← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

هذا عملًا يصون به نفسَه كان أولى، ونمت تلك الليلة، فرأيتُ ذلك الفقيرَ قد جيء به على خِوان وهو ممدود، فقيل لي: كُلْ لَحْمَه فقد اغتبتَه، فلمَّا أصبحتُ خرجتُ أطوف عليه، وإذا به على دِجلةَ يلتقط أوراقَ البَقْل وما ينفصل منه، فلمَّا رآني قال: يا أبا القاسم، تعود؟ قلت: لا. قال: يغفر الله لنا ولك. وقال الخلديُّ: جاءه رجل بخمس مئة دينار في أيَّام الموسم فقال: فرِّقها في الفقراء، فقال: ألكَ غيرها؟ قال: نعم، قال: أفترجو الزيادة فوقَ ما تملك؟ قال: نعم، قال: خذها، فأنت أحوجُ منَّا إليها، ولم يقبلها. وكان يصحب الجنيدَ شابٌّ يتكلَّم على الخاطر، فقال له الجنيد يومًا: إيش هذا الذي يُذكَر عنك؟ فقال له الشابُّ: اعتقدتَ كذا وكذا، فقال الجنيد: لا، ثمَّ فعل ذلك ثانيًا وثالثًا، والجنيد يقول: لا. فقال الشابُّ: أنت صدوق، وأنا أعرف قلبي، فما هذا؟ فقال الجنيد: صدقتَ في جميع ما قلتَ، وإنَّما أردتُ أن أمتحنك هل يتغيَّر قلبُك أم لا. وقال الجنيد: رأيتُ شابًّا في البادية تحت شجرة أمِّ غَيلان، فقلت له: ما تصنع هاهنا؟ فقال: حالٌ فقدتُه، فمضيتُ وتركتُه، فلمَّا قضيتُ الحجَّ عدتُ، وإذا به قد انتقل من ذلك المكان إلى مكان آخر قريبٍ من الشجرة، فقلت له: ما جلوسك هاهنا؟ قال: وجدتُ الذي كنتُ أطلبه في هذا الموضع فلزمتُه، قال الجنيد: فلا أدري أيّهما كان أشرف، لزومُه للمكان الأوَّل لفقد حاله فيه، أو لزومه للموضع الذي نال فيه مُرادَه. وقال جعفر الخلديُّ: دفع إليَّ الجنيدُ درهمًا وقال: اشتر لي به تينًا وَزيريًّا، فاشتريتُه له وأتيتُه به، فأخذ واحدةً وجعلها في فيه، ثمَّ رمى بها وبكى، فقلت: ما لَكَ؟ فقال: هتف بي هاتف: أما تستحي، تركتَ هذا من أجلي ثمَّ تعود إليه؟ وقال الجنيد: جاءني يومًا بعضُ الصالحين فقال: ابعث معي فقيرًا أُدخل عليه سرورًا، ويأكل عندي شيئًا، قال: وعندي فقيرٌ قد شَهِدت فيه الفاقة، فقلتُ: امضِ معه وأدخل عليه سرورًا. فمضى معه ثمَّ عاد سريعًا، وجاء الرجل فقال: يا أبا القاسم، ما أكل إلَّا لُقمةً، فقلت له: هلَّا أتممتَ سرورَ الشيخ، فقال: أكلتُ أكلةً في الكوفة، ودخلتُ عليك في

стр. 7632

بغداد، وكرهتُ أن يَبدوَ منِّي سوءُ أدب من جَهْد الفاقة في حضرتك، فلمَّا دعوتَني سَرَرْتَني إذ جرى ذلك منك ابتداءً، فمضيتُ معه وأنا لا أرضى له بالجنان، فلما جلستُ على مائدته ما أكلتُ سوى لقمة، وقال: كلْ فهذه أحبُّ إلي من عشرة آلاف درهم، فلمَّا ثمَّن اللقمةَ علمتُ أنَّه دنيُّ الهِمَّة، فتطرَّقتُ عن أكل طعامه. وقال الخلديُّ: كان شابٌّ يصحب الجنيد، فكان الجنيد كلَّما ذكر شيئًا صاح الشابُّ، فقال له الجنيد: إن فعلتَ هذا مرَّةً أخرى لم تَصْحَبني، فكان الشابُّ إذا سمع بعد ذلك شيئًا تغيَّر وضبط نفسه، فصاح يومًا صيحةً ومات (١). [ذكر نبذة من كلامه: حكى الخطيب عن المرتعش قال:] قال الجنيد (٢): كنتُ يومًا بين يدي السَّرِيّ وأنا ابنُ سبع سنين، وبين يديه قومٌ يتكلَّمون في الشُّكر، فقال لي: يا غلام، ما حدُّ الشُّكر؟ فقلت: أن لا يُعصَى الله بنِعَمِه، فقال السَّريّ: يا غلام، أخشى أن يكون حظُّك من الله لسانُك. قال الجنيد: فأنا أبكي على الكلمة التي قالها السَّري حتَّى ألقى الله تعالى. وقال: الجنيد: مشى (٣) قوم على الماء باليقين، ومات بالعطش مَنْ هو أقوى يقينًا منهم. [وحكى أبو نعيم (٤) عنه أنَّه] قال: لو أقبل مقبلٌ على الله ألف ألف سنة، ثمَّ أعرض عنه لحظةً واحدة كان ما فاتَه أعظمَ مِمَّا ناله. وقال له رجل: على ما يتأسَّف المحبُّ؟ فقال: على زمانِ بَسْطٍ أَورث قبضًا، وعلى زمانِ أُنْسٍ أورث وَحْشةً، ثمَّ أنشد: [من البسيط] قد كان لي مَشْرَبٌ يَصفو برؤيتكم … فكدَّرتْه يدُ الأيَّام حينَ صفا قال المصنِّف ﵀: وقد مرَّ بي على هذا الوزن والرَّويِّ أبياتٌ من هذا الجنس، وهي: [من البسيط]

стр. 7633

هل عائدٌ وأحاديثُ المُنى خُدَعٌ … على الغَضا زمنٌ من عيشنا سَلَفا هيهات أن تُخْلِفَ الأيامُ من عُمُري … شَبيبةً فيكمُ أنفقْتُها سَرَفا (١) وقال أبو العبَّاس بن مَسْروق: كنتُ أمشي مع الجنيد في بعضِ دُرُوب بغداد، وإذا بمغنٍّ يغني: [من البسيط] منازلٌ كنتَ تهواها وتألَفُها … أيَّام أنت على الأيَّام منصورُ فبكى الجنيد بكاءً شديدًا وقال: يا أبا العبَّاس، ما أطيبَ منازلَ الأُلْفة والأُنْس، وأوحشَ مقاماتِ المخالفات، لا أزال أحنُّ إلى بَدْء إرادتي، وحِدَّة سَعْي، وركوبي الأهوال طمعًا في الاتِّصال، وها أنا ذا في أيَّام الفترة أتأسَّف على أوقاتي الماضية. وسئل (٢) الجنيدُ: مَن العارفُ؟ فقال: مَن يَنطِق عن سرِّك وأنت ساكن (٣). وقال: لا يَصِلُ العبدُ إلى مقام الحريَّة وعليه ذرَّة من حقيقة العبودية. وقال: المعرفة على رؤوس العارفين أحسنُ من التِّيجان على رؤوس الملوك. وقال: ما نجا مَن نجا إلَّا بصدق اللَّجا. وقال: المسير من الدُّنيا إلى الآخرة سهلٌ، ومن النَّفس إلى الله صعبٌ، والصَّبر مع الله أشدُّ. وقال: حدُّ الصَّبر تجرُّع المرارات من غير تَعْبيس. وقال: الحكايات جُندٌ من جنود الله تعالى، يقوِّي بها قلوبَ المريدين، قيل له: فما الشاهد؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ الآية [١٢٠: هود]. وقيل له: ما الفرق بين المريد والمراد؟ فقال: المريد تتولَّاه سياسة العلم، والمُراد تتولَّاه رعايةُ الحقِّ، المريدُ سائر، والمُرادُ طائر، ومتى يلحق السائرُ بالطائر؟ وقال: الصادقُ يتقلَّب في اليوم أربعين مرَّة، والمرائي يثبتُ على حالة واحدة أربعين سنة.

стр. 7634

وسُئل عمّن خرج من الدُّنيا ولم يبق عليه إلَّا مقدارُ مصِّ نواة؟ فقال: المكاتَبُ عبدٌ ما بقي عليه درهم [وهذا الجواب في غاية الجودة] (١). وقال الفتوَّة بالشام، واللِّسان بالعراق، والصِّدق بخراسان. وقال: الفتوة كفُّ الأذى وبَذْلُ النَّدى. وقال: قال لي سريٌّ: تكلَّمْ على النَّاس -وكان في قلبي حِشْمةٌ من الكلام عليهم- فرأيتُ رسولَ الله ﷺ في المنام ليلةَ جُمعة، فقال: يا جنيد، تكلَّمْ على النَّاس، فانتبهتُ، وأتيتُ باب سَرِيّ قبل أن أُصبح، فطرقتُه فقال: لم تصدِّقنا حتَّى قيل لك؟ قال: فجلست في الجامع، واجتمع النَّاس فوقف عليَّ غلام فقال: ما معنى قوله ﵊: "اتقوا فِراسة المؤمن فإنَّه ينظر بنور الله"؟ -[وسنذكر الحديث في آخر ترجمة الجنيد]- فوقع في قلبي أنَّه نصرانيٌّ، فقلت: أنْ تُسلمَ فقد آنَ وقتُ إسلامِك، فأسلم (٢). وقال: إذا رأيتَ الصُّوفي يعنَى بظاهره فاعلم أن باطِنَه خراب. وقال: علمُ التوحيد علمٌ تَضْمَحِلُّ فيه الرسومُ، وتندرج تحته العلوم، وقد طُويَ اليوم بساطه، وإنَّما يتكلَّم النَّاسُ في حاشيةٍ من حواشيه. وقال: أشرفُ كلمةٍ في التوحيد قولُ أبي بكر الصِّدِّيق ﵁: سبحان مَنْ لم يجعلْ لخلقه سبيلًا إلى معرفته إلَّا بالعجز عن معرفته. وقال الكتَّانيُّ: جرت مسألةٌ في المحبَّة في أيَّام الموسم بمكَّةَ، فتكلَّم فيها الشيوخُ، وكان الجنيد أصغرَهم سنًّا، فقالوا: هاتِ ما عندك فيها يا عراقيّ، فأطرق ودَمعتْ عيناه، ثمَّ رفع رأسه وقال: عبدٌ ذاهبٌ بنفسه، متَّصل بربِّه، قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إليه بقلبه، أحرقتْ قلبَه أنوارُ [عظمته و] وحدانيته، شرب بكأس ودِّه من صفاء شربه، فإن تكلَّم فبه، [وإن سكت فبه، وإن تحرَّك فبه،] وإن سكن فبه، فهو بالله ومع الله ولله وفي الله، فبكى القوم وقالوا له: أحسنتَ يا تاجَ العارفين.

стр. 7635

وقيل له: لم يبكي المحبُّ عند لقاء محبوبه؟ فقالا: في الأول سُرورًا بلقائه، وفي الآخر خَوفًا من فراقه. وقال: التقى محبَّان فتعانقا، فقال أحدهما: واشوقاه، وقال الآخر: واوجداه. وقيل له: ما بالُ الإنسان يكون هادئًا فإن سمع السَّماع اضطرب؟ فقال: لأنَّ الله تعالى لَمَّا خاطب الذَرَّ يوم الميثاق وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] استفرغت عُذوبة سماع الكلام الأرواح، فإذا سمعوا ذكره ذكروا العَهْد فاضطربوا. وقال الجنيد: دخلت يومًا على سَرِيٍّ وعنده رجلٌ مغشيٌّ عليه، فقلت: ما حاله؟ قالوا: سمعَ آيةً من كتاب الله تعالى، فقلت: تُقرأ عليه الآية مرَّةً أخرى، فقال: من أين لك هذا؟ قلت: من قميص يوسف ﵇؛ فإنَّ بسببه ذهبتْ عينا يعقوب ﵇، وبالقميص عادتْ، فاستحسن سريٌّ منِّي ذلك. [وقال الخلديُّ: قيل للجنيد: أيزلُّ العارف؟ فقال: وكان أمر الله قَدَرًا مَقْدورًا.] وقال: رأيتُ في المنام كأنَّني أتكلَّم على النَّاس، فوقف عليَّ ملكٌ وقال: أقربُ ما تقرَّب به المتقرِّبون إلى الله ماذا؟ فقلت: عملٌ خفيٌّ بميزانٍ وفيٍّ، فولَّى الملكُ وهو يقول: كلامٌ موفَّق والله (١). وقال: إذا تخلَّى العبد عن الدُّنيا وما فيها فُتحت له أبوابُ المشاهدة، فيستريح من غموم الدُّنيا وما فيها، ويتنزَّه في رياض التَّوفيق، بين يديه قائدُ الحقيقة، فيكتفي بالله عمَّا سواه. وقال: [مَنْ فتح على نفسه باب نيَّة حسنة فتح الله عليه سبعين بابًا من التوفيق، و] مَنْ فتح على نفسه بابَ نيَّةٍ سيئة فتح الله عليه سبعين بابًا من الخُذْلان من حيثُ لا يشعر. وقال له رجل: العناية قبل البداية؟ فقال: بل قبل خلق الماء والطين. وسئل عن قوله عليه الصلاة السلام: "حبُّك للشيء يُعمي ويُصمّ" (٢) فقال: يُعمي عن الدُّنيا، ويُصم عن الأخرى.

стр. 7636

وقال: لو علم منك التَّحقيقَ لوسَّع عليك الطَّريقَ، ولو سِرْتَ إليه في أوَّل المصائب لرأيتَ من لُطفه العجائب. وقال الخلدي: سمعتُه ينشد: [من الطويل] ولو نَطَقتْ بي ألسنُ الدَّهر خبَّرتْ … بأنِّيَ في ثوبِ الصَّبابَةِ أرْفُلُ وما إنْ لها عِلْمٌ بحالي ومَوْضِعي … وما ذاك مفهومٌ لأنِّي مُثْقَلُ (١) قال: ودخلتُ يومًا عليه وهو يبكي، فقلت: ما لكَ؟ فقال: فقدتُ أُنسي في الخلوة، وعدمتُ الإخوان الذين كنتُ أستأنِس بهم، ودون هذا مما يُبكي، وأنشد: [من الكامل] ذُمَّ المنازلَ بعد منزلةِ الهوى … والعيشَ بعد أولئك الأقوامِ (٢) [وحكى الخطيب (٣) عن الخُلْدي عن] الجنيد قال: كلَّمتُ الحسنَ المُسُوحي في شيءٍ من الأُنس، فقال: لو مات مَنْ تحت السماء ما استوحشتُ. ذكر وفاته: [حكى السُّلميُّ عن الخطيب (٤) قال:] دخل أبو العبَّاس بن عطاء عليه وهو في النَّزْع، فسلَّم عليه فلم يردَّ، ثمَّ ردَّ بعد ساعة وقال: اعذُرني فإنِّي كنتُ في ورْدي السابع، ثمَّ حوَّل وجهَه إلى القبلة وكبَّر وتُوفِّي. [وحكى السلمي أيضًا عن] أبي محمد الجَريري قال: كنتُ (٥) واقفًا على رأس الجنيد وهو في الموت -وكان يوم الجمعة- وهو يقرأ القرآن، فقلت: يا أبا القاسم، ارفِقْ بنفسك، فقال: يا أبا محمد، ومَنْ أحوجُ منِّي في هذا الوقت إلى ما ترى؟ وهذه صحيفتي تُطوى، فقلت له: لو اضطجعتَ؟ فقال: هذا وقت يؤخذ منه، الله أكبر ومات.

стр. 7637

وقال: يا أبا محمد، إذا متُّ فاتَّخِذْ لأصحابنا طعامًا، فإذا انصرفوا من الجنازة أكلوا لئلَّا يتشتَّتوا، فبكى الجريريُّ، وقال: والله لئن فقدنا هاتين العينين لا اجتمع منَّا اثنان أبدًا، فكان كما قال (١). وقال في "المناقب": ختم الجنيدُ القرآن عند موته، ثمَّ ابتدأ من سورة البقرة، فقرأ سبعين آيةً ثمَّ مات. واختلفوا في وفاته على ثلاثة أقوال؛ أحدها: في هذه السنة، قال الخطيب (٢): توفِّي يوم السبت في شوَّال، وكان نَيروزَ الخليفة هذه السَّنة. والثاني في سنة ثمانٍ وتسعين [ومئتين. والثالث في سنة تسع وتسعين ومئتين (٣). وغسَّله الجريريُّ، وصلَّى عليه ولدُه. وقال ابن المنادي: ذكر (٤) لي أنَّه حُزِر الجَمْعُ الذين صلَّوا عليه فكانوا نحوًا من ستين ألفًا، ودُفن بمقابر الشُّونيزيَّة، وقبرُه ظاهر يُزار … وقال الجريري: كان (٥) في جوار الجنيد رجلٌ مُصاب في خَرِبَةٍ، فلمَّا رجعنا من الجنازة تقدَّمَنا ذلك المصاب، ووقف على تلٍّ وقال لي: يا أبا محمد، أتراني أرجع إلى تلك الخَرِبَة وقد فقدتُ ذلك السيِّد؟ ثم أنشأ يقول: [من مخلع البسيط] واأسفي من فِراقِ قومٍ … همُ المصابيحُ والحصونُ والمُدْنُ والمُزْنُ والرَّواسي … والخيرُ والأمنُ والسكونُ لم تتغيَّر لنا اللَّيالي … حتَّى توفَّتْهمُ المنونُ فكلُّ جَمْرٍ لنا قلوبٌ … وكلُّ ماءٍ لنا عيونُ ثمَّ غاب، فكان آخرَ العَهْد به.

стр. 7638

[وحكى الخطيب (١) عن] جعفر الخُلْديِّ قال: رأيتُ (١) الجنيدَ في منامي فقلت: ما فعلَ الله بك؟ فقال: طاحت تلكَ الإشارات، وذهبتْ تلك العبارات، وفَنِيَتْ تلك العلوم، ونَفِدت تلك الرسوم، وما نفعنا إلَّا رُكيعات كنَّا نركعها في وقت السَّحَر. لقي الجنيدُ خلقًا كثيرًا من العلماء والشيوخ، فقال: صَحِبتُ خمس طبقات من أكابر النَّاس؛ فأوَّلُهم خالي سَرِيٌّ السَّقَطيُّ، والحارثُ بنُ أسد المحاسبيُّ، وأبو جعفر الخصَّاف، وأبو يعقوب محمد بن الصّباح، ونظراؤهم في السِّنِّ والمكانة. والطبقة الثانية: أبو عثمان الورَّاق، وأبو الحسين بن الكريبي، وأبو حمزة محمد بن إبراهيم، وحسن المُسُوحيُّ، ومحمد بن أبي الورد، ونظراؤهم. والطبقة الثالثة: محمد بن وهب، و [أبو] يعقوبُ الزيَّات (٢)، وسعد الدمشقيُّ البزاز، ونظراؤهم. والطبقة الرابعة: أبو القاسم الواسطيُّ، وأبو العبَّاس الأدَميُّ، وأبو أحمد المغازليُّ، ومحمدُ بن السمَّاك، ونظراؤهم. والطبقة الخامسة، وهي التي نحن فيها، ما رأيتُ أحدًا من هؤلاء زَحَمَتْه حاجةٌ فاحتشم صاحبه (٣) منها، وعلى هذا مضى أكابرُ أهلِ هذه الصِّفة. أسند الجنيدُ الحديثَ عن الحسن بن عَرفة وغيرِه. وقال الخطيب بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا فِراسة المؤمن فإنَّه ينظر بنور الله" ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] (٤).

стр. 7639

[وفيها توفي] عمرو بن عثمان أبو عبد الله، المكِّي. سكن بغداد، وكان شيخَ القوم في وقته، [وله الكلام الحسن،] صحب الجنيدَ وأبا عبد الله النِّباجيَّ وأبا سعيد الخراز وغيرَهم. ذكر المختار من كلامه: حكى أبو عبد الرَّحمن السلمي عنه أنه قال: المروءة (١) التغافل عن زَلَل الإخوان. وقال: العلم قائدٌ، والخوفُ سائقٌ، والنَّفس حَرُونٌ بين ذلك، خدَّاعة روَّاغة، فاحذرها وراعِها بسياسة العِلْم، وسُقْها بتهديد الخوف، يتمُّ لك ما تريد. [وحكى عنه في "المناقب" (٢) أنَّه] قال: كلُّ ما يتوهَّمه قلبُك، أو يَسْنَح في مجاري فكرك، أو يخطر في معارضات سِرِّك من نورٍ أو بهاءٍ، أو أُنْسٍ أو ضياءٍ، أو شبح أو خيال، فالله تعالى بعيدٌ من ذلك، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ الآية [الشورى: ١١]. وقال: واغمَّاه من عَهْد لم تَقُم له بوفاء، ومِن خَلْوةٍ لم تُصحَب بحياء، ومن مسائلَ ما الجوابُ عنها غدًا، ومن أيامٍ تَفْنى ويبقى ما كان فيها أبدًا. وحكى عنه [في "المناقب" (٣) أيضًا] أنَّه رأى الحسينَ الحلَّاج يومًا يكتب شيئًا، فقال له: ما تصنع؟ فقال: أعارض القرآن، فدعا عليه وهَجَره، قال الشيوخ: فالذي حلَّ بالحلَّاج إنَّما كان بدعاء عمرو عليه.

стр. 7640

[واختلفوا في وفاته؛ فقال قوم:] مات عمرو ببغداد، والأصحُّ أنَّه مات بجُدَّة في هذه السَّنة، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومئتين، وقيل: إنَّه وَلِي قضاءَ جُدَّة فهجره الجنيد [وقال: كان يُظهر الزهد في الدنيا ويتولى القضاء!]. أسند عن الرَّبيع بن سليمان [ويونس بن عبد الأعلى] وغيرِهما، وروى عنه الخُلْدي وغيرُه. [وفيها توفي] أبو الحارث الفَيض بن الخَضِر بن أحمد وقيل: الفيض بن محمد الأوْلاسي الطَّرسوسي. [قال السُّلَمي: هو] أحد الزُّهَّاد، وكان في صباه يتعانى اللهوَ والغناءَ، فاجتاز يومًا على مريض مطروح على قارعة الطَّريق، فقال له: ما تشتهي؟ فقال: رُمّانًا، فقال: فأتيته برمَّان فوضعتُه بين يديه، فرفع رأسه إلى السَّماء وقال: تاب الله عليك، فما أمسيتُ حتَّى تغيَّر قلبي عن ما كان عليه. وخرجتُ إلى الحجِّ، فبينا أنا أسير في الليل مررتُ بقوم يشربون، وأجلسوني معهم، وعرضوا عليَّ الشراب، فقلت: أحتاج إلى البول، وذهبتُ في غابة وإذا بسَبُع، فقلت: اللهمَّ إنَّك تعلمُ ما تركتُ، وفيمَ خرجت، فاصرف عنِّي شرَّه، فولَّى وهو يُهَمْهم. ودخلت مكَّة فلقيتُ بها من انتفعتُ به، منهم: إبراهيم بن سعد العلويُّ. وقال (١): رأيت إبليسَ له جُمَّة شَعَر، فأقبلتُ أتملَّق له، وأقول: خَلِّني وربي، فقال: كيف أخلّيك وفي أبيك هلكتُ؟ والله لا أخلِّيكم حتَّى تهلكوا معي، فأخذتُ برأسه، وبركته على حَجَر، وأردت أن أخنِقَه، فذكرتُ أنَّ الله قد أَنْظَره إلى يوم القيامة فتركتُه. [وحكى عنه في "المناقب" أنَّه] قال: أقمتُ ثلاثين سنةً ما يسمع لساني إلَّا من سِرِّي، ثمَّ أقمتُ بعد ذلك ثلاثين سنةً ما يسمع سِرِّي إلَّا من ربِّي. وكانت [وفاته] بطَرَسُوس.

стр. 7641

[وفيها توفي] محمد بن داود ابن عليِّ بن خَلَفٍ، أبو بكر، الأصبهانيُّ، الظاهريُّ، صاحبُ كتاب "الزَّهْرة". كان [على مذهب أبيه داود]، فصيحًا، عالمًا، أديبًا، فقيهًا، شاعرًا، ذا فنون، وكان يُلَقَّب بعصفور الشَّوْك؛ لنحافته وصُفْرة لونه. قال [الخطيب (١) بإسناده عن] رُوَيم بن محمد [قال:] كنَّا عند داود بن علي [الأصبهاني]، إذ دخل عليه محمد ابنُه وهو يبكي، فضمَّه إليه وقال: ما يُبكيك؟ قال: الصبيانُ يلقِّبوني بعصفور الشَّوك، فضحك داود، فقال له ابنُه: أنت أشدُّ عليَّ من الصِّبيان، فقال داود: لا إله إلَّا الله، ما الألقاب إلَّا من السماء، ما أنت إلَّا عصفورُ الشوك. [وروى الخطيب أيضًا بإسناده عن] أبي الحسن الداودي [قال:] لَمَّا جلس (٢) محمد بن داود بعد وفاة أبيه في حلقته استصغروه عن ذلك، فدسُّوا إليه رجلًا وقالوا: سَلْه عن حدِّ السُّكْر ما هو، فسأله الرجل وقال: متى يكون الإنسان سَكرانًا؟ فقال محمد على البديه: إذا عَزَبتْ عنه الهمومُ، وباح بسرِّه المَكْتوم، [وفي رواية: حدُّ السُّكْر أن ترتفع الهموم ويُباح بالمكتوم] فاستحسَنُوا ذلك منه، وعلموا موضعَه من العلم. وقال محمد: ما انْفَكَكْتُ من هوًى قطُّ منذ دخلتُ الكُتَّاب، وبدأتُ بعمل كتاب "الزَّهْرة" وأنا في الكُتَّاب، ونظر أبي في أكثره. ودخل محمد يومًا على ثعلب النَّحْويّ، فقال له ثعلب: اذكر لي شيئًا من صَبْوَتك، فقال: [من الطويل] سقى اللهُ أيَّامًا لنا ولياليًا … لهنَّ بأكنافِ الشبابِ مَلاعِبُ إذ العيشُ غَضٌّ والزَّمانُ بغرَّةٍ … وشاهدُ أوقات (٣) المحبِّين غائبُ فبكى ثعلب.

стр. 7642

وروى الخطيب عن القاضي [أبي عمر محمد بن] يوسف بن يعقوب قال: كنت (١) أُساير أبا بكر بن داود، فسمع جاريةً تغنِّي بشعره وتقول: [من البسيط] أشكو غَليلَ فؤادٍ أنت مُتْلِفُهُ … شكوى عليلٍ إلى إِلْفٍ يعلِّلُهُ سُقمي تزيد على الأيَّام كثرتُهُ … وأنتَ في عُظْم ما ألقَى تُقفلُهُ الله حرَّم قَتْلي في الهَوى سَفَهًا … وأنتَ يا قاتلي ظُلْمًا تُحَلِّلُهُ فقال محمد: يا أبا عمر، كيف السَّبيل إلى ارتجاع مثل هذا؟ فقلت: هيهات، سارت به الرُّكبان. وساير محمد بن داود ابنَ سُرَيج يومًا في طريق ضيِّق، فقال ابنُ سُريج: الطَّريق يُورثُ العُقوقَ، فقال أبو بكر: ويُوجب الحقوق. ومن شعر محمد: [من الطويل] حملتُمْ جِبال الحُبِّ فوقي وإنَّني … لَأَعْجزُ عن حَمْلِ القميصِ وأضعُفُ وما الحُبُّ من حُسْنٍ ولا من سَماحةٍ … ولكنَّه شيء به الروحُ تَكْلَفُ ومن شعره: [من البسيط] يا يوسفَ الحُسْنِ تمثيلًا وتشبيهًا … يا طَلْعةً ليس إلَّا البدرُ يَحكيها مَن شَكَّ في الحُور فلْينظرْ إليك … فما صِيغتْ مَعانيك إلَّا من معانيها وقال أيضًا: [من الطويل] أُكَرَّر في رَوْضِ المحاسنِ مُقْلَتي … وأمنَعُ نَفْسي أنت تنال مُحرَّما رأيتُ الهوى دَعوى من الناس كلِّهم … فما إن أرى حُبًّا صحيحًا مسلَّما ومن شعره وهو أحسن ما قيل (٢): [من الطويل] وإنِّي لأدري أنَّ في الصَّبْر راحةً … ولكنَّ إنفاقي على الصَّبْر من عُمري فلا تُطْفِ نارَ الشَّوق بالشَّوق طالبًا … سُلُوَّا فإنَّ الجَمْرَ يُسْعَر بالجَمْرِ ذكر وفاته:

стр. 7643

حكى الخطيب وغيره أن محمدًا كان يهوى (١) فتًى حَدَثًا من أهل أصبهان يقال له: محمد بن جامع، ويقال: محمد بن زُخْرُف، وكان أبو بكر عفيفًا طاهرًا في عِشْقه، وكان ابنُ جامع يُنفق عليه، وما رأى النَّاسُ معشوقًا يُنفق على عاشقه إلَّا هو، وما زالت محبَّتُه به حتَّى قَتَلَتْه. ودخل ابنُ جامع الحمَّام يومًا، وخرج فأخذ المرآة، فنظر إلى وجه نفسه، فأعجبه وجهُه فغطَّاه بمنديل، وجاء إلى ابن داود وهو على تلك الحالة، فقال له: ما هذا؟ فقال: نظرتُ في المرآة، فأعجبني حُسْني، فما أحببتُ أن يراه أحد قَبْلَك، فغُشي على ابن داود. قال الخطيب: ودخل عليه إبراهيم بن محمد بن عَرَفَة النَّحْويُّ المعروف بنِفْطَويه وقد ضَني (٢) على فراشه، فقال له: يا أبا بكر، ما هذا الضَّنى مع القُدرة والمحبوب مُساعد؟ فقال: أنا في آخر يوم من أيام الدُّنيا، لا أنالني اللهُ لشفاعةَ محمد ﷺ إن كنتُ حَلَلْتُ سَراويلي على حرامٍ قطُّ، حدَّثني أبي بإسناده إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن عَشِق وكَتَم وعَفَّ وصبر، ثمَّ مات مات شهيدًا، وأدخله الله الجنَّة" (٣). قال المصنف ﵀: والحديث رواه الخرائطيُّ رفعه إلى ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن عَشِق فعفَّ فمات فهو شهيد (٤) ". [قال الخطيب:] توفِّي أبو بكر ابن داود يوم الإثنين لتسعٍ خلون من رمضان سنة ستٍّ، أو سبعٍ، أو ثمانٍ وتسعين ومئتين (٥)، وروى عن أبيه وغيرِه، ولَمَّا مات محمد جلس ابن سُريج في عزائه، وبكى، وجلس على التُّراب وقال: ما أسفي إلَّا على ترابٍ

стр. 7644

أكل لسانَ أبي بكر. محمَّد بن طاهر بنِ عبد الله ابنِ طاهر بن الحسين، أبو العبَّاس، النَّيسَابوريُّ. أميرٌ ابن أميرٍ ابنِ أميرٍ ابن أميرٍ، ولَّى المأمون جدَّه طاهرًا الجزيرةَ والرَّقَّة، ثمَّ خُراسان، فمات، فولَّاها ابنَه عبد الله، فمات، فوليها ابنُه طاهر، فمات، فوليها ابنُه محمد صاحب هذه الترجمة، فكانت مدَّةُ إمارة بني طاهر من أيَّام المأمون إلى هذه السنة، وكان يعقوب بن الليث الصفَّار قد ظفر بمحمَّد، فكان معه أسيرًا يطوف به البلادَ إلى سنة اثنين وستِّين ومئتين، خَلُص من أسره، فلم يزل مقيمًا بمدينة السَّلام حتَّى مات. سمع محمد بن طاهر من إسحاقَ بنِ راهويه وغيره، وروى عنه أحمدُ بن حاتم المَرْوزيّ، ومات ببغداد في أيَّام المقتدر سنة ثمانٍ أو سبعٍ وتسعين ومئتين، ودُفن إلى جانب عفه محمد بن عبد الله بن طاهر بمقابر قريش (١). محمد بن العبَّاس بن محمد ابن عمرو الجُمَحيُّ، القاضي. أصلُه من البصرة، وسكن دمشقَ بعد التسعين ومئتين. وكان وَرِعًا، صالحًا، فاضلًا، عَفيفًا، وإذا تقدَّم إليه ذو جاهٍ لا يلتفت إليه. جاءه ابنُ زُنْبُور الوزير ومعه كيغلغ (٢)، فجلسا عنده، فقال له الوزير: للأمير كيغلغ حكومةٌ، يشتهي أن تقضيَ فيها على اختلاف العلماء، فغمَّض عينيه وقال: والله لا أفتحهما وأنتما جالسان، فما فتحهما حتَّى قاما من مجلسه، وما قام قطُّ لظالمٍ. وكان له بيتٌ صغير، إذا جاءه أحد من أبناء الدُّنيا قام فدخل البيت، فإذا جلس الرجل قام فخرج. وكتب إليه محمَّد بن علي ابن الشيخ الماذرائي أبياتًا يعاتبه فيها: [من المتقارب]

стр. 7645

يَعزُّ على مُشْفِقٍ أن يَراك … قريبًا لمَن لستَ من شَكْلِهِ وأنتَ الذي لو تأمَّلْتَه … لأكْبَرتَ قَدْرَك عن مِثلِهِ فهَبْكَ رضيتَ قضاءَ الشآم … وصِرْتَ رئيسًا على أهله ألستَ العَليمَ بأنَّ الفَناءَ … على آدمٍ وبني نَسْله فماذا تقولُ إذا ما دُعِيتَ … إلى مَجْمَعٍ ماجَ من حَفْله وقيل هلُمُّوا بأشياعِكم … وبالجُمَحيّ على رِسْله فهبْكَ اصطَفَيتَ خراجَ البلاد … وما كان في الحَزْن أو سَهْله ولستُ أقولُ لما قد جَمَعْتَ … حرامًا ولكنَّ من حِلِّه فهل فيه فَخْرٌ لذي حِكْمةٍ … وقَيدُ المنيَّةِ في رِجْله وكانت وفاتُه بدمشقَ، وبقي البلدُ شاغرًا من قاضٍ أيَّامًا، حتَّى وليه أبو زُرْعة محمد بن عثمان. يوسف بن يعقوب (١) بن إسماعيل ابن حمَّاد بن زيد بن دِرْهم، أبو محمد، البَصْريُّ، مولى آل جرير بن حازِم الأَزْدي. وُلد سنة ثمانٍ ومئتين، ولي قضاءَ البَصْرة سنة ستٍّ وسبعين ومئتين، وضُمَّ إليه قضاءُ واسط، ثمَّ أُضيف إليه قضاء الشَّرقية ببغداد. وكان حسنَ السِّيرة، جميلَ المذهب، مستقيمَ الطَّريقة، صالحًا، ورعًا، عفيفًا، حاكمًا بالحقِّ، مات مصروفًا عن القضاء في رمضان، غير مطعونٍ عليه في شيء. سمع سليمانَ بن حَرْب وغيرَه، وروى عنه ابنُ قانع وغيره. ولما احتضر دخل عليه إخوانُه يعودُونَه فقالوا: كيف تجدُك؟ فقال: [من الوافر] أرانيَ في انتقاصٍ كلَّ يومٍ … ولا يَبْقى مع النُّقصانِ شيُّ طَوَى العَصْران ما نَشَراه … منِّي فأخْلَقَ جِدَّتي نَشْرٌ وطَيُّ

стр. 7646

السنة الثامنة والتسعون بعد المئتين فيها قَدِمَ القاسمُ بنُ سيما من غزوهِ الصائفة بالرّوم، ومعه خَلْقٌ من الأسارى، وخمسون عِلْجًا قد شُهِّروا على الجمال، وبأيديهم أعلامُ الروم، عليها صلبانُ الذَّهب والفِضَّة. وفيها فُلِجَ القاضي عبد الله بن أبي الشَّوارب، قال [طلحة بن] محمد بن جعفر: لم يزلْ عبد الله بن علي بن [محمد بن] عبد الملك بن أبي الشَّوارب على القضاء بالجانب الشَّرقيِّ من بغداد وعلى الكَرْخ أيضًا من شهر ربيع الأوَّل سنة ستٍّ وتسعين ومئتين إلى أن ضربه الفالجُ فأُسكت، فاستخلف ابنَه محمدًا على عمله كلِّه، وذلك في يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى أو الآخرة، سنة ثمانٍ وتسعين ومئتين. وكان محمد جميلًا، واسعَ الأخلاق، ولم يكن فيه خشونة، فاضطربت الأمورُ بنظره، ولُبِّست عليه في أكثر أحواله، ولم يزلْ على خلافة أبيه إلى سنة إحدى وثلاث مئة، فتوفي فيها (١). وفي ربيع الأول دخل مؤنس الخادم وبين يديه الليث بنُ عليٍّ مشهورًا مغلولًا. وفيها قدم الحسين بن حمدان من قُم إلى بغداد، فخلع عليه المقتدر وولَّاه ديارَ بكر [وربيعة، وكانت الروم قد وصلت إلى ديار بكر]، واستولت على بعض الحصون. وقيل: إنَّ في هذه السَّنة قبض المقتدر على وزيره ابنِ الفرات، وقيل: في السَّنة الآتية لما نذكره إن شاء الله تعالى. وفي ربيعٍ الآخر مات محمد بن عَمْرَويه بآمِد، [قال ثابت بن سنان:] فَحُمِل تابوتُه إلى بغداد، ودُفن في شارع القَحاطِبة. وفي شعبان مات صافي الحُرَمي، وقُلِّد مكانه مؤنس الخادم، واستخلف على الحرم

стр. 7647

في دار السلطان بدَير الحُرَمي. وفيها استتر أبو علي محمد بن عبيد الله الخاقانيُّ؛ لوصول رُقعة له إلى المقتدر يطلب (١) فيها الوزارة، فبعث بها إلى ابن الفرات، واتَّهم ابنُ الفرات عبد الله بن الحسين بن زوران بأنَّه يسعى له في الوزارة، فنفاه إلى الرَّقَّة. [قال ثابت:] وفي شعبان أُخذ رجل من باب المُحَوَّل يقال له: أبو كثير (٢)، واخر يقال له: أبو شاكر، وآخر يعرف بأبي مسلم، وآخر يعرف بالشمري، وذُكر أنَّهم أصحابُ رجلٍ يُعرف بمحمَّد بن بشر يدَّعي الرّبوبيّة. وجاءت الرُّوم في ذي القعدة إلى اللاذقية. وهبَّت ريحٌ صفراءُ حارَّة بحديثة الموصل في ذي الحجَّة فمات لشدة حرِّها جماعة. وحجَّ بالنَّاس الفضلُ بن عبد الملك الهاشميُّ. وفيها توفي أحمد بن محمد ابن مَسْروق، أبو العبَّاس، الصُّوفي، الطُّوسي (٣). أحدُ مشايخ القوم وأصحاب الكرامات، أقام ببغداد وحدَّث بها. ذكر طرف من أخباره وكراماته ومجاهداته: حكى ابن جَهْضَم عنه قال (٤): كانت والدتي تبكي عليَّ يوم الجمعة؛ لأنِّي كنت أنصرف من الجمعة عَليلًا لما أسمعه من الشيوخ، وكنتُ أنظر إلى شيوخي فتكون رؤيتي لهم قوتي من الجمعة إلى الجمعة، وكنتُ ألْبَسُ المُسوح. [وحكى الخطيب عنه] قال: أردتُ السَّفَر فودَّعتُ والدتي، وخرجتُ فمشيتُ أيامًا،

стр. 7648

ثمَّ وقفتُ وَقْفةً، فلم أقدر أن أنقل قَدَمًا إلى قُدَّام، ولم أعلم ما العِلَّة! فرجعتُ إلى بيتي، فطرقتُ الباب ففُتح، وإذا بأمّي قاعدة خلف الباب وعليها سوادٌ، فقلت: ما هذا؟ فقالت: منذ خرجتَ وإلى الآن أنا قاعدةٌ هاهنا، وعاهدتُ الله أن لا أزول من هاهنا حتَّى تعود، فقلت: تلك الوقفة كانت لهذا. [وحكى في "المناقب" عن] الجريري قال: دعانا (١) أبو العبَّاس بن مَسْروق إلى بيته، فاستَقْبَلَنا صديقٌ لنا، فقلنا له: ارجع معنا فنحن في ضيافة أبي العبَّاس، فقال: إنَّه لم يَدْعُني، فقلنا: نحن نستثنيك كما فعل رسولُ الله ﷺ بعائشة ﵂ (٢)، فجاء معنا، فدخلنا على أبي العبَّاس فأخبرناه خبرَ الرجل، فخرج أبو العبَّاس إليه وقال له: جعلتَ موضعي من قلبك أن جئتَ إلى منزلي من غير استدعاء، عليَّ كذا وكذا إن مشيتُ إلى الموضع الذي تقعد فيه إلَّا على خدِّي، ووضع خدَّه على الأرض، ووضع رِجْل [الرَّجُل] على وجهه، وجعل يَسْحَب وَجْهَه على الأرض إلى أن بلغ إلى موضع جلوسه (٣). [وروى الخطيب بإسناده إلى] جعفر الخُلْدي قال: حدَّثني (٤) ابن مسروق قال: دخلتُ إلى الريّ، فقصدتُ أبا موسى الدُّولابي -وكان في ذلك الوقت أشرف مَن يُذْكر- فدخلتُ إليه وسلَّمت عليه، وأقمتُ في منزله ثلاثةَ أيَّام، فلمَّا أردتُ الخروجَ أتيتُه لأودِّعه، فقال: يا غلام، الضيافةُ ثلاثة أيام، وما كان فوق ذلك فهو صدقةٌ منك عليَّ. وقال: دخلتُ على شيخ من أصحابنا، فوجدتُه على حالٍ رثَّة، فقلتُ في نفسي: من أين يرتزق هذا الشيخ؟ فصاح بي: دَعْ عنك هذا الخاطر، فإنَّ لله ألطافًا خفيَّة (٥). وحكى الخطيب عن الخُلدي قال: سمعتُ أبا العباس بن مَسْروق يقول: قدم (٦) علينا شيخٌ، وكان يتكلَّم بكلامٍ حَسَن، وكان عَذْبَ اللسان، جيِّدَ الخاطر، فقال لنا في

стр. 7649

بعض كلامه: كلُّ ما وقع في خواطركم فقولوه لي، فوقع في خاطري أنَّه يهودي، وعرَّفت الجريريَّ فكَبُر عليه، وقوي في خاطري ذلك، فقلت له: يا هذا، قد وقع في خاطري أنَّك يهوديّ، فأطرق ساعة، ثمَّ رفع رأسه وقال: صدقتَ، ثمَّ أسلم، وقال: قد مارَسْتُ الأديانَ كلَّها والمذاهب؛ فما رأيتُ مَن هو على الحقِّ إلَّا أنتم، وحَسُن إسلامه. وقال أبو العباس: كنتُ آوي (١) إلى مسجد فيه سِدْرَة يأوي إليها بُلبُلان، ففقد أحدُهما صاحبَه، وبقي الآخرُ على الغُصْن ثلاثة أيَّام لا ينزل، ولا يلتقط، ولا يشرب ماءً، فلمَّا كان في اليوم الثالث، مرَّ به بلبل آخر فصاح، فذكر البلبلُ الذي كان على الغُصن صاحبَه، فوقع ميتًا. ذكر نبذة من كلامه: حكى السُّلمي عنه أنه قال: من راقب الله (٢) في حركات قلبه عصمه في حركات جوارحه. وقال: أنت في هَدْم عمرك منذ خرجتَ من بطن أمِّك. وحكى في "المناقب" عن جعفر الخلدي قال: سألتُ ابنَ مسروق عن العقل، فقال (٣): مَنْ لم يَحْتَرِز بعقله من عقله لعقله هلك بعقله. وقيل له: ما التوكُّل؟ فقال: الاستسلامُ لجَرَيان القضاء والأحكام. وقيل له: مَن الزاهد؟ فقال: الذي لا يَملكُه مع الله سَببٌ. وقال: كثرةُ النَّظَر إلى الباطل تَذْهب بنور الحقِّ من القلب. وقال: إنَّ الله وَسَمَ الدُّنيا بالوَحْشَة؛ لئلَّا يأنس المطيعون بها. وقال: شجرةُ المعرفة تُسْقى بماء الفكرة، وشَجَرةُ المحبَّة تُسقى بماء الاتِّفاق،

стр. 7650

وشجرةُ الغفلة تُسقى بماء الجهل، وشجرةُ التوبة تُسقى بماء النَّدم. وقال الخُلْديُّ: أنشدني ابن مَسْروق: [من الطويل] وإنِّي لأهواه مُسِيئًا ومُحْسِنًا … وأقضِي على نفسي له بالذي يَقْضي فحتى متى رُوح الحَيا لا يَنالُني … وحتَّى متى أيَّامُ سُخْطِك لا تمضي (١) ذكر وفاته: [قال ابن المنادي:] توفي ابن مسروق في صفر، ودُفن بباب حَرْب وقد بلغ أربعًا وثمانين سنة، وقيل: مات سنةَ تسعٍ وتسعين ومئتين. حدَّث عن خَلَف بن هشام [البزاز] وغيرِه، وروى عنه أبو بكر الشافعي وغيرُه. واتفقوا على فضله، وصِدْقه، وثقَّته، وزُهده، وورعه. وحكى أبو نُعيم عن الجنيد أنَّه قال: رأيتُ (٢) في منامي قومًا من الأبدال، فقلت لهم: هل ببغداد أحد من الأولياء؛ قالوا: نعم، أبو العبَّاس بن مَسْروق، فإنَّه من أهل الأُنس بالله تعالى. [وقال الخطيب: كان ابن مَسْروق معروفًا بالخير، مذكورًا بالصلاح.] (٣) [وفيها توفي] أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين، البغداديُّ، المعروف بابن الرَّاوَنْدي (٤)، الماجِن، المنسوب إلى الهَزْل والزنْدَقة. كان أبوه يهوديًّا وأسلم، فكان بعضُ اليهود يقول للمسلمين: احذروا أن يُفسد هذا عليكم كتابَكم كما أفسد أبوه علينا كتابنا. وكان أبوه يحيى يعلِّم اليهودَ ويقول: قولوا عن موسى إنَّه قال: لا نبيَّ بعدي.

стр. 7651

وروى علي بن المُحَسِّن التنوخيُّ عن أبيه: كان (١) ابن الراوندي يجالس الزَّنادقة وأهلَ الإلحاد، فإذا عوتب، قال: إنَّما أريد أن أعرف مذاهبهم. ثمَّ كاشف وناظر على الإلحاد، وصنَّف في الزَّندقة كتبًا كثيرة، منها كتاب: "نعت الحكمة"، وكتاب "قضيب الذَّهب"، وكتاب "التاج"، وكتاب "الزمرُّد"، وكتاب "الدَّمغ للقرآن"، وكتاب "الفريد"، وكتاب "إمامة المفضول" [، وقد نقض كتابَ الحكمة وغيره أبو عليٍّ محمد بن عبد الوهَّاب الجُبَّائيُّ، ونقض عليه كتاب "الزمرُّد" أبو الحسين عبد الرَّحيم بن محمد الخيَّاط، ونقض عليه كتاب "الزمرُّد" أيضًا أبو علي الجُبَّائي وغيره]. وأزرى في كتاب "الزمرّد" على النبوَّات وقال فيه: إنَّا نجد في كلام أكثم بن صيفي أحسن من ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وإنَّ الأنبياء وقعوا بطِلَّسْمات، كما أنَّ المغناطيس يجذبُ الحديد، وقوله ﵊ لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" (٢) فإنَّ المنجِّم يقول مثل هذا إذا عرف المولد والطَّالع. وقال أبو علي الجبَّائي: لم أجد في كتاب ابن الراونديّ الزنديق [الفاجر] إلَّا السَّفَهَ والكذبَ، قال: وقد وضع كتابًا في قِدَم العالم، ونَفْيِ الصانع، وتصحيحِ مذهب الدَّهْرية، وفي الردّ على أهل التوحيد، قال: وصنَّف كتابًا سمَّاه "الزمرّد" في الطَّعن على النبيِّ ﷺ ، وشتم فيه رسولَ الله ﷺ في مواضعَ، ونسبه إلى الكذب، وطعن في القرآن فادّعى في تسمية هذا الكتاب بالزمرد [لأن الزمرد] له خاصيَّة في نظر الأفاعي والحيَّات إذا رأته عَمِيت، فكان قصدُه أنَّ الحُجَجَ التي أودعها فيها تُعمي حججَ المخالفين له. [وقال أبو علي الجُبَّاليُّ:] ووضع كتابًا لليهود، وكتابًا للنصارى على المسلمين، يحتجُّ لهم فيه على إثبات نبوَّة موسى وعيسى ﵉، ويبطل ما سواهما.

стр. 7652

وقال في كتاب ["الفريد": إن المسلمين احتجوا لنبوَّة نبيّهم بالكتاب] الذي جاء به (١)، وأنَّه تحدَّى به العرب فلم يأتوا بمثله، ولا قَدَروا على معارضته، فيقال لهم: لو أتى جالينوس أو أحدُ الفلاسفة بكتابٍ مثلِ هذا، وادَّعى أنَّ الخلقَ يَعْجزون عن الإتيان بمثله؛ أكانت ثبتت نبوَّته؛ وذكر أشياءَ من هذا القبيل تدل على جهله [وكفره] وسخافةِ عقله. وذكر في "الدامغ" أشياءَ؛ منها أنَّه قال: قوله: ﴿إِنَّ كَيدَ الشَّيطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وأيُّ ضعفٍ فيه وقد أخرج آدمَ من الجنَّة، وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] فعذَّب جلودًا لم تَعْصِه. ومنها أنَّه أهلك أمَّة عظيمةً بناقة، وما قَدْرُ ناقة؟ وذكر أشياءَ من هذه الحماقات والخرافات. وقد أجاب الشيخ أبو الفرج ابن الجوزيِّ رحمة الله عليه عن بعض شبهه (٢)، وقد كان الواجب الإعراضَ عنه؛ فإنَّ السفيهَ لا يُقابَل إلَّا بالسكوت، وإنْ فاته العقابُ في الدُّنيا لم يَفُتْه في الآخرة. قال المصنِّف ﵀: والمختارُ عندي في كتبه الغَسْل، وفي نفسه القتل، وأمَّا حكاياتُه في الهَزْل والاعتراض على الله تعالى والسُّخرية والاستهزاء فأشهرُ من أن تخفى [وتذهب آثارها وتعفى]. [واختلفوا في سبب وفاته] قال عليُّ بن عقيل الحنبليُّ: صلبه بعضُ السلاطين، وقيل: إنَّه مات على فراشه ببغداد وهو ابنُ ستٍّ وثمانين سنة، لعنةُ الله عليه وعلى مَن يعمل بعمله آمين. [وفيها توفي] أبو عثمان [الحِيْريُّ واسمه] سعيد بن إسماعيل بن سعيد، النَّيسابوري، الواعظ (٣).

стр. 7653

وُلد بالرّيّ ونشأ بها، ثمَّ انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن مات، وكان أوحدَ المشايخ في وقته، ومنه انتشرت طريقة التصوُّف بنيسابور، وقدم بغداد وحدَّث بها، وكان مجابَ الدَّعوة، وكان أبو حفص الحدَّاد قد زوَّجه ابنتَه بنيسابور، وأخذ الطريقةَ عنه. قال ابنُ المنادي: [ولد بالرَّيِّ]، وخرج إلى نيسابور مع شيخه شاه بن شجاع الكرمانيّ يزور أبا حفص النيسابوريّ، فزوَّجه ابنته. [وحكى في "المناقب" عن] أبي عثمان قال: صحبتُ (١) أبا حفص الحدَّاد وأنا شابٌّ، فطردني وقال: لا تجلس عندي، فقمتُ قائمًا ولم أُوَلِّه ظهري، وجعلتُ أمشي إلى ورائي ووجهي إلى وجهه حتَّى غبتُ عنه، وجعلتُ في نفسي أن أحفِرَ على بابه حُفيرةً، ولا أخرج منها حتَّى يرضى عنِّي، فلمَّا رأى ذلك منِّي قرَّبني، وأدناني، وجعلني من خواصِّ أصحابه (٢). وكان بين زكريا النَّخْشَبي وبين امرأةٍ سببٌ قبل توبته على يدي أبي عثمان، فبينا زكريا يومًا قائم على رأس أبي عثمان بعدما صار من خواصِّ تلامذته، فكَّر في شأن المرأة، فرفع أبو عثمان رأسَه إليه، وقال له: أما تستحي (٣)؟! وجاء رجلٌ إلى أبي عثمان (٤) فدعاه إلى ضيافة، فمشى معه إلى باب داره، فقال له يا أستاذ، ليس لدخولك اليوم وجة، وقد ندمتُ، فرجع، ثمَّ عاد إليه ثانيًا وثالثًا ورابعًا وهو يردّ، ثمَّ أخذ بعد ذلك يعتذر إلى أبي عثمان ويقول: إنَّما أردتُ أن أختبرَك، وأخذ يَمدَحُه، فقال له أبو عثمان: لا تمدحْني على خُلُق تجد في الكلاب مثلَه، فإنَّ الكلب إذا دُعي حضر، وإذا زُجِر انزجر. واجتاز أبو عثمان يومًا بسكَّةٍ وقتَ الهاجرة، فألقي عليه من سطحٍ طشتٌ فيه رماد، فتغيَّر أصحابه، وبسطوا ألسنتهم على الذي ألقاه، فقال أبو عثمان: لا تقولوا شيئًا، مَن استحقَّ النار فصُولح على الرماد حُق له أن لا يغضب.

стр. 7654

[وحكى الخطيب (١) عن امرأة أبي عثمان قالت: كنَّا نؤخِّر اللعبَ والضحك حتى يدخل أبو عثمان في وِرْده.] وقال أبو عمرو بن نُجَيد: اختلفتُ إلى أبي عثمان في حال شبابي، وكنت قد حَظِيت [عنده] (٢)، فاشتغلتُ عنه بما يشتغل به الفتيان، وانقطعتُ عنه، وكنتُ إذا رأيتُه في طريقٍ اختفيتُ منه، فلقيتُه يومًا في سكَّةٍ، فهربت منه، فناداني: يا أبا عمرو، لا تَثِقَنَّ بمودَّة مَن لا يحبَّك إلا مَعصومًا، إنَّما ينفعك أبو عثمان في مثل هذه الحالة، فتاب أبو عمرو ورجع إلى الإرادة. [وقال الخطيب بإسناده عن محمد بن نعيم الضَّبيِّ قال: سمعت أمي تقول: سمعت] مريم امرأة أبي عثمان [تقول]: صادفتُ (٣) من أبي عثمان خلوةً فاغتنمتُها، فقلت: يا أبا عثمان، أيُّ عملك أرجى عندك؟ فقال: يا مريم، لما ترعرعتُ وأنا بالرَّي كانوا يريدونني على الزواج و [أنا] أمتنع، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان، قد أحببتُك حبًّا أذهب نومي وقراري، وأنا أتوسَّل إليك بمقلب القلوب أن تتزوَّج بي، قلت: ألك والد؟ قالت: نعم، فلان الخيَّاط في موضع كذا وكذا، فأرسلتُ إليه أن يزوِّجَها منِّي، ففرح بذلك، وأحضر الشهود، فزوَّجني بها، فلمَّا دخلتُ بها وجدتُها عوراءَ عرجاءَ مشوَّهة الخَلْق، فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدَّرتَه لي، وكان أهلي يلومونني على ذلك فأزيدُها بِرًّا وإكرامًا؛ إلى أن صارت لا تَدَعْني أخرج من عندها، فتركتُ حضورَ المجالس إيثارًا لرضاها وحِفظًا لقلبها، وبقيتُ معها على هذه الحالة خمس عشرة سنةً، وكنتُ على الجَمْر من ذلك، لا أُبدي لها مِمَّا عندي شيئًا إلى أن ماتت، فما شيءٌ أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي. [ذكر نبذة من كلامه:] قال: منذ أربعين سنة (٤) ما أقامني الله في حالٍ فكَرِهتُه، ولا نَقَلني إلى غيره فتَسَخَّطْتُه.

стр. 7655

وقال: الصحبةُ مع الله بالأدب، ومع رسولِه باتَّباع السُّنَّة، ومع الأولياء بالاحترام والخدمة، ومع الأهل بحُسن الخُلُق، ومع الإخوان بدوام البِشْر، ومع الجُهَّال بالدُّعاء (١) لهم. وقال [أبو] (٢) عمرو بن مَطَر: حضرتُ مجلس أبي عثمان، فخرج فقعد في الموضع الذي يقعد فيه للتَّذكير، فسكت حتى طال سكوتُه، فناداه رجل: نرى أن تقول في سكوتك شيئًا، فقال: [من الطويل] وغيرُ تقيٍّ يأمرُ النَّاس بالتُّقى … طبيبٌ يداوي والطبيبُ مريضُ فارتفعت الأصواتُ بالبُكاء والنحيب. وكان ينشد: [من الطويل] أسأتُ ولم أُحسِنْ وجئتُكَ هاربًا … وأين لعبدٍ من مَواليه مَهْرَبُ يؤمِّل غُفرانًا فإنْ خاب ظنُّه … فما أحدٌ منه على الأرض أَخْيَبُ وقال: لا يَكمُل العبدُ حتَّى يستويَ في قلبه أربعةُ أشياء: المنعُ، والعطاء، والعزُّ، والذُّلُّ. وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَينَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] إنَّ معناه: رجوعُهم إلينا وإن تمادَى بهم الجَوَلان في ميادين المخالفات (٣). وقال: الخوفُ من الله يوصلك إليه، والعُجْب والكِبْر يقطعانك عنه، واحتقار النَّاس في نفسك مرضٌ عظيم لا يُداوى. وقال: العاقلُ من تأهَّبَ للمخاوفِ قبل وقوعها. وقال: قطيعةُ الفاجر غُنمٌ (٤). وقال: حقٌّ لمن أعزَّه الله بالمعرفة أنْ لا يُذِلَّ نفسَه بالمعصية.

стр. 7656

وقال: الزهدُ في الحرام فريضةٌ، وفي المباح فضيلةٌ، وفي الحلال قُربةٌ. وقال: الرضا بابُ الله الأعظم. وقال: اصحب الأغنياءَ بالتعزُّز، والفقراءَ بالتذلُّل، فإنَّ التعزُّزَ على الأغنياء تواضع، والتذلُّل للفقراء شرف (١). وقال: ثمرة الورع خفَّةُ الحساب (٢). وقال في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]: هذا معونةٌ (٣) للمشتاقين، ومعناه: إنِّي أعلمُ أنَّ اشتياقَكم إليَّ غالب، وقد أجَّلتُ للقائكم أجلًا، وعن قريبٍ يكونُ وصولكم إلى مَن تشتاقون إليه. وقال: مَن أضرَّ به الرجاءُ حتَّى قاربَ الأمن، فالخوفُ له أفضل، ومن أضرَّ به الخوف حتى قارب الأياس، فالرجاء له أفضل (٤). ذكر وفاته: [وقال أبو نعيم وغيره:] توفي يوم الثلاثاء لعشير بقينَ من ربيع الآخر بنَيسابور، وقبره ظاهرٌ يزار (٥). [قال:] ولما تغيَّر عليه الحال، مَزَّق ابنُه أبو بكر قميصَه، ففتحَ أبو عثمان عينه وقال: يا بنيّ، خلافُ السنَّة في الظاهر علامةُ الرياء في الباطن (٦). سمع أبو عثمان محمدَ بن إسماعيل الأَحْمَسيّ وغيره (٧). [وقال السُّلميّ:] وكان لأبي عثمان ابنة صالحة تسمَّى عائشة، وكانت مجابةَ

стр. 7657

الدعوة، وكانت تقول: مَن استوحشَ في وحدته (١) فذلكَ لقلَّة أُنسِه بربِّه. وتأخَّر موتها إلى سنة ستٍّ وأربعين وثلاث مِئة. [وفيها توفي] سَمنون بن حمزه - ويقال: [ابن] عبد الله- الصوفيّ، أبو القاسم، المُحبّ. أصلُه من البصرة، و [لكنه] سكنَ بغداد، وكان من ساداتِ المحبِّين، قد غلبَ عليه حبُّ الله تعالى، كثيرَ العبادة، [فروى الخطيب بإسناده إلى أبي أحمد المغازلي قال: كان ورد سمنون] كل (٢) يومٍ وليلةٍ خمس مئة ركعة. وُسْوسَ، وكان يتكلَّم في المحبَّةِ أحسن كلام (٣). [ذكر] طرف من أخباره [وكلامه: حكى أبو نعيم بإسناده عن أبي أحمد القلانسيّ قال: فرَّق رجلٌ ببغداد أربعين ألف درهم على الفقراء، فقال لي (٤) سمنون: ليس لنا مالٌ نُنفقه، قم بنا إلى المدائن، قال: فخرجنا فصلَّينا أربعينَ ألف ركعة؛ مكانَ كلِّ درهيم ركعة، وزُرْنا سلمان (٥) وحذيفة وانصرفنا. وذكرنا هذا فيما تقدم. وحكى في "المناقب" عن سمنون] قال: دخلت عبَّادان فسألتُ عن رجل آنسُ به، فقالوا: ما بقيَ عندنا إلَّا شيخٌ قد نقر لنفسه [في البحر] ساجة، وهو يتعبَّد فيها في البحر منذ ثلاثين سنة، وربَّما ألقتهُ الريح إلى هاهنا في كلِّ سنةٍ مرَّة أو مرَّتين. [قال]: فخرجتُ فوافيته في الساجة، فسلَّمت عليه، وقلت: حدّثني بأشدِّ ما رأيت في هذا البحر، فقال: هبَّت ليلةً ريحٌ شديدةٌ، وأظلمَ البحر (٦) وخبَّ (٧) حتى ما رأيتُ مثله قطّ، وتداخلني وَحْشَةٌ عظيمةٌ، فطلبتُ شيئًا أُزيل به عنِّي الوَحشة، وإذا بتنينٍ عظيمٍ قد فتح فاه، فألقاني

стр. 7658

الموجُ إلى فيه وأنا في الساجة، فدخلتُ في فيه، وجلست على نابٍ من أنيابه، وصلَّيتُ ركعتين، فزال عني ما كنت أجدُه من الوحشة (١). وقال سمنون: أوَّل وصالِ العبدِ للحقِّ هوانُه لنفسه (٢)، وأوَّلُ هجرانِ العبد للحق مواصلتُه لنفسه. وقال: لا يُعبَّر عن شيءٍ إلَّا بما هو أرقّ منه، ولا شيءأرقُّ من المحبة، فبماذا يُعبَّرُ عنها؟ وقال: الفقيرُ الصادقُ هو الذي يأنسُ بالعدم كما يأنسُ الجاهلُ بالغِنى، ويستوحشُ من الغنى كما يستوحشُ الجاهل من الفقر (٣). وسئل عن قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٥٤]، فهل يجوز أن يُنسَبَ المكرُ إلى الله تعالى، فأنشد: [من الوافر] ويقبحُ من سواكَ الفعلُ عندي … فتفعلُه فيحسنُ منك ذاكَا فقال له السائل: أسألُك عن تفسيرِ آيةٍ من كتاب الله، تجيبُني ببيتٍ من الشعر، فقال له: يا جافي، إنَّ الله آلى على نفسِه أنْ لا يودِع حكمتَه عند أعجميِّ القلب! [لم] أجبك بشعر عَجْزًا عن البيان، وإنما أردتُ أنْ أخبرك أنَّ في أقلِّ الأشياء أدلَّ الدلائل عليه، اسمع، تخليتهم مع المكرِ مكرٌ منه بهم، إذ لو شاءَ منع (٤). وقال: ذهبَ المحبُّون لله تعالى بشرفِ الدنيا والآخرة؛ أليس النبيُّ ﷺ يقول: "المرءُ مع من أحبّ" (٥)، فهم مع الله تعالى (٦). [قال:] وقال إبراهيم بن فاتك: رأيتُ سَمنون يتكلَّم على الناس في المسجد (٧)، فجاء طائرٌ صغير، فلم يزل يدنو منه حتَّى جلس على يده، ثُمَّ لم يزل يضرب بمنقاره الأرضَ حتَّى سال منه الدم، ومات الطائر.

стр. 7659

وقال: رأيتُه يتكلَّم يومًا في المحنَّة، فاصطفقت (١) قناديلُ المسجد، وكسر بعضُها بعضًا. قال: وسمعتُه يقول: إذا بسطَ الجليلُ غدًا بساط المجد، دخلت ذنوبُ الأوَّلين والآخرين تحت حاشيةٍ من حواشيه، فإذا شاء الجوادُ ألحقَ المسيءَ بالمحسن (٢). [وحكى عنه أيضًا في "المناقب" أنه أنشد يومًا] (٣): [من مخلع البسيط] وليس لي في سواك حظُّ … فكيفَ ما شئتَ فاختبرنِي [فأخذه الأسرُ من ساعته، أي: حصر بوله، فكان يدورُ على المكاتب، ويفرِّق الجوزَ على الصبيان، ويقول: ادعوا لعمِّكم الكذَّاب. وحكى في "المناقب" أن سمنون لما حُبِسَ بوله] كان (٤) يتجلَّد ويقول: وليس لي في سواك حظٌّ البيت. و [كان] يصبرُ ولا يجزع، فسمعَ يومًا جماعةً من أصحابه يتحدَّثون ويقولون: سمعنا أستاذنا سمنون يسألُ الله ويتضرَّع إليه، وقال واحدٌ: وأنا سمعتُه، وقال آخر: وأنا سمعته، ولم يكن دعا بشيء، فعَلِم [أنَّ] المرادَ منه إنَّما هو إظهارُ الجزع والافتقار إلى الله تعالى تادُّبًا بالعبودية (٥) وسترًا للحال، فكان يدورُ على المكاتب، ويفرِّقُ الجوزَ على الصبيان، ويقول: ادْعُوا لعمِّكم الكذاب (٦). وقال: عليّ بن محمد الصُّوفيّ: كان سَمنون يشطحُ ويقول: [من الكامل] ضاعِفْ عليَّ بجَهْدِكَ البلوى … وابلُغْ بجهدي غايةَ الشّكوى واجهدْ وبالغ في مُهاجرتي … واجهرْ بما في السِّرِّ والنَّجْوَى فإذا بلغتَ الجَهْدَ فيَّ ولم … تترك لنفسِك غايةَ القُصْوَى

стр. 7660

فانظر فهل حالٌ بي انتقلَتْ … عمَّا تحبُّ لحالةٍ أُخرى فعوقبَ على ذلك بقطر البول (١)، فرأى في منامه كأنَّه يشكو حاله إلى بعض الصّالحين، فقال له: عليك بدعاء الكتاتيب، فكان يطوفُ على الكتاتيب وبيدِه قارورةٌ يَقطرُ فيها بولُه، ويقول للصبيان: ادعوا لعمِّكُم الكذاب المُبْتَلى بلسانه (٢). [وحكى أبو نعيم عن أبي بكر الواسطي قال:] (٣) قال سَمنون: يا رب قد رضيتُ بكلِّ ما تقضيه عليَّ، فاحتبس بولُه أربعة عشر (٤) يومًا، فكان يتلوَّى كما تتلوَّى الحيَّةُ على الرمل يمينًا وشمالًا، فلمَّا أُطلقَ بولُه قال: يا ربّ، تُبتُ إليك. وهذا إنَّما هو استعمالُ الرِّضا والتسليم لله تعالى، وتلقِّي ما يَرِدُ من قضائه وقَدره على وفق ما وقع، لا أنَّه يقاوي. وقال النُّوري: سألتُ سَمنونًا عن المحبة، فقال: عن أبيِّ شيءٍ تسأل؛ عن محبة الله إيَّاك، أو عن محبتك الله؟ فقلت: بل عن محبة الله لي، فقال: لا تطيقُ الملائكة سماع ذلك، فكيف أنت؟! لقد تكلَّمت أمس مع الخضر والملائكةُ يسمعون قولي، ويستحسنون قولي وكلامي، والحقُّ حاضر، فلم يعب عليَّ، ولو عاب عليَّ لأخرسني (٥). قال المصنف ﵀: أمَّا قوله عن الخضر، فقد قدَّمنا الكلام في حياته، وأمَّا سماعُ الملائكة قولَه، فلقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وأما استحسانُهم كلامَه، فإنَّ الكلام الحسن تستحسنه الملائكة وغيرها في الغالب، وأمَّا قوله: والحقُّ حاضر، فلقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا﴾ (٦) [المجادلة: ٧]، أي بالعلم، ومعنى قوله: لو عاب علي لأخْرَسَني: إنَّني أقمتُ الأدلَّة من كتاب الله وسنَّة نبيّه ﷺ ، ومن أصول الشريعة وكلام القوم، وتقديره: فكيف يخرسني وأنا أقول الحق (٧)؟!

стр. 7661

وقال السُّلَمي: كان سمنون جالسًا (١) على شاطئ دِجلة، وبيده قضيب، وهو يضرب [به على] فخذه حتى تبدَّد اللحم، وهو [ينشد و] يقول: [من المديد] كان لي قلبٌ أعيشُ به … ضاعَ منِّي في تَقلُّبِهِ ربِّ فارْدُدْهُ علَيَّ فقد … عِيلَ صبري في تطلُّبه وأَغِثْ ما دامَ بي رَمَقٌ … يا غياثَ المستغيثِ بهِ (٢) [وذكر أبو نُعيم والسُّلميّ والخطيب وابنُ خَميس في "المناقب" طرفًا مِمَّا كان ينشده سَمنون لنفسه ولغيره، فمن ذلك هذه الأبيات:] (٣) [من الطويل] وكانَ فؤادي خاليًا قبلَ حُبِّكُم … وكان بذكرِ الخلقِ يَلْهُو وَيمرَحُ (٤) فلما دعا قلبي هواكَ أجابهُ … فلستُ أُراهُ عن فِنَائكَ يَبْرَحُ رُميتُ ببَينٍ منك إنْ كُنتُ كاذبًا … وإنْ كنتُ في الدُّنيا بغيركَ أَفرحُ وإن كان شيءٌ في البلاد بأسرِها … إذا غبتَ عن عيني بعيني يَمْلُحُ فإنْ شئتَ واصِلْنِي وإنْ شئتَ لا تَصِلْ … فلستُ أَرى قلبي لغيركَ يَصْلُحُ (٥) ومنها: [من البسيط] أنت الحبيبُ الذي لا شكَّ في خَلَدِي … منه فإنْ فَقَدَتْكَ النَّفْسُ لم تعِشِ يا مُعْطِشي بوصالٍ كنت واهبَهُ … هل فيك لي راحةٌ إن صِحْتُ واعَطَشِي ومنها: [من الطويل] أحِنُّ بأطرافِ النَّهارِ صَبابةً … وفي الليلِ يَدعونِي الهوَى فأُجيبُ وأيامُنا تفْنَى وشوقي زائدٌ … كأنَّ زمانَ الشَّوقِ ليسَ يَغيبُ (٦) ومنها: [من الطويل]

стр. 7662

ولو قلتَ طأ (١) في النار أعلم أنَّهُ … رضي لك أو مُدْني لنَا من وصالِكَا لقدَّمتُ رجلي نحوهَا فوطِئْتُها … لعلميَ أني (٢) قد خطرتُ ببالكَا من أبيات (٣). توفِّي سَمنون ببغداد، ودُفِن بمقابر الشونيزيَّة قريبًا من الجنيد، رحمة الله عليهما. [فصل:] صاق الخادم الحُرَمي كان حاكمًا على الدولة، وقد ذكرناه في مواضع، وكانت وفاته في شعبان، واستقل مؤنس بالأمر (٤). وكان لصافي غلامٌ اسمه قاسم، فلما احتُضر أحضر القاضي والشهود، وأشهدَهم على نفسِه أنَّه ليس له عند غلامه قاسم مالٌ ولا عقارٌ، ولا قليل ولا كثير، فلمَّا مات حملَ قاسمٌ إلى المقتدر مئةَ ألف دينار، وعشرينَ ألف دينار وسبع مئة مِنْطَقة، وقال: هذا كان له عندي، فاعجب المقتدر، وولَّاه مكان صافي، ورفع منزلتَه (٥). [وفيها توفي محمدُ بن عليّ بن طَرْخَان ابن عبد الله بن جَبَّاش، أبو بكر، البَلْخي، ثم البيكَنْدي (٦). ذكرهُ ابنُ ماكولا وقال: كانَ حافظًا للحديث، حسن التصانيف. رحل إلى العراق والشام وغيرها، فسمع ببَلْخ حَفْصَ بن عمرو العابد وغيره (٧)، وبالشام هشامَ بن عمَّار

стр. 7663

وغيره، وقُتَيبةَ بن سعيد وغيره، وخلقًا كثيرًا. وحدَّث عنه ابنه (١) عبد الله بن محمد وغيره. وماتَ في رجب، وكان ثقةً. وفيها توفي محمد بن نَصْر ابن منصور الصَّائغ، أبو جعفر، البغدادي. حدَّث عن إسماعيل بن أبي أويس وطبقته، ورَوى عنه الخُطبي، وابنُ المنادي، وابن صاعد (٢) وغيرهم. وماتَ في رمضان ببغداد (٣). وكان ثقةً مامونًا. وفيها توفي محمد بن يحيى بن سليمان أبو بكر الورَّاق، مروزيُّ الأصل، سكن بغداد، وكان مكثرًا (٤). وروى عن أبي عبيد القاسم بن سلَّام وطبقته، وروى عنه أحمد بن سليمان النَّجَّاد، والخُطَبي، وابن المنادي، وأبو بكر الشافعي، وغيرهم. وكانت وفاته ببغداد بالجانب الغربي بدرب الحَبَّاقين في باب الشام، وكان ثقة. وفيها توفي

стр. 7664

عبد السَّلام بن أحمد ابن إسماعيل (١) بن مالك بن دينار، أبو بكر، البَصْريّ. نزل مصر، وحدَّث بها عن هشام بن عمَّار (٢) وغيره، ورَوى عنه أبو سعيد بن يونس، والحسن بن رَشيق العَسْكري، وغيرهم. وكانت وفاته بمصر في ربيع الآخر. وكان صدوقًا صالحًا ثقةً، وكان قد سمع قديمًا بمصر الحسن بن علي القراطيسي، وعيسى بن حماد زُغْبَة، وغيرهما (٣)]. * * *

стр. 7665

السنة التاسعة والتسعون بعد المئتين [قال ثابتُ بن سنان: وفيها ظهرت ثلاثةُ كواكب مُذَنَّبة؛ أحدها ظهرَ ليلة الخميس لخمسٍ بقين من شهر رمضان في برج الأسد، والآخرُ ظهرَ ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلةً بقيت من ذي القعدة في المشرق، والثالثُ ظهر ليلة الأربعاء لعشرٍ بقين من ذي القعدة في برج العقرب. قال: وطلوعُ هذه الكواكب قبل] قبض المقتدر (١) على الوزير أبي الحسن بن الفرات يوم الأربعاء (٢) لأربعٍ خلون من ذي الحجَّة، ووكَّل بداره، وهتك حُرَمَه أقبح هتك، ونُهبت دوره ودور كتَّابِه وأسبابه، وأخذ كلما وجد له ولأهله. وقيل: ادُّعي عليه أنَّه كَاتَبَ الأعراب بأنْ يكبِسوا بغداد. ولَمَّا نُهبت دوره، وقعت الفتنةُ ببغداد، ونهب الناس، وكان مؤنس الخازن متولِّي الشرطة [ببغداد]، فركب، وسكَّنَ الناس فلم يسكنوا، ودامَ النهبُ ثلاثةَ أيام، وكان مؤنس يركبُ كلَّ يوم في تسعة آلاف فارس وراجل (٣). [قال ثابت:] فكانت [مدة] وزارة ابن الفرات هذه الأولى ثلاث سنين وثمانية أشهر وثلاثة عشر يومًا (٤). [قال:] واستوزرَ المقتدرُ أبا عليّ محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان.

стр. 7666

[وفي رواية: وكان قد ضمن لأم ولد المعتضد (١) -أو المقتدر- مئة ألف دينار، فأشارت على المقتدر بولايته.] وفيها وردت هدايا [من] مصر، [قال الصولي:] وفيها ضلعُ إنسانِ طولُه أربعة عشر شِبْرا في عرض شبر، زعموا أنه من قوم عاد، [قال: وفيها] تيسٌ له ضَرْعٌ يحلبُ لبنا، وخمسُ مئة ألف دينار (٢)، قالوا: وُجِدت في كنز. [قال الصولي:] ووردت رسلُ أحمد بن إسماعيل والي خراسان بهدايا جليلة لم ير مثلها، [فيها] بدنةٌ مرصَّعةُ بفاخر [الدُّرِّ و] اللؤلؤ، وتاجٌ من ذهبِ مرصَّعٌ بجوهرِ له قيمة كبيرةٌ، ومناطق الذهب المرصَّعة، وعنبرٌ كثيرٌ ومسكٌ، وربعةُ ذهبٍ مرصَّعة بالجوهر، وخيل وغيرها. [وقال ثابت: وفيها وردَ الخبرُ من فارس بأنَّه حدثَ بها طاعون مات فيه سبعةُ آلاف إنسان. قال:] وفيها وَردتْ هدايا يوسف بن أبي السَّاج، وهي خمسُ مئة رأسِ من الخيل والبغال والثيابِ والرقيقِ والسِّلاح، [قال الصوليّ:] ومن المال ثمانونَ ألف دينار، و [كان في الهديَّة] بساطٌ رومي أو أرمنيّ (٣)، لم يُر مثلُه، طوله سبعون (٤) ذراعًا في عرض ستين [ذراعًا، وعليه مكتوب أنه عُمِلَ في عشر سنين]. وحجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك [أيضًا] (٥). [فصل] وفيها توفي

стр. 7667

أحمد بن نَصْر بن إبراهيم (١) أبو عمرو، الخَفَّاف، الحافظ. رحل في طلب الحديث، ولقي الشيوخ، وكان زاهدًا مُتعبّدًا، صامَ نيفًا وثلاثين سنةً، وتصدق بألوفٍ سرًّا وعلانية. [وذكره الحاكم أبو عبد الله في "تاريخ نيسابور" وأثنى عليه. وقال الحاكم: سمعت أبا حامد بن محمد المغربي (٢) يقول:] وقف سائل [على أبي عمرو الخَفّاف] (٣)، فأمرَ له بدرهمين، فقال الرجل: الحمدُ لله، فقال لصاحبه: اجعلها خمسة، فقال الرجل: اللهم لك الحمد، فقال: زده خمسة، فلم يزل الرجل يحمدُ الله وهو يزيده (٤) حتى بلغ مئة درهم، فقال الرجل: جعل الله عليك واقيةً باقيةً (٥)، فقال أبو عمرو: والله لو لم يرجع من الحمد إلى غيره لبلغت عشرةَ آلاف درهم. [قلت: وإمامه في هذا عمر بن عبد العزيز ﵁، لما جاءته تلك المرأة من العراق، وقالت: لي خمسُ بنات كسلٌ كسد، فقال لها: سمِّي الأولى، ففرضَ لها، وهي تحمدُ الله، وسمت الثانيةَ والثالثة، وهو يفرضُ لهنَّ، فلما ذكرت الرابعة دعت له (٦)، فرمى بالقلم، وقال: مري بناتِك يُفِضْن عليها، فإني لا أفرضُ لها، قالت: ولم؟ قال: لأنِّي كنتُ أفرض لهنَّ لمَّا كنتِ تقولين الحمدَ لمستحقِّه، أمَّا إذا أفضتِ الأمر إليَّ فلا. وقد ذكرناه في سيرة عمر بن عبد العزيز ﵁. وكانت وفاة] أحمد (٧) [بن نصر] في شعبان.

стр. 7668

وسمع إسحاق بن راهويه، [ومحمد بن رافع، وأبا كُرَيب] وغيره، وروى عنه الخُطَبيُّ وطبقتُه. وكان صدوقًا ثقةً، يذاكرُ بمئةِ ألف حديث. الحسين بن عبد الله بن أحمد أبو علي الخِرَقي، والد عمر مصنف كتاب "الخِرَقي" على مذهب الإمام رحمةُ الله عليه. وكان الحسين خليفةَ المرُّوذيّ، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا. توفي يوم الفطر، ودُفن عند الإمام أحمد. حدَّث عن حمَّاد (١) وغيره، ورَوى عنه أبو بكر الشافعيّ وغيرُه. الحَكم بن عبد الله ابن مَسْلَمة بن عبد الرحمن (٢)، أبو مُطيع، البَلْخيّ. إمامُ أهل خراسان في وقتِه، وكان زاهدًا ورعًا عابدًا عارفًا بمذاهب الصحابة والتابعين، وكان من الأكابر. قدم بغداد غير مرة وحدَّث بها، وأقام على قضاء بلخ ستَّ عشرة سنة. جاء كتابُ الخليفةِ إلى خراسان بولاية العهد، وفيه: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] فقُرِئ على المنبر، فقامَ أبو مطيع وبكى، وقال: يا معاشر المسلمين أَنُجَرُّ إلى الكفر؟! إنَّما قال الله تعالى ذلك في حقّ يحيى بن زكريا، فمن قالها في غيره فقد كفر، فارتجَّ المسجد بالبكاء (٣). فيقال: إنَّه قام مَقام الأنبياء. وكان الحاكم (٤) يقول: لأبي مطيع المنَّةُ على الدنيا جميعًا.

стр. 7669

وله الكتبُ المشهورةُ والاختياراتُ في مذهب أبي حنيفة، ومات في جمادى الأولى وهو ابنُ أربعٍ وثمانين سنة. حدث عن هشام بن حسَّان وغيره، وروى عنه أحمدُ بن مَنِيع وغيره. وقد تكلَّموا فيه (١). عبَّاس بن المُهْتَدي أبو الفَضْل، الصُّوفيّ، البغدادي. سكن مصر، وصحبَ أبا سعيد الخَرَّاز، وكان من أقران الجنيد، [وكان] كثيرَ السياحة. [وقال أبو عبد الرحمن السلمي: كان] يرجعُ إلى فتوَّةٍ ظاهرة، وفرَاسةٍ حادَّة، وحبٍّ للفقراء وميلٍ إليهم. [حدثنا غير واحد عن أبي بكر بن حَبيب بإسناده، عن محمد بن عبد الله الفَرْغاني قال:] تزوَّج [عباس بن المهتدي] امرأةً، فلمَّا كانت الليلة التي أراد أن يَدخُلَ بها فيها وقعتْ عليه نَدامةٌ، فدخل عليها وهو كارهٌ لها، فلمَّا أراد أن يدنو منها زُجِر عنها، فامتنع من وطئها، وقام فخرج من عندها، فلمَّا كان بعد ثلاثة أيام ظهرَ لها زوجٌ (٢). عيسى بن محمد أبو موسى النُّوْشَري. ولي إمرةَ دمشق من قبل محمد المنتصر والمستعين، وشرطةَ بغداد في أيام المُكتفي، ووليَ أصبهان والجبال، وولَّاه المكتفي مصر، فماتَ بها (٣). محمد بن أحمد بن كَيسان أبو الحسن، النحويُّ، اللغويُّ، الإمام الفاضل، أحدُ المذكورين بالعلم، والموصوفين بالفهم. كان يحفظ مذهب البصريين والكوفيين في النحو؛ لأنَّه أخذ عن المبرِّد وثعلب، وكان أبو بكر بن مجاهد المقرئ يقول: هو أنحى منهما.

стр. 7670

وله التصانيفُ والأقوالُ المشهورة في التفاسير ومعاني الآيات، وكان فوقَ الثقةِ، وتوفِّي في المُحَرَّم (١). [وفيها توفي] محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، المغربيُّ، الزاهد. [وهو] أستاذُ إبراهيم الخَوَّاص، وإبراهيم بن شَيبان، وغيرهما، [و] كان كبيرَ الشأن في علم المعاملات والمكاشفات، وحجَّ على قدميه سبعًا وتسعين حجَّة. [وحكى عنه ابن باكويه -وقد تقدَّم إسنادنا إليه- وروى عنه إبراهيم بن شيبان قال:] (٢) سمعت أبا عبد الله المغربي يقول: ما رأيتُ ظُلمة منذ سنين كثيرة. قال إبراهيم: وذلك لأنَّه كان يتقدَّمُنا في الليلة المظلمة، ونحنُ نتبعُه، وهو حافي حاسر، فكان إذا عثرَ أحدُنا يقول: يمينًا وشمالًا، ونحنُ لا نرى ما بين أيدينا، فإذا أصبحنا نظرنَا إلى رجْلِه كأنَّها رجلُ عروسٍ قد خَرَجَتْ من خِدْرِها. قال: وكان يتكلَّم علينا، فتكلَّم يومًا ونحنُ على الطُّور فقال: لا ينالُ العبدُ مرادَه حتى ينفردَ فردًا لفرد، وانزعجَ واضطرب، فرأيتُ الصخورَ قد تَدَكْدكَتْ، وغُشِي عليه، ثم أفاقَ كأنَّه نُشِر من قبره (٣). [وحكى عنه ابنُ خَميس في "المناقب" أنَّه] ما كان يأكلُ مِمَّا تصل إليه يدُ بني آدم، وأقام سنين (٤) على ذلك، بل كان يتناولُ من أصولِ الحشيش أشياءَ تَعوَّد أكلَها. وكان يُسافرُ مع أصحابِهِ مُحرِمًا، فماذا تحلَّلَ من إحرامه أحرَم ثانيًا، ولم يَتَّسِخ له ثوبٌ، ولا طال له ظُفرٌ أو شعر (٥).
следующие страницы →