← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

[وفي رواية: وكان قد ضمن لأم ولد المعتضد (١) -أو المقتدر- مئة ألف دينار، فأشارت على المقتدر بولايته.] وفيها وردت هدايا [من] مصر، [قال الصولي:] وفيها ضلعُ إنسانِ طولُه أربعة عشر شِبْرا في عرض شبر، زعموا أنه من قوم عاد، [قال: وفيها] تيسٌ له ضَرْعٌ يحلبُ لبنا، وخمسُ مئة ألف دينار (٢)، قالوا: وُجِدت في كنز. [قال الصولي:] ووردت رسلُ أحمد بن إسماعيل والي خراسان بهدايا جليلة لم ير مثلها، [فيها] بدنةٌ مرصَّعةُ بفاخر [الدُّرِّ و] اللؤلؤ، وتاجٌ من ذهبِ مرصَّعٌ بجوهرِ له قيمة كبيرةٌ، ومناطق الذهب المرصَّعة، وعنبرٌ كثيرٌ ومسكٌ، وربعةُ ذهبٍ مرصَّعة بالجوهر، وخيل وغيرها. [وقال ثابت: وفيها وردَ الخبرُ من فارس بأنَّه حدثَ بها طاعون مات فيه سبعةُ آلاف إنسان. قال:] وفيها وَردتْ هدايا يوسف بن أبي السَّاج، وهي خمسُ مئة رأسِ من الخيل والبغال والثيابِ والرقيقِ والسِّلاح، [قال الصوليّ:] ومن المال ثمانونَ ألف دينار، و [كان في الهديَّة] بساطٌ رومي أو أرمنيّ (٣)، لم يُر مثلُه، طوله سبعون (٤) ذراعًا في عرض ستين [ذراعًا، وعليه مكتوب أنه عُمِلَ في عشر سنين]. وحجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك [أيضًا] (٥). [فصل] وفيها توفي

стр. 7667

أحمد بن نَصْر بن إبراهيم (١) أبو عمرو، الخَفَّاف، الحافظ. رحل في طلب الحديث، ولقي الشيوخ، وكان زاهدًا مُتعبّدًا، صامَ نيفًا وثلاثين سنةً، وتصدق بألوفٍ سرًّا وعلانية. [وذكره الحاكم أبو عبد الله في "تاريخ نيسابور" وأثنى عليه. وقال الحاكم: سمعت أبا حامد بن محمد المغربي (٢) يقول:] وقف سائل [على أبي عمرو الخَفّاف] (٣)، فأمرَ له بدرهمين، فقال الرجل: الحمدُ لله، فقال لصاحبه: اجعلها خمسة، فقال الرجل: اللهم لك الحمد، فقال: زده خمسة، فلم يزل الرجل يحمدُ الله وهو يزيده (٤) حتى بلغ مئة درهم، فقال الرجل: جعل الله عليك واقيةً باقيةً (٥)، فقال أبو عمرو: والله لو لم يرجع من الحمد إلى غيره لبلغت عشرةَ آلاف درهم. [قلت: وإمامه في هذا عمر بن عبد العزيز ﵁، لما جاءته تلك المرأة من العراق، وقالت: لي خمسُ بنات كسلٌ كسد، فقال لها: سمِّي الأولى، ففرضَ لها، وهي تحمدُ الله، وسمت الثانيةَ والثالثة، وهو يفرضُ لهنَّ، فلما ذكرت الرابعة دعت له (٦)، فرمى بالقلم، وقال: مري بناتِك يُفِضْن عليها، فإني لا أفرضُ لها، قالت: ولم؟ قال: لأنِّي كنتُ أفرض لهنَّ لمَّا كنتِ تقولين الحمدَ لمستحقِّه، أمَّا إذا أفضتِ الأمر إليَّ فلا. وقد ذكرناه في سيرة عمر بن عبد العزيز ﵁. وكانت وفاة] أحمد (٧) [بن نصر] في شعبان.

стр. 7668

وسمع إسحاق بن راهويه، [ومحمد بن رافع، وأبا كُرَيب] وغيره، وروى عنه الخُطَبيُّ وطبقتُه. وكان صدوقًا ثقةً، يذاكرُ بمئةِ ألف حديث. الحسين بن عبد الله بن أحمد أبو علي الخِرَقي، والد عمر مصنف كتاب "الخِرَقي" على مذهب الإمام رحمةُ الله عليه. وكان الحسين خليفةَ المرُّوذيّ، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا. توفي يوم الفطر، ودُفن عند الإمام أحمد. حدَّث عن حمَّاد (١) وغيره، ورَوى عنه أبو بكر الشافعيّ وغيرُه. الحَكم بن عبد الله ابن مَسْلَمة بن عبد الرحمن (٢)، أبو مُطيع، البَلْخيّ. إمامُ أهل خراسان في وقتِه، وكان زاهدًا ورعًا عابدًا عارفًا بمذاهب الصحابة والتابعين، وكان من الأكابر. قدم بغداد غير مرة وحدَّث بها، وأقام على قضاء بلخ ستَّ عشرة سنة. جاء كتابُ الخليفةِ إلى خراسان بولاية العهد، وفيه: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] فقُرِئ على المنبر، فقامَ أبو مطيع وبكى، وقال: يا معاشر المسلمين أَنُجَرُّ إلى الكفر؟! إنَّما قال الله تعالى ذلك في حقّ يحيى بن زكريا، فمن قالها في غيره فقد كفر، فارتجَّ المسجد بالبكاء (٣). فيقال: إنَّه قام مَقام الأنبياء. وكان الحاكم (٤) يقول: لأبي مطيع المنَّةُ على الدنيا جميعًا.

стр. 7669

وله الكتبُ المشهورةُ والاختياراتُ في مذهب أبي حنيفة، ومات في جمادى الأولى وهو ابنُ أربعٍ وثمانين سنة. حدث عن هشام بن حسَّان وغيره، وروى عنه أحمدُ بن مَنِيع وغيره. وقد تكلَّموا فيه (١). عبَّاس بن المُهْتَدي أبو الفَضْل، الصُّوفيّ، البغدادي. سكن مصر، وصحبَ أبا سعيد الخَرَّاز، وكان من أقران الجنيد، [وكان] كثيرَ السياحة. [وقال أبو عبد الرحمن السلمي: كان] يرجعُ إلى فتوَّةٍ ظاهرة، وفرَاسةٍ حادَّة، وحبٍّ للفقراء وميلٍ إليهم. [حدثنا غير واحد عن أبي بكر بن حَبيب بإسناده، عن محمد بن عبد الله الفَرْغاني قال:] تزوَّج [عباس بن المهتدي] امرأةً، فلمَّا كانت الليلة التي أراد أن يَدخُلَ بها فيها وقعتْ عليه نَدامةٌ، فدخل عليها وهو كارهٌ لها، فلمَّا أراد أن يدنو منها زُجِر عنها، فامتنع من وطئها، وقام فخرج من عندها، فلمَّا كان بعد ثلاثة أيام ظهرَ لها زوجٌ (٢). عيسى بن محمد أبو موسى النُّوْشَري. ولي إمرةَ دمشق من قبل محمد المنتصر والمستعين، وشرطةَ بغداد في أيام المُكتفي، ووليَ أصبهان والجبال، وولَّاه المكتفي مصر، فماتَ بها (٣). محمد بن أحمد بن كَيسان أبو الحسن، النحويُّ، اللغويُّ، الإمام الفاضل، أحدُ المذكورين بالعلم، والموصوفين بالفهم. كان يحفظ مذهب البصريين والكوفيين في النحو؛ لأنَّه أخذ عن المبرِّد وثعلب، وكان أبو بكر بن مجاهد المقرئ يقول: هو أنحى منهما.

стр. 7670

وله التصانيفُ والأقوالُ المشهورة في التفاسير ومعاني الآيات، وكان فوقَ الثقةِ، وتوفِّي في المُحَرَّم (١). [وفيها توفي] محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، المغربيُّ، الزاهد. [وهو] أستاذُ إبراهيم الخَوَّاص، وإبراهيم بن شَيبان، وغيرهما، [و] كان كبيرَ الشأن في علم المعاملات والمكاشفات، وحجَّ على قدميه سبعًا وتسعين حجَّة. [وحكى عنه ابن باكويه -وقد تقدَّم إسنادنا إليه- وروى عنه إبراهيم بن شيبان قال:] (٢) سمعت أبا عبد الله المغربي يقول: ما رأيتُ ظُلمة منذ سنين كثيرة. قال إبراهيم: وذلك لأنَّه كان يتقدَّمُنا في الليلة المظلمة، ونحنُ نتبعُه، وهو حافي حاسر، فكان إذا عثرَ أحدُنا يقول: يمينًا وشمالًا، ونحنُ لا نرى ما بين أيدينا، فإذا أصبحنا نظرنَا إلى رجْلِه كأنَّها رجلُ عروسٍ قد خَرَجَتْ من خِدْرِها. قال: وكان يتكلَّم علينا، فتكلَّم يومًا ونحنُ على الطُّور فقال: لا ينالُ العبدُ مرادَه حتى ينفردَ فردًا لفرد، وانزعجَ واضطرب، فرأيتُ الصخورَ قد تَدَكْدكَتْ، وغُشِي عليه، ثم أفاقَ كأنَّه نُشِر من قبره (٣). [وحكى عنه ابنُ خَميس في "المناقب" أنَّه] ما كان يأكلُ مِمَّا تصل إليه يدُ بني آدم، وأقام سنين (٤) على ذلك، بل كان يتناولُ من أصولِ الحشيش أشياءَ تَعوَّد أكلَها. وكان يُسافرُ مع أصحابِهِ مُحرِمًا، فماذا تحلَّلَ من إحرامه أحرَم ثانيًا، ولم يَتَّسِخ له ثوبٌ، ولا طال له ظُفرٌ أو شعر (٥).

стр. 7671

[وحكى عنه أيضًا أنَّه قال:] (١) مررتُ بمَفازةٍ في المغرب، فبقيتُ فيها عشرينَ يومًا لم أر آدميًّا، ولم آكل شيئًا، فبينما أنا أسيرُ إذ لاح لي شيخٌ قائمٌ يصلِّي، فسلَّمتُ عليه، فردّ، فقلت: من أنت؟ فقال: خليلُ خليل الرحمن إبراهيم، كان مسكني في الهواء من حين أُلْقِي إبراهيمُ في النار، فقلت: بم نلت هذه المنزلة؟ فقال: بالتوكُّل، فما في المملكة أعزّ منه. قلت: فما حدُّه؟ قال: النظرُ إليه بلا عينٍ تَطْرِف، ولسان ذاكر بغير حركة، ونفس جوَّالة بغير روح. ثمَّ وثب، فإذا به في الهواء (٢). [وحكى عن إبراهيم بن شيبان قال:] بعثني أبو عبد الله لأُحضِر له ماء، فأتيتُ إلى عينٍ، فإذا السَّبُعُ قد جاء إليها، فالتقينا في مضيق، فجعلَ السَّبُعُ يزاحمُني وأزاحمُه، حتى سبقتُه إلى الماء، وحملتُ منه في ركوتي والسبع ينظر إليَّ، ثمَّ جئتُ إلى أبي عبد الله، فلمَّا رآني تبسَّم (٣). [وحكى أيضًا عن إبراهيم بن شيبان قال:] قال أبو عبد الله: خرجتُ حاجًّا، فبينا أنا في بَرِّيَّةِ تبوك، وإذا بامرأةٍ بغير عينين ولا يدين ولا رجلين، فعجبتُ منها، وقلت: يا أمةَ الله، من أين أقبلت؟ فقالت: من عنده، فقلت: وأين تريدين؟ قالت: إليه، فقلت: سبحان الله، بادية (٤) تبوك، وليس فيها مغيث، وأنتِ على هذه الحالة؟! فقالت: غمِّض عينيك، فغمَّضتُها، فقالت: افتحها، ففتحتُها، وإذا بها متعلقةٌ بأستار الكعبة، وقالت: أَتَعْجَبُ من قويٍّ يحملُ ضعيفًا؟! ثم صارت (٥) بين السماء والأرض. [وحكى الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" عن إبراهيم بن شيبان قال] (٦): خرجتُ مع أبي عبد الله إلى الحجّ على طريق تبوك، فلمَّا أشرفنَا على مَعَان، وكان لأبي عبد الله بها صديقٌ يقال له: أبو الحسن المَعَاني، وما كنتُ رأيتُه قبلَ ذلك، فوقعَ في خاطري أنَّنا إذا نزلنَا عليه أقولُ له يصلح لنا عدسًا [بخلّ]، فالتفتَ إليَّ أبو عبد الله وقال: احفظ

стр. 7672

خاطرك، فلمَّا دخلنا على المَعَاني قال لي -وما رآني قط-: قد عاد خاطرُك على الجماعة، ما عندنَا إلَّا عدس [بخل (١). ذكر نبذة من كلامه: حكى أبو نعيم أنه قال:] (٢) أفضل الأعمال عمارةُ الأوقات في الموافقات. و: أعظمُ الناس ذلًّا فقيرٌ داهن غنيًّا، أو تواضع له، وأعظم الناس عزًّا غنيّ تذلَّل لفقيرٍ أو حفظ حرمته (٣). [وحكى عنه في "المناقب" أنه قال:] (٤) الأبدالُ بالشام، والنُّجباءُ باليمن، والأخيار بالعراق. وقال: من ادَّعى العبوديةَ وله مُرَاد باقٍ فهو كذَّاب، ولا تصحُّ العبودية إلَّا لمن أفنَى مُراداتِه بالكليَّة، وقامَ بمرادِ سيِّده، وأنشد: لا تدعُني إلا بيَا عبدَها … فإنَّه أشرفُ أسمائي (٥) وقال: ما رأيتُ أنصفَ من الدنيا، إنْ خَدَمْتَها خدمَتْكَ، وإن تركْتَها تركَتْكَ (٦). ذكر وفاته: [حكى في "المناقب" عن إبراهيم بن شيبان قال:] توفي أبو عبد الله على جبل الطُّور، فدفنتُه إلى جانب أستاذه عليِّ بن رزين بوصيَّةٍ منه، وعاش كلُّ واحدٍ منهما عشرينَ ومئة سنة، فهما على جبلِ الطور. [قال:] وكان ابنُ رزين قد صحب الحسنَ البصريَّ، وكان يشربُ في كلِّ أربعةِ أشهرٍ شربة [ماء]، فقيل له في ذلك، فقال: وإيش في هذا، سألتُ الله أنْ يكفيَني مؤنةَ بطني [ففعل، أو] فكفاني (٧) [والحمد لله وحده].

стр. 7673

محمد بن يحيى بن محمد أبو سعيد، البغدادي [ويعرف بحامل كفنه. قال الخطيب: بلغني أنَّه] توفي وغُسِّلَ وكُفِّنَ وصُلِّي عليه ودُفِن، فلمَّا كان الليل (١) جاءه نَبَّاشٌ فنبشَ عنه، فلمَّا حلَّ أكفانَه ليأخذَها استوى قاعدًا، فخرج النبَّاش هاربًا منه، فقامَ وحمل كفنه (٢)، وجاءَ إلى منزلِه، وأهلُه يبكون عليه، فدقَّ البابَ، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا فلان، فقالوا: يا هذا، لا يحلُّ لك أن تزيدنَا على ما نحنُ فيه، فقال: افتحوا، فوالله أنا فلان، فعرفوا صوتَه، ففتحوا له [الباب]، وعاد حزنُهم فرحًا، وسمّي يومئذٍ حاملَ كفنه. قال الخطيب: ومثل هذا سُعَير بن الخِمْس الكُوفي، فإنَّه لما دُلّيَ في قبره اضطربَ فحُلَّتْ عنه أكفانه، فقام ورجعَ إلى منزله، ثمَّ وُلد له بعد ذلك ابنُه مالك. سكن حاملُ كفنِه دمشقَ، وحدَّثَ بها، وكان ثقةً (٣). [وفيها توفي] مِمْشاذ (٤) الدينوري [قال السُّلميّ:] كان من أولاد الملوك، فتزهَّد وتركَ الدنيا، وصحب أبا تراب النَّخْشَبيّ، وأبا عبيد البُسْريّ، وغيرهما، أوورد نَيسابور والعراق، وزار بنيسابور أبا حفص النيسابوري]، وكان من كبار المشايخ وجِلَّتهم. [وحكى عنه في "المناقب" قال:] خرج [ممشاذ] من بيته، فنبحَ عليه كلب، فقال ممشاذ: لا إله إلا الله، فمات الكلب (٥). وقال [ممشاذ:] مذ علمت أنَّ أحوال الفقراء جدٌّ كلُّها لم أمازح أحدًا (٦)، وسببُه أنَّه

стр. 7674

قدمَ علي فقير، فقال: أريد عَصيدةً، فجرى على لساني إرادة وعصيدة، وأمرتُ بعملها، وطلبتُ الفقير فلم أجده، فقالوا: خرجَ من عندك، ولم يزل يقول: إرادةٌ وعصيدة حتى مات في البريَّة. [ثم قال:] ودخل عليَّ يومًا فقير، فسلَّم وقال: هاهنا مكان طاهرٌ [ونظيف] يمكن الإنسان أن يموتَ فيه؟ قال: فأشرتُ إلى مكان وهناك عين ماء، فجدَّد الوضوء وصلَّى ركعتين، ثمَّ مدَّ يديه ورجليه، ثمَّ مات. وقال: منذ مُدَّة تعرضُ عليَّ الجنَّة، فما أعيرُها طَرْفي. وقال: لو جَمَعْتَ حكمَ الأوَّلين والآخرين، وأحوال المقرَّبين، لم تصل إلى درجات العارفين حتى يسكنَ سرُّكَ إلى رب العالمين. [قال:] ولَمَّا احتُضر قيل له: كيف تجدك؟ فقال: اسألوا العلَّة عني، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فحوَّل وجهَهُ إلى الحائط وقال: [من المجتث] أفنيتُ كلِّي بكلِّك … هذا جزا من يحبُّك (١) ثم ماتَ رحمةُ الله عليه. [ثم] دخلت سنةُ ثلاث مئة فيها ظهرَ محمدُ (٢) بن جعفر بن علي بن محمد بن (٣) موسى بن جعفر بن علي (٤) بن الحسين بن علي ﵈ في أعمال دمشق، فخرج إليه أميرُها (٥) أحمد بن كَيغَلَغ،

стр. 7675

فاقتتلا، فقُتِل محمدٌ في المعركة، وحُمِلَ رأسُه إلى بغداد، فنصبَ على (١) الجسر. وفيها وقع ببغداد والبادية وباءٌ عظيم وموتٌ جارف، فماتَ الناس على الطرق، وكلبت الذئاب والكلاب في البريَّة، وخالطت الناسَ في البلدان فأهلكتهم. وساخ جبل بالدِّينَوَر في الأرض، ويعرف بالتل (٢)، وخرج من تحته ماءٌ كثير غرَّقَ القرى. ووقعت قطعةٌ عظيمة من جبل لبنان في البحر. وتناثرت النجومُ في جمادى الآخرة تناثرًا عجيبًا، وكلُّها إلى ناحية المشرق. وقبض المقتدرُ على حاشيةِ ابن الفرات، واستترَ أولادُه المحسن والحسين والفضل، وكاتِبه أبو علي محمد بن علي ابن مُقْلة وغيرهم، وهُدِمت دورُ الباقين، ولم يمكِّن المقتدرُ أحدًا من أبي الحسن بن الفرات ولا من مناظرته، وكان في دار مكرمًا. وقلَّد الوزيرُ الخاقانيُّ أبا الهيثم العباس بن محمد بن ثَوابة، وكاتب محمد بن أبي الساج (٣) ديوانَ المصادرات، وكان ابن ثوابة من الموصوفين بالشرّ، فأسرفَ في مناظرة أصحاب ابن الفرات، وقيَّدهم وغلَّهم بحضرةِ القَهْرَمانة، فردَّ عليه أقبحَ ردِّ وشتمَه، ونسبَه في نفسه إلى كل قبيح، فكتبَ ابن ثَوابة إلى المقتدر أنَّ ابن الفرات لم يُقْدِم على هذا الأمر إلا لكثرة أمواله، واستأذنه في معاقبته، فبسطَ يده فيه، فغل ابنَ الفرات، وقيَّدَه، وألبسَه جُبَّة صوف، وأقدمه في الشمس أربعَ ساعات، فكاد يَتلَف، فأنهَى أمرَه إلى المقتدر بدرٌ الحرميّ، فأنكرَ ذلك، وأمرَ بإزالة ذلك عنه، وأفردَ له حُجرةً في دار الخلافة من حَجَر الحرم الخواصّ، ورفع يدَ ابن ثوابة عنه بعد أن حلفَ له أنَّه ما بقيَ عنده مال، ثم صارَ المقتدرُ بعد ذلك يشاورُه في أموره، ويبعث إليه برقاع الوزير والكتاب، فيجيبُ عنها. قال ثابت بن سنان: وفيها صرف المقتدرُ أبا عليّ الخاقاني من الوزارة، وكان يتقلَّد في وزارة ابن الفرات أعمال البريد والمظالم بإسَبَذَان، فلمَّا ولي الوزارة تحيَّر لقلة

стр. 7676

الدُّرْبَة والمعرفة بالأعمال، وكانت بينه وبين مؤنس الخادم مباعدةٌ، فشرعَ مؤنس في تقليد علي بن عيسى مكانَه، فتوصَّل الحسنُ بن رَوْح إلى أم موسى القهرمانة، وكتب إليها ورقةً يبذلُ فيها خمس مئة ألف دينار مُعَجَّلة يستخرجها من أولاد الخاقاني وكُتَّابه ابن ثوابة وغيره، فتقربت القهرمانة إلى الخاقاني بالورقة، وكان ابن روح من أصحاب علي بن عيسى، فقبضَ الخاقانيُّ على ابن روح، وحبسَه وصرفَه عمَّا كان إليه، ثمَّ إن المقتدرَ لَمَّا رأى اضطرابَ الأمور، وفسادَ التدبير، وقلَّة المال، احتاجَ إلى إخراج خمسِ مئة ألف دينار من بيت مال الخاصَّة، ولم يصحَّ ما ضمنه الخاقانيّ من إثارة الأموال والزيادة فيها، فشاور مؤنسًا في تقلُّده الوزارة، وعرَّفه أن الضرورةَ تدعوهُ إلى إعادة ابن الفرات، فقال له مؤنس: يقبحُ أن يقال عنكَ: إنَّك صرفتَ بالأمس وزيرًا، ثمَّ اضطررت إلى ردِّه بعد شهور من صرفه، فلا ينسبون ذلك إلَّا إلى الطَّمَع في ماله فقط، وهذا عليّ بن عيسى لم يبق مَن يَصلح لتدبير المملكة غيره، ووصفه بالثقة والأمانة، والعفة والديانة، والبَراعة والصناعة، فأمرهُ المقتدرُ بإنفاذ ما يليقُ إليه؛ ليحمله إلى الحضرة، وكان غائبًا (١). وفيها ولدت بغلةٌ فَلُوًّا. وحجَّ بالناس الفضلُ بنُ عبد الملك. وفيها توفي الأحوصُ بن المُفَضَّل ابن غسَّان، أبو أميَّة، الغَلَابي. كان تاجرًا في البَزِّ ببغداد، فاستترَ ابنُ الفرات عنده، وقال له: إن أعدتُ إلى الوزارة، فأيّ شيءٍ تريدُ أن أصنعَ بك؟ فقال: تقلِّدني بعض أعمال السلطان، فقال: لا يجيء منك عامل، ولا قائد، ولا أمير، ولا صاحب شرطة، فإيش أقلِّدُك؟ قال: لا أدري، قال: القضاء، قال: رضيت، فلمَّا أعيد ابنُ الفرات إلى الوزارة ولَّاه قضاء البصرة والأهواز وواسط، وكان قليلَ العلم، إلَّا أنَّ عفَّتَه وتَصَوّنه غَطَّتا على نقصه، فلم

стр. 7677

يزل قاضيًا حتى قَبَضَ عليه ابن كنْدَاج أميرُ البصرة، لوَحْشَةٍ كانت بينهما في بعض نكباتِ المقتدر لابن الفُرات، وما كان الأحوصُ يلتفتُ إلى ابن كنداج ويعارضُه في قضاياه، ولا يركبُ إليه، ويكتب ابن كنداج إلى ابن الفرات يشكوه، فيجيبه بالصواعق، فلمَّا نُكِبَ ابنُ الفراتِ حبسَه ابنُ كنداج وضيَّقَ عليه، فأقام في السجن مدة ثم مات. قال الخطيب: ولا نَعلمُ قاضيًا ماتَ في السجن سواه! روى عن أبيه كتاب "التاريخ"، وروى عنه جماعة (١). عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان والي الأندلس، وأمُّه أم ولد، يقال لها: عشار. بويع في صفر سنة خمس وسبعين ومائتين في السنة التي توفي فيها أخوه المنذر في أيام المعتمد. وكان زاهدًا عابدًا ورعًا تاليًا لكتاب الله، قائمًا بحدوده، بنى السَّاباط بقُرطُبة، والتزم الصلوات الخمس بالجامع إلى جانب المنبر حتى مات، وكان في أيَّامه المتغلبون من كلِّ ناحية والفتن، وله غزواتٌ مشهورة، منها غزاة بلي التي أنست كلَّ غزاةٍ تقدَّمتها، وذلك لأنَّ المرتد ابن حَفْصون حاصرَ حصنَ بَليّ في ثلاثين ألفًا، وبلغ عبد الله فخرج إليه من قرطبة في أربعة عشر ألفًا من أهلها خاصَّة، وأربعة آلاف من حشمِه وخواصه، فبرزَ إليه ابن حفصون في سفحِ جبلٍ بالأندلس فيه الحصن، فصدمه عبد الله صدمةً ولَّى مدبرًا، وتبعه عبد الله قتلًا وأسرًا، فلم يفلت منهم أحدًا، وكانت وفاته غرَّة ربيع الآخر (٢)، وأيامه خمسًا وعشرين سنة وستة أشهر وأيامًا، وولي ابنُ ابنه

стр. 7678

عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله في اليوم الذي توفي فيه جدُّه، وكنيته أبو المظفر (١) ولقَّبَ نفسَه بالناصر، وتوفي سنةَ خمسين وثلاث مئة (٢). [وفيها توفي] عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر بن الحسين، أبو أحمد، الخُزاعي [أخو محمد بن عبد الله بن طاهر] (٣). ولد سنةَ ثلاثٍ وعشرين ومئتين، وولي إمارةَ بغداد، وكان أديبًا فاضلًا شاعرًا فصيحًا، ومن شعره: [من السريع] حَقُّ التَّنائي بين أهلِ الهوى … تكاتبٌ يسَخَّنَ عينَ النَّوى وفي التَّداني لا انقضَى عمرُه … تزاورٌ يَشفي عَليلَ الجَوَى وقال أبو الحسن عليُّ بن هارون بن علي: كان أبي نازلًا في جوار عُبيد الله، فانتقل عنه إلى دارٍ ابتاعَها، فكتب إليه عُبيد الله: [من البسيط] يا مَن تحوَّلَ عنَّا وهو يألَفُنا … بَعُدتَ جدًّا على ما (٤) صرتَ تلقانَا فاعلمْ بأنك إذ بَدَّلت جيرتَنا … بدَّلت دارًا وما بدَّلت إخوانَا فأجابه أبي: [من البسيط] بَعُدتُ عنكم بداري دون خالصَتي … ومَحْضُ ودِّي وعهدي كالذي كانَا وما تَبَدَّلْتُ مذ فارقتُ قُرْبَكُم … إلَّا همومًا أعانيها وأحزانا (٥) [وقال الخطيب:] كان عبيد الله جوادًا مُمَدَّحًا، مدحَهُ الشعراءُ، منهم البُحتري، قدم عبيد الله من خراسان إلى بغداد فأنشدَ: [من الطويل] لقد سرَّني أنَّ المكارمَ أصبحت … تَحُطُّ إلى أرضِ العراقِ حُمولُها

стр. 7679

مجيءُ عبيدِ الله من شَرْقِ أرضه … سُرَى الدِّيمَة الوَطْفاء هَبَّت قَبُولها أضاءت لنا بغداد بعد ظَلامها … فعادَ ضُحًى إمساؤُها وأصيلُها (١) ومن شعر عبيد الله: [من الطويل] ألا أنَّها الدهرُ الذي قد مَلَلْتُه … لتخليطه حتى ملكتَ حياتي (٢) فقد وجلالِ الله حَببتَ دائمًا (٣) … إليَّ على بُغض الوفاةِ وفاتي ولَمَّا قدم بغداد بعثَ إليه أبو الحسن بن الفرات بهدايا ومالٍ طائل، فكتب إليه عبيدُ الله: [من الطويل] أياديكَ عندي مُعْظماتٌ جلائلُ … طوال المَدَى شكري لهنَّ قصيرُ فإنْ كنتَ عن شكري غنيًّا فإنَّني … إلى شُكرِ ما أوليتَني لفَقيرُ (٤) [وحكى القاضي التنوخي علي بن المُحَسِّن، عن أبيه، عن الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي، عن أبي] (٥) سُليمان الثلَّاج، عن أبيه قال: كان أصلُ نعمتي من خمسة أرطال ثلج، [وذلك] لأنَّ [الثلج] عزَّ ببغداد في بعض السنين، وكان عندي منه شيء فبعته، وبقي [عندي] خمسةُ أرطال، فاعتلَّت جارية لعبيد الله [بن عبد الله بن طاهر]، كانت روحَه من الدنيا، وهو إذ ذاك أميرُ بغداد، فطلبت (٦) ثلجًا، فجاءَ وكيلُه إلى عندي، فقلت: عندي رطلُ ثلج ما أبيعُه إلَّا بخمسة آلاف درهم، فما جسرَ أن يشتريه حتى يشاورَ عبيد الله، فشتمَه وقال: اشتره بأيِّ ثمن كان، ولا تراجعني، فجاء إليَّ وقال: هذه خمسةُ آلاف درهم، فقلت: ما أبيعُ الرطلَ إلَّا بعشرة آلاف درهم، فما جسرَ أن يخالفَ عبيد الله ولا يراجعه، فأعطاني عشرةَ آلاف درهم، وأعطيتُه رطلًا، فشربت منه الجاريةُ فقويتْ نفسُها، وقالت: أريد رطلًا آخر، فجاءني الوكيلُ بعشرةِ آلاف درهم، فأعطيتُه رطلًا [آخر]، فشربته [الجارية]، فعوفيت، وطلبت رطلًا آخر،

стр. 7680

فجاءني بعشرة آلاف درهم، فأعطيتُه رطلًا، ومضى، فطلبت الجاريةُ شيئًا آخر، فجاءني (١)، فقلت: قد بقي عندي رطل، وما أبيعُه إلَّا بثلاثين ألفًا، فقال: خذ، فاستحييت من الله أن أبيعَ رطلًا من ثلج بثلاثين ألفًا، فقلت: هات عشرين ألفًا، ووالله ما بقيَ عندي غيره، وبرئت الجاريةُ، وبعتُ خمسةَ أرطال ثلجٍ بخمسين ألفًا (٢)، وبلغَ عبيد الله عافيةُ الجارية، وأنَّ الثلجَ كان السبب، فدعاني، وقال: والله أنت رددتَ حياتي بحياة جاريتي، فاحتَكِم، فقلت: أنا خادم الأمير وعبدُه، فاستخدمني على شرابه وكثيرٍ من أمر داره (٣). [قلت: تذكر هذه الحكاية في الحوادث فيُقال: حكى القاضي التنوخي أنَّ خمسةَ أرطال ثلج بيعت ببغداد بخمسين ألف درهم. وكانت وفاة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر] في (٤) داره بمُرَبَّعة شَبيب ببغداد ليلةَ السبت لاثنتي عشرة ليلةً خَلت من شوّال، وصلى عليه أبو العباس ابن عبد الصمد الهاشميّ، ودُفِن بمقابر قريش عند أخيه وأهله، وله من السنِّ ثمان وسبعون سنة (٥). [حدَّثَ عن الزُّبير بن بكَّار، وأبي الصَّلْت الهَرَويّ وغيرهما، وروى عنه الصوليُّ، وأبو القاسم الطَّبَراني وغيرهما، والحمد لله وحده وصلى الله على أشرف خلقه محمد وآله وصحبه وسلم] (٦). * * *

стр. 7681

السنة الحادية وثلاث مئة قال ثابت بن سنان: [و] فيها قبضَ المقتدرُ على وزيره [أبي عليّ، محمد بن عبيد الله بن خاقان، وحبسه وأهله، وذلك في] (١) يوم الإثنين لعشرٍ خلون من المحرَّم، ركبَ إلى دار المقتدر، فقُبضَ عليه وعلى ابنيه وأبي الهيثم ابن ثوابة وغيرهم (٢)، فكانت مدَّةُ وزارته سنةً واحدة، وشهرًا واحدًا، وخمسة أيام. وكان قد مضى بليق المؤنسيّ في ثلاث مئة غلامٍ إلى مكَّة؛ لإحضار عليِّ بن عيسى للوزارة (٣). وفيها قدم [أبو الحسين] علي بن عيسى من مكَّة لعشرٍ (٤) خلونَ من المحرم، وخلع عليه في دار السلطنة، وركب معه مؤنس الخادم، وغريب الخال، وسائر القُوَّاد إلى داره، وسُلِّم إليه الخاقانيُّ وابناه وابن ثوابة وغيرهم، فاعتقلَهم في دار الوزارة، وصادرهم مصادرةً قريبة، ثم صرفَ الخاقانيَّ إلى منزله، وصان حرمه، ورفقَ به، ووكَّل به توكيلًا خفيفًا (٥) وأحسنَ عليُّ بن عيسى التدبير، ولطفَ بالرعيَّة، وعدل فيهم، وعفَّ عن المال والحريم، فحسنتِ الأحوال واستقامت الأمور، وكتب [بحسن السيرة] إلى الآفاق كتابًا نسختُه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد، فنِعَمُ أمير المؤمنين عليَّ يَشْفعُ قديمَها حديثُها، ويصل ماضيها مستقبلها، وكان مما جدَّده -أيَّده الله تعالى- وخصَّني به من إحسانه، وشرَّفني به من تَكرِمته وتنزيهه بي، أن استقدمني من حَرَمِ الله تعالى، فلمَّا وافيتُ إلى مدينة السلام، وحضرت في حضرته، قرَّبني وشرَّفني وخاطبني وأكرمني بما يثقُ به منِّي، ويسكن إليه من كفايتي ونهضتي، وقلَّدني -أيَّده الله تعالى- وزارتَه ودواوينَه وأعماله ومملكته وجيوشه بحضرته وسائر نواحي سلطانه؛ إنعامًا منه عليَّ، ورجاءً لحسنِ الأثر منِّي في تلافي ما وكلته أسبابُ الإهمال والتقصير، واعترضتهُ عوارضُ

стр. 7682

الإضاعة والتفريط مِمَّن تقدَّمني، وأمرني أن أعاملَ كل أحدٍ بحسب ما يقتضيه أثرُه، ويستدعيه مذهبُه، بما أنا ممتثلُه، ومستفرغٌ بإذن الله ومشيئته الوسعَ فيه، فأطال الله بقاءَ أمير المؤمنين، ممتنعًا بالعز والتأييد، ممتدًّا في سوابغِ النعم وجلائل المواهب بصالح المزيد. وذكر كلامًا طويلًا. وساس الدنيا سياسةً حسنةً، ورسم للعمال بالأعمالِ الجليلة، وأنصف الرعية (١)، وراقبَ الله، وأزال السُّنَنَ الجائرة، [ولازم الصلواتِ في الجماعات وفي الجامع؛ تارةً بجامع المنصور، وتارةً بجامع الرُّصَافة وغيرها]، وأبطلَ المُكوس بمكَة وفارس والأهواز، وجبايةَ الخمور في البلاد كلِّها (٢). قال ثابت: فحدثني بعد عزله ولزومه منزلَه في خلافةِ الراضي بالله قال: قال لي ابنُ الفرات بعدَ صرفي من الوزارة وتوليته إيَّاها في دار السلطان: أبطلتَ الرسومَ، وهدمتَ الارتفاع، فقلت: أيَّ رسمٍ أبطلت؟ قال: المكس بمكَّة، قلت: هذا وحدَه أبطلت، قد أبطلتُ أشياء كثيرة، وعددتها، ومبلغُ ذلك خمس مئة ألف دينار في السنة، ولم أستكثر هذا القدرَ في جنب ما حططتُه عن أمير المؤمنين من الأوزار، وغسلتُ عنه من الدَّرن والعار، ولكن انظر مع ما حططتُ وأبطلتُ إلى ارتفاعي وارتفاعك، ونفقاتي ونفقاتك، قلت: فبأيِّ شيءٍ أجاب؛ قال: خروج الخادم، وفرَّقَ بينَنا قبل أن يجيب. وفي صفر سأل علي بن عيسى المقتدرَ أنْ يقلِّد القضاءَ أبا عمر محمد بن يوسف، وعَرَّفه بفضله وموضعه، فقلَّده القضاء في جانبي مدينة السلام، سوى مدينة المنصور، فإنها كانت إلى أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول، ولَمَّا وليَ القضاء أبو عمر لم يمضِ سجلات محمد بن علي بن أبي الشوارب، وكان ابنُ أبي الشوارب قد صرف بأبي عمر. قال ثابت: ولما صُرِفَ الخاقانيُّ، أكثرَ الناسُ التزويرات عليه، وأُحضرت الكتبُ إلى عليِّ بن عيسى، فأنكرها وجمعَها وقال لرسوله: اذهب إلى أبي علي الخاقانيّ، وقل له ينظر في هذه التوقيعات، ويعرِّفني الصحيحَ منها الذي أمر به، والباطل الذي

стр. 7683

زُوِّرَ عليه، فجاء الرسول والخاقانيّ قائمٌ يصلِّي، فوضع التوقيعات بين يدي أبي القاسم بن الخاقاني، وأدَّى إليه الرسالةَ، فأخذ يميِّزُ الصحيحَ منها من المزوَّر، فلمَّا فرغَ أبوه من الصلاة أخذَها وتصفحها، ثم خلطها، وردَّه إلى الرسول، وقال له: سلّم على الوزير وقل له: هذه التوقيعاتُ كلُّها صحيحة، وأنا أمرتُ بها، فما رأيتَ أن تمضيَه أمضيتَه، وما رأيت أن تبطلَه أبطلته، ولَمَّا انصرفَ الرسول قال الخاقاني لابنه: يا بنيّ، أردت أن تُبَغِّضنا إلى الناس، ويكون الوزير قد التقطَ الشوكَ بأيدينا، نحنُ قد صُرِفنا، فلم لا نتحتبُ إلى الناس بإمضاء ما زوَّروه، فإن أمضاه كان لنا الحمدُ والضررُ عليه، وإن أبطلَه كان الحمد لنا والذم له (١). [وقال ثابت:] وفيها وصلت هدايا صاحب عُمَان إلى المقتدر، و [كان] فيها ببغاء بيضاء وغزلان (٢) ونمور وزيادات. وركب المقتدرُ في شعبان من داره إلى الشماسيّة، ثم عاد في دِجْلة، وهي أولُ ركبة ظهرَ فيها للعامة. [قال ثابت بن سنان:] وفي يوم الاثنين لستٍّ خلونَ من ربيع [الأول أو] (٣) الآخر أدخل الحسين بن منصور الحلَّاج مشهورًا على جمل إلى بغداد، وكان قد قُبِضَ عليه بالسُّوس، وحُمل إلى عليِّ بن أحمد الرَّاسبي، فحمل إلى الحضرة، فصُلِبَ وهو حيّ وصاحبُه -وهو خال ولدِه- في مجلسِ الشرطة من الجانب الشرقيِّ من بغداد، ثم صُلِبَ وهو حيٌّ في الجانب الغربي وعليه جبة عَوْديَّة، ونودي عليه: هذا أحدُ دعاة القرامطة فاعرفوه، وحُبِسَ وحده في دار السلطان (٤). [قال ثابت:] وظهر عنه با لأهواز وبمدينة السلام أنَّه ادَّعى أنَّه إلهٌ، وأنَّه يقولُ بحلول اللاهوت (٥) في الأشراف من الناس، وأنَّ له مكاتبات تُشعِر بذلك، وأنَّه يُظهِر العجائب.

стр. 7684

وفي رواية: وحصلَ في يد عبد الرحمن خليفة [علي بن أحمد] الراسبي رقاعٌ وُجِدت في منزل الحلَّاج فيها رموز، فأحضرَه عليّ بن عيسى وناظرَه، فلم يجد عنده شيئًا من القرآن، ولا من الفقه، ولا من الحديث، ولا من العربية، فقال له عليّ: أنت تعلُّمك الوضوء والفرائض أولى من رسائل لا تدري ما فيها، ثمَّ تدعي -ويلك- الإلهيَّة، وتكتب إلى تلامذتك: من النور الشعشعانيّ! ما أحوجَك إلى الأدب، وأقام محبوسًا، فاستمال بعضَ أهل دار السلطان بإظهار السنة (١)، فصاروا يتبركون به، ويسألونه الدعاء. وسنذكرُ أخبارَه فيما بعد إنْ شاءَ الله تعالى. وفيها أُطلِقَ الخاقانيُّ، وأُزيلَ عنه التوكيل (٢). وفي شعبان خُلع على أبي العباس ابن المقتدر، وقُلِّدَ أعمال الحربِ بمصر والمغرب، وعمرُه أربعُ سنين، واستخلِفَ له مؤنس الخادم، وكتب المقتدر إلى مؤنس كتابًا يخبرُه بذلك منه: أمَّا بعد، أحسن الله حياطَتك، وأدامَ لأمير المؤمنين الإمتاعَ بك، إنَّ أولى مَن اقتفى سُبلَ أمير المؤمنين، وتَمَّم نهجَهُ واطئًا عقبَه، وسار بسيرته مقتفيًا أثرَهُ، واحتذَى مثاله من كان نجلَ أمير المؤمنين وسليله، وفرعَ دوحته وثمرة نَبْعَته، ومن إلى فخر أبويه يَنمي، وعن قوسِ مجده يَرْمي، وعلى شاكلته يجري، وبيده يَريشُ ويَبْري، ومن سِنْخُ النبوة منشؤه، وفي بيتِ الخلافة مبوَّؤه، وعلى ذِرْوة الشَّرَف مَنْصبُه، وفي بُحْبوحة السَّناء منقلبُه. وذكر ابنَ المقتدر، وقال: وقد رأى أميرُ المؤمنين -لِمَا بيَّنتُه فيكَ من أماراتِ الكفايات والغَناء، وتوسَّمه لديكَ من جميل الجزالة والبلاء- تقليدَك مصر، والإسكندرَّية، وبَرْقة، وإفريقية، وصِقِلِّية، وأَقْرِيطِش، وذكر بلادَ المغرب وما والاها، ودُنْباوند وقَزْوين وزِنْجان وأبهر وغيرها، وكتب له كتابًا (٣). وفي شعبان أُنفِذَ محمد بن ثَوابة إلى الكوفة، وسُلِّم إلى إسحاق بن عمران، فكان معتقلًا في داره حتَّى مات (٤).

стр. 7685

[وفي شعبان] (١) ورد الخبرُ إلى بغداد أن غلمان أحمد بن إسماعيل صاحب خُراسان قتلوه على شاطئ نهر بَلْخ (٢)، وقام مقامه ابنه [أبو الحسن] نَصْر [بن أحمد]، فبعث إليه المقتدرُ عهدَه على خراسان مكان أبيه. وفي رمضان وردَ الخبرُ بأنَّ خادمًا لأبي سعيد الجَنَّابيِّ القِرمطيّ المتغلِّب على هَجَر قتلَه. قال ثابت بن سنان: وكان عليّ بنُ عيسى لَمَّا تقلَّد الوزارة سأل المقتدرَ في أمر القرامطة، وأشارَ بمكاتبة أبي سعيد الحسن بن بهرام الجَنَّابيّ والإعذارِ إليه، فتقدَّم إليه بمكاتبته عنه، فكتبَ إليه كتابًا طويلًا حمدَ الله في أوَّله، وصلَّى على رسوله ﷺ ، وذكر الآيات المختصَّةَ بالإسلام وشرفه، وحث فيه على طاعة الخلفاء، فقال: والحمدُ لله الذي شرَّف أمير المؤمنين وآباءَه الخلفاء الراشدين، الأئمَّة المَهديين، وجعلهم لُبابَ عِترته، وصَفوةَ أسرته، وفروعَ أَرومته، وبواسق نعمته، وجَمعَ لهم ما حازوه من ميراث النبوَّة عنه من الخلافة بعدَه، وارتضاهُم لسيرتِه والاقتداءِ بسنَته، ثم وبَّخه على ما يُحكى (٣) عنه وعن أصحابه من ترك الصلاة والزكاة، وإباحة المحظورات، وارتكابِ المُحَرَّمات، ثم توعَّدهُ وهدَّده وقال: وأمير المؤمنين إنْ أقمت على بدعتِك ومذاهبكَ المستبشعة، وأعرضتَ عمَّا دعاك إليه من الدخول في الطاعة والسنَّة والجماعة، وإلا قلَّدكَ بغيك وآذنكَ بحربٍ من الله ورسوله، وذكرَ آيات الجهاد، وقال في آخره: واللهُ ولي التوفيق والإرشاد، والمطَّلعُ على سرائر العباد، والهادي إلى الخيرِ من أراد، وهو لمن عصاهُ بالمرصاد، وكتب علي بن عيسى في المحرم سنةَ إحدى وثلاث مئة. ونفذت الرسل من حَضرة المقتدر، فلمَّا وصلوا البصرة بلغَهم مقتلُ أبي سعيد، فكتبوا إلى الوزير فعاد الجوابُ بأن يسيروا إلى من قامَ بعدَه، فساروا ووصَّلُوا الكتابَ

стр. 7686

إلى أولاده، وأدوا الرسالة، فكتبوا جوابًا طويلًا من جنسِ كتاب الوزير، فمنه: للوزير أبي الحسن علي بن عيسى من أخوته، سلامٌ على الوزير، فإنَّا نحمدُ الله إليه الذي لا إله إلا هو، ونسألُه أن يصلِّيَ على سيدنا محمد عبده ورسوله ﷺ ، أما بعد: أطال الله بقاءك، فقد وصلت رسلُ السلطان -أعزَّه الله- بكتابه، وما حمَّلهُم من رسالته إلى رجلٍ قد مضى لسبيله إلى رحمة الله تعالى، فذكروا أنَّ الوزير أعزه الله تعالى أمرهم بالمصير إلينا، وإيصالِ الكتاب وأداء الرسالة، فسمعناها وقرأنا الكتاب، وقد أجبنا الوزير بما يقف عليه، ومع هذا، فنحنُ قوم لا نرى مكاتبةَ السلطان؛ لقلَّة معرفتنا بمكاتبته أعزَّه الله، لأنَّا لا نكاتبُ أحدًا من السلاطين، وقد كاتبنا الوزير وأحسنَّا الظنَّ والثقةَ به، وأملنا فيه -أيّده الله تعالى- أن يُلزِمَ نفسَه القيامَ بأمورنا، والعنايةَ بأسبابنا، إذ كانت الأخبار متواترةً بحسن نظرِه في الرعيَّة، وإصلاح أحوالها، وبسطِ العدل منها. فأمَّا ما ذكرهُ السلطان -أدام الله عزه، وزاد شرفه ارتفاعًا وعلوًا وامتناعًا- من انفرادنا عن الجماعة، وعدولنا عن الجماعة والطاعة، وإيثارنا وحشَةَ الفرقة وظلمتَها، فنحن -أيَّد الله الوزيرَ- لم ننفرد عن الجماعة، ولم نعدل عن الطاعة، بل أُفرِدنا عنها، وأُخْرِجنا من ديارنا، وشُرِّدْنَا عن حُرَمنا وذرارينا، واستحلُّوا دماءَنا بغير حق، ونحن نشرحُ للوزير -أيَّده اللهُ- حالنا. كان قديم (١) أمرنا أنَّا كنا أناسًا مستورين، مقبلين على تجارتنا ومعايشنا، ننزِّهُ أنفسَنا عن ارتكاب المعاصي التي حرّمَها الله تعالى، محافظين على فرائضِ الله تعالى، من إقامة الصلوات، وأداء الزكوات، والصيام، والحج، فنَقَم علينا سفهاءُ الناس وفُجَّارُهم مِمن لا يُعْرَفُ بدين، ولا ينسب إلى تقوى ولا يقين، فأكثروا التشنيع علينا حتَّى اجتمعَ الناسُ علينا، وتظاهروا بالإثم والعدوان، وشهدُوا علينا بالزور والبهتان، وأنَّ نساءنا بيننا بالسويَّة، وأنَّنا لا نحرِّمُ حرامًا، ولا نحلُّ حلالًا، وسبُّونا في وجوهنا، وأهانونا وأذلُّونا، حتى نادوا في البلد: من أقامَ عندنا بعد ثلاثة أيَّام فلا يلومنَّ إلا نفسَه، فخرجنا من البلد هاربين، ومن بقيَ منَّا جعلُوا في رقابهم الحبال، وفي أعناقهم السلاسل، وفعلُوا بهم وفعلوا، وذكروا كلامًا طويلًا، إلى أن قال: فأجلونا إلى جزيرة أو إلى .... (٢).

стр. 7687

ثمَّ أرسلنا إليهم نطلبُ أموالنا وأهلنا وحُرَمنا، فمنعونا إيَّاها، وعَزموا على حربنا والبغي علينا، فحاكمناهم إلى الله تعالى، وقد قال: "ومن بغي عليه لينصرنَّه الله" (١) فنصرنَا الله عليهم، وأمَّا ما ادُّعي علينا من الكفر وتركِ الصلوات، فنحنُ تائبون مؤمنونَ بالله. وذكر كلامًا طويلًا، فكتب الوزبرُ لهم كتابًا يَعِدُهم فيه الإحسان (٢). وفيها جرت بين ابن جصَّاص وإبراهيم بن أحمد المَاذرائي مُنازعة (٣)، فنسبه ابنُ الجصَّاص إلى شيء، فقال الماذرائي: عليَّ مئةُ ألف دينار من مالي صدقةً إن كان ما قلتَ صحيحًا، فقال ابنُ الجصَّاص: فعليّ قفيزُ مال صدقةً لقد أبطلتَ في يمينك، فقال له المَاذرائي: أنتَ من جهلك لا تعلمُ أنَّ مئةَ ألف دينار أكثر من قفيز، فاعتبر الحاضرون قولَهما، فكان القفيزُ ستَّةً وتسعينَ ألف دينار [، فكانت المئة ألف دينار تزيدُ على القفيز بأربعة آلاف دينار] (٤). وفيها سار العَلَويُّ صاحبُ إفريقية جذ الخلفاء المصريين يريد مصر في نيّفٍ وأربعين ألفًا من البَرْبر في البر والبحر، ونزلَ لِبْدَة، وهي من الإسكندرية على أربعة مراحل، [وهذا قول ثابت بن سنان] (٥)، وكان بمصر تكين الخاصّة، ففجَّر النيل، فحال بين العلوي ومصر، وولَّى المقتدرُ مصرَ أبا عليّ الحسين بن أحمد، وأبا بكر محمد بن علي الماذرائيين، وأضاف إليهما جندَ فلسطين ودمشق، فساروا إلى مصر، وكانت بينهما وبين العلويين وقعات، وعادَ العلويُّ إلى بَرْقة، وأقام الماذرائيُّ بمصر. وولى المقتدر أبا القاسم عليّ بن أحمد بن بسطام حمص والعواصم وقِنسرين، وولَّى وصيفًا التركيَّ البكتمري آمِد وصُمَيْصات، وولَّى يمن (٦) الطولوني الموصل (٧). وحجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك.

стр. 7688

وفيها توفي جعفر بن محمد ابن الحسن بن المُسْتَفَاض، أبو بكر، الفِريابي، قاضي الدِّينَوَر. ولد سنة سبع ومئتين، وطاف الدُّنيا شرقَها وغربها في طلب العلم، وهو أحدُ أوعيته، ولقيَ أعلامَ المحدِّثين في كل بلد، واستوطنَ بغداد وحدَّثَ بها. قال عمر بن علي الزيَّات (١): لَمَّا ورد الفريابيُّ بغداد استُقْبِلَ بالطَّيارات والزبازب، ووُعِد الناس إلى شارع المنار بباب الكوفة ليسمعُوا منه، فحضرَ الناس، فحزرُوا فكانوا ثلاثين ألفًا، وكان الذين يستملون ثلاث مئة وستة عشر. وقال ابنه محمد بن جعفر: مات أبي في المحرم وهو ابنُ أربع وتسعين سنة، وكانَ قد حفرَ لنفسه قبرًا في مقابر أبي أيوب قبلَ موته بخمسين سنة (٢)، فكان يمرُّ عليه، فيقفُ عنده، وما قضي له أن يُدْفَن فيه. ودفن بباب الأنبار ببغداد لأربعٍ بقين من المحرَّم ليلة الأربعاء. أسند عن ابن المَديني وخلقٍ كثير، ورَوى عنه أحمد النَّجَّاد وغيره، وكان صدوقًا ثقة. وقال أبو أحمد بن عدي: رأيتُ مجلس الفريابي يُحزر بخمسة عشر ألف مِحْبرة، وكنا نحتاجُ أن نبيت موضع المجلس؛ لنتَّخذَ مكانًا نجلسُ فيه (٣). الحسن بن بَهْرام أبو سعيد، القِرْمِطي، الجَنَّابي، المُتَغَلِّب على هَجَر. كان كيَّالًا، طُلِبَ بالبصرة فهرب، واسْتَغوَى خلقًا من القرامطة والأعراب، فغلبَ على القَطيف وهَجَر، وجهَّزَ إليه المعتضدُ جيوشًا وهو يهزمها، فكتب إلى المعتضد كتابًا يقول له: ما الذي عليك مني؟! فأنا ما أوذيك، فكفَّ المعتضدُ عنه.

стр. 7689

وقيل: شغلَه عنه الموت، ولم يجهِّز إليه المقتدرُ أحدًا، وكان بهجر من ناحية البرّيَّة. وقتله خادمٌ صَقْلَبيٌّ في الحمَّام، أراده على الفاحشة. وقال ثابت بن سنان: وردَ الخبرُ من البصرة لتسعٍ بقين من رمضان بأنَّ خادمًا لأبي سعيد قتلَه في الحمام، ثمَّ خرج بعد قتله فدعا رجلًا من رؤساء أصحابه، وقال: السيّدُ يستدعيك، فلمَّا دخل قتلَه، وما زال يفعلُ ذلك بواحدٍ واحد حتى قتل أربعة من رؤسائهم، ثمَّ دعا بالخامس، فلما رأى القتل صاح واطَّلع النساء، فصِحْنَ، واجتمعُوا على الخادم فقتلوه. وكان أبو سعيد قد عهدَ إلى ابنه سعيد، فلم يضطلع بالأمر، فغلبهُ عليه أخوه الأصغر سليمان بن الحسن، وكنيتُه أبو طاهر، واسم أمه فرحة (١). [فصل وفيها توفي] حَمدَويه بن أسد (٢) الدِّمَشْقي، المُعَلِّم. كان من الأبدال، [وذكره الحافظ ابن عساكر وقال: كان] (٣) مُجابَ الدَّعوة، أقام بغارٍ في قاسيون إحدى عشرة سنة لم يكلِّم أحدًا، وكان يخرجُ إلى صلاة الجمعة (٤)، وكانت تفتحُ له أبواب المدينة والدروب والمساجد، وأقامَ خمسين سنة ما استند ولا مدَّ رجله بين يدي الله تعالى هَيبة له (٥). [قال الحافظ:] وجاءه رجلٌ فقال: بلغني أنَّ الخضر يأتي إليك، وأريد أن تجمعَ بيننا، فقال: حتى أشاورَه، فلما جاءه الخضر أخبره، فقال: قل له يقعد [عند] خزانةِ الزَّيت بجامع دمشق، فأخبر الرجل، فقعدَ عندها، فلم ير أحدًا، فجاء [الرجل] إلى

стр. 7690

حمدويه فقال: وأين الخضر؟ فقال: جاء إلى خزانة الزيت [وجلس عندك]، وقلت له: قم من عندي، أمَّا وجدت في الجامع موضعًا غير هذا؟! فقال الرجل: قد كان ذلك، وما علمتُ أنَّه الخضر واسترجع، فقال حمدويه: بلى. وقال حمدويه: كنتُ أمشي في اليوم أربعينَ ميلًا، وأختم في كلِّ ميلٍ ختمة (١)، فلمَّا كان في بعض الأيام تعبتُ تعبًا شديدًا وضَعُفت من الجوع، فأتيتُ في البرية إلى عين ماءٍ في مكانٍ طيِّب، فقعدتُ واسترحت (٢)، وشربتُ من العين، وقلت: لو كان مع الماء شيءٌ من طعام، وإذا بجاريةٍ سوداء واقفة على رأسي فقالت: قد أرسلَ مولاي إليك هديَّةً، وقال: إن قبلهَا فأنتِ حُرَّةٌ لوجه الله، فقلت: ضعيه واذهبي، فوضعته وإذا فرنيتان وبيضٌ مَسْلوق، [قال:] فتركتُه بحاله، ومضيت ولم أتناول منه شيئًا [قال الراوي: كأنه جزع من سرعة الإجابة]. وقال [الحافظ: قال حمدويه:] عطشتُ [ليلةً] وأنا بجامع دمشق، والأبوابُ مغلقةٌ، فقلت: يا إلهي، عطشت، وإذا بكفٍّ قد خرجت من الحائط وفيها كوز من ماء، فقال: اشرب. [قال ابن عساكر:] مات حمدويه بدمشق [في هذه السنة]. أسند عنه [أبو القاسم (٣) بن أبي العَقَب، وأبو هاشم المؤدِّب، و] أبو صالح الذي ينسب إليه مسجد أبي صالح بباب شرقي وغيره [انتهت ترجمته (٤). وفيها توفي] عبد الله بن علي ابن محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، القاضي، الفاضل. كان من سَرَوات الرجال، له قدرٌ وجلالة، [و] استقضاه المكتفي على مدينة المنصور [في] سنة اثنتين وتسعين ومئتين، وما زال كذلك إلى سنة ست وتسعين، فنقلَه

стр. 7691

المقتدرُ إلى الجانب الشرقيّ، ففُلِج، وكانت وفاتُه بالسَّكْتة، وقيل: في سنة ثمان وتسعين [ومئتين] (١). محمد بن عبد الله ابن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، القاضي، الأموي (٢)، ويعرف بالأحْنَف. كان يخلفُ أباه على القضاء ببغداد، وكان سَريًّا جميلًا، واسعَ الأخلاق، كثير الإحسان، قريبًا من الناس. وتوفِّي يومَ السبت بعد أبيه بثلاثة وسبعين يومًا، ودُفنا بباب الشام (٣). [وفيها توفي] محمد بن عثمان ابن إبراهيم بن زُرْعَة، أبو زُرْعة الثَّقَفيّ مولاهم، قاضي دمشق ومصر. [ذكره الحافظ ابن عساكر، وقال:] كانت داره بدمشق بباب البَريد، وليَ قضاءَ مصر [في] سنة أربعٍ وثمانين ومئتين في أيَّام خُمارَويه (٤) [بن أحمد بن طولون]. وكان حسنَ المذهب، عفيفًا عن المال والحريم، شديد التوقُّفِ في إنفاذ الحكم، وأمره أحمدُ بن طولون بخلع أبي أحمد الموفَّق لما حجر على المعتمد، [قال أبو الحسين الرازي:] فقام [أبو زرعة] يوم الجمعة عند مِنْبر دمشق [وقال: نحنُ أهل الشام، أهلُ صفين، اشهدوا أنِّي خَلعتُ أبا أحمق -يعني أبا أحمد- كما خلعتُ خاتمي من أصبعي، ولعنَه.

стр. 7692

قلت: تبًّا لهذا القاضي، أمَّا خاف الله تعالى! يلعنُ الموفَّق وقد جاهد صاحب الزَّنج، وفعل ما فعل، وبذلَ نفسه لله تعالى وأمواله وولدَه، واستنقذ المسلمين والمسلمات من يد الخبيث. عامَّة ما في الباب أنَّه حجرَ على المعتمد لمصلحةٍ رآها توجب ذلك؛ لعنه عليًّا على المنابر شفاهًا، خصوصًا وهو من الشيعة الهاشمية والشجرة العباسية. قال أبو الحسين الرازي: ولما قدمَ أبو العباس المعتضدُ دمشقَ] (١) عند رجوعه من وقعة الطَّواحين في سنة إحدى وسبعين [ومئتين]، قال لأبي عبد الله أحمد بن محمد الواسطي: انظر من كان يبغض دولتنا من الدمشقيين، فاحمله إلى الحضرة، فحمل محمد بن عثمان [صاحب هذه الترجمة، وأبو زُرْعَة] عبد الله (٢) بن عمرو، ويزيد بن محمد بن عبد الصمد، مقيَّدين إلى أنطاكية، فرآهم المعتضد يومًا سائرين في المَحامل، فاستحضرَهم وقال: أيكم القائل [قد خلعت] أبا أحمق، فخرسَ القوم، فقال له محمد بن عثمان [القاضي:] أصلحَ اللهُ الأمير، أشهدكَ أنَّ نسائي طوالق، وعبيدي أحرار، ومالي في سبيل الله، إن كان في هؤلاء القوم من قال هذه المقالة، فقال المعتضد: أطلقوهم (٣). [والعجبُ من ذكاء المعتضد ونظره في دقائق الأمور! والعُجاب، كيف مرَّت عليه هذه التورية التي لا تخفى على صبيان المكاتب؟! وقال ابن عساكر:] كان محمد بن عثمان من موالي بني أمية، وممَّن كان يُرْمَى بالنَّصْب. وقيل: إنَّه مات [في] سنة اثنتين وثلاث مئة (٤). * * *

стр. 7693

السنة الثانية وثلاث مئة فيها في المحرَّم وردَ كتابُ نَصْر بن أحمد بن إسماعيل صاحب خُراسان أنَّه واقعَ عَمَّهُ إسحاق بن إسماعيل، وأنَّه أسرهُ، فبعث إليه المقتدر بالخِلَع واللواءِ وعهدِه على خراسان (١). وفيها عاد العلويُّ إلى الإسكندرية ومعه صاحبُه حُباسة، فجرت بينه وبين عسكر المقتدر حروبٌ، قُتِل فيها حباسة، وعاد العلويُّ إلى القيروان. وفي جمادى الأولى طهَّرَ المقتدرُ خمسةً من أولاده، فبلغ النِّثارُ عليهم والنفقة ست مئة ألف دينار، وطهَّر معهم جماعة من اليتامى، وكساهم وأعطاهم الدنانير الكثيرة. [قال ثابت: وفي جمادى الأولى] قُبِضَ على أبي عبد الله الحسين بن عبد الله بن الجصَّاص الجوهري، [و] أَنفذ المقتدرُ إلى داره جماعة من خواصِّه، فأخذوا منه [من] المال و [من] الجوهر ما قيمتُه أربعة آلاف [ألف] دينار (٢)، وكان هو يدَّعي أكثر من ذلك بكثير [وهذا قول ثابت بن سنان]. وقال أبو الفرج بن الجوزي (٣) ﵀ [في "المنتظم"]: أُخِذَ منه ما مقداره ستَّةَ عشر ألف ألف دينار عينًا وورقًا وآنيةً وثيابًا وخيلًا وخدمًا. [قلت: وقد ذكرنا أنَّ أموال (٤)] ابن الجصَّاص من قَطْر النَّدى بنت خُمارَويه، فإنَّه لَمَّا حملَها من مصر إلى المعتضد كان معها أموالٌ عظيمةٌ، وجواهر [لها قيمة]، فقال لها ابنُ الجصَّاص: الزمانُ لا يدوم على حال [واحد]، والدهر لا يؤمنُ، دعي عندي بعضَ هذه الجواهر تكون ذخيرةً لك، فماتت قطرُ الندى، فأخذَ الجميع [ابنُ الجصَّاص].

стр. 7694

وقال أحمد بن الحسين بن المنذر: دخلتُ يومًا على ابنِ الجصَّاص، وبين يديه سفط منطق بالحرير، [و] فيه جوهرٌ قد نَظَم منه عشرين سُبحة وأكثر، وزنُ كلِّ حبَّةٍ بمقدار صاحبتها لا تزيد ولا تنقص، وهي مثل بيض الدجاج (١)، وبين يديه سبائك ذهب تُوزن بالقبَّان كما يوزن الحطب، ثم صادره المقتدر، وأخذَ الجميع، ثمَّ قتلَه المقتدر، وتقاسمَه الموالي، وتفرَّقَ شذَرَ مَذَر (٢). [وسنذكرُ ابن الجصَّاص في سنة خمس عشرة وثلاث مئة. وقال ثابت بن سنان:] وفي جمادى الآخرة وقع بين الحنابلة وبين أصحاب ابن القاص [كلامٌ غليظٌ، فتوسَّط بينهم عليُّ بن عيسى الوزير، ومنع ابن القاص] من الكلام. وفي رمضان أُدخِل أولادُ المقتدر الكُتَّاب، وكان المؤدِّبَ أبو إسحاق إبراهيم بن السريّ الزَّجَّاج النحويّ. وفيها خرج الحسنُ بن عليٍّ العلويّ، وتغلَّب على طَبَرِسْتان، ولقِّب بالداعي (٣). وهو قول ابن ثابت، وأمَّا غيره فقال: هذا العلويُّ اسمه: الحسنُ بن علي بن الحسن بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، ويُعرف بالأطروش (٤). ودعا الدَّيْلَمَ إلى الله تعالى، وكانوا مجوسًا فأسلموا، وبنى لهم المساجد، وأقامَ شعائر الإسلام، وكان فاضلًا صالحًا عاقلًا، وله سيرةٌ مُدَوَّنةٌ، وأقام عند الديلم سنين، فأصلحهم [الله] على يديه. وفي ذي القعدة خلعَ المقتدر على أبي الهَيْجاء عبد الله بن حَمْدان، وقلَّدَه الجزيرةَ وأعمالها والموصل.

стр. 7695

وفيها بنى عليُّ بن عيسى [الوزير] المارَسْتان بالحَرْبية مَحلَّة الحَنابلة غربي بغداد، وأنفقَ عليه أمواله. وحجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك، فلما عادوا خرج عليهم [رجل علويٌّ يقال له:] الحسن بن عمر (١) الحسنيّ في خلقٍ من طيئ وبني صالح بن مُدْرك الشَّيباني، فأخذوا ما كان مع الحاجِّ من الأموال والأمتعة والجمال، وأخذُوا من النساء مئتين وثمانين امرأةً من الحرائر سوى المملوكات والمماليك، وبلغ الخبرُ إلى بغداد، ومات الباقون بالعطش والجوع، فلمَّا دخلَ من سلم منهم بغداد ضجُّوا، واجتمعت معهم العامَّة، وشَغَبوا (٢) على السلطان، فوعدهم الوزير عليُّ بن عيسى أن يكتب كتابًا إلى العلويّ، فكتبَ إليه كتابًا يتهدَّدُه فيه ويتوعده، ويأمره بردِّ ما أخذ، فلم يلتفت [لقوله]. وفيها توفي أحمد بن يونس ابن عبد الأعلى بن موسى، أبو الحسين. ولد في ذي القعدة سنةَ أربعين ومئتين، وكان من الخائفين البكَّائين. روى عنه الأئمة (٣). [فصل وفيها توفيت بدعة جاريةُ عَريب، مولاة المأمون. ذكرها ثابتُ بن سنان فقال: وفي سنة اثنتين وثلاث مئة توفيت] (٤) بدعة الكبيرة جاريةُ عَريب توفيت لستٍّ بقينَ من ذي الحجة، وصلَّى عليها أبو بكر بن المُهْتدي. وقد كان إسحاق بن أيوب بذلَ فيها لعَريب مولاتها مئةَ ألف دينار على يدي أبي

стр. 7696

الحسن علي بن يحيى المُنَجِّم، وللمنجِّم عشرين ألف دينار لسفارته، فلمَّا خاطب عَريبًا في ذلك، دعت بدعة وعرَّفتها ذلك، وسألتها: هل تحبُّ وتختار البيع، فقالت: لا أختارُ البيع، فردَّتِ المال وأعتقتها من وقتها، وكانت بدعة مغنِّيةً، وخلَّفت مالًا عظيمًا، وضياعًا كثيرة (١). [قلت: وينبغي أن تُذكر هذه المَنْقَبة في ترجمة عَريب.] (٢) العباس بن محمد ابن ثَوابة أبو الهَيثم، كاتبُ المقتدر (٣). وكان يطمعُ في الوزارة، ولَمَّا ولي عليُّ بن عيسى الوزارة اعتقلَه بالكوفة عند إسحاق بن عمران، فماتَ يوم الأحد سَلْخَ ذي الحجَّة، وأوصى أنْ يصلِّي عليه أبو عيسى الطَّلْحي، وأن يكبِّر عليه أربعًا، وأن يُسَنِّم قبرَه، وكان الوزراءُ يخافونَه لشرِّه، فيقال: إنَّ إسحاق دسَّ إليه سمًّا، فأكله فمات (٤). قال المصنف ﵀ (٥): وإلى هنا انتهى تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطَّبري، وقيل: إلى سنة ثلاثٍ وثلاث مئة (٦). * * *

стр. 7697

السنة الثالثة وثلاث مئة [قال ثابت بن سنان: و] فيها وَقفَ المقتدر أوقافًا كثيرةً من المُسْتَغَلَّات السُّلطانيَّة، وأشهدوا عليه القضاةَ والعدول، وكتبوا السجلَّات وثبتت على الحكام، وليس لها اليومَ أثر. [قال ثابت بن سنان:] وفيها حُمَّ المقتدر أيَّامًا، فاحتجم، ولم يمرض في خلافته غيرَ هذه المرضة، وكان يحتجمُ كلَّ وقت، أمَّا دواء الإسهال فلم يشربه قطّ. وفيها راسلَ عليُّ بن عيسى الوزيرُ القرامطة وكاتبهم وهاداهم، وأطلق لهم ما أرادوا من البيع والشراء بسيراف، فنسبَه الناسُ إلى موالاتهم، وإنَّما قصدَ أن يتلافاهم خوفًا على الحاجِّ منهم، فلما فعلُوا بالحاجِّ ما فعلوا [بعد ذلك]، استصوبَ الناسُ رأيَه وعلمُوا أنَّه إنَّما فعل ذلك نظرًا للحاجّ (١). وفي يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجَّة ولد عليُّ بنُ عبد الله بن حمدان. وفيها تواترتِ الأخبارُ أنَّ الحسينَ بن حمدان قد خالفَ وخرج عن الطاعة، وكان مؤنس الخادم مشغولًا بحرب العلويِّ بمصر، فندبَ عليُّ بن عيسى رائقًا الكبير لمحاربته، وخَلَعَ عليه في جمادى الأولى، وكتبَ إلى مؤنس يعرِّفُه ويأمُره أن يصيرَ إلى ديار مضر، ويأخذ معه من مصر أعيانَ القوَّاد ومن يخاف منهم، مثل أحمد بن كيغلغ، وعلي بن أحمد بن بسطام، والعباس بن عمرو، فشخصَ مؤنس بهؤلاء معه، وأمَّا رائق فالتقى بابن حمدان، فهزمَه ابنُ حمدان، فصار إلى مؤنس، وسار مؤنس مُجِدًّا، وعبرَ الحسينُ دجلة إلى ديار ربيعة في أربع مئة فارس، ولَمَّا قرب منه مؤنس بعثَ الحسينُ إليه بكاتبه مروان، وجرت بينه وبين مؤنس خطوب. وقال: إنَّ السببَ في خروج الحسين عن الطاعة عدولُ الوزير عليِّ بن عيسى عمَّا كان عليه في أمره، فأوحشَه ذلك، وأنَّه ضمن له ضمانات وما وفى له، ويسألُه المقام بحرَّان ويكاتب الوزيرَ فيه، ويتركه

стр. 7698

مقيمًا في منزله، ويقلِّد أخاه أعمال ديار ربيعة، وذَكرَ أنَّه قد اجتمعَ له من القبائل ثلاثون ألف رجل، فأغلظَ له مؤنس وقال: لا سبيلَ إلى هذا حتَّى يدخلَ في الطاعة، وأمَّا القبائل فنحن نفرِّقُهم عنه، وكتبَ إلى الوزير يعرِّفه. وسار مؤنس فنزل بإزاء جزيرة ابن عمر في شعبان، ورَحل الحسين إلى ناحية البادية، وانتقلَ عسكرُه إلى مؤنس أولًا أولًا، فأحسنَ إليهم مؤنس، وخلعَ عليهم، وكانوا سبعَ مئة فارس. ثم سار مؤنس وراءَ الحسين منصوبًا على جمل (١)، وابنُه عبد الوهَّاب على جملٍ آخر، وأصحابه على الجمال، وبين يديهم الأميرُ أبو العباس بن المقتدر، والوزيرُ عليّ بن عيسى، والأستاذ (٢) مؤنس الخادم، وأبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، وإبراهيم بن حمدان، وجميع القواد والجيوش، وادخل الحسينُ إلى المقتدر، وأوقَفَه بين يديه، فأمرَ بحبسِه عند زيدان القَهْرَمانة في دار السلطان، ثمَّ قبضَ على أبي الهيجاء وعلى جميع إخوته، وحُبِسوا في دار السلطان عند نصر الحاجب، وذلك في ذي القعدة. [وفي هذه السنة] (٣) ورد الخبرُ إلى بغداد أنَّه وجد في خُراسان بالقندهار (٤) أزَجٌ (٥) فيه ألفُ رأس (٦) في برج، [من هذه الرؤوس تسعة وعشرون رأسًا] (٧)، في أذن كلِّ واحد خيطٌ من إبريسم، فيه رقعةٌ مكتوبٌ فيها اسمُ صاحبه، وكان من جملتها هانئ بن عروة، وحاتم بن حَسَنة، وطَلْق بن معاذ وغيرهم، وتاريخهم من سنة سبعين من الهجرة. وحجَّ بالناس الفضلُ بن عبد الملك.

стр. 7699

[فصل] وفيها توفي أحمد بن عليّ ابن شُعيب (١) بن علي بن سِنان بن بَحْر، أبو عبد الرحمن، النَّسَائيّ، الإمامُ الحافظ. ولد بنَسَا سنة خمس عشرة ومئتين، وقيل: سنة أربع عشرة [ومئتين]، وسافرَ إلى العراق والشام والحجاز [ومصر]، واستوطن مصر، فأقام بزُقَاق القناديل، وصنَّفَ كتاب "السنن" المشهور، و"الضعفاء والمتروكين". وأثنَى عليه الأئمَّة، فقال الحاكم أبو عبد الله: كان إمامَ أهل الحديث، وكان يصومُ الدهرَ، ويختمُ القرآنَ في كلِّ يومٍ وليلة، فإذا جاءَ رمضان ختمَه في كلِّ يوم [وليلةٍ] مرَّتين، وكان يجاهدُ ويرابط. وقال الدارقطني: النسائيُّ مقدَّمٌ على كلِّ من يُذْكَر بهذا (٢) العلم في أهل عصره. [كان أول رحلته إلى نَيسابور، فسمع إسحاقَ بن إبراهيم الحَنْظليّ، والحسين بن منصور، ومحمد بن رافع، وأقرانهم، ثم خرج إلى بَغْلان (٣)، فأكثرَ عن قتيبة، وانصرفَ إلى طريق مَرْو، وكتب عن عليِّ بن حجر وغيره، ثمَّ توجَّه إلى العراق فكتب عن أبي كُرَيب وأقرانه، ثمَّ دخل الشام ومصر فأقام بهما.] وكان إمامًا في الحديث، [ثقة] ثبتًا حافظًا فقيهًا. [وحكى الحافظ ابن عساكر عن محمد بن المُظَفَّر الحافظ أنَّه كان يقول: سمعت مشايخنا] (٤) بمصر يعترفون لأبي عبد الرحمن [النسائي] بالتقدُّم والإمامة، ويصفون من

стр. 7700

اجتهاده في العبادة بالليل والنهار، ومُواظبته على الحج والجهاد، واضرابه عن مجالس السلطان، وأنه لم يزل على ذلك حتَّى استُشهد بدمشق (١). وصنَّفَ الكتبَ المشهورة، وإليه تشدُّ الرِّحال في علل الأخبار ومعرفةِ الرجال (٢). ذكر وفاته: [واختلفوا في أي مكان تُوفِّي، فحكى الحاكم أبو عبد الله قال: حدثني] محمد بن إسحاق (٣) الأصبهاني، [قال: سمعت مشايخنا بمصر يذكرون أن أبا عبد الرحمن] فارق مصر (٤) في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسُئِل عن معاوية وما روي في فضائله، فقال: أما يَرضى معاوية أن يخرج رأسًا برأس حتَّى يُفَضَّل؟! وفي رواية: ما أعرف له فضيلةً إلا: "لا أشبعَ اللهُ بطنه" (٥). وكان يتشيَّع، فما زالوا يدفعون في خُصْيَيه (٦) حتَّى أخرجوه من المسجد [وفي رواية: يدفعون في خصيه] (٧) وداسوه، ثمَّ حُمِل إلى الرَّمْلَة فمات بها [في هذه السنة. قال الحاكم: وحدثني علي بن عمر الحافظ -يعني الدارقطني- قال:، لما امتُحِنَ النسائيُّ بدمشق قال: احملُوني إلى مكَّة، فحُمِل إليها فتوفِّي بها (٨)، وهو مدفونٌ بين الصفا والمروة، [وكانت وفاتُه في شعبان من هذه السنة]. وقال أبو نعيم: لَمَّا داسُوه بدمشق مات بسبب ذلك الدَّوْس، فهو مقتول.

стр. 7701

[قال:] وكان قد صنَّف كتابَ "الخصائص" في فضل علي ﵇ وأهل البيت ﵁، وأكثرُ رواياته فيه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، فقيل له: ألَا تصنِّفُ كتابًا في فضائل الصحابة، فقال: دخلتُ دمشق والمنحرفُ عن عليٍّ رضوان الله عليه فيها كثير، فأردت أن يهديهم اللهُ بهذا الكتاب. وكان يصومُ يومًا ويفطر يومًا، وبيان موصوفًا بكثرة الجماع، قال ابن عساكر: وبيان له أربع زوجات يقسم لهنَّ، وسراري. وقال أبو سعيد بن يونس: خرج من مصر سنة اثنتين وثلاث مئة، وتوفِّي بفلسطين سنة ثلاث وثلاث مئة (١). وقيل: بالرملة. وقال الدارقطني: امتحن بدمشق، وأدركَ الشهادة. وأسند عن خلقٍ كثير، منهم الإمام أحمدُ بن حنبل، وهشام بن عمار، وغيرهما، وأجمعوا عليه. [وفيها توفي] الحسن بن سفيان ابن عامر بن عبد العزيز بن النُّعمان بن عطاء، أبو العباس، الشَّيباني، النَّسَويّ، الحافظ، مُحدِّث خُراسان في عصره، وإليه كانت الرّحلة بخراسان. وهو من قريةٍ [يقال لها:] (٢) بالُوز، على ثلاثة فراسخ من نَسَا. رحل إلى البلاد، وسمعَ الكثير، ولقيَ الشيوخ، وأخذ الأدبَ عن أصحاب النَّضْر بن شُمَيل، وتفقه على أبي ثور [إبراهيم بن خالد]، وكان يُفتي على مذهبه، وصنَّفَ "المسند"، و"المعجم"، و"الجامع"، و"التاريخ"، وغير ذلك، ورَوى مصنفات ابن المبارك وغيرها، [وكان الحاكم أبو عبد الله يقول عن أبي بكر الرازي:] (٣) ليس للحسن بن سفيان في الدنيا نظير.

стр. 7702

[ذكر حكايته وحكاية جماعة من الطلبة للعلم مع أحمد بن طولون: وروى أبو الفضل بن ناصر السَّلامي بإسناده عن أبي الحسين الصفَّار قال:] (١) كنا عند الحسن بن سفيان، وقد اجتمعَ إليه طائفةٌ من أهل الفضل، ارتحلوا إليه من البلاد البعيدة لكتابة الحديث، فخرجَ يومًا إلى مجلس إملائه، فقال: اسمعوا ما أقولُ لكم قبل أن نشرع في الإملاء، وقد علمنَا أنَّكم طائفةٌ من أبناء (٢) النِّعم، هجرتُم أوطانَكم، وفارقتم ديارَكم وأصحابكم في طلب العلم، فلا يخطرنَّ ببالكم أنَّكم قضيتم بهذا التجشُّم للعلم حقًّا، ولا أدَّيتم له من المشقَّة فرضًا، وأنا أحدِّثكم ببعض ما تحمَّلتُه من المَشَقَّة: ارتحلنَا إلى شيخٍ من أهل مصر، فأقمنَا نسمعُ عليه الحديثَ، فنَفِدَت نفقاتُنا، وبعنَا جميع ثيابنا، وأفضَى بنا الحالُ إلى أنْ طوينَا ثلاثةَ أيامٍ بلياليهن، وأصبحنَا في اليوم الرابع وليس بنا حَرَاكٌ من الجوع، ولم يبقَ حيلةٌ إلَّا الخروج إلى [سؤال] الناس، فكتبنا رقاعًا فيها أسامينا، واقترعنَا على من يتولَّى السؤال، فخرجتِ القرعةُ على اسمي، فتحيَّرتُ ولم تسمح نفسي بذلك، فعدلتُ إلى زاويةٍ في المسجد الَّذي كنَّا فيه، وصلَّيتُ ركعتين، وسألتُ الله بأسمائه العظام وكلماته الرفيعة، فلم أستتمَّ دعائي حتَّى دخل المسجد خادمٌ في يده منديل، فقال: من منكم الحسن بن سفيان؟ فرفعتُ رأسي من السجدة وقلت: أنا، فقال: إنَّ الأمير [أحمد] بن طولون صاحبي يقرئكُم السلام، ويعتذرُ إليكم من الغفلة عن تفقُّد أحوالكم والتقصيرِ في حقوقكم، وهو زائرُكم غدًا بنفسه. ووضع بين يدي كلِّ واحدٍ منَّا صُرَّةً فيها مئة دينار، وكنَّا ثلاثة، فقلت له: فما سببُ هذا؟ ومن أين يعرفنا الأمير؟! فقال: حدَّثني أنَّه أتاهُ البارحة في المنام فارسٌ وبيده رمحٌ، فوضعه على خاصرته، وقال: قم فأدرك الحسنَ بن سفيان وأصحابَه، فإنَّهم منذ ثلاث ما أكلوا، وهم في المسجد الفلانيّ، قال ابن طولون: فقلت: من أنت؟ قال: رضوان خازنُ الجنان، قال: فلمَّا أصبح [ابن طولون] دعاني وأخبرني الخبر، وقال: منذُ وَضعَ الرمحَ على خاصرتي أصابني وجعٌ شديد، فعجِّل بإيصال المال إليهم ليزولَ الوجع عنِّي.

стр. 7703

قال الحسن: فتعجَّبنا من ذلك، وخرجنا [من] تلك الليلة من مصر؛ لئلَّا يزورنا ابنُ طولون، فيكون ذلك سببًا لارتفاع اسمنا وانبساط جاهنا، ويتَّصل بذلك [نوع] رياءٍ وسُمعةٍ، فلمَّا أصبحَ ابن طولون جاء إلى [ذلك] المسجد ليزورنا، فلم يرنا، فابتاعَ تلك المحلَّة [بأسرها]، وأوقفَها على المسجد وعلى من ينزلُ به من الغرباء وطلبة العلم؛ لئلَّا يصيبهم من الخَلل ما أصابنا، وذلك كلُّه لقوَّة الدين، وصفو الاعتقاد، وأصبحَ كلُّ واحدٍ منَّا أوحدَ عصره وفريدَ دهره في العلم والفضل (١). [وهي حكايةٌ طويلةٌ اختصرتها. قال الخطيب: وكانت وفاة الحسن في هذه السنة، وقيل: بنيسابور.] سمع الحسنُ الإمامَ أحمدَ رحمة الله عليه، وابنَ مَعين، وهشام بن عمَّار وغيرهم. وروى عن (٢) إسحاق بن راهَويه، والقَواريري، وغيرهما. واتفقوا على فضله وزهده وصدقه وثقته (٣). [وفيها توفي] رُوَيْم بن أحمد وقيل: ابن محمد بن يزيد (٤)، أبو محمد، وقيل: أبو الحسن، وقيل: أبو الحسين، البغدادي، الصُّوفي. قرأ القرآن [على جدِّه يزيد بن رويم وغيره]، وكان عارفًا بمعانيه، وتفقَّه على مذهب داود بن علي الظَّاهري.

стр. 7704

وكان مُجرَّدًا من الدنيا، ثمَّ ترك ذلك. وقال أبو عمرو الزَّجَّاجي: نهاني الجنيدُ أن أدخلَ على رُويم، فدخلتُ عليه يومًا، وكان قد دَخلَ في شيءٍ من أمور السلطان، فدخل الجنيدُ فرآني عنده، فلمَّا خرجنا قال لي: كيف رأيت؟ قلت: لا أدري، قال: إن الناس يتوهمون أن هذا نقصانٌ في حالهِ ووقته، وما كان رويم أعمرَ وقتًا منه في هذه الأيَّام، ولقد كنت أصحبه بالشُّونيزيَّة في حالة الإرادة، وكنت معه في خرقتين، وهو الساعة أشدُّ فقرًا منه في تلك الحالة وتلك الأيام (١). [وحكى القاضي التنوخي بإسناده إلى جعفر الخُلْدي قال:] (٢) من أراد أن يستكتم سرًّا، فليفعل كما فعل رويم (٣)، كتم حبَّ الدنيا أربعين سنة [فقيل له: وكيف يتصور ذلك؟ قال:] وَلِيَ إسماعيلُ بن إسحاق [القاضي] قضاءَ بغداد، وكانت بينهما مودَّةٌ أكيدة، فجذبه إليه [وجعله وكيله على بابه] (٤)، فترك لبس الصوف، ولبس الخزَّ والقَصَبَ والدَّبيقيّ، وأكلَ الطيبات، وبنى الدور، وإذا هو كان يكتمُ حبَّ الدنيا ما لم يجدها، فلمَّا وجدَها أظهرَ ما كان يكتم من حبها. [ويقال: إنَّه وليَ القضاء ببغداد. وهو وهم. والأصحُّ أنَّه كان وكيلًا كما ذكر الخطيب. وذكر ابن خَميس في "المناقب" قال] (٥): لَمَّا دخلتُ بغداد قَصدتُ رُويمًا وقد وَليَ القضاء، فدخلتُ عليه، فرحَّب بي وأدناني وقال: ما تقول الصوفيَّة فيّ؟ قلت: لا أدري، فقال: بلى، يقولون: رجعَ إلى الدنيا، فبينا هو يحدِّثني إذ دخلَ ابنٌ له صغير، فقعد في حجره، فقال رويم: لو كُنْتُ أرى [فيهم] من يكفيني مؤونة هذا الطفل ما دخلتُ فيما دخلتُ فيه، ولكن شُغْل قلبي بهذا وأمثاله هو الَّذي أوقعني فيما وقعتُ فيه.

стр. 7705

وقال في "المناقب": صلَّى رويم صلاةَ الغداة بوضوء العشاء الآخرة عشرينَ سنة (١). [قلت: ولرويم الواقعاتُ الحسنة والكلامُ المليح، فمن ذلك ما حَكى عنه في "المناقب" أنَّه قال:] (٢) اجتزتُ ببغداد في وقت الهاجرة في بعض السِّكَك وأنا عطشان، فاستسقيتُ ماءً من دار، ففتحت الباب صبيَّةٌ وبيدها كوز، فلمَّا رأتني قالت: يا أمَّاه صوفيٌّ يشرب (٣) بالنهار. فما أفطرتُ بعد ذلك. [وحكى عنه في "المناقب" أيضًا أنَّه قال:] (٤) قف على البساط، وإيَّاك والانبساط، واصبر على ضرب السِّياط، [حتى] تجوز الصّراط، وأنشد: [من المنسرح] صَبْرًا جميلًا ما أقربَ الفَرَجا … مَن صَدقَ اللهَ في الأمورِ نجَا مَن خشيَ الله لم يَنَلْهُ أذًى … ومن رَجا اللهَ كان حيثُ رجَا وأنشد أيضًا يقول: [من الكامل] لو كُنْتِ عاتبةً لَسَكَّن عبرتِي … أملي رضاكِ وزُرْتُ غيرَ مُرَاقَبِ لكن صددتِ (٥) فلم يكن لي حيلةٌ … صدُّ المَلولِ خلافُ صدِّ العاتبِ (٦) [وحكى الخطيب عنه أنَّه قال:] منذ عشرين سنة لم يخطر بقلبي ذكرُ الطَّعام حتَّى يحضر. [وحكى الخطيب عنه أنَّه قال] (٧): الفقر له حُرمة، وحُرْمَتُه سترُه وإخفاؤُه والغيرةُ عليه، فمن كشفَه وأظهرَه فليسَ هو من أهله، ولا كرامة (٨). [وحكى ابن باكويه عنه أنَّه قال] (٩): إذا وهبَ اللهُ لك مقالًا وفعالًا، فأخذَ منك
следующие страницы →