مُحَمَّد بن عربي (١)
الشيخ المشهور.
كان فاضلًا فِي علوم الحقائق، وله المصنَّفات الكثيرة، و [حُكي لي أنَّه] (٢) كان يقول: أعرف الاسم الأعظم، وأعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق الكتب، وكانت وفاته بدمشق فِي دار القاضي محيي الدين [بن زكي الدين] (٢)، وغسله الجمال بن عبد الخالق، ومحيي الدِّين (٣)، وكان العماد بن النحاس يصُبُّ [الماء عليه] (٢)، وحمل إِلَى قاسيون، فدفن بتربة القاضي محيي الدِّين.
[فصل: وفيها تُوفِّي
نور الدولة بن القواس
وكان عدلًا، خيِّرًا، غزير المروءة، واحتاط الصالح إسماعيل على تركته] (٢).
السنة التاسعة والثَّلاثون وست مئة
فيها قَصَدَ الجوادُ ديارَ مِصْر ملتجئًا إِلَى الصَّالح أَيُّوب، ومهاجرًا إِلَى بابه، فعبر الرمل، فخاف أَيُّوب منه، وعَزَمَ على قَبْضه، فرجع إِلَى النَّاصر داود، والتجأ إليه، وجاء كمال الدِّين بن شيخ الشيوخ، فنزل غَزَّة، وكان النَّاصر بالقدس، فجاء إليه الجواد، واتفقا، وأقام النَّاصر بالقدس، وجَهَّز العسكر مع الجواد، وجاء الكمال، والتقوا على مكانٍ يقال له: بيت فوريك، فكسره الجواد، وأخذ الكمال [بن الشيخ] (٢) أسيرًا، فجيء به إِلَى النَّاصر فوبَّخه، فقال له الجواد: لا توبخه. وأقام الجواد عند النَّاصر، فتخيَّل منه، فاعتقله، وبعث به إِلَى بغداد فِي البرية تحت الحوطة، فنزل قريبًا من الأزرق، فعرفه بطن من العرب، فأطلقوه، فعاد إِلَى دمشق، وأقام فِي خدمة
стр. 10712
الصَّالح إسماعيل، ثم أتى إِلَى الفرنج، وأقام معهم مُدَّة، وعاد إِلَى دمشق، واعتقله الصَّالح فِي عزَّتا، ثم هلك فِي سنة إحدى وأربعين [وست مئة] (١).
وسار المنصور صاحب حمص وعسكر حلب إِلَى حَرَّان، فالتقوا مع الخُوارَزْمية، فكسروا الخوارزمية، ومزَّقوهم كل ممزَّق.
وفيها شَرَعَ الصالح أَيُّوب فِي عمارة المدارس بين القَصْرين، وقلعة الجزيرة، وأخذ أملاك النَّاس، وأخرب نيفًا وثلاثين مسجدًا، وقطع أَلْف نخلة، وغَرِمَ عليها دَخْلَ مِصْر سنين كثيرة، فأخربها الترك سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وفيها تخلَّص الصَّفي إبراهيم بن مرزوق من حبس حمص بعد اليأس منه، وكان الجواد وأسد الدين قد اتَّفقا عليه، وأخذا منه أربع مئة أَلْف دينار، وبقي محبوسًا ثلاث سنين.
وفيها اتَّفق شهابُ الدِّين غازي مع الخُوارَزْمية، ومضوا إِلَى ميَّافارِقِين، ونزلوا بها، وجاءه عسكر حلب، ونزل الجزيرة بالخوارزمية، فنهبوا وقتلوا، وجرت حروبٌ كثيرة مع المواصلة، وصاحب مارِدِين.
السنة الأربعون وست مئة
فيها عَزَمَ الصَّالح أَيُّوب على التوجُّه إِلَى الشَّام، فقيل له: البلاد مختلفة، والعساكر مختلفة. فجهَّزَ العساكر، وأقام [أيامًا، ولم يتهيأ له سفر] (١).
وفيها كانت وقعة عظيمةٌ بين الحلبيين والخُوارَزْمية، وكان غازي صاحب مَيَّافارقين مع الخوارزمية، وقد أخربوا بلاد المَوْصِل، ومارِدِين، وحلفوا لغازي وحلف لهم، ووافقهم صاحبُ ماردين، وجمع غازي الخانات، وشاورهم، فقالوا: لا بُدَّ من اللقاء. فقال: المصلحة أن نمضي ونخرب بلد الموصل. فلم يلتفتوا إليه، فلما كان ثامن وعشرين المحرم ركبوا، وطلبوا (٢) من جبل ماردين إِلَى الخابور، وساقوا إِلَى المَجْدَل،
стр. 10713
ووقف الخانات ميمنةً وميسرةً، وغازي فِي القلب، واقتتلوا، فصدمهم عسكر حلب صدمةَ رجلٍ واحد، فانهزموا لا يلوون على شيء، وتبعهم الحلبيون يقتلون ويأسرون، وأُخذت أثقال غازي وعسكره وأغنام التركمان وخيلهم ونساؤهم، وكانوا خلقًا عظيمًا، وبِيعَ الفرس بخمسة دراهم، ورأس الغنم بدِرْهم، ونُهبت نَصِيبين، وسُبي نساؤها، وكانت قد نهبت مرارًا مقدار سبع عشرة مرة من المواصلة والخوارزمية وعسكر ميافارقين وماردين، وعاد غازي إِلَى مَيَّافارقين، وتفرقت الخوارزمية، ثم اجتمعوا على نَصِيبين، ثم رحلوا، فنزلوا رأس عين، فقتلوا أهلها ونهبوا الأموال وسبوا النِّساء، وفعلوا بالخابور كذلك، ونهبوا أغنام التركمان.
وفيها جاء إِلَى غازي منشور بخِلاط وأعمالها مع شمس الدِّين النَّائب بالرُّوم، فتسلَّم غازي خِلاط وما فيها.
وفيها تُوفِّي
كمال الدِّين، أَحْمد (١)
ابن صدر الدين شيخ الشيوخ بغَزَّة فِي صفر عن ستٍّ وخمسين سنة، وبنى عليه أخوه معين الدين قُبَّة على جانب الطَّريق، وكان قد كسره الجواد بعسكر النَّاصر داود، وقيل: إنه سُمَّ، وكتب إِلَى ابنِ عمه سعد الدين: [من البسيط]
لو أنَّ فِي الأرض جنَّاتٍ مزخرفةً … تحُفُّ أركانَها الولْدان والخَدَمُ
ولم تكن رَأْيَ عَيني فالوجودُ بها … إذْ لا أراكَ وجودٌ كلُّه عَدَمُ
الإِمام المستنصر بالله (٢)
أبو جعفر منصور بن محمَّد الظَّاهر.
стр. 10714
كان جَوَادًا، سَمْحًا، عادلًا، قريبًا من النَّاس، رحوم القلب، متصدِّقًا سرًّا وجهرًا، عمر المدرسة الشَّاطئية (١)، ووقفها على المذاهب الأربعة، ووقف عليها الأوقاف الكثيرة، ونَقَلَ إليها المخطوط المنسوبة بخطِّ ابنِ البواب، وابن مُقْلة وغيرهما، ورتَّب للفقهاء جميع ما يحتاجون إليه من الأطعمة والأشربة والجامكيات والفواكه فِي حينها، حتَّى المارَسْتان والحمام فيها، ولم يكن عنده تعصُّب على مذهب، وليس فِي الدنيا مثل هذه المدرسة، ولا بني مثلها [فِي سالف الأعوام، فهي] (٢) فِي العراق كجامع دمشق وقُبَّة الصخرة بالشَّام، وبنى المساجد والمشاهد، وعمر الخانات فِي الطُّرقات، وكان يزور الصَّالحين ويبرهم، ويحسن إليهم، ويتفقدهم، ويزور المشهدين: مشهد علي والحسين ﵄، ويحسن إِلَى العلويين، ويُنْعم على المجاورين، ولم يكن للمال عنده قدر، [(٣) ولما وردت بغداد فِي سنة أربع وأربعين وست مئة حكى لي الثِّقات عنه أَنَّ له الأحوال الجليلة؛ منها أنَّه] كان يزور الشيخ عبد العزيز النَّاسخ بالحريم الطَّاهري، ويغشاه كثيرًا، فقال له يومًا: أنا لا أثاب على ما أفعله. فقال له عبد العزيز: الله الله يَا مولانا، إذا لم تثاب (٤) أَنْتَ مَنْ يثاب! فقال: لأَنَّ المال الذي أنفقه فِي أبواب البر ما له عندي قدر بل مثل التُّراب، والثواب إنما يكون على قدر المشقة.
و [منها أنَّه] (٢) كان يَمضي إِلَى العَلْث؛ قرية من دُجَيْل، بينها وبين بغداد مسيرة يومين حتَّى يزور إسحاق العَلْثي الحَنْبلي.
و [منها أنَّه] (٢) لما كان النَّاصر فِي الحياة كان قد بنى عنده فِي الدَّار بركة للمال، فكان يقول: ترى أعيش حتَّى أملأها ذهبًا؟ فلما ولي المستنصر وقف عليها، وقال: ترى أعيش حتَّى أفرغها؟
стр. 10715
و [منها أنَّه] (١) ركب يومًا للصَّيد فِي رمضان، فاجتاز بين الحربية ودار القز -محلَّتين بالجانب الغربي من بغداد- فرأى شيخًا كبيرًا، معه قدحٌ فيه طبيخ قد أخذه من العتَّابيين، وهو يريد أن يدخل الحربية، وكان فِي كلِّ محلة دار مضيف [فِي رمضان، فقال له: يَا شيخ، ممن أَنْتَ؟ قال: من الحربية. قال: أما عندكم دار مضيف؟ قال: بلى] (١). قال: فلِمَ تأخذ من الموضعين؟! فبكى الشيخ، وقال: والله ما أخذتُ من المحلَّتين، وإنما أنا رجلٌ كان لله عليَّ نعمة، وكان لي مال كثير، فافتقرت، وذهب المال والولد وأستحيي من أهل محلَّتي أن آخذ من دار المضيف، فأنا أمضي إِلَى المحلَّة التي لا أعرف فيها، فآخذ الطَّعام فِي القدح، وآتي إِلَى باب الحربية، فإذا أذن المغرب، ودخل النَّاس فِي الصَّلاة دخلتُ بيتي ولا يراني أحد. فبكى الخليفة، وقال لنفسه: ويحك يَا منصور! ما جوابك غدًا إذا سألك الله عن هذا الفقير المحتاج؟ ثم أعطاه أَلْف دينار، وقال: إذا نفدت، فتعال إِلَى باب البَدْرية. فأخذ المال، ومن فرحته انشقَّ قلبه، فعاش عشرين يومًا، ومات، وطولع الخليفة، فقيل له: ما نقص منه غير دينار واحد، فقال: إن كان له ورثة، فادفعوه إليهم، وإلا فأذنت لكم أن تتصدَّقوا به فِي الحربية على الفقراء، فهذا مال أخرجناه لله فلا نرجع [فيه، ولا يدخل] (١) إلينا.
وكانت وفاته [فِي هذه السنة]، وحمل إِلَى الرّصافة، وحزن عليه الخَلْقُ حُزْنًا عظيمًا لإحسانه إليهم، وعمل له العزاء ببغداد والبلاد كلها ثلاثة أيام، وولي ولده عبد الله.
الباب التَّاسع والثلاثون فِي خلافته، ولقبه المستعصم بالله
السنة الحادية والأربعون وست مئة
فيها تردَّدت الرُّسُل بين الصَّالح أَيُّوب وعمه الصَّالح إسماعيل فِي الصُّلْح، وقدم الشَّرف بن التِّبْنِيني، والأصيل الإسعردي الخَطيب، وأُطلق المغيث بن الصالح أَيُّوب، وركب، وخُطِبَ للصَّالح أَيُّوب بدمشق، ولم يبق إلَّا أن يتوجَّه المغيث إِلَى مِصْر، ورضي الصَّالح أَيُّوب ببقاء دمشق على عَمِّه الصَّالح بعد أن يسلِّم إليه ولده عمر
стр. 10716
المغيث، فأفسد [السامري] (١) وزير إسماعيل الحال، وقال له: هذا خاتم سليمان، لا تخرجه من يدك، فتعدم المُلْك. فتوقف الأمر، ولم ينتظم صلح، ومنع المغيث من الركوب، وحُبِسَ فِي بُرْج القلعة، وفسدت الأحوال.
وكَتَبَ الصالح أَيُّوب إِلَى الخُوارَزْمية، فعبروا الفرات، وانقسموا قسمين: قسم جاؤوا على بقاع بعلبك، وقسم على غوطة دمشق، ونهبوا وسبوا وقتلوا، وسدَّ إسماعيلُ أبوابَ دمشق، ونزلوا غَزَّة.
قال المصنف ﵀: وكنتُ حينئذٍ بديار مصر، فقدمت الإسكندرية فِي هذه السنة، فوجدتها كما قال الله تعالى: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] معمورة بالعلماء، مغمورة بالأولياء [الذين هم فِي الدنيا شامة] (١) كالشيخ محمَّد القَبَّارِي والشاطبي وابن أبي شامة، وهي أَوْلى بقول القَيسراني فِي وصف دمشق: [من البسيط]
أرضٌ تَحُلُّ الأماني من أماكنها … بحيثُ تجتمع الدُّنيا وتفتَرِقُ
إذا شدا الطَّيْرُ فِي أغصانها وقفت … على حدائقها الأسماعُ والحَدَقُ
[قلتُ:] (١) وسألوني الجلوس، فجلست بها مجلسين، تاب فيهما نحو من ألفين، فلما عزمت على العَوْد إِلَى القاهرة قام بعضُ أفاضلها، فأنشد: [من الطَّويل]
ذَكَرْتُمْ فراقًا فاستهلَّتْ مدامعي … وزادَ لهيبُ النَّارِ بين ضلوعي
وأصبحت مَيتًا من سماعِ فراقكُمْ … أودُّ بأنِّي لم أكن بسميعِ
فيا أهلَ هذا الثَّغْر ترضون غَيبَةً … لشمسِ علوم آنستْ بطُلوعِ
قفي شَمْسَنا قبل الفراقِ هُنَيَّةً … فلَسْنا على علمٍ بوقتِ رجوعِ
فقد وقفتْ شمسُ السَّماء ليوشع … وما ذاك من أفعالها بشنيعِ
فنحن ضيوف والقَراءُ ثلاثةٌ … وَجُودك يَا مولى الأنامِ شفيعي
فكان البيت الأخير هو الباعث على أن عزَّزْتُ لهم بمجلس ثالث، ولم أقدر أنْ أُسافر عنهم إلَّا ليلًا، لأنهم وجدوا بي ولا كوَجْد المجنون بليلى، يَا هل لليلاتٍ بجَمْع عودةٌ (٢).
стр. 10717
وفيها صالح صاحب الرُّوم التَّتر على أن يدفع إليهم كلَّ يوم أَلْف دينار، وفرسًا، ومملوكًا، وجارية، وكلب صيد، وهذا هو ابنُ علاء الدين، وكان ناقصَ العقل، فاتكًا، يلعب بالكلاب والسِّباع، ويسلِّطها على النَّاس، فعضَّه سَبُع، فمات.
وفيها تُوفِّي
النجم خليل بن عليّ بن الحسين (١)
الحموي، الحنفي.
قدم دمشق، وتفقه بها [على مذهب أبي حنيفة] (٢) وخَدَمَ المعظَّم، وأرسله ابنُ شُكْر إِلَى بغداد، ودرس فِي الرَّيحانية بدمشق، وناب عن الرَّفيع فِي القضاء، وتوفي فِي ربيع الأول، ودفن بقاسيون.
محمَّد بن عَقِيل بن كَرَوَّس (٣)
الجمال، محتسب دمشق.
كان رجلًا كَيِّسًا، متواضعًا جَلْدًا، وتوفي فِي شوال، ودفن بداره بدمشق.
يونس بن ممدود (٤)
ابن أبي بكر بن أَيُّوب، الجواد، مظفر الدين.
كان قد جاء إِلَى المعظَّم لما وقع بينه وبين الكامل، فأحسن إليه، ثم عاد إِلَى مِصْر، ولما مات الأشرف جاء مع الكامل إِلَى دمشق، وأقام [بها] (٢) حتَّى مات الكامل، وملَّكوه دمشق، وكان جَوَادًا كما سمي، يحب الصَّالحين، ويحسن الظَّنَّ بالفقراء، إلَّا أَنَّه كان حوله من ينهب النَّاس، ويظلم، وينسب ذلك إليه، وقد ذكرنا تقلُّبَ الأحوال به
стр. 10718
وأَنَّ أهله لم يقبلوه، فقصد الفرنج، فقبلوه، وخدموه، وحَضَرَ معهم نوبة قلنسوة؛ ضيعة من أعمال نابُلُس، قتلوا فيها أَلْف مسلم وهو نائم لم يتكلَّم كلمةً، وخاف منه الصَّالح إسماعيل، فبعث إليه ناصر الدين يغمور ليحتال عليه، ويحمله إِلَى دمشق، فقال: إنهما اتَّفقا على الصَّالح. ثم احتال الصَّالح على الجواد حتَّى قبضه وحبسه فِي عزَّتا وابن يغمور فِي قلعة دمشق، وكان الوزير [السامري] (١) قد قصده، وطلب الفرنجُ الجوادَ، وقالوا: لا بُدَّ لنا منه، فأظهر أَنَّه قد مات، وأهله يقولون: إنه خنقه، والله أعلم، وكان ذلك فِي شوال، ودفن بقاسيون فِي تُرْبة المعظم.
وأما ابن يغمور، فأقام محبوسًا بقلعة دمشق حتَّى مَلَكها الصَّالح أَيُّوب، وبَعَثَ به ابنُ شيخ الشيوخ إِلَى مِصْر، فحبسه الصَّالح أَيُّوب فِي الجُبّ، ثم شنق بعد مدَّة هو وأمين الدَّوْلة على قلعة القاهرة، [وسنذكرهما] (١).
أبو بكر الشعيبي (٢)
من أهل مَيَّافارِقِين.
كان صالحًا زاهدًا، بعث إليه غازي مرارًا يسأله الإذن [فِي زيارته] (١)، فلم يأذن له، وقيل له: هل تطرق البلادَ التترُ؟ فرفع رأسه إِلَى السَّماء، وأنشد: [من الطَّويل]
وما كلُّ أسرار القلوب مباحةٌ … ولا كلُّ ما حَلَّ الفؤادَ يُقالُ
وخرج إِلَى الشعيبة قريته، وقال: احفروا لي ها هنا، فبعد يومين أموت. فماتَ بعد يومين.
السَّنة الثَّانية والأربعون وست مئة
فيها عُزل القاضي الرَّفيع، وسببه أَنَّه كَتَبَ إِلَى الصَّالح إسماعيل يقول: قد حملتُ إِلَى خزانتك من أموال النَّاس أَلْف أَلْف دينار. فقال الصالح: ولا أَلْف أَلْف دِرْهم. وأوقف وزيره [السامري] (١) على ورقته -وكان الله قد سَخَّر الصَّالح إسماعيل لوزيره، فلو قال له: مت. لقال لداعي الموت: أهلًا ومرحبًا- وأنكر الوزير، فقال الرَّفيع: أنا
стр. 10719
أقابله. فقال الوزير للصَّالح: هذا الرفيع قد أكل البلاد، وأقام علينا الشناعات، والمصلحة عزله ليتحقَّق النَّاسُ أنك ما أمرته بهذه الأشياء. فَعُزِلَ عن القضاء أول السنة، وأخذت [منه] (١) مدارسه، وفوّض أمرها إِلَى ابن الصَّلاح، فأعطى العادلية للكمال التفليسي صهر الخويي، والشَّامية للتَّقي الحموي، والعذراوية لمحيي الدين بن الزكي، والأمينية لابن عبد الكافي، وغُيِّب الرفيع، واستقلَّ محيي الدين بالقضاء، واستناب الصَّدْر ابن سنين الدولة، وحكم محيي الدين بإسقاط شهادات أصحاب الرَّفيع: العز بن القطَّان، والزين الحموي، والجمال بن سيدة، [والنصير ابن قاضي بعلبك] (١)، والموفق الواسطيّ، وسالم المقدسيّ، [وابنه محمَّد لما فعلوا بالمسلمين، وأكلهم أموالهم بالباطل،] (١) وكان المحنة العظمى [والطامة الكبرى] (١) الواسطيّ [الملقب بالموفق] (١)، فإنَّه أهلك الحرث والنسل، [فأهلك الله ذلك النسل] (١).
وفيها ورد كتاب بدر الدين لؤلؤ صاحب المَوْصل يقول: إنني قد قررت على أهل الشَّام [قطيعة] (١) فِي كلِّ سنة، على الغني عشرة دراهم، وعلى الوسط خمسة، وعلى الفقير درهم، وقرأ محيي الدين بن الزكي الكتاب على النَّاس، وشرعوا فِي الجباية.
وفيها كانت الوقعة العظيمة بين الخُوارَزْمية والفرنج.
لما نزل الخوارزمية غَزَّة بَعَثَ إليهم الصَّالح أَيُّوب الأموال والخِلَع والخيل والأقمشة والعساكر، وأمرهم بالنُّزول على دمشق، فاتَّفق الصَّالح إسماعيل والنَّاصر داود والمنصور صاحب حِمْص مع الفرنج على الخُوارَزْمية وعسكر مصر، وكان الصَّالح [إسماعيل] (١) قد أعطاهم الشَّقيف بعد أن عَذَّب واليه، واستأصله حيث امتنع من تسليمه، وخرج إسماعيل بنفسه [من دمشق، ومضى إِلَى الشقيف] (١)، وسلَّمه إليهم، وكان عامرًا، وسلَّم إليهم صفد وبلاد المسلمين، وكانت صفد خرابًا، ولما اتَّفقوا مع الفرنج خرج صاحب حمص من دمشق بعسكر حمص إِلَى بلد الفرنج، وجهَّز النَّاصر عسكره من نابُلُس مع الظَّهير بن سُنْقُر الحلبي والوزيري، واجتمعوا بأسْرهم على يافا، والخُوارَزْمية وعسكر مصر على غَزَّة، وساق صاحب حمص وعسكر دمشق تحت أعلام الفرنج، وعلى رؤوسهم الصُّلْبان، والأقساء فِي الأطلاب يصلِّبون على
стр. 10720
المسلمين ويقسقسون عليهم، وبأيديهم كاساتُ الخمر والهنابات يسقونهم، وساقت الخُوارَزْمية وعسكر مصر، والتقوا على مكانٍ يقال له: قريبًا (١)، وكانت الفرنج فِي الميمنة، وعسكر النَّاصر فِي الميسرة، وصاحب حمص فِي القلب، فأوَّل من انكسرت الميسرة، وهرب الوزيري، وأُسِرَ الظَّهير بن سُنْقُر، وجرح فِي عينه، وأخذ جميع ماله، وأصبح فقيرًا، وانهزم صاحب حمص، ومالت الميمنة بالفرنج، فرأوا القلب والميسرة قد انكسروا، فخذلوا، وأحاطت بهم الخوارزمية، [وكان عسكر مصر قد انهزموا إِلَى قريب العريش، ورموا كوساتهم وأثقالهم، وثبتت الخوارزمية] (٢)، وكان الفرنج ألفًا وخمس مئة فارس من المُصَلا عليهم، والكنود الكبار، وعشرة آلاف راجل، وما كانت إلَّا ساعة حتَّى حصدتهم الخوارزمية بالسُّيوف حصدًا، وأسروا منهم ثمان مئة أسير، وكان يومًا عظيمًا لم يجر مثله فِي زمن نور الدين وصلاح الدين، رحمهما الله تعالى.
قال المصنِّف ﵀: وكنتُ يومئذٍ بالقُدْس، فأصبحت ثاني يوم الكسرة إِلَى غَزَّة، فوجدتُ النَّاس يعدون القتلى بالقصب، فقالوا: هم زيادة على ثلاثين ألفًا. وبعثت الخوارزمية بالأسارى والرُّؤوس إِلَى مِصْر، والظَّهير بن سُنْقُر وجماعة من المسلمين فِي الجملة، وأما صاحب حمص، فما وصل دمشق إلَّا فِي نفرٍ يسير، ونُهبت خزائنه وخَيلُه وسلاحه، وقُتِلَ أصحابه، ولقد بلغني أَنَّه طلب شاش علم يتعمَّم به، فما وجده، وجعل يبكي، ويقول: قد علمت أَنَّا لما سِرْنا تحت صُلْبان الفرنج أننا لا نفلح.
ووصل الأسارى إِلَى مِصْر، والظَّهير معهم، وعلقت الرؤوس على أبواب القاهرة، وامتلأتِ الحبوسُ من الأسارى، وجَهَّز الصَّالح أَيُّوب معين الدِّين بن الشيخ لحصار دمشق.
وفيها تُوفِّي
شهاب الدِّين، أَحْمد بن النَّاقد (٣)
وزير الخليفة. وكان أبوه وكيل أُمِّ الخليفة النَّاصر، ولما مات أبوه فِي أيام النَّاصر تشعثت أحوال أولاده، وصودروا، واستؤصلوا، وذهب جاههم، وأقاموا مدَّة إِلَى أن
стр. 10721
ولي المستنصر، فاستوزر أَحْمد، ولقبه مؤيَّد الدِّين، وكان رجلًا صالحًا، فاضلًا عفيفًا، دَيِّنًا، قارئًا للقرآن، [وتولى خالي محيي الدين أستاذ داره بعده] (١).
الحسن بن سالم بن سلَّام (٢)
نجم الدين.
كان أبوه من أكابر عدول دمشق يدعى بالشيخ الأمين، ونشأ نجمُ الدِّين على ما كان عليه أبوه، وكان ذا مروءة وعصبية، جَوَادًا [سمحًا] (١) سخيًّا، كريم الأخلاق، حسن العِشْرة، يحبُّ الصَّالحين، ويزورهم، ويبرهم، وله فِي رمضان ضيافة لا يمنع منها أحدًا، وتغيَّرت أحواله فِي آخر عمره، فإنَّه دخل فِي أشياء لا تليق بأبناء جنسه طمعًا فِي الدنيا، [وحكى لي] (٣) معين الدين بن الشيخ [قال:] (١) آخر ما أوصاني الصَّالح أَيُّوب أنني إذا فتحت دمشق [أن] (١) أعلق ابنَ سَلَّام بيده على بابه، لأَنَّ الذهب الذي بعثه إسماعيل إِلَى مقدَّمي دمشق فِي داره فُرِّق.
وكانت وفاته فِي ذي الحِجَّة، ودُفِنَ بقاسيون، ومات ولده، وتمزَّقت أمواله، [(٤) ودثرت أحواله، وبلغني أن ولده خلف ثلاث مئة أَلْف درهم وأكثر، فتفرقت أيدي سبأ، فرحمه الله على كل حال، لقد كان محط الرِّحال، وكعبة الآمال ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وبلغني أنَّه صودر بمال كثير مع أنَّه كان من أكبر الدماشقة وأنفسهم].
عبد الله بن عمر (٥)
ابن محمَّد بن حَمُّوية، أبو محمَّد، تاج الدين بن شيخ الشيوخ.
стр. 10722
كان فاضلًا، نَزِهًا، عفيفًا، شريفَ النَّفْس، عالي الهمة، قليلَ الطَّمع، لا يلتفتُ إِلَى أحدٍ من خَلْق الله [تعالى] (١) لأجل الدُّنْيا لا إِلَى أهله ولا إِلَى غيرهم، وصنف التَّاريخ وغيره، [(٢) وكان صديقي، وكان -رحمه الله تعالى- يزورني ويحضر مجالسي، وقد أنشدني لنفسه، فقال]: [من البسيط]
لم ألقَ مستكبرًا إلا تحوَّلَ لي … عند اللِّقاءِ له الكِبْرُ الذي فيهِ
ولا حلا لي من الدُّنيا ولذَّتِها … إلا مقابلتي للتِّيه بالتِّيهِ
وكانت وفاتُه فِي يوم الأربعاء سادس عشر صفر، وصُلِّي عليه بجامع دمشق، ودُفِنَ بمقابر الصُّوفية عند المُنَيبع، [سمع أباه عمر بن محمَّد، والحافظ ابن عساكر، وشُهدة الكاتبة، وغيرهم] (١)، وكان ولي مشيخة الخوانك بعد وفاةِ أخيه صَدْر الدِّين.
قال المصنف ﵀: ونقلتُ من خَطِّ ولده سعد الدين مسعود، قال: وُلدَ والدي تاج الدين يوم الأحد رابع عشر شوال سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة (٣)، وكان مفنّنًا [فِي العلوم، عارفًا] (١) فِي الأصولين والفروع والتَّرسُّل [والتواريخ] (١)، والهندسة والطب، وسمع الحديث الكثير، [وله مقاطع شعر جيدة] (١)، وصنَّف الكُتُب منها "المؤنس فِي أصول الأشياء" ثماني مجلدات، و"كتاب السِّياسة الملوكية" للكامل صاحب مِصْر، و"المسالك والممالك" و"عطف الذيل" فِي التاريخ، وأمالي وتواريخ كثيرة، وسافر إِلَى المغرب سنة ثلاثٍ وتسعين، ووصل مَرَّاكُش، واتصل بالملك المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، فأحسن إليه، وقدَّمه على جماعةٍ، وهذه عادتهم [فِي الغرب] (١) يولون الحرب العلماء والفضلاء، وجعله برسم من يقصد المغرب من الشَّام، يعرف به، ليحسن يعقوب إِلَى من يقصده، وأقام فِي خِدْمته إِلَى أن مات يعقوب، وخدم ولده محمدًا، وعاد [تاج الدين] (١) إِلَى الشَّام سنة ستِّ مئة، وحَجَّ سنة أربع وست مئة مع أخيه صدر الدين وأولاده [وهي أول حجة حججتها من بغداد، وكان أمير حاج الشَّام دلدرم، وحج معنا شبل الدولة
стр. 10723
الحسامي، ووقفنا يوم الأربعاء بعرفة، وكانت سنة مشهورة، كثيرة الخيرات، عظيمة البركات،] (١) وأقام بالرُّها مدة عند الأشرف.
[ذكر أولاده] (١):
سعد الدين مسعود، ولد ليلة الأحد سادس عشر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة.
وشرف الدين أبو بكر، ولد فِي المحرَّم سنة ثمانٍ وست مئة.
[وقال ولده سعد الدين: تُوفِّي يوم الأربعاء سادس عشر صفر، ودفن يوم الخميس على والده شيخ الشيوخ عن خمس وسبعين سنة، وكان مرضه بالسعال والإسهال] (١).
عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل (٢)
أبو حامد، القاضي الملقب بالرَّفيع [(٣) الذي فعل بأهل دمشق تلك الأفاعيل، ففعل الله تعالى به وبأصحابه كما فعل بأصحاب الفيل، وأرسل عليهم من العذاب طيرًا أبابيل.
وحكى جماعة من أعيان دمشق] أنَّه كان فاسدَ العقيدة، دهريًّا، مستهترًا بأمور الشريعة، يخرج إِلَى الجمعة سكرانًا، وكذا كان يجلس فِي مجلس الحكم، وكانت داره مثل الحانات، [النِّساء بالرِّجال مختلطات، وكل هذه الأشياء شهد بها عندي جماعة من العدول الذين ما عن شهادتهم عدول] (١).
ذِكْرُ مقتله:
[(٤) حكى لي جماعةٌ ممن أثق بهم أَنَّ السَّامري بعث به] فِي الليل إِلَى قلعة بَعْلَبَك على بَغْلٍ ببرذعة لبعض النَّصارى، فاعتقله، واستأصله، ثم بعث به إِلَى مغارة [يقال لها
стр. 10724
مغارة] (١) أفقّه فِي جبل لبنان من ناحية السَّاحل، وبعث إليه عدلين من عدول بَعْلَبَك شهدا عليه ببيع أملاكه، فحكى [لي] (١) أحدهما، قال: رأيته وعليه قندورة صغيرة، وعلى رأسه تخفيفة، فبكى، وقال: معكم شيء آكل؟ فلي ثلاثةُ أيام ما أكلت شيئًا. قال: فأطعمناه من زادنا، وشهدنا عليه ببيع أملاكه لأمين الدولة، ونزلنا من عنده، فبلغنا أَنَّ داود النَّصْراني [سيف النقمة] (١) جاء إليه، وقال: قد أُمرنا بحملك إِلَى بَعْلَبَك. فأيقن بالهلاك، وخرج معهم، وقال: دعوني أُصلِّي ركعتين. فقال داود: صَلِّ. فقام يصلي، [فصلى ركعتين] (١)، فأطال، فرفسه داود من رأس شقيف مطلٍّ على نهر إبراهيم، فوقع، فما وصل إِلَى الماء إلَّا وقد تقطَّع.
وحكى [لي آخر] (١) أنَّه تعلَّق ذيله بسنِّ الجبل، فما زال داود يضربه بالحجارة حتَّى قتله.
وأما الموفق الواسطيّ [(٢) وكان ضد اسمه، فحكى لي أعيان الدماشقة أنَّه كان أساس البلايا، ومعدن المصائب والرزايا، فتح أبواب المظالم، وأوقع المسلمين فِي المغارم، وجسَّر الرفيع على خوض جهنم، وكان يقال إنه من ظلمه تعلَّم، وأخذ أموال النَّاس لنفسه على ما بلغني، وهي نحو ست مئة أَلْف درهم، وأنه فِي آخر عمره عذب عذابًا ما عذبه أحد من العالمين، وكسرت ساقاه، وصار عبرة للناظرين، ومات تحت الضرب، وألقي فِي مقابر اليهود والنصارى، ولم يجد له من دون الله أنصارًا، وأكلت لحمه الكلاب، وصار عبرة لأولي الألباب، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] وما هي من الظالمين ببعيد]. وسُرَّ النَّاس به.
الملك المغيث عمر بن الصالح أَيُّوب (٣)
كان ولدًا حسنًا، عاقلًا، دَيِّنًا، أسره الصَّالح إسماعيل سنة ثمانٍ وثلاثين، وحبسه فِي بعض أبراج قلعة دمشق، وكان عاقلًا جَوَادًا، لم يحفظ عنه كلمة فحش، ولا كسَرَ
стр. 10725
قلب أحد، وتخلَّى عنه أبوه بعدما بالغ واجتهد فِي خلاصه، فلم يقدر، [وما كان سبب وفاته إلَّا السَّامري، فإنَّه ضيَّق عليه] (١) وآذاه، فمات غمًا وغبنًا ليلة الجمعة ثاني عشرين ربيع الآخر فِي محبسه، وحمل إِلَى تُرْبة جده الكامل، فدفن بها، رحمه الله تعالى.
[ولقد صبر صبر الكرام، وسار إِلَى دار السلام، وآل مآل السامري إِلَى الدرك الأسفل من النَّار، فلا رحم الله تلك العظام] (٢).
الملك السَّعيد عمر بن شهاب الدِّين غازي
[صاحبِ ميافارقين] (٢).
كان شابًّا، حسن الأخلاق، مليحَ الصُّورة، جَوَادًا، شجاعًا، وكان التَّتر قد استولوا على ديار بكر، وأخذوا خِلاط، فخرج غازي من مَيَّافارقين هاربًا منهم ليستنجد عليهم الخليفة والملوك، وخرج معه ولده عمر، وأمير حسن بن تاج الملوك أخي غازي، فوصلوا إِلَى الهرماس لوداع غازي، فقال غازي لولده عمر: يَا ولدي، المصلحة أَنْ ترجع إِلَى ميَّافارقين تحفظ المسلمين من التتر، وأنا أروح إما إِلَى بغداد وإما إِلَى مِصْر أستنجد الملوك، فقال: والله ما أفارقك، وجاء حسن بن تاج الملوك فجلس إِلَى جانبه، وأخرج سكِّينًا، وضرب عمر فِي خاصرته، وهرب ليرمي بنفسه فِي العين [ليغرقها] (٢)، فصاح [غازي] (٢): أمسكوه، فقد قتل عمر ولدي. وقام غازي ليقتله، فقصده حسن ليقتله، فرمى عمر بنفسه على غازي، وقال لحسن: يَا عدوَّ الله، قتلتني، وتقتل والدي. فضربه حسن بالسَّيف فقطع خاصرته، فوقع إِلَى الأرض، وأمر غازي بحسن فَقُطِّع قِطَعًا، وحُمِلَ عمر إِلَى الحِصْن، فدفن به، وحَزِنَ عليه والده حُزْنًا عظيمًا.
السنة الثالثة والأربعون وستّ مئة
فيها حَصَرَ معينُ الدِّين ابنُ الشيخ والخُوارَزْمية دمشق، وضايقوها، وقطعت الخُوارَزْمية على النَّاس الطُّرق، وزحفوا على البلد من كلِّ ناحية، وفي يوم الاثنين
стр. 10726
ثامن المحرَّم بَعَثَ الصَّالح إسماعيل إِلَى معين الدِّين سجادة وإبريق وعكّاز، وقال: اشتغالك بهذا أَوْلى من اشتغالك بقتال الملوك. فبعث إليه ابنُ الشيخ بجنك وزمر وغلالة حريري أحمر وأصفر، وقال: السجادة تصلح لي، وأنت أَوْلى بهذا. وأصبح، فركب فِي العساكر، وزحفوا من كلِّ ناحية، ورموا النِّيران فِي قَصْر حجاج، فضربوا بالمجانيق، وكان يومًا عظيمًا، وبعث إسماعيل الزَّرَّاقين يوم الثلاثاء تاسع المحرم، فأحرقوا جوسق العادل، ومنه إِلَى زقاق الرمان [و] العقيبة بأسْرها، ونهبت أموالُ النَّاس، ورموا على الطرق، واحترق بعضهم، [وحكي لي أن رجلًا كان له عشر بنات أبكار، فقال لهن: أخرجن. فقلن: لا والله، الحريق أولى من الفضيحة. فاحترقت الدار، واحترقن، ولم يخرجن] (١)، وجرى على النَّاس ما لم يجر فِي بلدٍ آخر.
وفي ربيع الآخر خرج المنصور صاحب حِمْص من دمشق [إِلَى ظاهرها، واجتمع ببركة خان، واستبشر النَّاس باجتماعهما، وعاد المنصور إِلَى دمشق] (١).
وفي جُمادى الأولى فُتحت دمشق؛ بَعَثَ أمين الدَّوْلة إِلَى ابنِ الشيخ يطلب منه شيئًا من ملبوسه، فبعث له فَرَجيةً وعِمامة وقميصًا ومنديلًا، فلبس ذلك، وخرج إِلَى ابنِ الشيخ بعد العشاء الآخرة، فتحدَّث معه ساعة، ثم عاد إِلَى دمشق، ثم خرج مرة أخرى، فوفق الحال، وخرج إسماعيل وصاحب حِمْص فِي الليل إِلَى بَعْلَبَك، ودخل ابنُ الشيخ دمشق، فنزل فِي دار سامة، ودخل الشِّهاب رشيد إِلَى القلعة، وولى ابنُ الشيخ الجمال هارون المدينة، وصَدْرَ الدين بنَ سني الدولة قضاء القضاة، فاستنابَ العزيزَ السِّنْجاري والكمال التفليسي، وعَزَلَ محيي الدِّين بنَ الزكي.
ووصل سيف الدين بن قليج من عجلون إِلَى دمشق تاسع عشرين جمادى الأولى منفصلًا عن النَّاصر داود، وأوصى بعجلون وماله للصَّالح أَيُّوب، ونزل بدار فلوس.
وجهَّز ابنُ الشيخ أمين الدولة [السامري] (١) إِلَى مِصْر تحت الحوطة.
стр. 10727
وأما الخُوارَزْمية فإنهم لم يحضروا الصُّلْح، ولم يعلموا به، فلما علموا رحلوا إِلَى داريا، فنهبوها، وأتلفوا ما كان عليها، ثم رحلوا نحو الشَّرْق، وكاتبوا الصَّالح إسماعيل، واتفقوا معه على أَيُّوب، وانتقض الصُّلْح الذي قرَّره أمينُ الدولة.
ووصل [ابن خالي] (١) عبد الرحمن بن محيي الدين بن الجوزي، وابن سُنْقُر من بغداد بخِلَع السَّلْطنة للصَّالح أَيُّوب؛ وهي عِمامةٌ سوداء، وفَرَجية مُذْهبة، وتُرْس ذهب، وسنان محلاة، وغلامان، وطوق ذهب، وحصان بسرج، ولجام، وخِلَع لأصحابه، ومنشور، ومضيا إِلَى مِصْر، فالتقاهما، ولبسها على العَبَّاسة.
وعادت الخُوارَزْمية، فحصرت دمشق، وجاءهم إسماعيل من بَعْلَبك فِي ثالث [عشرين] (١) ذي القَعْدة، وضيَّقوا على دمشق، فبلغت الغِرارة ألفًا وست مئة دِرْهم، والقنطار الدقيق تسع مئة درهم، والخبر أوقيتين الأربع بدرهم، والرطل اللحم بسبعة دراهم، وعَدِمَتِ الأقوات، وبِيع العَقَار بالدَّقيق، وأكلت الميتات والجِيف والدم والقطاط والكلاب، ومات النَّاس على الطُّرُق، ونتُنَتِ الدُّنيا، [فكان الإنسان إذا مَرَّ بالجبل وشَمَّ روائح النَّاس مرض ومات] (١)، وضجر النَّاس من الغَسْل والتكفين، فكان النَّاس يخرجون، فيحفرون الآبار، ويرمون النَّاس بعضهم على بعض، ومع هذا كانت الخمور دائرة، والفِسْق ظاهر، والمكوس بحالها.
ولما علم الصَّالح أَيُّوب بأنَّ إسماعيل قد اتَّفق مع الخُوارَزْمية شَرَعَ يقطع عنه المنصور صاحب حمص، ويستميله ويمنِّيه، فأجابه.
[وفيها قدمتُ من مصر إِلَى قاسيون، ومرضت، فخرجت إِلَى العراق فِي السنة الآتية، فقدمت بغداد فِي رمضان] (١).
وفيها وصلت الكُرْجية بنت إيواني زوجة الملك الأشرف التي أخذها الخوارزمي إِلَى خِلاط، ومعها منشور خاقان بخِلاط وأعمالها، وراسلت شهاب الدين غازي تقول: إنِّي كنت زوجة أخيك الأشرف، وخاقان هذا أقطعني خِلاط، فإنْ تزوَّجْتَ بي فالبلاد لك. فما أجابها، فأقامت بخِلاط، وكانت غاراتها تصل إِلَى مَيَّافارقين.
стр. 10728
وفيها بعث الصَّالح [نجم الدين] (١) أيوب حسامَ الدين بنَ بهرام إلى الحِصْن ليحضر المعظَم تورانشاه إلى مِصْر، وبعث بدرُ الدِّين لؤلؤ إلى المعظم الخيام والمماليك والخيل، وكذا فعل شهاب الدين غازي، وكتب أيوب إلى ولده مع [ابن] (١) بهرام: الولد تقدم [على] (١) خيرة الله، وتصل إلى بالس، وتعدِّي عندها، فقد اتفقنا نحن مع الحلبيين، وقد ذكروا أنهم يجرِّدون ألف فارس في خِدْمتك، واعبر ببلد مارِدِين ليلًا، فما نحن وإياهم متفقين. فلما قرأ الكتاب كَرِهَ ذلك، وما كان يؤثر الخروج من الحِصْن، وقال لابن بهرام: يكونُ الإنسان مالك رأسه يصبح مملوكًا محكومًا عليه! ولم يجبه.
قال المصنف ﵀: وحكى لي حسام الدِّين بنُ أبي علي أَنَّ الصَّالح أيوب كان يكره مجيء ابنه المعظم إليه، وكنا إذا قلنا له: أنفذ أحضره. ينفضُ يديه، ويغضب، ويقول: أجيبه أقتله!
وفيها أخرج الصَّالح أيوب فخر الدين بنَ الشيخ من الحبس بعد أَنْ أقام مُدَّة ثلاث سنين، ولاقى شدائد من الضيق والضر والقمل.
[ولقد بلغني أن القمل ما كان يمكِّنه من النوم، وفرَّج الله عنه، وأقام في الحبس ثلاث سنين، وقصته مشهورة.
وفيها توفي
أحمد بن عبد الخالق (٢)
ويعرف بابن أبي هشام، المحدِّث، إمام مسجد الفسقار، وكان يقرأ به الحديث، وكانت وفاته في المحرم، ودفن بالباب الصغير] (١).
وفيها توفي الفلك بن المسيري بمصر (٣)، وعز الدين بن أبي عصرون بالقدس.
стр. 10729
وفيها توفي
معين الدِّين (١)، الحسن بن [صدر الدين] (٢) شيخ الشيوخ
أبو علي، وزير الصَّالح أيوب.
وهو الذي حَصَرَ دمشق، وكان مرضُه بالإسهال والدم، ونزع يومًا وليلة، ومات ليلة الأحد الثاني والعشرين من شهر رمضان عن ستٍّ وخمسين سنة، وصُلِّي عليه بجامع دمشق، ودفن بقاسيون إلى جانب أخيه عماد الدين، فكان بين بلوغ أُمْنيَّته وحلول منيَّتِهِ أربعة أشهر وخمسة عشر يومًا.
ربيعة خاتون بنت أيوب (٣)
أخت صلاح الدين والعادل، تزوَّجها أولًا سعد الدين مسعود بن معين الدين أُنَر، وكان صلاح الدِّين قد تزوج أُخته، ثم مات سعدُ الدين، فزوجها صلاحُ الدين مظفَّرَ الدِّين بنَ زين الدين، فأقامت بإربل، ثم قدمت دمشق فأقامت بها، وخدمتها أَمَةُ اللطيف العالمة بنت النَّاصح بن الحَنْبلي، وأقامت في خِدْمتها مُدَّة، فحصل لها منها أموالٌ عظيمة، وبنت للحنابلة بقاسيون مدرسةً، وأوقفت عليها الأوقاف، وتوفيت ربيعة بدمشق بدار العقيقي، ودفنت بقاسيون، وقد جاوزت ثمانين سنة.
[لأن أباها أيوب مات في سنة ثمان وستين وخمس مئة، وتوفيت في هذه السنة، بينهما ست وسبعون سنة، وكانت لربيعة خاتون محارم كثيرة وقد ذكرناهم في ترجمة أختها ستّ الشام] (٢).
وأما أَمَةُ اللَّطيف، فإنها لاقت بعد ربيعة خاتون الشَّدائد والأهوال، من الحبس والمصادرة [وأخذ المال] (٢)، وأقامت محبوسة ثلاث سنين بقلعة دمشق.
стр. 10730
قال المصنف ﵀: ودخلتُ مع نواب الصَّالح في قضيتها، وبالغتُ [في أمرها] (١)، فأطلقت من الحبس، وتزوَّجت بالأشرف ابن صاحب حمص، وسافر بها إلى الرَّحْبة وتل باشر، فتوفيت في سنة ثلاث وخمسين [غريبة عن الأهل والعشائر] (١)، وظهر لها بدمشق من المال [والذخائر] (١) والجواهر واليواقيت ما يساوي ست مئة ألف دِرْهم على ما قيل غير الأوقاف والأملاك، [فإن الدنيا تكون عاقبتها الهلاك،] (١) ومع هذا كانت فاضلةً، صالحة، دَيِّنة، عفيفة، ولها تصانيف ومجاميع [، وتآليف] (١).
عبد المحسن بن حمود بن المُحَسِّن (٢)
أبو الفضل، أمين الدِّين، الحلبي.
كان كاتبًا لعزِّ الدِّين أيبك المعظَّمي، وكان فاضلًا، بارعًا، دَيِّنًا، صالحًا، حسن الخَطِّ، ذا مروءة وفضائل جَمَّة، وله تصانيفُ كثيرة، [وأنشدني لما نزل الفرنج على الطور في سنة أربع عشرة وست مئة: [من البسيط]
قُلْ للخليفة لا زالت عساكره … بها إلى النصر إصدار وإيرادُ
إنَّ الفرنج بحصن الطور قد نزلوا … لا تغفلن فإنَّ الطورَ بغدادُ] (١)
ومن شِعْره في إجازة: [من الوافر]
أجزتُ لهم روايةَ ما أرادوا … على شرط يجانِبُهُ الفسادُ
بريًّا من كلام فيه سهو … ونَقْلٍ لا يوافِقُهُ السَّدادُ
وقال: [من الخفيف]
قد أجزتُ الذينَ فيها إلى ما الـ … ـتمسوه من الإجازةِ مني
فلهم بعدها رواية ما صحَّ … لديهمْ من الرِّواية عنِّي
وكانت وفاته في رجب، ودُفِنَ بباب قوما.
стр. 10731
عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان (١)
أبو عمرو، تقيُّ الدِّين بن الصَّلاح، الفقيه، المحدِّث.
كان مقيمًا بالقُدْس، ثم قَدِمَ دمشق لما خرب، وأقام بها، ودرَّس، وسمع الحديث، وأسمعه، وولاه الأشرف دار الحديث المجاورة للقلعة، وكان يفتي ويناظر، [وحضر دروسي في مدرسة شبل الدولة في سنة ثلاث وعشرين وست مئة، وتقلَّبت به الأحوال حتى] (٢) توفي ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر، وصُلي عليه بجامع دمشق، ودُفِنَ بمقابر الصوفية عند المُنَيبع.
[(٣) وكان قد سافر إلى البلاد، فسمع بنيسابور منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمَّد بن الفضل الفراوي، وكان ابن الصلاح يقول: للفراوي ثلاث كنى: أبو الفتح وأبو القاسم وأبو بكر. وسمع أيضًا المؤيد محمَّد بن علي الطوسي، وأبا بكر القاسم بن عبد الله بن عمر الصَّفَّار، وأبا المظفر عبد الرحيم بن أبي سعيد بن عبد الكريم بن محمَّد بن السمعاني. وسمع من مشايخنا عمر بن طبرزد وغيره، وزارني يومًا بتربة حسن على ثورا في أيام المعظم، وقال: تسأله أن يعطيني مدرسة. وكان المعظم يكرهه، فما زلت به حتى استصلحته له، فأخذ ينشدني في ذلك اليوم، لغيره]: [من مجزوء الكامل]
احذرْ من الواواتِ أر … بعةً فهنَّ من الحتوفِ
واوَ الوصيةِ والوكا … لةِ والوديعةِ والوقوفِ
عليُّ بنُ محمَّد بن عبد الصمد (٤)
أبو الحسن، علم الدِّين، السخاوي.
стр. 10732
قرأ القرآن [بالروايات] (١) على الشَّاطبي، وشرح قصيدته، وشرح "المفصل" للزمخشري، وله تصانيف، وقصائد في مدح النبي ﷺ ، [منها هذه الأبيات: [من الكامل]
قف بالمدينة زائرًا ومسلِّمًا … واشكُرْ صنيعَ الدَّمع فيها إن همى
فهي المنازلُ لم تزل تشتاقها … أبدًا وكنت بها المعنَّى المغرما
والزقْ بتربتها الفؤاد فكم شفتْ … داءً دفينًا قد أذابَ وأسقما
عجبًا لصبٍّ عاينته عَينُه … فرعى الحوادثَ واستطاع تكلُّما
هذا هو الحرمُ الشريف فقفْ به … واقرا السَّلامَ على الرَّسول متمِّما
يا خاتم الرُّسُلِ الكرام ومَنْ له الـ … آياتُ تحكي في السماء الأنجما
وله انشقاق البدر والجذع الذي … أبدى حنينًا والجماد تكلّما
والماء ينبع في أنامل مَنْ دعا … زُمرًا إلى الزَّاد اليسير فأطعما
ودعا بأشجار الفلاة فأقبلت … وأتى على حجرٍ أصمَّ فسلَّما
وعلا على متن البراق مشرَّفًا … وسرى إلى أعلى السَّماء معظَّما
صلّى عليه الله ما انهلَّ الحيا … وكسا الرِّياضَ ملونًا ومنمنما
من أبيات] (١).
وكان إمامًا، فاضلًا، مُفْتيًا، زاهدًا، عابدًا، ورعًا، مقتنعًا من الدُّنيا باليسير، وكانت له حَلْقةٌ بجامع دمشق، يقرأ عليه فيها القرآن والعربية والحديث، فإذا خرج من الجامع إلى قاسيون ركب حمارًا والطَّلبة يقرؤون عليه القرآن في الطَّريق، وختَم ألوفًا من الناس، ونفع خَلْقًا كثيرًا، وكانت وفاته ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة بدمشق، ودُفِنَ بقاسيون. [سمع الحافظ السِّلَفي، وأبا القاسم هبة الله البوصيري، وأبا الطاهر بن عوف، وأبا الفضل محمَّد بن يوسف الغَزْنوي، وغيرهم.
وفيها مات صاحب الروم، وكان صبيًّا لعابًا، وقد ذكرناه] (١).
стр. 10733
محمَّد بن عمر بن عبد الكريم (١)
أبو عبد الله، فخر الدِّين بن المالكي، الحِمْيَري.
كان منقطعًا بجامع دمشق بالمئذنة، متصدِّيًا لقضاء حوائج المسلمين [عند الولاة والسَّلاطين] (٢)، ذا مروءة، وكَرَمٍ، ودين، وفتوة، وزُهْدٍ في الدُّنيا، وتوفي ليلة الاثنين ثامن عشر شعبان، ودفن بمقابر الصُّوفية عند المُنَيبع.
النَّاصح الفارسي
كان شيخًا مُسْرفًا على نفسه، لم يفارق الخمر [ساعة واحدة] (٢) بدمشق، وحُمِلَ إلى حلب.
[وفيها توفي
نور الدين علي بن عقيل
كان شابًّا، عاقلًا، دَيِّنًا، صالحًا، وكان صهر الغرز الخليل على ابنته، رحمه الله تعالى] (١).
السنة الرَّابعة والأربعون وست مئة
فيها في ثامن المحرم كُسِرَتْ الخُوارَزْمية على بحيرة حِمْص لما أمال الصالح أيوب إليه المنصور صاحب حمص، واقتطعه عن الصَّالح إسماعيل، كتب إلى الحلبيين يقول: هؤلاء الخُوارَزْمية قد أخربوا البلاد، والمصلحة أن نتفق عليهم. فأجابوه، وخرج شمس الدين لؤلؤ بالعساكر من حلب، وجمع صاحب حمص العرب والتركمان، وخرج إليهم عسكر دمشق، واجتمع كلهم على حمص، واتَّفق الصَّالح إسماعيل والخُوارَزْمية والنَّاصر داود وعِزُّ الدين أيبك، واجتمعوا على مرج الصُّفَّر، ولم ينزل النَّاصر من الكرك، وإنما بعث عسكره، وبلغهم أَنَّ صاحب حمص يريد
стр. 10734
قصدهم، فقال بركة خان: دمشق ما تفوتنا، والمصلحة أن نسير إليهم. فساروا، والتقوا على بحيرة حمص يوم الجمعة سابع المحرَّم أو ثامنه، فكانتِ الدَّائرةُ عليهم؛ قُتِلَ بركة خان، وهَرَبَ الصَّالح إسماعيل وعِزُّ الدين أيبك، ومن سَلِمَ من العسكر عرايا جياعًا على فرس، ونُهبت أموالهم، ووصلوا إلى حوران، وساق صاحب حمص إلى بَعْلَبَك، وأخذ الربض، وسلَّمه إلى ناصر الدِّين القيمري وجمال الدين هارون، وعاد إلى حمص، وودَّع الحلبيين، وساروا إلى حلب، وجاء المنصور إلى دمشق في خدمة الصَّالح أيوب، فنزل ببستان سامة، ومضت طائفة من الخوارزمية إلى البلقاء، ونزل إليهم النَّاصر من الكَرَك، وصاهرهم، واستخدمهم، وأطلع عائلتهم إلى الصَّلْت، وكذا فعل عز الدين أيبك، وساروا، فنزلوا نابُلُس، واستولوا عليها.
ومرض صاحبُ حمص بدمشق، فتوفي بالنَّيرب، وحُمِلَ إلى حمص.
وجَهَز الصَّالح أيوب فخر الدين بن الشيخ بالعساكر إلى الشَّام، فلما وصل غَزَّة عاد مَنْ كان بنابُلُس من الخُوارَزْمية إلى الصَّلْت، فقصدهم ابنُ الشيخ، وقاتلهم، فكسرهم، وبدَّد شملهم، وكان النَّاصر معهم، فسار إلى الكرك، وتبعه الخوارزمية، فلم يمكنهم من صعود القلعة ولا الرَّبض، وأحرق ابنُ الشيخ الصَّلْت وساق، فنزل على الكرك، وطلع عز الدين -وكان مع النَّاصر- إلى صَرْخد، فتحصن بها، وكانت كسرةُ ابنِ الشيخ للخوارزمية على الصَّلْت سابع عشر ربيع الآخر، ونزل ابنُ الشيخ على وادي الكَرَك وقاتل الناصر، وكَتَبَ إليه النَّاصر يقول: [من الطويل]
غَدَوْتُ على قيسٍ لخفر جواره … لأمنعَ عِرْضي إنَّ عِرْضي ممنَّعُ
وكان عند النَّاصر صبيٌّ أمرد مُسْتحسن من الخُوارَزْمية، يقال له: طاش بورك بن خان، فطلبه ابنُ الشيخ، فقال النَّاصر: هذا صوته طَيب، قد أخذته ليقرأ عندي القرآن. فكَتَبَ إليه ابنُ الشيخ كتابًا غليظًا شنيعًا، وذكَّره غدره وأيمانه وحنثه، وأنشده:
لأبذل عِرْضي إنَّ عِرْضي مُقَطَّعُ
وقال: لا بُدَّ من الصَّبيِّ الخُوارَزْمي. فبعث به إليه، وكان ابنُ الشيخ قد قال: أنا أبعث لك بشيخٍ أعمى يقرأ أَطْيب منه، فقال: ما أريده.
стр. 10735
وكان حسام الدين بن أبي علي بدمشق، فسار إلى بَعْلَبَك، وتسلَّم قلعتها باتِّفاقٍ من الشاماتي؛ مملوك إسماعيل، وكان حاكمًا عليها، وبَعَثَ أولاد إسماعيل وعياله إلى مِصْر، وتسلَّم نواب الصالح أيوب بُصْرى، وكان بها الشهاب غازي واليًا، فأعطوه حَرَسْتا القَنْطرة.
[فصل: وفي رمضان قدمنا بغداد، ومعي ابني إبراهيم، ومملوكيّ بلبان وسالم، فأنزلنا خالي أبو محمَّد في داره بدار الخليفة، وخدمنا، غير أن ما ربحناه في سورة يوسف خسرناه في سورة النور، وجرى لنا عجائب، وما زلت مع وزير الخليفة -أدام الله تعالى سعده- حتى خرجنا من بغداد في صفر سنة خمس وأربعين وست مئة، ووصلنا إلى حلب، وتوفي ابني إبراهيم في ربيع الآخر، ونقلته إلى قاسيون في هذه السنة، فدفنته بالتربة عند أمه وأخيه] (١).
وفي ربيع الآخر [لما كنا بحلب] (١) قَدِمَ الصَّالح إسماعيل حلب في طائفةٍ من الخُوارَزْمية منهم كشلوخان، وكانوا هاربين من الصَّالح أيوب، ولم يبق لإسماعيل في الشَّام مكان يأوي إليه، فتلقاهم النَّاصر صاحب حلب، وأنزل الصَّالح في دار جمال الدَّوْلة الخادم، وقبض على كشلوخان والخوارزمية، وملأ منهم الحبوس، [(٢) وبلغني أن الناصر لما التقى إسماعيل قال شمس الدين لؤلؤ للنَّاصر: أَبْصِرْ عواقبَ الظُّلْم [كيف صارت] (١).
وفيها وصلتِ الأخبار من البحر صحبة مركبٍ وَصَلَ من صِقِلِّية إلى الإسكندرية أَنَّ البابا غَضِبَ على الإنبرور، وعامل خواصَّه الملازمين له على قَتْله، وقال: قد خرج الإنبرور عن دين النَّصْرانية، ومال إلى المسلمين، فاقْتُلوه، وخُذُوا بلاده لكم. وأقطع كلَّ واحدٍ مملكة، [فأعطى واحدًا صقلية، والآخر تصافية، والآخر توليه، وهذه محال الإنبرور] (١)، وكَتَبَ أصحابُ الأخبار إلى الإنبرور بذلك، فعمد إلى مملوكٍ له، فجعله مكانه في التخت، وأظهر أَنَّه قد شرب دواء، وأرسل إلى الثَّلاثة فجاؤوا، والمملوك نائم على التخت، فظنوه الإنبرور، وقد اختبأ الإنبرور في مجلس، ومعه مئةُ فارس،
стр. 10736
فلما دخلوا على المملوك مالوا عليه بالسَّكاكين، فقتلوه، فخرج عليهم الإنبرور، فذبحهم بيده، وسلخهم، وحشا جلودهم تبنًا، وعلَّقهم على باب القَصْر، وبلغ البابا [ذلك] (١)، فبعث إلى قتاله جيشًا، والخُلْفُ واقعٌ بينهم، وهذا الإنبرور هو الذي أعطاه الكامل القُدْس.
ذِكْرُ ألقابه:
الملك الكبير، الأَجَلّ الخطير، الأعز الأثير، قيصر المعظَّم، إنبراطور فردليك ابن الإنبراطور هونكه، المقتدر بقدرة الله تعالى، المستعلي بعِزَّته، مالك اللمانية، والإبيردية، وبسفايه، وأبليوود، وصقلية، حافظ بيت المقدس، معزّ أيام رومية، مالك ملوك النَّصْرانية، حامي الممالك الفرنجية، قائد الجيوش الصّليبية.
وفيها قَبَضَ الملك النَّاصر داود على عماد الدين بن موسك في الكَرَك، واحتاط على موجوده، وكان له في صندوق نيف وخمسون ألف دِرْهم.
وفي يوم الخميس تاسع عشر ذي القَعْدة قَدِمَ الصَّالح أيوب دمشق، فأحسنَ إلى أهلها، وتصدَّق على المدارس والرُّبُط وأرباب البيوت بأربعين ألف دِرْهم، وببَعْلَبَك بعشرين ألفًا، وببُصْرى بعشرين ألفًا، وخَلَعَ على أعيان الدماشقة الخلع السَّنية، ومضى إلى بَعْلَبَك، وعاد منها، ومشى ناصر الدين القَيمري وابن مطروح بين الصَّالح وعز الدين أيبك في الصُّلْح بواسطة شمس الدِّين بن العميد، وخرج الصَّالح من دمشق، ومضى إلى بُصْرى، وصَعِدَ إلى صَرْخد، ونزل إليه عِزُّ الدين برأي ابنِ العميد، وتسلَّم الصَّالح صرخد، وأقام عِز الدين أيبك في مَيدَانها أيامًا، وقدم دمشق في ذي الحجة، فنزل بالنَّيْرب، وكَتَبَ له منشورًا بقرقيسيا والمجدل وضياعًا في الخابور، فلم يحصل له منها شيء، وتوجَّه الصالح أيوب إلى مصر، وتصدَّق في القُدْس بألفي دينار مِصْرية، وأمر بعمارة سور القُدْس، فَذُرعَ، فكان ستة آلاف ذراع بالهاشمي، فقال: اصرفوا مغلّ القُدْس في عِمارته، وإنِ احتاجَ إلى شيء نفَذتُ من مِصْر. [وكنت لما أطلقه الناصر من الحبس، وجاء إلى القدس أخذتُ يده على ذلك] (١).
стр. 10737
وفيها توفي
إبراهيم بن شيركوه (١)
الملك المنصور، صاحب حمص.
كان شجاعًا، مِقْدامًا، موافقًا للصَّالح إسماعيل، ومصاهرًا له، ثم أَلْفَتَهُ عنه الصَّالحُ أيوب، وقدم دمشق، فنزل ببستان سامة، وأحدثني جماعة من الدماشقة أنه] (٢) عامل على دمشق، ولو عاش أيامًا لأخذها، فمرض، وحُمِلَ إلى النَّيرب، فنزل ببستان الأشرف، فتوفي به يوم الأربعاء حادي عشر صفر، وحمل في تابوت إلى حِمْص، فكانت ولايتُه بعد وفاة [أبيه] (٢) عشر سنين، وقام بعده ولده الأشرف موسى، وأقام بها سنتين وشهورًا، وأُخذت منه.
بركة خان الخُوارَزمي (٣)
أحد الخانات الأربعة، كان أصلحهم في الميل إلى الخير والرِّفْق بالنَّاس، وكان الصَّالح أيوب قد صاهره، وأحسن إليه، وجرى منه عليه ما جرى، ولما قُتِلَ انحلَّ نظام الخوارزمية، [(٤) وأمنت البلاد والعباد.
وحكى لي شمس الدين لؤلؤ لما أخذوا دمشق في سنة ثمان وأربعين وست مئة، وكان يزورني، زارني يومًا، فحكى لي حديث بركة خان، قال:] لما التقينا على حِمْص رأيتُ الخُوارَزْمية خَلْقًا عظيمًا، وكُنَّا بالنسبة إليهم كالشَّامة السَّوداء في الثور الأبيض، فقال لي غِلْماني: أيُّما أحبُّ إليك: نأخذ بركة خان أسيرًا، أو نحمل رأسه إليك؟ [قال] (٢) فقلتُ: رأسه. كأَنَّ الله أنطقني، والتقينا، فلما كان بعد ساعةٍ، وإذا بواحدٍ من
стр. 10738
أصحابنا يحمل رأسًا مليحَ الصُّورة، وليس في وجهه سوى شعيراتٍ يسيرة، ولم يعرفه ولا نحن، وانهزموا، وجيء بطائفةٍ منهم أسارى، فلما رأوا الرأس رموا نفوسهم من خيولهم، وحثوا التراب على رؤوسهم، وبكوا، فعلمنا حينئذٍ أَنَّه رأسه، فبعثنا به إلى حلب.
[وفيها توفيت
زينب بنت أبي القاسم قاضي حماة
زوجتي، وأمها خطلخ خاتون بنت سودكين، وتعرف ببنت العكبري.
كانت صالحة، دينة، متفقهة، تعمل ألوان الطبايخ والحلاوات، وكان الملوك يرغبون في صنعتها، ويعجبهم طعامها، وحجت، وتصدقت، وكانت كريمة، ضيعت أموالًا عظيمة، وتوفيت بدمشق ونحن ببغداد، ودفنت بتربتي عند ولدها علي. سمعت الحديث من البهاء الحنبلي، وابن صَصْرى، وغيرهما، والله أعلم] (١).
عماد الدين داود بن موسك (٢)
كان فخر الدين بن الشيخ قد شفع فيه إلى النَّاصر، فأخرجه من الحبس، وكان قد خرج في حَلْقِهِ خُراج عظيمٌ، فَبُطَّ بغير اختياره، وحُشي الدَّواء الهالك، فمات بالكرك، وحمل إلى مسجد جعفر [بن أبي طالب] (١)، فدفن هناك، فرحمة الله عليه، لقد كان جمع بين الأصالة والجلالة، والفتوة والمروءة، والعصبية والنفس الطاهرة الزَّكية، فكم أعان ملهوفًا، وكم أغاث مكروبًا، وكان النَّاصر قد اتَّهمه بالرَّواح إلى مِصْر، ووالله لقد برأك الله من الغدر والخيانة يا عماد الدين، [كما بُرِّئت عائشة أم المؤمنين] (١)، وخَتَمَ الله أعماله بأَنْ مات فقيرًا من فقراء المُسْلمين.
هيهات أَنْ يأتي الزَّمانُ بمِثْلِهِ … إنَّ الزَّمانَ بمثله لبخيلُ
стр. 10739
الركن الهيجاوي
مات بمِصْر في الحبس، وكان قد قفز إلى دمشق من غير عادة، وكان الصَّالح أيوب قد أحسن إليه، وقدَّمه على العساكر.
السنة الخامسة والأربعون وست مئة
فيها تسلم نواب الصَّالح أيوب قلعة الصُّبَيبَة من نواب [الملك السَّعيد بن] (١) العزيز، وأقطعه بمصر إقطاعًا، وأعطاه مئة ألف درهم، وخمس مئة قطعة قُماش، وخبزًا لمئة وخمسين فارسًا.
ونازل فخر الدين بن الشيخ طبرية ففتحها عَنْوَة، وحاصر عَسْقلان، وقاتل عليها قتالًا عظيمًا، وفتحها في جمادى الآخرة.
وتسلم نواب الصالح قلعة شميميش من ابن صاحب حمص، [فحصَّنها] (٢)، وبعث إليها الخزائن، ونزل عسكر حلب على حمص، وأخذها في السنة الآتية.
قال المصنف ﵀: وفيها فوض إليَّ الأمير عِزُّ الدين أيبك النَّظر في أوقافه ومدارسه وأبواب البر، [على كره مني وحياء منه] (٢).
وفيها قدم تاجُ الدِّين بن مهاجر من مِصْر إلى دمشق، ومعه المبارز نَسِيبُه، ومعهما تذكرة فيها أسامي جماعة من الدماشقة بأن يحملوا إلى مِصْر، فَحُملوا، وهم القاضي محيي الدين بن التركي وابن الحَصِيري، وابن العماد الكاتب، وبنو صَصْرى الأربعة وشرف الدين بن المعتمد، وابن الخطيب العَقْرباني، والتَّاج [الإسكندراني] (٢) الملقب بالشُّحرور، وأبو الشَّامات [مملوك إسماعيل] (٢) والحكيمي مملوك إسماعيل، وغازي والي بُصْرى، وابن الهادي المحتسب، وأخرج العماد ابن خطيب بيت الآبار من جامع دمشق [إلى بيت الآبار] (٢)، وولَّى العماد [بن] (٢) الحرستاني [القاضي] (٢) الخطابة [بجامع دمشق] (٢) في رجب.
стр. 10740
وسَبَبُ حمل الجماعة المذكورين إلى مصر أَنَّه نُقِلَ إلى الصَّالح أيوب أنهم خواصُّ الصَّالح إسماعيل، فخاف أن يجري ما جرى في النَّوْبة الأولى من أَخْذِ دمشق، ولما وصلوا إلى مِصْر أقاموا بحسب اختيارهم، وخَلَعَ على بعضهم، ومات ابنُ الهادي، وعاد الباقون بعد وفاة أيوب إلى دمشق.
وفي ثالث عشر ذي القَعْدة اعتُقِلَ عِزُّ الدين أيبك في دار فَرُّخْشاه بتواطؤ من ابن مطروح وغيره، ووضعوا مترجَمًا (١) جاءه من حلب من عند إسماعيل، فكتبوا إلى الصَّالح أيوب وأخبروه، فأمر أن يحمل إلى القاهرة تحت الحوطة، فأنزل دار صواب، فاعتقل فيها، وكان إبراهيم ابن جاريته المنتحل إليه قد مضى إلى الصالح أيوب، ووشى به.
قال المصنف ﵀: بلغني أَنه قال لأيوب: أموالُ أبي قد بَعَثَ بها إلى الحلبيين، وأول ما نزل بها من صرخد كانت ثمانين خرجًا، فأودعها عند فلان. عني.
وقال: وبلغ عز الدين اجتماعه بأيوب، فمرض، ووقع إلى الأرض، وقال: هذا آخر عهدي. ولم يتكلَّم بعدها حتى مات، ودفن بباب النَّصْر، فيا ليته عاش حتى رأى في أعدائه العِبَر، أما ابن مطروح فرأى الذُّلَّ والهوان، [ولعب به القدر] (٢)، ولم يمت حتى ذهب بصره. وأما غيره، فانتثر لحمه عن عظامه، [وارتحل بآثامه] (٢).
ولما سعى إبراهيم بعز الدين سعى بحاشيته، وقال: عندهم أمواله مثل البرهان [كاتبه] (٢)، وابن المَوْصلي صاحب ديوانه، والبَدْر الخادم، ومسرور، وغيرهم، فأمر أيوب بحملهم إلى مِصْر، فأما البرهان فمن خوفه يوم أخرج ليتوجَّه إلى مِصْر مات بمسجد النارنج، والباقون حُملوا إلى مِصْر، ولم يظهر عليهم مما قيل دِرْهم، ورجعوا إلى دمشق بعد وفاة أيوب وقد لاقوا الشدائد، وختم للأمير عز الدين بالشَّهادة، [كما عاش في دنياه تحت تلك السعادة] (٢)، وكنتُ قد عزمت على نَقْله إلى دمشق، ودَفْنه في تُرْبته، فأتاح الله بعضَ مماليكه فحمله في تابوتٍ، ودفناه في قبَّته، [بين العلماء والفقهاء والمحدثين والقراء، وأعطاه الله في آخرته ما كان يتمناه في دنياه، وأناله أرفع
стр. 10741
الدَّرجات، والأعمال بالنيّات] (١)، ولقد كان كثيرَ الصَّدقات، عظيم الصِّلات، اشتراه المعظَّم سنة سبع وست مئة [ونحن على الطور] (١)، وفوَّض إليه أُستاذداريته، وظَهَرَ منه من العقل والسَّداد ما أوجب تقديمه على الأولاد، وأعطاه قلعة صَرْخد، وأقام بها يضاهي الملوك، [ولا فرق عنده بين الغني والصعلوك] (١)، وقيل: إنه مات سنة سبع وأربعين [وست مئة، السنة التي مات فيها أيوب، رحمة الله عليهما] (١).
شهاب الدين غازي (٢)
قد ذكرناه في عِدَة أماكن، وكان شجاعًا شهمًا [جَوَادًا] (١) حُفَظَةً، لطيفًا، ينشد الأشعار، ويحكي الحكايات، وقد ذكرنا حَجَّه على العراق.
قال المصنف ﵀: اجتمعتُ به في الرُّها سنة اثنتي عشرة وست مئة، وأنا قاصِدٌ إلى خِلاط، فحضر مجلسي بجامع الرُّها، [وكان يومًا مشهودًا] (١)، وأحسن إليَّ، وخدمني، ومما حكاه لسعد الدِّين مسعود بن تاج الدين شيخ الشيوخ، قال: قَطَعَ الكامل الفرات سنة اثنتين وثلاثين وست مئة بعسكرٍ لم يجتمع لصلاح الدين مثله، [قال] (١): فدخلتُ عليه يومًا، وعنده النَّاصر داود، فقال: تروح تخرب حصن منصور وتنهبه. فقلتُ له: يا خوند، ما يحل لي أن أقاتل المسلمين وأنهبهم، أنفذ غيري. فاغتاظ، وقال: والله إنَّ شُرْبَنا الخمر وفسقنا أجودُ من زُهْدك وذوكرتك، مثل ما رحت خلصت نهب الفرادى من أصحابنا وتمزهدت، ولو وقع لك ظُلْم ظلمتَ، وهذا الآخر -عن الناصر- يوافقك في الخساف. قال: فقمتُ وخرجت، فلحقني الصَّلاح الإِرْبلي، وقال: قال لك السُّلْطان: لا تروح إلى حصن منصور، نحن نبعث غيرك. فقلتُ له: قُلْ له: والله ما أروح، ولو رسمت عليَّ، فلا حاجة إلى قولك.
قال سعد الدين: وأنشدني شهاب الدِّين: [من الطويل]
ومن عجبِ الأَيَّامِ أَنَّك جالِسٌ … على الأرض في الدُّنيا وأنتَ تسيرُ
فَسَيرُكَ يا هذا كَسَيْرِ سفينةٍ … بقومٍ جلوسٍ والقِلاعُ تطير
стр. 10742
وأنشد لأُسامة بن منقذ: [من الطويل]
ولما التقينا بَعْدَ بُعْدٍ تحدَّرت … دُموعي إلى أن كدتُ بالدَّمْعِ أغرقُ
فقلتُ لها يا عينُ هذا لقاؤنا … فقالتْ ألسنا بعده نتفرَّقُ
وكَتَبَ على تقويم: [من البسيط]
إذا أردت اختيارَ السَّعْدِ فيه فقلْ … على الذي في يديه السَّعْدُ اتَّكِلُ
سَلِّمْ إلى الله فيما أنتَ فاعِلُهُ … فما إلى النَّجْمِ لا قَوْلٌ ولا عَمَلُ
ورثاه سعد الدِّين مسعود، فقال: [من الوافر]
ألا روَّى الإله ترابَ قَبْرٍ … حَلَلْتَ به شهابَ الدِّين غازي
وأَسْكنكَ المليكُ جِنانَ عَدْنٍ … وكان لك المكافئ والمجازي
فَضَلْتَ النَّاسَ مكرمةً وجودًا … فما لك في البَرِيةِ مِنْ موازي
وكنتَ الفارسَ البطلَ المُفَدى … مبيدَ القِرْن في يوم البِرازِ
تُجَنْدِلُهُ بأبيضَ مَشْرَفي … وتطعَنُهُ بأسمرَ ذي اهتزازِ
السنة السادسة والأربعون وست مئة
فيها قايضَ الأشرف موسى صاحب حمص تل باشر بحمص مع الملك الناصر يوسف [بن الملك العزيز] (١) صاحب حلب.
وخرج الصَّالح أيوب من مصر إلى دمشق، وجهَّز العساكر مع فخر الدين بن الشيخ إلى حمص، وسخَّر الفلاحين لحمل المجانيق إلى حمص، فكانوا يحملون عودًا قيمته عشرون درهمًا إلى حمص، فيغرم عليه ألف درهم، فخرب الشَّام، وهرب أهله، ونصبوا المجانيق على حمص، وخرج عسكر حلب إلى لقائهم على حمص، وكان الشيخ نجم الدين الباذرائي بالشَّام، فدخل بين الفريقين، ورَدَّ الحلبيين إلى حلب والدِّمَشْقيين إلى دمشق، وعاد الصَّالح أيوب إلى مِصْر مريضًا في مِحَفَّة.
وفيها ولَّى جمالُ الدين بن يغمور فتحَ الدِّين بنَ العدل حِسْبة دمشق، وعَزَلَ النجم بنَ الشِّيرجي.
стр. 10743
وتسمى هذه السنة (١) سنة الفقهاء، مات فيها أكثر الحنابلة، منهم التقي بن العِز، و [اسمه] (٢) أحمد بن محمَّد بن عبد الغني الحافظ المقدسي (٣).
كان فقيهًا فاضلًا، مات شابًّا.
وشرف الدين عبد الله بن أبي عمر (٤)، خطيب الجبل، كان صالحًا، سليم الصدر، فقيهًا فاضلًا.
والضِّياء محمَّد بن عبد الواحد بن أحمد (٥)، أبو عبد الله الحَنْبلي، المَقْدِسي، أخو الشَّمْس البخاري.
كان فاضلًا، صالحًا، عابدًا، زاهدًا، عمر دار الحديث بالجبل عند الجامع، ووَقَفَ بها الكُتُب، وجمع وألَّف، وسمع الحديث الكثير، وكانت وفاته في جُمادى الأولى، ودُفِنَ بقاسيون.
والضياء محاسن (٦)
كان فاضلًا، فقيهًا، زاهدًا، عابدًا، [ورعًا] (٢)، عارفًا بجميع المذاهب، يقرُّ بها ولا يتعصب على مذهب، وما زاحم أحدًا في منصب ولا دُنْيا، ولا أكل من الأوقاف [شيئًا] (٢)، وكان يتقوَّت من شكارةٍ تُزْرَعُ له (٧) في حوران، وما آذى مُسْلمًا قط، ولا
стр. 10744
دخل حمامًا ولا تنعَّم، وكان له ثوب وعِمامة لبسهما طول عمره، وكان على خيرٍ كثير قَلَّ أَنْ كان بالشام من يماثله في سيرته، أو يعادله في طريقته.
نور الدين رسول صاحب اليمن، قتله مماليكه.
الصَّلاح موسى بن الشِّهاب (١)
كان خَيِّرًا، فاضلًا، يحبُّ الفقراء، ويخدم المشايخ، ويمشي في حوائج النَّاس، ويشتري الأسارى، وكان الصَّالح أيوب قد حبسه في مصر [فخلصته من يده بعد اللتيا والتي، وجعلت خلاصه من الصالح ضيافتي وفائدتي،] (٢) وكان فطنًا يقول الشعر، [وقد رثى العماد الحنبلي].
أبو بكر، الملقب بالعادل بن الكامل
[أخو الصَّالح نجم الدين أيوب، ذكر] (٣)، سَعْد الدِّين مسعود [بن تاج الدين شيخ الشيوخ] (٣) ابن حَمُّوية [قال] (٣): وفي خامس شوَّال سنة ست وأربعين [وست مئة] (٣) جهَّز الصَّالحُ أخاه أبا بكر العادل، ونفاه إلى الشَّوْبك، وبعث إليه الخادم محسن، فدخل عليه الحبس، وقال: السُّلْطان يقول لك: لا بُد من رواحك إلى الشَّوبك. فقال: إنْ أردتم أن تقتلوني في الشَّوْبك، فها هنا أَوْلى، ولا أروح أبدًا، فعذله محسن، فرماه بدواةٍ كانت عنده، فخرج، وعرَّف الصَّالح أيوب بقوله، فقال: دَبِّرْ أمره. فأخذ ثلاثة مماليك، ودخلوا عليه ليلة الاثنين ثاني عشر شوال، وخنقوه بشيش علمه، وعلقوه به، وأظهروا أَنَّه شنق نفسه، وأخرجوا جِنازته مثل بعض الغرباء، ولم يتجاسر أحدٌ أن يترحَّم عليه، أو يبكي حول نعشه، ودفن بتربة شمس الدولة.
قال المصنف ﵀: سبحان الله الحكَم العَدْل، الذي لا يحيف في قضائه، ولا يحكم عليه أحدٌ في أمرٍ لو قدَّره وقضى به، فإنه لم يطل مدَّة أيوب، لأَنَّه توفي في
стр. 10745
نصف شعبان سنة سبعٍ وأربعين، وقُتِلَ أخوه في شوال سنة ست وأربعين، بينهما عشرة أشهر، رأى في نفسه [فيها] (١) العِبَر، وما نفعه الاحتراز والحذر، بعد أن أذاقه الموتُ كؤوسَ حتوفه، قَتَلَ مماليكُه ولدَه تورانشاه بسيوفه.
السنة السابعة والأربعون وست مئة
فيها توجه الصَّالح أيوب من دمشق إلى مِصْر في المِحَفَّة مريضًا مُدْنفًا في رابع المحرَّم، ونادى في الناس: مَنْ كان له عندنا شيءٌ فليحضرْ، ويأخذ ما له. فطلع النَّاس إلى القلعة، وأخذوا ما كان لهم.
و [حدثني من شهد الواقعة قال] (١): بينا الصَّالح في مرج الصُّفَّر في المِحَفَّة استغاث إليه رجلٌ على المخلص المغيثي، وقال: اشترى مني غنمًا، ولم يعطني شيئًا، فقال: نكسْه من بغلته وخُذْها، فنكَّسه، وأخذ البغلة، فباعها بسبع مئة درهم، واستوفى ماله.
وفيها حُمِلَ عِزُّ الدين أيبك المُعَظَّمي إلى القاهرة تحت الحوطة، وقيل: في سنة ست وأربعين وست مئة.
وفيها احترقت المئذنة الشَّرْقية بجامع دمشق، وراح للفقراء والمشايخ فيها ودائع وصناديق وأموال كثيرة، وكتبوا إلى الصَّالح أيوب، فأمر بعمارتها.
وفيها توجه النَّاصر داود من الكَرَك إلى حلب.
وورد كتابُ الصَّالح أيوب إلى جمال الدِّين بن يَغْمور بخراب دارِ سامة، وقَطْعِ شجر بستان القَصْر بالقابون، وخراب القَصْر، فتوقَّف ابنُ يغمور، فجاءته كُتُبٌ عِدَّة، فأخرب الدَّار، والقَصْر، وقَطَعَ الشجر.
وفيها مضى الأمجد حسن بن النَّاصر من الكَرَك إلى مِصْر، وسلَّم الكَرَك إلى الصَّالح أيوب في جمادى الآخرة، وأعطاهم مالًا، وأخرج منه عيال المعظم وأولاده وبناته وأُمَّ النَّاصر، وجميعَ مَنْ كان فيه، وبعث إليه ألف ألف دينار، وجواهر، وذخائر، وأسلحة، وشيئًا كثيرًا.
стр. 10746
وفيها هَجَمَ الفرنجُ دمياطَ في ربيع الأول، وكان فيها فخر الدين بن الشيخ والعساكر، فخرجوا منها، وخَرَجَ أهلها، وكان الصَّالح على المنصورة، فشنق من أعيان أهلها ستين نفسًا، فلما أمر بشنقهم، قالوا: ما ذنبنا؟ إذا كان عساكره وأمراؤه قد هربوا وأحرقوا الزردخاناه، فأيش نعمل نحن؟! وكان في الذين شُنِقُوا رجلٌ كتابي محتشم، وله ولد من أحسن النَّاس صورةً، فقال أبوه: بالله اشنقوني قَبْله. وبلغ الصَّالح، فقال: لا، اشنقوا الابن قبله. ففعلوا، وقامت على العسكر القيامة، ودعوا على أيوب، وأراد مماليكُه قَتْلَه، فقال لهم ابن الشيخ: اصبروا عليه، فهو على شفى، فإن مات فقد استرحتم منه، وإلا فهو بين أيديكم، وقُتِلَ نجمُ الدين ابن شيخ الإِسلام.
[وقال الصالح أيوب لابن الشيخ والعسكر: أما قدرتم تقفوا ساعة بين يدي الإفرنج! ولا قتل من العسكر إلا هذا الضعيف. يعني ابن شيخ الإِسلام. وكان قد قفز من الكرك إلى مصر، وأسرَّها الصالح في نفسه، ولو عاش لأهلك ابن الشيخ وغيره.
ولما أن هجمها الفرنج من باب، وخرج ابن الشيخ من باب، فظنوا أنها مكيدة، فتوقفوا، ثم تيقنوا عجز المسلمين، وخرج أهل دمياط حفاة عراة عطاشًا جياعًا، فقراء حيارى النساء والأطفال، وكان قد سَلِمَ لهم ما يعيشون فيه، فنهبهم في طريق القاهرة.
وفي ليلة النصف من شعبان مات الصالح أيوب بالمنصورة، وكانت أم خليل عنده، وهي المدبرة للأمور، فلم تغيِّر شيئًا من الدهليز بحاله، والسماط كل يوم يُمَدّ، والأمراء في الخدمة، وهي تقول: السلطان مريض ما يصل أحد إليه.
وبعثوا إلى الملك المعظم تورانشاه بن الصالح أيوب إلى حصن كيفا أقطايا مملوك الصالح أيوب، فخرج به من حصن كيفا، وسلك البرية، وخاطر بنفسه، وكاد يهلك من العطش، ووصل إلى دمشق في آخر رمضان، وخلع على الدماشقة، وأعطاهم الأموال، وأحسن إليهم، وما سئل شيئًا فقال: لا. وبلغني أنه كان في قلعة دمشق ثلاث مئة ألف دينار، فأخرجها، واستدعى من الكرك مالًا أنفقه.
وفي ذي القعدة كانت وقعة عظيمة على المنصورة، ووصل الفرنج إلى الدهليز، وخرج فخر الدين، فقاتل، فقتل، وانهزمت العساكر من بين أيديهم، ثم استحيا المسلمون، فعادوا على الفرنج، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة.
стр. 10747
وسار المعظم تورانشاه إلى مصر بعد أن أقام بدمشق سبعة وعشرين يومًا، وقيل: دخلها في العشرين من رمضان، وخرج منها في سابع عشر شوال إلا أنه ما وصل إلى مصر إلا في آخر السنة، فكان في عزمه الفتك بابن الشيخ لأنه بلغه أنه يريد الملك، والناس كلهم يريدونه، فاستشهد واستراح، رحمة الله تعالى عليه] (١).
وفيها توفي
الملك الصَّالح، نجم الدين أيوب بن الكامل محمد (٢)
ولد سنة ثلاثٍ وستِّ مئة بالقاهرة، ونشأ بها، ولقبه نجم الدين، واستخلفه أبوه بها لما نزل إلى الشَّرْق، فأقام مع صواب لا أَمْرَ له ولا نهي، ثم أعطاه حِصْن كيفا، وجرى له ما ذكرناه.
ولما ملك مِصْر اجتهد في خلاص ولده المغيث، فلم يقدر، وكان مهيبًا هيبةً عظيمة، جَبَّارًا، أباد الأشرفية وغيرهم، [(٣) وقد حكى لي جماعة من أمرائه قالوا]: والله ما نقعد على بابه إلا ونقول: مِنْ ها هنا نحمل إلى الجباب. وكان إذا حَبَسَ إنسانًا نسيه، ولا يتجاسر أحدٌ أن يخاطبه فيه، [وبنى قبابًا في تِنِّيس للحبس] (١)، وكان يحلف أنه ما قَتَلَ نَفْسًا بغير حقٍّ، وهذه مكابرةٌ ظاهرة، فإنَّ خواصَّ أصحابه حكوا أنه لا يمكن إحصاء من قتل من الأشرفية وغيرهم، ولو لم يكن إلا قتل أخيه العادل، وكانت أم خليل عتيقته تكتب خطًّا يشبه خَطَّه، فكانت تعلِّم على التَّواقيع، وكان قد نَسَرَ مخرجه، وامتدَّ إلى فخذه اليمنى ورِجْله، ونحل جسمه، وعملت له مِحَفَّة يركب فيها، وكان يتجلَّد، ولا يطلع أحدًا على حاله، ثم حمل تابوته إلى الجزيرة، فعُلِّق بسلاسل حتى قُبِرَ في تُرْبته إلى جانب مدرسته بالقاهرة، وكان فخر الدين قد أشار بتحليف العساكر للمعظَّم تورانشاه، فحلفوا له، وأخفوا موتَ السُّلْطان مُدَّة، وكانت الأمور على حالها، وأطلق فخر الدين السُّكَّر والكتان إلى الشَّام، وقد ذكرنا واقعاته في السنين إلى أن توفي ليلة النِّصْف من شعبان.
стр. 10748
فخر الدين، يوسف بن شيخ الشيوخ (١)
كان عاقلًا، جَوَادًا، مُدَبِّرًا، خليقًا بالمُلْك، محبوبًا إلى النَّاس، ولما توفي الصَّالح نُدِبَ إلى الملك، فامتنع، ولو أجاب لما خالفوه.
وكان لما قدم دمشق [(٢) حَضَرَ إلى عندي، وسألني الجلوس، فجلستُ بجامع دمشق، وكان ساكنًا] في دار سامة، فدخل عليه العماد بن النَّحَّاس، وقال له: يا فخرَ الدِّين، إلى كم! ما بقي بعد هذا اليوم شيء. فقال له: يا عماد الدين، والله لأسبقنَّك إلى الجَنَّة. فكان كما قال، استُشْهد فخر الدين في سنة سبعٍ وأربعين [وست مئة] (٣)، وتوفي العماد في صفر سنة أربعٍ وخمسين، بينهما ثماني سنين.
وكان قد قام بأمر الملك أحسن قيام، وأحسن إلى النَّاس، وبعث أقطايا وجماعةً إلى الحِصْن يحضرون تورانشاه، وحَسَدَ الجُند فخرَ الدين، وعزموا على قَتْله، ونهبوا داره، فاستدعى الأمراءَ والأكابر، وقال: أنا ما لي طمعٌ في المُلْك، وإنما أحفظُ بيتَ أُستاذي حتى يجيء ولده، ويتسلَّم البلاد. فحلفوا، واعتذروا، وكان المتَّهم بذلك الخادم محسن وجماعة.
وجَهزَ جماعةً من مماليك الصَّالح إلى دمشق لما وصلها المُعَظَّم يستعجله في الحضور إلى مِصْر، فأوهمه بعضُ المماليك الواصلين إليه أَنَّ فخر الدِّين قد حلَّف العسكر لنفسه، ومتى وصلت قتلك. فتوقَّف، وأنفق أموال دمشق في العساكر ليستميل بها عسكر مِصْر، وحلَّف المماليك الذين بعثهم فخر الدين إليه على قَتْلِ فخر الدين.
واتَّفق مجيءُ الفرنج إلى عسكر المسلمين، وعبورهم الخنادق والبحر، واندفاع المسلمين من بين أيديهم، فركب فخر الدين وقت السَّحَر ليكشف الخبر، وكان اليوم العظيم، وأنفذ إلى الحلقة والأمراء ليركبوا، وساق جريدةً، ومعه بعضُ مماليكه وأجناده، فالتقى طُلْب الدَّاوية مصادفةً، فحملوا عليه، فهرب مَنْ كان معه، فطعنوه في
стр. 10749
جَنْبه، فوقع عن الفرس، وضربوه في وجهه بالسَّيف عرضًا وطولًا ضربتين، فقتلوه، وجاء مماليكه إلى داره، فكسروا صناديقه، ونهبوا أكثر ما فيها، ونهبت أمواله وخيله، وأخذ الجولاني قدور حَمَّامه، والدِّمياطي أبواب داره، وما نفعه تربيته مماليكه وإحسانه إليهم، وكان قبل ذلك بأيام قد رأى والدته في المنام، وهي تقول: قد أوحشتني. وحَمَلَتْه على كتفها، فاستشعر، فقُتِلَ بعد ذلك بأيام، ثم حُمِلَ من المعركة بقميصٍ واحد، وجُعِلَ في حرَّاقة إلى القاهرة [(١) وخربت داره كلُّها كأنها لم تكن بالأمس، أخربها] الأمراء الذين كانوا كلَّ يوم يركبون إلى خِدْمته، ويقفون على بابه، وهم أكثرُ مِنْ سبعين أميرًا بسناجقهم، [كانوا] (٢) يتمنون أن ينظر إلى أحدٍ منهم نظرة، أخربوا داره بأيديهم، وحمل من المقياس إلى الشَّافعي، فدُفِنَ عند والدته، وكان يومًا مشهودًا، وحُمِلَ على الأصابع، وبكى عليه النَّاس، وعُمِلَ له العزاء العظيم، وكان له يوم مات ستٌّ وستون سنة.
ولما وصل تورانشاه إلى العسكر أخذ مماليكَ فخرِ الدين الصِّغار، وبعض قُماشه بنصف القيمة، ولم يعطهم دِرْهمًا، ولا عوَّض الورثة بشيء، وكان الثمن خمسة وعشرين ألف دينار، وكان إذا جلس جعل حسنات فخر الدين سيئات، يقول: أطلق الكتان والسكر، وأنفق الأموال، وأطلق المحابيس، فأيش ترك لي أنا؟ فكان حِفْظُه الملك وسياسةُ العسكر، ومقاتلة الفرنج من أكبر ذنوبه.
[(٣) ولفخر الدين أشعار، منها]: [من الطويل]
عَصَيتُ هوى نَفْسي صغيرًا فعندما … رمتني اللَّيالي بالمشيبِ وبالكبرِ
أطعتُ الهوى عكس القضيةِ ليتني … خُلِقْتُ كبيرًا وانتقلتُ إلى الصغر
وله أيضًا: [من البسيط]
إذا تحقَّقْتُمْ ما عند صاحبكُمْ … من الغَرَامِ فذاكَ القَدْرُ يكفيهِ
أنتمْ سكنْتُمْ فؤادي وهو منزلكُمْ … وصاحبُ البيتِ أَدرى بالذي فيهِ
стр. 10750
وله في مملوكٍ له توفي:
لا رغبة في الحياة من بعدك لي … يا من ببعادك تدانى أجلي
إن مت ولم أمت أسىً واخجلتي … من عَتْبك لي في يوم عرض العمل
وفيها توفي شهاب الدين قاضي دارا، [الذي كان] (١) إلى ظلمه المنتهى.
السنة الثَّامنة والأربعون وست مئة
فيها في أَوَّل ليلة منها كان المصافُّ بين الفرنج والمسلمين على المنصورة، بعد وصول المعظم تورانشاه إلى المخيَّم مسك الإفرنسيس، وَقَتَل من الفرنج مئة ألف، ووصل كتاب المعظم إلى جمال الدين بن يغمور يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ﴿وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٤، ٥] ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١] ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].
نبشِّر المجلس السَّامي الجمالي، بل نبشِّر الإِسلام كافَّة بما مَنَّ الله به على المُسْلمين من الظَّفر بعدوِّ الدِّين، فإنَّه كان قد استفحل أمره، واستحكم شَرُّه، ويئس العبادُ من البلاد والأهل والأولاد، فنودوا ﴿وَلَا تَيأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ الآية [يوسف: ٨٧] ولما كان يوم الأربعاء مستهلّ السنة المباركة تَمَّم الله على الإِسلام بركتها، فتحنا الخزائن، وبذلنا الأموال، وفرَّقنا السِّلاح، وجمعنا العُرْبان والمطاوعة، واجتمع خَلْق [عظيم] (١)، لا يحصيهم إلا الله تعالى، وجاؤوا من كل فجٍّ عميق، ومن كلِّ مكانٍ بعيد سحيق، ولما رأى العدو ذلك أرسل يطلب الصُّلْح على ما وقع الاتِّفاق بينهم وبين الملك الكامل، فأَبَينا، ولما كان في الليل تركوا خيامهم وأثقالهم وأموالهم، وقصدوا دِمياط هاربين، فسِرْنا في آثارهم طالبين، وما زال السيف يعمل فيهم عامَّة الليل، وقد حلَّ بهم الخِزْي والوَيل، فلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفًا غير من ألقى نفسه في اللُّجج، وأما الأسرى فحدِّث عن البحر ولا حَرَج،