فصل
وقد أكثر العلماء في وصف القلم، وروي عن ابن المقفع (١) أنه قال: الأقلامُ مطايا الفطن (٢) ورسل الكرام وبيان البنان. وقوام الأمور بشيئين بالقلم والسيف، والقلم فوق السيف (٣). وأنشد (٤): [من البسيط]
إنْ يخدمِ القلمُ السيفَ الذي خَضَعتْ … له الرِّقابُ ودانت دونه الأُمَمُ
فالموتُ والموتُ لا شيءٌ يخالفه … ما زال يتبعُ ما يجري به القلمُ
كذا قضى الله للأقلام مُذ بُرِيَت … أنَّ السّيوف لها مذ أرْهِفَتْ خدم
وقال أبو إسحاق الثعلبي: أنشدنا أبو القاسم السدوسي، أنشدنا أبو السميع الهاشمي، أنشدنا ابن صغنون لأبي تمام الطَّائي (٥): [من الكامل]
ولَضربةٌ من كاتبٍ ببنانه … أمضى وأبلغُ من دقيقِ حسامِ
قومٌ إذا عزموا عداوةَ حاسدٍ … سفكوا الدما بأَلسِنَةِ الأَقلام
قلت وقد ناقض أبو تمام قوله: [من البسيط]
السيفُ أصدق إِنباءً من الكُتُبِ (٦)
ومن أحسن ما قيل في هذا الباب قول البُحْتُري (٧): [من البسيط]
стр. 72
قومٌ إذا أخذوا الأقلامَ من غضب … ثم استمدوا بها ماء المنيّاتِ
نالوا بها من أعاديهم وإن كثروا … ما لا يُنالُ بحدِّ المشرفيّاتِ
والقول الثاني: إن أول ما خلق الله الماء. رواه الضحاك عن ابن عباس (١)، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، قال: خلق الله جوهرًا فصيَّره ماء.
والقول الثالث: النُّور والظُّلمة، قاله محمَّد بن إسحاق، قال: ثم مَيَّزَ (٢) بينهما فجعل الظُّلمة ليلا وَالنهار مضيئًا.
والرابع: العرش والكرسي، قاله وهب بن منبه.
والخامس: اللوح، قاله مقاتل.
والسادس: نقطة، فنظر إليها فمالت فصيرها ألِفًا فبدأ به المخلوقات.
والقول الأول أظهر.
فصل (٣)
أول المخلوقات القلم.
أول جبل وضع في الأرض أبو قبيس، وقيل: قاف وسنذكره في الجبال.
أول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام.
أول بيت وضع للعبادة الكعبة.
أول الأنبياء آدم ﵇.
أول قتيل في الأرض هابيل.
أول من خطَّ بالقلم وخاط الثياب إدريس، وكان الناس يلبسون الجلود.
أول من اختتن، وأضاف الضيف، واستحدَّ وجز شاربه، وقصَّ أظفاره وَفَرَق رأسه،
стр. 73
ورأى الشَيبَ، ونصب أنصاب الحرم، وَيُكْسَى حُلَّةً يوم القيامة إبراهيم ﵇.
أول من تكلم بالعربية، وركب الخيل إسماعيل.
أول من عمل القراطيس يوسف.
أول من سرد الدروع وكانت صفائح، وقال: "أما بعد" داود.
أول من دخل الحمام وصنعت له النورة وكتب "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وعمل له الصابون سليمان ﵇.
أول من سمي بيحيى: يحيى بن زكريا.
فصل (١)
أول من تجبَّر في الأرض وخُبِز له الرقاق نمرود.
أول من خضب بالسواد وقطعَ الأيدي والأرجل من خلاف وصلب فرعون.
أول من طبخ الآجرَّ هامان.
فصل (٢)
أول من سيَّبَ السوائبَ وبَحَرَ البحائر، وحمى الحامَ، ووصل الوصيلة في الجاهلية عمرو بن لحيّ.
أول من قطع في السرقة وقضى بالقسامة ودخل الكعبة حافيًا الوليد بن المغيرة.
أول من قسم للذكر مثل حظ الأنثيين، وصبغ بالزعفران عامر بن جشم.
أول من قضى في الخنثى من حيث يبول عامر بن الظَّرِب.
أول من سبى السبايا سبأ بن يعرب بن قحطان فسمي به، واسمه عامر.
أول من حذا النعال جذيمة بن مالك.
стр. 74
أول من سنَّ الديةَ مئة من الإبل عبد المطلب.
أول عربية كست الكعبةَ الديباجَ نتيلَة بنت جَناب (١) أم العباس بن عبد المطلب.
فصل (٢)
أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة.
أول ما نزل عليه من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١].
أول ما علمه جبريل الوضوء.
أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن الصبيان عليّ ومن النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة.
أول آية نزلت في القتال ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩].
أول من أسلم من الأنصار جابر بن عبد الله بن رئاب (٣).
أول من هاجر إلى الحبشة حاطب بن عمرو.
أول من بايع ليلةَ العقبة أسعد بن زرارة، وقيل: البراء بن معرور.
أول من هاجر إلى المدينة مصعب بن عمير، ومن النساء أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.
أول من استقبل القبلة قبل أن يُفرَض استقبالها البَراءُ بن معرور.
أولُ من جمَّع بالمدينة مصعب بن عُمير، وقيل: أسعد بن زرارة، وهي أول جمعة جمعت في الإِسلام.
أول من بنى لله مسجدًا عمار بن ياسر.
стр. 75
أول شهيدة في الإِسلام سمية أم عمار.
أول من أذَّن بلال.
أول من أوصى في الإِسلام بثلث ماله البراء بن معرور.
أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله سعد بن أبي وقاص.
أول من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد بن الأسود.
أول من سنَّ الصلاة عند القتل خبيب بن عديّ.
أول من دُفِنَ بالبقيع عثمان بن مظعون.
أول من سُمّي في الإِسلام بمحمد محمَّد بن حاطب.
أول مولود وُلِد في الإِسلام بالمدينة من أولاد المهاجرين عبد الله بن الزبير، ومن الأنصار النعمان بن بشير، وبالبصرة عبد الرحمن (١) بن أبي بكرة.
أول ظِهارٍ كان في الإِسلام ظهار أوس بن الصامت.
أول لعانٍ كان في الإِسلام لعان هلال بن أمية.
أول خلعٍ كان في الإِسلام خلع ثابت بن قيس بن شماس.
أول مرجوم في الإِسلام (٢) ماعز.
أول رايةٍ عقدت في الإِسلام راية عبد الله بن جحش، وهو أول من تسمَّى بأمير المؤمنين (٣).
أول امرأة ضرب على قبرها فسطاط زينب بنت جحش.
أول من حُملت في المدينة على نعش فاطمة ﵍.
أول من جمع القرآن أبو بكر ﵁.
стр. 76
أول مَنْ مَصَّرَ الأمصارَ ودَوَّنَ الدواوين وفرض الأعطية عمر بن الخطاب ﵁.
أول من قصَّ في المسجد تميم الداري بإذن عمر.
أول من زاد في الأذانِ يومَ الجمعة وجلس في الخطبة عثمان بن عفان ﵁.
أول من مات من الصحابة بالكوفة ودفن بظاهرها خباب بن الأرتّ.
أول من عمل المقصورة في الجامع معاوية بن أبي سفيان.
أول رأس حمل في الإِسلام رأس عمر بن الجون.
أول من قدَّم الخطبةَ يومَ العيدِ قبل الصلاة مروان بن الحكم.
أول من وُرِثَ في الإِسلام ابن نضلة (١)، مات بالحبشة فورثه ابنه النعمان.
أول من لبس الطيلسان بالمدينة جبير بن مطعم.
أول من ركب ومشى بين يديه الناس الأشعث بن قيس.
أول من عمل المحامل (٢) الحجاج بن يوسف.
أول من سمي في الإِسلام عبد الملك، عبد الملك بن مروان.
أول من نقَّط المصاحف يحيى بن يعمر.
أول من وضع النحو أبو الأسود الدؤلي.
أول قاضٍ بالمدينة عبد الله بن نوفل بن الحارث، وبالكوفة أبو قُرَّةَ الكندي، وبالبصرة كعب بن سُور، وبالعراق سلمان بن ربيعة، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه.
فصل (٣)
واختلفوا في أي شيء خلق الله بعد القلم، فقال قوم: اللوح المحفوظ؛ وروى مجاهد عن ابن عباس قال: اللوح من درة بيضاء، وطوله مثل ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه من الدر والياقوت، وقلمه نور، وهو متصل
стр. 77
بالعرش، ثم قرأ ابن عباس: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ الآية (١) [البروج: ٢٢]. وقد ذكر الثعلبي معناه.
وروي أيضًا عن أنس أن اللوح المحفوظ في جبهة إسرافيل (٢). وقال مقاتل: هو عن يمين العرش.
وقال قومٌ: خلقَ بعد القلمِ الكرسيَّ ثم العرش، وسنذكره.
* * *
стр. 78
فصل في حدّ الزمان والأيام وما نقل في ذلك عن العلماء والأعلام
الزمان: اسمٌ لقليلِ الوقتِ وكثيره، وطويلِهِ وقصيرِه، ويُجمع على أزمان وأزمِنة وأَزْمُن. وقد ذكره الجوهري (١). ويقال: الزَّمَن أيضًا، وهو عبارة عن حركات الفلك، ويدخل فيه ساعات الليل والنهار، والساعات مقدَّرات بقطع الشمس والقمر درجات الفلك (٢).
فأما اليوم فقال الجوهري: أصله أَيوَام، وجمعه أيام (٣). ومعياره من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فإن قيل: إنما يعرف اليوم بطلوع الشمس وغروبها ولم تكن الشمس يومئذ، فالجواب أن الباري سبحانه لا يحتاج إلى طلوع الشمس في مخلوقاته لأنه ليس عنده ليل ولأنهار، بذلك وردت الأخبار والآثار.
فالحاصل أنَّ الله خلق السماوات والأرضَ قبل خلقه الأيام والليالي والشمس والقمر، وقد رواه مجاهد عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فقال الله للسماوات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي، وقال للأرض: شققي أنهارك وأخرجي ثمارك فأجابتا (٤).
واختلف العلماء في الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض والمخلوقات: هل هي مثل أيام الدنيا المعروفات أو مثل أيام الآخرة (٥)، كلُّ يوم (٦) ألفُ سنةٍ، على قولين: أحدهما: أنها مثل أيام الدنيا، قاله مجاهد والحسن البصري؛ لأنها هي المعهودة؛ والثاني: أنها مثل أيام الآخرة، وبه قال ابن عباس وعامة العلماء (٧)، قال
стр. 79
الله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥].
فإن قيل: فهلّا خلقها في لحظة واحدة وهو أهونُ عليه؟ فالجوابُ من وجوهٍ: أحدها: أنَّ التثبُّت أبلغُ في القدرة، والتعجيلُ لا تقتضيه الحكمة، قاله ابن عباس. والثاني: أن الله تعالى أراد أن يُظهر في كلِّ وقت أمرًا تستعظمه الملائكة، قاله مجاهد. والثالث: أن الذي يتوهمه المتوهم من إبطاء الخلق في ستة آلاف سنة يتوهمه في ستة أيام عند قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقال سعيد بن جبير: إن الله تعالى كان قادرًا أن يخلق المخلوقات في لمحة واحدة، وإنما خلقها في ستة أيام تعليمًا لخلقه الرفقَ والتثبت في الأمور. وحكاه عن ابن عباس، وهو معنى القول الأول.
واختلفوا في أسماء الأيام: فقال الزجاج والفراء وأبو عبيد، وقد رواه الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنبأنا بذلك جماعة عن أبي القاسم السمرقندي قالوا: كانت العرب العاربة تقول ليوم السبت: شيار، وليوم الأحد: أول، وليوم الاثنين: أهون، وللثلاثاء: جبار، وللأربعاء: دبار، وللخميس: مؤنس، وليوم الجمعة: العروبة؛ وأول من نقل العروبة إلى يوم الجمعة كعب بن لؤي (١).
وقد ذكر الجوهري هذه الأيام وقال: كانت العرب تسميها في أساميهم القديمة، أنشدني أبو سعيد السيرافي قال: أنشدني ابن دريد لبعض شعراء الجاهلية قال: [من الوافر]
أُؤمِّل أن أعيشَ وإنَّ يومي … بأوَّلَ أو بأهونَ أو جُبارِ
أو التالي دبار أم فَيَومي … بمؤنسٍ أو عَرُوبَةَ أو شِيارِ (٢)
والثاني: أنهم كانوا يسمون يوم السبت: أبا جاد، ويوم الأحد: هوّز، ويوم الاثنين: حطّي، والثلاثاء: كمن، والأربعاء: سعفص، والخميس: قرشت، والجمعة: العروبة. حكاه الضحاك عن زيد بن أرقم (٣).
стр. 80
والثالث: ذكره أبو إسحاق الثعلبي عن ابن عباس قال: خلق الله يومًا واحدًا فسمَّاه يومَ الأحد، وخلق يومًا وسماه: يوم الاثنين، وذكر باقي الأيام على هذا (١).
قلت: والتوفيق بين هذه الأقوال ممكنٌ؛ لأنه يحتمل أنها كانت قديمة ثم تغيرت ونقلت بطول الزمان كما فعلوا بالشهور، لما نذكر.
فأما السبت فجمعه: سبوت وأسبت، وقال الجوهري: سمِّي يوم السبت لانقطاع الأيام عنده، قال: والسبت: الراحة، والسبت: الدهر، والسبت: ضرب من سير الإبل وهو العَنَقُ، والسبت: قيام اليهود بأمر سبتها، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] والمُسبِتُ الذي لا يتحرَّكُ، والسُّباتُ النوم، وأصله الراحة (٢).
وقد ذكر هذه الأسماءَ أبو عبيد فقال: أحد وآحاد واثنين وأثانين، وثلاثاء وثلاثاوات، وأربعاء وأربعاوات، وخميس وأخمسة، وجمعة وجمعات.
واختلفوا في أيّ يوم بدأ الله الخَلْقَ على أقوال:
أحدها: أنه بدأ بها يوم السبت وكان الفراغ منها يوم الجمعة، قال الإِمام أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الله بن رافع مولى أم سملمة، عن أبي هريرة ﷺ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي وقال: "خلق الله التربةَ يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدوابَّ يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر إلى الليل [في آخر] ساعة من ساعات الجمعة ما بين العصر إلى الليل". انفرد بإخراجه مسلم (٣).
وقد رواه [عكرمة] عن ابن عباس قال: جاءت اليهود فسألوا رسول الله ﷺ عن المخلوقات، فذكر الحديث -إلا أن الطبري ذكر أنه بدأ بالخلق في يوم الأحد لما نذكر- فلما قال: وخلق آدم يوم الجمعة في آخر ساعة، قالت: ثم ماذا؟ فقال: ثم استوى على العرش، فقالوا: لو أتممت: ثم استراح يوم السبت، فغضب رسول الله ﷺ غضبًا
стр. 81
شديدًا، ثم أنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ الآيات (١) [ق: ٣٨ - ٣٩].
وقد ذكره أبو إسحاق الثعلبي في آخر سورة "ق"، وقال فيه: فقالت اليهود: صدقتَ إن تممت، قال: وما ذاك؟ قالوا: ثم استراح يومَ السبتِ واستلقى على العرش. فنزلت الآيات.
والثاني: أنه بدأ بالمخلوقات يوم الأحد. قاله كعب الأحبار ومجاهد والضحاك، وحكاه أبو جعفر الطبري عن اليهود (٢)، ورواه عن ابن عباس. وحكاه الثعلبي أيضًا أنه قال: خلق يومًا واحدًا وسماه: يوم الأحد، وذكره، وكذا هو في التوراة. ولهذا قالوا:
استراح يوم السبت، وبه قالت النصارى؛ لأن عيسى ﵇ رفع فيه إلى السماء.
[والثالث: يوم الاثنين، قاله محمَّد بن إسحاق. والقول الأول أصح لوجهين، أحدهما: لأجل الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة وأن النبيّ ﷺ نص عليه، وقد قال أبو هريرة: أخذ رسول الله بيدي، والثاني: لأن فيه مخالفة لليهود لأنهم أبطلوا الخلق يوم السبت وقالوا استراح، ومخالفة النصارى أيضًا] (٣).
فصل (٤)
واختلفوا في خلق السماوات والأرض، أيهما أسبق؟ على قولين: أحدهما الأرض قاله ابن عباس، والثاني: السماوات، قاله مجاهد. وسنحقق القول فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فصل (٥)
واختلفوا في خلق الليل والنهار أيضًا على قولين: أحدهما: النهار خلق أولًا، قاله
стр. 82
عكرمة ومجاهد؛ لأنه ضياء والنور مقدم على الظلام، والثاني: الليل، وبه قال ابن عباس وعامة العلماء، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] فدلَّ على أن الليل مقدم عليه، ولأن الظلمة أصل والضوء عارض، وهو من إشراق نور الشمس فلا يكون أصلًا، وقد نصَّ عليه ابن عباس فقال: أرأيتم حين كانت السموات والأرض رَتْقًا، ما كان بينهما إلا ظلمة (١).
فصل
وأما السنة، فقال يعقوب بن السكيت: هي واحدة السنين، وأصلها: سَنْهَة وتصغيرها: سُنَيْهة وسُنيَّة، وجمعها: سنون، بكسر السين، وبعضهم يضمها.
فصل (٢)
وأما الشهر، فذكر أبو منصور بن الجواليقي في "المعرب" أن أصله شهر بالسين المهملة، فعُرِّب، وقال الفراء: إنما سمي شهرًا لشهرته وظهوره (٣)، ويسمى الهلال شهرًا لشهرته؟ وقال الفرّاء: أول شهور العرب العاربة: ناجر، وأول شهور المستعربة: المحرم.
وقال الجوهري: لما نقلت العربُ أسماءَ الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها.
قلت: لم يفسِّر الجوهري معنى هذا الكلام ويحتاج إلى بيان؛ قلت: أما قوله لما نقلتِ العرب: يريد المستعربة، ذلك لأن العرب قسمان، عاربة وهم الخلص الذين لم يخالطوا الحاضرة، ومستعربة وهم الذين خالطوا الحاضرة؛ قال أبو العلاء: العاربة مثلُ طسمٍ وجديس، ومن كان معاصرًا لهم، وأما المستعربة فهم المتأخرون وهم الذين نقلوا أسماء المشهور، فقالوا: المحرّم وصفر إلى ذي الحجة.
فأما العرب الأوائل، فقرأت على شيخنا أبي اليُمن زيد بن الحسن الكندي رحمه
стр. 83
الله قال: قرأت على شيخنا أبي منصور بن الجواليقي، عن الخطيب أبي زكريا التبريزي، عن أبي العلاء المعري قال: كانت العرب العاربة تسمي هذه الشهور بغير هذه الأسماء فتقول للمحرم: مؤتمِر، ولصفر: ناجِر، ولربيع الأول: خوَّان، ولربيع الآخر: وَبْصان، ولجمادى الأول: رُبَّى، ولجمادى الآخر: حَنين، ولرجب: الأصم، ولشعبان: عازل، ولرمضان: ناتق، ولشوّال: وَعْل، ولذي القعدة: وَرْنَة، ولذي الحجة: بُرَك.
تفسيرها: أما مؤتمر، فاشتقاقه من المؤامرة في ترك الحرب احترامًا له، وأما ناجر، فالنجر الأصل، جعلوه أصل الحرب؛ وأما خوَّان: فمن تخوينهم الحرب أي نقضهم، وأما وَبْصان: فمن الوَبْص وهو بريق السلاح، وكانت الغارات تشتد فيه، وأما رُبَّى: فمن قولهم شاة رُبَّى على وزن فُعلى أي كثيرةُ النِّتاج، وكانوا يجمعون فيه الأموال، وأما حنين: فلأن أسفارهم تطول فيحنُّون فيه إلى المنازل والأهل، وأما الأصم: فلأنهم ما كانوا يُغيرون فيه ولا يسمعون قعقعةَ السلاح فسمّي أصمَّ به، ومنهم من يقول: رجب مضر وسنذكره.
وأما قولهم ناتق؛ فمن قولهم: نتقت الشاة إذا أكثر ولدها، وأما وَعْل: فالوعل الملجأ، كانوا يلجأون فيه إلى المنازل، وأما وَرْنة؟ فالأَرْن -بإسكان الراء- النشاط، كانوا ينشطون فيه للحج (١)، وأما بُرَك؟ فلأنَّ الإبل كانت تبرك فيه في الموسم حتى ينقضي، وقيل: هو من البركة.
وأما شهور المستعربة؛ فسمي المحرم لتحريم القتال فيه، كان الرجل يلقى قاتلَ أبيه أو ابنه أو أخيه فلا يعرض له، وكذا في الأشهر الحرم [كلها]، قال الجوهري (٢): إلا حيّان من العرب خَثعم وطيّئ فإنهم كانوا يستحلون القتال فيه وفي الأشهر الحرم.
وأما صفرَ: فلأنَّ المنازل كانت تَصْفَر منهم، أي: تخلو، والصِّفْر الخالي، وقال الجوهري عن ابن دريد: والصَّفَرَان شهران من السنة أحدهما المحرم (٣). وقيل: لأنهم
стр. 84
كانوا ينزلون بلادًا يقال لها: صفر، والأول أصح.
وأما شهرا ربيع: فلأنهم كانوا يرتبعون فيهما، وقال الجوهوي: والربيع عند العرب ربيعان: ربيع المشهور وربيع الأزمنة، فربيع المشهور شهران بعد صفر، ولا يقال فيهما إلا شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر، وأما ربيع الأزمنة فربيعان: الأول منهما: ربيع الكلأ، وهو الفصل الذي تأتي فيه الكمأة والنَّوْر ينضر، والربيع الثاني، وهو الفصل الذي تدرك فيه الثمار (١).
وأما جُماديان: فلأن الماء كان يجمد فيهما، وهو فُعَالى من الجَمْد.
وأما رجب: فمن الترجيب، وهو التعظيم، يقال: رجَّبته أي: عظَّمته، وقال الفراء: ومنه قولهم: نخلة مُرَجَّبة، إذا أكثر حملها أقاموا لها دعائم لئلا تنكسر أغصانها، وفيه لغتان: رجب ورحم؛ لأن الرحمة تنصب فيه صبًّا، ويقال له: رجب مضر أيضًا لأَنَّ مضر كانت تعظمه أكثر من غيرها فنسب إليها، وجمعه: أرجاب؛ وقيل إنما سمي: الاسم؛ لأنه لا يشهد بالقبائح على هذه الأمة.
وأما شعبان: فلأن الشَّعْب هو الاجتماع، كانوا يتشعبون فيه بعد الفرقة، وقيل: إنما سمي شعبان؛ لأنه يتشعّب فيه خير كثير لرمضان [أي يتجمع].
وأما رمضان: فاشتقاقه من الرَّمَض، وهو وقع حرِّ الشمس على الرمل، ومنه: الرَّمْضاء، ورمضت الفِصال: إذا وجدت حرَّ الشمس.
وأما شوال: فمن الشَّوْل، وهو الارتفاع؛ لأن النوق تشولُ فيه، أي: ترفع أذنابَها للقاح، وقيل: وإن ألبانَ الإِبل كانت تشول فيه، أي: تقل [وجمعه شوالات وشوائل] وهو أول أشهر الحج.
وأما ذو القعدة: فلأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال تعظيمًا له [وجمعه ذوات القعدة].
وأما ذو الحجة: فلأنهم يتأهبون فيه للحج ويقصدون مكة من [سائر] الآفاق، [وجمعه ذوات الحجة] (٢).
стр. 85
فصل
والعرب تسمي كلَّ ثلاثِ ليالٍ من الشهرِ باسمٍ.
فصل (١)
والعرب تؤرخ بالليالي دون الأيام؛ لأن سنيَّهم قمرية، فالعمل فيها على القمر لأنه يرى في الليل عاليًا، فيقال في أول ليلة من الشهر: استهل الهلال، ولا يقال ذلك في النهار، بخلاف سائر الأمم، فإن سنيهم على سير الشمس وهي نهارية؛ ثم العرب تعد السنة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا وسدس يوم (٢)؛ لأن شهرًا يكون تامًّا وشهرًا يكون ناقصًا غالبًا.
فصل في شهور الروم (٣)
الروم تعد السنة ثلاث مئة وخمسة وستين يومًا وربع يوم، وشهورهم مختلفة العدد، وأولها:
نَيسان، وهو ثلاثون يومًا.
وأيار أحد وثلاثون يومًا. ولثماني عشرة منه ترجع الشمس هابطة من الشمال.
وحَزِيران ثلاثون يومًا.
وتموز أحد وثلاثون يومًا، وكذا آب، فإذا انسلخ آب قلَّ الحر.
وأيلول ثلاثون يومًا، ولثلاث عشرة منه عيد الصليب، ولثماني عشرة منه يستوي الليل والنهار.
وتِشرين الأول أحد وثلاثون يومًا، وفيه يكون المهرجان، ومعناه: أنه كان في الفرس ملك ظالم جبار اسمه "مهر" فمات في نصف هذا الشهر، و"جان" هو الروح، أي: "مهر" ذهبت روحه. وبين المهرجان والنيروز مئة وستون يومًا، والفرس تسمي هذا
стр. 86
اليوم أول الشتاء.
وتشرين الآخر ثلاثون يومًا.
وكانون الأول أحد وثلاثون يومًا، ولسبع عشرة منه يكون النهار تسع ساعات (١)، ويكون الليل أربع عشرة ساعة، وذلك منتهى طوله؛ وفي الليلة الخامسة والعشرين منه ولد المسيح ﵇.
وكانون الآخر أحد وثلاثون يومًا، وفي أول ليلة منه توقد نار عظيمةٌ بأنطاكية، والنصارى تعظِّم تلك النار (٢) وتقولُ بأنَّ النصرانية ظهرت من أنطاكية في تلك الليلة بعدما دثرت، وتسميها مدينة الله.
وشباط ثمانية وعشرون يومًا وربع يوم في ثلاث سنين متواليات، والسنة الرابعة تسمى: كبيسة، فتكون تسعة وعشرين يومًا يقسم ذلك في أربع سنين، ولسبع ليال منه تسقط الجمرة الأولى، وهي الجَبْهة، ولأربع عشرة منه تسقط الثانية وهي الزُّبْرة، ولإحدى وعشرين منه تسقط الثالثة وهي الصَّرْفة، فينصرف البرد، وفيه يتكامل الجمار؛ واليوم الخامس والعشرون منه أول أيام العجوز (٣).
وآذار ثلاثون يومًا (٤)، وفي الرابع عشر منه فصل الربيع ونزول الشمس الحمل، ويعتدل الليل والنهار، وفي ذلك اليوم النَّيروز. وقال ابن الجواليقي: ويقال: النَّوروز، وقد تكلمت به العرب (٥)، والله أعلم.
فصل في عدد الفرس
السنة عندهم ثلاث مئة وستون يومًا، كل شهر ثلاثون يومًا، وأول شهورهم: فَرْوَرْدين ماه، وأول يوم منه النيروز، والثاني (٦): أُرْديبِهِشْت ماه، والثالث: خُرْداد
стр. 87
ماه، والرابع: تِير ماه، والخامس: مُرْداد ماه، والسادس: شهر ير ماه (١)، والسا بيع: مِهْرْ ماه، وفي الثامن عشر منه يكون المهرجان. والثامن: آبان ماه، والتاسع: آذَر ماه، العاشر: دِي ماه، والحادي عشر: بَهْمن ماه، والثاني عشر: اِسْفَنْدار مد ماه، وهذه أسامي ملوكهم.
فصل في عدد القبط
السنة عندهم ثلاث مئة وخمسة وستون يومًا، كل شهر ثلاثون يومًا مثل شهور الفرس، إلا أنهم يجعلون بعدها خمسة أيام يسمونها: اللواحق، وتدعى "العمياء" أيضًا، فأول يوم من السنة عندهم هو التاسع والعشرون من آب عندنا، وأول شهورهم: توت، وهو أيلول بالسريانية. والثاني: بابه، وهو تشرين الأول. والثالث: هتور، وهو تشرين الثاني. والرابع: كيهك، وهو كانون الأول. والخامس: طوبه، وهو كانون الآخر. والسادس: أمشير، وهو شباط. والسابع: برمهات، وهو آذار. والثامن: برموده، وهو نيسان. والتاسع: بشنس، وهو أيار. والعاشر: بوونه، وهو حزيران. والحادي عشر: أبيب، وهو تموز. والثاني عشر: مسري، وهو آب، وفيه يتكامل النيل.
* * *
стр. 88
فصل في خلق الأرضين ومدة التصوير والتكوين (١)
قال علماء اللغة: إنما سميت الأرض أرضًا؛ لأنَّ الأقدام تدقّها وترضّها. وقال الجوهري: الأرض مؤنثة، وهي اسم جنس، وجمعها أَرَضون، وقد تجمع على أُرُوض، وأما قول ابن عباس: أَزُلْزِلَتِ الأرضُ أَم بيَ أَرْضٌ؟ فإنَّما أراد الرِّعْد والنَّفْضَة (٢).
وروى أبو إسحاق الثعلبي عن ابن عباس قال: أولُ ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم رفع بخار الماء فخلق منه السموات، ثم خلق النون وهو الحوت الذي يحمل الأرضَ، فبسطَ الأرض على ظهره، فتحرك النون فمادت الأرض، فأُثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرضِ، ثم قرأ ابن عباس ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١] (٣).
واختلفوا في اسمم هذا الحوت؛ فقال الكلبي ومقاتل: بهموت (٤). وقال أبو اليقظان والواقدي: ليوثا، وروي عن علي ﵁ أنه بلهوت؛ قال الراجز:
ما لي أراكمْ كلَّكُم سُكوتا … واللهُ ربِّي خلَق البلهوتا (٥)
وقال الثعلبي أيضًا: قالت الرواة: لما خلق الله تعالى الأرض وفَتَقها بعث من تحت العرش ملكًا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع، فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب، باسطتين قابضتين على الأرضين السبع حتى ضبطها، فلم يكن لقدمه موضع قرار، فاهبط الله تعالى من الفردوس ثورًا وجعل قرارَ قدَمَي المَلَك على سنامه فلم تستقرَّا، فأَحدَرَ الله ياقوتةً حمراء من الفردوس غلظها مسيرة خمس مئة عام، فوضعها على سنام الثور فاستقرَّت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور هي أربعون ألف قرن خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر، فهو يتنفس
стр. 89
كلَّ يوم نفسًا، فإذا تنفس مدَّ البحر، وإذا ردَّ نفَسَه جزر، فلم يكن لقوائمه موضع قرار، فخلق الله صخرةً خضراء كغلظ السموات والأرض، فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ الآية [لقمان: ١٦] فلم يكن للصخرة مُستَقرٌّ، فخلقَ الله نونًا -وهو الحوت العظيم-، فوضع الصخرة على ظهرِهِ وسائرُ جسدِهِ خال، والحوتُ على البحر، والبحرُ على متنِ الريح، والربح على القدرة تقلُّ الدنيا كلها بما عليها، قال لها الجبار سبحانه: كوني، فكانت (١).
وقد روى أبو بكر الخطيب بمعناه عن ابن عباس، فقال بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس، وفيه: وكانت الأرضُ تمورُ مورًا تتكفَّأ، كما تتكفأ السفينة، فبعث الله تعالى جبريل، فلم يقدر أن يسكِّنها، فقال: يا إلهي، قد علمتَ أنك لم تقدِّر ذلك على يدي، ولو بعثتَ بعوضةً لسكنتها، قال: فأرسل الله ملكًا من تحت العرش، فدخل تحت الأرض وذكره.
وفيه: وقرونُ ذلك الثورِ خارجةٌ من أقطار الأرض قد اشتبكت بأقطار السموات إلى العرش، ومنخرا الثور في ثقبين من تلك الصخرة، فهو يتنفس كل يوم نفسين، فإذا تنفس مدَّ البحر وإذا ردَّ نَفَسه جزرت البحار.
وفيه: واسم الحوت بلهوت، فانتهى إبليس إلى الحوت فقال: ما خلق الله خلقًا أعظم منك، فَلِمَ تحملُ هذه الأَثقال؟ فهم أن يلقي ما عليه، فبعث الله تعالى بَقَّةً فدخلت في عينه فشغلته عن ذلك، ثم أنبت الله جبل قاف من تلك الياقوتة الخضراء فأحاط بالدنيا، ثم أنبتَ منه الجبال وشبك بعضها ببعض بعروقه كالشجر في الأوتاد، فإذا أراد الله أن يزلزل أرضًا أوحى إلى قاف فحرَّكَ ذلك العرق، وهو حديث طويل اختصرته. وقد أخرجه الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في كتابه المعروف بـ "كتاب الزلازل".
وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار: أنَّ إبليسَ تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها فوسوس إليه: أتدري ما على ظهرك يا لوثيا من الأمم والدوابّ والشجر والجبال وغيرها؟ ولو نفضتهم لاسترحت، فهمَّ لوثيا أن يفعل ذلك فبعث الله إليه دابةً
стр. 90
فدخلت في منخره ووصلت إلى دماغه، فضج الحوت منها إلى الله تعالى، فأَذِنَ لها فخرجت؛ قال كعب: فوالذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن همَّ بشيء من ذلك عادت إليه كما كانت، فلا يزالُ كذلك إلى يوم القيامة (١).
وروى الحافظ أبو القاسم أيضًا في "كتاب الزلازل" عن أنس عن النبي ﷺ قال: "أُسِّست السمواتُ السبع والأرضون السبع على ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٢).
قلت: ولا يصحُّ هذا عن رسول الله ﷺ إنما هو موقوف على أنس (٣).
وذكر ابن قتيبة في "المعارف" عن الثوراة، وقال في السِفر الأول منها: خلق الله السمواتِ وآدمَ وحواء. وذكر ألفاظًا شنيعةً منها: أن الله تعالى يخلق بشرًا على صورته وما أشبه هذا (٤)، والله تعالى منزَّه عن الصورة لأنَّه ليس بجسم، وإن صحَّ في الأخبار حديثُ الصور (٥) فَيُحْمَلُ على الصفة، وهو اللائق بالله .
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون بإسناده عن النبي ﷺ : "لما خلَق الله الأرضَ جَعَلَت تميلُ، فخلَق الجبال وألقاها عليها فاستقرَّت، فتعجبت الملائكةُ من خلْقِ الجبال، فقالت: يا رب، هل من خلقك شيءٌ أشدُّ من الجبالِ؟ قال: نعم، الحديدُ، قالت: يا رب، هل من خلقك شيءٌ أشدُّ من الحديدِ؟ قال: نعم، النارُ، قالت: يا رب، فهل من خلقك شيءٌ أشدُّ من النار؟ قال: نعم، الريحُ، قالت: يا رب،
стр. 91
فهل من خلقك شيءٌ أشدُّ من الريحِ؟ قال: نعم، ابنُ آدم، يتصدَّقَ صدقة بيمينه، ثم يخفيها عن شماله". وقد أخرجه الترمذي (١) في "جامعه" وذكره، وهذا الحديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.
* * *
стр. 92
فصل في ذكر البيت الحرام المخصوص بالإجلال والإعظام
ذكر الجوهري، وقال: الكعبة البيت الحرام، سمي بذلك لتربُّعه (١). وقال الخليل بن أحمد: إنما سميت الكعبة كعبةً لارتفاعها وعلوّها واستدارتها. وقال مجاهد: سميت كعبةً للتربيع (٢). والعرب تسمي كلَّ بيت مربع كعبة، وقال مقاتل: لانفرادها عن البناء، وقال الفراء: سميت كعبة لبنائها مربعةً على موضع رفيع، وسمي: البيتَ الحرام لأن الله تعالى حرّمه وعظَّم حرمته.
وقال أحمد بن حنبل ﵀ بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كانت الكعبة خَشَفَة على رأس الماء عليها ملكان يسبحان الليلَ والنهارَ قبل خلق الأرض بألفي عام (٣) ".
قال أبو عمرو بن العلاء: الخَشَفَة: الأكمة الحمراء. وقال الجوهري: الخَشَفة: الحسُّ والحركة (٤). ومعناه على هذا أنها كانت تضطرب وتتحرك على الماء.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: وضعت الكعبة على أربعة أركان -قبلَ أن يخلقَ الله الدنيا- على وجه الماء، ثم دحا الأرض من تحتها (٥).
وروى العوفي على أنه قال: أرسل الله تعالى الريح فمسحت الماء حتى حَوَتْ على خشفة، وهي التي تحت الكعبة، ثم إن الله مَدَّ الأرض من تلك الخشفة، حتى بلغت حيث أراد الله في الطول والعرض (٦).
وروي عن كعب الأحبار أنه قال: وجد حجر في أسفل المقام من أيام جُرْهُم
стр. 93
مكتوب فيه: "إني أنا الله ذو بكَّةَ، حرَّمتها يومَ خلقتُ السموات والأرضَ، ويومَ وضعتُ هذين الجبلين، وحففتها بسبعة أملاكٍ حنفاءَ، مَن أَمَّ هذا البيتَ زائرًا عارِفًا بحقِّي، مُقرًّا بالوحدانية، حَرَّمْتُ جَسدَهُ على النار" (١).
وقال أحمد بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "كأنِّي أنظرُ إلى أسودَ أَفْحَجَ ينقضُها حجَرًا حجَرًا" يعني: الكعبةَ. انفرد بإخراجه البخاري (٢). والأفحج: المتباعد ما بين الفخذين.
وسنذكر ما يتعلق بالبيت الحرام في قصة الخليل ﵊.
* * *
стр. 94
فصل في مساحة الأرض، ومقدار طولها والعرض
قد أشار جماعة من المهندسين العلماء إلى مثل ذلك:
المأمون في "كتاب الجغرافيا" وهو كتابٌ ألفه بطليموس، وابن خُرْداذبه في كتاب "المسالك والممالك"، وابن حَوقل، وأبو معشر، وقد أشار أبو الحسين بن المنادي إلى طَرَفٍ من ذلك.
واختلفوا في مساحة الطول والعرض على أقوال:
أحدها: أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، اثنا عشر ألفًا للسودان، وثمانية آلاف للروم، وثلاثة آلاف لفارس، وألف للعرب، حكاه جدّي ﵀ في مصنفاته كالمنتخب وغيرِهِ عن قتادة (١).
والثاني: أنها مسيرة خمس مئة سنة منها ثلاث مئة عمران، ومئتان خراب، لا ساكنَ بها. قاله ابن مضرّب (٢).
والقول الثالث: أن طولها أربع مئة سنة وعرضها مئتان. قاله مجاهد.
والرابع: أن طولها وعرضها مسيرة ثلاث مئة سنة، العمران مئة سنة، والخراب مئة سنة، والبحار مئة سنة. قاله حسَّان بن عطية (٣).
والخامس: أنها ستة وثلاثون ألف فرسخ في مثلها، فالهند والسند اثنا عشر ألف فرسخ، وهم ولد حام بن نوح، والصين ثمانية آلاف فرسخ، وللروم عشرة آلاف، وللعرب أربعة آلاف، وفيما بين ذلك ألفان. قاله السدّي عن أشياخه.
والسادس: أنَّ مقدار الدنيا ألف فرسخ، ثلث هواء، وثلث بحار، وثلث للناس والدواب. قاله مغيث بن سُمَيٍّ (٤).
стр. 95
وقال في "جغرافيا": الهند والصين والمشرق خمسون ألف فرسخ، ومن حدود الهند إلى العراق أربع مئة فرسخ، وعمل رُومِيَة الروم ثلاثة آلاف فرسخ. وقد ذكره الفزاري.
وقال مقاتل: ما العمارة في الخراب إلَّا مثل الفسطاطِ في الصحراء (١).
وقال أبو الحسين ابن المنادي: لا خلافَ أن الأرض على هيئة الكرة، وهي موضوعة في جوف الفلك كالمُحَّة في البيضة، والنسيمُ محيط بها كالبياض من المُحَّة، وهو جاذبٌ لها من جميع جوانبها، والأرضُ جاذبةٌ لما في الأبدان من الثقل، بمنزلة المغناطيس الذي يجذب الحديد، والفَلَك محيط بالنسيم كإحاطة القشرِ بالبياض، وهي مقسومة بنصفين، وبينهما خطُّ الاستواء، وهو من المشرق إلى المغرب، وهو طول الأرض، وأما عرضها: فمن القطب الشمالي الذي يدور حوله بنات نعش، إلى القطب الجنوبي، وذلك ثلاث مئة وستون درجة، والدرجةُ خمسة وعشرون فرسخًا، والفرسخُ اثنا عشر ألف ذراع، وهو أربعة آلاف خطوة بخطوة البعير، وهو ثلاثةُ أَميال، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا، والإِصبع ستُ شَعِيرات، كلُّ شَعيرةٍ ستُّ شَعرات من شَعر البِرذَون، وهذا الذراع قدَّره المأمون بمحضر من المهندسين والحُسَّاب، وهو بين الطويل والقصير، دون ذراع البحار والذراع الهاشميّ، فعلى هذا التقدير يكون ما بين القطبين تسعة آلاف فرسخ.
وقد أشار إلى هذا ابن خرداذبه في كتاب "المسالك والممالك" (٢). وأشار في "جعرافيا" إلى هذا.
وقال ابن حوقل: "كتاب جغرافيا" ذَكَر فيه بطليموس طولَ الأرضِ وعرضها، وجبالها وبحارها وأنهارها، ومدنها، وجميع ما فيها، فنقله المأمون إلى العربية.
قال كعب الأحبار: وجدت في التوراة أن الدنيا مثلُ نسر، فالشامُ رأسه، والروم صدره، والمشرق والمغرب جناحاه، واليمن ذنبه، ولا يزال الناس بخير ما لم يفرغ
стр. 96
الرأس، فإذا فرغ الرأس هلك الناس.
وقال ابن حوقل: ما بين يأجوج ومأجوج إلى ناحية البحر المحيط في الشمال براري وقفار، ليس فيها عمارة ولا نبات لشدة البرد بها، وسببه انحراف الشمس عن القطب الشمالي، وكذا ما بين المحيط والسودان براري لا شيء فيها لشدَّة الحرّ، وسببه ميل الشمس إلى ناحية الجنوب (١).
* * *
стр. 97
فصل في ذكر الأقاليم الدالة على حكمة الحكيم
قال الجوهري: الإقليم واحدُ الأقاليم السبعة (١). ولم يبين، قلت: والأصح في حدِّ الإقليم: أنه بُلدان وأماكن تقطعها الشمس في طلوعها وغروبها وارتفاع دَرَجِها.
وذكر في "جغرافيا" وقال: الدنيا سبعةُ أقاليم، كلُّ إقليم تسع مئة فرسخ في مثلها، والبحر الأعظم محيط بها، وجبل قاف وراء البحر، وأطراف السماء عليه كأطراف الخيمة على وجه الأرض، وأن خضرة السماء تلونه، ولبعد المسافة تبين أنها زرقاء.
ثم رتَّبَ الأقاليم فقال: أولها إقليم الهند، ثم الحجاز، ثم إقليم مصر والشام والمغرب، ثم إقليم بابل، ثم إقليم الروم، ثم إقليم الترك، ثم إقليم الصين (٢).
قلت: وما يُكتفى بهذا، ولا بدَّ من البسط في حدِّ الأقاليم، وقد ذكر أبو معشر وابن حوقل وأبو الحسين بن المنادي طرفًا من ذلك، فنأتي على أقوالهم فنقول:
الإقليم الأول (٣): إقليم الهند: ويبتدئ من المشرق من أقصى بلاد الصين، فيمرُّ على بلاد الهند، ثم على ساحل السِّنْد (٤) إلى ناحية الجنوب، فيمر على عُمَان، ثم على اليمن وظَفَار وحَضْرَمَوْت وعدَن وصنعاء وَتَبالة وجَرَش، وما إلى تلك البلاد حتى يقطع البحر إلى جزيرة العرب، فيأتي عليها، ثم يقطع بحر القُلْزُم ويمر على بلاد الحبشة، ويقطع نيل مصر ويمر على مدينة الحبشة، وتسمى جَرْمَى (٥)، وعلى مدينة النُّوبَة وتسمى دُمْقُلَة، ثم يمر في أرض المغرب على جنوب بلاد البَرْبَر، إلى أن ينتهي إلى بحر الغرب الكبير.
وهذا الإقليم صحيح الهواء يورث صحة الأجسام والحكمة. قال أبو معشر: وله من البروج الجدي، ومن النجوم زحل.
стр. 98
قلت. ولما ذكرت في هذا الإقليم جزيرَةَ العرب، ذكرتُ حدودها، وقد اختلفوا فيها:
فقال الجوهري: وأما جزيرة العرب هي ما بين حَفْر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن طولًا، وفي العرض ما بين رمل يَبْرِينَ إلى منقطع السَّماوة (١).
وقال الأصمعي: هي ما بين نَجْران والعُذَيب، يعني نجران اليمن، قال: وإنما سميت جزيرة العرب لإحاطةِ البحرِ بها من كلِّ مكان، فجعل حدَّها من المغرب بحر القُلْزُم، ومن المشرق الفرات لأنَّها تمر على أرض الكوفة، وتصبُّ في البحر.
قلت: وجزيرة العرب هي أرض العرب وهي عُشْريَّة، وقد حدَّها أصحابنا فقالوا: هي ما بين العُذَيبِ إلى أقصى حُجْر باليمن، ومَهْرَة إلى حدِّ الشآم.
الإقليم الثاني: وهو إقليم الحجاز، يبتدئ من المشرق فيمر على بلاد الصين، ثم يمرُّ على بلاد الهند، ثم على السِّند وفيه مدينة الكافور، ويقال لها: الفنصورة، ثم على الدَّيبُل، ثم على البحر الأخضر، ويقطع جزيرة العرب في أرض نجد وتهامَة، وفيه اليمامة والبحرين وهَجَرُ والمدينة ومكة والطائف وجُدَّة، ثم يقطع بحر القُلْزُم ويمر بصعيد مصر، فيقطع النيل ويمر على أُسْوَان وإخْمِيم، ثم يمتد في أرض المغرب على وسط بلاد أفريقية، ثم يمر على بلاد البربر، وينتهي إلى البحر المحيط.
وقال الجوهري: الحجاز بلاد، وسميت بذلك لأنها حجزت بين نجد والغور (٢).
وروي عن الأصمعي أنه قال: إنما سمي الحجاز لأنه احتُجز بالحِرار الخمس: حَرَّة بني سُلَيم، وحَرَّة واقمٍ، ولم يذكر الباقيات (٣).
وقال الجوهري: النجدُ ما ارتفعَ من الأرض، وقال: نجد من بلاد العرب، وهو خلاف الغور، والغور هو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد (٤).
стр. 99
وقال أبو معشر: ولإقليم الحجاز من البروج العقرب، ومن النجوم الزهرة.
الإقليم الثالث: وهو إقليم الشأم ومصر، يبتدئ من المشرق فيمرّ على بلاد الصين، ثم على بلاد الهند، ثم على شمالي بلاد السند، ثم على بلاد كابُل وسِجِسْتان، ثم على سواحل بحر البصرة، وفيه مدينة إصْطَخر ونَسا ونيسابور وشيراز وسيراف، ثم يمر على كُوَر الأهواز والبصرة وبغداد والكوفة والأنبار وهيت، ثم يمر على بلاد الشام: حمص ودمشق وصور وعكا وطبرية وعَسْقلان وغزة والقدس والرملة، ثم يقطع أسفلَ مصر ويمر على تِنِّيس ودمياط والفسطاط والفيوم والإسكندرية، ثم يمر على بلاد المغرب ويدخل سَبتة حتى ينتهي إلى البحر الكبير.
قال أبو معشر: وله من البروج الجوزاء ومن النجوم عطارد، وهواؤه غليظ يورث الصفار، ومرض من يسكنه من أهل المغرب الاستسقاء والبَطَن، والغالب على الشأم الدم. وقال الجوهري: الشام بلاد تذكَّر وتؤنَّث (١).
وحدُّه من العريش إلى الفرات، واختلفوا لِمَ سُمِّي الشام شامًا، قال ابن المقفَّع: سمي الشام بسام بن نوح، وسام اسمه بالسريانية "شام"، وبالعبرانية "شيم". وقال الكلبي: سمي الشام لشامات في جباله حمر وسود وبيض.
قلت: والأصح إنما سمي الشام لأنه عن يسار الكعبة، وقول ابن المقفع إنما سمي الشام بِسام، فاتفق الرواة على أنه ما نزله قط.
وقد أورد الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" أخبارًا في فضائله فيها مقال:
منها ما رواه عن ابن حَوالة عن النبي ﷺ أنه قال: "عَليكم بالشَّام فإنَّها صفوةُ الله من بلاده يَسكُنها خيرُ عبادِه، فمَن أبَى، فليَلْحق بالشام، فإنَّ الله قد تَكفَّلَ لي بالشَّام وأهلِه" (٢). وذكر الحديث من حرف كثير، وروي فيه زيادات ونقص.
وقد ذكره جدي ﵀ في كتاب "الأحاديث الواهية" وقال: هذا حديث لا
стр. 100
يصحّ، في إسناده محمد بن كثير خرَّقنا حديثه ولم نرضه، كذا قال أحمد بن حنبل (١).
وفي "الصحيحين" حديث أخرجاه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اللَّهم بارِكْ لنا في شامِنا، اللَّهم بارِكْ لنا في يمنِنا"، قالوا: يا رسولَ الله، وفي نجدنا؟ قال في الثالثة: "هُنالِك الزَّلازِلُ والفِتَنُ". وهو حديث طويل أخرجه الحميدي في الفتن (٢).
الإقليم الرابع: وهو إقليم العراق، ويقال له: إقليم بابِل، يبتدئ من المشرق فيمرُّ على بلاد التُّبت، ثم على خُراسان وفَرْغانة وسَمَرقند وبَلْخ وبخارى وهَراة ومَرو وسْرخَسَ وطَبَرِستان وطوس وجُرجان وقُوْمِس وقَزوين والرِّي وأصبهان وقُمَّ وقاشان وهَمَذان ونَهاوَند والدِّينَوَر وحُلوان وشَهِرزور وسُرَّ من رأى والموصل وحرَّان والرَّقة وقَرْقيسيا، ثم يمرّ على حلب وقِنَّسرين وأنطاكيةَ والمَصِّيصة وأَذَنَة وعَمُّوريَّة وطَرْسوس، ثم يمرُّ في البحر على جزيرة قُبرس، ثم يمر ببلاد المغرب على طَنجة وما والاها، ثم ينتهي إلى البحر الكبير.
قالوا: وله من البروج القوس، ومن النجوم المشتري.
وقال الخليل بن أحمد: إنما سميت بابل؛ لأن الألسن تبلبلت بها، ومدينتها بناها يَرْد بن مَهْلائيل، واختلفوا في حدّ أرض بابل على أقوال: أحدها: أنها الكوفة وسوادها، قاله ابن مسعود، والثاني: من نصيبين إلى رأس العين، قاله قتادة، والثالث: أنها أرض الحلّة، والأول أصحّ.
الإقليم الخامس: وهو إقليم الروم، ويبتدئ من المشرق من بلاد يأجوج ومأجوج ثم يمر على شمال حرَّان، وفيه من المدن: خوارزم (٣) والشاش وأذْرَبيجان وإرْمينيَة، ثم يمر على بلاد الروم بأسرها، ويقطع البحر إلى روميَة الكبرى وجزيرة الأندلس، ثم
стр. 101
ينتهي إلى بحر المغرب.
قالوا: وله من البروج الدلو، ومن النجوم القمر، وقيل زحل؛ والله أعلم.
الإقليم السادس: وهو إقليم الترك، يبتدئ من المشرق ويمرُّ على بلاد يأجوج ومأجوج، ثم على بلاد الخَزَر، ثم على القُسطنطينية، ثم ينتهي إلى بلاد المغرب.
وله من البروج السرطان، ومن النجوم المريخ، وقيل: القمر، والله أعلم.
الإقليم السابع: إقليم الصين، يبتدئ من المشرق على شمال بلاد يأجوج ومأجوج، ثم على بلاد الترك، ثم على سواحل بحر جُرجان، ثم يقطع بحر الروم ويمرُّ على بلاد الصقالبة والقفجاق، ثم بلاد البُلغار وباشْقِرْد وما والاها.
وله من البروج الأسد، ومن النجوم الشمس.
وقال (١) أبو معشر: أعمر هذه الأقاليم وأكثرها خيرًا وأحسنها استقامة وسياسة أربع:
إقليم بابل (٢)، ويقال له: مملكة إيران شَهْر، وكانت الفرس تقدمه على الأقاليم، ويسمى ملكه: شاهنشاه وإيران شاه، ومنزله من العالم منزلةُ القلبِ من الجسد، والواسطةِ من العقد، والقمر من الكواكب.
وقال بطليموس: إن الهندَ رسمت الأقاليم كأنها حلقة مستديرة تكتنفها ستُّ دوائر، فالدائرة الوسطى إقليم بابل والأقاليم حوله، وصورته:
[رسم توضيحي]
стр. 102
قلت: وهذه الدائرة أخذها الخطيبُ من "جغرافيا" وزاد عليها، فقال: ذكر علماء الأوائل أن أقاليم الأرض سبعة، وأن الهند رسمتها فجعلت إقليمَ بابل وسطها على الصفة المحدقة بالدوائر قال: فالإقليم الأول: إقليم الهند، والثاني: إقليم الحجاز، والثالث: إقليم مصر، ولم يذكر الشام، والرابع: إقليم بابل، وقال: وهو أعمرها وأوسطها، وفيه جزيرة العرب، وفيه العراق الذي هو سرة الدنيا، قال: وحدُّ هذا الإقليم مما يلي أرضَ الحجاز وأرضَ نجد الثعلبية من طريقِ مكة، وحدّه مما يلي الشأم وراء مدينة نَصِيبين من ديار ربيعة بثلاثة عشر فرسخًا، وحدُّه مما يلي أرضَ خراسان وراء نهر بلخ، وحدُّه مما يلي الهند خلف الدَّيبُل بستة فراسخ. قال: وبغداد وسط هذا الإقليم؛ قال: والإقليم الخامس: بلاد الروم والشأم، فجعل الشأم من بلاد الروم. قال: والإقليم السادس: بلاد الترك، والسابع: بلاد الصين. وقال الخطيب أيضًا: وبغداد وسط هذا الإقليم وموضعها صفوة الأرض، ولذلك اعتدلت ألوانُ أهله وامتدت أجسامهم، فسلموا من شقرة الروم والصقالبة، ومن سواد الحبش، وغلظ الترك، وجفاء أهلِ الجبال، ودمامةِ أهل الصين، وكلّما (١) اعتدلوا في الخلقة لطفوا في الفطنة.
ثم إقليم الروم ثم إقليم الهند وإقليم الصين، ومنهم من يفضِّل إقليم الصين على الكلِّ ويقول: هو أعدل الأقاليم وأصحها (٢).
قال أبو معشر: ويأجوج ومأجوج في ناحية الشمال، لهم جبال منيعة يصعد الصاعدُ إلى رأس الجبل في عشرة أيام، وتُحمل غلالهم على المعز.
* * *
стр. 103
فصل في ذكر البلدان وما فيها من السكان
ذكر علماء الهيئة أن المسكون من الأرض، على تفاوت أخطاره وبعد أقطاره، مقسوم بين سبع أمم، وهم: أهل الصين، والهند، والسِّند، والروم، والفرس، والترك، والعرب.
وروي أن بطليموس أحصى مدنَ الدنيا في زمانه، فكانت أربعة آلاف مدينة ومئتي مدينة (١).
وذكر خالد بن عبد الله المَرْوَزي: أن مدنَ الدنيا ثمانية آلاف مدينة، ففي الصين ألف مدينة، وفي الهند ألف مدينة، وفي السِّند ألف مدينة، وفي الزنج والنُّوبة ألف مدينة، وباقي المدن مُفرَّقة في الأقاليم.
وقال الحسن البصري: الأمصار المعتبرة في الإسلام سبعة: مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام، ومصر، وسواد البصرة، والأهواز، وفارس (٢). ونحن نذكر المشهور من المدن:
فصل في الفنصورة، بالفاء
وهي من مدائن الصين، وإلى كافورها (٣) المنتهى، ويمتد رُسْداقها إلى البحر شهرين.
وقال الأصمعي: إنما سميت الصين بصين بن نعير، نزلها وكثر نسله بها، فسميت به. قال: وحدُّها من البحر إلى التُّبَّت، وجزائر الوَاق واق (٤) فيها.
وقال بطليموس: من دخل بلاد الصين لم يهنْ عليه الخروجُ منها، لاعتدال هوائها ورقة مائها وكثرة خيرها والذهب والفضة، ولا يزال الإنسان فيها مسرورًا طَرِبًا.
стр. 104
وقال في "جغرافيا": وفي بلاد الصين أنهار كبار مثل دجلة والفرات، تجري من بلاد التُّرك والتُّبَّت والصُّغْد، وفيها جبال النشاذر، يرتفع منها في الصيف نيوان تُرى من مئة فرسخ في الليل، وفي النهار دخان لغلبة شعاع الشمس (١)، وأكثر سلوك الناس إلى الفنصورة والصين من ناحية خراسان في الشتاء لغلبة حرّ النشادر في الصيف، قال: ومن خراسان إلى أول أعمال الصين نحو أربعين يومًا، وقيل: أربعة أشهر، وهناك جبال الصُّغْد.
فصل
ومنها مدينة تُبَّت. قال الأصمعي: أصلها ثَبَت بالثاء المنقوطة بثلاث، وكانت التبابعة، وهم ملوك حمير واليمن، لما طافوا الدنيا وصلوا التُّبَّت ورتبوا على تلك الحدود رجالًا مخافة العدوّ، فثبتوا هناك، فقال الناس: ثبت، ثم طال العهد، فجعلوا موضع الثاء تاء، والذي فعل ذلك تُبَّع الأول، وسنذكره في التبابعة.
وكان ملوك التُّبَّت في قديم الزمان يسمَّون التبابعة، لأنَّ تُبَّعًا وصل إلى هناك، فلما طال الزمان وحال العهدُ وانقرضوا سَموا ملكهم: خاقان (٢).
والمسك التُّبَّتيّ يُنسب إلى هذه البلاد، وسنذكره في الطيب.
وقال بَطْلَيموس: من خاصية بلاد التُّبَّت والصين: أن الإنسان لا يعرف فيها الهمَّ والغم، ولو مات جميعُ مَنْ للإنسان لم يحؤن عليه، ولا يكاد يُرى فيها شيخ ولا عجوز، إلا الشباب والكهول.
فصل في مدائن الهند والشرق
قال في "جغرافيا": ومن مدائن الهند: شامل، ومورين (٣)، وقالون، وقهنديار (٤) وقِشْمير، وأقربها إلى بلاد الإسلام غَزْنةَ، وكان تحت يد ملكها ألف فيل، والهند مِلَلٌ
стр. 105
كثيرة، وسنذكرهم في بابهم.
وبلاد الهند من جنس بلاد الصين في صحة الهواء ورقة الماء وعدم الهم والغم.
وقال الأصمعي: ألذُّ مدائن الشرق خُراسان نَيْسابور، وهَراة، وبَلْخ، وهي من بناء الإسكندر، وقال: ومعنى خُراسان: مطلع الشمس بالفارسية. وقيل: إن هَراة بناها الضَّحاك، ومدينة خُراسان مَرْو بناها لُهْرَاسب.
حدثنا زيد بن الحسن بإسناده عن عبد المحسن بن محمد بن علي، قال: أنشدنا منصور بن النعمان الصَّيمَري، أنشدنا محمد بن أحمد الكاتب، قال: أنشدنا ابن دريد لنفسه، وكان قد اشتاق إلى خراسان فلما دخلها لم تعجبه فقال: [من الوافر]
تمنينا خراسانًا زمانًا … فلم نعطَ المنى والصبر عنها
فلما أن حللناها سراعا … وجدناها بحذفِ النصفِ منها
وقال النضر بن شُميل: أول مدن خُراسان: الرَّيُّ، وهي آخر الجبال منها، وإليها ينسب الرازي. قال: ومدينة مَرْو دارُ خلافة المأمون، ومنها خرج أبو مسلم صاحب الدعوة، والنسبة إليها مَرْوَزي. ومن وراء النهر كابُل: مدينة عظيمة، وفيها الإهْلِيلَج الكابُلي، وفَرْغانة مدينة الصُّغْد، وهم رماةُ الحدق، وإذا مات لهم كبير قطعوا آذانهم احترامًا له (١).
وقال أبو منصور بن الجواليقي في "المعرب": ومن مدائن العجم دَرابْجِرْد.
قال الأصمعي: إن الدَّراوَرْدي الفقيه منسوبٌ إليها، والباء فيها مكسورة (٢). ومن مدائن المشرق أَذْرَبيجان وأَرْمينيِة.
وقال ابن الجواليقي في "المعرب": ومن مدائن خُراسان سِجِسْتان (٣). وقال أيضًا: وهَراة كُورة من كُوَر العجم وقد تكلمت بها العرب (٤).
стр. 106
ومن مدائن الشرق عُمان، وقد ذكرها النبي ﷺ ، قال أحمد بإسناده عن الحسن بن هادية، قال: لقيتُ ابن عمر فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من أهل عُمان، فقال: من أهل عمان؟ قلت: نعم، قال: أفلا أُحدِّثك ما سمعتُ من رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعم، قال: سمعته يقول: "إنِّي لأَعلَم أرضًا يقال لها: عُمان يَنْضَحُ بجانبها البحرُ، الحَجَّةُ منها أفضلُ من حَجَّتين من غيرها". أخرجه أحمد في "المسند" (١).
وذكرها الجوهري فقال: وعُمانُ -بالتخفيف- بلد، وأما الذي بالشأم فهو عَمَّانُ -بالفتح والتشديد- بلد (٢).
وسنذكر المدائن التي بناها الإسكندر والفرس بخراسان وغيرها.
فصل في مدائن العراق
قال الجوهري: العِراق بلاد، يُذكَّر ويُؤنَّث، قال: ويقال هو فارسي مُعرَّب.
والعراقان البصرة والكوفة (٣).
وقال الأصمعي: إنما سُمِّيَ عِراقًا لأنه سَفُل عن أرض العرب. قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: سُمِّيَ عِراقًا لتواشُج عروق الشجر والنخل فيه (٤).
وقال الخطيبُ بإسناده عن ابن عائشة قال: كتب عمر بن الخطاب إلى كعب الأحبار، يقول: اختَرْ لي المنازلَ، فكتب إليه: يا أمير المؤمنين: بلغنا أن الأشياء اجتمعت، فقال السخاء: أريد اليمن، فقال حسن الخلق: وأنا معك، وقال الجفاء: أريد الحجاز، فقال الفقر: وأنا معك، وقال البأس: أريدُ الشام، فقال السيف: وأنا معك، وقال العلم: أريد العراق، فقال العقل: وأنا معك (٥)، وقال الغنى: أريد مصر، فقال الذلّ: وأنا معك. فاخترْ لنفسك. فلما وردَ الكتاب على عمر قال: فالعراق إذًا (٦).
стр. 107
ومنها: حُلْوان، قال ابن الجواليقي: حلوان مدينة من مدن العجم. وقال ابن الكلبي: إنما سميت بذلك؛ لأنَّ بعضَ ملوكِ الأعاجم أقطعها حلوان بن الحاف بن قضاعة (١).
وروي عن معاذ بن جبل قال، قال رسول الله ﷺ "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وفي شامنا ويمننا، وفي حجازنا" فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، وفي عراقنا، فأمسك رسول الله ﷺ ، فلما كان في اليوم الثاني، قال مثل ذلك، فقام إليه الرجل وقال: يا رسول الله، وفي عراقنا، فأمسك رسول الله ﷺ ، فقام الرجل إليه في اليوم الثالث فقال مثل ذلك، فأمسك عنه، فولَّى وهو يبكي، فدعاه النبي ﷺ ، فقال: "أمِنْ أهل العراقِ أنت؟ " قال: نعم، قال: "إن أبي إبراهيم همَّ أنْ يدعوَ عليهم فأوحى الله تعالى إليه: لا تفعل، فإني جعلتُ خزائن علمي فيهم، وأسكنتُ الرحمةَ قلوبهم" (٢).
فصل ومن مدن العراق مدينة بابل
بناها نُمْرود بن كنعان، ومكانها معروف، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]. وقال الجوهري: بابِلُ اسم موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر، ولا ينصرف لتأنيثه (٣).
وقد أكثرت فيها الشعراء. وحكى لي جماعةٌ من مشايخنا: عن البلخي الواعظ أنه كان يعظُ بالنظامِيَّة، وبدت منه حركات أوجبت إخراجَهُ من بغداد، فجاءَ إليه بعضُ غلمان الديوان، وهو على المنبر فقال له: قد رُسِمَ بأن تخرجَ من البلد، فأنشد (٤): [من الطويل]
أبابلُ لا واديكِ بالجودِ مُفْعَمٌ … لديّ ولا ناديكِ بالرفدِ آهلُ
لئن ضِقتِ عني فالبلادُ فسيحةٌ … وحَسْبك عارًا أنَّني عنكِ راحلُ
стр. 108
وإن كنتِ بالسِّحرِ الحرامِ مُدِلَّةً … فعندي مِنَ السحرِ الحلالِ دلائلُ
قَوافٍ تُعيرُ الأَعينَ النُّجْلَ حُسنَها … فأيُّ مكان خَيَّمَتْ فهو بابلُ
وكان ببابلَ عجائب نذكرها في عجائب الدنيا.
فصل
ومنها الأَنبار، وهي مدينة قديمة ذكرها الجوهري، وقال: وأَنْبار اسم بلدٍ (١).
وسنذكرها فيما بعدُ.
ومن مدائن اليمن صَنْعاء، قال الجوهري: وصَنْعاء -ممدود- قَصَبةُ اليمن، والنسبة إليها صَنْعانيٌّ على غير قياس، كما قالوا في النسبة إلى حَرَّان: حَرْنانيٌّ (٢).
قال: وحَضْرَمَوْتُ: اسم بلد وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جُعِلا اسمًا واحدًا، والنسبة إليه: حَضْرَمِيٌّ، وتصغيره حُضَيرُمَوْتٍ، والجمعُ الحَضَارِمة (٣).
قال: وظَفارِ مثل قَطامِ مدينةٌ باليمن، وجَزْعٌ ظَفاريٌّ منسوب إليها، وكذا عودٌ ظَفاريٌّ، للذي يُتبخَّر به، وفي المثل: من دخلَ ظَفارِ حَمَّر (٤). أي: تكلم بلغة حمير. وسنذكره في الأمثال إن شاء الله تعالى، ونذكر أيضًا عَدَن، ونذكر أيضًا مكة في قصةِ الخليل ﵇.
فصل
فأما مدينة النبي ﷺ ، فقال الجوهري: وَيَثْرِبُ مدينة النبي ﷺ (٥).
وقال عكرمة: وقد سماها النبي ﷺ يَثْرب، ففي حديث الهجرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رَأيتُ في مَنامي أنِّي أُهاجِر إلى أرضٍ بها نخلٌ فذهَبَ وَهَلي إلى أنَّها اليَمامةُ
стр. 109
أو هَجَر، فإذا هيَ المدينةُ يثربُ". متفق عليه (١). وسنذكره في الهجرة.
وسماها: طابَةَ وطَيبَةَ، من الطِّيب، فأخرج مسلم عن جابر بن سَمُرَة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله تعالى سمَّى المدينةَ طابَةَ" (٢).
وسنذكر قصَّتَها، ومن بناها في باب التَّبابِعة من ملوك اليمن، وفضلَها في سيرة النبي ﷺ .
وقال هشام بن الكلبي: لما أهلك الله قومَ عاد تفرقت القبائل، فنزل قوم بمكة، وقوم بالطائف، وسار يثربُ بن مَهْذيل بن إِرم بن عَبيل وقومُه فنزلوا موضع المدينة (٣)، فاستخرجوا العيون، وغرسوا النخيل، وأقاموا زمانًا، فأفسدوا، فأهلكهم الله ويبست النخيل، وغارت العيون، حتى مرَّ بها تُبَّع، فبناها لِما نذكر.
فصل في مدائِن الجزيرة
قال الجوهري: والمَوْصِلُ بلد (٤). واختلفوا في تسميتها بذلك على قولين، أحدهما: لأنها وصلت ما بين دِجلة والفرات، والثاني: لأنه كان في موضعها راهبٌ طليعةٌ للفرس، يوصل إليهم أخبار الروم.
ومن شرقيه المدينة العظمى، ويقال لها: نِينَوىَ، نذكرها في قصة يونس ﵇. ومنها: نَصِيبين وهي قديمة، وذكرها الجوهري فقال: ونَصِيبِينُ بلد (٥).
ومَيَّافارِقِين أعجمي مُعرَّب، وقد نطقت به العرب (٦).
стр. 110
وآمِدُ من قديم المدن، ولم تتكلم بها العرب، وقيل: تكلمت بها.
ومنها حَرَّان، قال الجوهري: وحَرَّانُ اسمُ بلد (١). وذكرها ابن الجوَالِيقي فقال: وَحَرَّان اسم البلدة مُعرَّبة، وهي مسماة بـ: هاران بن آزر أخي إبراهيم (٢).
وقال ابن الكلبي: لما خرج نوح من السفينة بناها، وقيل: إنما بناها هاران خال يعقوب ﵇، فأبدلت العرب الهاءَ حاءً، وكان بها معبدٌ لليونان.
فصل في مدائن الشَّأم والسواحل
فمنها: حَلَب، وقد ذكرها الجوهري فقال: وحَلبُ مدينة بالشأم (٣).
وقال أبو الحسين ابن المنادي: الشامات خمس كُوَر:
الأولى: قِنَّسْرِين، ومدينتها العظمى حَلَب، وقِنَّسْرِين أقدم منها، وبينهما أربعة فراسخ، وفيها آثار الخليل ﵇ ومقامه، وقد نزلها أكابر الملوك، كبني حمدان وغيرهم، قال: ومن رُسْداقِها مَنْبج وهي مدينة قديمة (٤). وذكرها الجوهري فقال: وَمنْبجُ اسم موضع (٥).
وفي ساحل حلب مدن منها: أنْطاكِيَة، ذكرها ابن الجَواليقي في "المعرب"، وقد تكلمت بها العرب قديمًا، وكانوا إذا أعجبهم شيء نسبوه إليها (٦). واختلفوا في بانيها فقال قوم: بناها أَنْطُخُس أولُ ملوكِ اليونان، وصيَّرها دارَ ملكه، وحشد إليها الحكماءَ وأصحابَ الرَّصْدِ وأخذَ الطوالعَ بها، ومسافةُ سورها اثنا عشر ميلًا، وعدد أبراجها مئة وستة وثلاثون برجًا، وعدد شُرُفاته أربع وعشرون ألفًا، وهذا السور في السهل والجبل، وقال أبو معشر: بنيت بعد الإسكندر الثاني بمئة سنة، والنصارى تسميها دارَ الله؛ لأن النصرانية ظهرت منها بعدما دثرت.