← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

الباب السابع عشر في خلافته (١) هو أبو محمَّد عليُّ بن أحمد المعتضد بن أبي أحمد الموفَّق ابن جعفر المتوكّل، وليس في الخلفاء المتقدّمين مَنْ كنيته أبو محمَّد إلَّا الحسن بن علي رضوان الله عليهما، وموسى الهادي، والمكتفي، وفي المتأخرين أبو محمَّد المستضيء، وليس فيهم من اسمه عليٌّ إلَّا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه والمكتفي. ولد في ربيع الآخر، وقيل: في رجب سنة أربع وستين ومئتين، وأمُّه أمُّ ولد تركية يقال لها خنجو (٢)، وقيل: ظَلوم، ولم تدرك خلافته، وكان أحسن الخلفاء صورة. ذكر بيعته: لمَّا اشتدَّ مرض المعتضد اجتمع القوَّاد والموالي والخدم في دار العامَّة وفيهم مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، ووصيف موشكير، والفضل بن راشد، ورشيق القاري، وغيرهم، وكان بدر بفارس، فقالوا للقاسم بن عبيد الله: خذِ البيعة، فقال: أمير المؤمنين حيٌّ، ولا آمَنُ إفاقتَه وقد أطلقتُ المال، فيُنكر عليَّ، فقالوا: إنْ منَّ الله تعالى على أمير المؤمنين بالعافية فنحن المحتجُّون والمناظرون دونَك، وإن صار الأمر إلى الأمير أبي محمَّد أعزَّ بالله فمن المُحال أن يلومنا ونحن نطلب الأمر له، فقال القاسم: رأيكم. وكان في عزمه أن يصرف الأمر إلى غير المكتفي، فلمَّا رآهم على هذا الرأي قال: افعلوا ما ترونه، فإنَّ الأموال والخلافةَ لأبي محمَّد بعد أمير المؤمنين، وقد أوصاني أمير المؤمنين بهذا. فأخذت البيعة بعد صلاة العصر من يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلةً بقيت من ربيع الآخر لأبي محمَّد علي، ولُقِّب المكتفي بالله، وأطلق مال البيعة للموالي وغيرهم، فأحضر القاسم أحمد بنَ محمَّد بن بسطام، وأولاد الخلفاء: عبد الله بن المعتزّ، وقُصيّ

стр. 7527

ابن المؤيَّد، وعبد العزيز بن المعتمد، وعبد الله بن الموفَّق، فأُخذت عليهم البيعة، ووكّل بهم في دار مؤنس (١). قال عبد الله بن المعتز: فسهرت ليلةً، وفكَّرت في نفسي وقلت: غدًا يَقدُم المكتفي فيقتلنا، ولنا اتِّصال برسول الله ﷺ ، فمرَّت بي وقتَ السَّحَر حَمامةٌ، فقلت: [من البسيط] يا نفسُ صَبْرًا لعل الخيرَ عُقباكِ … خانتْكِ من بعد طُولِ الأمْنِ دُنياكِ مرَّت بنا سَحَرًا طيرٌ فقلت [لها] … طُوباكِ يا ليتني إيَّاك طوباكِ لكنْ هو الدَّهرُ فالْقَيه على حَذَرٍ … فربَّ مِثلك تَنْزو بين أشْراكِ فأحببتُ أن أكون مثلها مُخَلَّيًا (٢). وسأل المكتفي عنَّا، فأُخبر بحالنا، فأطلَقَنا في السَّحَر، وأعطى كلَّ واحد منا ألفَ دينار، وقيل: إنَّ القاسم الوزير أطلقهم، وردَّهم إلى منازلهم مُكرَّمين لما دخل المكتفي، وأنفذ القاسم الأمور. وتوفِّي المعتضد ليلة الاثنين لثمان بقين من ربيع الآخر على خمس ساعات من الليل، وكان المكتفي بالرقَّة، فكتب إليه القاسم كتابًا في الحال يخبره أنَّه أخذ له البيعة قبل وفاة المعتضد، ثمَّ جدَّدها بعد ذلك، وقال في كتابه: وقد أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين، وفي بيوت الأموال عشرة آلاف ألف دينار، ومن الدَّراهم أضعافها، ومن الجواهر ما قيمته كذلك، ومن الأثاث والأمتعة والكسوة والفُرش أضعاف ذلك، ومن الخيل والدوابّ والجمال والبغال عشرون ألفًا، وذكر أشياء كثيرة. فكتب المكتفي: أمتعني الله بك أبا محمَّد -شرَّفه بالكنية- مَن كان موقعُه من دولتنا موقعَك، ومحلُّه فيها محلَّك من حمايتها وتأييدها والاجتهاد فيها يزيد من عزِّها وتمكينها، استحقَّ الحباء والكرامة، والسُّموَّ إلى أعلى المراتب، وقد أمرنا بتكنيتك بحضرتنا وفي مجالسنا؛ إظهارًا لموقعك منَّا، وحالك عندنا، ومستقرِّك من رأينا، على

стр. 7528

أنَّ ما فعلنا معك ونفعلُه إنَّما هو دون ما تستحقّه، ودون مالكَ من أنفسنا، فأظهِرْ كتابَنا هذا لمن بحضرتك من الخاص والعامّ؛ تعريفًا لهم بهذا الإنعام، والسلام. وقال الصُّولي: لما مات المعتضد تحرَّك الجند ببغداد قبل قدوم المكتفي من الرَّقَّة، فوضع القاسم الوزير فيهم العطاء فسكنوا، وأخذوا البيعة للمكتفي وسنُّه يومئذ خمس وعشرون سنة. وخرج المكتفي من الرَّقَّة يوم الجمعة بعد الصَّلاة، وجدَّ في السَّير، فتلقَّاه القاسم بالأنبار ومعه الناس، ووافى بغداد يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الأولى، ومرَّ بدجلة في سُماريّة، وهو جالس على سريرٍ، والوزيرُ بين يديه، والطَّيارات حوله، وكان يومًا عظيمًا حين وافى القصر الحَسني، وازدحم طيارُ مؤنس وطيَّارُ أبي عمر القاضي، فغرق أبو عمر بين الجسرين، ثمّ أُخرج سالمًا، وقيل للوزير: إنَّ أبا عمر قد غرق فاغتمَّ، فلما قيل له: قد نجا سالمًا سجد وقال: الحمد لله الذي لم يَفْجَعنا به (١). وقال الخطيب: ركب المكتفي من الرَّقَّة في الفرات، وأمر الجيش فوافَوه على البَرِّ، فدخل بغداد، فنزل قصر الخلافة، وجلس للبيعة والتَّعزية (٢)، فأنشده شاعر: [من الطويل] أجلُّ الرَّزايا أن يموت إمام … وأسنى العَطايا أن يقوم إمامُ فأُسقي الذي مات الغَمام وجاده … ودامت تحيَّاتٌ له وسلامُ وأبقى الذي قام الإلهُ وزاده … مواهبَ لا يَفنى لهنَّ دوامُ ودامت له الآمالُ واتَّصلت بها … فوائدُ موصولٌ بهنَّ تَمامُ هو المكتفي بالله يَكفيه كلَّ ما … عَناه برُكْنٍ منه ليس يُرامُ ثمَّ خلع المكتفي على القاسم الوزير سبعَ خِلع، وقلَّده سيفًا. وكان أوَّل ما فعل المكتفي في خلافته أنَّه أحضر إخوتَه، وضمَّهم إليه، وقبلهم، وعزاهم، ومنَّاهم، وهدم المطامير التي عَمرها أبوه، وجعل مواضعها مساجد، وكانت

стр. 7529

صلاة الجمعة لا تقام ببغداد إلَّا في جامع المنصور والرصافة، وكان أهل دار الخلافة يصلُّون في غير جامع، فبنى موضعَ المطامير المسجدَ الجامع في الرَّحْبَة عند باب العامَّة، واستقرَّت الصَّلاة في الجوامع الثلاثة إلى خلافة المتَّقي، وأمر بردِّ الدُّور والبساتين والحوانيت التي أخذها أبوه بباب الشمَّاسيَّة على أهلها، ولم يأخذ منهم أثمانَها، وفرَّق أموالًا جَليلة، وردَّ المَظالم، وسار في النَّاس سيرةً جميلة، فمالت قلوب النَّاس إليه، وكثرت له الأدعية. ومات عمرُو بن اللَّيث في غد اليوم الذي دخل فيه المكتفي إلى بغداد، ودُفن بالقرب من القصر الحسني. وقد كان المعتضد عند موته لمَّا امتنع من الكلام أمر صافيًا الحُرَميَّ بقتل عمرو، وأومأ إليه، وأشار بيده ووضعها على رقبته وعينه أن اذبح الأعور، وكان عمرو أعور، فلم يفعل صافي لعِلْمه بحال المعتضد وقُرب وفاته، فلمَّا وصل المكتفي ودخل بغداد سأل القاسمَ الوزير عن عمرو: أحيّ هو؟ قال: نعم، فسُرَّ بحياته وقال: أُريد أن أُحسِن إليه، وكان عمرو يُهدي إلى المكتفي وَيبَرُّه أيَّام مقامه بالرّي برًّا كثيرًا، فذُكر أنَّ القاسم كره ذلك، فدسَّ إلى عمرو مَن قتله. وفي رجب ورد الخبر إلى بغداد أنَّ جماعة من أهل الرَّيِّ كتبوا إلى محمَّد بن هارون الذي كان إسماعيل صاحب خُراسان بعثه لقتال محمَّد بن زيد العلويِّ وولاه طَبَرِستان، فخلع محمَّد بن هارون المكتفي، ولبس البَياض، وسأله أهل الرَّيِّ المصيرَ إليهم، وكان واليهم أوكرتُمش قد أساء السِّيرة فيهم، فصار محمَّد بن هارون إلى الرَّيِّ، فخرج عليه أوكرتمش فحاربه، فهزمه محمَّد وقتله، وقتل ابنَين له وقوَّادَه، ودخل الريَّ فاستولى عليها. وفي رجب زُلزلت بغداد زَلزلةً عظيمة، ودامت أيَّامًا. وفيها قُتل بدر المعتضدي، وسنذكره إن شاء الله تعالى (١). وفيها خُلع على أحمد بن محمَّد بن بسْطام، ووُلِّي آمِد وديار ربيعة.

стр. 7530

وفيها هبَّت ريح بالبصرة، فقلعت عامَّةَ نخلها، ولم يُسمع بمثل ذلك. وفيها ظهر بالشام يحيى بن زَكرويه، وجمع جموعًا كثيرة من الأعراب وغيرهم، فأتى دمشق. وبها طُغْج بن جُفّ من قبل هارون بن خُمارويه، فخرج إليه طغج، فكان بينهما وقعات كثيرة في آخر هذه السنة، وقيل: في أول سنة تسعين. والسبب في خروجه أنَّ زكرويه بن مهرويه داعية قرمط لمَّا رأى متابعة الجيوش من المعتضد إلى مَن بسواد الكوفة، وأنَّه أثخن فيهم القتل، ورأى أنَّهم لا طاقةَ لهم به، سعى في جماعة من الأعراب الذين يقربون من الكوفة من أسد وطيئ وتميم وغيرهم، ودعاهم إلى رأيه، وزعم أنَّ مَن بالسَّواد يوافقونهم على أمرهم إن استجابوا له، فلم يستجيبوا له. وكان جماعة من كلب وغيرهم يَخفِرون الطريق على السَّماوة فيما بين دمشق والكوفة على طريق تدمر وغيرها، ويحملون الرُّسل وأمتعة التجَّار على إبلهم، فأرسل زكرويه أولادَه إليهم، فبايعوهم وخالطوهم، وانتموا إلى عليِّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، وإلى [محمد بن] إسماعيل بن جعفر (١)، وذكروا أنَّهم خائفون من السُّلطان، وأنَّهم يلجؤون إليهم، فقبلوهم، ثمَّ دبوا فيهم بالدُّعاء إلى رأي القَرامطة، فلم يَقبل ذلك إلا قبيلةٌ من بني عَدي بن جَناب خاصة فقبلوهم، وبايعوهم في آخر هذه السنة بناحية السَّماوَة. وكان المشار إليه في القرامطة يحيى بن زكرويه، ويكنى أبا القاسم، ولقبه الشيخ، وزعم أنَّه أبو عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمَّد، وقيل: بل زعم أنَّه محمَّد بن عبد الله بن [محمد بن] إسماعيل بن جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين، وقيل: لم يكن لمحمد بن إسماعيل ابنٌ يسمَّى عبد الله، وزعم لهم أنَّ أباه المعروف بأبي محمود داعيةٌ له، وأنَّ له بالسواد والمشرق والمغرب مئة ألف تابع، وأنَّ ناقته التي يركبها مَأمورة، وأنَّهم متى اتَّبعوها في مسيرها ظَفروا، وأظهر عَضُدًا له ناقصًا، وذكر أنَّه آية.

стр. 7531

وانحاز إليه جماعةٌ من بني الأصْبَغ، وتسمَّوا بالفاطميين، ودانوا بدينه، فقَصَدوا الرُّصافة التي غربي الفرات وبها شبل الدَّيلمي (١) مولى المعتضد فقتلوه، وأحرقوا مسجد الرُّصافة، واعترضوا كلَّ قرية اجتازوا بها من أعمال الشام، وهزم كلّ عسكر لقيه من دمشق، حتَّى قُتل في السَّنة الآتية. وفيها كانت وقعة بين محمَّد بن هارون وأصحاب إسماعيل بن أحمد على باب الرَّي، وكان محمَّد في ثمانية آلاف، فكانت الدَّبْرة عليه، فانهزم إلى الدَّيلم في ألف رجل، واستجار بهم، ودخل أصحاب إسماعيل إلى الرَّيِّ. وصلَّى المكتفي بالنَّاس يوم عيد النَّحر بالمصلَّى، وكان بين يديه ألوية الملك، وترجَّل الملوك والأمراء والنَّاس، فلمَّا انصرف من المصلَّى وبلغ الحَلْبة والوزير القاسم بين يديه راكب دون النَّاس يسايره ويحادثه، ولم يُر خليفة يسايره وزيرُه ولا غيره في مثل هذا اليوم غير المكتفي. وحجَّ بالنَّاس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن عبيد الله بن العبَّاس بن محمَّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس. [فصل] وفيها توفي المُعتَضِد واسمه أحمد بن طلحة بن جعفر المتوكِّل بن المُعْتَصم بن الرشيد، وكنيتُه أبو العبَّاس، [وقد ذكرنا أنَّه] ولد في سنة اثنتين، أو ثلاث وأربعين ومئتين، [وقد ذكرنا وقائعه مع صاحب الزَّنج وشهامته وشجاعته وخلافته. ذكر طرف من أخباره: قد ذكرنا وقعة الطَّواحين، وذكره الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" وقال:] قدم دمشق لمحاربة خُمارَويه [بن أحمد بن طولون]، جهَّزه أبوه الموفَّق، فدخل من باب الفَراديس إلى الجامع، فأعجبه، وقال: مالي الدنيا [جامع] مثل هذا، ثمَّ سار إلى الرَّملة فواقع خمارويه، [وكان مع خمارويه خمسون ألفًا من المغاربة والبربر وغيرهم،

стр. 7532

فهزمهم إلى مصر، ثمَّ خرج سعيد الأعْسَر على المعتضد في الكَمين فهزمه، فأتى طَرَسُوس] (١). وقد ذكرناه. وذكره المبرِّد فقال: هو والله كما قال الأخطل: [من الكامل] تسمُو العيونُ إلى إمام عادلٍ … مُعْطى المَهابةِ نافع ضَرَّارِ وترى عليه إذا العيونُ رَمَقْنَه … سِيما الحَليم وهيبةَ الجبَّارِ (٢) وقال المسعودي [في "تاريخه"]: كان قليلَ الرَّحمة، وحكى عنه العجائب، منها أنَّه [قال:] كان إذا غضب على قائد أو على أحد من خواصِّه أو غلمانه أمر بأن تُحفر له حُفيرة، ثمَّ يُرمى فيها على أمِّ رأسه، ويُهال التراب على بعض جسده، ثمَّ يُداس وهو يراه، حتَّى تخرج روحه من دُبُره، وكانت له سياسة عظيمة (٣). [حديث اللصوص الذين نزلوا المَقْثَأة: ذكرها القاضي علي بن المُحَسِّن التنوخي (٤) بإسناده إلى أبي محمَّد] عبد الله بن حَمْدون قال: خرج المعتضد في عسكره للصيد، فنزل إلى جانب مَقْثأة وأنا معه، فصاح ناطور المقثأة، فقال: عليَّ به، فأُحضر بين يديه، فسأله عن صياحه فقال: ثلاثة من الغلمان نزلوا المقثأة فأخربوها، فقال: أتعرفهم؟ قال: نعم، قال: اذهب فانظرهم، فذهب إلى العسكر فرآهم فعرفهم، فأتى بهم بين يديه، فحبسهم، فلمَّا كان في وقت السَّحر أخرجهم فضرب أعناقهم في المقثأة. قال [أبو محمَّد] عبد الله [بن حمدون:] ثمَّ قال لي بعد أيام: يا عبد الله، ما يُنكر عليَّ النَّاس؟ قلت: لا شيء، فقال: بالله إلَّا صَدَقْتني، فقلت: إسرافُك في الدِّماء (٥)، فقال: والله ما سفكتُ دمًا حَرامًا [قط] منذ ولِّيت الخلافة إلا بحق، قلت: فلِمَ قتلتَ أحمد بن الطَّيِّب وكان خادمَك؟ فقال: دعاني إلى الإلحاد فقلت: أنا ابن عمِّ رسول الله

стр. 7533

ﷺ صاحبِ الشريعة، وأنا قائمٌ مقامه، أُلحد حتَّى أتبرَّأ منه؟! فقلت: فالثلاثة نزلوا المَقثأة؟ فقال: والله ما قتلتُهم، والذين قتلتُهم كانوا لصوصًا قد قَتلوا، أخرجتهم في الليل فقُتلوا، وأطلقت أولئك. [ذكر قتله الأسد: حكى القاضي التنوخي بإسناده إلى] خَفيف السمَرْقَنديّ [مولى المعتضد] قال: خرجتُ مع المعتضد في بعض مُتَصيَّداته وقد انقطع عنَّا العسكر، وليس معه غيري، فخرج علينا أسد فقَصَدَنا، فقال المعتضد: يا خفيف، أفيك خير؟ قلت: لا، قال: ولا تُمسك فرسي حتَّى أنزل أنا إليه؟ قلت: بلى، فنزل وأعطاني فَرسه، وشدَّ أطراف قَبائه في مِنطقته، واستلَّ سيفه، ورمى بالقُراب إليَّ فأخذتُه، وأقبل يمشي إلى الأسد، وقصده الأسد وحمل عليه، حتَّى إذا قرب منه وثب عليه، فتلقاه المعتضد بسيفه فقطع يده فطارت، فتشاغل الأسد بالضربة، فثنَّاه أخرى ففلق هامته، فخرَّ صَريعًا، فمسح السَّيف في صوفه وقد مات، ثمَّ رجع إليَّ فأخذ الغمد فأدخل السَّيف فيه، ثمَّ ركبنا وقصدنا العسكر، وصحبته إلى أن مات، فما سمعته يذكر الأسَد بلفظه، فلا أدري من أي شيءٍ أعجب من شجاعته وشدَّته، أم من قلَّة احتفاله بما صنع حتَّى كتمه، أم من عفوه عنِّي؛ فما عاتبني على ضنِّي بنفسي (١)؟! [حكاية تدلُّ على عفَّته: قال الخطيب بإسناده إلى] إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: دخلتُ (٢) على المعتضد وعلى رأسه أحداثٌ صِباحُ الوجوه رومٌ وتُرْكٌ وغيرهم، فجعلت أتأملهم ففطن، فلما أردت القيام قال: اقعد، فقعدتُ، فلمَّا خلا المجلس قال: يا قاضي، والله ما حَلَلتُ سراويلي على حرام قطُّ. [ذكر قصَّته مع العبد الأسود: ذكرها] القاضي التنوخي بإسناده قال (٣): كان المعتضد يومًا جالسًا في بيت له

стр. 7534

يشاهد الصُّنَّاع يبنون، فرأى [في] الفَعَلة غلامًا أسودَ، مُنكَر الخَلْق، شديدَ المرَح، يصعد على السلالم مِرْقاتين مرقاتين، ويحمل أضعافَ ما يحمله غيره، فأنكر ذلك، وقال لابن حمدون: أيّ شيءٍ يقع لك في أمره؟ فقال: ومَن هو هذا حتَّى صرفتَ فِكرَك إليه؟ ولعله لا عيال له، فهو خالي القلب، فقال المعتضد: قد خمَّنتُ فيه تخمينًا إمَّا أن يكون معه دنانير قد ظَفِر بها، أو يكون لصًّا يتستَّر بالعمل في الطِّين. فأحضره وقال: مَقارع، فضُرب مئةَ مَقْرَعَة، فلم يُقرَّ بشيءٍ، فقال: عليَّ بالسَّيف والنِّطع، وقال: اضربوا عُنُقه، فقال الأسود: أنا آمِن؟ فقال: نعم، إلا ما كان فيه حدٌّ، فلم يفهم ما قال، وظنَّ أنَّه قد أمَّنه، فقال: كنتُ أعمل في أتاتين (١) الآجر مدَّة، فمرَّ رجل، وحلَّ من وَسَطه هِمْيانًا، وأخرج منه دنانير، ثمَّ شدَّه، فقمتُ إليه فكتَّفْتُه، وسَدَدْتُ فاه، وألقيته في نُقرة الأتُّون وطينتُه، فلما كان بعد أيام أخرجتُ عِظامَه، وطرحتُها في دجلة، والدّنانير معي أتقوى بها. فأمر المعتضد بحلِّ الهِميان من وسطه، فحُلَّ، وإذا اسمه عليه مكتوب، فنودي في البلد باسمه، فجاءت امرأتُه ومعها طفلٌ صغير، فقالت: زوجي، وهذا ابني منه، وإنَّه خرج من عندي يوم كذا وكذا ومعه هِمْيان فيه ألفُ دينار، فغاب إلى الآن، ولا أدري ما فُعل به، فأعطاها الهِمْيان، وأمرها أن تعتدَّ، وضرب عنق الأسود. [حديث الغلام: حكى القاضي التنوخي عن أبيه قال:] قام (٢) المعتضد ليلة لحاجة له، فرأى بعض الغلمان [قد نهض عن ظهر غلام، ومشى على أربع حتَّى اندسَّ بين الغلمان] فجاء المعتضد، فجعل يضع يده على صدر واحد واحد، إلى أن وضع يده على صدر ذاك الغلام، فرأى فؤادَه يخفق خَفَقانًا شديدًا، فركضه برجله فقعد، فقال: وَيحك ما صنعتَ؟ فأنكر، فدَعى بآلة العقوبة، فأقرَّ، فقتله. [حديث الصياد: حكى القاضي المحسّن أيضًا قال: بلغنا أن خادمًا من خدم المعتضد جاء يومًا

стр. 7535

فأخبره] أنَّه (١) كان قائمًا على دجلة، فرأى صيادًا قد طرح شبكتَه، فتعلَّقت بشيءٍ ثقيل، فأخرجها، وإذا بجراب، فظنَّه مالًا، وإذا فيه آجُرّ وبين الآجر كف مخضوبة بالحِنَّاء، فتحيَّر المعتضد وقال: قل للصيَّاد يَطرح الشَّبَكة، فطرحها، فخرج فيها جراب فيه رِجْل، ورمى الشبكة فلم يخرج شيءٌ، فتحيَّر المعتضد وقال: إنَّا لله، معي في البلد مَنْ يَقتل النَّاسَ ويقطِّع أعضاءهم؟! ما هذا مُلْك. وأقام يومه مَغمومًا لم يَطْعم طعامًا، واستدعى برجلٍ لا يُؤبه إليه، وأعطاه الجراب فارغًا، وقال له: طُفْ به في البلد على كلِّ من يعمل الجُرُب، وابحث عنه، فأخذه الرجل، وغاب ثلاثة أيام، وعاد فأخبره أنَّه طاف الدَّبَّاغين وأصحاب الجُرُب حتَّى عرف صانعه، وأنَّه سأله عنه، فقال: نعم، اشتراه منِّي عَطَّارٌ بسوق يحيى، وأنَّه اشتراه منه ومعه عشرة جُرُب، [وهو] فلان الهاشميّ من ولد المهديّ، عظيم إلا أنَّه أشرُّ النَّاس وأفسدُهم لحريم المسلمين، وما في البلد مَن يُنهي خبرَه إلى المعتضد؛ خوفًا من شرِّه وتمكّنه من الدّولة والمال والجاه، فلم يزل يحدّثني حتَّى قال: وحسبُك أنَّه كان يَعْشَق فلانة المغنّية جارية فلانة المغنّية، وكانت كالدِّينار المنقوش، وكالقمر الطَّالع، وكانت قد باعتها بألف دينار، فبعث إليها بدنانير عن حقّ ثلاثة أيام، وقال: لا أقل من [أن] أودّعها، فلما صارت إليه غيَّبها، وادَّعى أنَّها هربت من داره، فلم يُعرَف لها خَبَر، وقال الجيران: إنَّه قتلها، وقد أقامت عليها مولاتها المأتم، وكلَّما جاءت إلى بابه شتمها وضربها. فلمَّا سمع المعتضد هذا سجد شكرًا لله حيث انكشف له الأمر، وأرسل إلى الهاشميِّ فأحضره وستّ الجارية، وأخرج اليد والرّجْل، فلمَّا رآها الهاشميُّ امتُقع لونُه، وأيقن بالهلاك، فقال: اقتلوه، فكلَّمه فيه الوزير عبيد الله وقال: الحبس، فحبسه، وأغرمَه ثمنَ الجارية، ودفعه إلى ستِّها، واستأصله وباع عقاره، فلا يُدرى هل قتله أم مات في الحبس؟!.

стр. 7536

[ذكر قصَّة المعتضد مع القَطَّان: وهي من أحسن ما يُسَطَّر، حكاها القاضي المُحَسِّن عن أبيه بإسناده عن القاضي أبي عليٍّ] الحسن بن إسماعيل بن إسحاق (١) وكان ينادم المعتضد، قال: بينا المعتضدُ في مجلس سرور إذ دخل بدر فقال: يا مولاي، قد أحضرنا القطَّان الذي من بِرْكة زُلْزُل، فنهض المعتضد من مجلسه، ولبس قَباءً، وأخذ بيده حَرْبة، وقعد على كرسي، وبيننا وبينه ستارة نشاهده من ورائها، وأُدخل شيخٌ ضعيف، فصاح عليه بصوتٍ عالٍ ووجهٍ مُغْضَب: أنت القطَّان الذي قلتَ بالأمس ما قلت؟ فأُغمي عليه من الخوف، ثمَّ أفاق، فقال له: وَيلَك، تقول في سوقك: ليس للمسلمين مَن ينظر في أمورهم، فأين أنا؟ وما شغلي غير ذلك؟ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، أنا رجل قطَّان أعيش من القُطْن الذي أعامل به النساء، ولا تمييز على مثلي فيما يَلْفِظ به، وإنما اجتاز بي رجلٌ ابتعتُ منه قطنًا، وكان ميزانه ناقصًا، فقلتُ ما قلت، وإنَّما عنيتُ به المُحْتَسِبَ علينا لا أميرَ المؤمنين، فقال له المعتضد: آالله إنَّك أردتَ المحتسب؟ قال: أي والله، قال: انصرف فلا بأس عليك. ثمَّ أحضر المحتسب في الحال، ونال منه، [وأمره] بالكشف عن الموازين لئلَّا يبخس النَّاس، وتوعَّده وشدَّد عليه، [ثم عاد المعتضد إلى مجلسه وهو يضحك وقد غير لباسه،] وعاد إلى ما كان عليه. قال الحسن بن إسماعيل: فقلت [له]: يا مولاي، قد عرفتَ فضولي، أفتأذن لي في القول؟ فقال: قل، فقلت: كنتَ على أكمل مَسَرَّة، فتركتَ ذلك، وشغلتَ الزَّمان بخطابِ رجلٍ من السُّوقة، قد كان يكفيه أن يؤدبه بعض الرَّجَّالة، ثمَّ لم يكْفِكَ ذلك حتّى غيَّرتَ لباسَك، ولبستَ سلاحَك، وناظرتَه بنفسك! فقال: يا حسن، أنت تعلم ما يجرُّه هذا القول إذا تداولتْه الألسنة، ووعتْه الأسماعُ، وحصل في القلوب، فربَّما أخرج العوامّ ذلك إلى المخالفة، وخلعِ الطَّاعة، وإثارة الفتنة، وإفساد النظام، وليس شيءٌ أبلغ في قطع هذه الأسباب وحسم موادها من إزالة دواعيها، وقد طارت روحُ هذا

стр. 7537

القطَّان من الخوف، وسيحدِّث بما جرى العامَّةَ، ويزيد فيه، ويسمع الناسَ ما تقدَّمنا به إلى المحتسب، وما نحن عليه من النَّظر في أمور الرعيَّة، فتكفُّ العامَّة ألسنتَها عنَّا، وتقوم الهيبة في نفوسها، ويكون ما تكلَّفتُ من هذا القليل قد كفاني مُؤنة التَّعب في الكثير، [قال:] فدعونا له. [حديث المعتضد مع الملَّاح: حكى القاضي المحسّن عن أبيه، عن الحسن بن محمَّد الصّلحي قال: حدَّثني أحد خُدَّام المعتضد قال:] كان المعتضد (١) يومًا نائمًا نصف النَّهار فصاح: يا غلمان، انزلوا الشَّطَّ، فأوَّل ملَّاح ترونه مُنحَدِرًا فأتوني به، فنزلوا، وإذا بملَّاح مُنْحَدر إلى واسط وسفينتُه فارغة، فأحضروه بين يديه، فقال له: حدِّثني حديث المرأة، فتلكَّأ عليه، فقال له: اصدق، فقد عرفتُ حالها، فقال: يا أمير المؤمنين، نزلتْ معي اليوم وقتَ السَّحَر امرأةٌ جميلة، وعليها ثياب لها قيمة وحليّ، فطمِعْتُ فيها، فغرَّقْتُها وأخذتُ ما كان عليها، وقلتُ أذهب إلى واسط فأعيش فيه، فقال: أحضِر الثّيابَ والحلي، فأحضره، ثمَّ نادى في بغداد على المرأة، فجاء أهلُها، فأعطاهم الثّياب والحليّ، وغرق الملَّاح ونادى: لا ينزل أحدٌ مع ملَّاح حتى يطلع النَّهار، فقال له بعض الخدم: يا مولاي، أُوحي إليك؟ قال: لا، ولكن رأيتُ في منامي الساعة شيخًا أبيض الرأس واللحية يقول: يا أحمد، أوّل ملَّاح ينحدر السَّاعة اقبض عليه، وقرِّرْه على المرأة التي قتلها، وأقِمْ عليه الحدَّ، فكان ما رأيتم. [حديث الخيّاط:] حكى القاضي المحسِّن أنَّ بعض التُجَّار كان له على بعض القُوَّاد دَين، فمطله مدَّة ولم يعطه شيئًا، فقال له بعض معارفه: فأين أنت من فلان الخيَّاط؟ فقال: وما يصنع الخيَّاط بالقائد؟! فقال: بلى، قم بنا إليه. فجاء به إلى الخيَّاط، وكان في مسجد يَخيط الثياب ويُقرئ القرآن، فقصَّ عليه القصَّة، فنهض معه إلى القائد، فأكرمه واحترمه وقام إليه، فقال: هل من حاجة؟ قال:

стр. 7538

نعم، هذا الشيخ تُعطيه ماله، فقال: إي والله، معي بعضُه ويصبر بالبعض، فأخذ ما كان معه وخرجوا، فقال التاجر للخياط: قد تفضَّلتَ [عليّ] وأنعمتَ، فأخبرْني ما سببُ انقياد هذا الظالم لك؟ فقال: أنا منذ أربعين سنة أُقرئ القرآن في هذا المسجد وأخيط، وليس بيني وبين أحد أمر، صلَّيت المغرب ليلةً، وخرجتُ أريد بيتي، وإذا بتركي قد تشبَّث بامرأة طويلة جميلة وهو سكران، وهو يسحبها إلى داره، وهي تبكي وتقول: قد حلف زوجي بالطلاق أنَّني لا أبيت إلا في داري، وإنَّما خرجت إلى الحمام. [قال:] فتقدَّمتُ إليه وسألتُه فيها، فضربني بدَبّوس فشجَّ رأسي، وأدخلها إلى داره قهرًا، فأتيتُ المسجد، فصليتُ العشاء الآخرة، وقلت لأصحابي: قوموا بنا نخلِّصِ المرأة، فأتينا باب داره، فخرج هو وغلمانه فضربونا ضربًا شديدًا كدتُ أموت، وحملوني إلى بيتي فلم أقدر على النّوم، وفكَّرت في أمر المرأة وطلاقِها، فصعدتُ إلى المنارة التي في المسجد وقلت: أؤذن فالتركي ما يعرف الوقت -وكانت داره قريبة من المسجد- فلعلَّه أن يخرجها قبل الفجر، فأذَّنتُ نصف الليل ونزلتُ، فجلستُ على الطريق أنتظر خروج المرأة، وإذا بالشارع قد امتلأ خيلًا ورَجِلًا ومشاعل، فقالوا: من أذَّن الساعةَ؟ فقلت: أنا، فحملوني وأدخلوني على المعتضد، وهو جالس والشمع على أنصافه (١)، فقال: أنت أذَّنت الساعة؟ قلت: نعم، فقال: ما حملك على أن تَغُرّ النَّاس [بأذانك] في هذا الوقت؟ فقصصتُ عليه القصَّة، وأريتُه الآثارَ التي في وجهي ورأسي وبدني، فقال: يا بدر، الساعة تحضر المرأة والتركي فحضرا، فسألها [المعتضد] عن حالها، فذكرت له مثل ما ذكرتُ له، فقال لبعض الخدم: امض معها إلى زوجها، وقيل له يحسن إليها ولا يفارقها، ثمَّ قال للتركي: كم عطاؤك في كلِّ شهر؟ فقال: كذا وكذا، فقال: أما كان لك ما يُغنيك عن هتك محارم الله حتَّى وثبتَ على هذا الشيخ الصَّالح، وفعلتَ به هذا الفعل حيث أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر؟ ثم قال: جَوالِق (٢) ومَداقّ الجَصّ. فقيد التركيَّ وجعله في الجوالق، وأمر الفرَّاشين فدقُّوه حتَّى فتَّتوا عظامه، ثمَّ رمى به في دجلة، وقال: يا شيخ، متى ما رأيت مُنكرًا قل أو أكثر فالعلامة بيننا الأذان في مثل ذلك [الوقت].

стр. 7539

وشاع الخبر في الجند وغيرهم، فما سألتُ أحدًا منهم إنصافًا أو كفًّا عن القبيح إلا وأطاعني (١). حديث الخادم: ذكر الحافظ ابن عساكر عن القاضي أبي عمر محمَّد بن يوسف قال: قدم خادم (٢) من وجوه خدم المعتضد إلى أبي في حكومة، فارتفع في المجلسِ على خصمه، فأمره الحاجب بموازاة خَصمه فلم يفعل؛ إدْلالًا بمحلِّه من الدَّولة، فصاح عليه أبي وقال: قِفاه، يا غلام، اذهب بهذا العبد إلى النَّخَّاس، فبعه واحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين، فأخذ الحاجب بيده وسوَّاه مع خصمه وحكم عليه، فجاء إلى الخليفة وبكى بين يديه، وقال: فعل بي وفعل، فصاح عليه المعتضد وقال: والله لو باعك لأَجَزْتُ بيعَه، ولما رَجَعتَ إلى ملكي أبدًا، وليست خصوصيتك بي مما يزيل مرتبة الحكم، فإنَّه عمود السلطان وقوام الأديان (٣). وقال عبيد الله الوزير: كنت ليلة عند المعتضد وغلام بيده المَذَبَّة يروح عليه، فنَعِس الغلام، فأصاب بالمذبَّةِ قَلَنْسُوةَ المعتضد، فوقعت من رأسه، فقال له: اذهب واسترح. وغُصْتُ والله في الأرض خوفًا من هيبته فقلت: والله يا أمير المؤمنين، ما سمعتُ بمثل هذا الحِلْم، فقال: وهل يجوز غير هذا؟ إنَّ هذا البائس لو دار في خَلَده ما جرى لذهب عقلُه، وتَلِفَت نَفْسُه، وقد طال تَعبُه ونُعاسه، وإنَّما يلحق الإنكارُ المتعمِّدَ لا الخاطئ ولا الساهي، ثمَّ زاد في عدد غلمانه برسم المذبّة. [حديث المعتضد مع المجوسي:] قال محمَّد بن عبد الملك: أراد المعتضد تجهيز جيش، فعجز عليه بيتُ مال العامَّة، فأُخبر بمجوسيٍّ له مال عظيم، فاستدعاه وقال: تقرضني كذا وكذا من المال وأُعيده إليك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا ومالي بين يديك، فقال: كيف وثقْتَ بنا أننا نردُّ

стр. 7540

إليك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ الله قد ائتَمَنَك على عباده وبلاده، تؤدِّي الأمانة، وتُفيض العَدْل، وتحكم بالحق، أفلا أأتمنك أنا على جزء من مالي؟ فدمعت عيناه وقال: انصرف فقد وفَّر الله عليك مالك وأغنانا عن القرض منك، ومتى كانت لك حاجة فحِجابُنا مرفوع عنك [ولم يقترض منه شيئًا]. وقال محمَّد بن حَمْدون: خرج (١) المعتضد يومًا فعسكر بباب الشماسية، ونهى أن يأخذ أحدٌ من بستان أحدٍ شيئًا، فأتي بأسود قد أخذ عَذْقًا من البُسْر، فأمر بضرب عُنقه، ثمَّ التفت إلى أصحابه وقال: تقول العامَّة: ما في الدنيا أقسى قلبًا من الخليفة، ولا أقلَّ دينًا منه، والنبيُّ ﷺ يقول: "لا قَطْع في كَثَرٍ ولا ثَمَر (٢) " وما رضي بقطعه حتَّى قتله، والله ما قتلتُه بهذا السبب، ولكن لي مع هذا الأسود قصَّة عجيبة. استأمن هذا الأسود إلى أبي من عسكر الزَّنج، فخلع عليه أبي ووصله، وقصد أن يستميل به الزَّنج، فرأيتُه يومًا وقد نازع رجلًا في شيء، فضربه بفاس فقتله، فأهدر أبي دمَ المقتول، وأطلق الأسود ليتألَّف به الزَّنج، فاغتظتُ، وقلت: ترى أتمكّن من هذا الأسود وأنفذ حكم الله فيه، وطلبتُه فلم أقدر عليه، ووالله ما وقعت عيني عليه إلا في هذه الساعة، فقتلته بذلك الرجل (٣). ذكر ما عُزي إليه من الأشعار: ومنها: [مجزوء الرمل] غَلَب الشَّوقُ رُقادي … مثل غلْبي للأعادي ها هنا جسمي مُقيمٌ … وببغدادَ فؤادي أملكُ الأرض ولكن … تملكُ الخَودُ قيادي هكذا كلُّ مُحِبٍّ … باع نومًا بسُهاد (٤)

стр. 7541

وقال في جارية تُوفّيت له: [من السريع] لم أبكِ للدَّار ولكنْ لمن … [قد] كان فيها مرَّةً ساكنا فخانني الدَّهرُ بفقدانِهِ … وكنتُ من قبلُ له آمنا ودَّعتُ صَبري عند توديعه … وبات قلبي معه ظاعِنا فقال له عبيد الله الوزير: يا أمير المؤمنين، مثلُك تهون عليه المصائب؛ لأنَّك تجد لمن كان فقيدًا خَلَفًا، وتقدر على ما تريد، والعوض منك غير موجود، وقد قال الشاعر: [من البسيط] يُبكى علينا ولا نبكي على أحدٍ … إنَّا لَأغلظُ أكبادًا من الإبلِ قال أبو عُبيد: الإبل لا توصف بغِلَظ الأكباد، وقد غلط النَّاس في هذا، بل توصف بالرِّقة والحنين. قال المصنف ﵀: هب أنَّ الفاقد وَجَد، فأين قول القائل حيث قال: [من البسيط] لي حُسْنُ عَهْدٍ فلو أنِّي رُدِدْت إلى … شبيبتي لبكيتُ الشَّيب ألوانا وقال ابن المعتزّ يرثي هذه الجارية: [من الخفيف] يا إمامَ الهدى بنا لا بك … الغمُّ وأفنيتَنا وعِشْتَ سَليما أنتَ علَّمتَنا على النِّعم الشُّكرَ … وعند المصائب التَّسليما فاسلُ عمَّا مضى فإنَّ التي كا … نت سرورًا صارت ثوابًا عظيمًا قد رَضينا بأنْ نموتَ وتحيا … إنَّ عندي في ذاك حَظًّا جَسيما مَنْ يَمُت طائعًا لديكَ فقد أُعْطي … فوزًا ومات موتًا كريما وللمعتضد فيها: [من مجزوء الرمل] يا حَبيبًا لم يكن … يَعْدِلُه عندي حَبيبُ أنتَ من عيني بعيدٌ … ومن القلب قريبُ ليس لي بعدَكَ في … شيءٍ من الدُّنيا نَصيبُ لكَ من قلبي على قُلْبي … وإن بِنْتَ رقيبُ لو تراني كيف لي … بعدَك عَوْلٌ ونَحيبُ

стр. 7542

وفؤادي حَشْوه جَمْرٌ … يُذكِّيه لَهيبُ ما أرى نفسي وإنْ … طيَّبْتُها عنك تطيبُ ليَ دمعٌ ليس يعْصيـ … ـني وصَبرٌ ما يُجيبُ (١) وقال لمَّا كان على آمد: [من المتقارب] مُقيمٌ بآمِدَ ذي غُربةٍ … قليلُ الرُّقاد كثيرُ الألَمْ وكيف يَلَذُّ لذيذَ الرُّقادِ … أخو فِكرةٍ قلبُه مُقْتَسَمْ إذا ما تَنبَّه من رَقْدةٍ … لما في الحشا من جَوى لم يَنَمْ وقال أَيضًا حيث يقول: [من المنسرح] يَا لاحظي بالفُتورِ والدَّعَجِ … وقاتلي بالدَّلالِ والغَنَجِ أشكو إليك الذي لَقيتُ من الـ … ـوجْد فهل لي لديكَ من فَرَجِ حَلَلْتَ بالظَّرْف والجمال من النـ … ـناسِ محلَّ العيون والمُهَجِ وقال لجلسائه: أرِقْتُ الليلة وقد قلت: [من الطَّويل] ولمَّا انتبَهْنا للخيال الذي سَرَى فأجيزوه، فقال ابن العلَّاف الشَّاعر: إذِ الأرض قَفْرٌ والمَزارُ بعيدُ وهو من أبيات أولها: سَرى طَيفُ سُعدى طارِقًا فاستَفَزَّني … سُحَيرًا وصَحْبي بالفلاة رُقودُ فلمَّا انتبهنا للخيال الذي سرى … إذِ الأرضُ قَفْرٌ والمزارُ بعيدُ فقلت لعيني عاودي النَّومَ واهجعي … لعلَّ خيالًا طارِقَّا سَيعودُ (٢) ذكر وفاته: كان المعتضد (٣) قد أمر بإخراج النَّاس من دورهم وحوانيتهم بباب الشمَّاسيَّة، وأنْ يأخذ النَّاسُ أنقاضَهم، وعزم أن يبني هناك قصرًا ودورًا لأصحابه، فدعا النَّاسُ عليه،

стр. 7543

واتَّفق مرضه فاشتغل عن ذلك. وسبب وفاته غلبة اليَبس (١) من كثرة الجماع، فكان الأطبَّاء يأمرونه بما يرطِّب مَعِدته، فكان يُريهم أنَّه يحتمي، فإذا خرجوا من عنده أحضر الزيتون والخبر والصِّحناة والسمك فأكل، فلم يزل كذلك حتَّى سقطت قوَّتُه. وقيل كان (٢) إسماعيل بن بُلبل قد سمَّه خوفًا منه، فما زال السُّمُّ يجري في بدنه، واتّفق عصيان وصيف الخادم بطَرَسُوس، فخرج من بغداد في شدَّة القبض لا يَلوي على شيء حتَّى نزل طرسوس، وعاد وقد نَحِل جسمه. وقيل: سمَّته جارية في منديل أعطته إياه ليتمسَّح به. وقال المسعوديُّ: شكُّوا في موته، فتقدَّم إليه بعض الأطباء فجسَّ نَبْضَه، فرفَسَه برجله فألقاه أذْرُعًا، فمات الطبيب، ومات المعتضد من ساعته (٣). وكانت وفاته بقصره الحسني (٤) ليلة الأحد لسبع بقين من ربيع الآخر [سنة تسع وثمانين ومئتين] على خمس ساعات من الليل، وقيل: لثمانٍ بقين منه. وأوصى أن يُدفن في دار محمَّد بن طاهر، وهو الحريم الطَّاهري اليوم في الجانب الغربي من بغداد، فدُفن بدارٍ [تعرف بدار] الرُّخام، وقبره بها اليوم، وغسَّله أَحْمد بن شَيبة. وأوصى أن يحضر جنازته الأكابر، فحضر الوزير القاسم، والقضاة أبو خازم، ويوسف بن يعقوب وهو الذي صلّى عليه، وحمل من قصره الحسنيّ ليلًا إلى دار ابن طاهر. [وحكى الخَطيب عن] صافي الحُرَمي قال: كفَّنته (٥) في ثوبين أبيضين قيمتهما ستة عشر قيراطًا.

стр. 7544

وقال وصيف خادمُه: سمعتُه يقول عند موته: [من الطَّويل] تمتَّع من الدُّنيا فإنَّك لا تبقى … وخُذْ صَفْوها ما إنْ صَفَتْ ودَعِ الرَّنْقَا ولا تأمَنَنَّ الدَّهرَ إنِّي أمِنتُه … فلم يُبْقِ لي حالًا ولم يَرع لي حَقّا قتلتُ صَناديدَ الرِّجال فلم أدَعْ … عَدوًّا ولم أُمهِلْ على ظِنَّةٍ خَلْقا وأخليتُ دور المُلْك من كلِّ بازِلٍ … وشَتَّتهم غربًا ومزَّقْتُهم شَرْقًا فلما بلغتُ النَّجمَ عِزًّا ورِفعةً … ودانت رقابُ الخلقِ أجمع لي رِقَّا رماني الرَّدى سَهْمًا فأخْمَد جَمْرتي … فها أنا ذا في حُفرتي عاجلًا مُلْقى فأفسَدْتُ دُنياي وديني سَفاهةً … فمَنْ ذا الذي منِّي بمَصْرَعِه أَشْقى فيا ليت شِعري بعد موتيَ ما أرى … إلى نعمةٍ لله أم ناره ألقى وكانت سنه يوم مات سبعًا وأربعين سنة، وقيل: خمسًا أو ستًّا وأربعين سنة وأشهرًا وأيامًا، وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وقيل: ويومين، وقيل: وخمسة أيام، وقيل: عشر سنين وتسعة أشهر. ورثاه عبد الله بن المعتز (١) فقال: [من البسيط] أستغفر الله هذا كلُّه قَدَرٌ … رَضيتُ بالله ربًّا واحدًا صَمدا يَا ساكنَ القبر في غَبْراءَ مُظلمةٍ … بالطَّاهرية نائي الدَّارِ مُنْفَردا أين الجيوشُ التي قد كنتَ تَصْحَبها … أين الكنوزُ التي أحصيتَها عَددا أين السَّرير الذي قد كنتَ تملؤه … مَهابةً مَن رأتْه عينُه ارتَعدا أين الأعادي الأُلَى ذلَّلْتَ صَعْبَهمُ … أين اللُّيوثُ التي صيَّرتَها نَقَدا (٢) أين الوفودُ على الأبواب عاكفةً … يَرجون فَضْلَكَ ما يأتي وما اطَّردا أين الجيادُ التي حجَّلْتَها بدمٍ … وكنَّ يَحمِلْنَ منك الضَّيغَمَ الأسدا

стр. 7545

أين الرماح التي غذَّيتَها مُهَجًا … مذ مِتَّ ما وَرَدَتْ قلبًا ولا كبدا ثمَّ انقضيتَ فلا عَينٌ ولا أَثَرٌ … حتَّى كأنَّك يومًا لم تكنْ أبدًا (١) ذكر أولاده: كان له من الولد علي المكتفي، وجعفر المقتدر، ومحمَّد القاهر، وهارون، واحد عشر بنتًا، وقيل: سبع عشرة بنتًا (٢). ذكر وزرائه وقضاته: وَزَرَ له: إسماعيل بن بلبل، ثمَّ عبيد الله بن سليمان، ثمَّ ابنه القاسم بن عبيد الله، وقضاته: إسماعيل بن إسحاق بن حمَّاد بن زيد، وابن أبي الشَّوارب، ويوسف بن يعقوب. وحكى عن المعتضد قال (٣): رُفع إليه أنَّ أقوامًا يجتمعون ويُرجِفون ويخوضون في الفضول، ويُخاف منهم على الدَّولة، فرمى بالرُّقْعَة إلى عبيد الله الوزير وقال: ما ترى؟ قال: الرأي صَلْبُ بعضهم، وإحراقُ البعض، والمُثْلة ببعضهم، لتتَّعظ العامَّة بهم، فقال له المعتضد: والله لقد برَّدتَ لَهيب غضبي بقسوتك، وعطَّفتَني عليهم بعد السّخط، وما كنت أعلم أنَّك تستجيز مثل هذا في دينك، أما علمتَ أنَّ الرعية وديعةُ الله عند سلطانها، وأنَّ الله سائله عنها، وأنَّ أحدًا من الرعية لا يقول قولًا إلَّا لظُلْم لَحِقه، أو لداهيةٍ نالته أو نالت صاحبًا له؟ قم سَلْ عن القوم، فمن كان سيّء الحال فصِلْه من بيت المال، ومن كان مظلومًا فأزل ظُلامته، ومن أخرجه البَطَر إلى هذا فخوِّفْه، ففعل، فصلحت الأحوال. انتهت سيرة المعتضد. بدر المُعْتَضديّ كان يخدم المعتضد والموفَّق، وأبوه من غلمان المتوكِّل، فرفعتْه السعادة.

стр. 7546

قال يحيى بن عليّ النَّديم: كنتُ واقفًا على رأس المعتضد وهو مُقَطِّب، فدخل بدر فأسفَر وجهُه لمّا رآه وضحك، ثمَّ قال لي: يَا يحيى، من القائل: [من البسيط] في وَجهه شافعٌ يمحو إساءتَه … من القلوب وَجيهٌ حيثما شَفعا فقلت: الحكم بن قنبر المازنيّ، فقال: أنشدْني تمامَه، فأنشدتُه: كأنَّما الشمسُ من أعطافه لَمَعَتْ … حُسْنًا أو البَدرُ من أزراره طَلَعا مُسْتَقْبَلٌ بالذي يَهوى وإن كَثُرتْ … منه الذُّنوب ومَعذورٌ بما صَنَعا وَيلي على مَن أطارَ النَّومَ فامتنعا … وزاد قلبي إلى أوجاعه وَجَعا (١) وكان بدر جوادًا مُمَدَّحًا سَخيًّا شجاعًا، وكان يؤثر القاسم بن عبيد الله ويتعصَّب له، فقال له المعتضد: والله لا قتله غيرُه، فكان كما قال. وذلك أنَّ القاسم كان قد همَّ بتغيير الخلافة بعد المعتضد في غير ولده، فناظر بدرًا في ذلك، فامتنع بدر وقال: ما كنتُ بالذي أصرف الأمر عن ولد مولاي الذي هو وليُّ نعمتي، فلمَّا رأى القاسم ذلك وعلم أنَّه لا سبيلَ إلى مخالفة بدر؛ إذ كان المستولي على أمر المعتضد، والمطاعَ في غلمانه وخدمه، اضْطَغَنها على بدر، وحدث على المعتضد الموت وبدرٌ بفارس -وكان زعيمَ الجيوش- فبايع القاسم المكتفي وهو بالرَّقَّة على ما ذكرنا، وقدم المكتفي بغداد، فعمل القاسم في هلاك بدر، فخاف أن يطَّلع المكتفي على ذلك فيكون سببًا لهلاكه. وكان بين المكتفي وبدر تباعُدٌ في أيام المعتضد؛ لأنَّ بدرًا كان حاكمًا على الجيوش والخزائن، فأشار القاسم على المكتفي أن يكتب إلى بدر بأن يقيم مكانَه بفارس، ويبعثَ إليه المال له ولأصحابه، وأن يختار من الولايات ما شاء، ولا يقدمَ إلى الحضرة، وقال للمكتفي: أخاف عليك منه، فكتب إليه مع يانس الموفَّقي بذلك، وبعث معه بعشرة آلاف أَلْف درهم، فلما وصل إلى بدر فكّر، وخاف لبُعده عن المكتفي من حيلةٍ تَنْفُذ من القاسم عليه، فكتب إلى المكتفي يقول: لا بدَّ من المصير إلى الحضرة، وأن أشاهد مولاي، فقال له القاسم: قد جاهَرَك بالمعصية، ولا آمَنُه عليك.

стр. 7547

وكاتب القاسمُ القوَّاد الذين كانوا مع بدر بالمصير إلى باب الخليفة، فأوقفوا بدرًا على الكتب، وقالوا: قم بنا حتَّى نجمعَ بينك وبين الخليفة لتأمنَ على نفسك، فقال: قد كتبتُ كتابًا إليه، وأنا منتظرٌ جوابَه، ففارقوه ووصلوا إلى بغداد. وجاء بدر فنزل واسِطًا، فندب القاسمُ القاضي أَبا خازم وقال له: اذهب إلى بدرٍ برسالةِ أمير المُؤْمنين، وأنَّه آمِنٌ على نفسه وماله، وأعطِه العهودَ والمواثيق، فامتنع أبو خازم -وكان ذا وَرَعٍ ودين- وقال: ما أؤدي عن الخليفة رسالةً لم أسمعْها منه، قال القاسم: أما تَقنعُ بقولي؟ قال: ما يكفيني قولُك في مثل هذا، فتركه، وندب القاضي أَبا عمر محمَّد بن يوسف لذلك، فأجاب فسرعًا، ولم ينظر كما نظر أبو خازم، وانحدر إلى واسط فاجتمع ببدر، وأعطاه العهود، والأيمان المُغَلَّظَة، والأمان عن الخليفة. فنزل بدر في طيَّار، وترك أصحابَه بواسط، وأمرهم أن يلحقوه، فبينما هو يسير إذ تلقاه لؤلؤ غلامُ القاسم -وقيل: بل هو غلامٌ محمَّد بن هارون الذي قتل محمَّد بن زيد بطَبَرِستان- في جماعة من الخَزَر، فنقلوا [القاضي] (١) إلى طيَّار آخر، وأصعدوا بدرًا إلى جزيرة، فلمَّا علم أنَّهم قاتلوه قال: دعوني أصلِّي ركعتين وأوصي، فتركوه، فأوصى بعتق مماليكه وجواريه وصدقةِ ما يملك، وذبحوه في الركعة الثَّانية، وذلك في ليلة الجمعة السابعة والعشرين من شهر رمضان (٢)، وألقَوا جسده في الجزيرة، وقدموا برأسه على المكتفي، فسجد وقال: الآن ذُقتُ لذَّةَ الخلافة، وحُمل رأس بدر إلى الخزانة. وأكثر النَّاسُ ذمَّ القاضي محمَّد بن يوسف وقالوا: هو الذي غرَّ بدرًا وأعطاه أمانًا باطلًا، ومدحوا أَبا خازم، وندم القاضي محمَّد حيث لا ينفعه النَّدم، وقالت النَّاس الأشعار، فمن ذلك: [من الخفيف] قل لقاضي مدينةِ المنصورِ … بمَ أحللْتَ أخذَ رأسِ الأميرِ بعد إعطائه المواثيقَ والعهـ … ـد وعَقْدِ الأمان في مَنْشورِ

стр. 7548

أين أيمانُكَ التي شهد اللهُ … على أنَّها يمينُ فجورِ أنَّ كفَّيك لا تفارق كفَّيـ … ـه إلى أن يرى مَليك السَّريرِ يَا قليلَ الحياء يَا أكذبَ … الأمَّةِ يَا شاهدًا شهادةَ زُورِ ليس هذا فعل القضاة ولا يُحـ … ـسن أمثاله ولاةُ الجسورِ أيّ أمرٍ ركبتَ في الجمعة الغَرَّاء … من خير شهر هذي الشُّهورِ قد مضى مَن قتلتَ في رمضان … صائمًا بعد سجدة التَّعفيرِ يا بني يوسفَ بن يعقوبَ أضحى … أهلُ بغدادَ منكمُ في غرورِ بدَّد الله شملكمْ وأراني … ذُلَّكم في أيام هذا الوزيرِ فأعِدَّ الجواب للحاكم العا … دل من بعدِ مُنكَرٍ ونَكيرِ أنتم كلُّكم فِدًى لأبي خا … زِمٍ المستقيمِ كلّ الأمورِ (١) * * *

стр. 7549

السنة التسعون بعد المئتين وفيها (١) في المحرَّم قصد يحيى بن زكرويه القِرمطيُّ الرَّقَّة في جمع كثير، فخرج إليه أصحاب السلطان، فقتل منهم جماعة وانهزم الباقون. وبعث طُغْج بن جُفّ إلى القرمطيِّ جيشًا عليهم غلام له يقال له: بشير، فواقعهم القرمطيُّ، وقتل بشيرًا، وهزم الجيش. وفيها خلع المكتفي على أبي الأغَرّ، وبعثه لقتال القرمطيّ في عشرة آلاف. وفيها حصر القرمطيّ دمشق وفيها طغج بن جُفّ، فعجز عن مقاومته. وفيها خرج المكتفي من بغداد يريد سُرَّ من رأى لينتقلَ إليها في جمادى الآخرة، وعزم على ذلك، فصرفه الوزير وقال: نحتاج إلى غرامات كبيرة، فعاد إلى بغداد. وفيها قتل يحيى بن زكرويه على باب دمشق -وسنذكره إن شاء الله تعالى- وأقاموا مقامه أخاه الحسين بن زكرويه، وبلغ المكتفي فوجَّه العساكر لقتال القرمطيِّ، وكان المصريُّون قد كتبوا إلى المكتفي يشكون ما يلاقونه من ابن زكرويه صاحبِ السّلعة، وأنَّه قد سفك الدِّماء، وما لقوا من أخيه قبلَه، فعسكر المكتفي بباب الشمَّاسية، ثمَّ شخص عن بغداد إلى الموصل لتسعٍ خلون من رمضان. وللنصف منه ورد أبو الأغرّ في جيوشه إلى حلب، فنزل قريبًا منها بوادٍ يقال له: بُطْنان، ونزل أصحابه، وكان يومًا شديد الحرّ، فنزع أصحابُه ثيابهم وجعلوا يتبرّدون، فكبسهم صاحب الشامة القرمطيّ، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وأفلت أبو الأغرّ إلى حلب في نحو من أَلْف رجل، وقيل: تسعة آلاف، وجاء القرمطيّ إلى باب حلب، فحاربه أبو الأغرّ بمن بقي معه من أصحابه وأهل البلد، فانصرفوا بما أخذوا من عسكره من الأموال والسلاح والكراع وغيره. ووصل المكتفي إلى الرَّقَّة، فأقام يُسَرّح الجيوشَ إلى القرمطيّ جيشًا بعد جيش. وفي رمضان وصل القرمطيّ إلى دمشق، فخرج إليه بدر الحماميُّ صاحب ابن

стр. 7550

طولون، فهُزم القرمطيُّ صاحبُ الشامة، ووُضع في أصحابه السيفُ، ومضى من أفلت منهم نحو البادية، وبعث المكتفي في إثر القرمطيّ الحسينَ بن حمدان وغيره من القوَّاد، وقيل: إنما كانت الوقعة بين القرمطيِّ وبدر الحماميِّ على باب مصر، وإنَّ القرمطيَّ انهزم إلى الشَّام، وتفرَّق عنه أصحابه، وقَتل منهم بدرٌ مقتلةً عظيمة، وسلك القرمطيُّ طريق البريَّة، ونهب البلاد الفراتيَّة: الرَّحبة، وهِيت، والأنبار، وقتل وسبى، وحمَّل الجمال الأموال والنساء، وأحرق هيت، ومضى إلى الأهواز. وحجَّ بالنَّاس الفضل بن عبد الملك (١). وفيها تُوفِّي الحسن بن عُليل ابن الحسين بن عليّ، أبو عليّ، العَنَزيُّ، البغداديُّ. صاحبُ أخبار وآداب، توفِّي في المحرَّم بسُرَّ من رأى، حدَّث عن ابن مَعين وغيره. ومن شعره: [من البسيط] كلُّ المحبِّين قد ذمُّوا السُّهاد وقد … قالوا بأجمعهم طُوبى لمن رَقَدا وقلتُ يَا ربِّ لا أبغي الرُّقادَ ولا … ألهو بشيءٍ سوى ذِكري له أبَدَا إن نمتُ نام فؤادي عن تذكُّره … وإن سَهِرتُ شكا قلبي الذي وَجَدا وروى عن الأصمعيِّ أنَّه قال: مجالسةُ الثقيل حُمَّى الروح (٢). [وفيها تُوفِّي] عبد الله بنُ الإِمام أَحْمد ابن [محمد بن] حنبل، أبو عبد الرَّحمن، الشَّيبانيُّ. ولد سنة ثلاث عشرة ومئتين، ولم يكن في الدُّنيا أحدٌ [روى عن أَبيه ﵀ أكثر

стр. 7551

منه، وسمع منه "المسند" وهو ثلاثون أَلْف حديث، و"التفسير" مئة وعشرون ألفًا، و"النَّاسخ والمنسوخ"، و"التاريخ"، و [المقدَّم] (١) والمؤخَّر في كتاب الله تعالى، و"جوابات القرآن"، و"المناسك الكبير والصغير" وغير ذلك. وكان عارفًا بالرِّجال، والأسامي، والكُنى، وعِلل الأحاديث، وكان أبوه يقول: لقد وعى عبد الله علمًا كثيرًا. وكان على منهاج أَبيه في الزُّهد والحفظ وغير ذلك، وقال: كنتُ يومًا (٢) عند أبي، فجاءه أبو إبراهيم السَّائح، فقال له: حدِّثني بأعجب ما رأيت، قال: خرجتُ في سياحتي فمرضت (٣) في الطريق، وكنت قريبًا من دَير، فقلت في نفسي: لو كنتُ بقرب الدَّير لعلَّ مَن فيه من الرُّهبان يُداويني، وإذا بسَبُع عظيم قد أقبل، فحملني على ظهره حملًا رفيقًا حتَّى ألقاني على باب الدَّير، والرُّهبان ينظرون إليه، فنزلوا فأسلموا كلّهم، وكانوا أربع مئة واهب. [فصل] ذكر وفاته: مرض (٤) [عبد الله] فقيل له: أين تحبُّ أن تُدفَن، أتحبُّ أن ندفنك عند أبيك؟ فقال: قد صحَّ عندي أنَّ بالقطيعة نبيًّا مدفونًا، ولأن أكون في جوار نبيٍّ أحبّ إليَّ من أن أكون في جوار أبي. [قلت: والعجب من هذا، ومن أين في أرض العراق نبيٌّ مدفون؟ فقد ترك أمرًا متيقنًا وهو جوار أَبيه لأمر مظنون. وحكى الخَطيب عن إسماعيل بن عليّ الخُطَبي قال:] مات [عبد الله] يوم الأحد، ودُفن آخر النهار في القطيعة في مقابر باب التِّبن لتسع (٥) ليال بقين من جمادى الآخرة [من هذه السنة] وصلَّى عليه زهير ابن أخيه (٦) صالح، وكان جمعًا عظيمًا.

стр. 7552

سمع عبد الله خلقًا كثيرًا: أباه، وابنَ مَعين، وابنَ المَدينيّ وغيرَهم، وروى عنه أبو القاسم البغويُّ، ويحيى بن صاعد، والقاضي المَحامليُّ وغيرُهم. واتَّفقوا على دينه، وصدقه، وزهده، وورعه، وأمانته، وقال الدَّارقطني: كان فوق الثِّقة. فصل: وفي الرواة جماعة اسم كل واحد منهم عبد الله بن أَحْمد، منهم: عبد الله بن أَحْمد ابن الحسين بن رجاء، أبو القاسم، الخِرَقيُّ، البغداديُّ. [حدَّث عن إبراهيم الحَرْبيِّ وغيره، وروى عنه عليُّ بن أَحْمد الرزّاز شيخ الخَطيب] بإسناده إلى عبد الرَّحمن بن أبزى قال: بينا نحن في جنازة، وعليُّ بن أبي طالب يمشي خلفها، وأبو بكر وعمر ﵄ وعن الجميع يمشيان أمامها، إذ أخذ على بيدي وقال: إنَّهما ليعلمان أنَّ فضل مَن يمشي خلفَها على مَن يمشي أمامها كفضل صلاة الرَّجل في جماعة على صلاته وحده، ولكنَّهما يسهِّلان على النَّاس (١). قلت: وبهذا الأثر أخذ أبو حنيفة، والشافعي وأَحمد أخذا بفعل أبي بكر وعمر؛ لأنَّ الترجيح مع أبي حنيفة لوجهين: أحدهما اعتذار علي عنهما، والثاني: لأنَّه أبلغ في ذلك. قلت: وبلغني عن] بعض المشايخ [أنَّه] قال: إن كانت الجنازةُ (٢) رجلًا فالمشي خلفها أفضل، وإن كانت امرأة فالمشيُ أمامها أولى، وهذا حسن؛ لأنَّ مَبنى حال النِّساء على السّتر. مات الخِرقيُّ سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة. عبد الله بن أَحْمد ابن أَفْلَح بن عبد الله بن محمَّد [بن عبد الله] بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، أبو محمَّد، القاضي، البكريُّ.

стр. 7553

[حدَّث عن هلال بن العلاء الرَّقي وغيره، وقد] أخرج له الخَطيب حديثًا [فقال: حدَّثنا الحسن بن أبي طالب بإسناده عن قتادة، عن] أنس (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم جمعة ولا ليلة جمعة إلَّا ويطَّلع الله تعالى إلى دار الدّنيا وهو متَّزر بالبَهاء، لباسُه الجَلال، متَّشِحٌ بالكبرياء، مُرْتدٍ بالعظمة، فيُعتق مئتي أَلْف عتيق من النَّار من الموحّدين؛ ممَّن قد استوجب من الله ذلك، ثمَّ ينادي: عبادي، هل أجْودُ منّي جودًا؟ عبادي، هل أكْرمُ منِّي كرمًا؟ عبادي، هل من سائل فأعطيَه؟ هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفرَ له؟ عبادي، ما خلقتُ الجنَّة لأُخليها، ولا نَشَرْتُها لأطويها، وإنَّما خلقتُها لكم وخلقتكم لها، عبادي، فعلَام تعصوني؟ أعلى الحسن من بلائي، أم على الجميل من نعمائي، أليس قد نشرتُ عليكم الرحمة نَشْرًا، وألبستُكم من عافيتي كَنَفًا وسترًا، وأضعفتُ لكم الحسنات مرارًا، وأقَلْتُكم العَثَرات كبارًا وصغارًا، وخلقتُكم أطوارًا؟ فما لكم لا ترجون لله وقارًا؟ عبادي، سبحاني احتجبتُ عن خلقي فلا عينٌ تراني" (٢). عبد الله بن أَحْمد أبو محمَّد، المَرْوَزيُّ [من أهل الدَّندانَقان؛ قرية من قرى مَرْو]. مات سنة سبعين وثلاث مئة، أخرج له الخَطيب حديثًا عن أنس عن النبيِّ ﷺ قال: "لِصاحب القرآن دعوةٌ مُستجابة عند كلِّ خَتمة، وشجرةٌ في الجنَّة؛ لو أنَّ غرابًا طار من أصلها لم يَنْتَهِ إلى قعرها (٣) حتَّى يُدرِكَه الهَرَم". [عبد الله بن أَحْمد ابن ماهبزد، ويعرف بالظَّريف. سكن بغداد، وحدَّث عن أبي القاسم البغوي وغيره، وكان يقول: صمتُ تسعين رمضانًا. ومولده سنة ثلاث وثمانين ومئة، ومات سنة تسعين ومئتين.] (٤)

стр. 7554

محمَّد بن عبد الله أبو بكر، الزَّقَّاق. من مشايخ بغداد، [ذكره أبو نُعيم والسُّلَمي والخطيب، وهو صاحب الحكاية المشهورة: قال الخَطيب بإسناده عن] الجنيد قال: رأيت إبليس في منامي وكأنَّه عُريان، فقلت: أما تستحي من النَّاس؟ قال: وأين النَّاس؟ كان هؤلاء من النَّاس، قلت: ولمَ؟ قال: لو كانوا من النَّاس ما تلاعَبْتُ بهم كما يتلاعب الصِّبيان بالكرة، قلت: فمَنِ النَّاس؟ قال: قوم في مسجد الشُّونيزيَّة، قد أنحلوا جسمي، وأضنَوا قلبي، كلَّما هَمَمْتُ بهم أشاروا إليَّ (١) فأكاد أحترق. قال الجنيد: فانتبهتُ، وأتيت مسجد الشونيزيَّة [وعليَّ ليل]، فدخلت من الباب وإذا بثلاثةِ رؤوسهم في مُرَقَّعاتهم، فلما أحسُّوا بي أخرج واحدٌ منهم رأسَه من مُرَقَّعته وقال: يَا أَبا القاسم، أَنْتَ كلّ من قال لك شيئًا تقبل منه؟! قال: والثلاثة أبو بكر الزَّقَّاق، وأبو حمزة، وأبو الحسين النُّوري. وحكى الخَطيب عن الزقَّاق أنَّه قال: لي سبعون سنة (٢) أرُبُّ هذا الفقر، من لم يصحبه في فقره الورع أَكَل الحرام النَّضَّ (٣). قال المصنِّف ﵀: وذكر ابن خميس في "المناقب" رجلًا آخر يقال له: الزقَّاق اسمه: أَحْمد بن نَصْر شيخ مصر، [وقال: الزقاق] الكبير، [وحكى عنه في "المناقب" الكلامَ المَليح]، وكان عظيمًا. [وحكى ابن خميس عن] الكتَّانيِّ قال: لمَّا مات الزقَّاق انقطعت حُجَّة الفقراء في دخولهم إلى مصر (٤).

стр. 7555

وقال الزَّقَّاق: جاورتُ بمكة عشر سنين، فاشتهيتُ اللَّبَن، فغلبتْني نفسي، فخرجتُ إلى عُسْفان، فاستضَفْتُ حيًّا من العرب، فنظرتُ إلى جارية بعيني اليمين، فأخذَتْ بقلبي، فقلتُ لها: قد أخذ كلُّك كلِّي فما فيَّ لغيركِ مَطْمَع، فقالت: تقبح بك الدَّعاوى العالية، لو كنتَ صادقًا لذهبتْ عنك شهوة اللبن، فقلعتُ عيني اليمين، فقالت: مثلك من نظر لله تعالى. قال: ورجعتُ إلى مكة فطفتُ أسبوعًا، ثمَّ نمت، فرأيتُ يوسف الصّديق ﵇ فقلت: يَا نبي الله، أقرَّ الله عينَك بسلامتك من زَليخا، فقال: وأنت أقرَّ الله عينك بسلامتك من العُسْفانيَّة، ثمَّ أمرَّ يدَه على عيني، فانتبهتُ وقد عادت أحسنَ ما كانت (١). [وحكى عنه في "المناقب"] قال: تهتُ في تيه بني إسرائيل خمسة عشر يومًا، فلما وقفتُ على الطريق استقبلني جنديٌّ، فسقاني شَربةً من ماء، فعادت قساوتُها على قلبي ثلاثين سنة (٢). وقال: نهاية الإرادة أن تشير إلى الله فتجدَه مع الإشارة، فقيل له: فأيّ شيءٍ يستوعب الإرادة؟ فقال: أن تجد الله بلا إشارة. وقال: لا يكون المزيد مريدًا حتَّى لا يكتبَ عليه كاتبُ الشمال خطيئة عشرين سنة. وقال: كنتُ في التِّيه فخطر ببالي أنَّ علم الحقيقة مباينٌ لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف: كلُّ حقيقة لا توافق الشريعةَ فهي باطلة. وقال: لا يصلح هذا الأمر إلَّا لأقوام كنَسوا المزابلَ بأرواحهم. ودخل عليه يومًا أبو علي الرُّوْذَباري وهو في حال عجيبة، فقال له الشيخ: ما لكَ؟ فقال: اجتزت ببعض الخَوخات وإذا بمنشد يقول: [من الطَّويل] أبَتْ غَلَباتُ الشوقِ إلَّا تشوُّقا … إليك ويأبى العَذْلُ إلَّا تجنُّبا وما كان صدِّي عنك صَدَّ مَلامةٍ … ولا ذلك الإغضاءُ إلَّا تَهَيُّبا عليَّ رقيبٌ منك حلَّ بمُهْجَتي … إذا رُمْتُ تسهيلًا عليَّ تَصَعَّبا

стр. 7556

قال أبو علي: فما هو إلَّا أن أنشدني الزَّقاق الأبياتَ حتَّى صرتُ مَغلوبًا لا أدري ما لحقني، ثمَّ أفقتُ، فقال لي: يَا أَبا عليّ، مَن وقع في بَليَّةٍ لم يَخْلُ من البلاءِ حاضروه. وقال الرقِّيُّ: كنَّا عند الزقَّاق بالغداة فقال: إلى كم تبقيني ها هنا؟ فما جاء الظهر حتَّى مات، ولم يذكر في "المناقب" تاريخ وفاته. يحيى بن زكرويه بن مهرويه أبو القاسم، القِرمطيُّ، ويعرف بالشيخ المُبَرْقَع. وكان يسمِّي نفسه عليَّ بن أَحْمد بن محمَّد بن عبد الله، من ولد جعفر بن محمَّد الصَّادق، وكذب فيما يزعم، بل هو يحيى بن زكرويه، وكان من دُعاة القَرامطة. عاث في الشَّام وبنواحي الرَّقَّة، ثمَّ جاء إلى دمشق، فخرج إليه طُغْج بن جُفٍّ أميرُ دمشق في جيش، فكسره القرمطيُّ، فبعث المصريُّون جيشًا مع بدر الحمَّامي، فلقيه القرمطيُّ على قرية بحوران يقال لها: كُنَيْكر، في سنة تسعين ومئتين، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، فقُتل القرمطيُّ، وقام أخوه موضعَه. وكان سبب قتله أنَّ بعض البرابرة زَرَقه بمِزْراق (١)، واتَّبعه نفَّاطٌ فأحرقه بالنَّار، وذلك في كَبِد الحرب وشدَّتها، ولمَّا قُتل نصَّب أصحابُه أخاه الحسين بن زكرويه ويسمَّى بصاحب الشَّامة، وزعم أنَّه أَحْمد بن عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر الصَّادق، وهو ابن نَيّفٍ وعشرين سنة، وأظهر شامةً في وجهه وزعم أنَّها آيتُه، وجاءه ابن عمِّه عيسى بن مِهرويه، وزعم أنَّه عبد الله بن أَحْمد ابن محمَّد، (٢) بن إسماعيل بن جعفر الصَّادق، فلقَّبه المدَّثِّر، وعَهِد إليه، وذكر أنَّه المعنيُّ في السورة، ولقّب غلامًا له: المطوَّق بالنُّور، وقلَّده قتل أسرى المسلمين، وظهر على المصريِّين، وعلى دمشق وحمص والشَّام، وتسمَّى بأمير المُؤْمنين والمهدي، ودُعي له على المنابر، وسنذكره في ترجمته عند مقتله. وليحيى بن زكرويه صاحبِ هذه الترجمة شعرٌ منه: [من الوافر]

стр. 7557

ألا لله ما فعلتْ برأسي … صُروفُ الدَّهر والحِقَبُ الخوالي تَركْنَ بلِمَّتي سَطْرًا سَوادًا … وسَطرًا كالثَّغام من النِّزالِ فما حالتْ لطول اليأسِ نفسي … عليَّ ولا بكَتْ لذهاب مالي ولكنِّي لذي الكُرُبات آوي … إلى قلبٍ أشدَّ من الجبالِ وأصبِرُ للشَّدائد والرَّزايا … وأعلم أنَّها مِحَنُ الرِّجالِ فإنَّ وراءها أمْنًا وخَفْضًا … وعَطْفًا للمُديل على المُدالِ فيومًا في السُّجون مع الأُسارى … ويومًا في القصور رَخيَّ بالِ ويومًا للسُّيوف تَعاوَرَتْني … ويومًا للتَّفَتُّقِ والدَّلالِ كذا عيشُ الفتى ما دام حيًّا … دوائرُ لا يَدُمْنَ على مثالِ

стр. 7558

السَّنة الحادية والتسعون بعد المئتين فيها قُتل الحسين بن زكرويه صاحبُ الشَّامة. وفيها خلع المكتفي على محمَّد بن سليمان كاتبِ الجيش، وعلى محمَّد بن إسحاق بن كنداجيق، وأبي الأغرّ، وجماعةٍ من القوَّاد، وأمرهم بالسَّمع والطاعة لمحمد بن سليمان، وأمرهم بالمسير إلى دمشق؛ لقبض ما كان بيد هارون بن خمارويه من الأعمال؛ لأنَّه ضَعُف، وقَتَلَ القرمطيُّ رجاله، وكان عسكرُ المكتفي في عشرة آلاف. وفيها زوَّج المكتفي ابنه أَبا أَحْمد بابنة الوزير القاسم بن عبيد الله في جمادى [الأولى] بحضرة المكتفي، وخطب أبو عمر القاضي، وانصرف أبو أَحْمد بن الخليفة والقوَّاد والوجوه مع القاسم إلى داره في الشَّذا، فأقام عند القاسم، وخلع القاسم على أربع مئة إنسان الدِّيباجَ والخزَّ والوَشْي وغير ذلك، وحمل الأمراء أَبا أَحْمد على سبعة وأربعين فرسًا بسروجِ الذَّهب، وكان الصَّداق مبلغه مئة أَلْف دينار. وفيها خرجت التُّرك إلى بلاد المسلمين في جيوش عظيمة، كان فيها سبع مئة قبَّة تركيَّة، ولا تكون القبَّة إلَّا للملك، فنادى إسماعيل بن أَحْمد في خُراسان وسجستان وطَبَرِستان: النَّفيرَ النَّفيرَ، وجهَّز رجلًا من قوَّاده في جيش كثيف، فوافى المسلمون التُّركَ وهم آمنون غارُّون (١) مع الصُّبح، فقتلوا منهم مَقتلة عظيمة، وانهزم الباقون، وغنم المسلمون أموالهم، وعادوا سالمين. وفيها بعث صاحب الرُّوم عشرةَ صُلبان، تحت كل صليب عشرةُ آلاف، فوصلوا إلى الحَدَث، فنَهبوا وقتلوا مَن قدروا عليه، وأحرقوا ورجعوا (٢). وفي رمضان مات أَحْمد بن محمَّد بن الفرات الكاتب، وقلَّد القاسم عليَّ بن محمَّد أخاه مكانه، وقال: ما غاب عنَّا من أخيك إلَّا عيناه.

стр. 7559

وفيها غزا غلام زرافة من طَرَسوس إلى الرُّوم، فوصل إلى أنطاكية قريبًا من قسطنطينية، فأناخ عليها وقاتلها، ففتحها بالسَّيف عَنوة، وقتل فيها خمسة آلاف رجل، وأسر أضعافَهم، واستنقذ من أُسارى المسلمين أربعة آلاف إنسان، ووجد بساحلها ستِّين مَرْكبًا، فحفَلها ما غنم من الذَّهب والفضَّة والمتاع والرقيق، وأصاب سهم الفارس أَلْف دينار. وفيها مات القاسم بن عُبيد الله الوزير، ودخل محمَّد بن سليمان دمشق بالعساكر، وكان بها بدر الحمامي فتلقاه، فقلَّده إياها، وسار محمَّد إلى الرَّملة. وحجَّ بالنَّاس الفضلُ بن عبد الملك الهاشميُّ. [فصل] وفيها تُوفِّي إبراهيم بن أَحْمد بن إسماعيل أبو إسحاق، الخوَّاص، البغداديُّ. أوحد زمانه في التوكُّل، صحب أَبا عبد الله المغربي، وكان من أقران الجُنيد والثَّوريّ، وله في الرياضات والسِّياحات مقامات يطول شَرحُها، وأصله من سُرَّ من رأى، وإنَّما سكن الرّيَّ وأقام بها، ولم يكن خوَّاصًا، وإنما جرت له واقعةٌ سمِّي لها الخوَّاص. قال (١): فَتَرْتُ في بعض الأوقات، فكنت أخرج إلى ظاهر البلد، فأجلس على نهر وحوله خُوصٌ كثير، فخطر لي أن أعمل كلَّ يوم خمس قفاف وألقيها في النَّهر أتسلَّى بذلك، [وكأنِّي كنت مُطالبًا به، فجرى وقتي على ذلك أيَّامًا]، فخطر لي في بعض الأيام أن أمشي خلف القِفاف، وأنظرَ أين تذهب، فمشيتُ على جانب النَّهر ساعة، وإذا بعجوزٍ جالسة حزينة -ولم أكن عملتُ في ذلك اليوم شيئًا- فقلت: ما لي أراك حزينة؟ فقالت: أنا امرأةٌ أَرْمَلة، مات زوجي وترك خمس بنات، ولم يخلِّف لنا شيئًا،

стр. 7560

فأَخْرجُ كل يوم، فأجلس على هذا النَّهر، فتأتي على رأس الماء خمس قِفاف، فأبيعُها فنتقوَّت بها، واليوم ما جاءتني، وما أدري كيف أصنع؟ فرفعتُ رأسي إلى السماء وقلت: إلهي، لو علمتُ أنَّ لها خمسَ عِيال لزدتُ في العمل، ثمَّ أخذ العجوز إلى بيته، وأعطاها دراهم ودقيقًا وقال: كلَّما أردتِ شيئًا فتعالي فخذي ما يكفيكم. [ذكر طرف من أخباره: حكى عنه جعفر الخُلْديُّ أنَّه] قال: أعرف سبعة عشر طريقًا إلى مكة، طريق منها ذهب، وأخرى فضة. [ذكر قصَّته مع المريض: حكى عنه ابن خميس في "المناقب"، قال: صَعِدتُ إلى جبل اللُّكام، فرأيت شجرة عليها رمَّان، فاشتهيتُه، فمددتُ يدي فأخذتُ رُمَّانة، فإذا هي حامضة، فرميتُ بها ومضيت، وإذا برجل مَطروحٍ على قارعة الطَّريق، وقد اجتمع عليه زنابيرُ كثيرة وهي تلدغه، فسلَّمتُ عليه، فقال: وعليكم السلام يَا إبراهيم، فقلتُ: كيف عرفتَ اسمي؟! فقال: مَنْ عرف الله لم يخْفَ عليه شيءٌ، فقلت: أرى لك مع الله حالًا، فلو سألتَه أن يَقيَك لَدْغ هذه الزَّنابير، فقال: إنَّ لَدْغ الزنابير أجدُ أَلَمَه في الدُّنيا، فهلَّا سألتَ الله أن يَقيَك لَدْغ شَهْوة الرُّمَّان الذي تجد ألمه في الآخرة؟ فتركتُه ومضيت. [ذكر قصَّته مع الخضر ﵇: حكى أبو عبد الرَّحمن السلميُّ قال: قيل للخواص:] حدِّثنا (١) بأعجبِ شيءٍ لقيتَ في أسفارك، قال: لقيني شابٌّ في بعض أسفاري، فوقع في خاطري أنَّه الخَضِرُ، فسألني الصُّحبةَ، فقلت: أخشى أن يتغيَّر عليَّ توكُّلي، لا حاجةَ لي في صُحبتك، قال: إن صدقتَ فمن أنا؟ قلت: الخضر، وفارقتُه. [ذكر قصَّته مع الشاب: حكى عنه السُّلميُّ أَيضًا] قال: صَحبني شابٌّ حَسَنُ المراعاة لأوقاته، فقلت [له:]

стр. 7561

لا تُطيق صُحبتي لأنِّي أجوع، قال: إن جعتَ جعتُ معك، فبقينا أربعة أيام لم يُفتَح علينا بشيء، ثمَّ فتح علينا فقلت له: هَلُمَّ فكُلْ، فقال: قد عَقدتُ مع الله عقدًا أن لا أتناول بواسطة، فقلت: يَا غلام، دققت، فقال: يَا أَبا إسحاق، لا تَتَبَهْرَج، فإنَّ النَّاقد بصير، ما لك والتوكُّل، إنَّ أدنى أحواله أن تَرِدَ عليك مواردُ الفاقات، فلا تسمو نفسُك إلَّا إلى مَن له الكفايات، وفارقني. [ذكر قصَّته مع الشيطان: حكى السُّلميُّ عن إبراهيم] قال: كنتُ بالبادية فنمتُ على حجر، وإذا بشيطان قد رَفَسَني برجله وهي مثل الحربة (١)، فقال: أَنْتَ وليّ الله فمن أَنْتَ؟ قلت: إبراهيم الخوَّاص، قال: صدقت، ما ضرَّتْك رجلي وقد يَبِست، ثمَّ قال: معي حلال وحرام؛ أمَّا الحلال فرُمَّان الجبل المباح، وأمَّا الحرام فمَرَرْتُ على صيَّادَين يصيدان السمك، فتخاونا، فاخذتُ التي تخاونا فيها، فكُلْ أَنْتَ الحلال ودع الحرام لي. [ذكر قصَّته في صيد السمك: حكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: طلبتُ الحلال، فخرجتُ إلى دجلة ومعي شَبكة، فجلستُ أصيد السَّمك، فوقعت في الشبكة سمكةٌ، فأخذتها، ثمَّ أخرى وأخرى، فهتف بي هاتف: لم تجد مَعاشًا إلَّا أن تأتي إلى مَن يذكرنا فتقتله؟! [قال:] فرميتُ الشَّبكة، وتبتُ إلى الله تعالى من الصَّيد (٢). [ذكر قصَّته مع الجن والشابِّ: حكى ابن خَميس في "المناقب" عن إبراهيم، قال: حججتُ مرَّة مع أصحابي، فعارَضَني عارضٌ من سرِّي: خذ في غير الجادَّة، ففعلتُ، ومشيتُ ثلاثة أيام بلياليها في بَرّيَّة خضراء، فيها من كل الرَّياحين والثّمار، وفي وسطها بُحيرةٌ ماؤها أطيبُ ماء وأعذبُه، فوقفتُ مفكِّرًا في حُسنها، وإذا بنَفَرٍ قد حفُّوا بي، وعليهم المُرَقَّعاتُ الحِسان، فسلَّموا عليَّ، وسيماهم سيما الآدميين، ووقع لي أنَّهم من الجنّ، فقلت: مَن أنتم؟ فقالوا: نحن من الجنّ الذين سمعوا من محمَّد ﷺ القرآنَ ليلة الجنّ، فسَلَبَتْنَا نَغمةُ

стр. 7562

كلام الله جميعَ أمور الدُّنيا، وقد قيَّض الله لنا هذه البريَّة؛ نسيح بها، ونشرب من ماء هذه البحيرة، ونأكل من هذه الثمار. قلت: فكم بيني وبين المكان الذي فارقتُ فيه أصحابي؟ فتبسَّم بعضُهم، وقال: يَا أَبا إسحاق، لله أسرار وعجائبُ، إنَّ هذا المكان الذي أَنْتَ فيه لم يَحضره آدميٌّ قبلك إلَّا شابٌّ من أصحابكم السيَّاحين، وصل إلى ها هنا فتوفِّي، وذاك قبرُه على شاطئ البحيرة وحوله رياحين، كنَّا ليلةً قعودًا على جانب البحيرة نتذاكر المحبة، فإذا بشابٍّ قد وقف علينا، فسلَّم، فرددنا عليه¬ السلام، وقلنا: مِن أين؟ قال: من نَيسَابُور، قلنا: ومتى خرجتَ منها؟ قال: منذ سبعة أيام، أزعَجتْني آية وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] قال: فقلنا [له:] فما معنى الإنابةِ والتسليم والعذاب؟ فقال: أما الإنابة: أن ترجع منك إليه (١)، وأمَّا التسليم: فالاستسلام له، وأمَّا العذاب: فعذاب الفراق، ثمَّ صاح ومات، فوارَيناه. قال إبراهيم: فقمتُ إلى قبره وإذا عند رأسه طاقَةُ نَرْجِس كأنَّها رَحَى [عظيمة] وعلى القبر مكتوب: هذا حبيب الله قَتيلُ العَبْرة (٢)، وعلى وَرَقةٍ منها مكتوب: هذه صفةُ الإنابة، فسألوني أن أفسِّر لهم ما على ورقة النَّرْجِس مكتوب، ففسَّرتُه، فوقع الطَّرب فيهم، فأُلقي عليَّ النُّعاس، فنمتُ، وانتبهتُ وإذا أنا قريبٌ من مسجد عائشة ﵂، وإذا في وطائي طاقةُ نَرْجِس أو رَيحان، فبقيتْ معي سنة لم تتغيَّر، ثمَّ فقدتُها. [ذكر قصَّته مع الشاب وأخته: حكاها عنه في "المناقب" أَيضًا] قال: تهتُ في البادية عن الطريق -وكانت ليلةً مُقمرة- فلَجَجتُ في البريَّة، وإذا بصوتٍ ضعيف يقول: إلي يَا أَبا إسحاق إليَّ، فإنِّي سأَلتُ الله أن يُحضِر وفاتي وليًّا من أولياء الله (٣)، وأرجو أن يكون قد فعل. [قال:] فجئتُ إليه، وإذا بشابٍّ من أحسن الشباب، مَطروحٍ وحوله رياحين كثيرة، فسلَّمتُ عليه فقال: مرحبًا بك يَا أَبا إسحاق، فقلت: من أين أَنْتَ؟ فقال: من شِمْشاط، كنتُ بين أهلي في عزٍّ ورفاهيةِ عيش، فخطر بقلبي السَّفَر، فخرجتُ، وقد

стр. 7563

وقعتُ ها هنا، قلت: ألك أهل؟ فقال: نعم، والدان وإخوة وأخوات، قلت: فهل خطروا في سرِّك؟ قال: لا إلَّا اليوم، لمَّا أيقنتُ بالموت أحببتُ أن أشمَّهم، ولي أختٌ صالحة أحب أن أشمَّها، وهذه الرَّياحين التي حولي جاء بها إليَّ الوحوشُ وبكوا عندي. قال إبراهيم: فتحيَّرت في أمره (١)، ووقع الشابُّ على سرِّي، وإذا بحيَّةٍ عظيمة قد أقبلت، وفي فيها طاقةُ نَرْجِس دورها ثلاثة أذرع، فنطقت الحيَّة وقالت: يَا إبراهيم، اعدِلْ بسرِّك عن الشابّ فإنَّ الحقَّ غَيور، فصحت صيحة [عظيمة] وغُشي عليَّ، فما أفقتُ إلَّا والشابُّ قد قضى، قلت: كيف أعمل؟ [مالي] مَن يساعدني عليه، وأين الماء [وأين] الكَفَن؟ فأُلقي عليَّ النُّعاس، فما أفَقْتُ إلَّا بحرِّ الشَّمس، وإذا بي على الجادَّة. فلمَّا قضيتُ الحجَّ ورجعت قلت: لا بدَّ من المضيِّ إلى شِمْشاط، والسؤالِ عن الشابِّ وأهلِه، [قال:] فمضيتُ إليها، فلمَّا بلغتُ إلى المصلَّى إذا بنسوة عليهنَّ المرقَّعات قد أقْبَلْنَ، وبينهنَّ امرأةٌ أشبهُ النَّاس بالشابِّ، فنادتني: يَا أَبا إسحاق، أنا في انتظارك منذ أيام، حدِّثني حديثَ أخي وقُرَّةِ عيني وثمرةِ فؤادي، فحدَّثتُها حديثَه، فلمَّا بلغتُ إلى قوله: أريد أن أشَمَّهم، قالت: هاه، بلغ الشمّ الشمّ، ثمَّ وقعت ميتة، فقلن النِّساءُ: جزاك الله عنها خيرًا، فلقد أرَحْتَها ممَّا كانت فيه، وكان هناك رِباط فيه نساء، فخَرَجْنَ فوَلين أمرَها، ولم يبق في البلد أحدٌ إلَّا شهد جنازتها (٢)، ثمَّ أقمتُ عند قبرها شهرًا وانصرفت. [حديث إبراهيم مع الحيَّات: حكى ابن باكويه عن] حامد الأسود قال: خرجتُ (٣) مع إبراهيم في سفر، فجئنا إلى موضع فيه حيَّات كثيرة، فجلسنا، فلمَّا بَرَد الهواء في الليل خرجت الحيَّات، فخفت [منها]، فقال [لي] إبراهيم: لا تَخَف واذكر الله، فذكرتُ، فذهبت الحيَّات، ثمَّ عادت

стр. 7564

فقال: اذكر الله تعالى، فذكرتُ، فما زلنا كذلك إلى الصَّباح، وقمنا نمشي، وإذا بحيَّة عظيمة قد سقطت من وطائه، وقد تطوَّقت [به]، فقلت له: أما علمتَ بها؟ فقال: والله منذ زمان ما نمتُ أطيبَ من الليلة. وقال حامد: خرجتُ معه في سفر، فنزلنا تحت شجرة، فجاء السَّبُع، فهربتُ منه وصَعدتُ إلى الشجرة، وبات السبع يشمُّ إبراهيم من قَرْنه إلى قدمه إلى الصَّباح، ومشينا، فأتينا آخر النهار إلى قرية، فدخلنا مَسجدَها، فوقع في الليل على وجهه بقَّةٌ، فانزعج منها، فقلتُ له: ما هذا؟! فقال: تلك حال كنتُ فيها مع الله، وهذه حالة أنا فيها مع نفسي. [حديث إبراهيم مع العقرب: حكى ابن جَهْضم عن] المزيّن [قال:] كنتُ (١) عند إبراهيم، فدبَّت عقرب، فجعلت تلسعه في فخذه وهو صابر، فقمتُ لأقتلها فقال: دعها، كلُّ شيءٍ مُفْتَقر إلينا، ولسنا مُفْتَقرين إلى شيء. [ذكر قصته مع النَّصْراني: حكى أبو نعيم وغيره عنه] قال: دخلت (٢) البادية، فصحبني رجل على وسطه زنَّار، فقلتُ: مَن أَنْتَ؟ قال: نصرانيّ أريد صحبتَك، فمشينا سبعة أيام لم نأكل شيئًا، فقال: يَا راهب الحنيفية، هات ما عندك من الانبساط فقد جعنا، فقلت: يَا إلهي، لا تَفْضَحْني مع هذا الكافر، وإذا بطبق عليه خُبزٌ وشواء، ورُطَب وكوز ماء، فأكلنا. ومشينا سبعة أيام، فقلت: يَا راهب النصرانية، هات ما عندك من الانبساط فقد [جعنا، وقد] وصلتْ إليك النَّوبة، فاتَّكأ على عصاه ودعا، وإذا بطَبقين عليهما أضعاف ما كان على طبقي، فتحيَّرتُ، وأبَيتُ أن آكل، فألحَّ عليَّ وقال: كُلْ، فلم أفعل، فقال: طِبْ نفسًا فإنِّي مُبشِّرُك ببشارتين؛ إحداهما: أنِّي أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، والثانية: أنِّي قلت: اللهم إن كان لهذا العبد عندك خطر فافتح علينا

стр. 7565

بطَبَقَين، فهذا ببركتك، فأكلنا، وأحرم الرجلُ ودخل مكَّة مُحرِمًا، فجاور معي سنة، وتوفِّي، فدفنتُه بالمعلَّى. [حديث إبراهيم مع العجوز: حكى ابن باكويه عن إبراهيم] قال: دخلتُ البادية (١) مرَّة، فنالتني فاقة شديدة، فلما دخلت مكَّة دخلني إعجاب، فنادتني عجوز: يَا إبراهيم، لا تعجب بنفسك فأنا كنتُ رفيقتك في البادية، ولم أكلِّمك خوفًا أن أُشغل سرَّك، فأخرِجْ عنك هذا الخاطر. [حديث إبراهيم مع الفارس: حكى الكتَّاني عن إبراهيم] قال: خرجتُ إلى الحجاز، فمشيتُ أيَّامًا، فعَطِشتُ وسقطت من العطش، وإذا بماء قد رُشَّ على وجهي، ففتحتُ عيني، وإذا بفارسٍ على فَرَسٍ أشهب، حسنِ الوجه، طيِّب الرائحة، فسقاني شَربةَ ماء، وقال: قمْ، فمشيتُ خطوات وإذا بالنَّخْل، فقال: هذه المدينة، اقرأ على رسول الله ﷺ منِّي السلام، وقيل له: الخضر يقرِئك السلام. [حديث إبراهيم مع السَّبُع: حكى الكتاني عن إبراهيم] قال: رأيتُ في البادية شجرةً تحتها عينُ ماء، فجلستُ تحتها، وإذا بسَبُعٍ عظيم قد أقبل، فاستسلمتُ، فلما قرب منِّي إذا به يعرج، فبرك بين يديَّ، ووضع يديه في حجري، وإذا هي مُنتَفخةٌ فيها قيح ودم، فأخذت عودًا، وشققت المكان، فخرجتْ منه شوكة، وسال ما كان فيها من الدَّم والقيح، وربطتُه بخرقة، فمضى وغاب ساعة، وعاد ومعه شِبلان يُبَصْبِصان، فألقى إلي رغيفًا ومضى (٢). [حديث المَشْعَل: حكى ابن باكويه قال:] سألت امرأةٌ إبراهيم عن تغيُّرٍ وجدتْه في نفسها، فقال [لها]: تَفقَّدي، قالت: قد تفقَّدتُ (٣) فما وجدتُ شيئًا، فقال لها: ولا ليلة المشعل؟ فقالت: الله أكبر، كنتُ أغزِلُ ليلةً فوق السطح، فانقطع خيطي، فمرَّ بي مشعلُ السلطان،
следующие страницы →