← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

لا تُطيق صُحبتي لأنِّي أجوع، قال: إن جعتَ جعتُ معك، فبقينا أربعة أيام لم يُفتَح علينا بشيء، ثمَّ فتح علينا فقلت له: هَلُمَّ فكُلْ، فقال: قد عَقدتُ مع الله عقدًا أن لا أتناول بواسطة، فقلت: يَا غلام، دققت، فقال: يَا أَبا إسحاق، لا تَتَبَهْرَج، فإنَّ النَّاقد بصير، ما لك والتوكُّل، إنَّ أدنى أحواله أن تَرِدَ عليك مواردُ الفاقات، فلا تسمو نفسُك إلَّا إلى مَن له الكفايات، وفارقني. [ذكر قصَّته مع الشيطان: حكى السُّلميُّ عن إبراهيم] قال: كنتُ بالبادية فنمتُ على حجر، وإذا بشيطان قد رَفَسَني برجله وهي مثل الحربة (١)، فقال: أَنْتَ وليّ الله فمن أَنْتَ؟ قلت: إبراهيم الخوَّاص، قال: صدقت، ما ضرَّتْك رجلي وقد يَبِست، ثمَّ قال: معي حلال وحرام؛ أمَّا الحلال فرُمَّان الجبل المباح، وأمَّا الحرام فمَرَرْتُ على صيَّادَين يصيدان السمك، فتخاونا، فاخذتُ التي تخاونا فيها، فكُلْ أَنْتَ الحلال ودع الحرام لي. [ذكر قصَّته في صيد السمك: حكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: طلبتُ الحلال، فخرجتُ إلى دجلة ومعي شَبكة، فجلستُ أصيد السَّمك، فوقعت في الشبكة سمكةٌ، فأخذتها، ثمَّ أخرى وأخرى، فهتف بي هاتف: لم تجد مَعاشًا إلَّا أن تأتي إلى مَن يذكرنا فتقتله؟! [قال:] فرميتُ الشَّبكة، وتبتُ إلى الله تعالى من الصَّيد (٢). [ذكر قصَّته مع الجن والشابِّ: حكى ابن خَميس في "المناقب" عن إبراهيم، قال: حججتُ مرَّة مع أصحابي، فعارَضَني عارضٌ من سرِّي: خذ في غير الجادَّة، ففعلتُ، ومشيتُ ثلاثة أيام بلياليها في بَرّيَّة خضراء، فيها من كل الرَّياحين والثّمار، وفي وسطها بُحيرةٌ ماؤها أطيبُ ماء وأعذبُه، فوقفتُ مفكِّرًا في حُسنها، وإذا بنَفَرٍ قد حفُّوا بي، وعليهم المُرَقَّعاتُ الحِسان، فسلَّموا عليَّ، وسيماهم سيما الآدميين، ووقع لي أنَّهم من الجنّ، فقلت: مَن أنتم؟ فقالوا: نحن من الجنّ الذين سمعوا من محمَّد ﷺ القرآنَ ليلة الجنّ، فسَلَبَتْنَا نَغمةُ

стр. 7562

كلام الله جميعَ أمور الدُّنيا، وقد قيَّض الله لنا هذه البريَّة؛ نسيح بها، ونشرب من ماء هذه البحيرة، ونأكل من هذه الثمار. قلت: فكم بيني وبين المكان الذي فارقتُ فيه أصحابي؟ فتبسَّم بعضُهم، وقال: يَا أَبا إسحاق، لله أسرار وعجائبُ، إنَّ هذا المكان الذي أَنْتَ فيه لم يَحضره آدميٌّ قبلك إلَّا شابٌّ من أصحابكم السيَّاحين، وصل إلى ها هنا فتوفِّي، وذاك قبرُه على شاطئ البحيرة وحوله رياحين، كنَّا ليلةً قعودًا على جانب البحيرة نتذاكر المحبة، فإذا بشابٍّ قد وقف علينا، فسلَّم، فرددنا عليه¬ السلام، وقلنا: مِن أين؟ قال: من نَيسَابُور، قلنا: ومتى خرجتَ منها؟ قال: منذ سبعة أيام، أزعَجتْني آية وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] قال: فقلنا [له:] فما معنى الإنابةِ والتسليم والعذاب؟ فقال: أما الإنابة: أن ترجع منك إليه (١)، وأمَّا التسليم: فالاستسلام له، وأمَّا العذاب: فعذاب الفراق، ثمَّ صاح ومات، فوارَيناه. قال إبراهيم: فقمتُ إلى قبره وإذا عند رأسه طاقَةُ نَرْجِس كأنَّها رَحَى [عظيمة] وعلى القبر مكتوب: هذا حبيب الله قَتيلُ العَبْرة (٢)، وعلى وَرَقةٍ منها مكتوب: هذه صفةُ الإنابة، فسألوني أن أفسِّر لهم ما على ورقة النَّرْجِس مكتوب، ففسَّرتُه، فوقع الطَّرب فيهم، فأُلقي عليَّ النُّعاس، فنمتُ، وانتبهتُ وإذا أنا قريبٌ من مسجد عائشة ﵂، وإذا في وطائي طاقةُ نَرْجِس أو رَيحان، فبقيتْ معي سنة لم تتغيَّر، ثمَّ فقدتُها. [ذكر قصَّته مع الشاب وأخته: حكاها عنه في "المناقب" أَيضًا] قال: تهتُ في البادية عن الطريق -وكانت ليلةً مُقمرة- فلَجَجتُ في البريَّة، وإذا بصوتٍ ضعيف يقول: إلي يَا أَبا إسحاق إليَّ، فإنِّي سأَلتُ الله أن يُحضِر وفاتي وليًّا من أولياء الله (٣)، وأرجو أن يكون قد فعل. [قال:] فجئتُ إليه، وإذا بشابٍّ من أحسن الشباب، مَطروحٍ وحوله رياحين كثيرة، فسلَّمتُ عليه فقال: مرحبًا بك يَا أَبا إسحاق، فقلت: من أين أَنْتَ؟ فقال: من شِمْشاط، كنتُ بين أهلي في عزٍّ ورفاهيةِ عيش، فخطر بقلبي السَّفَر، فخرجتُ، وقد

стр. 7563

وقعتُ ها هنا، قلت: ألك أهل؟ فقال: نعم، والدان وإخوة وأخوات، قلت: فهل خطروا في سرِّك؟ قال: لا إلَّا اليوم، لمَّا أيقنتُ بالموت أحببتُ أن أشمَّهم، ولي أختٌ صالحة أحب أن أشمَّها، وهذه الرَّياحين التي حولي جاء بها إليَّ الوحوشُ وبكوا عندي. قال إبراهيم: فتحيَّرت في أمره (١)، ووقع الشابُّ على سرِّي، وإذا بحيَّةٍ عظيمة قد أقبلت، وفي فيها طاقةُ نَرْجِس دورها ثلاثة أذرع، فنطقت الحيَّة وقالت: يَا إبراهيم، اعدِلْ بسرِّك عن الشابّ فإنَّ الحقَّ غَيور، فصحت صيحة [عظيمة] وغُشي عليَّ، فما أفقتُ إلَّا والشابُّ قد قضى، قلت: كيف أعمل؟ [مالي] مَن يساعدني عليه، وأين الماء [وأين] الكَفَن؟ فأُلقي عليَّ النُّعاس، فما أفَقْتُ إلَّا بحرِّ الشَّمس، وإذا بي على الجادَّة. فلمَّا قضيتُ الحجَّ ورجعت قلت: لا بدَّ من المضيِّ إلى شِمْشاط، والسؤالِ عن الشابِّ وأهلِه، [قال:] فمضيتُ إليها، فلمَّا بلغتُ إلى المصلَّى إذا بنسوة عليهنَّ المرقَّعات قد أقْبَلْنَ، وبينهنَّ امرأةٌ أشبهُ النَّاس بالشابِّ، فنادتني: يَا أَبا إسحاق، أنا في انتظارك منذ أيام، حدِّثني حديثَ أخي وقُرَّةِ عيني وثمرةِ فؤادي، فحدَّثتُها حديثَه، فلمَّا بلغتُ إلى قوله: أريد أن أشَمَّهم، قالت: هاه، بلغ الشمّ الشمّ، ثمَّ وقعت ميتة، فقلن النِّساءُ: جزاك الله عنها خيرًا، فلقد أرَحْتَها ممَّا كانت فيه، وكان هناك رِباط فيه نساء، فخَرَجْنَ فوَلين أمرَها، ولم يبق في البلد أحدٌ إلَّا شهد جنازتها (٢)، ثمَّ أقمتُ عند قبرها شهرًا وانصرفت. [حديث إبراهيم مع الحيَّات: حكى ابن باكويه عن] حامد الأسود قال: خرجتُ (٣) مع إبراهيم في سفر، فجئنا إلى موضع فيه حيَّات كثيرة، فجلسنا، فلمَّا بَرَد الهواء في الليل خرجت الحيَّات، فخفت [منها]، فقال [لي] إبراهيم: لا تَخَف واذكر الله، فذكرتُ، فذهبت الحيَّات، ثمَّ عادت

стр. 7564

فقال: اذكر الله تعالى، فذكرتُ، فما زلنا كذلك إلى الصَّباح، وقمنا نمشي، وإذا بحيَّة عظيمة قد سقطت من وطائه، وقد تطوَّقت [به]، فقلت له: أما علمتَ بها؟ فقال: والله منذ زمان ما نمتُ أطيبَ من الليلة. وقال حامد: خرجتُ معه في سفر، فنزلنا تحت شجرة، فجاء السَّبُع، فهربتُ منه وصَعدتُ إلى الشجرة، وبات السبع يشمُّ إبراهيم من قَرْنه إلى قدمه إلى الصَّباح، ومشينا، فأتينا آخر النهار إلى قرية، فدخلنا مَسجدَها، فوقع في الليل على وجهه بقَّةٌ، فانزعج منها، فقلتُ له: ما هذا؟! فقال: تلك حال كنتُ فيها مع الله، وهذه حالة أنا فيها مع نفسي. [حديث إبراهيم مع العقرب: حكى ابن جَهْضم عن] المزيّن [قال:] كنتُ (١) عند إبراهيم، فدبَّت عقرب، فجعلت تلسعه في فخذه وهو صابر، فقمتُ لأقتلها فقال: دعها، كلُّ شيءٍ مُفْتَقر إلينا، ولسنا مُفْتَقرين إلى شيء. [ذكر قصته مع النَّصْراني: حكى أبو نعيم وغيره عنه] قال: دخلت (٢) البادية، فصحبني رجل على وسطه زنَّار، فقلتُ: مَن أَنْتَ؟ قال: نصرانيّ أريد صحبتَك، فمشينا سبعة أيام لم نأكل شيئًا، فقال: يَا راهب الحنيفية، هات ما عندك من الانبساط فقد جعنا، فقلت: يَا إلهي، لا تَفْضَحْني مع هذا الكافر، وإذا بطبق عليه خُبزٌ وشواء، ورُطَب وكوز ماء، فأكلنا. ومشينا سبعة أيام، فقلت: يَا راهب النصرانية، هات ما عندك من الانبساط فقد [جعنا، وقد] وصلتْ إليك النَّوبة، فاتَّكأ على عصاه ودعا، وإذا بطَبقين عليهما أضعاف ما كان على طبقي، فتحيَّرتُ، وأبَيتُ أن آكل، فألحَّ عليَّ وقال: كُلْ، فلم أفعل، فقال: طِبْ نفسًا فإنِّي مُبشِّرُك ببشارتين؛ إحداهما: أنِّي أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، والثانية: أنِّي قلت: اللهم إن كان لهذا العبد عندك خطر فافتح علينا

стр. 7565

بطَبَقَين، فهذا ببركتك، فأكلنا، وأحرم الرجلُ ودخل مكَّة مُحرِمًا، فجاور معي سنة، وتوفِّي، فدفنتُه بالمعلَّى. [حديث إبراهيم مع العجوز: حكى ابن باكويه عن إبراهيم] قال: دخلتُ البادية (١) مرَّة، فنالتني فاقة شديدة، فلما دخلت مكَّة دخلني إعجاب، فنادتني عجوز: يَا إبراهيم، لا تعجب بنفسك فأنا كنتُ رفيقتك في البادية، ولم أكلِّمك خوفًا أن أُشغل سرَّك، فأخرِجْ عنك هذا الخاطر. [حديث إبراهيم مع الفارس: حكى الكتَّاني عن إبراهيم] قال: خرجتُ إلى الحجاز، فمشيتُ أيَّامًا، فعَطِشتُ وسقطت من العطش، وإذا بماء قد رُشَّ على وجهي، ففتحتُ عيني، وإذا بفارسٍ على فَرَسٍ أشهب، حسنِ الوجه، طيِّب الرائحة، فسقاني شَربةَ ماء، وقال: قمْ، فمشيتُ خطوات وإذا بالنَّخْل، فقال: هذه المدينة، اقرأ على رسول الله ﷺ منِّي السلام، وقيل له: الخضر يقرِئك السلام. [حديث إبراهيم مع السَّبُع: حكى الكتاني عن إبراهيم] قال: رأيتُ في البادية شجرةً تحتها عينُ ماء، فجلستُ تحتها، وإذا بسَبُعٍ عظيم قد أقبل، فاستسلمتُ، فلما قرب منِّي إذا به يعرج، فبرك بين يديَّ، ووضع يديه في حجري، وإذا هي مُنتَفخةٌ فيها قيح ودم، فأخذت عودًا، وشققت المكان، فخرجتْ منه شوكة، وسال ما كان فيها من الدَّم والقيح، وربطتُه بخرقة، فمضى وغاب ساعة، وعاد ومعه شِبلان يُبَصْبِصان، فألقى إلي رغيفًا ومضى (٢). [حديث المَشْعَل: حكى ابن باكويه قال:] سألت امرأةٌ إبراهيم عن تغيُّرٍ وجدتْه في نفسها، فقال [لها]: تَفقَّدي، قالت: قد تفقَّدتُ (٣) فما وجدتُ شيئًا، فقال لها: ولا ليلة المشعل؟ فقالت: الله أكبر، كنتُ أغزِلُ ليلةً فوق السطح، فانقطع خيطي، فمرَّ بي مشعلُ السلطان،

стр. 7566

فغزلت في ضوئه خيطًا، ثمَّ نسجتُ الغزلَ ولبستُه قميصًا، وهو عليَّ [قائم] ثمَّ قامت وخلعت القميص وقالت: إن أنا بعتُه وتصدَّقتُ بثمنه هل يرجع قلبي إلى الصَّفاء؟ قال: إن شاء الله تعالى. [حديث إبراهيم مع الذي رآه يزحف: حكى ابن باكويه عنه أنَّه قال:] رأيتُ (١) في البادية رجلًا يزحف زحفًا، فقلت له: من أين؟ فقال: من بخارى، ثمَّ رأيته في الطَّواف وهو يطوف زحفًا، فعجبت [منه] فناداني: يَا إبراهيم، أتعجب من قويٍّ يحمل ضعيفًا؟ قلت: لا يَا حبيبي (٢): [من الطَّويل] نعمْ تحمل الأشواقُ والعِيسُ ظُلَّعٌ … ويمشي الهوى والنَّاقلاتُ قُعودُ [حديث إبراهيم مع الكلب: حكى ابن جَهْضَم قال:] كان إبراهيم جالسًا في مسجده بالرّيِّ، فسمع صوت الملاهي من بعض دور الجيران، فانزعج، وقام فخرج يقصد الدَّار التي سمع منها الصَّوت، فلمَّا بلغ طرف الزّقاق وثب عليه كلبٌ ونَبح عليه، فرجع [إبراهيم] إلى المسجد، وفكَّر ساعة، ثمَّ عاد وخرج، فقام الكلب إليه (٣) وبَصْبَص بين يديه، فلمَّا وصل إلى باب الدَّار خرج منها شابٌّ، وقال: يَا سيدي، كنتَ أرسلتَ بعض أصحابك ولا انزعجتَ، فبلَّغَ لك ما تريد، وتاب الشابُّ، وكسر الملاهي وتعبَّد، فسُئل إبراهيم عن سبب رجوعه وخروجه ثانيًا فقال: كان بيني وبين الله عقد ولم أنتبه. فنبح عليَّ الكلب أوَّل مرَّة، فلمَّا عدتُ إلى المسجد ذكرتُه فاستغفرت الله منه، ثمَّ خرجت الثَّانية فكان ما رأيتم، وهكذا كلُّ من خرج إلى إقامة معروف أو تغيير منكر فتحرَّك عليه شيء من المخلوقات، فسببُه فساد عقدٍ بينه وبين الله تعالى، فإذا وقع الأمر على الصِّحَّة لم يتحرَّك عليك شيء، وكان الأمر على ما شاهدتموه.

стр. 7567

[حديث إبراهيم مع الأعرابي: حكى السلمي عن إبراهيم قال:] دخلت (١) البادية على التوكُّل، فإذا بهاتفٍ، فالتفتُّ، وإذا به أعرابي، فقال: يَا إبراهيم، أَنْتَ تدَّعي التوكّل، أقم عندنا حتَّى تصحَّ دعواك في توكُّلك، أما علمتَ أنَّ رجاءك لدخولك بلدًا فيه أطعمة تحملك (٢)؟ اقطع رجاءك عن البلدان وتوكَّل. ذكر نبذة من كلامه: حكوه في "المناقب" وغيرها؛ حكى السلمي عنه أنَّه قال (٣): مَن لم تبكِ الدُّنيا عليه لم تضحك الآخرةُ إليه (٤). قال: المُتاجِر بغير رأس ماله مُفْلِس، والهالك من هلك في آخر سفره وقد قارب المنزل، والفقير في خَلَقَانه أحسن منه في جديد غيره. وقال: ما هالني شيءٌ إلَّا ركبتُه. وقال: مَن ترك شَهوةً فلم يجد عوضَها في قلبه فهو كاذب في تركها. وقال: المزيد الصَّادقُ اللهُ تعالى مرادُه، والصِّدِّيقون إخوانُه، والخلوة بيتُه، والوحدة أُنْسُه، والنَهار غمُّه، والليل سروره، والقرآن دليله، والبكاء [راحته]، والجوع إدامُه، والأيام مراحِلُه، والوَرَع طريقه، والزُّهدُ قَرينُه، والصبر شِعارُه، والرضى دِثارُه، والصِّدق مطيَّتُه، والعبادة مركبُه. وقال: على قدر إعزاز المؤمن لأمر الله يُلبسه الله من عزّه، ويُقيم له العزَّ في قلوب المُؤْمنين. وقال: الفقر رداء المتقين، وجِلباب المرسَلين، ولباس المُؤْمنين، وجَمال العابدين، وسرور الزَّاهدين، ولذَّة الصابرين، ورأس مال الصِّدَيقين، وغنيمةُ العارفين، وحصنُ المتَّقين.

стр. 7568

[وحكى السلمي أنَّه] (١) كان جالسًا يتكلَّم، فنزلت عليه الشَّمس في يوم حارٍّ، فقيل له: ألا تنتقل للفيء؟ فقال: [من الوافر] لقد وَضَح السَّبيلُ إليك قَصْدًا … فما أحدٌ أرادك يَستدلُّ فإن وَرَدَ الشتاءُ فأنت صيفٌ … وإنْ وَردَ المَصيفُ فأنت ظِلُّ وقال السُّلَمي: ومن محاسن شعره أَيضًا: [من الطَّويل] صَبرتُ على بعض الأذى خوفَ كلِّه … ودافعتُ عن نفسي بنفسي فعزَّتِ وجرَّعتُها المكروهَ حتَّى تدرَّبَتْ … ولو جملةً جرَّعتُها لاشمأزَّتِ ألا رُبَّ ذُلٍّ ساق للنَّاس عزَّةً … ويا رُبَّ نفسٍ بالتعزُّز ذَلَّتِ إذا ما مَدَدْتُ الكفَّ ألتمسُ الغنى … إلى غير مَن قال اسألوني فشَلَّتِ (٢) ذكر وفاته رحمة الله عليه: [حكى السلميُّ عن] يوسف بن الحسين الرَّازيّ قال: مرض (٣) بعلَّة القيام في جامع الري، فكان كلَّما دخل إلى السّقاية يغتسل ويتوضَّأ، ويصلِّي ركعتين، فدخل مرَّة ليغتسل فخرجت روحُه وهو في وسط الماء، فغسَّلتُه، وكفَّنتُه، وصلَّيتُ عليه، ودفنتُه، وكان يومًا عظيمًا، وقيل: إنَّه مات سنة إحدى وتسعين ومئتين. [وحكى السلمي عن] الكتَّاني قال: رأيت (٤) في المنام كأنَّ القيامة قد قامت، فأوَّل مَن خرج من عند الله أبو جعفر الدِّينوري، وكتابُه بيمينه وهو يضحك، ثمَّ خرج إبراهيم الخوَّاص، وكتابُه بيمينه وهو يدرُس القرآن رحمة الله عليه. [وفيها تُوفِّي]

стр. 7569

أَحْمد بن يحيى ابن زيد بن سيَّار (١)، أبو العباس، الشَّيباني مولاهم، ثَعْلب النَّحْويُّ، إمام أهل الكوفة. ولد سنة مئتين، [ولم يبلغ خمسًا وعشرين سنة إلَّا وهو أوحد أهل زمانه. وكان إمامًا في اللغة والنحو، وهو مصنف كتاب "الفصيح" وغيره]. و [حكى الخَطيب عنه أنَّه] قال: ما بلغت خمسًا وعشرين سنة حتَّى أتقنت كتب الفرَّاء، فلم يبق منها مسألة إلَّا وقد عرفتها (٢). [قال:] وقال محمَّد بن عبد الرَّحمن الزُّهريُّ: كان بيني وبين أبي العبَّاس مودَّة أكيدة، فجئت أستشيره في الانتقال من المحلَّة لتأذّيي بالجيران، فقال لي: أَبا محمَّد (٣)، صَبرُك على أذى مَن يعرفك وتعرفه خيرٌ لك من استحداث مَن لا تعرفه. و [حكى الخَطيب عن] أبي بكر بن مجاهد قال: دخلتُ (٤) على ثعلب، فقال لي: يَا أَبا بكر، اشتغلَ أهلُ القرآن بالقرآن ففازوا، وأهلُ الحديث بالحديث ففازوا، وأهلُ الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلتُ أنا يزيد وعمرو، فليت شِعري ماذا يكون حالي في الآخرة؟ قال ابن مجاهد: فرأيت رسول الله ﷺ في المنام في تلك الليلة، فقال لي: يَا ابن مجاهد، اقرأ على أبي العباس السلام عنِّي، وقيل له: إنَّك صاحبُ العلم المستطيل؛ أراد أنَّ الكلام به يتَّصل ويستقيم، والخطاب به يكمل ويجمُل، وكلُّ العلوم مفتقرة إليه. وقال إبراهيم الحَرْبيُّ: بلغني أنَّ أَبا العبَّاس كره الكلام في الاسم والمسمَّى، وقد كرهتُ ما كرهه أبو العبَّاس ورضيتُ به. وقيل لإبراهيم الحربي: إنَّ ثعلبًا مع فضله يلحن! فقال: قد كان أبو هريرة يكلّم صبيانه بالنَّبَطيَّة.

стр. 7570

[قال:] وقال ثعلب: دخلتُ على أَحْمد بن حنبل فقال لي: فيم تنظر؟ فقلت: في العربية، فقال: [من الطَّويل] إذا ما خلوتَ الدَّهرَ يومًا فلا تقلْ … خلوتُ ولكن قُلْ عليَّ رقيبُ ولا تحسبنَّ الله يُغفل ما مضى … ولا أنَّ ما تُخفي عليه يغيبُ خَلَوْنا لَعَمر الله حتَّى تراكمت … علينا ذنوبٌ بعدهنَّ ذنوبُ ألا فلعلّ الله يَغفرُ ما مضى … ويأذَنُ في توباتنا فنتوبُ ذكر وفاته: حكى الخَطيب قال: مات ثعلب ببغداد (١) يوم السَّبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى [من هذه السنة] ودُفن بمقابر باب الشَّام. أسند عن جماعة منهم إبراهيم بن المنذر الحِزاميُّ وغيره، وروى عنه ابن الأنباري وغيرُه، وأدركه صَمَمٌ في آخر عمره. [وقال الصولي:] خلّف ألفي دينار وأحدًا وعشرين أَلْف درهم، وأملاكًا قيمتُها ثلاثة آلاف دينار، ولم يكن له وارث إلَّا ابن بنته فأخذ الجميع، وكانوا في ذلك الوقت يورِّثون ذوي الأرحام، واتَّفقوا على صدقه، وصلاحه، وأمانته، وثقته. وكان يسمَّى فاروق النُّحاة لصدقه. ومن شعره: [من الوافر] إذا ما شئت (٢) أن تَبلو صديقًا … فجرِّب ودَّه عند الدَّراهمْ فعند طِلابها تبدو هَناتٌ … وتُعرَفُ ثَمَّ أخلاقُ الأكارمْ وله (٣): [من السريع] بلَغتُ من عُمري ثمانينا … وكنتُ لا آملُ خمسينا فالحمدُ لله وشكرًا له … أن زاد لي عمري ثلاثينا

стр. 7571

فأسأل الله بُلوغًا إلى … مرضاته آمين آمينا قلت: وعلى ما ذكر من مولده ووفاته فقد عاش إحدى وتسعين سنة (١). [وفيها تُوفِّي] الحسين بن زكرويه القِرْمِطيُّ [قد ذكرنا أنَّه استولى على الشَّام بعد أخيه،] ولمَّا قُتل أخوه أقاموه مقامه، فدعا إلى مثل ما كان يدعو إليه أخوه، فأجابه الأعراب وأهلُ البوادي، واشتدَّت شوكتُه، فجاء إلى دمشق، فصالحه أهلُها على مال دفعوه إليه، فانصرف عنهم إلى حمص، فتغلَّب عليها، وخُطب له على منابرها، وتسمَّى بالمهدي، ودخلها بعد أن أمَّنهم، ثمَّ سار إلى المعرَّة وحماة والثغور، فقتل أهلَها، وسبى النِّساءَ والأطفال، ثمَّ جاء إلى بَعْلَبَك فقتل عامَّة أهلها (٢)، ثمَّ صار إلى سَلَمْيَة، فحاربه أهلُها، ومنعوه الدُّخولَ إليهم، فوادعهم وأمَّنهم، ففتحوا له بابها، فدخلها، فبدأ ببني هاشم ممَّن كان بها، فقتلهم أجمعين، ثمَّ ثنّى بأهلها وبصبيان المكاتب والدَّوابِّ والبهائم، فما خرج منها وبها عين تَطْرِف، ثمَّ صار إلى القرى يقتل ويسبي. قال أبو الحسن المتَطَبِّب: بينا أنا بباب المحوّل ببغداد إذ جاءتني (٣) امرأةٌ بعد ما قُتل الحسين بن زكرويه (٤)، فقالت: أريد أن تُعالج جراحةً في كَتِفي، فقلت: [أنا رجل كحّال، و] ها هنا امرأة تعالج الجراحات، فانتظري مجيئها [فالساعة تجيء، قال:] ورأيتُها مَكروبة، فسألتُها عن سبب جراحها فقالت: قصَّتي طويلة، فقلتُ: حدّثيني فقالت: كان لي ابن فغاب عني مدَّة طويلة، وخلَّف عليَّ أخواتٍ له، فاحتجتُ، فقيل لي: هو بالرَّقَّة، فخرجت خلفَه فلم أجده، ووقعتُ في عسكر القرمطي، وإذا به فيهم، فرآني فعرفني وعرفتُه، فمضى بي إلى منزله، وسألني عن أخواته فأخبرتُه، ثمَّ قال: دعيني من هذا، أخبريني ما دينُك؟ فقلت له: أما تعرفُني؟! فقال: كلُّ ما كنَّا فيه باطل،

стр. 7572

والذي نحن عليه الآن هو الحقّ، فأعظمتُ ذلك، فخرج وتركني، وبعث إليَّ بلَحْم وقال: اطبُخيه، فلم أمسَّه، ثمَّ عاد فرآه بحاله فطبخه بنفسه، فبينا نحن كذلك إذا برجل يطرق الباب ويقول: عندكم امرأة تُحسِن أن تُصلح أمرَ النّساء؟ فقال ابني: قومي معي، [قالت:] فقمتُ، فأدخلني دارًا، وإذا بامرأةٍ تَطلُق، فقعدتُ بين يديها وهي لا تكلِّمني، وجعلتُ أكلِّمُها وهي ساكتة، فقال لي الرَّجل: أصلحي أمْرَها ودعي كلامَها، فوَلَدت غلامًا، وأصلحتُ شأنَه، وجعلتُ أتلطَّف بها وأقول: يَا هذه، قد وجب حقِّي عليك، فأخبريني مَن والدُ هذا الغلام؟ فقالت: تسأليني عن أَبيه ليُعطيك شيئًا؟ فقلت: لا، ولكن أحبُّ أن أعلم خبرَك، فقالت: أنا امرأةٌ هاشميَّة، وإن هؤلاء القوم أتونا؛ فذبحوا أبي وأمي وإخوتي وأهلي جميعًا، ثمَّ أخذني رئيسُهم، فأقمتُ عنده خمسةَ أيام، ثمَّ أخرجني، فدفعني إلى أصحابه وقال: طهِّروها، فأرادوا قتلي، وكان بين يديه قائد فقال: هَبْها لي، فوهبني له، فنازعه فيَّ ثلاثة وقالوا: تكون بيننا أربعتنا وإلَّا قتلناها، فقال القرمطيُّ: تكون لأربعتكم -[وكانت جميلة]- فأخذوني، وأنا مع أربعتهم، فما أدري هذا الولد ممَّن هو منهم؟ قالت: وجاء الأربعةُ فجعلتُ أهنِّيهم، فأعطاني كلُّ واحد سَبيكةَ فضة فيها أَلْف درهم، وضاعف لي مقدَّمهم العطاء. [قالت:] فقلتُ للمرأة: قد وجب حقِّي عليك، وأريد منك خلاصي ووصولي إلى بناتي سالمة، فقالت: قومي إلى رئيسهم وسَليه ذلك، قالت: فقمتُ إليه وقلت: قد وجب حقِّي عليك، وقد أغنيتَني عن غيرك، ولي بناتٌ ضِعاف فقراء، فإن أَذِنتَ لي أن أمضي وأحضرهنَّ إلى خِدمتِك حتَّى يخدِمْنك، قال: أوَتفعلين ذلك؟ قلت: نعم، فدعا قومًا من غلمانه وقال: اذهبوا معها حتَّى تبلغوا بها موضع كذا وكذا، ثمَّ ارجعوا. [قالت:] فحملوني على دابَّة، ومضَوا بي مقدار عشرة فراسخ، وإذا بابني يَركض خلفَنا، فقال: [يا] فاعلة، وشَتَمني وضربني بالسَّيف، فمنعه القوم، ولَحِقني ذُبابُ السيف في كتفي فجرحني، ثمَّ طردوه عني، وأبلغوني المأمن وعادوا. [قالت:] فلمَّا قدم أمير المُؤْمنين المكتفي بالقرمطيِّ ومعه الأسارى، خرجتُ لأنظر إليهم، وإذا بابني راكب على جملٍ عليه بُرنُس وهو يبكي وهو فتًى شابّ، فقلت له: لا

стр. 7573

خفَّف الله عنك ولا خلَّصك. قال المتطبّب: فجمعتُ بينها وبين المرأة التي تُداوي الجَرحى، فأبصرت جُرحها، فقلت لها بعدما انصرفت: كيف حالُ جُرحِها؟ فقالت: ما أراها تنجو منه؛ لأنِّي وضعتُ يدي على الجرح وقلت لها: انفخي فنفخت، فخرج الريحُ من جرحها من تحت يدي، ومضت المرأة فلم تَعُد إلينا [بعد ذلك اليوم. فصل:] وفيها جهَّز المكتفي الجيوشَ لقتال الحسين بن زكرويه مع محمَّد بن سليمان الكاتب، وكان الحسين قد عاد من العراق إلى الشَّام، والمكتفي مقيم بالرَّقَّة، فالتقَوا بِتَمْنَع (١) بين حلب وحماة يوم الثلاثاء لتسع خلون من المحرَّم، وكان القرمطيُّ قد قدَّم أصحابه وتخلَّف هو في جماعة منهم ومعه مالٌ، وجعل سوادَه وراءه، فالتحمت الحربُ بين القرمطيِّ ومحمَّد بن سليمان، فهزمهم محمَّد، وتفرَّقوا، وأَسر منهم خلقًا كثيرًا. فلمَّا رأى القرمطيُّ ما حلَّ بأصحابه حمَّل أخًا له مالًا، وأمره أن يلحق بالبادية؛ إلى أن يظهر في مكان فيصير إليه، وركب هو وابن عمّه المسمى بالمدَّثِّر، والمطوّق بالنور غلامه وكان روميًّا (٢)، وأخذ دليلًا، وسار يريد الكوفة عرضًا في البرّيَّة، حتَّى انتهى إلى موضع على الفرات يُعرف بدالية ابن طَوق، فنفد ما كان معهم من الزَّاد والعَلَف، فوجَّه إلى الدَّالية رجلًا اشترى لهم منها زادًا وعَلَفًا، فأنكروا زيَّه، فأخذوه إلى والي المكان، فتهدَّده (٣) فأخبره أنَّ صاحب الشَّامة خَلْفَ رابيةٍ في ثلاث مئة نفر (٤)، فجاء الوالي، فأخذهم وحملهم إلى المكتفي بالرَّقَّة لأربع خلون من المحرَّم، وهو راكبٌ على جمل، وبين يديه المدَّثِّر والمطوَّق.

стр. 7574

ثمَّ إنَّ المكتفي خلَّف عساكره بالرقَّة مع محمَّد بن سليمان، وشخص إلى بغداد في خواصِّه وغلمانه، ومعه القاسم بن عبيد الله الوزير، وجماعةٌ مِمَّن أسر، ودخل بغداد والقرمطيُّ وأصحابُه بين يديه على الجمال، والقرمطيّ على فيل، وفي في المطوَّق خشبةٌ مَخروطة شبه اللّجام؛ لأنَّه كان يشتم النَّاس، ثمَّ بني لهم دكَّة عالية، ونُودي في بغداد من الجانبين: مَن أراد أن يحضرَ عقوبة القرمطيِّ فليحضر، فلم يتخلَّف أحد. وكان مع القرمطيِّ سبعون أسيرًا من أعيان أصحابه، وقيل: بل كانوا ثلاث مئة وعشرين، فعذَّبهم المكتفي بأنواع العذاب، فكان يقطع أيديهم وأرجلَهم من خِلاف وهم على وجوههم، فلمَّا فرغ منهم قدَّم المدَّثِّرَ فضرب أَلْف سوط، وكذا المطوَّق وصاحب الشَّامة، وضُربت أعناقُهم، وصُلبت أبدانهم، ثمَّ أُحرقوا. القاسم بن عُبيد الله الوزير ولد سنة ثمانٍ وخمسين ومئتين، ووَزَر للمعتضد والمكتفي، وكان شابًّا غِرًّا، قليلَ الخبرة بالأمور، مُستهلِكًا للمحارم، وإنَّما استوزره المكتفي لأنَّه أخذ له البَيعة، وحفظ عليه الأموال، وهو الذي قتل بَدْرًا المعتضديّ. وكان جبارًا ظالمًا سفَاكًا للدِّماء، لا ينام أحد إلَّا وهو على وَجَلٍ منه، وهو الذي حمل المكتفي على قتل عبد الواحد بن الموفَّق؛ ما زال يقول: إنَّه يَروم الخلافة حتَّى قتله، وبان بعد ذلك للمكتفي أنَّه ما كان يروم الخلافة، وأنَّه كان مَشغولًا باللهو، وكان عبد الواحد يتمثَّل بقول العَتَّابي: [من الطَّويل] ذَريني تَجئني ميتتي مُطمئنَّة … ولم أتجشَّم هولَ تلك المواردِ فإنَّ نَفيساتِ الأُمور مُناطةٌ … بمُستودَعاتٍ في بطون الأساودِ وإنَّ الذي يسمو إلى دَرَك العُلى … مُلَقًّى لأسباب الرَّدى والمكائدِ فقال المكتفي: قاتلهم الله، قد قلنا لهم إنَّه ما له في الملك أَرَب فلم يسمعوا (١). وكانت وفاةُ القاسم في ذي القعدة. وقال الصُّولي: ومن العجائب التي رأيتُها أنَّنا كنَّا نُبَكِّر إلى عيادة القاسم كلَّ يوم، فدخلنا يوم الأربعاء الذي توفِّي فيه لستٍّ من ذي القعدة دارَه، فرأينا ابنَيه أَبا عليٍّ وأبا

стр. 7575

جعفر قد خرجا، فقام النَّاس لهما، ودنا العبَّاس بن الحسن (١) بن أبي أَحْمد إليهما فقبَّل يديهما، ومات القاسم في بقيَّة اليوم، وخُوطب العبَّاس بالوزارة بإشارة القاسم، فخرج الولدان جميعًا فقبَّلا يده، وكان مَغَلُّ القاسم في كلِّ سنة سبع مئة أَلْف دينار. ولما مات فرح النَّاس بموته، وأظهروا الشَّماتة به، فقال [عبد الله بن] الحسن بن سعد (٢): [من المتقارب] شَرِبْنا عشيَّةَ مات الوزيرُ … ونَشربُ يَا قوم في ثالثِهْ فلا قدَّس الله تلك العظامَ … ولا باركَ الله في وارثِه وكان القاسم قد مرض في رمضان، ودام مرضه، فاستخلف ابن أخيه عبد الوهَّاب بن الحسن بن عُبيد الله، فكان يدخل على المكتفي، فاعترض يومًا عليه، فلمَّا خرج من عنده تمثَّل المكتفي: [من الطَّويل] ولَمَّا أبي إلَّا جماحًا فؤادُهُ … ولم يسْلُ عن ليلى بمالٍ ولا أهلِ تسَلَّى بأُخرى غيرِها فإذا الذي … تسَلَّى بها تُغري بلَيلى ولا تُسلي (٣) محمَّد بن أَحْمد ابن البراء بن المُبارك، أبو الحسن، العَبْديُّ. كان فاضلًا، سمع عليَّ بن المدينيّ وطبقتَه، وروى عنه المَحامليُّ وأقرانُه، وكانت وفاته ببغداد. جرى بينه وبين القاضي إسماعيل بن إسحاق شيءٌ، فعزم إسماعيلُ على الرُّكوب إليه، فبادره العبديُّ وأنشد: [من الطَّويل] صَفَحتُ ابنَ عمِّي فيك (٤) صَفْحَ ضَرورةٍ … إليكَ وفي قلبي نُدُوبٌ من العَتْبِ

стр. 7576

فأنشد إسماعيل: [من الطَّويل] ولا زال بي شَوقٌ إليك مُبرِّحٌ … يُذلِّل منِّي كلَّ مُمْتَنِعٍ صَعْبِ محمَّد بن محمَّد بن إسماعيل ابن شدَّاد، أبو عبد الله، الأنصاريُّ، ويُعرف بالجُذُوعيّ. كان صالحًا، ورِعًا، دَيِّنًا، ثِقَة، توفِّي ببغداد في جمادى الآخرة، حدَّث عن عليِّ بن المدينيّ وغيرِه، وروى عنه المحامليُّ وغيرُه. وقال محمَّد بن [علي بن الخلال] البصريُّ: أُدخل الشهودُ والقضاةُ بمدينة السلام على المعتمد ليَشهدوا عليه في دَين كان اقترضه عند الإضاقة، وأنفقه على صاحب الزَّنْج، فلمَّا مَثُلوا بين يديه، قرأ عليه إسماعيلُ بنُ بلبل الكتابَ، وقال: تشهد الجماعة على أمير المُؤْمنين؟ قال: نعم، فشهد واحدٌ بعد واحد، حتَّى بلغ الأمر إلى الجُذُوعيِّ، فأخذ الكتاب بيده وقال: أشهد عليك؟ قال: نعم، قال: لا يصحُّ حتَّى تقول: اشهد، فقال: اشهد. ثمَّ خرجوا، فقال المعتمد: مَنْ هذا؟ قالوا: القاضي الجُذُوعيّ، قال: أبطَّال هو أم عمَّال؟ قالوا: بطَّال، قال: مثل هذا لا يكون بطَّالًا، فقلَّده القضاء على واسِط، فصار إليها، وكان بها الموفَّق، فاحتاج يومًا إلى مشاورة القاضي، فقال: استَدعُوه، فاستدعَوْه، فجاء وعلى رأسه دَنِّيَّة طويلة (١) -وكان قصيرَ العُنُق- فدخل دِهليز الموفَّق، فالتقاه غلامٌ وهو مَخمور، وكان مكينًا عند الموفَّق، فوضع يده على قَلَنْسُوةِ القاضي وكبسها، فغاص رأسُه فيها. ومضى الغلام، فجلس الجُذُوعي موضعَه، وعمد غلامُه ففتقها وأخرج رأسَه منها، فثنى ردَاءه على رأسه، وعاد إلى داره، وأحضر الشُّهود، وسلَّم إليهم قِمَطرَ القضاء، وصرفَهم وأغلق الباب. وطال على الموفَّق انتظارُه، فأرسل وراءه، فلم يَخرج من داره، وحدَّثوا الرسول بالقصَّة، فجاء فأخبر الموفَّق، فاستدعى صاحبَ الشرطة وقال له: جرِّد الغلامَ،

стр. 7577

واحملْه إلى باب القاضي، واضربه أَلْف سوط، وتوعَّدَه إن لم يفعل. وكان والد الغلام من جِلَّة القوَّاد، ومحلُّه منهم محلُّ مَن لو همَّ بالعصيان لأطاعه الجيش، فلم يقل شيئًا، وجاء القوَّاد إليه وقالوا له: مُرْنا بأمرك، وترجَّلوا ووقفوا بين يديه، فقال والد الغلام: الأميرُ الموفَّق أشفقُ عليه منِّي، فمشى القوَّاد بأسرهم مع صاحب الشُّرطة والغلام إلى الجُذُوعيِّ، وشفعوا إليه وتضرَّعوا وسألوه، فقال لصاحب الشرطة: لا تضربه، فقال: لا بُدَّ، وما أتجاسَرُ أن أخالِفَ الموفَّق، فركب الجُذُوعيُّ إلى دار الموفَّق، وسأله في الغلام فقال: لا بُدَّ من ضربه، فقال: الحقُّ لي، وقد وهبتُه. فسكت الموفَّق، وعاد الجُذُوعيُّ إلى بغداد (١). هارون بن موسى بن شَريك أبو عبد الله، التَّغلِبيُّ، الأخْفَش، المُقرئُ، النَّحْويّ، الشاميُّ. ولد سنة مئتين، سمع هشامَ بنَ عمَّار وطبقتَه، وكان إمامًا في كلِّ فنٍّ وفي القراءات. قال: دخلنا على أبي مسْهر الغسَّانيّ نعوده، فقال: [من الطَّويل] يَسُرُّ الفتى ما كان قدَّم من تُقًى … إذا نزل الدَّاءُ الذي هو قاتلُهْ ولَمَّا مات الأخفشُ جلس مكانه محمَّد بن نُصير بن أبي حَمْزة، وهذا هو الأخفش الشاميُّ، أمَّا الأخفش البصريُّ فاسمه سعيد بن مَسْعدة، وثَمَّ أخفشُ ثالث نذكره سنةَ خمس عشرة وثلاث مئة (٢). * * *

стр. 7578

السنة الثَّانية والتسعون بعد المئتين (١) فيها في صفر سار محمَّد بن سليمان إلى مصر لحرب هارون بن خُمارويه، وخرج إليه هارون في القوَّاد، وجرت بينهم وَقعات، ثمَّ وقع بين أصحاب هارون في بعض الأيام عصبيَّة، فاقتتلوا، فخرج هارون يُسكِّنهم، فرماه بعضُ المغاربة بسهم فقتله، وتفرَّقوا، فدخل محمَّد بن سليمان مصر، واحتوى على دُور آل طولون وأسبابِهم، وأخذهم جميعًا وكانوا بضعة عشر رجلًا، فقيَّدهم وحبسهم واستصفى أموالهم، وكتب بالفتح إلى المكتفي. وقيل: إنَّ محمدَ بنَ سليمان لَما قَرُب من مصر أرسل إلى هارون يقول: إنَّ الخليفة قد ولَّاني مصرَ، ورسَمَ أن تسير بأهلك وحَشَمك إلى بابه إن كنتَ مُطيعًا، وبعث بكتاب الخليفة إلى هارون، فعرضه على القوَّاد، فأبَوْا عليه، فخرج هارون، فصاح: المكتفي يَا منصور، فقال القوَّاد: هذا يُريد هلاكَنا، فدسُّوا خادمًا فقتله على فراشه، وولَّوْا مكانه عمَّه شيبان بن أَحْمد بن طولون، ثمَّ خرج شيبان إلى محمَّد مُستأمِنًا. وكتب الخليفة إلى محمَّد بن سليمان في إشخاص آل طولون وأسبابهم والقوَّادِ، وأن لا يترك أحدًا منهم بمصر ولا الشَّام، فبعث بهم إلى بغداد، فحُبسوا في دار صاعد. وفي جمادى الأولى زادت دِجلة زيادةً عظيمة حتَّى تهدَّمت الدُّور والقصور التي على شاطئيها، وبلغت الزيادةُ إحدى وعشرين ذِراعًا، وخربت بغداد، ولم يُرَ مثل هذه الزيادة. وفي رمضان غلب قائد من قوَّاد مصر يقال له: الخَلَنْجيُّ (٢)، كان قد تخلَّف عن محمَّد بن سليمان في أطراف مصر، فاستمال جماعةً من المصريِّين مِمَّن يحبُّ الفتنةَ، وكان النوشريُّ عاملَ المعونة بمصر (٣)، فأخرجه الخلنجيُّ إلى الإسكندرية، واستولى على مصر.

стр. 7579

وفيها قدم بغداد بدر الحماميُّ الحاكم على مصر والشَّام، وهو الذي قتل القرمطيَّ، فتلقَّاه أرباب الدَّولة، وخُلع عليه وعلى ابنه (١)، وطُوِّق بدر وسُوِّر، وقيِّدت بين يديه خيلُ الخليفة جنائبَ، وحمل إليه مئةُ أَلْف درهم. وجهَّز المكتفي فاتكًا مولى المعتضد لمحاربة الخَلَنْجيِّ، وضمَّ إليه بدرًا الحماميَّ، وأمره أن لا يخالف بدرًا، وجهَّزه في جيش كثيف، فخرجا من بغداد في شوَّال. وفيها وافت بغداد هديَّةُ إسماعيل بن أَحْمد والي خراسان، فكان فيها ثلاث مئة جمل، عليها صناديق فيها المسكُ والعنبرُ والثِّياب [من] كلِّ لون، ومئةُ غلام وغيرُ ذلك. وتوفِّي القاضي أبو خازم، فنُقل أبو عمر محمَّد بن يوسف من مدينة المنصور إلى قضاء الشرقيَّة، وقلِّد عبد الله بن عليّ بنِ أبي الشَّوارب قضاءَ مدينة المنصور. وقَدِم طُغْج وجماعةٌ من الشَّاميين والمصريين فخلع عليهم المكتفي وأنزلهم. وفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلةً خلت من رجب، ولتسع عشرة من أيَّار طلع كوكب الذَّنَب في الجوزاء، وكان له طول عظيم دقيق (٢). وحجَّ بالنَّاس الفضل بن عبد الملك الهاشميُّ. [فصل] وفيها تُوفِّي إبراهيم بنُ عبد الله ابن مسلم، أبو مسلم، الكُجِّيُّ (٣) البَصْريُّ. ولد سنة مئتين، ورحل وسمع الكثير، وكان حافظًا متقنًا. [قال الخَطيب:] قدم بغداد، فكان يُملي برَحْبةِ غسَّان، ويُملي على سبعة، كل واحد منهم يبلِّغُ الذي يليه، ويكتب النَّاسُ عنه قيامًا بأيديهم المحابر، ومُسِحَ المكان الذي

стр. 7580

كانوا قيامًا، فكان فيه نيِّف وأربعون ألفَ مِحْبَرة سِوى النَّظَّارة [قال:] وتوفي ببغداد لسبع خلون من المحرَّم، وله اثنتان وتسعون سنة، وحُمل إلى البصرة فدُفن بها. سمع محمَّد بن عبد الله الأنصاريَّ وخلقًا كثيرًا، وروى عنه البغويُّ وخلقٌ كثير. واتَّفقوا على صدقه وثقته. وكان قد نذر أنَّه إذا حدَّث تصدَّق بألف دينار (١)، فلمَّا فرغوا من سماع السُّنن عليه، عمل مأدُبةً للمحدّثين، أنفق فيها أَلْف دينار. وقال: شهدتُ اليوم على رسول الله ﷺ فقَبل قولي، ولو شَهِدتُ وحدي على دَسْتَجة (٢) بَقْلٍ لاحتجتُ إلى شاهد آخر يشهد معي، أفلا أصنع شكرًا لله تعالى. وكان جوادًا مُمدَّحًا؛ مدحه البحتريُّ بقصائد منها: [من الخفيف] ولعمري لئن دعوتكَ بالجو … دِ لَقِدْمًا لبَّيتني بالنَّجاحِ خُلُقٌ كالغمامِ ليس له بَرْ … قٌ سوى بِشْرِ وَجْهِك الوضَّاحِ ارتياحًا للطَّالبين (٣) وبَذْلًا … والمعالي للباذلِ المُرْتاحِ وحكى الصُّوليُّ عن الكجِّيِّ أنَّه سمع شعرًا (٤) من بعض الجنِّ في الحمَّام بالبصرة، ثم سأل الحمَّاميَّ فقال: نعم، هذا جِنِّيٌّ يتراءى لنا في كلّ وقت، وينشد: [من الخفيف] أيُّها المُذنِبُ المفرِّطُ مَهْلًا … كم تمادى وتركبُ الذَّنبَ جَهْلا كم وكم تُسْخِطُ الجليلَ بفعلٍ … سَمِجٍ وهْو يُحسن الصُّنع فعلَا (٥) كيف تَهدا جفونُ مَن ليس يدري … أَرَضي عنه مَن على العرش أم لا إدريس بن عبد الكريم أبو الحسن، الحدَّاد المُقرئ. ولد سنة تسع وتسعين ومئة، ومات ببغداد يوم الأضحى وهو ابنُ أربع وتسعين سنة.

стр. 7581

سمع الإِمام أَحْمد رحمة الله عليه وغيرَه، وروى عنه ابنُ الأنباريِّ وغيرُه. وسئل عنه الدَّارقطنيُّ فقال: هو ثِقَةٌ وفوق الثِّقة بدرجات. وقال ابنُ مِقسم: كنت عند أبي العبَّاس أحمدَ بنِ يحيى إذ جاءه إدريس الحدَّاد، فأكرمه وحادثه ساعةً -وكان إدريس قد أسنَّ- فقام وهو يتساند، فلَحَظَه أبو العبَّاس وقال: [من الطَّويل] أرى بصري في كلِّ يومٍ وليلةٍ … يَكِلُّ وطَرفي عن مَدَاهُنَّ يَقْصُرُ ومَن يَصْحَبِ الأيامَ تسعين حِجَّةً … يُغيِّرْنَه والدَّهرُ لا يتغيَّرُ لَعَمري لئن أصبحتُ أمشي مُقيَّدًا … لما كنتُ أمشي مُطْلَقَ القَيدِ أكثرُ (١) القاضي أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد الحميد، السَّكونيُّ، الإِمام، الفاضل، الورع (٢). أصله من البصرة، وسكن بغداد، ولي القضاء على مدينة السَّلام وغيرِها. وكان عراقيَّ المذهب، عاقلًا، عَفيفًا، ثقةً، أديبًا، وولي قضاء دمشق والأردن وفلسطين في أيَّام أَحْمد بن طولون، وولي الكوفة. وقال ابن حَبيب الذَّارع: كنَّا ونحن أحداث نُقعد أَبا خازم قاضيًا ونتحاكم إليه، فما مضت الأيامُ والليالي حتَّى صار قاضيًا. وكتب إليه عُبيد الله الوزير بسبب ضيعة مجاورة لضياعه أن يبيعها على اليتيم، فكتب إليه أبو خازم: إن رأى الوزير أن يجعلني أحدَ رجلين؛ إمَّا رجلًا صِيْن الحكمُ به، أو صِين الحكمُ عنه، فعل، فسكت ولم يعادوه. وقال طلحة بن محمَّد بن جعفر: استقضى المعتضدُ أَبا خازم على الشَّرقية سنة ثلاث وثمانين ومئتين، وكان أديبًا، ورعًا، عالمًا بمذاهب أهل العراق، والفرائض، والدُّور، والوصايَا، والمناسخات، والجبر، والمقابلة، والمَحَاضر، والسّجلَّات، وأمَّا عقله فلم يكن في زمانه من أبناء جنسه أعقل منه.

стр. 7582

وأدَّب رجلًا فمات، فكتب إلى المعتضد: يَا أمير المُؤْمنين، إذا كان المُرادُ من التأديب مصلحةَ المسلمين؛ فدِيةُ هذا الرَّجل في بيت المال، فأمر المعتضد يحمل الدِّية إلى وَرَثة الميت. وقال عبد الواحد بن محمَّد الخَصيبي: بلغ من شدَّة أبي خازم في الحكم أنَّ المعتضدَ وجَّه إليه بطَريف المَخْلدي يقول: إنَّ لي على الضُّبعي مالًا من بيع، وقد بلغني أنَّ غُرماءه أثبتوا عندك ديونَهم، وقد قسَّطتَ لهم من ماله، فاجعلني كأحدهم، فقال: قل لأمير المُؤْمنين: إنَّه لَمَّا قلَّدني هذا الأمر أخرجه من عُنقه وجعله في عنقي، ولا يجوز لي أن أحكم بغير بيِّنة. فرجع إليه طريف فأخبره، فقال المعتضد: قل له: فلان وفلان يشهدان، لرجلين كانا جَليلين في ذلك الوقت، فقال: إذا شهدا عندي سألت عنهما، فإن زُكِّيا قبلتُ شهادتهما، وإلا أمضيتُ ما ثبت عندي، فامتنع أولئك الرجلين من الشَّهادة؛ خوفًا من القاضي، ولم يعطِ المعتضد شيئًا. وأُثني على قاضٍ عند أبي خازم بالعِفَّة، فقال: قبَّح الله زمانًا صار القاضي يُوصف فيه بالعِفَّة، إنَّما يوصف بالعِّفَّة صاحبُ الشرطة لا القُضاة. وقال وكيع القاضي: كان المعتضد قد أخذ أراضي من أوقاف الحسن بن سهل، فأدخلها في قصره المعروف بالحسني، فلمَّا جاء رأس السَّنَة أرسلني إلى المعتضد أطلب منه الأجرة، وقال لي: قل للخادم: إنَّما جئتُ في مهمٍّ، ففعلتُ ما أمرني به، فدخل الخادم على الخليفة وأخبره، فظنَّ أنَّه قد حدث أمرٌ، فأحضرني وقال: هي (١)، وَتشَوَّفَ إلى سماع كلامي، فقلت: يَا أمير المُؤْمنين، براءةُ الذِّمَّة عند الله عظيمة، قال: وما هو؟ فأخبرتُه، فقال: أصاب عبد الحميد، فجزاه الله خيرًا حيث عرَّفني بهذا، يَا غلام، هاتِ الميزان، فأحضرَ الدنانير، ووزن أربع مئة دينار وقال: اشكر عبد الحميد. وجاءه رجل فقال: يَا أَبا خازم، إنَّ الشيطان قد شوَّش عليَّ، يأتي إلي كلَّ ساعة ويقول: قد طلَّقتَ زوجتك، وأنا في عَناء معه، فغافَلَه القاضي ساعة، واشتغل عنه بالخصوم، ثمَّ التفت إليه وقال: قمْ فاكتُبْ براءةَ امرأتك، قال: ولِمَ؟! قال: لأنَّك

стр. 7583

طلَّقتَها، فقال: أيُّها القاضي، خَفِ الله، فوالله وتالله وبالله، وحلف بالأيمان المغلَّظة أنَّه ما طلَّقها، فقال له: إذا جاءك الشَّيطان فاحلِفْ له مثل هذه اليمين وقد خلصتَ منه. ومن شعره: [من المتقارب] يُدِلُّ فيا حبَّذا من مُدِلّ … ومن سافكٍ لدمي مُستَحِلّ إذا ما تعزَّز قابلتُه … بذُلٍّ وذلك جُهْدُ المُقِلّ ولَمَا احتُضِرَ جعل يبكي ويقول: يَا إلهي، مِنَ القضاء إلى القبر؟! وتوفِّي ببغداد في رجب، وقيل: بالكوفة، وله خمس وسبعون سنة، واتَّفقوا على صدقه، وثقته، وفضله، وزهده، وورعه. أسند عن محمَّد بن بشار العَبديّ وغيرِه، وروى عنه عبد الله بن أَحْمد بن ربيعة بن زَبْر وغيرُه. * * *

стр. 7584

السنة الثالثة والتسعون بعد المئتين فيها في المحرَّم واقع الخَلَنجيُّ المتغلِّبُ على مصرَ عسكرَ المكتفي على العَريش، فهزمهم أقبحَ هزيمة، وكان فيهم أَحْمد بن كَيغَلَغ، فجهَّز المكتفي إليه جماعة فيهم إبراهيمُ بنُ كيغلغ. وفيها ظهر بالدَّالية من طريق الفرات أخٌ للحسين بن زَكْرويه (١)، وحارب أهلها، فندب المكتفي لقتاله الحسينَ بن حَمْدان، وصار القرمطيُّ إلى دمشق فحارب أهلها، فمضى إلى طبريَّة وحارب أهلها، فغلب عليها ودخلها، فقتل عامَّة أهلها من الرِّجال والنِّساء، ونَهبها، وانصرف إلى ناحية البادية. وقال محمَّد بن داود بن الجرَّاح: لَمَّا قُتل الحسين بن زكرويه صاحبُ الشَّامة، أنفذ أبوه زكرويه بن مهرويه من القَطيف رجلًا كان يُعلِّم الصِّبيان بقريةٍ تُدعى الزَّابُوقة من عمل الفلُّوجة؛ يسمَّى عبد الله بنَ سعيد، ويُكْنى أَبا غانم، فتسمَّى نصرًا ليُعَمِّي أمرَه، فدار على أحياء كَلْب يدعوهم إلى رأيه، فلم يقبله أحد سوى رجل واحد من بني زياد يسمَّى المِقْدام بنَ الكيَّال، فاستغوى له طوائفَ من بطون العرب، وقصد ناحيةَ الشَّام، وعاملُ المكتفي على دمشقَ والأردن أحمدُ بن كيغلغ، وهو مقيمٌ بمصر لحرب الخلنجيِّ، فاغتنم عبد الله بن سعيد ذلك، وسار إلى بُصرى وأَذرِعات والبَثَنيَّة، فحارب أهلها ثمَّ أمَّنهم، فلمَّا استسلموا قَتل مقاتلتهم، وسبى ذراريَّهم، وأخذ أموالهم. وجاء إلى دمشق، فخرج إليه صالحُ بن الفضل، فقتله وفضَّ عَسْكَرَه، ودافعه أهلُ دمشق فلم يقدر عليهم، فمضى إلى طبريَّة، وكان على الأردن وطبريَّة يوسفُ بن إبراهيم عاملُ أَحْمد بن كيغلغ، فأَمَّنه القرمطيُّ، ثمَّ غدر به فقتله، ونهب طبريَّة، وسبى نساءها، فبعث المكتفي الحسين بن حمدان، فورد دمشق والقرامطةُ بطبريَّة، فعطفوا نحوَ السَّماوة، وتبعهم الحسين، فلَحِجُوا (٢) في البريَّة، فانقطع الحسين عنهم لقلَّة الماء،

стр. 7585

ووصل القرمطيُّ إلى هِيت لتسع بقين من شعبان، فصبَّحها، فقتل عامَّة أهلِها، وأحرق المنازل، وأوقر الأموال ثلاثة آلاف راحلة كانت معه، وأخذ من الأطعمة ما يحتاج إليه، ولم يقدر على قلعتها، وإنَّما فعل هذا بأهل الرَّبَض (١). وبلغ المكتفي، فجهَّز إلى هِيت محمدَ بنَ إسحاق بن كُنْداجِيق، فهربوا في البريَّة لَمَّا علموا به، وكان الحسين بن حمدان قد وصل الرَّحْبة، فكتب إليه ابنُ كُنداجيق ليجتمعا على طلبهم، فلمَّا أحسَّ الكَلبيّون وغيرُهم بإقبال الجند إليهم ائتمروا بعدوِّ الله المسمَّى نصرًا، فوثب عليه رجل منهم يقال له: الذِّئب بن القائم (٢) ففَتَك به، ونهبوا ما كان معه، وجاءت طلائعُ محمَّد بن إسحاق، فظفروا بالقرمطيِّ قتيلًا، فاحتزُّوا رأسَه، وبعثوا به إلى بغداد. ووقعت الدماء بين القرامطة والعرب والقبائل، فأرسل المكتفي إلى محمَّد بن إسحاق يأمره باستئصالهم (٣)، فأنفذ إليهم زَكْرَويه داعيةً من أهل السَّواد من الأكَرَة (٤)، يسمَّى القاسم بن أَحْمد بن عليّ، ويعرف بأبي محمَّد، من رُستاق نهر تلخايا (٥)، فأَعْلَمَهم أنَّ فِعْل الذِّئب قد أنفره عنهم، وأنَّهم قد ارتدُّوا عن الدِّين، وأنَّ وَقْت (٦) ظهورهم قد حضر، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفًا، ومن سوادها مئة أَلْف رجل (٧)، وأنَّ يومَ موعدِهم هو الذي ذكره الله تعالى في كتابه في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] وأنَّ زَكْرويه يأمرهم أن يُصبِّحوا الكوفةَ يوم النَّحر، وهو يوم الخميس لعشرٍ خَلَوْنَ من ذي الحجَّة، وكان بها إسحاقُ بن عمران عاملُ المكتفي، فصبَّحوها يوم النَّحْر، فقاتلهم أهلُ الكوفة.

стр. 7586

وكتب إسحاق إلى المكتفي يَستمدّه، فبعث إليه جماعةً من القوَّاد في جيش كثيف إلى موضعٍ يقال له: الصَّوَّان (١)، بينه وبين القادسية أربعة أميال، وجاءهم زكرويه، فالتَقوا يوم الأحد لعشرٍ بَقينَ من ذي الحجَّة. وكمّن زكرويه كمينًا، فكانت الدَّبْرة أوَّلَ النَّهار على القرامطة، فلما انتصف النهار خرج الكَمين فانهزم أصحاب المكتفي أقبحَ هزيمة، وقتلهم القرامطة كيفما شاؤوا، وغنموا جميع ما كان معهم، ولم ينْجُ منهم إلى الكوفة إلَّا كلُّ من كان فرسُه جوادًا، وتقوَّى زَكْرويه بما أخذ منهم، وكان معهم القاسم بن أَحْمد داعية زَكْرويه، فضربوا عليه قُبَّة، وقالوا: هذا ابنُ رسول الله ﷺ ، ثمَّ هجموا الكوفة وهم يصيحون: يَا ثارات الحسين، يعنون ابنَ زكرويه، وأظهروا الأعلام البيض، استغوَوْا رَعاع الكوفيين، فخرج إليهم إسحاق بن عمران وجماعةٌ من الطَّالبيين والعامَّة، فقاتلوهم أشدَّ قتال، وأخرجوهم عن الكوفة، فتفرَّقوا في سوادها. وفيها ظفر المكتفي بالخَلَنجيِّ، وكان المكتفي قد عزم على الخروج بنفسه إلى مصرَ، وضرب خيامه بباب الشمَّاسيَّة، وكان فاتكٌ المعتضديُّ في حرب الخَلَنجيّ فزحف عليهم، فانهزم إلى مصر، ودخل الفُسْطاط، وقُتِل أكثر أصحابه، وانهزم الباقون، واحتوى فاتكٌ على عسكره، واستتر الخَلَنْجيُّ عند رجل من أهل الفُسطاط، فدُلَّ عليه، فأُخِذ ومعه جماعة من أصحابه، وبعثه فاتكٌ إلى بغداد، فدخلها الخلنجيُّ في نصف رمضان وأصحابُه على الجمال، فأُحضروا بين يدي المكتفي، فأمر بحبسهم ولم يقتلهم. وفيها عُمِل ببغداد على دجلة من جانبيها مثلُ مِقياس مصرَ، طولُه خمسة وعشرون ذراعًا، على كلِّ ذِراع علاماتٌ يَعرفون بها الزيادةَ، ثمَّ خرب بعد ذلك. وحجَّ بالنَّاس الفضلُ بنُ عبد الملك الهاشميُّ. وفيها تُوفِّي

стр. 7587

صالح بن محمَّد ابن عَمرو بن حَبيب، أبو عليٍّ، الأسديُّ، البغداديُّ، الملقَّب جَزَرة. وإنَّما لُقِّب بذلك لأنَّه جاء في حديث عبد الله بن بُسْر أنَّه كانت خَرزَة يَرقي بها المرضى، وكانت لأبي أُمامة الباهليّ، فصحَّفها وقال: جَزَرة، بجيم وراء معجمة. وُلد صالح سنة خمس ومئتين، وكان مِمَّن يُرجع إليه في علم الآثار، انتقل من بغداد إلى بُخارى، وأقام بها إلى أن مات بها، فحصل حديثه عند أهلها. سمع هشامَ بن عمار وغيرَه، وروى عنه مسلمُ بن الحجَّاج وغيرُه. وقال: كان ببغداد شاعران؛ أحدُهما صاحب حديث، والآخر معتزليٌّ، فمرَّ بي المعتزليُّ يومًا فقال: يا بنيّ، كم تكتب؟! يذهبُ بصركَ، ويَحْدَودبُ ظهرُكَ، ويزداد فَقرُكَ، ثمَّ أخذ كتابي وكتب عليه: [من مجزوء الكامل] إنَّ القراءةَ والتَّفقُّه … والتَّشاغلَ بالعُلُوم أصلُ المَذَلَّة والتقلُّل … والمَهانة والهُمُوم ثمَّ ذهب، وجاء الآخر فقرأ الشعر، فقال: ما هذا؟ فأخبرتُه فقال: كذب عدوّ الله، بل يرتفع ذكرُكَ، وينشرُ علمك، ويبقى اسمُك مع اسم رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة، ثمَّ كتب على كتابي: [من مجزوء الكامل] إنَّ التشاغُلَ بالدَّفاتر والكتابة والدِّراسه أصلُ التفقُّه والتزهُّد والرِّياسة والسِّياسه واتَّفقوا على صدقه وفضله وثقته (١). [وفيها تُوفِّي] عبد الله بن محمَّد أبو العبَّاس، الأنباريُّ، النَّاشيء، الشاعر، ويعرف بابن شِرْشِير. [قال الخَطيب: قدم بغداد فأقام بها مدة. و] له تصانيف في الردِّ على الشعراء وأهلِ

стр. 7588

المنطق [والنُّحاة، فلم يطاوعوه، فسقط ببغداد، وخرج إلى مصر]، وعمل قصيدة على قافية واحدة ورَويٍّ واحد أربعة آلاف بيت. خرج إلى مصر فأقام بها حتَّى مات، وكان [متهوِّسًا] شديد الهَوَس (١). فمن شعره (٢): [من الطَّويل] عَذَلْتَ على ما لو عَلِمتَ بقدرهِ … بَسَطْتَ مكانَ العَذْلِ واللَّومِ من عُذْري جهلتَ ولم تعلم بأنَّك جاهلٌ … فمَنْ لي بأن تدري بأنَّك لا تدري وله أَيضًا: [من المتقارب] وكان لنا أصدقاءٌ حُماة … وأعداءُ سَوءٍ فما خُلِّدوا تساقَوْا جميعًا بكأس الرَّدى … فمات الصَّديقُ ومات العَدُو وله أَيضًا: [من الطَّويل] إذا المرءُ أحمى نفسَه كلَّ شَهوةٍ … لصِحَّة أيَّام تَبِيدُ وتَنْفَدُ فما بالُه لا يحتمي من حَرَامها … لصِحَّةِ ما يَبقى له ويُخلَّدُ (٣) وقال الخرالطيُّ: أنشدني أبو العباس الناشئ (٤): [من الكامل] إنِّي ليَهجُرني الصَّديقُ تجنِّيًا … فأُريه أنَّ لهجره أسبابا وأراه إنْ عاتبتُه أغريتُه … فيكون تَرْكي للعتابِ عتابًا وإِذا بُلِيتُ بجاهلٍ متجاهلٍ … يجدُ المحال من المقالِ صوابا أوليتُه مني السُّكوتَ ورُبَّما … كان السُّكوتُ عن الجواب جوابًا وقال بديهًا في قَيْنَة: [من المتقارب]

стр. 7589

فديتُكِ لو أنَّهم أنصفوا … لرَدُّوا النَّواظرَ عن ناظريكِ تَرُدِّين أعيننا عن سواك … وهل تنظرُ العَينُ إلَّا إليكِ وهم جعلوكِ رقيبًا علينا … فمَنْ ذا يكون رقيبًا عليك ألم يقرؤوا وَيحَهم ما يرو … ن مِنْ وَحْي حُسْنكِ في وَجْنَتيكِ (١) ورؤي في جامع دمشق (٢) وقد خلع سراويله ليبيعَه، فقيل له: لو تقرَّبتَ من هؤلاء الملوك؟! فقال: [من الطَّويل] وإنِّي لأَرْضى باليسير تعفُّفًا … ولي همَّةٌ تسطو على نُوَب الدَّهرِ أفكِّر في بَيعي قَبَائي بهمَّتي … فأرتاحُ مِنْ ذُلِّ السُّؤال إلى الفقرِ مخافةَ أن ألقى بخيلًا مُبَخَّلًا … يُثَمِّن لي نَزْرَ العطيَّةِ بالشُّكرِ * * *

стр. 7590

السنة الرابعة والتسعون بعد المئتين في المحرَّم خرج زَكْرويه القِرمطيُّ من بلاد القَطيف يريد قافلة الحاجِّ، فجاء إلى واقِصَة، ثمَّ أقام قريبًا من الماء المسمى بسَلْمان، ووافت القافلة الأولى واقِصَة، فأنذرهم أهلُها، فارتحلوا فنجَوْا، وجاء القرمطيُّ إلى واقِصة، فسألهم عن القافلة، فأخبروه بأنَّهم لم يُقيموا، فقَتَل منهم جماعة، وتحصَّن الباقون بحصنهم. ثمَّ اعترض [زكرويه] قافلة خراسان لإحدى عشرة ليلةً خلت من المحرَّم بالعقبة التي يقال لها: عَقبة الشيطان، فحاربوه حربًا شديدًا وترجَّلوا، فقال لهم: أمعكم من عسكر السلطان أحد؟ قالوا: لا، قال: فامضوا لشأنكم فلست أريدكم، فساروا، فأوقع بهم، وجعل أصحابُه يَنخَسون الجِمَال بالرِّماح، ويبعجونها بالسيوف، فنَفَرت، وأكبَّ أصحاب القرمطيِّ على الحاجِّ يقتلونهم كيفما شاؤوا، فقتلوا من الرّجال وسبَوا النّساء، واحتَوَوْا على ما في القافلة، وأفلت من الجَرحى [قوم] فوقعوا بين القتلى، فتحاملوا في الليل ومضَوْا، فمنهم مَن مات في الطَّريق، ومنهم مَن نجا، وكان نساء القرامطة يطُفْن في القتلى يعرضْنَ عليهم الماء، فمن كلَّمَهنَّ أجهزوا عليه، فيقال: إنَّهم قتلوا من الحاجّ عشرين ألفًا، وأخذوا ما قيمتُه ألفي [أَلْف] دينار. وورد الخبر إلى بغداد يومَ الجمعة منتصف المحرَّم، فشقَّ ذلك على المكتفي والمسلمين، ووقع النَّوْح والبُكاء في البلد، [وعظُمت الرَّزّيَة]، فندب الوزير العباس بن الحسن، محمدَ بنَ داود بن الجَرَّاح الكاتب لإنفاذ الجيوش، فخرج من بغداد لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرَّم، وحَمَل معه أموالًا عظيمة. وسار زَكرويه إلى زُبالة فنزلها، وبثَّ الطلائعَ أمامَه ووراءَه؛ [خوفًا من أصحاب المكتفي، وكانوا مُقيمين بالقادسية] خوفًا منه على قافلة الحاجّ، فجرى عليهم ما جرى، ولم يعلموا إلَّا بعدما فات الأمر، وكانت قد تأخَّرت القافلة الثالثة وهي العُظمى، فسار إلى ما بين الشُّقوق والبِطان في طرف الرَّمْل ينتظرها في مكان يُعرف بالطُّلَيح.

стр. 7591

وكان في القافلة أعيانُ أصحاب السلطان، ومعهم الخزائنُ والجواهرُ والأموالُ وشَمْسةُ الخليفة، فوصلوا إلى فَيْد، وبلغهم خبرُه فأقاموا ينتظرون عسكر السلطان، فلم يَرِد إليهم أحد، فساروا فوافاهم بالهَبِير، وقاتلهم يومًا إلى الليل، ثمَّ عاودهم القتال في اليوم الثاني، فعطشوا واستسلموا، فوضع فيهم السيفَ، فلم يُفْلِت منهم إلَّا اليسيرُ، وأخذ النساء والأموال أعظم من القافلة الأولى. وبلغ المكتفي فندب لقتاله وصيف بن صُوارتكين ومعه الجيوشُ والقُوَّاد، وكتب إلى بني شيبان أن يوافوه، فجاؤوا في ألفين ومئتي فارس، وسلكوا على طريق خَفَّان، فلقيه وصيف يوم السبت لأربعٍ بقين من ربيع الأوَّل (١)، فاقتتلوا، ثمَّ حجز بينهم الليلُ، وأصبحوا على القتال، فنصر الله وَصيفًا وبني شيبان، فقتلوا عامَّةَ أصحاب القرمطيِّ الرجال والنِّساء، وخلَّصوا المسلمات والأموال، وخَلَص بعضُ الجند إلى زَكْرويه فضربه وهو مولٍّ على قفاه ضربةً خَلَصت إلى دماغه، وأخذه أسيرًا، وخليفتَه، وخواصَّه، وأقرباءَه، وابنَه، وكاتِبَه، وامرأتَه، واحتوى الجندُ على ما في عسكره، وعاش زكرويه خمسة أيام ثمَّ مات، فشقّوا بطنَه، وحُمِل إلى بغداد على هيئته، وقدم به وبالأسارى، فقُتِّلوا وأُحرقوا. وقيل: إنَّ الذي جرح زَكْرويه وصيف، ضَرَبه بالسيف فخالط دماغه، وتمزَّق أصحابُه في البريَّة، فماتوا عطشًا وجوعًا. [وقيل: إنَّ هذا العام يسمَّى عامَ الهرير؛ لأنَّ الوقعة كانت عنده]. وحجَّ بالنَّاس الفضلُ بن عبد الملك أَيضًا. وفيها تُوفِّي مُحَمَّد بن نَصْر أبو عبد الله، المَرْوَزيُّ، الفقيه. أحد الأئمة المشهورين، والمصنِّفين المذكورين [ذكره الأئمة وأثنوا عليه.

стр. 7592

قال الخطيب:] (١) ولد ببغداد سنة اثنتين ومئتين، ونشأ بنَيسابور، واستوطن سَمَرْقَند، وهو صاحب التَّصانيف الكثيرة، والكتب المشهورة، وسافر إلى الأمصار في طلب العلم [وسمع خلقًا كثيرًا في خراسان والعراق والشام ومصر والحجاز]، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام، وكان إمامًا، عالمًا، حافظًا، زاهدًا، عابدًا، ورعًا، كثيرَ الخشوع في صلاته، قليلَ الكلام فيما لا يعنيه. [وقال الخطيب:] وهو مصنف كتاب "القسامة" وهو كتابٌ عزيزُ الوجود. وقال عبد الله بن محمد الثَّقفيُّ: جالست محمدَ بن نصر أربعَ سنين فلم أسمعه في تلك المدَّة يتكلَّم في غير العلم. وحكى الحاكم عنه أنَّه كان يتمنَّى الولدَ على كِبَر سنِّه، فجاءه رجل من أصحابه وعنده جماعة يذاكرهم العلم، فسارَّه في أُذنه بشيء، فرفع أبو عبد الله يديه وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] ثمَّ مسح وجهه بباطن كفَّيه، ورجع إلى ما كان فيه، فرأينا أنَّه استعمل في تلك الكلمة الواحدة ثلاث سنن؛ سمَّى الولدَ، والثانية: حَمِد الله تعالى على الموهبة، والثالثة: أنَّه سمَّاه إسماعيل لأنَّه وُلد على كِبَر، وقد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقال الحاكم: سمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: ما رأيت (٢) أحسنَ صلاةً من محمد بن نصر؛ كان الذُّباب يقع على أُذنه، فيَسيل الدَّم ولا يذبُّه عن نفسه، ولقد كنَّا نتعجب من حُسْن صلاتِه وخشوعه. وقال [الخطيب بإسناده عن عثمان بن جعفر اللبَّان قال: حدَّثني] محمد بن نصر [قال:] خرجتُ من مصر ومعي جاريةٌ لي، فركبتُ البحر أريد مكَّة، فغرقتُ، وذهب منِّي ألفا جزء، وصرت إلى جزيرة ومعي الجارية فما رأينا فيها أحدًا، فأخذني العطشُ، فلم أقدر على الماء، فوضعت رأسي على فخذ جاريتي مستسلمًا للموت، فإذا رجل قد جاءني ومعه كُوز ماء، فقال: هاه، فأخذتُه وشربتُ وسقيتُ الجارية، فما

стр. 7593

أدري من أين جاء ولا أين ذهب. وقال محمد بن عبد الوهَّاب الثَّقفيُّ: كان إسماعيل بن أحمد والي خُراسان يَصِلُ محمدَ بن نصر في كلِّ سنة بأربعة آلاف درهم، ويصله أخوه إسحاقُ بن أحمد بأربعة آلاف درهم، ويصله أهلُ سمرقند بأربعة آلاف درهم، وكان يُنفقها من السَّنة إلى السَّنة من غير أن يكون له عيال، فقيل له: لعلَّ هؤلاء القومَ الذين يصلونك يَبدو لهم، فلو جمعتَ هذا لنائبة، فقال: يا سبحان الله، أنا بقيت بمصر كذا وكذا سنةً، فكان قُوتي وثيابي وكاغَدي وحِبْري وجميعُ ما أنفقه في السنة عشرين درهمًا، أفَترى إن ذهب هذا لا يبقى ذاك؟! و [حكى الخطيب بإسناده إلى محمد بن عبيد الله قال: سمعت] الأمير [أبا إبراهيم] إسماعيل بن أحمد يقول: كنت بسَمَرْقَنْد (١)، فجلستُ يومًا للمظالم، وجلس أخي إسحاق [إلى جنبي، إذ دخل أبو عبد الله المروزي، فقمتُ له إجلالًا لعِلمه، فلمَّا خرج عاتبني أخي إسحاق] وقال: أنت والي خراسان، يدخل عليك رجل من رعيَّتك فتقوم إليه، وهذا ذهاب السياسة؟ فبتُّ تلك الليلة، فرأيتُ النبيَّ ﷺ [في المنام] وأخي إسحاق واقف معي، إذ أخذ النبيُّ ﷺ بعَضُدي وقال: يا إسماعيل، ثبَّت الله مُلكَكَ ومُلْكَ بنيك بإجلالك محمدَ بن نصر، ثمَّ التفت إلى أخي إسحاق فقال: ذهب مُلكُك وملكُ بنيك باستخفافك بمحمد بن نصر. وكان مُقيمًا بنَيسابور (٢)، وكان مُفتيها وعابدَها، ثمَّ خرج إلى سَمَرْقَنْد، فتوفِّي بها في المحرَّم. سمع هشامَ بن عمَّار وغيرَه، وروى عنه ابنُه إسماعيل وغيرُه، وكان ابنُه إسماعيل على طريقته، فقيل له: لو زَجَرْتَ ولدك؟ فقال: لا أُفسد مروءتي بصلاحه. واتَّفقوا على دينه [وأمانته] وثقته وصدقه (٣).

стр. 7594

السنة الخامسة والتسعون بعد المئتين فيها خرج عبد الله بن إبراهيم المِسْمَعيُّ عن مدينة أصبهان، وانضمَّ إليه عشرة آلاف من الأكراد وغيرِهم، وأظهرَ الخلافَ للمكتفي، فبعث إليه منصورًا الكاتب بكتاب يخوِّفه فيه عاقبةَ الخلاف، فلمَّا وصل إليه ناظره وخوَّفه، ووَعده وأوعده، فرجع إلى طاعة الخليفة، واستخلف على أصبهان نائبًا، وقصد باب المكتفي في نَفَرٍ من غلمانه، فرضي عنه، وخلع عليه وعلى ابنه ووصله. وبعث المكتفي خاقان المُفْلِحيّ إلى أَذْرَبيجان لحرب يوسف ابن أبي السَّاج، فسار في أربعة آلاف. وفيها تمَّ الفداء بين المسلمين والرُّوم، فكانت عِدَّة من فُودي من الرِّجال والنِّساء ثلاثةَ آلاف نفس. وفي ذي القَعْدة مات المكتفي، وبُويع أخوه جعفر [بن المعتضد]، ولُقِّب بالمقتدر. الباب الثامن عشر في خلافة المُقْتَدر وكُنيته أبو الفَضْل، وأمُّه أمُّ ولد روميَّة، يقال لها: شَغَب، وقيل: كانت تركيةً، واسمها جَكك (١)، وغريبٌ المعروفُ بالخال أخوها، أدركتْ خلافته، وسُمِّيت السيِّدة، وكانت لأمِّ القاسم بنت محمد بن عبد الله بن طاهر، اشتراها منها المعتضد. ولد المقتدر يوم الجمعة لثمانٍ بقين من رمضان سنة اثنتين وثمانين ومئتين (٢). وكان رَبْعةً ليس بالطَّويل ولا بالقصير، جميلَ الوجه، أبيضَ مُشْرَبًا حمرةً، حسَنَ الخَلْق، مليحَ العينين، بعيد ما بين المنكبين، جَعْدَ الشعر، مدوَّرَ الوجه.

стр. 7595

ذكر بيعته (١). لما اشتدَّت عِلَّة المكتفي في ذي القَعْدة سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر، فصحَّ عنده أنَّه بالغ، فأُحضر في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، وأحضر القضاةَ والشُّهود، وأشهدهم على نفسه أنَّه قد جعل العهد إليه، وبويع بالخلافة بعد وفاة المكتفي سَحَر يومِ الأحد لأربع عشرة ليلةً خلت من ذي القَعْدة، ولما أراد الجلوس صلَّى أربع ركعات، وما زال يرفع صوته بالدُّعاء والاستخارة، وصلَّى على حصير على الأرض، ولم يصعد إلى سرير الخلافة تواضعًا، ولقِّب المقتدر بالله وهو ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأحد عشر يومًا، ولم يَلِ الخلافة من بني العبَّاس قبله أصغرُ منه. وقال الصُّولي: لما ثَقُل المكتفي عزم العبَّاس الوزير على أن يبايعَ محمدَ بن المعتمد خوفًا من ابن المعتزّ؛ لأنَّه كان يخافه، وكان محمد بن المعتمد يجالس المكتفي، فأحضره العبَّاس ليلًا، وأحضر القاضي محمدَ بن يوسف، وأراد محمدًا على البيعة، وطلب منه أن يؤمِّنَه على نفسه وماله أو يستوزرَه، وكان محمد بن المعتمد عاقلًا أديبًا ذا صيانة ومذهب جميل، فقال: ما كنت لأحلِفَ وروحُ المكتفي في جسده، وإن لم أوفِّ لك بغير يمين لم أوف لك بيمين، فقال له القاضي: ارضَ منه بهذا، فقال: قد رضيت، وأفاق المكتفي من مرضه. ثمَّ إنَّ محمد بن المعتمد تَنازع مع صاحب الشرطة في ميراثٍ لمولى محمد كان قد استولى عليه صاحبُ الشرطة، فاغتاظ محمد، وجعل ينتفض من الغيظ، ففُلِج في وقته، فيئس العبَّاسُ منه، وجعل يميز بين عبد الله بن المعتز وغيرِه، فقال فاتك المعتضدي: والله لا عَدَلْنا بها عن ابن مولانا -يعني المقتدر- ولو لم يكن للمعتضد ابنٌ أقعدنا بعضَ بناته، ووافقه صافي الحُرَميُّ، وكره الوزير خلافهما. ولما أفاق المكتفي قال له صافي الحُرَميُّ: إن رأى أميرُ المؤمنين أن يبعث إلى محمد بن المعتمد وعبدِ الله بن المعتز فيُوكل بهما في دارهما، قال: ولِمَ؟ قال: لأنَّ النَّاس قد ذكروهما لهذا الأمر، فقال المكتفي: فهل تكلَّم أحد منهما في شيء؟ قال صافي: ما علمتُ شيئًا، قال: فما ذَنْبُهما إن أَرْجف النَّاس بشيء لم يذكراه، فلا تعرَّضْ لهما، فإنَّهما قد ولدهما خليفتان.

стр. 7596

قال الصُّولي: وكان المكتفي تعرَّض لنا بشيء من ذلك، فحدَّثته يومًا حديث السَّفَّاح؛ وأنَّه استشار سعيدَ بن عمرو بن جَعْدة بن هُبَيرة أن يصيِّرَ العهدَ بعده إلى عمِّه عبد الله بن علي دونَ أخيه أبي جعفر، فقال له: يا أمير المؤمنين، كنتُ مع مَسْلَمة بن عبد الملك بالقسطنطينية، وجاءه خبر أخيه سليمان وولايةِ عمر بن عبد العزيز، فجَزعَ جزعًا شديدًا، فقلت: لا تجزعْ لموت أخيك، بل لخروج الخلافة عن ولدِ أبيك إلى ولد جدِّك، فأمسك أبو العبَّاس، وعهد إلى أخيه دون عمِّه، وذكرتُ له أنَّ داود بن علي عمَّ السفاح قال له: يا أمير المؤمنين، اعهدْ إلى رجل من بنيك ليَضبطَ هذا الأمر بعدك لئلا ينتشر؛ فإنَّ أمرنا قريب، فقال له أبو سلمة الخلال: ما لك ولهذا؟ هذا أمرٌ يَرى فيه أميرُ المؤمنين رأيَه، وما استعجالك كأنك طَمِعت فيها، والله ما لأحدٍ من أعمام أمير المؤمنين فيها حظٌّ ما دام من ولد أبيه محمد بن عليٍّ رجل حيّ، فاضْطَغَنها داودُ على أبي سلمة، ولم يزل يحتالُ في قتله حتَّى قُتل، فوافقت هذه الأخبارُ ما كان في نفس المكتفي، وخاف أن يخرج الأمرُ من ولد أبيه؛ فعهد إلى المقتدر كما ذكرنا (١). وقال ثابت بن سنان: لَمَّا ثَقُل المكتفي في علَّته، فكَّر العبَّاس وزيرُه فيمن يقلِّده الخلافةَ، فاستشار أرباب الدَّواوين؛ وهم: محمد بن داود بن الجرَّاح، وعلي بن محمد بن الفرات، وعلي بن عيسى بن داود بن الجرَّاح، ومحمد بن عبدون، فكان في كلِّ يوم يستشير واحدًا منهم، فأشار عليه محمد بن داود بعبدِ الله بن المعتز، وأمَّا ابن الفرات فقال: هذا شيءٌ ما جرت لي عادة بالدُّخول فيه، وإنَّما يشاوَر مثلي في أمر العمَّال، فغضب الوزير وقال: ليس هذا حقِّي منك (٢)؟ وألح عليه، قال: إن كان رأيُك تَقَرَّر على إنسان فأمضِه، قال ابن الفرات: فعلم أنِّي قد عَنيتُ ابن المعتز لاشتهار الخبر به، فقال: ما أريد إلَّا أن تَمحَضني النَّصيحة، قال: فقلت له: إذا كان الأمر على هذا فاتَّق الله، ولا تنصِّب في هذا الأمر مَنْ قد عرف دار هذا، وبستان هذا، وضَيعة هذا، وجارية هذا، ونعمةَ هذا، ومن قد لقي النّاس ولقوه، وعرف الأمور، وتحنَّك، وجرَّب، وتدرَّب.

стр. 7597

قال: فاستعاد العبَّاس ذلك مني مرارًا، ثمَّ قال لي: فبمن تُشير؟ فقلت: بجعفر بن المعتضد، ومَن تحكم عليه أولى بمن يحكم عليك، قال: فما أصنع بأمِّه وخالته وقَهارِمَتِه (١)؟ قلت: تُقيمهنَّ مقام حرمك؛ فإنَّهنَّ يرضينَ إذا أخرجتهنَّ من الضِّيق إلى السَّعَة، ويشكُرْنك على ذلك. ثمَّ شاور في اليوم الثالث عليَّ بن عيسى، واجتهد به أن يسمِّي له أحدًا، فامتنع وقال: ينبغي أن تتقي الله أيُّها الوزير وتنظرَ للدِّين، فمالت نفسُ العبَّاس إلى رأي ابن الفرات، ووافق رأيَه ما كان المكتفي يُسارُّ إليه من تقليد أخيه. وطلب المقتدر من دار ابن طاهر، فمضى صافي الحُرَميُّ فأحْدَره في حَرَّاقة، فاجتاز بدارِ الوزير، فصاحوا بالملَّاح: قدّمْ إلينا، فظنَّ صافي أنَّه قد بدا للوزير رأيٌ، فقال للملَّاح: إن قدمت قتلتك. ومضَوْا إلى القصر الحَسَني وبايعوه، وتمَّ أمرُه، فقلَّد حَجبتَه سَوْسَن مولى المكتفي، وأقرَّ على الشرطة محمدَ بن أحمد بن عَمْرويه الخُراساني، وأقرَّ القضاةَ بالحضرة، وأقرَّ أصحابَ الدَّواوين على ما هم عليه. قال الصُّولي: وقد اتَّفق للمقتدر ما لم يتَّفق لغيره من الخلفاء؛ ولده ستة؛ منهم: المعتضدُ، والمتوكِّل، والمعتصم، والرَّشيد، والمهديُّ، والمنصور، وأخوه خليفة وهو المكتفي، وقد فخر المأمونُ بثلاثة من الخلفاء الرشيدِ والمهديِّ والمنصورِ؛ لأنَّه لما هجاه دِعْبِل وقال: [من الكامل] شادُوا بذِكرِكَ بعد طولِ خُمولهِ … واستنقذوكَ من الحَضيضِ الأَوْهَدِ قال: قاتَلَه الله، ومتى كنتُ خاملًا وقد ولدني ثلاثةٌ من الخلفاء (٢)!؟ واستوزر المقتدر العبَّاس بن الحسن، وولَّى ابنَه على ديوان والدته وإخوته، وخلع على الجميع، وفرَّق أموالًا جليلة، ووَصَل النَّاسَ، ولم يكن مؤنس الخادم حاضرًا وقت البيعة؛ لأنَّ المعتضد كان قد أخرجه إلى مكَّة مُكْرَهًا، وكان في عَزْمه أن يُلحِقه

стр. 7598

بمصر كراهيةً له، فاستدعاه المقتدر، ورفع منزلتَه، وكان صافي الحُرَميُّ يشير على مؤنس بمباعدته عن المعتضد شفقةً عليه في الظَّاهر، وفي الباطن حسدًا لئلّا يشاركَه في الأمور، فلمَّا قدم شاركه، ومات صافي بعد بيعة المقتدر فاختصَّ مؤنس بالأمور كلِّها. وكان في بيت المال يومَ بُويع المقتدر خمسة عشر ألفَ ألف دينار، وأموالُ المعتضد وأثاثُه ودوابُّه، وزاد المكتفي أمثالها، ثمَّ كتب العبَّاس كتابًا إلى الآفاق ببيعة المقتدر، ووفاة المكتفي. وحجَّ بالنَّاس الفضلُ بن عبد الملك الهاشمي. وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن نوح ابن عبد الله، أبو إسحاق، المُزَكِّي، الحافظ، النَّيسابوريُّ. إمامُ عصره بنيسابور في معرفة الحديث والعِلَل والرِّجال والزُّهد والوَرَع، اجتمع بالإمام أحمد رحمة الله عليه، مِرارًا وذاكره، وكان الإمام أحمد يُثني عليه، وكان مُجابَ الدعوة، مَهِيبًا، متقلِّلًا، لم يكن له من الدُّنيا شيء سوى حانوت كان يُكريه في كلِّ شهر سبعةَ دراهم (١)، هي لمأكله ومَلْبَسه [ونوائبه]، ولم يقبل من أحدِ شيئًا، وكانت وفاته في رجب. سمع خلقًا كثيرًا منهم الإمام أحمد بن حنبل، رحمة الله عليه [وغيره]، وروى عنه خلقٌ كثير. [وفيها توفي] أبو الحسين أحمد بن محمد النُّوري بغداديُّ المَولد والمَنْشأ، [وأصله من] (٢) خُراسان من قرية بين هَرَاة ومَرْوالرُّوذ [يقال لها: يعسور، وقيل: بَغ؛ فلذلك كان يُعرف بالبَغوي، وقيل: اسمه محمد بن

стр. 7599

محمد. والأول أصحّ. قال السُّلمي:] وإنَّما سُمِّي النُّوري لأنَّه كان إذا حضر في مكان تنوَّر، وكان إذا دخل مسجد الشُّونيزيَّة ليلًا انقطع ضوءُ السِّراج، وإذا حضر مع أصحابه لا يؤذيهم برغوث (١). وكان أوحدَ وقته، صاحبَ لسان وحال، ولم يكن في وقته من مشايخ الصُّوفية أحسن طريقة منه، ولا ألطف كلامًا. وقال [الخطيب بإسناده عن] أبي أحمد المغازلي [قال:] ما رأيت أعبدَ من النُّوري، قيل له: ولا الجُنيد؟ قال: لا ولا الجنيد. وقال أبو جعفر الفَرْغانيُّ: مكث أبو الحسين النُّوري عشرين سنة يأخذ من بيته رغيفين، ويخرج ليمضيَ إلى السُّوق، فيتصدَّق بالرغيفين، ويدخل إلى مسجد فلا يزال يركع حتَّى يجيء وقتُ سُوقه، فإذا جاء الوقت مضى إلى السُّوق، فيظنُّ أستاذُه أنَّه قد تغدَّى في منزله، ويظنُّ مَنْ في بيته أنَّه قد أخذ معه غداءه، وإنَّه لصائم. [وقال السُّلَميُّ: كانت له قنينة تَسَع خمسة أرطال ماء؛ يشربها عند إفطاره في خمس ليالٍ. وروى الخطيب بإسناده عن] عمر النَّجَّار قال: دخل أبو الحسين إلى الماء ليغتسل، فجاء لصٌّ فأخذ ثيابه، فخرج من الماء فلم يجدْها، فرجع إلى الماء، وإذا باللِّصِّ قد جاء وقد يَبِست يدُه اليمنى والثِّيابُ معه، فوضعها بين يديه، فلبسها [أبو الحسن] وقال: يا سيِّدي، قد ردَّ عليَّ ثيابي فرُدَّ عليه يده، فأطلق اللهُ يدَه. [وروى الخطيب بإسناده إلى] أبي عمر الأنماطي قال: اعتلَّ النُّوري، فبعث الجنيد إليه بصُرَّة فيها دراهم، فردَّها عليه، واعتلَّ الجنيد، فعاده النُّوري وقعد عند رأسه، ووضع يده على جبهته، فعُوفي الجنيد من ساعته، فقال له النُّوريُّ: إذا عُدتَ إخوانَكَ فارفقهم بمثل هذا البِرِّ (٢)، [وذكرها ابن جهضم وقال:] إنَّ النُّوري لما عاد الجنيدَ قال لأصحابه: اقتسموا علَّته، فأدخلوا رؤوسهم في مرقَّعاتهم، ثمَّ أخرجوها، وعُوفي

стр. 7600

الجنيد، وجلس على فراشه وتحدَّث، فلمَّا قام النُّوري ليخرجَ، قام الجنيد يمشي معه مودِّعًا، فقال له النُّوري: يا أبا القاسم، إذا عُدتَ مريضًا فعُدْه كذا، وأصبح النُّوريُّ وأصحابُه مرضى. [وحكى عنه ابن خَميس في "المناقب"] قال: اعتلَّ النُّوريُّ والجنيد، فكتم النُّوري علَّته وأظهرها الجنيد، فقيل للنُّوريّ: لِمَ لمْ تخبرْ كما أخبر صاحبك؟ فقال: ما كنَّا لنُبْتَلى ببلوى فنُوقع عليها اسمَ الشكوى، ثمَّ أنشد: [من المجتث] إن كنتُ للسُّقم أهلًا … ما زلتَ للشُّكر أهلا عذِّب فلم يَبْقَ عضو … يقول للسُّقم مهلا (١) فبلغ الجنيد فقال: ما كنَّا شاكين، ولكن أردنا أن نكشفَ عينَ القُدرة فينا. وبلغ الشِّبليَّ فقال: [من مجزوء الخفيف] مِحْنَتي فيك أنَّني … لا أبالي بمِحنَتي يا شِفائي من السِّـ … قام ويا بُدوَّ عِلَّتي (٢) [وحكى في "المناقب" عن أبي العباس] بن عطاء قال: قال النُّوري: كان في نفسي من هذه الآيات شيء، فأخذتُ قصبةً ونزلت إلى الشَّطِّ، فوقفتُ بين زَوْرَقين وقلت: وعزَّتك لئن لم تُخْرج لي سمكةً ثلاثة أرطال لأُغْرقنَّ نفسي، فخرجت له سمكةٌ ثلاثة أرطال، وبلغ الجنيد فقال: كان من حُكمه أن تخرجَ له أفعى تلدغُه (٣). قال المصنِّف ﵀: الجنيدُ أشار إلى أنه تحكم على القدرة، ولو ظن أنَّه في حالة البَسْط لما قال ذلك. [وحكى أيضًا عن زيتونةَ خادمةِ النُّوري -وكانت تخدم الجنيدَ وأبا حمزة الصوفيَّ الخراسانيَّ وغيرَهم- جاءت يومًا إلى النُّوري ومعها خبزٌ ولَبن، وكان بين يديه كانون فيه فَحْم وهو يقلِّبه بيده، فجعل يأكل اللَّبن ويقلِّب الفحم، فسال سوادُ الفحم على يده
следующие страницы →