وفيها هَجَمَ الفرنجُ دمياطَ في ربيع الأول، وكان فيها فخر الدين بن الشيخ والعساكر، فخرجوا منها، وخَرَجَ أهلها، وكان الصَّالح على المنصورة، فشنق من أعيان أهلها ستين نفسًا، فلما أمر بشنقهم، قالوا: ما ذنبنا؟ إذا كان عساكره وأمراؤه قد هربوا وأحرقوا الزردخاناه، فأيش نعمل نحن؟! وكان في الذين شُنِقُوا رجلٌ كتابي محتشم، وله ولد من أحسن النَّاس صورةً، فقال أبوه: بالله اشنقوني قَبْله. وبلغ الصَّالح، فقال: لا، اشنقوا الابن قبله. ففعلوا، وقامت على العسكر القيامة، ودعوا على أيوب، وأراد مماليكُه قَتْلَه، فقال لهم ابن الشيخ: اصبروا عليه، فهو على شفى، فإن مات فقد استرحتم منه، وإلا فهو بين أيديكم، وقُتِلَ نجمُ الدين ابن شيخ الإِسلام.
[وقال الصالح أيوب لابن الشيخ والعسكر: أما قدرتم تقفوا ساعة بين يدي الإفرنج! ولا قتل من العسكر إلا هذا الضعيف. يعني ابن شيخ الإِسلام. وكان قد قفز من الكرك إلى مصر، وأسرَّها الصالح في نفسه، ولو عاش لأهلك ابن الشيخ وغيره.
ولما أن هجمها الفرنج من باب، وخرج ابن الشيخ من باب، فظنوا أنها مكيدة، فتوقفوا، ثم تيقنوا عجز المسلمين، وخرج أهل دمياط حفاة عراة عطاشًا جياعًا، فقراء حيارى النساء والأطفال، وكان قد سَلِمَ لهم ما يعيشون فيه، فنهبهم في طريق القاهرة.
وفي ليلة النصف من شعبان مات الصالح أيوب بالمنصورة، وكانت أم خليل عنده، وهي المدبرة للأمور، فلم تغيِّر شيئًا من الدهليز بحاله، والسماط كل يوم يُمَدّ، والأمراء في الخدمة، وهي تقول: السلطان مريض ما يصل أحد إليه.
وبعثوا إلى الملك المعظم تورانشاه بن الصالح أيوب إلى حصن كيفا أقطايا مملوك الصالح أيوب، فخرج به من حصن كيفا، وسلك البرية، وخاطر بنفسه، وكاد يهلك من العطش، ووصل إلى دمشق في آخر رمضان، وخلع على الدماشقة، وأعطاهم الأموال، وأحسن إليهم، وما سئل شيئًا فقال: لا. وبلغني أنه كان في قلعة دمشق ثلاث مئة ألف دينار، فأخرجها، واستدعى من الكرك مالًا أنفقه.
وفي ذي القعدة كانت وقعة عظيمة على المنصورة، ووصل الفرنج إلى الدهليز، وخرج فخر الدين، فقاتل، فقتل، وانهزمت العساكر من بين أيديهم، ثم استحيا المسلمون، فعادوا على الفرنج، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة.
стр. 10747
وسار المعظم تورانشاه إلى مصر بعد أن أقام بدمشق سبعة وعشرين يومًا، وقيل: دخلها في العشرين من رمضان، وخرج منها في سابع عشر شوال إلا أنه ما وصل إلى مصر إلا في آخر السنة، فكان في عزمه الفتك بابن الشيخ لأنه بلغه أنه يريد الملك، والناس كلهم يريدونه، فاستشهد واستراح، رحمة الله تعالى عليه] (١).
وفيها توفي
الملك الصَّالح، نجم الدين أيوب بن الكامل محمد (٢)
ولد سنة ثلاثٍ وستِّ مئة بالقاهرة، ونشأ بها، ولقبه نجم الدين، واستخلفه أبوه بها لما نزل إلى الشَّرْق، فأقام مع صواب لا أَمْرَ له ولا نهي، ثم أعطاه حِصْن كيفا، وجرى له ما ذكرناه.
ولما ملك مِصْر اجتهد في خلاص ولده المغيث، فلم يقدر، وكان مهيبًا هيبةً عظيمة، جَبَّارًا، أباد الأشرفية وغيرهم، [(٣) وقد حكى لي جماعة من أمرائه قالوا]: والله ما نقعد على بابه إلا ونقول: مِنْ ها هنا نحمل إلى الجباب. وكان إذا حَبَسَ إنسانًا نسيه، ولا يتجاسر أحدٌ أن يخاطبه فيه، [وبنى قبابًا في تِنِّيس للحبس] (١)، وكان يحلف أنه ما قَتَلَ نَفْسًا بغير حقٍّ، وهذه مكابرةٌ ظاهرة، فإنَّ خواصَّ أصحابه حكوا أنه لا يمكن إحصاء من قتل من الأشرفية وغيرهم، ولو لم يكن إلا قتل أخيه العادل، وكانت أم خليل عتيقته تكتب خطًّا يشبه خَطَّه، فكانت تعلِّم على التَّواقيع، وكان قد نَسَرَ مخرجه، وامتدَّ إلى فخذه اليمنى ورِجْله، ونحل جسمه، وعملت له مِحَفَّة يركب فيها، وكان يتجلَّد، ولا يطلع أحدًا على حاله، ثم حمل تابوته إلى الجزيرة، فعُلِّق بسلاسل حتى قُبِرَ في تُرْبته إلى جانب مدرسته بالقاهرة، وكان فخر الدين قد أشار بتحليف العساكر للمعظَّم تورانشاه، فحلفوا له، وأخفوا موتَ السُّلْطان مُدَّة، وكانت الأمور على حالها، وأطلق فخر الدين السُّكَّر والكتان إلى الشَّام، وقد ذكرنا واقعاته في السنين إلى أن توفي ليلة النِّصْف من شعبان.
стр. 10748
فخر الدين، يوسف بن شيخ الشيوخ (١)
كان عاقلًا، جَوَادًا، مُدَبِّرًا، خليقًا بالمُلْك، محبوبًا إلى النَّاس، ولما توفي الصَّالح نُدِبَ إلى الملك، فامتنع، ولو أجاب لما خالفوه.
وكان لما قدم دمشق [(٢) حَضَرَ إلى عندي، وسألني الجلوس، فجلستُ بجامع دمشق، وكان ساكنًا] في دار سامة، فدخل عليه العماد بن النَّحَّاس، وقال له: يا فخرَ الدِّين، إلى كم! ما بقي بعد هذا اليوم شيء. فقال له: يا عماد الدين، والله لأسبقنَّك إلى الجَنَّة. فكان كما قال، استُشْهد فخر الدين في سنة سبعٍ وأربعين [وست مئة] (٣)، وتوفي العماد في صفر سنة أربعٍ وخمسين، بينهما ثماني سنين.
وكان قد قام بأمر الملك أحسن قيام، وأحسن إلى النَّاس، وبعث أقطايا وجماعةً إلى الحِصْن يحضرون تورانشاه، وحَسَدَ الجُند فخرَ الدين، وعزموا على قَتْله، ونهبوا داره، فاستدعى الأمراءَ والأكابر، وقال: أنا ما لي طمعٌ في المُلْك، وإنما أحفظُ بيتَ أُستاذي حتى يجيء ولده، ويتسلَّم البلاد. فحلفوا، واعتذروا، وكان المتَّهم بذلك الخادم محسن وجماعة.
وجَهزَ جماعةً من مماليك الصَّالح إلى دمشق لما وصلها المُعَظَّم يستعجله في الحضور إلى مِصْر، فأوهمه بعضُ المماليك الواصلين إليه أَنَّ فخر الدِّين قد حلَّف العسكر لنفسه، ومتى وصلت قتلك. فتوقَّف، وأنفق أموال دمشق في العساكر ليستميل بها عسكر مِصْر، وحلَّف المماليك الذين بعثهم فخر الدين إليه على قَتْلِ فخر الدين.
واتَّفق مجيءُ الفرنج إلى عسكر المسلمين، وعبورهم الخنادق والبحر، واندفاع المسلمين من بين أيديهم، فركب فخر الدين وقت السَّحَر ليكشف الخبر، وكان اليوم العظيم، وأنفذ إلى الحلقة والأمراء ليركبوا، وساق جريدةً، ومعه بعضُ مماليكه وأجناده، فالتقى طُلْب الدَّاوية مصادفةً، فحملوا عليه، فهرب مَنْ كان معه، فطعنوه في
стр. 10749
جَنْبه، فوقع عن الفرس، وضربوه في وجهه بالسَّيف عرضًا وطولًا ضربتين، فقتلوه، وجاء مماليكه إلى داره، فكسروا صناديقه، ونهبوا أكثر ما فيها، ونهبت أمواله وخيله، وأخذ الجولاني قدور حَمَّامه، والدِّمياطي أبواب داره، وما نفعه تربيته مماليكه وإحسانه إليهم، وكان قبل ذلك بأيام قد رأى والدته في المنام، وهي تقول: قد أوحشتني. وحَمَلَتْه على كتفها، فاستشعر، فقُتِلَ بعد ذلك بأيام، ثم حُمِلَ من المعركة بقميصٍ واحد، وجُعِلَ في حرَّاقة إلى القاهرة [(١) وخربت داره كلُّها كأنها لم تكن بالأمس، أخربها] الأمراء الذين كانوا كلَّ يوم يركبون إلى خِدْمته، ويقفون على بابه، وهم أكثرُ مِنْ سبعين أميرًا بسناجقهم، [كانوا] (٢) يتمنون أن ينظر إلى أحدٍ منهم نظرة، أخربوا داره بأيديهم، وحمل من المقياس إلى الشَّافعي، فدُفِنَ عند والدته، وكان يومًا مشهودًا، وحُمِلَ على الأصابع، وبكى عليه النَّاس، وعُمِلَ له العزاء العظيم، وكان له يوم مات ستٌّ وستون سنة.
ولما وصل تورانشاه إلى العسكر أخذ مماليكَ فخرِ الدين الصِّغار، وبعض قُماشه بنصف القيمة، ولم يعطهم دِرْهمًا، ولا عوَّض الورثة بشيء، وكان الثمن خمسة وعشرين ألف دينار، وكان إذا جلس جعل حسنات فخر الدين سيئات، يقول: أطلق الكتان والسكر، وأنفق الأموال، وأطلق المحابيس، فأيش ترك لي أنا؟ فكان حِفْظُه الملك وسياسةُ العسكر، ومقاتلة الفرنج من أكبر ذنوبه.
[(٣) ولفخر الدين أشعار، منها]: [من الطويل]
عَصَيتُ هوى نَفْسي صغيرًا فعندما … رمتني اللَّيالي بالمشيبِ وبالكبرِ
أطعتُ الهوى عكس القضيةِ ليتني … خُلِقْتُ كبيرًا وانتقلتُ إلى الصغر
وله أيضًا: [من البسيط]
إذا تحقَّقْتُمْ ما عند صاحبكُمْ … من الغَرَامِ فذاكَ القَدْرُ يكفيهِ
أنتمْ سكنْتُمْ فؤادي وهو منزلكُمْ … وصاحبُ البيتِ أَدرى بالذي فيهِ
стр. 10750
وله في مملوكٍ له توفي:
لا رغبة في الحياة من بعدك لي … يا من ببعادك تدانى أجلي
إن مت ولم أمت أسىً واخجلتي … من عَتْبك لي في يوم عرض العمل
وفيها توفي شهاب الدين قاضي دارا، [الذي كان] (١) إلى ظلمه المنتهى.
السنة الثَّامنة والأربعون وست مئة
فيها في أَوَّل ليلة منها كان المصافُّ بين الفرنج والمسلمين على المنصورة، بعد وصول المعظم تورانشاه إلى المخيَّم مسك الإفرنسيس، وَقَتَل من الفرنج مئة ألف، ووصل كتاب المعظم إلى جمال الدين بن يغمور يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ﴿وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٤، ٥] ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١] ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].
نبشِّر المجلس السَّامي الجمالي، بل نبشِّر الإِسلام كافَّة بما مَنَّ الله به على المُسْلمين من الظَّفر بعدوِّ الدِّين، فإنَّه كان قد استفحل أمره، واستحكم شَرُّه، ويئس العبادُ من البلاد والأهل والأولاد، فنودوا ﴿وَلَا تَيأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ الآية [يوسف: ٨٧] ولما كان يوم الأربعاء مستهلّ السنة المباركة تَمَّم الله على الإِسلام بركتها، فتحنا الخزائن، وبذلنا الأموال، وفرَّقنا السِّلاح، وجمعنا العُرْبان والمطاوعة، واجتمع خَلْق [عظيم] (١)، لا يحصيهم إلا الله تعالى، وجاؤوا من كل فجٍّ عميق، ومن كلِّ مكانٍ بعيد سحيق، ولما رأى العدو ذلك أرسل يطلب الصُّلْح على ما وقع الاتِّفاق بينهم وبين الملك الكامل، فأَبَينا، ولما كان في الليل تركوا خيامهم وأثقالهم وأموالهم، وقصدوا دِمياط هاربين، فسِرْنا في آثارهم طالبين، وما زال السيف يعمل فيهم عامَّة الليل، وقد حلَّ بهم الخِزْي والوَيل، فلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفًا غير من ألقى نفسه في اللُّجج، وأما الأسرى فحدِّث عن البحر ولا حَرَج،
стр. 10751
والتجأ الإفرنسيس إلى المُنْية، وطلب الأمان، فأمَّناه، وأخذناه وأكرمناه، وتسلَّمنا دمياط بعون الله وقوَّته، وجلاله وعظمته. وذكر كلامًا طويلًا.
وفي ثامن وعشرين محرَّم قُتِلَ المعظَّم تورانشاه.
وفيها وصل [ابن] (١) العزيز صاحب بانياس منهزمًا من مِصْر، نفاه تورانشاه، فلما دخل دمشق أُطلع إلى عزَّتا، فاعتقل فيها.
[وفي مستهل ربيع الآخر وصل الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز صاحب حلب إلى قارا يريد دمشق، فأرسل جمال الدين بن يغمور والقيمرية إلى عزَّتا، فأنزلوا ابن الملك العزيز إلى دمشق، وأسكنوه دار فرخشاه، وجاء عسكر حلب، فنزل القصير، وانتقلوا إلى داريا يوم السبت سابع ربيع الآخر، وزحفوا يوم الأحد ثامن ربيع الآخر إلى باب الصغير، وكان مسلمًا إلى ناصر الدين القصري، وكان المجاهد إبراهيم في القلعة، فلما وصلوا إلى البابين كسرت الأقفال من الداخل، وفتحت الأبواب، فدخلوا، ونهبوا دار جمال الدين بن يغمور، وسيف الدين بن المسند، وعسكر مصر ودمشق، وأُخذت خيولهم من إصطبلاتهم، وأموالهم وأثاثهم من دورهم، ودخل ابن يغمور القلعة، ثم نودي بالأمان، وانقضت أيام الصالح أيوب بدمشق، وكانت مملكته الأخيرة لها خمس سنين إلا أيامًا، ثم دخل الملك الناصر القلعة، وطيب قلوب الناس، ولم يغير على أحد شيئًا.
وكان الملك الناصر داود نازلًا بالعقيبة، فجاءه ابن الملك العزيز فبات عنده تلك الليلة، وهرب ابن العزيز إلى الصُّبَيْبة، وكان بها خادم من خدامه قد كاتبه، فوصلها، ففتح له، فدخلها.
وتسلم الملك الناصر بعلبك من الحميدي، وبُصْرى وصرخد، وغيرهما] (١).
وفي ليلة الأحد ثاني شعبان كان النَّاصر داود في قصر القابون، والملك النَّاصر يوسف نازلًا في المِزة مريضًا، فبعث ناصرَ الدِّين القيمريّ ونظام الدِّين إلى داود، فأحضراه إلى المِزَّة، وضربوا له خيمةً، واعتقلوه فيها، واختلفوا في سبب اعتقاله على
стр. 10752
أقوال: أحدها: أَنَّه طلب دستورًا إلى بغداد، فأعطوه أربعين ألف دِرْهم، فأنفقها في الجُنْد، وعَزَمَ على قَصْدِ مصر، والثَّاني: أَنَّ الصَّالح إسماعيل جاءه كتاب من مِصْر، فأوقف شمسَ الدِّين لؤلؤ عليه، وأخبر حامله أَنَّه أوصل إلى النَّاصر داود كُتُبًا، فسألوه فأنكر، والثالث: أَنَّ الصَّالح أشار عليهم بقَبْضه وقال: أنتم ما تعرفوه، نحن نعرفه، وأنتم على قَصْدِ مصر، وما هو مصلحة يبقى خلفنا، ولا يكون معنا. فقبضوه، وأقام في المِزَّة معتقلًا أيامًا، ثم بعثوا به إلى قلعة حمص، فاعتقل بها، وأسكن أهله ووالدته وأولاده في خانكاه الصُّوفية التي بناها شِبْلُ الدولة الحُسامي عند ثورا.
وفيها سار الملك النَّاصر يوسف بالعساكر إلى المِزَّة يريد الديار المِصْرية بإشارة شمس الدين لؤلؤ، فإنَّه لجَّ لجاجًا كان سببًا لحضور منيته، وكان يستهزئ بالعساكر المِصْرية، ويقول: آخذها بمئتي قِناع (١). وكانت تأتيه كتب مِنْ مصر فيظنّها من الأعيان، وكانت من الرَّعاع، فدخلوا الرمْل، وقربوا من البلاد، وتقدم عسكر الشَّام، ومعهم جمالُ الدين بن يغمور، وسيف الدين بن المشد، وجماعة، وانفرد الشمس لؤلؤ وضياء الدين القيمري والتقوا، فانهزم المصريون، ونهبت أثقالهم، ووصلت طائفة من البحرية إلى الصَّعيد، وكانوا قد أساؤوا إلى المِصْريين، فنهبوهم، وارتكبوا كل قبيح، وخُطِبَ في ذلك النهار في القاهرة والقلعة ومصر للملك النَّاصر، وفي جميع البلاد، وبات جمال الدين بن يغمور بالعباسة، وأحمى الحمام للملك النَّاصر، وهيأ له الإقامة. هذا والملك النَّاصر على ظاب كراع ما عنده خبر، وهو واقفٌ بسناجقه وخزائنه وأصحابه، ولما وقعت الهزيمة على المِصْريين ساق عِز الدين أيبك التركماني وأقطايا في ثلاث مئة فارس طالبين الشَّام هاربين، فعثروا في طريقهم بالشمس لؤلؤ والضياء القيمري، فساق شمس الدين [لؤلؤ] (٢) عليهم، فحملوا عليه، فأسروه، وقتلوا ضياء الدين القيمري، وجيء بشمس الدين لؤلؤ إلى بين يدي عز الدين، [فبلغني أن] (٣) حسام الدين بنَ أبي علي [قال:] (٢) لا تقتله لنأخذ به الشَّام، فقال أقطايا: هذا الذي
стр. 10753
يأخذ مصر بمئتي قِناع؛ جَعَلَنا مخانيث. فضربوا عُنُقَه، واعترضوا طُلْب السُّلْطان، فخامر بعضُ العزيزية مماليكُ أبيه عليه، وجاء منهم جماعةٌ إلى عز الدين وأقطايا، وقالوا: إلى أين، هذا السلطان واقف؟ فعطفوا على الطُّلْب، وكسرتِ العزيزيةُ سناجقَ السُّلْطان، وكسروا صناديقه، ونهبوا ماله، ورموه بالنُّشَّاب، فأخذه نوفل البدوي وجماعةٌ من مماليكه وأصحابه، وساروا به إلى الشَّام، وعطف المِصْريون على المعظَّم ابنِ صلاح الدين، فأسروه بعد أن جرحوه، وجرحوا ولده تاج الملوك، وأخذوا أخاه النُّصرة، والأشرف ابن صاحب حمص، والزَّاهر عمه، والصَّالح إسماعيل، وأعيان الحلبيين، ومات تاجُ الملوك بن المعظم من جراحةٍ كانت به، فحمل إلى القُدْس ميتًا، وجُرِحَ حسام الدين القَيمري، فحمل إلى القُدْس، فمات به، وضُرب الشَّريف المرتضى في وَجْهه بالسَّيف ضربةً هائلة عَرْضًا، وأرادوا قَتْلَه، فقال: أنا رجلٌ شريف، ابنُ عَمِّ رسولِ الله ﷺ ، فتركوه، فقال الشريف: بقيتُ في الرمل يومًا وليلة ملقى رأسي ناحيةً، ووجهي ناحية، والدِّماء تفيض، ولولا أَنَّ الله مَنَّ عليَّ بالملك الصَّالح ابن صاحب حمص هلكت، حملني، وخيَّط وجهي بمسال، وعاينت الموت مرارًا، وتمزَّق النَّاس كلَّ ممزَّق، ومشوا في الرِّمال أيامًا.
وأما المِصْريون فإنهم دخلوا إلى القاهرة بالأسارى، والسناجق المقلبة، والطبول المشقَّقة، والخيول والأموال والعُدَد، ولما وصلوا إلى تُرْبة نجم الدِّين أيوب أخذوا بالصَّالح إسماعيل، وصاحوا: يا خوند، أين عينك ترى عدوك؟ ورموا الأسارى في الجباب، وجمعوا بين الصَّالح وبين أولاده أيامًا، ثم غَيَّبوه وإلى هَلُمَّ جرا، ولم يصحَّ عنه خبر إلا ما تتحدَّث العوام بتلافه.
وأما المماليك، فمالوا على المِصْريين قَتْلًا ونَهْبًا، ونهبوا أموالهم، وسَبَوْا حريمهم، وفعلوا بهم ما لا يفعل الفرنج بالمُسْلمين.
وكان وزير الصَّالح إسماعيل معتقلًا في جُبٍّ بالقلعة هو وناصر الدِّين يغمور وسيف الدين القيمري والخُوَارزْمي صهر الملك يوسف، فخرجوا من الجُبّ، وعصوا في القلعة، ولم يوافقهم سيف الدين القيمري، بل جاء فقعد على باب الدَّار التي فيها عيال التركماني، وحماها، فلم يدع أحدًا يقربها، وأما الباقون فصاحوا: الملك النَّاصر يا
стр. 10754
منصور. وجاء التُّرْك، ففتحوا باب القلعة، ودخلوا، فشنقوا وزير الصَّالح، وابن يغمور والخُوارَزْمي متقابلين، وشنقوا المجير بن حمدان، وكان شابًّا حسنًا، قالوا: تعدى على بعض المماليك، ونهب خيله.
ووصل الملك النَّاصر إلى غَزَّة، وأقام ينتظر أصحابه، فوصل إليه منهم مَنْ سَلِمَ من عسكر الشام، وابن صاحب المَوْصل.
وفيها توفيت
أرغوان الحافظية، عتيقة العادل (١)
وإنما سميت الحافظية؛ لأنها رَبَّتِ الحافظ صاحب قلعة جَعْبر، وكانت امرأةً عاقلة، مدبِّرةً، صالحة، وكانت مُدَّة حبس المغيث بن الصَّالح أيوب في قلعة دمشق تهيئ له الأطعمة والأشربة، وتبعث له الثِّياب، فحقَدَ عليها الصَّالح إسماعيل، فصادرها، وأخذ منها أموالًا عظيمة، وكانت الحافظية قد عمرت زمنًا طويلًا، وكان بنو أيوب يحترمونها، ووقفت دارها بدمشق على خُدَّامها، وبنت بالجبل تُرْبة تحت ثورا على طريق عين الكرش، كانت بُسْتانًا للنجيب غلام التَّاج الكندي، فاشترته، وبنت فيه تُرْبة ومسجدًا، ووقفت عليهما وقفًا.
تورانشاه بن الصَّالح أيوب، ويلقب بالمعظَّم (٢)
قد ذكرنا مجيئه إلى الشَّام، وذهابَه إلى مِصْر، واتَّفق كسرةُ الفرنج عند قدومه، فتيمَّن الناس بطَلْعته، [واستبشروا بمشاهدته] (٣)، غير أَنَّه بَدَتْ منه أسباب نَفَرت القلوبَ عنه، فاتَّفقوا على قَتْله، وكان فيه نوع خِفَّة، فكان يجلس على السِّماط، فإذا سمِعَ فقيهًا يذكر مسألةً وهو بعيدٌ عنه يصيح هو: لا نُسَلِّم، واحتجب عن النَّاس أكثر من أبيه، وكان إذا سَكِرَ يجمع الشموعَ، ويضرب رؤوسها بالسيف فيقطعها، ويقول: كذا أفعل بالبحرية.
стр. 10755
ويسمِّي مماليك أبيه بأسمائهم، وأهانهم، وقدَّم الأراذل وأبعد الأماثل، ووعد أقطايا أنه يؤمِّره، ولم يفِ له، فاستوحش منه. وكانت أُمُّ خليل لما وصل إلى القُدْس مضت إلى القاهرة، فبعث يهدِّدها، ويطلب المال والجواهر، فخافت منه، وكاتبتْ فيه.
ذِكْرُ مَقْتله:
لما كان يوم الاثنين سابع عشرين محرَّم جلس على السِّماط، فضربه بعض المماليك البحرية بالسَّيف، فتلقَّاه بيده، فقطع بعض أصابعه، وقام، فدخل البُرْج وصاح: مَنْ جرحني؟ قالوا: الحشيشية. قال: لا والله، إلا البحرية، والله لا أبقيت منهم بقيَّة. واستدعى المزيِّن، فخيَّط يده، وهو يتوعَّدهم، فقال بعضُهم لبعض: تمموه وإلا أبادكم. فدخلوا عليه، فانهزم إلى أعلى البُرْج، فأوقدوا النيران حول البرج، ورموه بالنُّشَّاب، فرمى بنفسه، وهرب نحو البحر، وهو يقول: ما أريد ملك! دعوني أرجع بنفسي إلى الحِصْن، يا مسلمين، ما فيكم مَنْ يصطنعني ويجيرني؟ والعساكر واقفة فما أجابه أحدٌ، والنُّشَّاب يأخذه، وكذا لما صَعِدَ إلى البرج رموه بالنُّشَّاب، فتعلَّق بذيل أقطايا، فما أجاره، فقطَّعوه قِطَعًا، وبقي على جانب البحر ثلاثة أيام منتفخًا ما يتجاسر أحدٌ أن يدفنه حتى شَفَعَ فيه رسولُ الخليفة، فحُمِلَ إلى ذاك الجانب، فدفن. ولما قتلوه دخلوا على الإفرنسيس الخيمة بالسُّيوف، فقالوا: نريد المال، فقال: نَعَمْ. وأطلقوه، وسار إلى عكا على ما اتَّفقوا عليه معه. وكان الذي باشر قَتْلَه أربعة، [قال سعد بن مسعود بن تاج الدين شيخ الشيوخ: حكى لي رجل صادق أنَّ] (١) أباه الصَّالح أيوب قال لمحسن الخادم: اذهب إلى أخي العادل إلى الحبس، وخُذْ معك من المماليك من يخنقه، فعرض محسن ذلك على جميع المماليك، فامتنعوا إلا هؤلاء الأربعة، فإنَّهم مضوا معه، وخنقوه، فسلَّطهم الله على ولده، فقتلوه أقبح قِتْلة، ومَثَّلوا به أعظم مُثْلة لما فعل بأخيه.
[وحكى لي الأمير] (١) حسام الدين بن أبي علي [قال] (١): كان تورانشاه متخلِّفًا، لا يصلح للملك، كُنَّا نقول للصَّالح نجم الدين: ما تنفذ تحضره إلى ها بها. فيقول: دعونا من هذا. فلحَّينا عليه يومًا، فقال: أجيبه إلى ها هنا أقتله!
стр. 10756
[وحكى] (١) عماد الدين بن دِرْباس [قال] (١): رأى بعضُ أصحابنا الصَّالح أيوب في المنام وهو يقول: [من مجزوء الرمل]
قتلوه شَرَّ قِتْلَهْ … صار للعالم مُثْلَهْ
لم يراعوا فيه إلًّا … لا ولا من كان قَبْلَهْ
ستراهُمْ عن قليلٍ … لأقل النَّاس أُكْلَهْ
وكانوا قد جمعوا في قَتْله ثلاثة أشياء: السيف والنار والماء، وخُطِبَ لأُمِّ خليل على المنابر بالقاهرة ومِصْر.
شمس الدين لؤلؤ بن عبد الله، مقدَّم عسكر حلب (٢)
كان أميرًا حسنًا، صالحًا عابدًا، زاهدًا، مدبرًا، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، [وقد كان يحكي واقعات جرت له، منها قوله عن بركة خان: أريد رأسه، فكان كما قال.
وحكى لي أنه] (١) لما كان على حمص جاء، ومعه جماعة من أصحابه إلى البحيرة، ومعهم مقلى وزيت يصيدوا سمكًا، فرموا الشبكة، فلم يصعد فيها شيء، قال: وكنتُ واقفًا على ظهر فرسي، فقلتُ: نرجع بغير شيء! وإذا بسمكةٍ كبيرة قد خرجت من الماء، وجاءت فوقعت بين يدي فرسي.
[وبلغني أنه قال: أنا سجدت سجدة في حلب أخذت دمشق، وأسجد أخرى في دمشق آخذ مصر. ومن هذا الجنس شيئًا كثيرًا، وما كان يدعي ذلك كرامات، وإنما كان يخبر عن نفسه، وما به بأس أبدًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١] إلا أنه، (١) قتل ﵀ قتلة شنيعة، وبقي مدة لا يوارى، وكان قد لجَّ في الدُّخول إلى مِصْر [لجاجًا لا يداري، فغفر الله تعالى ذنبه، فإنه لم يزل غفارًا] (١).
стр. 10757
أبو الحسن المتطبِّب [السَّامري] (١)(٢)
وزير الصَّالح إسماعيل.
وهو الذي كان سببًا لزوال دولته، وإخماد جمرته، وقد ذكرنا أخباره متفرِّقة في السنين، فسبحان مَنْ أراح منه المسلمين، وما كان مسلمًا، ولا سامريًّا، بل كان يتستَّر بالإِسلام، ويبالغ في هَدْم شريعة المصطفى ﵊. قال له الشيخ إسماعيل الكوراني ﵀ يومًا وقد زاره: لو بقيت على دينك كان أصلح [لك] (١) لأنك تتمسك بدين في الجُمْلة، وأما الآن فأنت مذبذب، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. [وقد ذكره محمَّد بن سَعْد في قصيدته التي ذكرناها في سنة خمسين وست مئة] (١)، وقد ذكرنا أَنَّه شُنِقَ، وعَجَّل الله بروحه إلى أسفل الدَّركات، وما كان شَنْقُه علوًا في الحياة، بل خفضًا ولعنة في الممات، ولقد ظَهَرَ له من الأموال واليواقيت والجواهر والتحف والذخائر ما لا يوجد في خزائن الخلفاء ولا السَّلاطين، وأقاموا ينقلونه مدة سنين، [فبلغني أن] (١) قيمة ما ظهر ثلاثة آلاف ألف دينار غير الودائع التي كانت له عند أصدقائه والتجار، ووجدوا له عشرة آلاف مجلد من الكُتُب النَّفيسة والخطوط المنسوبة، فتمزَّق الجميع في زمنٍ يسير، وأذهبه الله في نهابير (٣).
السنة التاسعة والأربعون وست مئة
فيها عاد الملك النَّاصر [صلاح الدين] (١) من غَزَّة إلى دمشق، وجاء عسكر مِصْر، فنزل غَزة والسَّاحل ونابُلُس، وحكموا على البلاد إلى الشَّريعة (٤)، وجَهَّز الملك النَّا صر عسكره، وجاءته النَّجدة، وساروا إلى غَزَّة، وعاد التُّرْك إلى مِصْر، وأقام العسكر على غزة مدة سنتين وشهور، وتردَّدت الرَّسائل بينهم، وخرجت السنة والتي بعدها على هذا.
стр. 10758
وفيها أخذ ابنُ العادل الكرك والشَّوبك، أعطاه إياها الخادم، وخرج أقطايا من القاهرة في ألف فارس، فنزل غَزَّة.
وفيها نقلوا تابوت الصَّالح إلى تُرْبته بالقاهرة، ولبس الأمراء ثياب العزاء، وناحوا عليه بين القَصْرين، وحزنوا وبكوا، وتصدَّقت أُمُّ خليل بمالٍ عظيم.
وفيها أخرجه التُّرْك دِمياط، وحملوا آلاتها إلى مِصْر، وأخربوا الجزيرة، وقيل: أخلوها، وعَزَلوا العماد بن القُطب الحموي عن قضاء مصر، وأضافوها إلى القاضي بدر الدِّين.
[وفيها تزوج الملك المعز أيبك التركماني الصالحين بأم خليل، وتسمى شجرة الدر بحضور القاضي بدر الدين والعدول.
وفيها توفي شهاب الدين بن فرج بدمشق، وخلف مالًا عظيمًا، وأمر منه بصدقة، واسمه سليمان.] (١)
وفيها توفي
الفقيه بهاء الدِّين علي بن هبة الله بن سلامة، ابن الجُميزِي (٢)
وكان إمامًا، فاضلًا، عارفًا بمذهب الشافعي، دَيِّنًا، وكان يخالط الملوك، فاتفق أَنَّه حَجَّ في آخر عمره، فاهدى له صاحب اليمن بمكة هدية، فقَبِلَها، فأعرض عنه الصَّالح أيوب، ولم يرض عنه، وكان قد [(٣) أخذ الفقه عن محمَّد الطوسي وعن محمَّد بن يحيى]، وسمع الحديث الكثير، ورواه، وترسَّل من الكامل إلى الأشرف وبغداد، وكان قد سافر في عنفوان شبابه إلى العراق، وسمع شُهْدة وأقرانها، والحافظ السِّلَفي بمِصْر، وكان خطيب القاهرة، وكان دَمِثَ الأخلاق، كريم النَّفس، قلَّ أن يدخل عليه أحد إلا ويطعمه، [وكنت اجتمع به بين القاهرة ومصر، ويقف معي، ويباسطني، ويدعو لي ويشكرني، وعمر لأنَّ] (١) مولده سنة تسعٍ وخمسين [وخمس مئة] (١)، وهو سِبْط ابن الجُمَّيزي.
وحكى [لي] (١) عن محمَّد بن السَّمَّاك الواعظ، قال: رأى الحق سبحانه في منامه، فقال له: يا مشعث، إلى متى تدعو النَّاس إلى بابي ولا تحضر بنفسك؟ وعِزَّتي، لولا
стр. 10759
أَنَّه حضر مجلسك بعضُ الأولياء، فسألني فيك فشفَّعته لعذَّبتك. قال: فعاش أيامًا، ومات.
وكانت وفاة بهاء الذين ليلة الخميس رابع وعشرين ذي الحجة، ودُفِنَ يوم الخميس بالقرافة، [وحملت جنازته على الأصابع، ودفن] (١) قريبًا من روزبهان.
السنة الخمسون وست مئة
فيها وصل التَّتر إلى الجزيرة، ونهبوا ديار بكر ومَيَّافارِقِين، وجاؤوا إلى رأس عين وسَرُوج وغيرها، وقتلوا زيادةً على عشرة آلاف، وصادفوا قافلةً خرجت من حَرَّان تقصد بغداد بين رأس عين وحَرَّان، فأخذوا منها أموالًا عظيمة، منها ستّ مئة حِمْل سُكَّر ومعمول مصر، وست مئة ألف دينار، وقتلوا الشّيوخ والعجائز، وساقوا من النساء والصبيان ما أرادوا، ورجعوا إلى خِلاط، وقَطَعَ أهلُ الشرق الفرات، وخاض الناس في القتلى من دُنَيْسر إلى الفرات، [وحكى لي] (١) بعضُ التجار [قال] (١): عددت على جسرٍ بين حَرَّان ورأس عين في مكانٍ واحد ثلاث مئة وثمانين قتيلا.
وحجَّ النَّاس من بغداد بعد عشر سنين بَطَلَ الحج فيها؛ منذ مات المستنصر وإلى هذه السنة.
وفيها توفي
شمس الدين محمَّد بن سَعْد، الكاتب المقدسي (٢)
نشأ بقاسيون على الخير والصلاح، وقرأ القرآن والنحو والعربية، وسمع الحديث الكثير، وكان مكينًا دَيِّنًا، وبَرَعَ في علم الأدب، وحُسْن الخَطِّ، وكتب للصَّالح إسماعيل والنَّاصر داود، وكان دَيِّنًا، فاضلًا شاعرًا، [(٣) وأنشدني قصيدة، وكتبها لي بخطه لما تفاقم ظلم السامري ونوابه، وكتب بها إلى الصالح إسماعيل، ولو كتبت بماء الذهب على الأحداق لكان ذلك أقل من القليل، وهي هذه الأبيات]: [من البسيط]
стр. 10760
يا مالكًا لم أجدْ لي من نصيحته … بُدًّا وفيها دمي أخشاه منسفكا
اسمعْ نصيحة مَنْ أَوْلَيتَه نِعَمًا … يخافُ كُفْرانَها إن كُفَّ أو تُركا
والله ما امتدَّ مُلكٌ مَدَّ مالِكُهُ … على رعيَّته مِنْ ظُلْمِهِ شَبَكا
ترى الحسودَ به مُسْتبشرًا فَرِحًا … مستغربًا من بوادي أمره ضحكا
وزيره ابن غزال والرَّفيع به … قاضي القضاة ووالي حربه ابن بكا
وثعلب وفُضيل مَنْ هما وهما … أهل المشورة فيها ضاق أو ضَنُكا
جماعة بهم الآفاتُ قد نُشِرَتْ … والشَّرْعُ قد ماتَ والإِسلامُ قد هلكا
ما راقبوا الله في سرٍّ وفي عَلَنٍ .. وإنما يرقبون النَّجْمَ والفلكا
وإنما قلد الملك الخصيص به … من همه عزله عنه ومن فركا
ومن عداوته أصلية وله … من البطانة فيما يبتغي شُركا
والآن قد حكموا واستوثقوا حلفًا … وصيَّروك لهم في صيدهم شَركا
إن كان خيرًا ورزقًا واسعًا فلهم … أو كان شرًّا وأمرًا سيئًا فلكا
وقد نصحتُ فَقُمْ واقبل نصيحة مَنْ … ما مَان في قوله خُرْقًا ولا أَفَكَا
واستدرك الأمر واستر ما جنوه بهم … تلقَ الرَّشادَ وإن أصررت منهمكا
فعن قريبٍ ترى آثار فعلهمُ … فيهمْ وفيك إذا ما سِتْرهم هُتكا
[قلت: يرحم الله قائلها، فقد كان ينظر من ستر رفيع، وهذا من جملة التوفيق، وأما ابن غزال فهو السامري، و] (١) ثعلب وفضيل منجمان كانا قد استوليا على الصَّالح إسماعيل [، وحسَّنا له كل فعل قبيح شنيع رذيل، فما نفعتهم النجوم، وأبادهم الحيُّ القيوم، وكانت وفاته] (١) في صفر، ودفن بقاسيون قريبًا من الشيخ أبي عمر.
جمال الدِّين بن مطروح (٢)
كان فاضلًا، كَيِّسًا، شاعرًا، ومن شعره لما فتح النَّاصر داود بُرْج داود بالقُدْس وأخرجه، وأخرج الفرنج منه: [من السريع]
стр. 10761
المسجد الأقصى له عادةٌ … سارتْ فصارتْ مَثَلًا سائرا
إذا غدا للكُفْر مستوطَنًا … أن يبعث الله له ناصرا
فناصرٌ طهَّره أَوَّلًا … وناصر طهَّره آخرا
[ومن شعر أيضًا ﵁:
لا عاش الغزال ولا بقي
وهو شعر ركيك] (١).
وتوفي في شعبان بمصر، ودُفِنَ بسارية في القرافة، وكانت له جِنازةٌ عظيمة، وكان قد دَخَلَ بين الخوارزمية والصَّالح أيوب، واستنابه أيوب بالشَّام، ولبس ثياب الجُنْد، وما كانت تليق به، وغَضِبَ عليه، ودحضه، وأعرض عنه إلى أن مات.
ولما وصل تورانشاه [إلى ديار مصر] (١) أعرض عنه بالكُلِّية، فأقام خاملًا إلى أن مات، فرحمه الله، لقد كان جَوَادًا، ذا مروءة، متعصِّبًا، سَمْحًا حليمًا، حسنَ النظر بالفقراء، عارفًا بفَضْل العلماء.
السنة الحادية والخمسون وست مئة
فيها دخل نجمُ الدِّين الباذرائي بين العَسْكرين، وتولى إصلاح الفريقين، وكانت الحرب قد ضَرَّسَتِ الجمعين، [وخصوصًا عسكر الشام، والله تعالى يؤيد الإِسلام، ويجري أموره على أحسن نظام] (١)، وقَدِمَ ابنُ الباذرائي والنَّظام بن المولى القاهرة، وحلَّفوا الملك والأمراء، وخلَّصوا المعظم، وأخاه النصرة، وابن صاحب حمص، والأمراء وغيرهم، وبنت الأشرف، وأولاد الصَّالح إسماعيل.
[وفيها توفي
القاضي صدر الدين الحنفي؛ قاضي آمد
كان فاضلًا، عارفًا بالمذاهب، كيِّسًا، لطيفًا، متعصبًا، ذا مروءة، حسن الوجه، بشوشًا، وكانت وفاته في صفر بالقاهرة] (١).
стр. 10762
وفيها ورد الخبر بوفاة
سعد الدين محمَّد بن المُؤَيَّد بن حَمُّوية (١)
ابنُ عَم صدر الدين شيخ الشيوخ بخراسان.
كان زاهدًا، عابدًا، ورعًا لطيفًا، يتكلم في الحقيقة، وله مجاهداتٌ ورياضات، وقدم مِصْر، وحَجَّ، وسكن الشَّام، فأقام بقاسيون مُدَّة في زاويةٍ يتعبد، ومعه جماعة من أصحابه، وبلغ به الفقر إلى حالٍ شديدة، ومع ذلك فلم يكن يترددُ إلى أحدٍ من أبناء الدُّنيا، ولا إلى بني عمه ولا يلتفت، ولما ضاق به الحال توجَّه إلى خراسان، واجتمع بملوك التتر، فأحسنوا به الظن، وأعطوه مالًا كثيرًا، وأسْلَمَ على يده خَلْق كثير منهم، وبنى بآمل خانكاه وتربة إلى جانبها، وأقام يتعبَّد، وله قَبُول عظيمٌ هناك، فقال في بعض الأيام: أريد أَنْ أزور جدي محمَّد بن حَمُّوية ببُحَيراباذ، فمضى إليه وزاره، وأقام عنده أسبوعًا، فمات، ودفن إلى جانبه، وقيل: إنه مات سنة خمسين وستّ مئة.
السنة الثانية والخمسون وست مئة
فيها وصلتِ الأخبارُ من مكة بأنَّ نارًا ظَهَرَتْ في أرض عدن في بعض جبالها، بحيث يطير شَرَرُها إلى البحر في اللَّيل، ويصعد منها دُخان عظيم في النَّهار، فما شكوا أَنَّها النار التي ذكر النبي ﷺ أنها تظهر في آخر الزَّمان، فتاب النَّاس، وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والفساد، وشرعوا في أفعال الخير والصَّدقات.
[وفيها أقطع الملك [المعزّ] إيدغدي العزيزي دمياط زيادة على خبزه، وتعمل ثلاثين ألف دينار.
فصل: وفيها توفي شهاب الدين كوجيا، بات وهو يشرب الخمر، فأصبح سكرانًا نائمًا ميتًا.
واتفق الصلح بأن يكون ابن أقسيس، ويلقب بالأشرف هو السلطان، وخطب لهما بمكة، وضربت السكة باسمهما.
وأخذت مدرسة الصَّالح من القاضي بدر الدين، ودفعت إلى ابن عبد السلام.
стр. 10763
وفيها قدم أقطاي من الصعيد بالمسلمين أسارى، ونهب أموالهم، وأسر ابن عم الشريف بن ثعلب، وشنق تحت القلعة] (١).
وفيها وصلتِ الأخبار من المغرب باستيلاءِ إنسانٍ على إفريقية، وادَّعى الخلافة، وتلقب بالمستنصر، وخُطِبَ له في تلك النواحي، وأظهر العدل [والإنصاف، وبنى له] (١) برجًا، وأجلس الوزير والقاضي والمحتسب [والوالي] (١) بين يديه، يحكمون بين الناس.
وفيها وصل الشَّريف المرتضى من الرُّوم، ومعه بنتُ علاء الدين صاحب الرُّوم من بنت العادل، تزوَّجها الملك النَّاصر يوسف بن محمَّد، فَزُفَّت إليه بدمشق، واحتفل لها احتفالًا عظيمًا، وأظهر تجمُّلًا كثيرًا لم يُرَ مثله، وتلقاها قضاة البلاد والولاة والنواب بالهدايا والإقامات من الرُّوم إلى دمشق.
[وفيها] (١) حج القاضي بدر الدين قاضي مصر في البحر، وعاد في البر.
وفيها مات الواسطي العماد الواعظ بمصر، وكان قد قال على المنبر: إن الله خلق آدم بيديه، وأومأ إلى يد نفسه. فعزر، وعزموا على قتله.
وكان يعظ في الأعزية، فحصل له منها مال كثير، فأخذه الحشوية، وهذا المذكور كان بدمشق لا يُلتفت إليه، ويستثقل، فلما فارقت دمشق بعد موت الأشرف، تعصّب له السَّامري، وكان يحضر مجلسه، ويمدحه الواعظ بما ليس فيه، وكان قصد السامري أن يقيمه موضعي، وتعصب له النجم بن سلام والجماعة، وظهر في تلك الأيام من النفاق ما كان يبدو من المنافقين في زمان النبي ﷺ وردّ الله كيدهم في نحورهم، وانعكست عليهم الأمور. وكان الدماشقة إذا جلس في الجامع يصيحون من جوانب الجامع: لا عاش المشبهون.
ليسَ التَّكَحُّلُ في العَينَينِ كالكَحَلِ (٢)
وترك الوعظ، فلما أخذت دمشق هرب هذا الواعظ إلى مصر، ومات بها.
стр. 10764
وفيها مات أقطاي بمصر قتلة شنيعة، وكان قد طغا وبغى وتكبر وتجبر، بحيث إنه كان إذا ركب من داره بالقاهرة إلى القلعة يقتل جماعة ولا يلتفت إلى الملك، وهو الذي قتل المعظم وباشره، وأكب عليه، وصاهر أصحاب حماة، واختلفوا في جهاز العروس، وحملوها إلى دمشق في محمل عظيم، وعجب الناس من بنت الكامل كيف سمحت لذلك العبد بالمصاهرة مع عدم الكفاية، فإنها كريمة الطرفين من ناحية الأب والأم، ولما لم يغر أحد لها غار الله، فسلّط على أقطايا من قتله أقبح قتلة، ومثل به أعظم مُثْلة، وكان قد طلب من الملك القلعة ليسكن العروس فيها، فاتفق مع شجرة الدر على قتله، واستدعاه، فقتله بالقلعة، وهربت البحرية إلى الشام.
عبد الحميد الخسروشاهي (١)
كان إمامًا، فاضلًا في فنون [شتى] (٢)، وصحب الفَخْر الرَّازي ابن خطيب الرّي، وأقام عند الملك النَّاصر داود سنين كثيرة بدمشق والكَرَك، وكان متواضعًا، كبيرَ القَدْر، كَيِّسًا، محضر خير، لم يُنقل عنه أنه آذى أحدًا، وإن قدر على نفع وإلا سكت، توفي بدمشق، ودفن بقاسيون على باب تُرْبة المعظم، ﵀.
السنة الثالثة والخمسون وست مئة
فيها عاد النَّاصر داود من الأنبار إلى دمشق بعد أن حبسه الملك النَّاصر يوسف بقلعة حمص ثلاث سنين، وبعث به إلى بغداد، ثم عاد إلى دمشق، فأقام بها، ثم عاد في سنة ثلاثٍ وخمسين إلى العراق، وحَجَّ، وعاد، فأقام بالحِلة، وكان قد جرى بين الحج العراقي وأصحاب مكة فتنة، فأصلح بينهم.
стр. 10765
السنة الرابعة والخمسون وست مئة
فيها فتح الملك النَّاصر يوسف مدرسته التي أنشأها بدمشق بباب الفراديس، وحَضَرَ النَّاصر والأمراء والقضاة والفقهاء، [ولم يتخلف أحدٌ غيري، وبعث إليَّ الملك الناصر، وسألني الحضور، فامتنعت بسبب تشويش مزاج عرض لي] (١).
وفيها غَرِقَتْ بغداد الغرق الشَّنيع الذي لم يُعهد مثله، بحيث انتقل الخليفة إلى دار المسناة، ودخل الماء إلى دار الوزير، ودار الخليفة، وخرج [خالي] (١) محيي الدين بن الجوزي من دار الخليفة، وضرب خيمة على تلٍّ عالٍ، وجلس بأهله فيها، وغرقت خزائن الخليفة [والذخائر] (١)، وجرى شيءٌ لم يجرِ مثله، وكان ذلك في شهر ربيع الأول.
وفي جمادى الآخرة (٢) قَدِمَ الصريمي الخارج على صاحب مِصْر إلى دمشق منهزمًا قد نهب ماله بالصعيد، وقُتلَ رجاله، فأنزلوه في مدرسة عز الدين على الشرف، فقال للفقهاء: اعذروني، فإنهم يخلوا لي الجوسق الذي على الميدان، وما انتقل إليه إلا على طالع. وأحضر المنجم، وأخذ له الطَّالع، وانتقل إلى الجوسق.
وفيها شَرَعَ الملك النَّاصر يوسف في عمارة تُرْبةٍ غربيِّ قاسيون.
وفيها توفي
الشيخ عماد الدين عبد الله بن النحاس (٣)
الزَّاهد، العابد، الورع، المجاهد، خَدَمَ الملوك، ووزر بالعجم، وانقطع في آخر عمره بقاسيون بزاويته، فأقام ثلاثين سنة صائمًا [قائمًا] (١)، مشغولًا بالله تعالى، وبقضاء الحوائج للنَّاس بنفسه وماله، ودفن بقاسيون [وهو الذي قال له ابن شيخ الشيوخ فخر الدين لما لامه: والله لأسبقنك إلى الجنة بمدة، وسبقه فخر الدين] (١)، رحمه الله تعالى.
стр. 10766
جاء في آخر نسخة (ت) ما نصه:
"آخر ما ألفه المصنف ﵀ من هذا التاريخ المشار إليه، وأدركته المنية في هذه السنة، وهي سنة أربع وخمسين وست مئة، توفي ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي الحجة بمنزله بجبل قاسيون، ودفن به، وحضر جنازته خلق عظام، سلطان البلد، فمن دونه، وهو الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف بن حسام الدين قَزأوغْلي بن عبد الله، سبط الشيخ جمال الدين بن أبي الفرج بن الجوزي، رحمه الله تعالى، ونفع بعلومه، بمحمد وآله (١) ".