← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

بالبلد، فأقاموا شهرين ومُقدَّمُ عسكر بهاء الدولة (١) بالقنطرة يمدُّهم بالإقامات، وسار بهاء الدولة يطوي البلاد، حتى قَدِمَ شيراز، وقَدَّم في مُقدِّمته الوزيرَ الموفقَ، فخرج إليه أبو نصر بن بختيار فقاتلَه، فهزمه الموفَّق، وتفرّق بنو بختيار، فصار أبو نصر إلى بدر بن حسنويه هو وأخوه أبو القاسم، ثم صار أبو نصر إلى قزوين وبلاد الدَّيلم، وأبو القاسم إلى البَطيحَة عند مهذَّب الدولة، وكتب الموفق إلى بهاء الدولة بالفتح، فسار حتى دخل شيراز، وجاءه الدَّيلم من كل مكان، وقبلَ أن يدخُلَ الدارَ وقف تحت القلعة التي على باب شيراز، وأنزل كما أختَ صَمصَام الدولة وردَّها إلى دارها، وقد كان بختيار اعتقلها، وكان الموفَّق يدلُّ على بهاء الدولة دائمًا ويتجنَّى عليه، وبهاء الدولة يداريه ويحتمله. وفيها استولى أبو القاسم محمود بن سُبُكْتِكين على أعمال خراسان بعد أن هزم عبدَ الملك بن نوح والسامانية، وأقام الدعوةَ للقادر، بعد أن كانت للطائع، وكتَبَ إلى بغداد كتابًا بالفتح. و [في هذه السنة] (٢) حجَّ بالناس [أبو الحارث] محمد بن محمد بن عمر، وكان في الحجِّ الشريفان الرضيُّ والمرتضى، فاعترضَ الرَّكبَ أبو الجراح الطائي، فأعطوه تسعة آلاف دينار من أموالهما، وأطلق الحاجَّ. وفيها توفِّي يحيى بن [علي بن محمد ابن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين] (٣) بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين الزيدي، سمع الكثير، [وحدَّث عن أبي بكر بن مجاهد وغيره]، وخرج إلى الشام، فاجتاز بسيف الدولة بن حمدان بحلب، فأكرمَه وأقطعَه أرضًا بشَيزر (٤)، ثم قدم

стр. 8507

دمشق فأعقب بها، وكانت وفاتُه فيها، وأما أبوه علي بن محمد (١)، فكان زاهدًا منقطعًا في بيته ببغداد. ويقال: إنَّ المسجدَ الذي ببغداد -بدرب دينار (٢) الصغير- مسجدُه، وبه قبرُه، وله فيه كتُب حِسان موقوفة على أهل العلم الشريف [ينتفعون بها]. السنة التسعون وثلاث مئة فيها ارتفعت منزلة الموفق، وكان بشيراز مع بهاء الدولة، وخرج إلى جبل جبولة في طلب أبي نصر بن بختيار، فانتهى إلى أبروقية، وعاد في صفر فلُقِّب بعمدة الملك، مضافًا إلى الموفق، وضُرِبَتِ الطُّبول في أوقات الصلوات الخمس على بابه، ولُقِّب ولدُه المعمر ابن بيت النعمة. وفي ربيع الآخر وُلدَ أبو الفوارس بن بهاء الدولة بشيراز. وفي جمادى الأولى خَلَعَ بهاءُ الدولة على الموفق خِلَعَ السلطنة؛ الفَرَجيَّة (٣)، والعمامة، ومراكبُ الذهب تحتَه وبين يديه، وخرج لقتال أبي نصر بن بختيار بالعساكر، وكان أبو نصر قد صار في أطراف الدَّيلم، وكاتَبَ الدَّيلم الذين بفارس وكرمان والأتراك، وصار إلى أبروقية، فسار إليهم منهم جماعة، وانضاف إليه الزُّطُّ والأكراد وقُطَّاع الطريق، وصار يغارُ في أطراف فارس، فخرج إليه الموفق، وانتهى إلى أبروقية، فصار يراوغ ويدافع، ومضى إلى السِّيرجان (٤)، وكان بها ديلم، فلم يقبلوه، وكرهوا مُقامَه عندهم، وواقَعَ أبا جعفر أستاذ هرمز من خواصِّ بهاء الدولة، فهزَمَه أبو نصر، واستولى على عسكره، وسار الموفق يطوي البلاد، وكلُّ بلدٍ يصل إليه يستأمن إليه من به من الدَّيلم والمقاتِلة، وهرب ابن بختيار منه يريد كرمان، فأخذ على طريق بَمْ (٥)

стр. 8508

وبَرْدَسير (١)، فخلف الموفقُ أثقاله بِفَسا، وخاطر بنفسه وبالملك وبمن معه، وسار مُجِدَّا ليلًا ونهارًا لا يلوي على شيء، فلمَّا كَلَّ العسكرُ قالوا له: انزِلْ حتى نستريحَ فقد كلَّتْ دوابُّنا. فنزل، ودعا منجِّمًا كان معه من شيراز، فقال: ألستَ القائل: قد حكمتُ لك أن تأخذ ابن بختيار يوم الاثنين الآتي؟ قال: بلى. قال: فأين ذاك، ونحن على هذه الصورة ولا خبر له ولا أثر؟ فقال المنجم: قد بقي خمسة أيام، فإن لم تأخذه، وإلا فدمي لك حلال، وإن أخذْتَه فأيش تعطيني. فتضاحكوا منه، واستهزؤوا به، فكان كما قال. وفي رواية: أنه لمَّا عَظُمَ أمرُ ابن بختيار واستولى على أطراف فارس وملك كرمان واجتمع إليه الديلم، قلق بهاء الدولة لذلك، وطالب الموفَّقَ بالخروج إلى قتاله، فاستعفى، فقال له: لو أجبتُكَ إلى الاستعفاء لَما حسُنَ بك أن تَقبَلَ في مثل هذا الوقت، وقد علمتَ أنني ما خرجتُ إلا برأيِكَ، ولا وصلتُ إلى ما وصلتُ إليه من هذه الممالك إلا باجتهادك، وإذا قعدت في مثل هذه الضغطة فقد أسلمتَني إلى عدوي، ولكن تمضي في هذا الوجه، ويكون الاستعفاء بعده إذا دفعت هذا العدو. ولم يُمكِنْه في جواب هذا إلا القبول، فسار بالدَّيلم والتُّرك وغيرهم، حتى كان يرِدُ قومًا منهم، فيسألونه ويضرعون إليه حتى يخرجوا معه، وسار الناس يستأمنون إليه، فجاءه مَنْ أخبره أن ابن بختيار بمكان يقال له: بلازفاد، فانتخبَ ثلاثَ مئة من خواصِّ القُوَّاد والدَّيلم، وسار على الجمَّازات، فلم يجده، فسار تبيعه في الذين ذكرنا فلحقه بموضع يقال له: داروين -وهو جبل- جريدة، فقاتلهم، وانهزم ابن بختيار، فلحقه جماعة من الدَّيلم، فتنافسوا فيه، وأراد بعضهم حملَه إلى الموفق. وقال آخرون: نحن أولى. فضربَه بعضُهم فأبانَ رأسَه، وحمَلَه إلى الموفق، فقال بعض الدَّيلم: رأيتُ البارحَة صَمصمامَ الدولة في المنام وهو يقول: قُلْ للموفَق يأخذ بثأري من ابن بختيار، وكتب الموفق كتاب الفتح إلى بهاء الدولة، وسار إلى شيراز، فخرج بهاء الدولة للقائه، فلمَّا رجعا داخِلَين البلد مضى العسكر بأسره في خدمة الموفق إلى داره، وبقي بهاء الدولة في خواصِّه، فشقَّ عليه، وبلغ به كلَّ مبلَغٍ، ولم يتلق بعدها وزيرًا من وزرائه، ودخل شيراز يوم الأربعاء الثاني عشر من شعبان، وقُبِضَ لعشرٍ بَقين منه.

стр. 8509

ذِكْرُ سبب قَبْضِه: لمَّا عاد إلى شيراز بعد قتل ابن بختيار أقام على الاستعفاء وكرَّره، وكان في قلب بهاء الدولة منه أمورٌ قد ملأت قلبَه وغَيَّرَتْه، ونال ما كان يراعيه لأجله، وخافَه خواصُّ الملك وحاشيتُه، فأغْرَوه به، وحضر عنده أبو سعد فناخسره وأبو دُلَف بكرستان [وكانا] (١) يختصان به في الليلة التي قُبض في صبيحتها، فقالا له وأبو العلاء الإسكافي حاضر: أيها الموفَّق، أيُّ شيء آخر ما أنتَ عليه من ركوب الهوى ومخالفة الرأي في هذا الاستعفاء؟ وما الذي تُريده لِنُبلغه لك؟ إما بالملك أو بنفوسنا -وإن كان قد غاظَكَ أحد- وضعنا عليه مَنْ يفتِكُ به، أو كان في نفسك شيء فأطلِعنا عليه، حتى نتبع فيه [هواك. قال: ما أطوي عنكم شيئًا وقد خدمت هذا الملك وبلغت] أغراضَه، وما أريد الجندية بعدها. فقالا له: دَعْ هذا اللَّجاج، فإنه يؤدي إلى ما تندم عليه، ولا تقدِر في نفسك أنك إذا أُعفيتَ تقيم في منزلك، وقد بلغت من المنزلة ما بلغتَ، وأنك تنزل على ما تريد، هذا مُحالٌ، فَدَعنا نمضي إلى الملك ونُعرِّفَه مقامك في خدمته. فقال: لا بُدَّ. فقالا له: فأخِّر ركوبك في غَدٍ، وراجِعْ نفسَك. فلم يقبَل وبكَّر من غدٍ إلى دار الملك على عادته، وبعث يستعفي وبهاء الدولة يدفعه عن ذلك وهو مُصِرٌّ عليه، فخرج إليه جماعةٌ، وقبضوه وحبسوه في بيت وزرقوه (٢)، وبعث بهاء الدولة إلى داره، فأخذ جميعَ ما كان فيها من المال والثياب والسلاح والخدم والغِلمان، وأخذ من إصطبلاته جميع ما كان فيها، وفوَّض بهاءُ الدولة الأمورَ إلى أبي علي الحسن بن أستاذ هُرمُز، وكان بعد فتح الأهواز قد اعتزل في منزله، وكتب بهاءُ الدولة إلى ابنه أبي نصر سابور ببغداد أن يقبض على أولاد الموفق وأسبابِه، فاستعمل الجميل، وبعث فأنذرهم فانصرفوا عن دورهم، فأنفذ إلى منازلهم فرآها خالية، فكتب إلى أبيه بأن القوم أُنذروا فاستتروا. وفيها استولى ابن سُبُكْتَكين على بُخارى، وطرد السامانية، وذلك أنَّه لمَّا نازلها صعِدَ خُطباؤها المنابرَ يستَنفِرون الناس للسامانية، ويقولون: قد عرفتُم حُسن سيرتهم فيكم، وقد

стр. 8510

أظلَّهم هذا العدو، فقاتِلوا بين أيديهم. فسأل أهلُ بخارى الفقهاءَ، فقالوا: لو كانوا يُنازِعون في الدين لَوَجَبَ قتالُهم، أمَّا المنازعةُ في الدنيا فلا تُجَوِّزُ قتالهم. فهربَتِ السامانية، وانقرض ملكهم، ولمّا دخل أصحاب [ابن] سُبُكْتَكين البلد أحسنوا السيرة، ورَفقوا بأهلها. وفي شوَّال قُلِّدَ القاضي أبو عبد الله الحسين بن هارون الضبِّي مدينة المنصور مضافًا إلى الكَرخ وما بيده، وقلد القاضي أبو محمد عبد الله بن الأكفاني الرُّصافة وأعمالها، وقُلِّد أبو الحسن الحريري طريقَ خراسان، وقُلِّد أبو حازم محمد بن الحسن القضاء بواسط وأعمالها، وكُتِبَتْ لهم العهود، فقُرِئَت بدارِ الخلافة (١). [وفيها] حجَّ بالناس أبو الحارث العلوي. وفيها توفِّي محمد بن عبد الله (٢) ابن الحسين بن عبد الله بن هارون، أبو الحسين، الدقاق، البغدادي، ويُعرف بابن أخي ميمي، ولد في صفر سنة أربعة وثلاث مئة، وكتب الحديث الكثير، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا، ثقة، مأمونًا، مقيمًا في بيته أربعين سنة، لم ينَف على سطحٍ مع حرِّ بغداد. وكتب الحديث إلى أن مات، وكان حسنَ الأخلاق، كريمَ العشرة، وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر من شعبان ببغداد، سمع أبا القاسم البغوي، وابن صاعد، وغيرهما. واتَّفقوا عليه. وفيها توفِّي أحمد بن محمد بن أبي موسى أبو بكر، الهاشمي، القاضي، ولد سنة خمس عشرة وثلاث مئة، وكان مالكيَّ المذهب، تقلَّد قضاء المدائن، وسُرَّ من رأى، والجزيرة، وديار ربيعة، وغيرَها من البلاد، وولي خَطابة جامعٍ المنصور مدَّةً، ومات ببغداد في المُحرَّم، ودُفن بداره، وكتب الناسُ عنه، وكان ثقة مأمونًا (٣).

стр. 8511

الحسين بن محمد بن خلف (١) أبو عبد الله، الفرَّاء، والد القاضي أبي يعلى الحنبلي، وكان الحسين رجلًا صالحًا على مذهب أبي حنيفة، سمع الحديث وتفقَّه، وتوفِّي في شعبان ببغداد، وروى عنه ابنُه وغيرُه. عمر بن داود بن سلمون (٢) أبو حفص، الأنطرسُوسي، الطرابُلسي، ولد سنة خمس وتسعين ومئتين، سمع خلقًا كثيرًا، وكان زاهدًا عابدًا ثقةً. قال أبو علي الأهوازي: قال لي أبو حفص: ختمتُ اثنتين وأربعين ألف ختمةً، وتزوجت مئة امرأة، وتسرَّيتُ بثلاث مئة جارية. محمد بن عمر (٣) ابن يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇، أبو الحسن، الكوفي، ولد سنة خمس عشرة وثلاث مئة، وسكن بغداد، وكان المُقدَّمَ على الطالبيبن في وقته مع كثرة المال والعقار والضِّياع، وكان يخدُمُ عضُدَ الدولة، وكانت دارُه ببغداد عند قصر ابن المأمون، وكان عَضُد الدولة يغيظه منه كثرةُ ماله، فصادره، ولما ورد رسولُ القرامطة الكوفةَ قال عَضُد الدولة لوزيره: قُل للشريف يكتُبْ إلى نُوَّابه بالكوفة بإنزال الرسول وإكرامه، وبلغه، فكتب على أجنحة الطيور إلى الكوفة بذلك، وجاءه الجواب بعد ست ساعات، ثم دخل على الوزير، فقال له: قد أمر الملك بكذا وكذا، فينبغي أن تمضيَ إلى دارك، وتكتبَ إلى نوابك، ويعود الجواب بعد ستة أيام، وتأتي إلينا. فأخرج الورقةَ التي جاءته على جناح الطائر وتاريخها في ست ساعات من ذلك اليوم، فقام الوزير، ودخل على عَضُد الدولة، وأخبره، فانزعج، وبلغ عَضُدَ الدولة أنه عمل على طوقِ قَنِّينةٍ

стр. 8512

تكون للشراب جوهرًا قيمته مئة ألف دينار، فصادره، واستصفى أمواله وحبَسه، فبقي محبوسًا حتى مات عَضُدُ الدولة، فأطلقه ولده أبو الفوراس شرف الدولة، فأقام معه، وأشار عليه بطلب المملكة، فتمَّ ذلك، ودخل معه بغداد، فرفع أبو الحسن علي بن طاهر عاملُ سقي الفرات إلى شرف الدولة أن الشريف زرع في سنة ثمانٍ وسبعين وثلاث مئة ثمانَ مئةِ ألفِ جُريب، وأنه يستَغِلُّ ضِياعَه ألفي ألف دينار، وبلغ ابن عمرَ، فدخل على شرف الدولة، وقال له: يا مولانا، وواللهِ ما خاطبتُ بمولانا ملكًا سواك، ولا قبَّلتُ الأرض لملكٍ غيرِك؛ لأنك أخرجتني من مَحْبِسي، وحفظتَ روحي، ورددتَ عليَّ ضياعي، وقد أحببتُ أن أجعل النصف مما أملِكُ لولدك، وجميعُ ما بلغكَ عني صحيح. فقال له شرف الدولة: لو كان ارتفاعُكَ أضعافَه كان قليلًا لك، وقد وفَّر اللهُ مالكَ عليك، وأغنى ولدي عنك، فكُنْ على حالك. وهرب ابن طاهر إلى مصر، فلم يَعُدْ حتى مات ابنُ عمر، وصادرَ بهاءُ الدولة ابنَ عمر على ألفِ ألفِ دينارٍ عَينًا، وأخذَ منه شيئًا آخر، واعتقله سنتين وعشرة أشهر، وتنغَّص عيشُه بكثرة ماله. وقال القاضي التنوخي (١): لمَّا بنى الشريفُ دارَه بالكوفة كان فيها حائظ عظيمُ العُلوِّ، فوقف البنَّاء عليه ليُصلح شُرَّافاتِه، فسقط من الحائط، [وقام سالمًا، فعجب الناس من سلامته، وعاد ليُصلح الحائط] (٢)، فقال له الشريف: قد بلغَ أهلَكَ سقوطُكَ، وهم لا يُصدِّقون بسلامتك، وكأنِّي بالنوائح، وقد جاؤوا إلى بابي، فاذهبْ إليهم ليطمئِنُّوا ويُصدِّقوا أنك في عافيةٍ، وارجعْ إلى عملك. فخرج البنَّاء مُسرعًا إلى أهله، فلمّا بلغَ عتبة الباب عثَرَ فوقعَ ميتًا. توفِّي الشريف في ربيع الآخر ببغداد وعمره خمس وسبعون سنة، ودُفِنَ في داره بدرب منصور بالكَرخ، ثم نُقِلَ إلى الكوفة، سمع أبا العباس بن عقدة وطبقتَه، وروى عنه أبو العلاء الواسطي وشيوخُ الخطيب.

стр. 8513

المُعافى بن زكريا (١) ابن يحيى بن حميد بن حمَّاد بن داود، أبو الفرج، النَّهرواني، ويعرف بابن طَرَارة، وُلدَ سنة ثلاث أو خمس وثلاث مئة، وكان عالمًا بالنحو واللغة وأصناف الآداب، وكان يذهب مذهبَ محمد بن جرير الطبري، وصنَّف كتاب "الجليس والأنيس"، وولي القضاء بباب الطاق نيابةً عن ابن صَير، وكان يُقال: إذا حضر المعافى فقد حضرت العلوم كلُّها، ولو أوصى رجلٌ بثلث ماله لأعلمِ الناس دفع إلى المعافى، وكان محترمًا في الدول، وتوفي بالنَّهروان في ذي الحَجَّة، حدَّث عن البغويِّ وغيرِه، وروى عنه الأزهريُّ وغيرُه، وقال أبو الطيب [الطبري] (٢): أنشدني المُعافي لنفسه: [من المتقارب] ألا قُلْ لِمَنْ كانَ لي حاسدًا … أتدري على من أسَأتَ الأدَبْ أسأتَ على اللهِ في فعلهِ … لأنَّكَ لم تَرضَ في ما وَهبْ فجازاكَ عنِّي بأَنْ زادني … وسَدَّ عليك وُجوهَ الطَّلَبْ وأجمعوا على فضله وصدقه وثقته. ناجية بن محمد بن سليمان (٣) أبو الحسن، الكاتب، البغدادي، نادَمَ الخلفاء والأكابر، وكان شجاعًا شاعرًا فصيحًا، ومن شعره: [من الطويل] ولمَّا رأيتُ الصُّبحَ قد سَلَّ سيفَهُ … وولَّى انهزامًا بيلُهُ وكواكِبُهْ ولاحَ احمرارٌ قلتُ قَدْ ذُبِحَ الدُّجى … وهذا دم قد ضَمَّخَ الأُفْقَ ساكِبُهْ وأهدى لناجيةَ صديقٌ له مدادًا مع غلابم أسود اسمه أبزون، فكتب إليه ناجية: [من المجتث] أمدَدتَني بمدادٍ … كَلَونِ أبزونَ بادي كمسكنيك جميعًا … من ناظري وفؤداي

стр. 8514

أو كالليالي اللَّواتي … رَمَينَنا بالبِعادِ أكرِم به من سَوادِ … مُبيِّضِ للودادِ وكانت وفاته ببغداد، حدث عن الأنباري وغيره، وروى عنه التنوخي وغيرُه، وكان ثقة. السنة الحادية والتسعون وثلاث مئة وفيها جلس القادرُ للحاجِّ الخُراسانية في داره في أُبهةِ الخلافة، ودخل عليه القضاة والأشراف والعدول والأعيان وأهلُ خراسان العائدون من الحج، وأعلَمَهم أنه قد جعل الأمر في ولده أبي الفضل، ولقَّبه الغالبَ بالله، وكان له ثمانُ سنين وأربعةُ أشهر وأيام، وكتب إلى البلاد بأن يخطب له بعد أبيه، فيقال: وبلغه الأمل في ولده أبي الفضل الغالبِ بالله وفي عهد المسلمين، اللهم ثبتْ دولتَه وشعارَه، وانْصُرْ أولياءَه وأنصارَه. وكان السبب في هذه العجلة -مع صِغَر سنِّه- أن عبد الله بن عثمان الواثقي من ولد الواثق كان أحدَ شهود بغداد، وكانت إليه الخطابة، جرى بينه وبين القاضي التنوخي قصةٌ استوحشَ منها، فقيل له: لو دارَيتَه واستصلحتَه. فقال: أنا مُفكِّرٌ كيف أُريد أن أُطفئ شمع هذا الملك واخذه، ويُقال لي: استصلِحِ التنوخيَّ! وخرج إلى خُراسان، واستغوى بعض الملوك، وافتعل كتابًا على لسان القادر أنه قد ولَّاه العهد، فخطب له بعد القادر، وبلغ القادرَ فانزعج، [وعهد إلى ولده أبي الفضل، وأثبت فِسقَ الواثقي وكَذِبَه، فمضى إلى فارس، وكتب القادر] (١) بتتبُّعِه، فقصد خُوارَزم، وقصد بعضَ الملوك، فرقاه إلى قلعةٍ، فأقام بها موسعا عليه محروسًا حتى مات بها، وكان صاحب القلعة محمود بن سُبُكْتَكين. وفي الساعة الثالثة من يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة وُلدَ الأميرُ أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله وهو القائم بأمر الله. [وفيها] حجَّ بالناس أبو الحارث، محمد بن محمد بن عمر العلوي.

стр. 8515

[وفيها] توفِّي جعفر بن الفضل [ابن جعفر] (١) بن محمد بن الفرات، أبو الفضل، المعروف بابن حِنْزابة، الوزير، وُلدَ سنةَ ثمانٍ وثلاث مئة، ونزل مصر، وتقلَّد الوزارة لكافور الإخشيدي، وكان أبوه وزيرَ المقتدر، وسمع الحديث ورواه، وشرع في تصنيف مسند، وبلغ الدارقطنيَّ، فسافر من بغداد إلى مصر، فأقام عنده مدةً يصنِّف له المسند، فحصل منه مالًا كثيرًا، ومن شعره: [من البسيط] مَنْ أخمَلَ النَّفْسَ أحياها ورَوَّحها … ولم يبِتْ طاويًا منها على ضَجَرِ إنَّ الرياحَ إذا اشتدَّتْ عواصِفُها … فليسَ ترمي سوى العالي من الشَّجَرِ وكانت وفاته بمصر في ربيع الأول، حدَّث عن محمد بن هارون الحضرمي وغيرِه، وكان يَذكُرُ أنه سمع [من] (٢) البغويِّ جزءًا أو مجلسًا ولم يكن عنده، وكان يقول: من جاءني به أغْنَيتُه. وكان يملي الحديث بمصر، وروى عنه الدارقطني وغيرُه، وكان فاضلًا ثقةً جوادًا، مُكرِمًا لأهل الحديث، يبعثُ في كلِّ سنة إلى أهل الحرمين بمالٍ وطعامٍ وكسوةٍ، واشترى دارًا بالمدينة إلى جانب مسجد رسول الله ﷺ ، وأوصى إذا مات أن يُدفَنَ بها، وسمَحَ له الأشرافُ بذلك لإحسانه إليهم، ولمَّا مات بمصر حُمِلَ تابوتُه إلى مكة في الموسم، وطافوا به طواف القدوم، ثم خرجوا به إلى عرفة ووقفوا به، ثمَّ ردُّوا به إلى مكة، فطافوا به طواف الزيارة، وحملوه إلى المدينة، فتلقَّاه الأشراف، وحملوا تابوته إلى الروضة، وصلّوا عليه، وطافوا به حول الحجرة، ودفنوه في داره. [وقد ذكرنا أنه حدَّث عن الحضرمي، وحدَّث أيضًا عن محمد بن سعيد البُرجُمي وإبراهيم بن الحارث بن الغَمْر الحمصيين، سمع منهما بحمص، وذكره الحافظ ابن عساكر في "تاريخه"] (٣).

стр. 8516

[وفيها توفِّي] جيش بن محمد بن صَمصامة أبو الفتوح، القائد المغربي، ابن أخت أبي محمود الكُتامي، أمير أمراء جيوش المغرب بمصر والشام، [ذكره الحافظ ابن عساكر (١)، وقال:] وَلي [جيش] دمشقَ في ذي القَعدة سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، من قِبَلِ خاله أبي محمود، ثم عُزِلَ عنها، ثم وَلِيَها بعد موت خاله [أبي محمود] في سنة سبعين [وثلاث مئة]، ثم عُزِلَ عنها، ثم وَلِيَها سنة تسع وثمانين [وثلاث مئة]، فأقامَ واليًا عليها إلى هذه السنة فمات بها، وكان ظالمًا فاتكًا، سفَّاكًا للدماء، لم يبِتْ بدمشق أحدٌ إلا وهو خائف منه، فاجتمع الصُّلحاءُ والزُّهادُ ودَعَوا عليه، وابتهلوا إلى الله في هلاكه، فسلَّط اللهُ عليه الجذام، فتحتَتَ (٢) جسمُه، وأكله الدود، ورأى بنفسه العِبَر ولم يَنْتَهِ [عمَّا كان عليه] حتى أخذَه اللهُ [أخْذَ عزيزٍ مُقتدر، ومُثِّلَ به أشرَّ مُثلةٍ]. الحسين بن أحمد بن الحجاج أبو عبد الله، الشاعر، وكان من أولاد العُمَّال والكُتَّاب ببغداد، ولَّاه عز الدولة بختيار الحِسْبَة ببغداد، فتشاغل بالشِّعر، وانفرد بالسُّخف، فصار يُتَّقى خوفًا من لسانه، وأكثرُ قولِه في الفُحش والقبيح (٣). وقال هلال بن الصابئ: كان أولُ أمره أنه ارتَسَم بالكتابة بين يَدَي أبي إسحاق إبراهيم الصابئ جدِّي مدةً في أيام حداثَتِهِ، ثم تأتَّى له من المعيشة بالشعر ما عدَلَ إليه وعوَّلَ عليه، ولم يسبِقْه إلى السُّخف سابق، وكان مع تعاطيه هذه الطريقة مطبوعًا في غيرها، ولم يزَلْ أمرُه يتزايد، وحالُه يتضاعف، حتى حصل الأموال، واشترى الأملاك، وصار محذورَ الجانب، متَّقى اللسان، مَقْضيَّ الحاجة، مقبولَ الشفاعة، حمَلَ إليه صاحبُ مصر على مديحٍ مدحه به ألف دينار مغربية، ويقال: إنه خاف من لسانه.

стр. 8517

وكانت وفاته في طريق النيل وهو عائد منها إلى بغداد، فحُمِلَ تابوتُه إلى بغداد لسبعٍ بَقين من جمادى الآخرة، فدُفن بداره بسوق يحيى من الجانب الشرقي في محلَّة الرُّصافة. وقيل: إنه دُفِنَ بمشهد باب التبن ظاهر مشهد موسى بن جعفر، وَرَثاه الشريف الرضي (١)، وقال: [من المتقارب] نَعوهُ على ضنِّ قلبي بهِ … فلِلَّهِ ماذا نعى الناعيانِ رضيعُ صفاءٍ (٢) له شُعبةٌ … من القلبِ مثل (٣) رضيع اللِّبانِ وما كنت أحسب أن الزمان (٤) … يَفُلُّ مضاربَ ذاكَ اللسانِ بَكيتُكَ لِلشُّرَّدِ السائِرا … تِ تفتَّقُ ألفاظُها بالمعاني لِيَبْكِ الزمانُ طويلًا عليكَ … فقَد كُنْتَ خِفَّةَ روحِ الزَّمانِ فعاب الناس على الرضيِّ ذلِكَ ولاموه، وتكلَّموا فيه بهذا السبب، وقالوا: إنما كان يُحِبُّه لأنه كان يهجو أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان الرضيُّ قد اعتنى بشعره، فاختار منه قطعةً كبيرةً، إلا أنها غيرُ سالمةٍ مما يُنسَبُ إليه. وقال أبو الفرج ابن الجوزي: رآه أبو الفضل ابن الخازن في نومه بعد موته، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: [مجزوء الرجز] أفسدَ حُسْن مذهبي … في الشِّعر سوءُ المذهبِ وحَمليَ الجِدَّ على … ظهرِ حِصانِ اللَّعبِ لم يَرضَ مولايَ على … سَبِّي لأصحابِ النَّبي وقال لي ويحكَ يا … أحمقُ لِم لَمْ تَتُبِ من بُغضِ قومٍ مَنْ رَجَا … ولاءَهم لم يخب رُمْتَ الرِّضا جهلًا بما … أصلاكَ نارَ الغضَبِ وقال علي بن المحسن التنوخي (٥): أنشدنا ابن الحجاج لنفسه: [من البسيط]

стр. 8518

قالوا غدا العيدُ فاستبشِرْ بهِ فرحًا … فقلتُ ما لي وما للعيد والفَرَحِ قد كانَ ذا والنَّوى لم تُمْسِ نازِلةً … بِعَقْوَتي (١) وغُرابُ البَينِ لم يَصِحِ أيام لم يَخْتَرِم قُربي المنونُ ولَم … يَغْدُ الشَّتاتُ على شملي ولم يَرُحِ فاليومَ بَعدكَ قلبي غيرُ مُنفسِحٍ … لِما يُسِرُّ وصدري غير مُنشرِحِ وطائرٍ نامَ في خضراءَ مُغشِبَةٍ … على شفا جدولٍ بالعُشبِ مُتَّشحِ بالغَمْرِ من واسطٍ والليلُ ما هبَطَتْ … منهُ النُّجومُ وضوءُ الصُبحٍ لم يَلُحِ بكى وناحَ ولولا أنَّه شجِنٌ … كمثلِ شَجْو المُعنَّى (٢) فيكَ لم يَنُحِ يا مُزعِجَ النومِ عن أجفانِ مُغْتَبِقٍ … على السُّهادِ وبالأحزانِ مُضطَبحِ بيني وبينكَ عهدٌ ليس يُخْلِفُهُ … بُعْدُ المزارِ وعقدٌ غيرُ مُطَّرَحِ فما ذكرتُكَ والأقداحُ دائرةٌ … إلا مَزَجْتُ بدمعي باكيًا قدحي ولا سمِعتُ بصوتٍ فيه ذِكْرُ نَوًى … إلَّا عَصَيتُ عليه كلَّ مُقْتَرِحِ وقال أيضًا: [من المجتث] يا مَنْ وقفتُ هوايَ … عليه سِرًّا وجهرا اللهُ أعلم أنِّي … مُذْ غِبْتَ لم أُعْطَ صبرا ولا عصيتُ لداعي الـ … أسى ولا الوجدِ أمرا ولا اطَّرحتُ ثنائي … عليكَ نظمًا ونَثْرا قَدمِتُّ قبلكَ حتى … تكون أطولَ عُمرا هذا لِغَيبةِ عشرٍ … فكيف لو غِبْتَ شهرا وقال من شعره: [من السريع] باحَتْ بِسرِّي في الهوى أدمُعي … ودَلَّتِ الواشي على موضعي يا معشرَ العُشَّاقِ إنْ كنتمُ … مثلي وفي حالي فموتوا معي يَحِقُّ لي أبكي على زَلَّتي … فلا تلوموني على أدمُعي وقال: [من مجزوء الرمل]

стр. 8519

أيُّها النائمُ عمَّنْ … عينُه ليسَ تنامْ كلُّ نارٍ غيرِ ناري … فيكَ بردٌ وسلام وقال: [من السريع] يا مَنْ مواعيدُ رِضاهُ ظُنونْ … ما آنَ أن يخرجَ مما يخونْ سألتَ عن حاليَ يا سيِّدي … كلُّ عدوٍ لكَ مثلي يكونْ قلت (١): وقد ذكره قاضي القضاة شمس الدين بن خَلِّكان ﵀، فقال (٢): الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحجاج، الكاتب، الشاعر، المشهور، ذو الخلاعة والمُجون، والسُّخف في شعره، كان فردَ زمانه في فنِّه، لم يُسبَقْ إلى تلك الطريقة، مع عذوبةِ ألفاظه، وسلامةِ شِعره من التكلُّف، وديوانه يوجد في عشر مجلدات، والغالب عليه الهزل، وله أشياءُ جيدة، ووَلي حِسْبةَ بغداد، ويقال: إنه عُزِلَ بأبي سعيد الإصطخري الفقيه الشافعي (٣). ويُقال: إنه في فنِّه في درجة امرئ القيس؛ لأنَّ كُلًّا منهما مخترعٌ طريقةً، ومن جيِّد شعره: [من الكامل] يا صاحِبيَّ استيقِظا مِنْ رَقدةٍ … تُزري على عقلِ اللَّبيبِ الأكيَسِ هذي المجرَّةُ والنجومُ كأنَّها … نهرٌ تدفَّقَ في حديقةِ نَرجِس ورأى الصَّبا قَد غَلَّسَتْ بنسِيمِها … فَعلامَ شُربي الرَّاحَ غيرَ مُغَلِّسِ قوما اسقياني قهوةً روميَّةً … من عهدِ قيصرَ دَنُّها لم يُمسَسِ صِرفًا تُضيفُ إذا تَسلَّطَ حُكْمُها … مَوتَ العقولِ إلى حياةِ الأنفُسِ ومن شعره أيضًا: [من الخفيف] قال قومٌ لَزِمتَ حضرةَ حَمْدٍ … وتجنَّبْتَ سائرَ الرُّؤساءِ قلتُ ما قاله الذي أحرزَ المعـ … ـنى قديمًا قبلي من الشُّعراءِ تسقُطُ الطيرُ حيثُ يُلتقط … الحبُّ وتُغشى منازلُ الكرماءِ والبيت الثالث لبشار بن برد (٤).

стр. 8520

عبد العزيز بن أحمد (١) أبو الحسن، القاضي، الخَرَزي، كان يقضي بحريم دار الخلافة، والمُخَرِّم، وباب الأزج، والنَّهروانات، وطريق خراسان، وكان على مذهب داود بن علي الأصبهاني، تقدَّم إليه وكيلان في حكومةٍ، فاختصما إليه، فبكى أحدهما، فقال القاضي: أرِني كتابَ الوكالة. فرمى به إليه، فنظر فيه، ثم قال: ما رأيتُ في كتاب الوكالة أنه جعل إليك أن تبكي عنه. فضحك الحاضرون، وافترقا. عيسى بن علي (٢) ابن عيسى بن داود بن الجرَّاح، أبو القاسم، الوزير بن الوزير، ولد سنة اثنتين وثلاث مئة، وكتب للطائع، وكان فاضلًا، قال أبو يعلى بن الفرَّاء: أنشدني عيسى بن علي لنفسه: [من الخفيف] ربَّ مَيْتٍ قد صار بالعلم حيًّا … ومُبقَّى قد حازَ جهلًا وغَيَّا فاقتنوا العلمَ كي تنالوا خلودًا … لا تُعَدُّ الحياةُ في الجهلِ شيَّا وكان أبو محمد الجوهري يغشاه، فانقطع عنه، فكتب إليه: [من الطويل] رأيتَ جفاءَ الدَّهرِ لي فَجَفْوتَني … كأنَّكَ غضبانٌ على مع الدَّهرِ وقال: خرج علينا يومًا، فقال: اللهُ بيننا وبين علي بن الجهم. فقلت له: [من هو علي بن الجهم؟ قال: الشاعر. قلت]: ورآه سيِّدنا؟ قال: لا، ولكن له بيتٌ آذانا به. قلت: وما هو؟ قال: قوله: [من الطويل] ولا عارَ إنْ زالتْ عنِ الحرِّ نعمةٌ … ولكنَّ عارًا أن يزولَ التَّجمُّلُ وكانت وفاته ببغداد، ودُفِنَ بداره، حدَّث عن البغويّ وغيرِه، وروى عنه الزهريُّ وغيرُه، وكان ثقة، صحيحَ الأصول، ثابتَ السماع، مُفَنّنًا في العلوم، ومن كلامه: لا يصلُح للصَّدرِ إلا واسعُ الصَّدرِ.

стр. 8521

السنة الثانية والتسعون وثلاث مئة فيها هرب أعيانُ أهل بغداد إلى البَطيحَة والكوفة وغيرهما؛ من كثرة المصادرات والعملات، وكبَسَ العَيَّارونَ الدور، وأخذوا الأموال. وفيها قُبِضَ على الموفَّق أبي علي بن محمد بن إسماعيل وزير بهاء الدولة، وكان قد قَبَضَ عليه أولًا بما ذكرنا، وأصعده إلى القلعة، وسلَّمه إلى أبي العباس أحمد بن الحسين الفراش، وكانت فيه غِلظةٌ وفظاظةٌ، وكان قد عرف سوء رأي بهاء الدولة في أبي علي، فاعتقله في حجرة لطيفة، وتركه في وسط الشتاء وشدة البرد بقميص واحد، وعلى كتفه كساءٌ طبري، فأشفى على التلف، وتمنَّى الموت على ما يُقاسيه، فاستمال الموكلين به، وخدعهم ومنَّاهم، وأرغبهم بالأموال فأجابوه، وعملوا له زنبيلًا، ودلَّوه بحبلٍ، وسار وقد أعدُّوا له خيلًا، فأصبح ببلاد سابور، فقيل له: اقصِن بدر بن حسنويه، وإلَّا ما لَك طاقةٌ ببهاء الدولة [فأقام على لجاجهِ وقال: أكاتبُ بهاء الدولة وأستصلِحُه. فقيل له، فلم يُصْغِ، وكاتب بهاء الدولة] (١)، وقال: ما خرجتُ عن طاعتِكَ، وإنَّما خِفتُ على نفسي التلف، وما أريد إلا أن أكون آمنًا على نفسي لا غير. فأجابه، وحلف له بالأيمان المُغلَّظة على ذلك، وقاد الناسُ إلى الموفق الخيلَ والبغال، وحملوا الثياب والأموال، فعادت نعمتُه إلى ما كانت عليه، فأشير عليه بأن يحمل الجميع إلى بهاء الدولة، ويطلب أن يكون منقطعًا في داره ببغداد أو في بعض المشاهد، فما التفتَ، وأصرَّ على المخالفة، ودخل شيراز، فنزل دارًا أُعِدَّت له، وفَتَحَ بابَه، وأقام الحُجَّاب والطرَّادين، وجلس في الدَّست، ودخل عليه الناسُ كما كان وزيرًا، فخاف أصحابُ بهاءِ الدولة، وقالوا: إنَّه يُكاتب أعداءك، وشمعى في خراب دولتك. فأخذه وأصعده إلى القلعة، ووكل به أبا نصر منصور بن طاس، فأحسن إليه، وخدمه ووسَّع عليه، وقال: أنا خادمك، ونفسي ومالي لك، وأُريد منك أن لا تخجلني عند صاحبي. فحلف له على ذلك، وأقام، فجاءه رجل يقال له: الشكري بن حسان، فقال: قد علمتَ فسادَ رأيِ بهاء الدولة فيك، وأنا آخُذُكَ وأذهبُ إلى الري، وتحصل

стр. 8522

على الخلاص والملك، فقد علمتَ ما في نفوس الديلم منك. فقال: قد عاهدتُ أبا نصر على أن لا أُفارق موضعي، ثم قُتل بعد ذلك، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها بعث بهاءُ الدولة عميدَ الجيوش إلى بغداد؛ لتدبير أمورها، وكان قد انحلَّ نظامُها، وطمع العيَّارون فيها، وكثُرت الكبسات والعملات، فسار إليها عميد الجيوش، ولم يقدر بهاء الدولة على المسير إليها؛ خوفًا على فارس، ولمَّا قَرُبَ من بغداد تلقَّاه الناس على طبقاتهم] (١)، فألانَ لهم جانِبَه، وسهَلَ أخلاقَه، وأعذَبَ ألفاظَه، مع هيبةٍ لم يُرَ (٢) مثلُها، وزُينَتْ له الأسواق بالقِباب والأواني [ما لم يُعمل في حق غيره] وهرب الذُّعَّار والشُّطَّار [والعيَّارون] ودخلها في سابع عشر ذي الحجة يوم الثلاثاء، ونُثِرتْ عليه الدنانير والدراهم، وأُقيم الغلمان في أيديهم مجامر [العود و] البخور، وغُلِّفَتْ وجوه الخيل بالغالية (٣)، ونزل في الزَّبزبِ إلى دار المملكة، وخدم الأميرين أبا شجاع وأبا طاهر، وصعد فنزل بباب الشعير، في الدار التي كانت لأبي الحسن محمد بن عمر، وجَدَّ في طلب العيَّارين [وكان معظَمُهم من العباسيين والعلويين] (٤) وقد استطالوا، فجاؤوه بهم من كل مكانٍ، فكان يقرِنُ العباسيَّ بالعلوي ويغرقهما نهارًا (٥) بمشهد من الناس، وكذا فعلَ بجماعةٍ من الحواشي والأتراك والمتعلِّقين بهم، فغرقهم، [فهدأت الفتن] فاستقامتِ الأمور، وانحسمت المواد، وأمن البلاد والسُّبل وخاف الغائب والحاضر، وكان كل علوي وعباسيٍّ يستجير بدار أحد من الخواص، فيبعث فيكبس عليه الدار ويغرقه، ويتبع العيَّارين والمفسدين، فقُتلوا وغُرِّقوا، وكفى الله المؤمنين القتال. وكان من جملة العيَّارين رجلٌ يُقال له: ابن أبي العباس العلوي، فهرب إلى ميَّافارقين، فقال عميد الجيوش: هذه مئة دينار لمن يمضي وراءه ويفتكُ به. وأودعها بعض التجار، وتعيَّن شخصٌ لِقَتْله، فبيناهم كذلك إذ ورد الخبر بوفاة العيَّار، فضحك

стр. 8523

عميد الجيوش، وقال: هذا قد أراحنا الله منه بغير عزم، اصرفوا هذه الدنانير في الراحة من مُفسدٍ آخر. [واستقامت أمور بغداد على يديه]. وفي ذي الحجة وُلد لبهاء الدولة ولدان توأمان؛ أبو علي الحسن، وأبو الحسين، فعاش أبو الحسين بضع سنين ومات، وبقي أبو علي، وملك الأمر ببغداد، ولُقِّب شرفَ الدولة، ومنع عميدُ الجيوش السُّنَّة والشيعة من إظهار مذهب، ونَفَى بعد ذلك ابنَ المعلِّم فقية الشيعة من بغداد. ولم يحجَّ أحدٌ خوفًا من العرب والقرامطة، وكان قد اجتمع حجّ خراسان، فبلغهم ذلك، فرجعوا. وفيها ولَّى الحاكم على دمشق أبا منصور خُتَكينَ القائد، فأساء السيرة، وأخذ الأموال، وظلم، فعزله الحاكم، وسخط عليه، وولى طرملت بن بكار، ففعل أقبحَ ما فعل خُتَكين، فعزله وأعاد خُتَكين. وقيل: كان ذلك في سنة ثمانين وثلاث مئة. وفيها توفِّي عثمان بن جِنِّي (١) أبو الفتح، النَّحوي، اللُّغوي، الموصلي، العلامة، له مصنفات، منها: "اللُّمع" و"التلقين" و"التعاقب" و"شرح القوافي "و"المؤنَّث والمذكَّر" و"سرّ الصناعة" و"الخصائص" و"شرح المتنبي" وغير ذلك، وكان أبوه عبدًا روميًّا مملوكًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي. قال الخطيب (٢): وكان يقول الشعر، ويُجيد نَظْمه، ومن شعر عثمان بن جني: [من الهزج] فإنْ أُصبِحْ بلا نسبٍ … فَعِلْمي في الوَرى نَسَبي على أنِّي أؤولُ إلى … قُرومٍ سادةٍ نُجُب قياصرةٍ إذا نَطَقوا … أرَمَّ الدهرُ في الخُطَبِ أُولاكَ دعا النبيُّ لَهُم … كفى شرفًا دعاءُ نبي

стр. 8524

قال المصنف ﵀: قول الخطيب: كان يقول الشعر، ويُجيد نظمه؛ إن كان من هذا الجنس، فسكوتُه أصلح. سكن ابن جِنِّي بغداد، ودرس بها العلم، حتى مات يوم الجمعة لليلتين بقِيَتا من صفر، وأخذ الأدب عن جماعة، منهم: أبو علي الفارسي وطبقته، وقرأ عليه النَّحوَ عَضُدُ الدولة، وكان يُعظمه. وقيل: إنه توفِّي بالموصل، وكان ثقةً صدوقًا. علي بن عبد العزيز (١) أبو الحسن، الجرجاني، قاضي الري، سمع الحديث الكثير، وترقَّى في العلوم، فأقَرَّ له الناس بالفضل، وله أشعار حِسانُ منها: [من الطويل] يقولون لي فيكَ انقباضٌ وإنما … رأَوا رجلًا عن موقفِ الذُّلِّ أحجَما أرى النَّاسَ مَنْ داناهُمُ هانَ عِنْدَهم … ومَنْ أكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِما ولم أقْضِ حقَّ العِلْمِ إنْ كان كُلَّما … بدا طَمعٌ صيَّرتُهُ ليَ سُلَّما إذا قيلَ هذا منهلٌ قلتُ قد أرى … ولكنَ نفسَ الحُر تحتمِلُ الظَّما ولم أبتذِلْ في خدمةِ العلمِ مُهجَتي … لأَخدُمَ مَنْ لاقَيتُ لكنْ لأُخدَما أأشقى به غرسًا وأجنيه ذِلَّةً … إذًا فاتِّباعُ الجهلِ قد كان أحزَما ولو أن أهلَ العلمِ صانوهُ صانَهُم … ولو عظَّموهُ في النُّفوسِ لَعُظِّما ولكِنْ أذلُّوهُ جَهارًا (٢) فدَنَّسوا … مُحيَّاهُ بالأطماعِ حتَّى تجهَّما وما زلتُ منحازًا بعرضيَ جانبًا … عن الذُّلِّ أعتدُّ الصيانَةَ مغْنَما أُنَهْنِهُها عن بعض ما قد يشينُها … مخافة أقوال العِدى فيمَ أولما وما كلُّ برقٍ لاحَ لي يستَفِزُّني … وما كلُّ من في الناس أرضاه مُنْعِما وأُقْسِمُ ما عِزُّ أمْرئٍ حسُنَتْ لَهُ … مسامَرةُ الأطماعِ إنْ باتَ مُعدِما وكم طالبٍ رقى بنعماهُ لم يَصِلْ … إليه ولو كان الرَّئيسَ المُعَظَّما وكم نعمةٍ كانتْ على الحرِّ نِقْمةً … وكم مغْنَمٍ يعتَدُّه الحرُّ مَغْرَما

стр. 8525

وماذا عسى (١) الدنيا وإنْ جَلَّ خَطْبُها … ينالُ بها مَنْ صيَّر الذلَّ مَطْعَما وقد ادَّعى قومٌ أن هذه الأبيات للشافعي في هذا الوزن والقافية قصيد منها: تَعاظَمني ذنبي فلمَّا قَرَنْتُهُ … بعفوكَ ربِّي كان عفوُكَ أعْظما وليس بصحيح، إنما هي للجرجاني، ومن شعره: [من الطويل أيضًا] إذا شئتَ أن تَسْتَقْرِضَ المال مُنْفِقًا … على شهواتِ النَّفْسِ في زمَنِ العُسْرِ فسَلْ نَفْسَكَ الإقراضَ من كيسِ صَبْرِها … عليكَ وأنظِرْها إلى زمنِ اليُسْرِ فإنْ فَعَلتْ (٢) كنتَ الغنيَّ وإنْ أَبَتْ … فكلُّ منوعٍ بعدَها واسعُ العُذْرِ وقال أيضًا: [من الخفيف] ما تطَعَّمتُ لذةَ العيش حتى … صِرتُ للبيتِ والكتابِ جليسا ليس عندي شيءٌ أعزَّ من العِلـ … ــــم فلم أبتغي سواهُ أنيسا إنَّما الذُّلُّ في مُخالطة النَّا … سِ فدَعهُم وعِشْ عزيزًا رئيسا وقال: [من البسيط] قُلْ للزَّمانِ الذي أبدى عجائِبَهُ … اللهُ منكَ ومن تصريفِكَ الكافي اجهد بجَهْدِكَ فيما قد قصَدتَ لَهُ … ففرجةٌ منكَ بين النونِ والكافِ وقال: [من الكامل] وأغَنّ عنْ أربابِهِ أربابِهِ … قلبي إلى أوصابِهِ أوصى بِهِ ذي شافعٍ يومَ النَّوى أضحى به … سُكْرُ الهوى العذريّ من أصحابِهِ أسْلُو بهِ عَنْ كلِّ مَنْ أَحبَبْتُهُ … وأظلُّ دونَ الخَلْقِ مِنْ أسلابِهِ وتصبُّري (٣) في الحبِّ ما ألقى بِه … فأودُّ لو وَرَّيتُ عن ألقابِهِ كم منزلٍ بالأبرقينِ ثوى بِهِ … لم يقضِ فيه الصبُّ حقَّ ثوابِه أترى به في الحب نخوةَ قادرٍ … فيسومني للعزِّ لَثمَ تُرابِهِ

стр. 8526

رَشَأٌ إذا عايَنْتُه أثوي بِهِ … حَيرانَ حين يميسُ في أثوابِهِ فَرِحا بهِ الطَّلانُ حينَ رآهما … ما بينَ رملَةِ عالجٍ فرحا بِهِ وجَوى به قلبي تضاعَفَ حُبُّهُ … فيهِ وبردُ جَواه رَدُّ جوابِهِ إن كنتَ تطمعُ في هواهُ بِغابِهِ … فالليثُ لا يُسطى عليه بغابِهِ بصري وسمعي في هواهُ طُلا بِهِ … غُبنًا كما طَلِيَتْ دماءُ طُلابِهِ وشرى بِهِ قلبي غداةَ فِراقهِ … صبرًا أمرُّ البَينِ مُرُّ شرابِهِ وجنى بِهِ ثَمَرَ الصَّبابةِ يانعًا … صَبٌّ ألَم بدارِهِ وجنابِهِ ومن العجائبِ منزلٌ أَروَى بهِ … وأذوبُ من ظمأٍ ولا أَروى بِهِ ومات الجرجاني بالري في هذه السنة، وحُمِلَ تابوتُه إلى جرجان، وكان يُلقب بقاضي القضاة، وكان حسنَ السيرة، صدوقًا فاضلًا. [وفيها توفِّي] محمد بن محمد بن جعفر (١) أبو بكر، الشافعي، ويُعرف بابن الدَّقاق، صاحب الأصول، ولد سنة ست وثلاث مئة، وتفقَّه، وقرأ القرآن، وسمع الحديث، وتوفِّي ببغداد في رمضان. الوليد بن بكر (٢) ابن مَخْلَد بن أبي زياد، أبو العباس، الأندلسي، رحل في طلب العلم إلى مصر والشام والحجاز والعراق وخراسان وما وراء النهر، وسمع الكثير، وكان إمامًا عالمًا بالحديث والفقه، ثقةً أمينًا، وهو مقدَّمٌ في علم الأدب، توفي بالدِّينَور في رجب، وروى عنه الحاكم وغيره، ومن شعره: [من المتقارب] لأيِّ بلائِكَ لا تَدَّكِر … وماذا يضرُّكَ لو تعتَبر فبانَ الشبابُ وحلَّ المشيب … وحانَ الرحيلُ فما تَنْتَظِرْ

стр. 8527

السنة الثالثة والتسعون وثلاث مئة فيها منع عميد الجيوش أهل الكَرخ من النوح يوم عاشوراء، ومنع أهل باب البصرة من المضيِّ إلى قبر مصعب بن الزبير، فسكنت الفتن، وحُقنت الدماء، وحُفِظتِ الأموال. وفيها توفِّي الطائع [ابن المطيع] وفيها قَبَضَ بهاءُ الدولة على وزيره أبي غالب محمد بن خلف، وصادره على مئة ألف دينار (١). وفيها زلزلت الشام والعواصم [والثغور]، فمات تحت الهدم خلق كثير، ووقعت القلاع والحصون. وفيها أمر الحاكم صاحب مصر بقطع جميع الكروم التي بديار مصر والصعيد والإسكندرية ودِمياط، فلم يُبقِ بها كرمًا؛ احترازًا من عصير الخمر. ولم يحجَّ أحدٌ من العراق؛ خوفًا من الأُصيفر الأعرابي. وفيها توفِّي إبراهيم بن أحمد بن محمد (٢) أبو إسحاق، الطبري، المقرئ، شيخ الشهود، ومُقدَّمُهم ببغداد والبصرة والكوفة ومكة والمدينة وغيرها، قرأ القرآن، وسمع الحديث الكثير، وكان فقيهًا على مذهب مالك رحمة الله عليه، وحجِّ فأمَّ بالناس في المسجد الحرام أيام الموسم، وما تقدَّم فيه مَنْ ليس بقرشي سواه، ومولده سنة أربع وعشرين وثلاث مئة، وسكن بغداد، وحدَّث بها، وكان سخيًّا جوادًا، مفضالًا على أهل القرآن والعلم، وداره مجمعًا لهم، وقرأ عليه الرضيّ الموسويّ القرانَ، فقال له يومًا: أيها الشريف، أين مقامُكَ؟ فقال: في دار أبي بباب مُخَوِّل. فقال: مِثْلُكَ لا يُقيمُ بدار أبيه. ونَحلَه دارَه التي ببركة زلزل، فامتنع

стр. 8528

الرضيُّ، وقال: إني لم أقبَلْ من أحدٍ شيئًا إلا من أبي. قال: حقِّي عليكَ أكثرُ من حقِّ أبيك، لأني حفَظتُكَ كتابَ الله. قال: صدقتَ. وقَبِلها. قدم الطبريُ من البصرة إلى بغداد في سنة ثمان وسبعين، فصلَّى بجامع المنصور، في المكان الذي عادته أن يجلس فيه، فجاءه أبو الحسين بن سمعون مُهنئًا بقدومه، وأنشد: [من السريع] الصبرُ إلا عنكَ محمودُ … والعيشُ إلا بِكَ منكودُ ويومَ تأتي سالمًا غانمًا … يومٌ على الإخوان مسعودُ مُذْ غِبْتَ غابَ الخيرُ من عندنا … وإنْ تَعدْ فالخيرُ مردودُ ومات ببغداد، حدَّث عن إسماعيل بن محمد الصفَّار وغيرِه، وروى عنه أبو العلاء الواسطي وغيرُه، وأخرج له الدارقطني خمس مئة جزء، من سماعاته، وأجمعوا عليه. عبد الكريم الطائع (١) ابن المطيع بن المقتدر، أبو بكر، وأمُّه عُتب أم ولد، أدركت خلافتَه، ولي الخلافة سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، وقَبَض عليه بهاءُ الدولة بن عضد الدولة سنة إحدى وثمانين، وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام، وأفرد له القادر دارًا، وأحسن إليه، فأقام إلى ليلة عيد الفطر، فتوفِّي. قال هلال بن الصابئ: وفي يوم الثلاثاء، مُهَلَّ شوَّال أُظهِرَ موتُ الطائع المخلوع، وحضر من الغد الأشرافُ والقضاةُ والشهودُ والفقهاءُ والأماثلُ دارَ الخلافةِ للصلاة عليه والتعزية عنه، وأقاموا إلى المغرب، فصلَّى بهم القادرُ المغربَ، ثم أُخرِجَ التابوتُ إلى دار بدر في الفردوس، فصلَّى القادر عليه وكبَّر خمسًا، وحُمِلَ إلى التوبة التي بناها بالرُّصافة، فدُفِنَ بها، وشيَّع جنازتَه أبو الحسن ابن حاجب النعمان والحُجَّابُ والخدمُ والحاضرون من الجَمْع، وتكلَّم أهل السُّنَّة في تكبير القادر خمسًا، فقيل لهم: إن ذلك

стр. 8529

مما جرت به العادة في الصلاة على الخلفاء من بني هاشم، وبلغ ستًّا وسبعين سنة، ورثاه الشريف الرضي (١) من أبيات: [من الرمل] ما رأى حيُّ نزارٍ قبلَها … جبلًا سارَ على أيدي الرِّجالِ وإذا رامي المقادير رمى … فدروعُ المرءِ أعوانُ النِّصالِ أيها القبرُ الذي أمسى بهِ … عاطَلَ الأرضَ جميعًا وهو حَالي لم يُواروا فيكَ ميتًا إنَّما … أفرغوا فيكَ جبالًا من نوالِ لا أرى الدمعَ كفاءً للجَوى … ليس أنَّ الدَّمع من بعدِكَ غالي وبِرُغمي أنْ كسوناكَ الثَّرى … وفرشناكَ زَرَابيَّ الرّمالِ وهجرناكَ على رُغْمِ الورى (٢) … رُبَّ هجرانٍ على غيرِ تقالِ لا تقُلْ تلكَ قبور إنَّما … هي أصدافٌ على دُرِّ اللآلي محمد بن عبيد الله (٣) ابن محمد بن حُلَيس، أبو الحسن، السلامي، كان فصيحًا، وله شعرٌ حسن، فمنه: [من المنسرح] ظبيٌ إذا لاحَ في عشيرتِه … يطرقُ بالهمِّ قَلْبَ مَنْ طَرَقَهْ سهامُ ألحاظِهِ مفوَّقَةٌ … فكلُّ مَنْ رامَ وَصْلَهُ رَشَقَهْ بدائعُ الحُسْنِ فيهِ مُفترِقَه … وأنفُسُ العاشقينَ مُتَّفِقَهْ قد كتبَ الحُسْنُ فوقَ عارِضِه … هذا مليحٌ وحَقِّ مَنْ خَلَقَهْ وله في الدِّرع يقول: [من الكامل] يا رُبَّ سابغةٍ حَبَتْني نعمةً … كافأتُها بالسوء غيرَ مفنِّدِ أضحَتْ تصونُ عن المنايا مُهجتي … وظلَلْتُ أبذُلُها لكلِّ مهنَّدِ وكانت وفاتُه ببغداد في جمادى الأولى.

стр. 8530

محمد بن علي (١) ابن الحسين [بن الحسن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن] بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن، العلوي، الهمَذَاني، الصوفي، هو أحد الأشراف عِلمًا ونسبًا ومحبةً للفقراء مع ما يَرجِعُ إليه من العلوم والحديث والفقه وغيره، وصحب جعفرًا الخلدي وكان يكرمه، ودخل دويرة الرملة، ولم يتعرَّف إليهم، وأقام يخدمهم أيامًا، فدخل إنسانٌ فعرفه، فقبَّلَ رأسَه وأخبرهم به، فقاموا وقبَّلوا قدميه، وقالوا: إن كنت قد أحسنتَ إلى نَفسك فقد أسأتَ إلينا. فخرج إلى مصر، ثم عاد إلى خراسان، فمات ببَلْخ، ومولده بهمَذان، ونشأ ببغداد، ودرس الفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵀، وصحب الصوفية، وصار كبيرًا منهم، وحجَّ مرارًا على قدم الموحدة، وجاور بمكة، وكتب الحديث، وسمع من أبي العباس الأصمِّ وغيرِه، وروى عنه أبو عبد الله الحاكمُ وغيرُه، وكان سيدًا مأمونًا ثقة ورعًا زاهدًا عابدًا، ومن شعره: [من الطويل] أشارَ إليه السِّرُّ حتَّى كأنَّهُ … معَ السِّرِّ في قلبي ممازجُ أسراري فيا عَجبي أنِّي مع السرِّ قائم … أتيه على نفسي بمكنون إضْماري محمد بن علي (٢) ابن الحسين بن أحمد بن إسماعيل [بن محمد بن إسماعيل] بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇، أبو الحسين، العلوي، صاحب التصانيف، وكان منقطعًا في بيته بدمشق، ملازمًا للعلم والعبادة والورع، ومات بدمشق، وكان له مشهدٌ عظيم لم يَرَ الناسُ مثلَه. [وفيها توفِّيت] ميمونة بنت ساقولة الواعظة البغدادية.

стр. 8531

[حكى ابن ناصر عن أشياخه قال: إن ميمونة كانت تقول]: هذا قميصي، له اليوم سبع وأربعون سنة، ألبَسُه وما تخرَّق، غزلَتْه في أمي، الثوبُ إذا لم يُعصَ الله تعالى فيه لا يتخرَّق سريعًا. وقالت [ميمونة]: آذانا جارٌ لنا، فصلَّيت ركعتين، وقرأتُ من فاتحة كلّ سورة آيةً حتى ختمتُ القرآن، وقلت: اللهمَّ اكفِنا أمره، ثم نِمْتُ وفتحتُ عينيَّ، وإذا به قد نزل وقت السَّحَر، فزلَّتْ قدمُه فوقع فمات. وقال ابنها: كان في دارها حائطٌ له جوف، فقالت: هاتِ رُقعة ودَواةً. فناولتُها، فكتبَتْ في الرُّقعة شيئًا، وقالت: دَعْه في ثقبٍ منه. ففعلتُ، فبقي نحوًا من عشرين سنة، فلمَّا ماتت ذكرتُ ذلك القرطاس، فقمتُ فأخذتُه، فوقع الحائط، وإذا في الرّقعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] يا مُمسك السماوات والأرض أمْسِكْه بقدرتك (١). [وقد حكينا عن ابن سمعون مثل ذلك]. السنة الرابعة والتسعون وثلاث مئة فيها دخل أبو العباس ابن واصل إلى البَطِيحَة فملكها، وانهزم مُهذب الدولة منها، وكان ابن واصل قد عصى على بهاء الدولة وأخذ البصرة، واستولى عليها، وكان مُهذِّب الدولة صديقَه وصاحبَه، وكان يُضمر له الغدر، ويقول: أنا نائبٌ بالبصرة عنك، حتى كاتب جماعة من أهل البَطيحَة، وعمل السفن، وجمع العساكر، وسار يريد البَطيحَة، وكتب إلى مُهذِّب الدولة يقول له: مِنْ حُكم الفتوة والنُّصح أن تأخذ لنفسك. فأخرَجَ إليه جيشًا مع عبد الله ابن أخت مُهذِّب الدولة، فهزمهم، وعادوا إلى البَطيحَة مهزومين، ودعت الضرورة مهذِّبَ الدولة إلى أن ركب بقرة في بعض الطريق إلى واسط، فخرج إليه وجوهُ الناس وتلقَّوه وخدموه، وحملوا إليه الدوابَّ والثياب والآلات والفرش والألطاف، واستولى ابن واصل على أمواله وذخائره وعُدده ومَنْ

стр. 8532

بقي من جواريه وخدمه، فوصل إلى الأموال العظيمة، وكانت السيدة بنت بهاء الدولة قد هربت إلى واسط مع بعض خدمها، فاحترز على أموالها وذخائرها، ولم يتعرَّض لها، وحمل ما كان بالبَطيحَة إلى البصرة. وأمَّا مُهذب الدولة فأقام بواسط أيامًا، ثم أصعد إلى بغداد في رمضان، فالتقاه عميد الجيوش (١)، فأنزله وأكرمه، وحمل إليه من الثياب والآلات والمال شيئًا كثيرًا، ووعده بردِّه إلى موضعه، ووصلت بنتُ بهاء الدولة، ونزلت ناحيةً عن مهذب الدولة، وحاول أن يجتمع بها فمُنِعَ عنها، وأقام على ذلك. وفي شوَّال برز بهاءُ الدولة من شيراز يريد الأهواز، وسببه استيلاء ابن واصل على [البصرة و] (٢) البَطيحَة، واستخلف الوزيرُ أبا غالب على كَرمان وفارس، وكاتب عميد الجيوش إلى خُوزستان، وعزم بهاء الدولة أن يستصحب الموفَّق معتقلًا معه، فخاف الجماعةُ الذين يدبِّرون أمره أن تدعوه الضرورة في أمر ابن واصل إلى إطلاق الموفق واستخدامه، فقالوا لبهاء الدولة: إن استصْحَبْتَه معك بعد الإساءة إليه لم تأمَنْه أن يَدُسَّ إلى الدَّيلم ويعمل على انتزاع الملك من يدك، وإن تركتَه في القلعة كان الخوف أشدَّ، فأرسل إليه مَنْ خَنَقه، وكان مريضًا. وفيها (٣) قُلِّد الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى قضاء القضاة والحج والمظالم ونقابة الطالبيين، وكان التقليد من بهاء الدولة بشيراز، وكتب عهده على جميع ذلك، ولُقِّب بالطاهر الأوحد ذي المناقب، فلم ينظر في القضاء لامتناع الخليفة من الإذن له، وتردَّدت في ذلك أقوال انتهت إلى الوقوف فلم يحكم فيه. [وفيها] حجَّ بالناس أبو الحارث محمد بن محمد بن عمر العلوي، فاعترض الحاجَّ الأصيفرُ الأعرابيُّ من بني المنتفِق، وكان قد حجَّ من خراسان خلقٌ عظيمٌ، وفي القافلة

стр. 8533

أموالٌ عظيمةٌ، فحصرهم الأُصيفر وقال: أُريد ألفَ ألفِ دينار. وكان في الركب أبو الحسين بن الرفَّاء وأبو عبد الله بن الدَّجاجي، وكانا من أحسنِ الناس قراءةً، ولم يَبْقَ إلا نَهْبُ الحاجِّ، فقالوا: مَنْ يمضي إليه ويُقرِّرُ معه شيئًا نُعطيه. فندبوا [أبا الحسين] بن الرَّفاء وابن الدَّجَّاجي، فدخلا عليه، وسلَّما وجلسا بين يديه، وقرآ، فأعجبه وطرب، وقال لهما: كيف عيشُكما ببغداد؟ فقالا: نِعمَ عيشٍ؛ يصلنا من أهلها الخِلَعُ والصِّلات والهدايا. وقال: هل وهبوا (١) لكما في دفعةٍ واحدةٍ ألفَ ألفِ دينار؟ قالا: لا، ولا ألف دينار في مرة. فقال لهما: قد وهبت لكما] (٢) الحاجَّ وأموالهم، وذلك يزيد على ألف ألف دينار. فشكروه وانصرفوا، ووفى لهم بذلك، فلمَّا وصل الناس إلى عرفات صَعِدا على جبل الرحمة، وقرؤوا، فقال أهل مكة و [أهل] الشام ومصر: ما سمعنا عنكم يا أهل العراق تبذيرًا مثل هذا، يكون عندكم مثلُ هذين الشخصين فتصحبونهما معًا (٣)، فإن هلكا فبأيِّ شيء تتجمَّلون؟ كان ينبغي أن تصحبوا كلَّ سنةٍ واحدًا. ولمَّا انقضى الموسمُ بلغ أبا الحارث أنَّ أعرابًا قعدوا له بين مكة والمدينة، فعزم على العَوْدِ إلى العراق، ولا يمضي إلى المدينة، فوقفا على مضيق يأخذ إلى طريق المدينة، وقرآ: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] فضجَّ الناسُ بالبكاء، ولَوَتِ الجمالُ أعناقَها إلى المدينة، وسارَ بهم الأمير إلى المدينة، وسَلِموا. وكان أبو الحسين بن بُوَيه لمَّا قدم بغداد بلَغه حُسْنُ صوتِهما وهما حَدَثان، فأمران يُصلِّيا به التراويح، وقرأ يومًا أبو الحسين: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] فصاح صوفيٌّ: بلى قد آن. ومات.

стр. 8534

وفيها توفِّي الحسن بن محمد بن إسماعيل أبو علي، الإسكافي، المُلقَّب بالموفق، قد ذكرنا تقدُّمَه عند بهاء الدولة، وبعضَ أحوالِه، وكان شهمًا شجاعًا منصورًا، لا يتوجَّه في أمر إلَّا ويُنصر، وارتفع أمرُه حتى قال قائلٌ لبهاء الدولة: يا مولانا، زيَّنَكَ اللهُ في عين الموفق. ثمَّ إنه قَبضَ عليه وخَنَقه. خلف بن القاسم بن سهل (١) أبو القاسم، الحافظ، الأندلسي، ويعرف بابن الدَّباغ، ولد سنة خمس وعشرين وثلاث مئة، وكان حافظًا مكثِرًا، جمع مسند الإمام مالك بن أنس، وحديثَ شعبة بن الحجاج، وأسامي المعروفين بالكُنى من الصحابة والتابعين وسائر المحدثين، وكتاب الخائفين، وأقضيةَ شريح، وغير ذلك، وكان أعلمَ الناس برجال الحديث والتواريخ والتفاسير، وكانت وفاته في ربيع الآخر بالأندلس، وأجمعوا على صدقه وفضله وزهده وورعه، وروى عنه أبو عمر بن عبد البر فأكثر، وكان لا يُقدِّم عليه أحدًا من شيوخه، ويقول: هو شيخنا وشيخ شيوخنا أبي الوليد الفَرَضي وغيرِه، وكتب بالشرق عن ثلاث مئة شيخ. [وفيها توفي طلحة بن أسد ابن عبد الله المختار، أبو محمد، الرقِّي؛ قال الحافظ ابن عساكر (٢): سكن دمشق، وسمع وروى، ومات بها في ربيع الأول، ودُفن بباب كيسان، حدَّث عن أبي بكر الآجُرِّي، وأبي سليمان بن زَبْر، ويوسف بن القاسم الميانَجي، وكان شيخًا مأمونًا ثقةً، والله أعلم، والحمد لله وحده].

стр. 8535

السنة الخامسة والتسعون وثلاث مئة فيها زادت دجلةُ زيادةً لم تُعهد، بحيث كان الماء على رؤوس النخل، وهرب الناس في السفن إلى الجانب الغربي، وأقام الماءُ عشرين يومًا فأهلكَ الحرثَ والنَّسلَ. وفيها وصل عميد الجيوش إلى الأهواز، فأقام بها ثلاثة أشهر ينتظر بهاءَ الدولة، حتى قدم فالتقاه على فرسخ من قنطرة أَربَق، في نفرٍ قليل من أصحابه، ودخل بهاءُ الدولة الأهواز في ربيع الأول، وأمر عميد الجيوش بقصد البَطيحَة وأخْذِها من ابن واصل، فسار العميد إلى واسط، وجمع السفن والزبازب، وانحدر إلى الصَّليق، وكان ابنُ واصل قد كاتبه ليتوسَّط الحال بينه وبين بهاء الدولة، وكان خديعةً، فبينا هو كذلك إذ قال قائل: قد أقبل ابن واصل، وقد وصل إلى الهور وهو خارجٌ منه. وقد كان العميدُ سدَّ الأنهار وما أبقى إلا مكانًا واحدًا، فجاءته رسالةُ ابن واصل يقول: ما أحوجتُكَ إلى تكلُّفِ القصد لي، وقد جئتك، والأَولى أن تأخذ لنفسك وترجع إلى واسط، فإنني أخذت هذا البلد بالسيف وما أرجع عنه، وكان عميد الجيوش قد فرَّق الدَّيلم في البلد، ولم يبْقَ عنده إلا القليل، فإلى أن يجتمعوا صعد ابن واصل وأصحابه من السفن، وصدموا أوائل عسكو عميد الجيوش، فكانت الهزيمة، وانهزم عميد الجيوش، وغرق معظم أصحابه، وكان في خيمته ثلاثون ألف دينار عينًا ومئةٌ وخمسون ألف درهم، فدفنها خازنُه في الخيمة، ولم يعلم بها أحد، واستأمن من الدَّيلم قطعةٌ كبيرةٌ، وعاد عميد الجيوش إلى واسط على أسوأ حال، وعاد ابن واصل إلى البصرة، وأعلم أبو عبد الله الخازن عميدَ الجيوش أنه دفن المال، فقوي أملُه، وبعث مَنْ أحضره. وفيها توفِّي أبو الفضل محمد بن القاهر بالله عن نيِّفٍ وثمانين أو سبعين سنة، وكان محتجبًا عن الناس. وفي رجب انحدر مُهذَّب الدولة من بغداد إلى واسط، ورجع إلى البَطيحَة، وكان عميدُ الجيوش قد نُقِلَ إليه أن مُهذَّب الدولة قد غلبك ببغداد على أن يملك الحضرة،

стр. 8536

فقال له بعض أصحابه: هذا بعيدٌ؛ فإنَّ مُهذِّب الدولة ليس بديلميٍّ فتميلُ الدَّيلم إليه، وليس له مالٌ فتميلُ غيرُهم إليه، وهذه البَطيحَة خارجةٌ عنكم، وأهلها يريدون مُهذِّب الدولة، فسَيِّرْه إليها، فإن استقام أمرُه ظهر عند الناس أنكم قضيتم حقَّه ونصرتموه على عدوه لمَّا التجأ إليكم، وإن كانت الأُخرى استرحْتُم منه. فأرسل وراء مهذِّبِ الدولة، فقدِمَ واسطاً، فجهَّزه بالزَّبازب والدَّيلمِ وغيرِهم، وانحدر الناس، فتلقَّاه أهلُ البَطيحَة، وفرحوا به، وانتظم أمرُه. وفيها خلَعَ القادرُ على القاضي أبي عبد الله الجزري الحسين بن هارون الضبِّي، وقرَّره على عمله. وفيها كبس أبو العباس بن واصل أوائلَ عسكر بهاء الدولة، فظفرَ عليهم، وعاد بهاءُ الدولة إلى قنطرة أَرْبَق، ثم راسله ابن واصل، وكان قد اجتمع عنده بالبصرة أربعة آلاف من أعيان الدَّيلم، وعنده جَراءةٌ وإقدام، وحدَّثَتْه نفسُه بطلب الملك، وشجَّعه عليه مَنْ كان عنده من الدَّيلم وممَّن أبعدَه عميدُ الجيوش عن بهاء الدولة، ولقي أصحابَ بهاءِ الدولة عدة دفعات، وظهر عليهم، وعاد بهاء الدولة إلى قنطرة أَرْبَق على عزم الرجوع إلى فارس، ودخل ابن واصل الأهواز، ونزل دار المملكة، واستولى على ما كان فيها، ثم فكَّر في العاقبة، ورأى أصحابَ بهاء الدولة يريدون قصده من كل جانب، فكاتب بهاءَ الدولة وقال: أنا عبدك، وقد تقرَّبتُ إليكَ مراراً وأبعدتَني، وسمعتَ فيَّ أقوال الوُشاة والأعادي، لو اصطنعتني لفتحتُ الدنيا بين يديك ونفعتُكَ. فأجابه بهاء الدولة إلى ما أراد، ووقعت الأيمان بينهما، وشهد القضاة والأشراف، وبعث إليه الخِلَعَ النفيسةَ، وخوطب بما يُخاطَب به مُهذِّبُ الدولة، وعاد إلى البصرة بعد أن أخذ ما كان في دِجلة الأهواز من السفن والزبازب، وما وجد في دار بهاء الدولة من الآلات وغيرها وأموال الأهواز. ذكر طرف من أخبار ابن واصل: واسمه أحمد بن الحسن بن واصل، وكنيته أبو العباس، ولم يكن من بيت الإمرة وإنما كان جِهْبذًا، انتقلت به الأحوال، وخدم مُهذِّب الدولة بالبَطيحَة، وخدم بعبادان،

стр. 8537

وكان مهذِّب الدولة يبعثه برسائل إلى بهاء الدولة -وبهاء الدولة بفارس والبصرة- ولشكرستان، فقصده ابن واصل، وطمع في البصرة، واجتمع إليه الدَّيلم، فأخرجه منها، وحكم عليها، وكاتب بهاءَ الدولة يضمِّنه البصرةَ على مالٍ سمَّاه، فأجابه، وبعث بالخِلَع السلطانية والطوقِ والسِّوارين، وقصد شكرستان باتفاقٍ من مُهذِّب الدولة، وقاتله وظهر عليه، وأخذ أمواله وذخائره، فتقوَّى بها، وبعث إليه بهاءُ الدولة يطلب المال الذي قرَّره عليه، فاعتذر، وقال: كنتُ عددتُه، فلما قُصِدَ بي شكرستان احتجتُ إلى إنفاقه. ثمَّ أرسل ابن واصل إلى مُهذِّب الدولة يطلب المال الذي أنفقه -وكان قصدُه البَطيحَة- فأجابه مُهذِّبُ الدولة بجوابٍ غليظ، ثمَّ جمع ابنُ واصل المال وبعث به إلى بهاء الدولة، فأعجبه، وسأله أن يأذن له في أخذ البَطيحَة، فأذِنَ له، فسار وأخذها، وكان بهاء الدولة قد تغيَّر على مُهذِّب الدولة، ثمَّ شقَّ عليه أخذُ البَطيحَة، فجاء بنفسه من الأهواز، واتَّفقا على الصلح، ثمَّ فسد الحال بينهما، وعاد إلى الأهواز، والتقى بعسكر بهاء الدولة، فهزموه وعاد إلى البصرة. [وفيها] حجَّ بالناس جعفر بن شعيب السلَّار، ولَحِقَهم عطشٌ عظيمٌ، فهلك خلقٌ كثير، وفات بعضَهم الوقفة (١). وفيها خرج أبو رِكوة على الحاكم بمصر، وتعاظم أمرُه -وسنذكره إن شاء الله تعالى- وعزم الحاكم على الخروج إلى الشام، وبرز إلى بَلْبيس بالعساكر والأموال، فأُشير عليه بالمُقام، وقيل له: تقلُّ الحُرمة بالخروج. فعاد. وفيها توفِّي أحمد بن محمَّد البشري، الصوفي، رحل وطلب الحديث، وجاور بمكة مدةً، وصار شيخ الحرم، وخرج إلى مصر، فتوفي بين مصر ومكة، وكان صالحًا ثقةً.

стр. 8538

السنة السادسة والتسعون وثلاث مئة فيها في المُحرَّم خرج الأمير أبو طاهر ابن بهاء الدولة إلى أبيه بالأهواز، ومعه أخته التي تزوَّجها مُهذِّب الدولة. وفيها ظهر كوكبٌ عظيمٌ بمقدار الزُّهرة عن يسار القبلة، وله شعاع [كشعاع الشمس أو القمر] في أول شعبان، وأقام إلى نصف ذي القعدة، ثمَّ غاب. [وفيها] وَليَ أبو محمَّد الأكفاني قضاء جميع بغداد، وجلس القادر لأبي المنيع قِرواش، وخلع عليه، ولقَّبه معتمد الدولة، وجعله أمير العرب، وكان يومًا مشهودًا، وأُحضِر حاجُّ خراسان [القادمون بسبب الحج، وكان فيهم أبو سعد عثمان زاهد خراسان] (١)، فقام في المجلس ودعا بين الصفَّين للقادر، وقال: قال رسول الله ﷺ : "لكلِّ إمامٍ عادلٍ دعوةٌ مستجابةٌ في كل يوم" فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يَجْعلَها في هذا اليوم لي. فقال الخليفة: باركَ اللهُ فيكَ وعليك (٢). وهذا أبو سعد من أهل نيسابور وكان متقدمًا بخراسان في الزهد والورع، والناس يطيعونه مثل ما يطيعون السلاطين، وكان إذا دخل على محمود بن سُبُكْتِكين قام واستقبله خطوات، ويجلسه إلى جانبه، ولم يفعل ذلك بأحد سواه، وكان عميدُ الجيوش قد شاهد أمره لمَّا كان هناك، فلمَّا قدم بغدادَ ركبَ عميدُ الجيوش إليه في الدَّيلم والأعيان، فلمَّا دخل عليه رأى عليه قميصًا خشنًا ضيِّقًا ضيقَ الأكمام، وعلى رأسه خرقةٌ، وتحته مسح، وحوله جماعةٌ من الفقراء، فالتفتَ عميدُ الجيوش إلى الدَّيلم، وقال لهم: لا تنظُروا إلى هذا الشيخِ وتغييرِ زيِّه (٣)، فإنَّ أمْرَه بخراسان أنفَذُ من أمرنا ببلادنا، ثمَّ حادثه ساعةً وقال: أنت ضيفُنا فكلِّفْنا حاجةً نقضي بها حقَّك. فقال:

стр. 8539

لي إليكَ حوائجُ إنْ قضيتَها شكرتُكَ. قال: قُلْ. قال: إنك حظَّرت على الناس التعاملَ بالدنانيرِ السابوريةِ والدراهمِ الحانية وما يخالف سِكَّتَكَ، فإن رأيتَ أن تفسح للحاجِّ في التعامل بما صحِبَهم من النقود، فقد تضرَّروا، حتى يفارقوا بلدك. قال: نعم، قد أذِنْتُ. ثمَّ قال: ماذا؟ قال: تمنعُ أهلَ بلدك من دخول الحمامات بغير مآزر. فقال: أفعل، ولكنَّهم لا يأتمرون، وليس طاعةُ أهل العراق لسلطانهم مثلَ طاعة أهل خراسان الذين تعرفهم. فقال: ثمَّ ماذا؟ قال: خير. فقال العميد: قد كنتُ أعلمُ أنكَ لا تسألُني حاجةً تخصُّكَ، فلا تنسني من دعائك. فقال: اللهمَّ أصلِحْه ووفِّقْه، وأصلِحْ به وعلى يديه. ثمَّ قام عميد الجيوش وخرج. ولمَّا كان سنة إحدى وأربع ومئة عرض بنيسابور وباءٌ عظيمٌ، فغسل أبو سعدٍ عشرةَ آلافٍ وواراهم، ودخل يومًا على محمود بن سُبُكْتِكين، فقال: يا محمود، قد ضاق صدري لأنك قد صِرْتَ تُكدِّي. قال: وكيف؟ قال: بلغني أنك تأخذُ أموال الضعفاء، وهذا هو التكدية. وكان محمود قد وظَّفَ على أهل نيسابور شيئًا فكفَّ عنه. وفيها توفِّي أبو الحسين بن بهاء الدولة بشيراز، فجلس عميد الجيوش في العزاء ثلاثة أيام، وكان قد أصعد العميدُ من أول هذه السنة من واسط إلى بغداد. وفيها ملك بنُ واصل الأهوازَ واستولى عليها، وحاربَه أصحابُ بهاء الدولة، فانهزم وعاد بهاء الدولة إلى القنطرة، وملك الأهواز، وهَمَّ بالقبض على الوزير أبي غالب وعميد الجيوش، وكانا قد استوحشا منه، وعلم أنهما متى فارقاه لم يرْجِعا إليه، وكانت خزائنُه قد نفدت عند مقامه على القنطرة، فشره إلى ما قيل له عن أموالها، فأطلع بعضَ خواصِّه على ذلك، وهو أبو الخطاب، فأنذر عميدَ الجيوش، وقال: فرِّقْ أصحابَك. ففرَّقهم، ثمَّ قال لبهاء الدولة: عميد الجيوش ليس له مال، وإنَّما المالُ لأصحابه، وقد فرَّقهم في الجهات، فإن قبضتَ عليه هربوا، ولم يحصل لك شيء، وأمَّا أبو غالب فأكثر أمواله بفارس، وما جاءك إلَّا جريدةً، فإن قبضتَ عليه ها هنا تمزَّقت أموالُه بفارس، ولم يتعوَّض منه شيء.

стр. 8540

ثمَّ إنَّ عميدَ الجيوش أظهر المرضَ، وسأل الانتقال إلى عسكر مكرم -إذ هي أصحُّ ماءً وهواءً- فأذِنَ له، فخرج إلى عسكر مكرم، وبعث إلى الأهواز، فأخذ أمواله الشيء بعد الشيء، وإلى أن حصله عنده، ثمَّ سار إلى تُسْتَر، وأظهر أنَّ له فيها مالًا يريد أخْذَه، ثمَّ سار إلى جندي سابور، فبعث إليه بهاء الدولة بالرجوع، فقال لرسوله: ما تركتُ ورائي خدمةً يحتاج فيها إلى مكاني. وقصد السوس، ولم يرجِعْ. وقال أبو الخطاب لبهاء الدولة: قد فارق عميد الجيوش وهو مستوحشٌ، ومتى تعرَّضْتَ للوزير لم يبْقَ لابن واصل من يقاومه، الواجب أن تلزمه بفتح البصرة، فأمره فسار إليها بعسكر فارس، ثمَّ جهَّز بهاءُ الدولة أبا العباس عيسى بن ماسرجس عقيبه إلى البصرة، فاجتمع بأبي غالب، وقال له: أنت الوزير، وأنا تبَعٌ برسم الكتابة. فشكره، وأقاما على ذلك حتى فُتحت البصرة، ولم يزَلْ بهاءُ الدولة بعميد الجيوش حتى عاد إلى بغداد. وفيها فُتحت البصرة، وقد ذكرنا أنَّ الوزير أبا غالب سار إليها على ظهر، وكتب إلى واسط، فجاءته السُّفن والزَّبازب والرجال، وذلك في ذي الحجة، فدخلها، وانهزم ابن واصل مع حسان بن ثِمال الخفاجي إلى البرية، واستأمَنَ مَنْ كان مع ابن واصل من العساكر إلى الوزير، وشَرْحُ قصَّته أنَّ ابن واصل لمَّا عاد مهزومًا من الأهواز نزل بذاودان، فخرج إليه نساء الدَّيلم الذين قُتلوا وأُسروا معه، فشتموه، وقالوا: حملتَ رجالنا وأسْلَمْتَهم إلى القتل. وتلاحَقَ به فَلُّ الدَّيلم حتى صار عنده عددٌ كثيرٌ منهم، وجمع زبازِبَه وسُفُنَه -وكانت سبع مئة- وحشد، وأخرج الذخائر التي كانت بالبصرة، وفرَّقها على الجيش، وجاءه الوزير في الزَّبازب، وعسكر فارس، وقاتل ابنَ واصل، وما كانت زَبازبُ الوزير تقوم بزبازِبه، وأقام مدةً يناوشه، وضاق الأمر على الوزير، ونَفِد ما كان معه من المال، وطالبَه الجندُ، فبعث إلى بهاء الدولة يستمِدُّه، فقعد عنه، وراسله بأن يقوم بما يحتاج إليه من مال نفسه، وعزم على العود بالعسكر عن البصرة، وابنُ واصل يخادعه ويراسله، ويقول: واللهِ ما هِبْتُ أحدًا هيبتَكَ، ولقد قصدتُ بهاءَ الدولة وعميدَ الجيوش دفعات، فما كان لهم في قلبي مثلُ هيبتِكَ، وأُريد أن تتوسَّط في أمري مع بهاء الدولة على كل ما يريد من المال، وكان مقصودُه غِرَّة أبي غالب، حتى

стр. 8541

ظهرت له الفرصةُ، فعَبَر يومًا في زَبازِبه وسفنه، وصَعِد إلى معسكر أبي غالب، وهجم عليه، فانهزم أبو غالب بين يديه، وكاد يتمِّم الهزيمة، فشجَّعه بعضُ الدَّيلم، فتراجع، وحملَ على ابن واصل، فانهزمَ مع حسان إلى البريَّة، ودخل أبو غالب البصرة، فاستولى عليها وعلى أموال ابنِ واصل وأسبابه، وكتب إلى بهاء الدولة بالفتح، وجاء بهاء الدولة فدخل البصرة في السنة الآتية. و [فيها] حجَّ بالناس محمَّد بن محمَّد بن عمر العلوي، وخطب بمكة والمدينة للحاكم على [جاري] العادة، وأمر الناس بالحرمين بالقيام عند ذِكْره (١)، وكذا كانت عادتهم بمصر والشام، وكان إذا ذكر بالمجالس الجامعة والأسواق [والطرقات] سجدوا له [من قوة هيبته]. وفيها توفِّي إسماعيل بن أحمد (٢) ابن إبراهيم بن إسماعيل، أبو سعد، الجُرْجاني، كان عالمًا بفنون علم الحديث والفقه والعربية، وكان جوادًا سخيًّا، له تفضيلٌ على أهل العلم، وورعٌ ورياسةٌ باقيةٌ في ولده وأهل بيته، قدم بغداد غيرَ مرَّة، وعقد له مجلس المناظرة، وحضره أبو الطَّيب الطبري وأبو حامد الإسفراييني، فكتب أبو سعد إلى المعافى بن زكريا يسأله الحضور، وكان فيما كتب إليه: [من الطويل] إذا أكرمَ القاضي الجليلُ وليَّهُ … وصاحبَهُ ألفاهُ للشُّكرِ مَوْضِعا ولي حاجَةٌ يأتي بُنَيَّ بذِكْرِها … ويسألُه فيها التطوُّلَ أجمعا فكتب إليه المعافى: [من الطويل أيضًا] دعا الشيخُ مِطْواعًا سميعًا لأمرهِ … يؤاتيه باعًا حيثُ يرسُمُ إصْبَعا وها أنا غادٍ في غَدٍ نَحْوَ دارِهِ … أُبادِرُ ما قد حدَّهُ ليَ مُسْرِعا

стр. 8542

دخل أبو سعد في صلاة المغرب بجرجان، فقرأ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ففاضَتْ نفسُه، وذلك في ربيع الآخر، حدَّث عن أبيه وغيرِه، وروى عنه التَّنوخيُّ وغيرُه، وأجمعوا على فضلِه وصدقِه وأمانتِه. محمَّد بن إسحاق (١) ابن محمَّد بن مَنْدَة، أبو عبد الله، الأصفهاني، أحد الحُفَّاظ المُكثرين والمحدِّثين الجوَّالين، من بيت الحديث والفضل، صنَّف التاريخ والشيوخ، وتوفِّي بأصبهان في ذي القعدة، وقيل: في صفر، وقال: كتبتُ عن ألف شيخ. وقال الحافظ جعفر بن محمَّد: ما رأيتُ أحفظَ من أبي عبد الله بن مندة، وسألتُه: كم يكون سماعُ الشيخ؟ فقال: يكون خمسة آلاف صِنًّا، والصِّن -بكسر الصاد-: السَّكَّة المطبقة. السنة السابعة والتسعون وثلاث مئة فيها دخل بهاءُ الدولة البصرة مالكًا، واستولى على ذخائرِ ابنِ واصل وأسبابه، وعزم على قبض الوزير، فأشار عليه أبو الخطاب بتأخير ذلك، وقال: قد انتفضت عليك فارس والخوارج من كلِّ مكان، فابعَثْه إليها، فمالها غيرُه، فخلع عليه الخِلَع السلطانية، وسار إلى فارس. ذكر ما جرى لابن واصل: لمَّا هرب من البصرة بعث إلى حسان بن ثِمال الخفاجي، وكان مُحسنًا إليه، فأخذ زِمامه على أن يسير به إلى الكوفة، فسار به، فلمَّا توسَّط الطريقَ كان معه جماعةٌ، فذهبوا عنه، وسار به حسَّان إلى مشهد الكوفة، فدعا وتصدَّق، ثمَّ سار إلى مشهد الحسين ﵁ وفعل مثل ذلك، ثمَّ قطعَ به الفرات، وأخذ جماعةً من بني عقيل، وسار إلى تل عُكْبَرا، وقطع دجلة إلى خانقين يريد بدر بن حسنويه -وكان صديقَه- فوصل إلى قلعة خانقين، وبها جعفر بن العوام، فنزل إليه وخدَمه، وقال: أين تريد؟ فقال: أريد الأمير بدر بن حسنويه. فقال له جعفر: بدرٌ بعيدٌ عنَّا، وخبرُك لا يخفى، وقد نَمَتْ

стр. 8543

عليكَ الطرقُ التي سلكتَها والمنازلُ التي نزلتَها، ولا سيَّما وأبو الفتح بن عَنَّاز منا قريبٌ، والرأيُ أن تركب الساعةَ -وأنا معك- فرسين جوادين، وتدعَ ثِقَلَكَ ها هنا، وتمضي إلى حلوان. فقال: أنا متعوبٌ، فدَعْني أنامُ ساعةً. فقدَّم له طعامًا فأكل، ثمَّ نام، وإذا بأبي الفتح بن عنَّاز قد أقبل. قال جعفر: فأيقظتُ أبا العباس فقام، ودخل القلعة، وشتمني ابن عنَّاز وشتمتُه، ورميتُ وجهَ دابَّته بحجارة، فقال: سَلِّمْ إليَّ ابنَ واصلٍ. فأبيتُ، وبعثتُ إلى حلوان وهي خاليةٌ عن العسكر، فإلى أن اجتمعوا جاء جماعةٌ إلى القلعة، منهم السعيد أبو طاهر المُشطِّب، والمخلص أبو الوفاء، والأتراك، فقلت لابن واصل: قد خالفتَني في الأول، فلا تُخالِفني ثانيًا، قُمْ حتى أشدَّ وسَطَكَ وأُدليكَ من القلعة في زنبيل -في الليل- وأبعثَك إلى حلوان. فقال: أخافُ من مصادفةٍ أؤخَذُ فيها. وتردَّدتِ الرسائلُ بينهم وبينه، على أن يخرج ويتوسَّط أبو الفتح أمرَه مع السلطان، فقلت: لا تفعل، أبو الفتح غدَّار. فما زالوا به حتى عزم على الخروج، فقلت: أقِم لعلَّه يجيئنا مددٌ. فما قَبِلَ، وخرجَ إليهم، فقدَّموا له بغلَ حمل، فحين رآه أيقن بالشر، وحُمِلَ إلى قلعة العقر من غير أن يجتمع بأبي الفتح، وحُمِلَ إلى بغداد فَقُيِّد بِقَيدين، وشُدَّت [قيوده] إلى الزَّبزب؛ لئلَّا يرمي نفسه في الماء، وجاء كتاب بهاء الدولة بحمله إلى واسط، فحُمِلَ إليها، وقتلَه الأتراك، وقطعوا رأسَه، ولُفَّ جسدُه في كساء، وحُمِلَ إلى البصرة، فأَمر بهاءُ الدولة برأسه أن يُطاف به في الأهواز وفارس والبلاد، وصُلِبَ جسدُه بالأُبُلَّة بإزاء دارٍ كان قد أنشأها، فبقي مدةً حتى تَقطَّع. وفيها ظهر بمصر [رجلٌ يقال له:] أبو رِكوة [كما ذكرنا، وتعاظم أمرُه]، واسمه الوليد، من ولد هشام بن عبد الملك بن مروان، وإنما لُقِّب بأبي رِكوة؛ لأنَّه يحمل في أسفاره رِكوةً على مذهب الصوفية، وكان من أمره أنَّه كان له عمٌّ يقال له: هشام، يدَّعي الإمامة بالأندلس، ولهشام حاجبٌ يُعرف بابن أبي عامر، قد تقدَّم عندَه، وملَكَ أمرَه، وكانت زوجة هشام تميل إليه وتُحبُّه، وهو يساعدها على ما تُريده، فلمَّا طال ذلك، وظهر للناس أطرافُ الحديث، خافا أن ينتهي خبرُهما إلى هشام، فلا يُقيلهما العَثْرة، فقال الحاجب للمرأة: الوجهُ في سلامتنا أن نُعْمِلَ الحيلةَ في هلاكه. فصنعا سِرْدابًا في

стр. 8544

القصر، وقبضا [عليه] (١)، واعتقلاه فيه، وأظهر للقُوَّاد أنَّه مريضٌ محجوبٌ، وشرع الحاجبُ في استمالة القُوَّاد والبربر وإصلاحِهم لنفسه، فتمَّ له ما أراد، فأظهرَ موتَ هشام، وكان لهشام من هذه المرأة ولدٌ عمره بضع عشرة سنة، فنصَّبه مكانَه، وأخذ له البيعة على الناس، واستبدَّ ابنُ أبي عامر وزوجةُ هشام بالأمر، وتتبَّعا مَنْ يَصلُح للخلافة من الأمويين، فكلُّ من وقعَ في أيديهما قتلاه، وكان الوليد الملقَّب بأبي رِكوة من أولاد الخلفاء، فهرب خوفًا على نفسه، فخالط المتصدقين مرَّة، ثمَّ الصوفيَّة أخرى، وسنُّه إذ ذاك نيِّفٌ وعشرون سنة، فخرج من المغرب، وقصد مصر، وكتب الحديث، ولقي الشيوخ، ثمَّ انتقل إلى مكة واليمن، وعاد إلى الشام، وهو في خلال تنقُّله وتسيُّره يدعو إلى القائم من ولد هشام بن عبد الملك، ويأخذ البيعةَ على من يجدُ عنده انقيادًا له وقبولًا منه، والحاكم مستمرٌّ بمصر على قتل النفوس والإيقاع بأصحابه ورعيتِه، على مخافة له وإشفاقٍ منه، وكان قد جهَّز الحاكم جيشًا من بني قُرَّة وزِناتة، من البربر إلى الشام، فرجع منهم جماعةٌ إلى مصر بغير أمر أميرهم يَنال (٢) القائد، فكتب يشكوهم، فقتل الحاكمُ منهم جماعةً، وانهزم الباقون إلى بَرْقة مُباينين للحاكم، وكان فيمن انهزم في غمار الناس أبو رِكْوة، فنزل بين القوم وهو في البرِّية، وفتح مُعلِّمًا، واجتمع عنده صِبيانُ العرب، وتظاهر بالزُّهد والنُّسك والصلاح، وحضر رمضانَ فصلَّى بهم، ثمَّ أخذَ مواثيقَهم وعهودَهم على ما يُلقيه إليهم، فلمَّا استوثق منهم قال: إني أدعو إلى إمامٍ منتظَرٍ قد قَرُبَ أوانُه، وعندنا في الكتب ذِكرُه، وأنه يملك الدنيا، وأنَّ أنصارَه وأعوانَه أنتم، وكان رئيسهم يقال له: الحَرْدَب والماضي، فصادف أبو رِكْوة عقولًا ضعيفةً، فبذلَ له الحَرْدَبُ من نفسه الطاعةَ، واستجاب له مع ما في قلبه من الحاكمِ من قتْلِ بني عمِّه، فدعا قومَه -وكانوا سبعَ مئة- واستَحْلفهم له، ثمَّ خلا أبو رِكوة به، وقال له: أنا الإمام، وأنت سيفي، وبِكَ آخذُ الحاكمَ بناصيته، وهذا أوان ظهوري. فقبَّل الحَرْدبُ الأرضَ بين يديه، وأحضر نساءه، وأمرهنَّ بحلب اللَّبن من ثُديِّهن، وشرب منه، ثمَّ سقى أبا رِكْوة وأعيانَ أصحابه، وتلك سُنَّة العرب في تأكيد

стр. 8545

الزِّمام والعهود، وضربَ له الحَرْدَب بيتًا وخِيمًا، وأعطاه عبدًا وأمةً، وقال إليه فرسين بمركبين، وأخبر بني عمه أنَّ أبا رِكْوةَ هو الإمام، فأجابوه، ولقَّب نفسَه بالثائر بأمر الله المنتصر من أعداء الله، ثمَّ قام فخطبهم ووعدهم، ووعد الحاكمَ وأسلافَه، وأنهم من بني القدَّاح القرامطة، وكان بليغًا، فاستغواهم وغلب على عقولهم، وكان والي بَرْقة جعفر ابن أخي زيدان صاحب المِظلَّة، فعلم بالحال، فكتب إلى الحاكم يخبره، ويستأذنه في قصده، وفلِّ بني قرة عنه قبل أن تقوى شوكتُه، فجاء الجواب باطِّراح الفكر في أمره، ولا تجعَلْ له سوقًا، فأمسك جعفر عن المعاودة، ثمَّ استنهض أبو رِكْوة بني قرة وزناتة لطلب بَرْقة، وكان يدَّعي علم الغيب وقال: [نخرجُ و] (١) يخرج إلينا جعفر ويكون الاستظهار له في أول النهار، وفي وسطه يكون عليه، ونملك عسكرَه بما فيه، وساروا إلى جعفر، ولقيهم في خمسة آلاف، وأبو رِكْوة في جمع كبير، واتَّفق مع أصحابه أن يكون له السلاحُ قاطبةً والثلثُ ممَّا عداه، والثلثان بين الفريقين بني قرة وزناتة، والتَقَوا، فكانت في أول النهار لجعفر، وفي وسطه لأبي رِكْوة، وانهزم جعفر -على ما قال أبو رِكوة- إلى بَرْقة، وغنم أبو رِكْوة العسكر بما فيه، وأسر أقوامًا فأحسنَ إليهم، وسار إلى بَرْقة، فلمَّا علم به جعفر خرج من داره، وترك فيها أمواله وعُدَدَه وذخائرَه ومئتي جارية أبكارًا، ونزل في مركب ليس معه إلَّا ما على جسده من ثيابه، وقصد الإسكندرية، وكانت الجواري للحاكم قد اشتراهنَّ، وعزم جعفر ليسيِّرهُنَّ إليه، فجَرتْ هذه الواقعة، وجاء أبو رِكْوة فنزل دار الإمارة، واحتوى على ما فيها، ونادى بالكفِّ عن النَّهبِ، وأظهرَ العدلَ، وجمعَ شيوخَ البلد، وقال: قد منعتُ عسكري من النَّهب والفساد، ولا بُدَّ لهم من ميرةٍ يتقوَّون بها. فجمعوا له مئتي ألف دينار، وقبض على رجلٍ يهوديٍّ اتَّهمه بودائع، فأخذ منه مئتي ألف دينار، وقسم الجميع في بني قرة وزناتة على ما تقرَّر، وضربَ السِّكَّة باسمه، وخرج يوم الجمعة راكبًا إلى الجامع، وعلى رأسه المِظلَّة، فصعد المنبر، وخطب خطبةً بليغةً، ولَعَن الحاكم وأباه، وصلَّى بالناس، وعاد إلى دار الإمارة، وتتبَّع أموال جعفر وذخائرَه، وتقرَّب إليه الناس بالدِّلالة عليها، فحصل على جملةٍ كبيرةٍ، ثمَّ أقطع بَرْقة والصعيد ومصر بني قرة وزناتة، وعرَّف
следующие страницы →