما قلتَ فأبعدْ عنك أعدائي الصَّلاحية. وبَلَغَ الصَّلاحية، فقالوا للعادل: أيش قعودنا؟ قُمْ بنا. وساروا خَلْفَ الأفضل مرحلة مرحلة، فنزل الأفضل بِلْبِيس، ونزل العادل السَّانح، فرجع الأفضل، وضَرَبَ معهم المصافَّ، فكسروه، وتفرَّق عنه أصحابه، ودخل القاهرة، وأغلق أبوابها، وجاء العادل، فنؤل البِرْكة، ودخل سيف الدين أزكش بين العادل والأفضل، واتفقوا [على] (١) أن يعطيه العادل ميَّافارِقِين وجبل جور ودياربكر، ويأخذ منه مِصْر، ورحل الأفضل مِن مِصْر في ربيع الآخر، ودخل العادل القاهرة، وأحسن إلى أزكش، وقال للأَفْضل: جميع مَنْ معك كاتبني إلا سيف الدين، وقدَّم العادل أزكش، وحكَّمه في البلاد، ورَدَّ القضاء إلى صَدْر الدين عبد الملك بن دِرْباس الكُرْدي، وولَّى شيخ الشيوخ ابن حموية التدريس بالشَّافعي ومشهد الحسين، والنَّظر في خانكاه الصُّوفية، وجلس الوزير صفي الدين عبد الله بن علي بن شُكْر [وزير العادل] (١) في دار السَّلْطنة في حجرة الفاضل، ونَظَرَ في الدَّواوين، [قال العماد: وأخذ القوس باريها، وأجرى الأمور على أحسن مجاريها] (١).
وسار الأفضل إلى مَيَّافارقين، واستدعى العادل ولده [محمد] (١) الكامل إلى مِصْر، فخرج من دمشق في ثالث وعشرين شعبان، وودَّعه أخوه المعظَّم عيسى إلى رأس الماء.
قال العماد: وسرت معه إلى مصر، وأنشدته: [من البسيط]
دَعَتْكَ مِصْرُ إلى سُلْطانها فأَجِبْ … دُعاءها فهو حقٌّ غيرُ مكذوبِ
قد كاد يَهْضِمُني دَهْرِي فأدركني … محمدُ بنُ أبي بكر بن أبيوبِ
ووصل الكامل إلى مِصْر في عاشر رمضان، والتقاه العادل من العَبَّاسة، وأنزله في دار الوزارة، وكان قد زوَّجه بنتَ أخيه صلاح الدين، فدخل بها، ولم يقطع العادل
стр. 10420
الخُطْبة لولد العزيز، ثم إنَّه جمع الفقهاء وقال: هل تجوز ولاية الصَّغير على الكبير؟ فقالوا: الصغير مولَّى عليه. قال: هل يجوز للكبير أن ينوبَ عن الصَّغير؟ قالوا: لا، لأن الولاية من الأصل إذا كانت غير صحيحة فكيف تصح النِّيابة؟ فقطع خُطْبة ابن العزيز، وخَطَبَ لنفسه ولولده الكامل من بعده.
ونقص النيل في هذه السنة، فلم يبلغ ثلاثة عشر ذراعًا، ووقع الغلاء والوباء.
وحج بالنَّاس من العراق آق سُنْقُر وجه السبع، ومن الشام سامة الجِيلي.
وفيها توفي
تُكُش بن رسلان شاه (١)
علاء الدِّين، خوارزم شاه، مِنْ ولد طاهر بن الحسين.
كان شجاعًا جَوَادًا، ملك الدُّنيا من الصِّين (٢) والهند وما وراء النهر إلى خُرَاسان إلى باب بغداد، وكان نوابه في حُلْوان، وكان ديوانه مئة ألف مقاتل، وهو الَّذي كسر مملوكُه ميالجق عسكرَ الخليفة، وأزال دولة بني سَلْجوق، وكان حاذقًا بعلم الموسيقى، لم يكن في زمانه ألعب منه بالعود.
وحُكِيَ أنَّ الباطنية جَهَّزوا إليه رجلًا ليقتله، وكان يحترس كثيرًا، فجلس ليلةً يلعب بالعود، وشرَّع الخيمة، فأتَّفق أَنَّه غنَّى بيتًا بالعجمية وفيه ميبنم، ومعناه: قد أبصرتك. فخاف الباطني منه، وارتعد وهَرَبَ، فأُخذ، وحُمِلَ إليه، فقرَّره، فأقرَّ، فقتله.
وكان يباشر الحروب بنفسه حتَّى ذَهَبَتْ إحدى عينيه في الحرب، وكان يقول: الملك إذا لم يباشرِ الحربَ بنفسه لا يَصْلُحُ للمُلْك؛ لأَنَّه يكون مِثْلَ المرأة.
стр. 10421
وكان قد عَزَمَ على قَصْدِ بغداد، وجمع وحَشَدَ، فوصل إلى دِهِسْتان، فتوفي بها في رمضان، فَحُمِلَ في تابوت إلى خُوارَزْم، فدُفِنَ عند أهله، وقام ولده محمدٌ مقامه.
عبد الرحيم بن علي بن الحسن (١)
أبو علي، [البَيْساني الكاتب] (٢)، القاضي الفاضل، ولد ببيسان في سنة تسعٍ وعشرين وخمس مئة، ونشأ بمِصْر، واشتغل بعِلْم الأدب والرسائل، فَبَرَعَ فيه، وصار أوحدَ زمانه في فَنِّه، وكان صلاحُ الدِّين يقول في ملأ من النَّاس: لا تظنُوا أني ملكتُ البلادَ بسيوفكم، بل بقلم الفاضل. [وكان يستشيره في أموره، وقد ذكرنا طرفًا من ذلك] (٢)، وكان كثيرَ العبادة، تاليًا للقرآن، وقد استعان بآياتِ الكتاب العزيز في كثيرٍ من رسائله، ورسائله عشر مجلَّدات.
ومن كتابٍ كَتَبَه إلى الخليفة النَّاصر يطلب منه العهد بالسَّلْطنة: فإنْ أَنْعَمَ الدِّيوان بما طلبناه وقلَّدناه، وإلا تقلدناه بما تقلَّدناه.
وسمع قائلًا ينشد: [من المتقارب]
لقد ضاعَ شِعْري على بابكُمْ … كما ضاع دُرٌّ على خالِصَهْ
فقال: لو قُلِعَتْ عينا هذا البيت لأبصر.
ومن شعره: [من الطويل]
تقدَّمْ إلى هذا السَّحابِ فإنَّه … أخوك بأن تنأى مطارِفُهُ عنّا
فلو لم يُصِبْنا منه صيِّبُ قَطْره … لجادَ علينا من يمينكَ ما أغنى
[وسمع قائلَّا يَقول: إن المداد خَلُوق ثوب الكاتب، فقال: الكاتب النحس] (٢).
стр. 10422
وكان [الفاضل] (١) ممدَّحًا، [قال العماد] (١): مُدح بمئة ألف بيت من الشِّعْر، وكان منجذبًا عن النَّاس، إذا سلَّم عليه من لا يعرفه آذاه، وإذا التقاه إنسان ولم يُسَلِّم عليه أغناه.
ذِكْرُ وفاته:
لما تيقَّن استيلاء العادل على القاهرة دعا على نفسه بالموت خوفًا من ابن شُكْر [وزير العادل] (١)، فإنه كانت بينه وبينه وَحْشة، فخاف أن يستدعيه ويهينه، فقام تلك الليلة يبكي ويتضرع [ويصلي] (١)، فأصبح مَيتًا، [وحكي عن] (٢) الملك المحسن بن صلاح الدين: اتَّفق يوم وفاة الفاضل يوم دخول العادل إلى القاهرة، دخل مِنْ باب النَّصْر، وخرجنا بجِنازته من باب زويلة.
وقال العماد الكاتب في حوادث سنة ست وتسعين وخمس مئة: وفيها تمَّت الرَّزِيَّة الكبرى والنكبة العُظْمى بانتقالِ الفاضل من دار الفناء إلى دار البقاء، وذلك في سادس ربيع الآخر يوم الثلاثاء، وكان فيه مصافّ الأفضل يوم الكسرة، ومصاب الفاضل يوم الحسرة، وكان قد باتَ صحيحًا من الأسقام، فقال لغلامه: رَتِّبْ حوائجَ الحَمَّام، ولم يعلم بقُرْب الحِمَام، فأصبح وقد قضى سعيدًا، ومضى حميدًا، وله بسيِّد المُسْلمين أُسوة، وهو وإن عَرِيَ عن رداء العمر فله من حُلَل البقاء في عِلّيين أفخر كُسْوة، ولم يُبْقِ في مُدَّة حياته عملًا صالحًا إلا قدَّمه، ولا عَقْدًا في أبواب البِرِّ إلا أَحْكَمَه، فإنَّ صنائعه قلائد في الرِّقاب، وأوقافه على سُبُل الخيرات متجاوزة الحساب، فهي باقيةٌ على الدَّوام من خلاصِ الأُسارى، والتُّرْبة والمدرسة والفقراء والأيتام على مرور الأيام، بحبائه باقية إلى يوم نَشْر العظام، وكانت كتائبه كتائبَ النَّصْر، وبلاغته تفوق بلاغة أهل العَصْر، والكرامُ في ظِلِّه يقيلون، ومن عثرات النَّوائب بفضله يستقيلون، وبعزِّ حمى حمايته يعزون، ولهزِّ عِطْفه يهتزُّون، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، ولأوامره منقادون، ودُفِنَ بتربته
стр. 10423
في القَرَافة، وبنى مدرسة بالقاهرة، ووقف عليها أوقافًا مخلَّدة، ونقل إليها بعضَ كتبه، وكانت كُتبه مئةَ ألف مجلَّدة، ووقف على الأُسارى وَقْفًا عميمًا، فاستنقذ به خَلْقًا عظيمًا.
وهجاه ابنُ عُنَيْن، فأشار على صلاح الدين بنفيه من البلاد، فنفاه إلى الهند، وهجاؤه معروف.
مَنْ أنت يا هذا وما بَيْسان
الأبيات (١).
وقوله: والفاضل الفاضل (٢).
وما زال الفاضلُ ممدَّحًا، وفيه يقول الوجيه المِصْري: [من مجزوء الكامل]
في كَفِّه قَلَمٌ يُرِيـ … ـكَ القضاءَ مُقَدَّرا
ما نوَّرَ الظلماءَ غيـ … ـرُ مِدادِه إذْ نوَّرا
عبدُ اللَّطيف بن إسماعيل (٣)
ابن شيخ الشيوخ أبي سَعْد، أبو الحسن، صفي الدِّين، [وعبد اللطيف أخو أبي القاسم عبد الرحيم شيخ الشيوخ] (٤).
ولد سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة، وسمع الحديث، وكان شيخَ الرِّباط الَّذي بالمشرعة شرقي بغداد، خرج حاجًّا من بغداد، ثم ركب البحر إلى مِصْر، فتاه بهم المركب أيامًا، ثم أرسى بعيدًا، فزار الشِّافعي رحمة الله عليه، وجاء، فزار الخليل ﵇، والقُدْس، وقَدِمَ دمشق، فتوفي بها في ذي القَعْدة، ودُفِنَ بمقابر الصُّوفية عند المُنَيْبع، [سمع والده أبا البركات إسماعيل، وقاضي المارستان، وأبا القاسم بن السمرقندي وغيرهم] (٤)، وكان صالحًا ثقةً، رحمه الله تعالى.
стр. 10424
علي بن نَصْر بن عقيل البغدادي (١)
ويعرف بالهُمام العَبْدِي الشَّاعر.
قَدِمَ الشَّام سنة خمسٍ وتسعين وخمس مئة، ومَدَحَ العادل، والأمجد صاحب بَعْلَبَكّ، ومن شعره: [من الطويل]
وما النَّاسُ إلا كامِلُ الحَظِّ ناقِصٌ … وآخرُ منهمْ ناقِصُ الحَظِّ كامِلُ
وإني لمُثْبرٍ من حَيَاءٍ وعِفَّةٍ … وإنْ لم يكن عندي من المال طائِلُ
قَيْماز النَّجْمي صارم الدين (٢)
كان من أكابر مماليك نجم الدين أيوب، وكان عظيمَ القَدْر عند صلاح الدين، إذا فَتَحَ بلدًا سلَّمه إليه واستأمنه عليه، وكان كثيرَ الصَّدقات وأفعال الخير، بنى القنطرة التي بين خِسْفين ونوى وغيرها، والمدرسة المجاورة لداره بدمشق بجنب باب القلعة، وكان العادل قد جعله بدمشق مع ولده المُعَظَّم عيسى ثقةً به، فتوفي بدمشق في جُمادى الأُولى، وظهرت له أموالٌ عظيمة، فيقال: إنه وُجِدَ له في أسفل البركة مئة ألف دينار.
كامل بن الفَتْح (٣)
أبو تمام بن سابور، النَّحْوي.
توفي في جُمادى الآخرة، ودُفِنَ بباب حرب، ومن شعره: [من البسيط]
وفي الأوانسِ من نُعمانَ آنسةٌ … لها من القَلْبِ ما تهوى وتختارُ
стр. 10425
ساوَمْتُها نَفْثةً من رِيقها بدمي … وليس إلا خفيَّ الطَّرْفِ سِمْسارُ
عند العذولِ اعتراضاتٌ ولائمةٌ … وعند قلبي جواباتٌ وأعذارُ
الحاجب لؤلؤ بن عبد الله (١)
الَّذي [ذكرنا أنَّه] (٢) أخذ مراكب الفرنج من بحر القُلْزُم، كان شجاعًا جَوَادًا، كثيرَ الصَّدقات، [قال العماد:] (٢) وقع الغلاء بمِصْر في السَّنة الماضية وهذه، فكان يخبز كل يوم أربعة وعشرين ألفَ رغيف يفرِّقها في الفقراء، وفي غير الغلاء كان يخبز في كلِّ يومٍ اثني عشر ألفًا، وكان صائمًا [قائمًا] (٢)، متعبِّدًا، وكانت وفاته بالقاهرة في جمادى الأُولى.
محمد بن عبد الله البَلْخي (٣)
الواعظ، ويلقب بالنِّظام.
ولد ببَلْخ سنة ستٍّ وعشرين وخمس مئة، [وقدم بغداد] (٢)، فوعظ بها في النِّظامية وباب بَدْر، وجامع القَصْر، ومدرسة أبي النَّجيب، ودار ابن حديدة الوزير.
وكان فصيحًا، مليحَ الصَّوت، متشيِّعًا، أنشد يومًا في النظامية: [من البسيط]
سقاهُمُ اللَّيلُ كاساتِ السُّرى فغدوا … منه سُكارى كأَنَّ الليل خَمَّارُ
وصيَّرَ الشَّوْقُ أطواقًا عمائمهم … لا يعقلونَ أقامَ الحيُّ أم ساروا
ونسمةُ الفَجْر إذ مرَّت بهم سَحَرًا … تَمايلوا وبَدَتْ للسُّكْرِ آثارُ
[فلم يبق في المجلس إلا من صاح وقام وتواجد] (٢).
وأنشد أيضًا: [من الطويل]
مددتُ يدي في الحُبِّ نحوك سائلا … وقلتُ لجَفْني أَذْرِ دَمْعَك سائلا
стр. 10426
تفقَّهْتُ في عِلْم الصَّبابة والهوى … فمن شاء فليُلْقِ عليَّ المسائلا
وحُكي أَنَّه نُقِلَ إلى الخليفة عنه أَنَّه يعاشر النِّساء [ويرتكب المحرمات] (١)، فأرسل إليه الوزير وهو على المِنْبر، فقال: قد رسم [الخليفة] (١) أن تخرج من البلد، فأنشد: [من الطويل]
أبابلُ لا وادِيكِ بالجُوْدِ مُفْعَمٌ … لديَّ ولا نادِيك بالرِّفْد آهِلُ
لئن ضِقْتِ عني فالبلادُ فسيحةٌ … وحَسْبُكِ عارًا أَنَّني عنكِ راحِلُ
وإن كنتِ بالسِّحْرِ الحَرَام مُدِلَّةً … فعندي من السِّحْرِ الحلالِ دلائلُ
قوافٍ تُعِيرُ الأعينَ النُّجْلَ حُسْنَها … فأيُّ مكانٍ خَيَّمَتْ فَهْو بابِلُ (٢)
وأُخرج إلى الجانب الغربي من بغداد، فماتَ، ودفن في مقابر قريش في صفر.
محمد بن عبد المنعم بن أبي الفضائل (٣)
الصُّوفي المِيهَني ويلقب بالركن، [وهو أخو بهاء الدين، شيخ رباط الخلاطية، وبيان الركن شيخ رباط البسطامي] (١)، وكان جَوَادًا سَمْحًا، لم يكن في أبناء جنسه من يضاهيه في الكرم، ما طلب منه أحد شيئًا فمنعه، حتَّى كان يخرج وفي رِجْله مَدَاس، فيرجع حافيًا، ويخرج وعليه ثوبان ويرجع عُرْيانًا، وكانت له خلواتٌ ومحاضرات، [وسمع الحديث من شُهْدة وغيرها] (١)، وتوفي في ذي الحِجَّة، ودفن بالشُّونيزية [عند والده أبي الفضائل] (١).
محمد الطوسي الواعظ (٤)
[قد ذكرنا أنَّه] (١) قَدِمَ بغداد، و [أنَّه] (١) كان يركب بالسَّنْجق والسيوف المُسَلَّلة والغاشية المرتفعة والطَّوْق في عُنُق البغلة، فَمُنِعَ من ذلك، فسافر إلى مِصْر، ووعظ،
стр. 10427
وأظهر مذهب الأشعري، وثارت عليه الحنابلة، [وكان يجري بينه وبين زين الدين بن نُجَيَّة العجائب من السِّباب، ويكفِّر بعضُهم بعضًا، وكان قد أُعطي منازل العِزّ، فدرَّس بها مذهب الشافعي] (١)، وكان جبَّاهًا بالقبيح، دخل يومًا على العادل، وعنده وزيره ابن شُكْر، فقال للعادل: أنت فِرْعون وهذا هامانك، فأقامه العادل.
و [حكى لي مشايخ مصر، قالوا:] (١) دخل يومًا على الملك العزيز وكان قد تَرَكَ شُرْبَ الخمر وتاب، فوجده قَلِقًا، فقال: ما لك قلقًا؟ أحضرِ السَّاعة الخمر واشرب، فَشُرْبُك خيرٌ من توبتك، فلما خرج قال العزيز: أنا الواعظ لا هذا.
وكان قليلَ البضاعة في الوعظ، وإنما كان ينتسبُ ويدَّعي دعاوى عريضة، أنشد يومًا [للمتنبي]: [من الكامل]
أنا صخرةُ الوادي إذا ما زوحمتْ … فإذا نطقتُ فإنني الجَوْزَاءُ
فكتَبَ إليه بعضُهم رقعةً: أنت صخرةُ الوادي، أما الجوزاء فلا، [وكانت وفاته في ذي القعدة، ودفن بالقرافة] (١).
و [بلغني أنَّه] (١) سُئِلَ: أيُّما أفضلُ دم الحسين ﵇ أو دم الحلاج؟ فقال: قطرةٌ من دمِ الحسين أفضلُ من مئةِ ألف دم مثل دم الحلاج، فقال السائل: فَدَمُ الحلاجِ كَتَبَ على الأرض: الله، الله، ولا كذلك دم الحسين، فقال: المتَّهم يحتاجُ إلى تزكية.
قال المصنف ﵀: وهذا الجواب صحيح [إن لو ثبت أن دم الحلاج كتب الله، ولم يصح، والدم نجس، فكيف يكتب الله؟!] (٢)، وكانت وفاة الطُّوسي في ذي القَعْدة، ودفن بالقَرَافة.
السنة السابعة والتسعون وخمس مئة
فيها استناب الخليفة نصير الدين [ناصر ابن] مهدي في الوزارة، وأَذِنَ للقاضي ابنِ الشَّهرزوري في الخروج من بغداد.
стр. 10428
وفيها كانت حوادث عظيمة [لم يتجدَّد مثلها في السنين الماضية] (١)، منها هبوط النيل، ولم يعهد ذلك في الإسلام إلا مرَّة واحدة، فإنَّه بقي منه شيءٌ يسير، واشتدَّ الغلاءُ والوباءُ بمِصْر، فَهَربَ النَّاسُ إلى المغرب والحجاز واليمن والشَّام، وتفرَّقوا أيدي سبأ، ومُزِّقوا كلَّ ممزَّق [أعظم من سنة اثنتين وستين وأربع مئة في أيام المستنصر، فإن الناس في هذه السنة] (١) كان الرجل يذبح ولده الصَّغير، وتساعِدُه أُمُّه على طبخه وشَيِّه (٢) وأحرق السُّلْطان جماعةً فعلوا ذلك ولم ينتهوا، وكان الرَّجل يدعو صديقه، وأحبَّ النَّاس إليه إلى منزله ليضيفه، فيذبحه ويأكله، وفعلوا ذلك بالأطباء كذلك [وكانوا يدعونه ليبصر المرضى فيقتلونهم ويأكلونهم] (١)، وفقدت الميتات والجيف [من كثرة ما أكلوها] (١)، وكانوا يخطفون الصِّبْيان من الشوارع فيأكلونهم. وكَفَّن السُّلْطان في مُدَّة يسيرة مئة ألف وعشرين ألفًا، وامتلأت طرقات المغرب والحجاز والشَّام برمم الناس، وصلَّى إمامُ جامع الإسكندرية في يوم على سبع مئة جنازة.
وقال العماد الكاتب: وفي سنة سبع وتسعين [وخمس مئة] (١) اشتدَّ الغلاء، وامتدَّ البلاء، وتحقَّقتِ المجاعة، وتفرَّقت الجماعة، وهلك القويُّ فكيف الضَّعيف؟ ونحف السمين فكيف العجيف؟ وخَرَجَ النَّاس حَذَرَ الموت من الدِّيار، وتفرَّق فريق مِصْر في الأمصار، ولقد رأيتُ الأرامل على الرِّمال، والجمال باركة تحت الأحمال، ومراكب الفرنج واقفة بساحل البحر على اللَّقَم، تسترقُّ الجِياعَ باللُّقَم.
وجاءت في شبعان زلزلة هائلة من الصَّعيد، فعمَّت الدُّنيا في ساعةٍ واحدة، هدمت بنيان مِصْر، فمات تحت الهدم خَلْقٌ كثير، ثم امتدَّت إلى الشَّام والسَّاحل فهدمت مدينةَ نابُلُس، فلم يبق فيها جدار قائم إلا حارة السمرة، ومات تحت الهَدْم ثلاثون ألفًا، وهَدَمَتْ عكا وصور، وجميعَ قِلاع السَّاحل (٢)، وامتدَّت إلى دمشق، فَرَمَتْ بعض المنارة الشَّرْقية بجامع دمشق، وأكثر الكلَّاسة، والمارَسْتان النُّوري، وعامة دور دمشق إلا القليل، فَهَرَبَ النَّاس إلى الميادين، وسَقَطَ من الجامع ست عشرة شرافة، وتشقَّقت
стр. 10429
قُبَّة النَّسْر وخسف بالكلَّاسة، وتهدَّمت بانياس، وهُونين، وتبْنين، وخَرَجَ قومٌ من بَعْلَبَكَّ يجنون الرِّيباس (١) من جبل لبنان، فالتقى عليهم الجبلان، فماتوا بأَسْرهم، وتهدَّمت قلعة بَعْلَبَك مع عِظَمِ حجارتها، ووثيق عمارتها، وامتدَّت إلى حِمْص وحماة وحلب والعواصم، وقطعت البحر إلى قبرس، وانفرق البحر فصار أطوادًا، وقذف بالمراكب إلى السَّاحل فتكسَّرَتْ، ثم امتدَّت إلى خِلاط وأرمينية وأَذْرَبيجان والجزيرة. وأُحصي مَنْ هلك في هذه السنة على وجهِ التقريب، فكانوا ألف ألف [إنسان] (٢) ومئة ألف إنسان، وكان قوة الزلزلة في مبدأ الأمر بمقدار ما يقرأ الإنسان سورة الكهف، ثم دامت بعد ذلك أيامًا.
[فقال بعض البلغاء: أما بعد، فإنه لما حدث بمدن الشام حادث الزلازل، ووجد في أكثرها من عظم البلايا والبلابل، حتَّى طبقت من أرض الجزيرة إلى بلاد الساحل، وهدمت الحصون والمعاقل، وأخربت ما لا يحصى من الدور والمنازل، وسوت الأعالي من البنيان بالأسافل، وأوحشت من أهلها المجالس والمحافل، وشدخت كثيرًا من الهام بالجنادل، وفصلت بين الأعضاء والمفاصل، وأبانت من الأقدام والأكف الأنامل، فأدبر القطان من الأوطان إدبار النعام الجافل، وخلا كثير من السكان في الموارد والمناهل، وكثَّرت في الدنيا اليتامى والأرامل، وأمرضت قلوب الفاقدات، وأرمضت عيون الثواكل، وأجهضت كثيرًا من الحوامل، ووضعت الطيور لهولها ما في الحواصل، فكان ما حدث منها عبرة للبيب العاقل، وحجة على المُصِرِّ الغافل، وتنبيهًا على إخلاص التوبة من المغافل، وإزعاجًا للمتباطئ عن الطاعة والمتثاقل، وما ظلم الله عباده بإهلاك النسل والناسل، ولكنهم لما تعاموا عن الحق، وتمادوا في الباطل، وأضاعوا الصلوات، وعكفوا على الشهوات والشواغل، وأهدروا دم المقتول، وأَرْشوا في دم القاتل، وارتكبوا الفجور، وشربوا الخمور، وانتشر فسقهم في القبائل، وأكلوا الربا والرّشا، وأموال اليتامى وهي شر المآكل،
стр. 10430
وزهدوا فيما رغّبوا فيه، وطمعوا في الحاصل، ومن بقي منهم إنما يستدرج في أيام قلائل، وما جرى على البلاد، فعبرة للخارج وموعظة للداخل، والله يمنُّ على الإسلام وأهله بفرج عاجل، ويوفقهم للقيام بمرضاته من أداء الفرائض والنوافل، ويكفيهم من عذابه الأليم الهائل، وينجيهم من عقابه الآجل والعاجل، فهو مجيب المضطر ومعطي السائل، وفارج الكرب الفادح والخطب النازل] (١).
وفي مستهل ذي القَعْدة حُوصرت دمشق؛ جاء الأفضل والظَّاهر، وكان العادل بمِصْر، وبشارة ببانياس، وقد أقطعها العادل مع تِبْنين وهُونين وغيرها لشركس، فلما نزل الأفضل والظَّاهر على دمشق جاء بشارة نجدةً لهما، فقاتلوا دمشق أيامًا، وكان بها الملك المعظَّم عيسى، وبلغ العادل، فجاء، فنزل نابُلُس، وبعث فأصلحَ الأمراءَ، وزحَفَ الأفضلُ والظَّاهر، فوصلوا إلى باب الفراديس، وأحرقوا فندق تقيِّ الذين، وقاتلهم المعظَّم، وحَفِظَ البلد، فأقاموا شهرين، وقيل: شهر ذي القَعْدة، وبعث العادل فأخلف بين الأخوين، فرحلوا سَلْخ ذي الحجة، وجاء العادل فدخل دمشق، ومضى المعظَّم وشركس وقراجا، فحاصروا بانياس، وبها حسامُ الذين بشارة، فقاتلهم، فَقُتِلَ ولده، وأخرجوه من البلاد، وتسلَّمها شركس، وتسلَّم قراجا صَرْخَد.
وحجَّ بالناس طاشْتِكِين، وكان الخليفة قد أفرج عنه، ورَدَّ إليه إقطاعه، [وماله.
وتوفي جدي والعماد الكاتب عقيب هذه الزلازل] (١).
وفيها توفي
إبراهيم بن محمد بن عبد الملك (٢)
عز الدين بن المُقَدَّم، [وأبوه محمد المقتول بعرفات، وكان إبراهيم] (١) شجاعًا عاقلًا، وله قلعة بارين وفامية ومنبج والرَّاوَنْدان، وعِدَّة حصون مَدَّ عينُه إليها الملك الظَّاهر، فأخذها وبقيت له بارين، فتوفي، ودفن بدمشق في العُقَيبة، وكان له بنات.
стр. 10431
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم (١)
ناظر نهر الملك ببغداد -كان متزهِّدًا، يَلْبَسُ القُطْن الفوط، ويعدل في الرَّعية، ويحسن إليهم- أمر الخليفة النَّاصر بصلْبه، فَصلِبَ على كرسي جسر بغداد، وعليه القميص الفوط على جانب نهر عيسى، فمرَّ به الخليفة وهو مصلوبٌ في وسط الجِذْع، فقال: تتنمَّس علينا! ارفعوه إلى رأس الجِذْع، وكان شيخًا مهيبًا، وحَزِنَ النَّاسُ عليه.
[وفيها توفي
حسن بن علي بن محمد (٢)
الدرزبيني، الضرير، المقرئ، الحنبلي، ودرزبين قرية من قرى بغداد.
قرأ القرآن بالروايات، وكان حسن الصوت، مليح الأذان، وكان أهل بغداد يقصدونه من أقطار بغداد في ليالي رمضان، يسمعون صوته، وكان يحضر بباب حجرة الخليفة، فيقرأ والخليفة يسمعه، وقرأ القرآن على أبي الحسن البطائحي وغيره، وكان يصلي بمسجد أبي الفَضْل بن ناصر بدرب الدواب، وسمع الحديث من أبي محمد بن الصابوني وغيره، ومات في رجب، ودفن بباب حرب، وكان صالحًا، ورعًا، دينًا، ثقة.
وفيها توفي جدي ﵀، واسمه] (٣)
عبد الرحمن بن علي (٤)
ابن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حُمَّادى بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النَّضْر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن
стр. 10432
عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّديق ﵁، أبو الفرج [بن أبي الحسن] (١) القُرَشي، التَّيمي.
[ورأيت بخط ابن دحية المغربي قال: وجعفر الجوزي منسوب إلى فرضة من فرض البصرة يقال لها جوزة. وقال الجوهري: فرضة النهر ثلمته التي يُسْتقى منها، وفرضة البحر محط السفن، والجمع الفرائض.
ولد جَدِّي] (٢) ببغداد بدَرْب حبيب سنة عشر وخمس مئة تقريبًا، وتوفي أبوه وله ثلاثُ سنين، وكانت له عمةٌ صالحة، وكان أهله تجارًا في النُّحاس [-ولهذا رأيتُ في بعض سماعاته: وكتب عبد الرحمن الصَّفَّار-] (١)، فلما ترعرع حَمَلَتْه عمَّتُه إلى مسجد أبي الفَضْل بن ناصر، فاعتنى به، وأسمعه الحديث، وقرأ القرآن، وتفقَّه على أبي بكر الدِّينوري الحَنْبلي وابن الفَرَّاء، وسمع الحديث الكثير، وقد ذكر من مشايخه في "المشيخة" نيفًا وثمانين شيخًا، وعني بامره شيخُه ابنُ الزَّاغوني، وعَلَّمه الوعظ، واشتغل بفنون العلوم، وأخذ اللغة عن أبي منصور بن الجواليقي، وصنَّفَ الكُتُبَ في فنون، وحَضَرَ مجالِسَه الخلفاءُ والوزراءُ والعلماءُ والأعيان، وأقلّ ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف، وربما حَضَرَ عنده مئةُ ألف، وأوقع الله له في القلوب القَبُول والهيبة، وكان زاهدًا في الدُّنيا، متقلِّلًا منها، [وسمعته يقول] (١) على المِنْبر في آخر عمره: كتبتُ بأصبعيَّ هاتين ألفي مجلَّدة، وتاب على يدي مئة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونَصْراني. وكان يجلس بجامع القَصْر والرُّصافة والمنصور وباب بدر وتُرْبة أُم الخليفة وغيرها، وكان يختم القرآن في كلِّ سبعة أيام، ولا يخرج من بيته إلا إلى الجامع للجُمُعة وللمجلس، وما مازَحَ أحدًا قَطُّ، ولا لعب مع صبيٍّ، ولا أكل من جهةٍ لا يتيقن حِلَّها، وما زال على ذلك الأسلوب حتَّى توفَّاه الله تعالى.
стр. 10433
[(١) وقد ذكرنا محنته التي زاحم بها الأنبياء والعلماء والفضلاء والأولياء، وتلقى ذلك بالصبر والحمد والشكر.
وقد أثنى عليه العلماء، فذكره أبو محمد بن الدبيثي في الذيل الَّذي ذيله على ذيل ابن السمعاني، فقال:] شيخنا جمال الدِّين بن الجوزي الإمام، صاحب التَّصانيف في فنون العِلْم من التفاسير والفِقْه والحديث والتَّواريخ وغير ذلك، وإليه انتهت معرفةُ الحديث وعلومه، والوقوف على صحيحه من سقيمه، وله فيه المصنَّفات من المسانيد والأبواب والرِّجال ومعرفة الأحاديث الواهية والموضوعة، والانقطاع والاتصال، وكان من أحسنِ النَّاس كلامًا، وأتمِّهم نظامًا، وأعذبهم لسانًا، وأجودِهم بيانًا، تفقَّه على أبي بكر الدِّينوري، وقرأ الوعظ على الشَّريف أبي القاسم العَلَوي، وأبي الحسن بن الزَّاغوني، وبورك له في عمره وعِلْمه، فروى الكثير، وسمع النَّاس منه أكثر من أربعين سنة، وحدَّث بمصنفاته مرارًا، وأنشدني [بواسط] (٢) لنفسه: [من مجزوء الكامل]
يا ساكنَ الدُّنيا تأهّـ … ـبْ وانتظرْ يوم الفِراقِ
وأعِدَّ زادًا للرَّحيـ … ـلِ فسوف يُحدى بالرِّفاقِ
وابكِ الذُّنوبَ بأَدْمُعٍ … تنهلُّ من سُحُب المآقي
يا مَنْ أضاعَ زمانَهُ … أرضيتَ ما يفنى بباقِ
[قال (٣): وسألته عن مولده غير مرة، وفي كلها يقول: ما أحققه، ولكن يكون تقريبًا في سنة عشر وخمس مئة، وسألت أخاه عمر بن علي فقال: في سنة ثمانٍ وخمس مئة.
ذكر ما وقع إلي بالشام] من أسامي فهرست مصنفاته [ومجموعاته ومنقولاته] (٢) ومؤلفاته:
стр. 10434
فصل [في] (١) علم التَّفسير: "المغني" أحد وثمانون جزءًا بخطه، [إلا أنَّه لم يبيضه ولم يشتهر] (١)، "زاد المسير" أربع مجلدات، "التلخيص" مجلد، "تذكرة الأريب في علم الغريب" مجلد، "تيسير البيان في تفسير القرآن" مجلد، "ناسخ القرآن ومنسوخه" مجلد، و"مختصره" جزء، "فنون الأفنان في علوم القرآن" مجلد، "ورد الأغصان في معاني القرآن" مجلد، و"الوجوه والنظائر" مجلد، و"مختصره" جزء، "غريب الحديث" ثلاثة أجزاء، "السبعة في القراءات السبعة" أربعة أجزاء، "الإشارة في القراءات المختارة" جزء، "تذكرة المنتبه في عيون المشتبه" جزء، وذلك خمس عشرة كتابًا.
فصل علم الحديث: "جامع المسانيد بألخص الأسانيد" سبع مجلدات، "غرر الأثر" خمس مجلدات، "الكشف عن معاني الصحيحين" أربع مجلدات، "غريب الحديث" مجلدان، ["الحدائق" مجلدان، "كتاب الضعفاء والمتروكين" مجلدان،] (١) "الصلف في المؤتلف والمختلف" مجلدان، "العلل المتناهية في الأحاديث الواهية" مجلدان، "الموضوعات" مجلدان، "الخطأ والصواب من أحاديث الشهاب" مجلدان، "تلقيح فهوم أهل الأثر في علم التواريخ والسير" مجلدان، و"مختصره" مجلد، "الفرائد المنتقاة" ستة وخمسون جزءًا، "نفي النقل" مجلد، "ناسخ الحديث ومنسوخه" مجلد، "النقاب عن الأسماء والألقاب" مجلد، "المحتسب في النسب" جزآن، ["كتاب المدبج" مجلد، "كتاب المسلسلات" مجلد، "كتاب أخاير الذخائر" مجلد، "كتاب المجتبى" مجلد، "كتاب المشيخة" جزآن،] (١) "روضة النائل" جزء، ["كتاب تنوير السدف في المؤتلف والمختلف" جزء، "كتاب آفة أصحاب الحديث" جزء] (١)، "المعلق" أربعة أجزاء، فذلك ثمانية وعشرون كتابًا (٢).
فصل: ومن التواريخ والسير: "المنتظم في تواريخ الملوك والأمم" عشر مجلدات، "درة الإكليل" أربع مجلدات، "سلوة المحزون" مجلدان، "مناقب بغداد" مجلد، "المجد العضدي" مجلد، "الطرائف" مجلد، "الفاخر في أيام الناصر" مجلد، "شذور العقود"
стр. 10435
مجلد، "المصباح المضيء بفضائل المستضيء" مجلد، "الأعاصر في ذكر الإمام الناصر" مجلد، "الفخر النوري" مجلد، "المجد الصلاحي" مجلد، فذلك اثنا عشر كتابًا.
فصل: ومن علم العربية: "فضائل العرب" مجلد، "الأمثال" مجلد، "تقويم اللسان" جزآن، "ملح الأعاريب" جزآن، "لغة الفقه" جزآن، "المطرب" جزآن، "فتوى فقيه العرب" جزء، "نزهة أهل الأدب" جزء، "المألوف دون الغريب" جزء، فذلك تسعة كتب.
فصل في علوم الأصول: "منهاج الوصول إلى علم الأصول" مجلد، "دفع التشبيه بأكف التنزيه" أربعة أجزاء، "البدائع الدالة على وجود الصانع" أربعة أجزاء، "منتقد المعتقد" جزء، "شرف الإسلام" جزء، "ما لا يسع الإنسان جهله" جزء، "السر المصون" جزء، "الغوامض" جزء، "شفاء علل الأمراض" جزء، "مسلك العقلاء" جزء، "منهاج أهل الإصابة في محبة القرابة والصحابة" جزء، فذلك اثنا عشر كتابًا (١).
فصل: ومن [تصانيفه في علم (٢)] الفقه: "المذهب في المذهب" جزآن، "التحقيق في أحاديث التعليق" مجلدان، "المنفعة في المذاهب الأربعة" مجلدان، "الدلائل في مشهور المسائل" مجلدان، "مسبوك الذهب" مجلد، "البلغة" مجلد، "التلخيص" مجلد، "الإنصاف في مسائل الخلاف" مجلد، "البازي الأشهب" مجلد، "لقطة العجلان" مجلد، "كشف الظلمة عن الضيا في الرد على الكيا" مجلد، "لُهْية العجل في الجدل" ثلاثة أجزاء، "درء اللوم والضيم في تحريم صوم يوم الغيم" جزء، "مناسك الحج" جزء، "تحريم المحل المكروه" جزء، "تعظيم الفتوى" جزء، "الرد على القائلين بجواز المتعة" جزء، "المسائل المفردة" جزء، ["كتاب العدة في أصول الفقه" جزء، "كتاب الفرائض للوازم الفقه" جزء] (٢) فذلك عشرون كتابًا.
فصل: [ومن تصانيفه في] (٢) المناقب: "الوفا بفضائل المصطفى" مجلدان، "مناقب عمر بن الخطاب ﵁" مجلد، "مناقب عمر بن عبد العزيز" مجلد، "مناقب ابن المسيب" مجلد، "مناقب الحسن البصري" مجلد، "مناقب سفيان الثوري" مجلد، "مناقب إبراهيم بن أدهم" مجلد، "مناقب الفضيل بن عياض" جزء، "مناقب بشر