الصفحة الأخيرة من الجزء الثاني من النسخة الخزائنية
стр. 37
الصفحة الأولى من الجزء الأول من نسخة لا له لي
стр. 38
الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة لا له لي
стр. 39
غلاف نسخة كوبريلي
стр. 40
صفحة من الجزء الثاني من نسخة كوبريلي
стр. 41
الصفحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة كوبريلي
стр. 42
الصفحة الأولى من الجزء الثالث من نسخة أحمد الثالث
стр. 43
الصفحة الأخيرة من الجزء الثالث من نسخة أحمد الثالث
стр. 44
الصفحة الأولى من الجزء الحادي عشر من نسخة أياصوفيا
стр. 45
الصفحة الأخيرة من الجزء الحادي عشر من نسخة أياصوفيا
стр. 46
الصفحة الأولى من الجزء الأول من نسخة باريس
стр. 47
الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة باريس
стр. 48
الصفحة الأولى من نسخة المتحف البريطاني
стр. 49
الصفحة الأخيرة من نسخة المتحف البريطاني
стр. 50
الصفحة الأولى من الجزء السابع من نسخة مجهولة المصدر
стр. 51
الصفحة الأخيرة من الجزء السابع من نسخة مجهولة المصدر
стр. 52
الصفحة الأولى من الجزء الثامن عشر من نسخة شيكاغو
стр. 53
الورقة الأخيرة من الجزء الثامن عشر من نسخة شيكاغو
стр. 54
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان
تصنيف
شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله
المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ)
الجزء الأول
حقق هذا الجزء وعلق عليه
محمد بركات - كامل الخراط - عمار ريحاوي
стр. 55
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الحمد لله الواحد القديم المنَّان، الماجد العظيم الدتان، الدائم لا إلى حدٍّ وأوان، القائم وكلُّ مَن عليها فان، الواجبِ الوجود وما سواه جائز الإمكان، كتب بأقلام الأحكام في ألواح الأرواح آياتِ التوحيد والإيمان، وأوقد قناديلَ القلوب بمصابيح التوفيق والامتنان، واختصَّ من شاء من خلقه بتكميل العقول وتصفية الأذهان، وبعث الرسل بالدلائل الواضحة والبرهان، لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد النبيين المبعوثين في كل عصر وأوان، ووعد وأوعدَ ولا بدَّ من وفاء الضمان، وعدًا عليه حقًّا في التوراة والإنجيل والقرآن، أحمده إذ أنعم وصان، عددَ الأوراق والأغصان، وأُصَلِّي على رسوله محمَّد المبعوث إلى الإنس والجان، الذي ضُربت أطناب سُرادقات نصره في بيداء الدنيا، فانشقَّ من هيبته الإيوان، فصلى الله عليه صلاةً مقرونة بالرضا والرضوان، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، ما حدَّق إنسانُ إنسان، وسلم تسليمًا كثيرًا يدوم بدوام الأزمان.
فصل
وبعد فإن الفطر السليمة، والفكرَ المستقيمة، تستشرف إلى معرفة البدايات، وتشرئبَّ إلى إدراك المنشآت، ومَن تدبَّر مجاريَ الأقدار، ومبادي (١) الليل والنهار، صار كأنه عاصَر تلك العصور، وباشر تلك الأمور، وإليه وقعت الإشارة الإلهية، والأمارة الربَّانية، إلى مَن رَبَا نيَّةً (٢) بقوله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود: ١٢٠].
стр. 56
وقال سبحانه في كتابه المجيد: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾ [هود: ١٠٠]. في آيات كثيرة وإشارات (١) غزيرة. فالله تعالى مَنَّ على نبيّه ﷺ بما قَصَّ عليه من أخبار الأمم في سالف الدهور والأعوام.
فصل
ومقاصد الناس في ذلك تختلف، على ما قد أُلِف، منهم مَن يؤثر مطالعةَ سِيرِ القدماء والحكماء، ومنهم من يميل إلى سماع أنباء الأنبياء والخلفاء والملوك والوزراء والأدباء والشعراء، ومنهم من يختار النظر في سير الفضلاء والزهاد والعبَّاد والصلحاء، ومنهم مَن مَقصودُه الوقوفُ على سيرة حازم ليستفيد منها حُسن التدبير، أو على آثار مُفَرِّط (٢) ليحذر من مثلها كلُّ التحذير، وهذا حرف المسألة في معرفة السير، لمن فَهم المعنى وخَبَر الخبر.
ولما كان الغالب على التواريخ جمع الغث والسمين، والواهي والمتين، والتكرار الخالي عن الفوائد والفرائد التي يعجز عن جمعها ألفُ رائد، استخرت الله تعالى في تحرير هذا الكتاب، المشتمل على ما أشرتُ إليه من فصول الخطاب، وفنون العلوم والآداب، والسيرة والأنساب، ولو مددت فيه أطنابَ الإطناب، وأسباب الإسهاب، لانقطع سير السُّرى وكَلَّ كُلُّ الرِّكاب، وخيرُ الكلامِ ما قل ودل، ولم يَطُل فيُمل.
وشرطُه: أن أبتدئ بما ذكرت في تراجم الأبواب، من أن [في] خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لِأولي الألباب. ثم اتبع ذلك من سيرة نبينا ﷺ بالحوادث في كل عام، ومن توفي من الأعيان والأعلام، وبداية التاريخ بالسنين، من مولد سيد المرسلين، وقلدت مَن سَلَف مِن السلف في الجرح والتعديل؛ لأنه لا يتوقف على الدليل، وسميته: "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، ليكون اسمًا يوافق مسمَّاه، ولفظًا يطابق معناه.
وقبل الشروع فيه لا بد من ذكر فصول، تكون لتقرير قواعده كالأصول:
стр. 57
الفصل الأول: في معرفة التأريخ، وهل فرقت العرب بينه وبين التوريخ.
الفصل الثاني: في عيون التواريخ والآثار وأسمانيد الأخبار.
الفصل الثالث: في انقضاء مدة العالم وما تقدم من السنين وتقادم.
الفصل الرابع: فيما ينبغي للمؤلف استعماله من الكلام المتسق النظام.
الفصل الخامس: في تراجم الأبواب (١).
* * *
стр. 58
الفصل الأول في معرفة التاريخ
قرأت على شيخنا العلامة أبي اليُمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي اللغوي رحمه الله تعالى بدمشق في شهور سنة أربع وستمائة كتابَ "المعرَّب من الكلام الأعجمي" تأليف شيخه أبي منصور موهوب بن أحمد بن محمَّد بن الخضر المعروف بابن الجواليقي، وقرأت عليه الكتاب جميعه، وقرأه على مصنفه، قال: يقال: إن التاريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربيٍّ محض، وإنَّ المسلمين أخذوه عن أهل الكتاب، وتاريخ المسلمين أُرِّخَ من سنة الهجرة، كُتب في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، فصار تأريخًا إلى اليوم (١).
وقال أبو نصر الجوهري في "الصحاح": التأريخ تعريف الوقت، والتوريخ (٢) مثله، وأرَّختُ الكتاب بيوم كذا، وورَّخته بمعنًى، قال: والإِراخُ بقر الوحش (٣). رواه بالكسر.
قلت: وقد فرَّق الأصمعي بيّن اللغتين، فقال: بنو تميم يقولون: وَرَّختُ الكتابَ توريخًا، وقيس تقول. أرخته تأريخًا (٤).
وقال أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب في كتاب "الخراج" له: إنَّ تاريخَ كُل شيء آخره، فيؤرخون بالوقت الذي فيه حوادث مشهورة (٥).
стр. 59
وقال ابن عباس: قد ذكر الله التاريخ في كتابه فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. حدثنا عبد الوهاب المقرئ بإسناده عن ابن عباس قال: سأل مُعاذُ بن جَبَلٍ رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما بالُ الهلالِ يبدو دقيقًا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويساوي ويستدير، ثم لا يزال ينقصُ ويدقّ حتى يَعودَ كما كان على حال واحد؟ فنزل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ أي: في دينهم وصومهم وفطرهم، وعِدَّة نسائهم، والشروط التي تنتهي إلى أجلٍ معلوم (١).
وقال قتادة في تفسير الآية: جعلها الله تعالى مواقيتَ لصوم المسلمين وإفطارهم وحجِّهم ومناسكهم وعِدَدِ نسائهم وغير ذلك، والله أعلم بما يصلح خلقه (٢).
وقال أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: ذُكِرَ الهلالُ عند رسول الله ﷺ فقال: "لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عِدَةَ شعبانَ ثلاثين يومًا ثم صوموا"، أخرجاه في "الصحيحين" (٣).
واختلفوا في مبدأ التاريخ على أقوال:
أحدها: حدثنا جدِّي، حدثنا أبو غالب محمَّد بن الحسن الماوردي بإسناده إلى عبد العزيز بن عمران قال، قال عامر الشعبي: لما أكثر بنو آدم ﵇ في الأرض وانتشروا أَرَّخوا من هبوط آدم، فكان التاريخ إلى الطوفان، ثم إلى نار الخليل ﵇، ثم إلى زمان يوسف ﵇، ثم إلى خروج موسى ﵇ من مصر ببني إسرائيل، ثم إلى زمان داود ﵇، ثم إلى زمان سليمان ﵇، ثم إلى زمان عيسى (٤). وقد رواه محمَّد بن إسحاق عن ابن عباس.
стр. 60
والثاني: أن التاريخ كان من آدم إلى الطوفان، ثم إلى نار الخليل ﵇، ثم أرَّخ بنو إسماعيل من بناء البيت، ثم إلى مَعَدِّ بن عدنان، ثم إلى كعب بن لؤي، ثم من كعب إلى عام الفيل، قاله الواقدي.
والقول الثالث: أن حِمْيَر تؤرخ بالتَّبابِعة، وغسانَ بالسُّد، وأهلَ صنعاء بظهور الحبشة على اليمن، ثم بغلبة الفرس؛ ثم أرَّخت العرب بالأيام المشهورة، كحرب البسوس وداحس والغبراء، وبيوم ذي قار، والفجارين (١) ونحوه، وبين حرب البسوس ومبعث نبيّنا ﷺ ستون سنة. حكاه محمَّد بن سعد عن ابن الكلبي.
والرابع (٢): أن الفرس أرَّخت بأربعِ طبقات من ملوكها، فالأول: بكيومرت وقيل: طَهْمُورُث بالطاء، ويقال له: "كِل شاه" ومعناه ملك الطين، ويعتقدون أنه آدم، والثاني: بيَزْدَجِرْد، والثالث: أَرْدَشير بن بَابَك، والرابع: بأَنُو شِروان العادل. حكاه هشام بن الكلبي عن أبيه.
قال: وأما الروم فأرَّخت بقتل دار ابن دارا إلى ظهور الفرس عليهم.
وأما القبلط فأرَّخَتْ ببُخْتَنَصَّر إلى قلابطرة صاحبة مصر، وأما اليهود فأرَّخَت بخراب بيت المقدس.
وأما النصارى فبرفع المسيح ﵇.
وقال أبو معشر (٣): التواريخُ أكثرُها مَدْخول، والفسادُ يعتريها من أجل أنه يأتي
стр. 61
على سني أمَّة من الأمم زمان من الأزمنة، وتطول أيامه، فإذا نقلوه من كتاب إلى كتاب أو من لسان إلى لسان يقع فيه الغلط، إما بالزيادة فيه أو النقصان منه، كالغلط الذي وقع بين آدم ونوح والأنبياء في السنين، فإن اليهود قد اختلفوا في ذلك اختلافًا متفاوتًا، وكذا ما وقع في تواريخ الفرس مع اتصال ملكهم إلى أن زال، في تخليط كثير.
والدَّليل على صحة ما ذَكَر أبو معشر قوله ﷺ : "لا تجاوزوا عدنان، كذب النَّسّابنون" (١). وسنذكر الحديث في سيرته ﷺ (٢).
قلت: وهذا الذي أشرنا إليه يتعلق بالجاهلية، فأما في الإِسلام فقد اختلفت الروايات، فروى الحافظ أبو القاسم ابن عساكر (٣) رحمه الله تعالى في "تاريخ دمشق" عن أنس بن مالك أنَّه قال: كان التاريخ من مَقْدَمِ رسول الله ﷺ المدينة، وكذا قال الزهرِي: قَدِم رسول الله ﷺ المدينة في ربيع الأول، فأرَّخوا.
قال الحافظ: المحفوظ أن الأمر بالتاريخ من زمان عمر بن الخطاب ﵁ (٤).
قال ابن عباس: قدم النبي ﷺ المدينة وليس لهم تاريخ، فكانوا يؤرخون بالشَّهر والشَّهرين من مَقْدمه، فأقاموا على ذلك إلى أن توفي رسول الله ﷺ وانقطع التاريخ، ومضت أيام أبي بكر ﵁ على هذا وأربع سنين من خلافة عمر، ثم وضع التاريخ (٥).
стр. 62
واختلفوا (١) في سببه: فروى ابن السمرقندي (٢) أنَّ أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر: إنَّه يأتينا منك كتبٌ ليس لها تاريخ، فأرِّخ لتستقيمَ الأحوالُ، فأرَّخ (٣).
وقال أبو اليقظان (٤): رفع إلى عمر صكٌّ محلّه في شعبان فقال: أيما شعبان؟ هذا الذي نحن فيه أم الماضي أم الذي يأتي (٥)؟
وقال الهيثم بن عدي (٦): أول من أرَّخ يعلى بن أمية، كتب إلى عمر من اليمن كتابًا مؤرخًا، فاستحسنه، وشرع في التاريخ (٧).
وقال ابن عباس (٨): لما عزم عمر على التاريخ جمع الصحابة واستشارهم، فقال سعد بن أبي وقاص: أَرِّخْ لوفاة رسول الله ﷺ ، وقال طلحة: أرّخ لمبعثه، وقال عليّ بن أبي طالب: أرِّخ لهجرته، فإنها فرَّقت بين الحقّ والباطل، وقال آخرون: لمولده، وقال قوم: لنبوته. كان هذا في سنة سبع عشرة من الهجرة، وقيل: في سنة ست عشرة، فاتفقوا على هذا.
ثم اختلفوا في المشهور: فقال عبد الرحمن بن عوف: أرّخْ لرجب، فإنه أول الأشهر الحرم، وقال طلحة: من رمضان لأنه شهر الأمَّة، وقال عليّ: من المحرّم لأنه أول السنة، وهو من الأشهر الحرم، وقيل: إنما أشار بالمحرم عثمان، والأولُ أصح.
стр. 63
قال ابن سيرين وابن المسيب: ثبت التاريخ بمشورة علي؛ وقال الأصمعيّ: إنما أرَّخوا من ربيع الأول شهر الهجرة، وهو وهم، والأول أصح: من المحرم.
وقال سفيان الثوري: بالتاريح يتبين كذب الرواة من صدقهم؛ وقال حفص بن غياث: إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين، احسبوا سنَّه وسنَّ من كتب عنه؛ وقال حماد بن زيد: لم يُسْتَعَنْ على الكذابين بمثل التاريخ.
* * *
стр. 64
فصل في انقضاء مدة العالم وابتدائه (١)
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
أحدها: أن عُمْر الدنيا من هبوط آدم إلى الهجرة سبعة آلاف سنة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: هي جمعة من جُمَعِ الآخرة، قد مضى منها ستة آلاف سنة وبقي ألف سنة (٢).
والثاني: أن عمر الدنيا ستة آلاف سنة (٣) وسبع مئة سنة. قاله كعب الأحبار ووهب بن منبه.
والثالث: أربعة آلاف سنة وست مئة سنة واثنتان وأربعون سنة وهو نص التوراة (٤).
والرابع: خمسة آلاف سنة وخمس مئة واثنتان وثلاثون سنة، وهذا قول النصارى (٥).
والخامس: أربعة آلاف سنة ومئة واثنتان وثمانون سنة. وهذا قول اليونان.
والسادس: حكاه أبو جعفر الطبري عن المجوس فقال: وأما المجوس فيزعمون أن قدر مدة الزمان من لدن "كيَومَرت" إلى وقت هجرة نبينا ﷺ ثلاثة آلاف سنة ومئة وتسع وثلاثون سنة، ولا يذكرون شيئًا فوق كيومرت، وهو آدم عندهم (٦).
قلت: وقد اختار الطبري القولَ الأول، وهو سبعة آلاف سنة، واحتجَّ بأخبار منها ما رواه في "تاريخه" فقال (٧):
حدثنا محمَّد بن بشار بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أجلكم من
стр. 65
أجلِ مَنْ كان قبلكم، من صلاة العصر إلى مغرب الشمس" انفرد بإخراجه البخاري (١).
وقال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى، قلت: وهذا حديث متفق على صحته (٢).
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وكقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٦ - ١٨٧] ونحو ذلك.
وروى أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: "عمر الدنيا سبعة أيام من أيام الآخرة" (٣).
وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (٤).
* * *
стр. 66
فصل في حَدَثِ العالم (١) وإثبات الصانع بالدلائل القواطع (٢)
اختلف العلماء في مبلغ العالم على أقوال:
أحدها: أنهم ثمانون ألف عالم -قاله مقاتل- أربعون ألفًا في البر، وأربعون ألفًا في البحر، وحكاه عن عبيد بن عمير.
والثاني: أربعون ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد، وما العمارة في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء، قاله وهب بن منبه.
والثالث: أنه ألف عالم، ست مئة في البحر وأربع مئة في البر، قاله سعيد بن المسيب.
والرابع: ثمانية عشر ألف عالم، قاله الحسن.
والخامس: أنه لا يقدر أحدٌ أن يحصيهم سوى الله تعالى، وهو الأصح، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
فأما إثبات الصانع، فقال أحمد بن حنبل ﵀ -وقد تقدم إسنادنا إليه (٣) - حدثنا أبو معاوية بإسناده عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله ﷺ لبني تميم: "يا بني تميم اقبلوا البشرى" قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، فتغير وجهه وقال: "يا أهلَ اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم" فقالوا: يا رسول الله قد بشرتنا، فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان، فقال: "كان الله ولم يكن شيء -أو قبل كل شيء- وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في اللوح المحفوظ -أو في الذكر- كل شيء". انفرد بإخراجه البخاري (٤).
стр. 67
فصل
إذا ثبت هذا فنقول: مذهب جملة المسلمين أن الله تعالى كان ولم يكن معه شيء، وأنه أحدث العالم على غير مثال، ومذهب الأوائل: أنَّ العالم قديم، وأن الفلكَ لم يزل دائرًا بشمسه وقمره.
وقال قومٌ من الفلاسفة بقدم العناصر والهيولى الذي هو أصل العالم؛ وقال أصحاب الرَّصَد بأنَّ الأفلاك والنجوم تدبر أمر العالم. ونحن نرى أثر العجز عليها ظاهرًا: أما النجوم فبالخسوف والكسوف والانتقال، وأما الأفلاكُ فبالدوران، وهذا آية القهر، [فالصانع قاهر] (١)، وصانع العالم واحد.
وقالت المجوس: هما اثنان النور والظلمة، فالنور يقال له: يَزْدان، والظلمة: أهْرِمَن. وهذا شيء اخترعوه من غير أصل، وبطلان قولهم ظاهر، إذ لو كانا اثنين لجاز أن يكون أحدهما مريدًا لحركته والآخر مريدًا لسكونه، فحصلا معًا متضادين ولا يجوز؛ وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
وروينا عن شقيق البلخيّ (٢) ﵀ أنه قال: قرأت أربعة وعشرين كتابًا في التوحيد فوجدت معانيها كلها في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾.
فصل (٣)
ولا يجوز أن يكون له ولد لوجوه:
أحدها: أنه لو كان له ولد لاستأثر الأشياءَ كلها لولده فتتعطَّل مصالحُ عباده.
والثاني: أن الولدَ نتيجةُ الشهوة، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك.
والثالث: لأن الولد بعضُ الوالد، والله منزَّه عن البعضية.
* * *
стр. 68
فصل (١)
ولا يجوز عليه نوم لوجوه:
أحدها: لئلا يرجعَ الداعي عن بابه خائبًا.
والثاني: لأنَّ النوم غفلة والباري منزه عنها.
والثالث: لأن الله يمسك السماء بغير عمد ولا عِلاقة، فلو نام لوقعت على الأرض؛ وقال أبو إسحاق الثعلبي (٢) بإسناده عن عكرمة عن أبي هريرة قال: سمعت النبيّ ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر قال: "وقع في نفس موسى هل ينام الله تعالى؟ فأرسل إليه ملكًا فأَرَّقهُ ثلاثًا وأعطاه قارورتين، في كلِّ يدٍ قارورة، وأمره أن يتحفَّظ بهما، قال: وجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومةً فاصطكت يداه فانكسرت القارورتان؛ قال: فضرب الله مثلًا أنه لو نام لم تستمسك السماوات والأرض" (٣).
والرابع: لأن النوم آفة، ويزيل العقلَ والقوةَ ويقهرهما، والله تعالى لا يجوز عليه ذلك.
стр. 69
والخامس: لأن النوم استراحة، والله تعالى لا يأخذه تعبٌ فيستريح؛ وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن سفيان الثوري، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله ﷺ أينامُ أهل الجنة؟ قال: "لا، النوم أخو الموت" (١).
وقال الله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] السِّنَةُ: النوم الخفيف وهي النعاس؛ وقال الزجاج (٢): هي ريح تجيء من قبل الرأس لينة فتغشي العين، والوسنان بين النائم واليقظان.
فإن. قيل: فالملائكة لا تنام فقد شاركت الباري في هذه الحالة؟! فالجواب: أن الملائكة لا تنام ويجوز عليها النوم، والباري لا يجوز عليه ذلك.
فصل (٣)
والباري سبحانه ليس بجسم، وقالت الكَرَّامية: هو جسم إلا أنه لا يشبه الأجسام. واحتجوا بما ورد. من آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] وبأخبار الصفات ونحوها، ونحن نقول: الجسم محدود بالطول والعرض ونحوه، والباري ليس بمحدودٍ بالطُول والعرض، وأمّا الآيات والأخبار فمؤوَّلة بما يليق به سبحانه.
* * *
стр. 70
فصل (١)
وهو موصوف بما وصف به نفسه من العلمِ، والقدرة، والحياة، والإرادة، والسَّمع، والبصر، والكلام، ونحوه في كتابه القديم وعلى لسان رسوله الكريم، وقد بسطنا القول في هذه الفصول في كتابنا المسمى بـ "النَّضيد في مسائل التَّوحيد".
فصل (٢)
واختلف العلماء في أول المخلوقات على أقوال:
أحدها: أن أول المخلوقات القلم، وقال أحمد بن حنبل بإسناده إلى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "أول ما خلق الله القلم، فقال له: اجرِ -أو اكتب- فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة" (٣). وهذا اختيار ابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وعامة العلماء.
وقال ابن عباس: لما خلق الله القلم وقال له: اجرِ بما هو كائن إلى يوم القيامة، جرى على اللوح المحفوظ بذلك؛ وفي رواية عن ابن عباس: فسبَّح الله ومجَّده ألف عام قبل أن يكتب المقدرات. قال: وهو في زمردة خضراء، طوله ألفُ عام، وهو مشقوقٌ بالنور، ولما نظر الله إليه انشقَّ نصفين (٤) من هيبة الله تعالى.
وأما النون، فقد اختلفوا فيه فقال قوم: هو الدَّواة، وهو اختيار الحسن وقتادة والضحاك، ورواية الثمالي عن ابن عباس.
وعامةُ المفسِّرين على أنَّ النون الحوت الذي يحمل الأرض، وسنذكره في بابه.
* * *
стр. 71
فصل
وقد أكثر العلماء في وصف القلم، وروي عن ابن المقفع (١) أنه قال: الأقلامُ مطايا الفطن (٢) ورسل الكرام وبيان البنان. وقوام الأمور بشيئين بالقلم والسيف، والقلم فوق السيف (٣). وأنشد (٤): [من البسيط]
إنْ يخدمِ القلمُ السيفَ الذي خَضَعتْ … له الرِّقابُ ودانت دونه الأُمَمُ
فالموتُ والموتُ لا شيءٌ يخالفه … ما زال يتبعُ ما يجري به القلمُ
كذا قضى الله للأقلام مُذ بُرِيَت … أنَّ السّيوف لها مذ أرْهِفَتْ خدم
وقال أبو إسحاق الثعلبي: أنشدنا أبو القاسم السدوسي، أنشدنا أبو السميع الهاشمي، أنشدنا ابن صغنون لأبي تمام الطَّائي (٥): [من الكامل]
ولَضربةٌ من كاتبٍ ببنانه … أمضى وأبلغُ من دقيقِ حسامِ
قومٌ إذا عزموا عداوةَ حاسدٍ … سفكوا الدما بأَلسِنَةِ الأَقلام
قلت وقد ناقض أبو تمام قوله: [من البسيط]
السيفُ أصدق إِنباءً من الكُتُبِ (٦)
ومن أحسن ما قيل في هذا الباب قول البُحْتُري (٧): [من البسيط]
стр. 72
قومٌ إذا أخذوا الأقلامَ من غضب … ثم استمدوا بها ماء المنيّاتِ
نالوا بها من أعاديهم وإن كثروا … ما لا يُنالُ بحدِّ المشرفيّاتِ
والقول الثاني: إن أول ما خلق الله الماء. رواه الضحاك عن ابن عباس (١)، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، قال: خلق الله جوهرًا فصيَّره ماء.
والقول الثالث: النُّور والظُّلمة، قاله محمَّد بن إسحاق، قال: ثم مَيَّزَ (٢) بينهما فجعل الظُّلمة ليلا وَالنهار مضيئًا.
والرابع: العرش والكرسي، قاله وهب بن منبه.
والخامس: اللوح، قاله مقاتل.
والسادس: نقطة، فنظر إليها فمالت فصيرها ألِفًا فبدأ به المخلوقات.
والقول الأول أظهر.
فصل (٣)
أول المخلوقات القلم.
أول جبل وضع في الأرض أبو قبيس، وقيل: قاف وسنذكره في الجبال.
أول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام.
أول بيت وضع للعبادة الكعبة.
أول الأنبياء آدم ﵇.
أول قتيل في الأرض هابيل.
أول من خطَّ بالقلم وخاط الثياب إدريس، وكان الناس يلبسون الجلود.
أول من اختتن، وأضاف الضيف، واستحدَّ وجز شاربه، وقصَّ أظفاره وَفَرَق رأسه،
стр. 73
ورأى الشَيبَ، ونصب أنصاب الحرم، وَيُكْسَى حُلَّةً يوم القيامة إبراهيم ﵇.
أول من تكلم بالعربية، وركب الخيل إسماعيل.
أول من عمل القراطيس يوسف.
أول من سرد الدروع وكانت صفائح، وقال: "أما بعد" داود.
أول من دخل الحمام وصنعت له النورة وكتب "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وعمل له الصابون سليمان ﵇.
أول من سمي بيحيى: يحيى بن زكريا.
فصل (١)
أول من تجبَّر في الأرض وخُبِز له الرقاق نمرود.
أول من خضب بالسواد وقطعَ الأيدي والأرجل من خلاف وصلب فرعون.
أول من طبخ الآجرَّ هامان.
فصل (٢)
أول من سيَّبَ السوائبَ وبَحَرَ البحائر، وحمى الحامَ، ووصل الوصيلة في الجاهلية عمرو بن لحيّ.
أول من قطع في السرقة وقضى بالقسامة ودخل الكعبة حافيًا الوليد بن المغيرة.
أول من قسم للذكر مثل حظ الأنثيين، وصبغ بالزعفران عامر بن جشم.
أول من قضى في الخنثى من حيث يبول عامر بن الظَّرِب.
أول من سبى السبايا سبأ بن يعرب بن قحطان فسمي به، واسمه عامر.
أول من حذا النعال جذيمة بن مالك.
стр. 74
أول من سنَّ الديةَ مئة من الإبل عبد المطلب.
أول عربية كست الكعبةَ الديباجَ نتيلَة بنت جَناب (١) أم العباس بن عبد المطلب.
فصل (٢)
أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة.
أول ما نزل عليه من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١].
أول ما علمه جبريل الوضوء.
أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن الصبيان عليّ ومن النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة.
أول آية نزلت في القتال ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩].
أول من أسلم من الأنصار جابر بن عبد الله بن رئاب (٣).
أول من هاجر إلى الحبشة حاطب بن عمرو.
أول من بايع ليلةَ العقبة أسعد بن زرارة، وقيل: البراء بن معرور.
أول من هاجر إلى المدينة مصعب بن عمير، ومن النساء أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.
أول من استقبل القبلة قبل أن يُفرَض استقبالها البَراءُ بن معرور.
أولُ من جمَّع بالمدينة مصعب بن عُمير، وقيل: أسعد بن زرارة، وهي أول جمعة جمعت في الإِسلام.
أول من بنى لله مسجدًا عمار بن ياسر.
стр. 75
أول شهيدة في الإِسلام سمية أم عمار.
أول من أذَّن بلال.
أول من أوصى في الإِسلام بثلث ماله البراء بن معرور.
أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله سعد بن أبي وقاص.
أول من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد بن الأسود.
أول من سنَّ الصلاة عند القتل خبيب بن عديّ.
أول من دُفِنَ بالبقيع عثمان بن مظعون.
أول من سُمّي في الإِسلام بمحمد محمَّد بن حاطب.
أول مولود وُلِد في الإِسلام بالمدينة من أولاد المهاجرين عبد الله بن الزبير، ومن الأنصار النعمان بن بشير، وبالبصرة عبد الرحمن (١) بن أبي بكرة.
أول ظِهارٍ كان في الإِسلام ظهار أوس بن الصامت.
أول لعانٍ كان في الإِسلام لعان هلال بن أمية.
أول خلعٍ كان في الإِسلام خلع ثابت بن قيس بن شماس.
أول مرجوم في الإِسلام (٢) ماعز.
أول رايةٍ عقدت في الإِسلام راية عبد الله بن جحش، وهو أول من تسمَّى بأمير المؤمنين (٣).
أول امرأة ضرب على قبرها فسطاط زينب بنت جحش.
أول من حُملت في المدينة على نعش فاطمة ﵍.
أول من جمع القرآن أبو بكر ﵁.