الذهب والفضة، وفاخرُ الزجاج والصيني والأراييح الطيبة، والفاكهة الكثيرة، وأحضر المُغنِّين، وشرب باقي ليلته، وعمل شعرًا يُغنِّي به، وهو: [من المتقارب]
دعوتُ المنى ودعوتُ العلى … فلمَّا أجابا دعوتُ القَدَحْ
وقلتُ لأيّامِ شرخ الشباب … إليَّ فهذا أوانُ الفَرَحْ
إذا بلغَ المرءُ آمالهُ … فليس له بعدها مُقتَرَحْ
وشرب إلى أن سكِرَ، ثم قال لغلمانه: غطُّوا المجلس لأصطبح في غدٍ عليه.
وقال لنُدمائه: باكِرونِي ولا تتأخَّروا. وقام إلى بيت منامه، وانصرف النُّدماءُ، ودعاه مؤيَّدُ الدولة في السَّحَر، فظَنَّ أنَّه لِمُهِمٍّ، فقبضَ عليه، وأنفذ إلى داره، فأخذ جميعَ ما فيها، وتطاولت به النَّكبة حتَّى مات فيها، ثم بعثَ مؤيَّدُ الدولة إلى أصبهان، فأحضر الصاحب بن عبَّاد، فاستَوْزَره، ثم وَزَر لأخيه فخرِ الدولة، وبقي في الوزارة ثمانيةَ عشر سنة وشهورًا، وفتح خمسين قلعة لفخر الدولة.
وكان الصاحبُ عالمًا بفنون العلوم، لم يُقارِبْه فيها وزير، وله التصانيف الحِسان، والنثرُ البالغ، وقد عاب المتنبي في مواضِعَ، وكانت كتُبُه تُحمل على أربع مئة جَمَل، وكان يُصنِّف في أسفاره، ومعه العلماء [والأدباء]، وكان يقول لهم: نحن في الليل إخوان، وأنا في النهار سلطان.
[وكان أبو منصور الثعالبي خصيصًا به، وله صنَّف فِقه اللغة وسرَّ العربية].
وسمع الصاحبُ الحديثَ وأملاه، ولمَّا عزم على الإملاء -وهو يومئذٍ في الوزارة- خرجَ مُطَيلَسًا مُتحنِّكًا (١) بزِيِّ أهل العلم، فقال: قد علمتُم قِدَمي في العلم. فأقرُّوا له بذلك، فقال: أنا متلبِّسٌ هذا الأمر، وجميع ما أنفقتُه من صغري إلى هذا الوقت من مال أبي وجدّي، ومع هذا فلا أخلو من تَبِعات أُشهِدُ اللهَ وأُشهِدُكم أني تائبٌ إلى الله تعالى من كلِّ ذنبٍ أذنبتُه. واتَّخذ لنفسه بيتًا، وسمَّاه بيت التوبة، ولبث أسبوعًا على ذلك، وأخذ خطوط الفقهاء بصحَّة توبته، وقعد للإملاء، وحضر خلقٌ عظيمٌ، حتَّى كان المستملي الواحدُ ينضاف إليه ستة، وكان ممَّن كتب عنه القاضي عبد الجبار.
стр. 8472
وكان الصاحب يُنفِذُ في كل سنة إلى بغداد خمسةَ آلاف دينار، تُفَرَّقُ في أهل الأدب والفقهاء.
وكان يُبغض من يميل إلى الفلسفة والمنطق.
وكان يأمر بالمعروف، ولا تأخذه في الله لومةُ لائم.
وأهدى إليه القاضي العميريُّ كُتبًا كثيرةً، وكتب معها: [من الخفيف]
العميريُّ عبدُ كافي الكُفاةِ … وإنِ اعتُدَّ في وجوهِ القُضاةِ
خدمَ المجلسَ الرفيعَ بِكُتْبٍ … مُفعَماتٍ من حُسنِها مُترعاتِ
فأخذ منها كتابًا وكتب معها ورَدَّها:
قد قبِلْنا من الجميع كتابًا … ورَدَدْنا لوقتِها الباقياتِ
لستُ أَستغنِمُ الكثيرَ فطبعي … قولُ خُذْ ليسَ مذهبي قولَ هاتِ
وكان حليمًا، رقيقَ القلب، استدعى يومًا بشرابٍ، فجيء بقدحٍ فيه شراب، فقال له بعضُ خواصِّه: لا تَشْرَبْه، فإنه مسموم. قال: ومِنْ أين أعلم؟ قال: جَرِّبْه في الَّذي أعطاكَه. قال: لا أستحِلُّ. قال: ففي دجاجةٍ. قال: المُثْلة بالحيوان لا تجوز. فصبَّ القدح بما فيه، وقال للغلام: لا تدخُلْ داري. ولم يقطَعْ عنه جِرايتَه.
وكان الصاحبُ أفضلَ وزراء الدَّيلم، ووَزَر لهم جماعة في ملكهم، وكان مُلْكُهم مئةً وعشرين سنة، وهو أولُ من لُقِّب بالصاحب في الإسلام.
وصنَّف كتبًا كثيرة في اللغة وغيرها، وله الكلام الحسن [المليح]، فمنه في صفة الحَرِّ: حَرٌّ يُشبه قلبَ الصَّبِّ، ويُذيبُ دِماغَ الضبِّ. وقال: الغيث لا يخلو من العَيْث (١). وقال: هو بين جاهٍ عريض وعيشٍ غريض (٢). وقال: لا ضَيعةَ على من له صَنْعة. وقال: شِيَمُ الأحرارِ أَحْرارُ الشِّيَم، ونِعَمُ الأفاضِلِ أفاضلُ النِّعم. وقال يصف شقائقَ النُّعمان: قابلَتْني شقائقُ كالزُّنوج، تجارحَتْ فسالَتْ دِماؤُها، [وضَعُفَتْ] (٣) فبقيَ ذَماؤُها (٤). وقيل له: ينبغي أن تمنعَ الناس من دارك، فإنه يدخلُها مَنْ لا يليق. فقال: دارُنا هذه خانٌ ينزلها من وفَّى ومَنْ خان.
стр. 8473
ودخل عليه أبو القاسم عبد الصمد بن بابَك الشاعر، فقال له الصاحب: أنتَ ابنُ بابَك؟ فقال عبد الصمد: أنا ابنُ بابِك. فعجِبَ الصاحبُ من جوابه، ووصله.
ولمَّا سار مع فخر الدولة إلى الأهواز مرض، فلمَّا عُوفي أباح للفقراء جميعَ ما كان في داره من مال وفُرشٍ وأثاث [وغيره]، وكانت قيمتُه خمسين ألف دينار.
ذكر وفاته:
مرض بالرَّيِّ بعلَّة الذَّرب (١) والسَّجَج (٢)، فكان إذا قام من الطَّست ترك عنده عشرةَ دنانير فيأخذها الفراشون [فكانوا يتمنَّون دوام مرضه.
وقال ابن الصابئ]: ولمَّا اعتَّل مُنِعَ عنه التركُ والدَّيلمُ والعالمُ والملوكُ [من الدخول عليه]، فكانوا يأتون كلَّ يومٍ إلى [بابه فيقبِّلون العتبة وينصرفون؛ لأنه كان محسنًا إليهم، وكان فخر الدولة يأتي كلَّ يومٍ] إلى عيادته، فلما يئس منه قال: أوصِني. قال: قد خدمتُكَ خدمةً استفرغْتُ فيها الوُسْعَ، وسرتُ في دولتك بالسِّيرةِ التي حصل لك بها حُسنُ الذِّكر، فإن أجريتَ الأمور بعدي على رسومها نُسِبَ الجميلُ إليك، واستمرت الأُحدوثة الطيِّبةُ عنكَ، وأُنسيتُ أنا في أثناء ما يُثنى به عليكَ، وإن عَدَلْتَ عن ذلك السَّننِ وغيَّرتَ كُنْتُ أنا المشكور على ذلك، وقدَح فِعلُكَ في دولتِكَ. فقال: سمعًا وطاعة.
وكانت وفاته بالرَّيِّ عشيةَ ليلة الخميس، لخمسٍ بَقِينَ من صفر [من هذه السنة] ولمَّا خرج تابوتُه قام الملوك [والوزراء] (٣) والأمراء والأعيان؛ إعظامًا له، وقبَّلوا الأرضَ، وصلَّوا عليه، وعلَّقوا التابوت بسلاسل في بيت كبير، ثم نُقِلَ إلى أصبهان، فدُفِنَ في تربةٍ كانت له هناك، وأخذَ فخرُ الدولة جميعَ ما كان في يدهِ ودارِه، وبلَغَه أنَّ القاضي عبدَ الجبار قال: إنَّ الصاحِبَ لم يَمُتْ عن توبةٍ [ظهرَتْ] منه. فأرسل فخرُ الدولة فقبضَ عليه، وصادره على ثلاثة آلاف ألف درهم، فيقال: إنه باع ألف طَيلسانٍ وألفَ ثوبٍ من الصوف.
مات والده عبَّاد بن العباس (٤) بعده بيسير في هذه السنة، وكُنيته أبو الحسن، وكان رئيسًا فاضلًا، سمع الحديث، وصنَّف كتاب "أحكام القرآن" [وسمع أبا خليفة الفضل
стр. 8474
ابن الحُباب]. وروى عنه [ابنه إسماعيل الوزير و] أبو بكر بن مردويه، وغيره. وأصله من الطَّالقان: وهي قريةٌ كبيرة بين قَزوين وأبْهَر، وحولها عدة قرى. وقيل: هو إقليمٌ يقع عليه هذا الاسم، وبخراسان مدينة يقال لها: طالقان غير هذه [خرج منها جماعة من المُحدِّثين].
بشر بن هارون
أبو نصر، النصراني، الكاتب، كان شاعرًا هجَّاة، خبيثَ اللسان، كتب إلى إبراهيم الصابئ: [من السريع]
حضرتُ بالجسمِ وقد كُنْتُ … بالنَّفسِ وإن لَمْ تَرَني حاضرا
أنْطَقني بالشعرِ حُبِّي لَكُمْ … ولَمْ أكُنْ من قبلِها شاعِرا
فكتب إبراهيم تحت خطِّه: ولا بعدَها.
وكتب إلى العباس بن الحسين الشيرازي الوزير: [من الخفيف]
أيُّهذا الوزيرُ واللهِ إنْ لَمْ … تتفضَّلْ عليَّ بالتَّصريفِ
وتَدَعْني بحيثُ توجِب إخْـ … ـلاصي من المنزلِ الرفيعِ الشريفِ
ليكونَنْ لي وللشِّعرِ شأنٌ … وافتنانٌ في كلِّ معنًى ظريفِ
وكتب له الوزير أبو منصور بن صالحان إلى وكيله بحِنْطةٍ ودراهمَ، فمَطَله، فكتب إلى الوزير: [من الخفيف]
أيُّها السيِّدُ الكريمُ الجليلُ … هلْ إلى نظرةٍ إليكَ سبيلُ
فأُناجيكَ باشتكائي وكيلًا … ليس حسبي وليس نِعْمَ الوكيلُ
الحسن بن حامد (١)
ابن الحسن بن حامد، أبو محمد، الأديب، كان فاضلًا يتَّجِرُ، وله مالٌ كثير، ولمَّا قدم المتنبي بغداد نزل عليه فخدمه، وقام بأموره، فقال له المتنبي: لو كُنْتُ مادحًا تاجرًا لمدحتُكَ. ومن شعره: [من الطويل]
стр. 8475
شَريتُ المعالي غيرَ منتظرٍ بها … كسادًا ولا سوقًا تُقامُ لها أُخْرَى
وما أنا من أهل المِكاسِ (١) وكُلَّما … توفَّرتِ الأثمانُ كُنْتُ لها أشْرَى
خُرَّشيذ بن دبار (٢)
أبو نصر، الديلمي، كان مُقدَّمَ الجيوش، غضب عليه بهاء الدولة [وحبسه، فهرب إلى مُهذَّب الدولة] (٣) إلى البَطيحة، فكتب إليه فخر الدولة وبدر بن حسنويه يُرغِّبانه في القدوم إليهما، فامَّا فخر الدولة فكان في كتابه [إليه]: يا أبا نصر، لعلَّك تُسيء الظنَّ بنا للقبيح الَّذي قَدَّمْتَه في خدمة عضد الدولة، وما كُنَّا لنؤاخِذكَ بطاعةِ مَن قدَّمك واصطنَعك، ومناصحةِ مَنْ رفَعَ قَدْرَك، وأخذ بِضَبْعيكَ، وقد علمتَ ما عامَلْنا به ابنَ عبَّاد، وأنَّنا طوينا كلَّ ما كان بيننا وبينه، واستأنفنا معه من الإكرام والإنعام والتفويض ما لم يخطُرْ بباله، ولك علينا عهدُ الله وميثاقُه أنَّك آمنٌ من كلِّ ما تخافُه وتحذرُه، وأنَّنا نُنْزِلُكَ حيثُ تُحِبُّ وتؤثر، فإنْ آثرتَ الخدمةَ رفعناكَ إلى أعلى مراتِبِها، وأرفعِ درجاتِها، وإن اخترت العُزلةَ والدَّعَةَ أجرينا لك كل سنة مال أصبهان مئة ألف درهم، ورفَّهناكَ على المقامِ بدارِكَ، والسلام.
وكان في كتاب بدر بن حسنويه: لكَ القلعة الفلانيةِ، وفي كلِّ سنة مئةُ ألفِ درهم.
فاتَّفَقَ أنْ ضَرَبَه قُولنج بالبَطيحَة فمات.
عَقيل بن محمد (٤)
أبو الحسن، الأحنف، العُكْبَري، الأديب، الشاعر، ومن شعره: [مجزوء الرمل]
مَنْ أرادَ المُلكَ والرَّا … حةَ مِنْ همٍّ طويلِ
فَليَكُنْ فردًا من النَّا … سِ وَيرْضى بالقليلِ
ويَرى بالحَزْمِ أنَّ الـ … ـحَزْمَ في تَرْكِ الفُضولِ
стр. 8476
ويُداوي مرضَ الوَحْـ … ـدة بالصبرِ الجميلِ
لا يُماري أحدًا ما … عاشَ في قَالٍ وقِيل
يَلزمُ الصمتَ فإن الصَّـ … ـمتَ تهذيبُ العُقولِ
يَذَرُ الكِبْر لأهليـ … ـهِ ويرضى بالخُمولِ
أيُّ عيشٍ لامرئٍ يُصْـ … ـبحُ في حالٍ ذليلِ
بين قصدٍ من عدوٍّ … ومُداراةِ جَهولِ
واعتلالٍ من صديقٍ … وتَجنٍّ من مَلولِ
واحتراسٍ من ظنونِ … السُّوءِ أو عَذْلِ عَذولِ
ومقاساةِ بغيضٍ … ومُحاشاةِ ثقيلِ
أُفٍّ من معرفة النا … س على كلِّ سبيلِ
فإذا أَكمل هذا … كانَ في مُلْكٍ جليلِ
علي بن عمر (١)
ابن أحمد بن مهدي، أبو الحسن، الدارقطني، المُحدِّث، يُنسب إلى دار القطن، وهي محلَّةٌ غربيَّ بغداد، بنهرِ طابق، ولد سنة خمس وثلاث مئة، وكان فريدَ عصرِه، وقريعَ دهرِه، ونسيجَ وحدِه، وإمامَ وقتِه، وإليه انتهى علمُ الأثر، ومعرفةُ عللِ الأحاديث، وأسامي الرجال، وأحوالِ الرُّواة، مع الصدقِ والأمانة، والثقةِ والعدالة، وقبولِ الشهادة، وصحةِ الاعتقاد، وسلامةِ المذهب، وصنَّف "السنن" و"العلل"، ودَرس الفقهَ على مذهب الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، وكان عالمًا بالقراءات والشعر، يحفظ دواوين، منها: ديوان السيد الحميري (٢)، حتَّى نُسِبَ بذلك إلى التشيُّع، وسافر إلى الشام ومصر.
وقال أبو الطيب الطبري: الدارقطنيّ أميرُ المؤمنين في الحديث.
стр. 8477
وقال الحاكم: ما رأى الدارقطنيُّ مثلَ نفسه.
وذكر في "سننه" أحاديثَ الجهر بالبسملة، فلمَّا دخلَ مصرَ سأله بعضُ أهلِها أن يُصنِّف في الجهر شيئًا، فصنَّف جزءًا في ذلك، فقال له بعض المالكية: أقسمتُ عليكَ بالله أن تُخبرني بالصحيح من هذه الأخبار. فقال: كلُّ ما رُويَ عن النبي ﷺ في الجهر فليس بصحيح.
وسببُ دخوله مصر أنَّ ابنَ حَنْزابةَ الوزير صنَّف مسندًا، فبلغه، فسافر إليه، وجمعه له، فحصل منه مالًا عظيمًا.
وتوفِّي ببغداد في ذي القَعدة، ودُفِنَ بمقبرة باب الدير قريبًا من قبر معروف (١)، وله تسع وسبعون سنة، وسمعَ البغويَّ وغيرَه، وروى عنه البَرْقاني وغيرُه.
عمر بن أحمد (٢)
ابن عثمان بن زاذان، أبو حفص، البغدادي، الواعظ، يُعرف بابن شاهين، وُلِد في صفر سنة سبع وتسعين ومئتين، وسافر إلى البلاد، وسمع خلقًا كثيرًا، وكتب الحديث وله إحدى عشرة سنة سنةَ ثمانٍ وثلاثٍ مئة، وجمع الأبواب والتراجم، وقال: صنَّفتُ ثلاثَ مئة وثلاثين مصنَّفًا، منها: "التفسير الكبير" ألف جزء، و"المسند" ألف وخمس مئة جزء، و"التاريخ" خمسون ومئة جزء، و"الزهد" مئة جزء، وحسبتُ ما اشتريتُ به الحبرَ فكان سبعَ مئة درهم، كلُّ أربعة أرطال بدرهم.
وأقام ابنُ شاهين بعد هذا زمانًا يشتري الحبر ويكتب، وكان إذا ذُكِرَ عنده الفقهاء كالشافعيِّ -رحمة الله عليه- وغيرِه، يقول: أنا محمديُّ المذهب، يعني أنَّه لا يُقلِّدُ أحدًا.
وقال الخطيب: ما كان يعرف من الفقه قليلًا ولا كثيرًا.
وكانت وفاتُه ببغداد في ذي الحَجَّة، ودُفِنَ بباب حرب، سمع الباغَنْدي وغيرَه، وروى عنه البَرْقاني وغيرُه، وكان فاضلًا صدوقًا ثقة.
стр. 8478
محمد بن عبد الله (١)
ابن سُكَّرة، أبو الحسن، الهاشمي، البغدادي، ويُعرف بابن رائطة، من ولد علي بن المهدي، وكان شاعرًا ظريفًا فصيحًا، فمن شعره: [من المنسرح]
في وجهِ إنسانةٍ كَلِفْتُ بها … أربعةٌ ما اجتمَعْنَ في أحدِ
الوجهُ بَدْرٌ والصُّدغُ غاليةٌ … والريقٌ خمرٌ والثَّغرُ من بَرَدِ
ودخل حمَّامًا، فَسُرِقَ مداسُه، فخرج إلى داره حافيًا، وقال: [من الوافر]
إليكَ أذُمُّ حمَّامَ ابنِ موسى … وإن فاقَ المنى طيبًا وحَرَّا
تكاثَرتِ اللصوصُ عليه حتَّى … لَيَحْفى مَنْ يطيفُ به وَيعرى
ولم أفقِدْ بهِ ثوبًا ولكِنْ … دخلتُ محمدًا وخرجتُ بِشْرا
ومن شعره في أبي السائب القاضي: [من السريع]
إنْ شِئْتَ أن تُبصِرَ أُعجوبةً … من جَوْرِ أحكامِ أبي السائبِ
فاعْمَدْ من اللَّيلِ إلى صرَّةٍ … وقَرِّرِ الأمرَ مع الحاجِبِ
حتَّى ترى مروانَ يُقْضَى لَهُ … على عليِّ بنِ أبي طالبِ
ولمَّا ضربَ مُعِزُّ الدولة أبا محمد المُهلَّبي وطالبَه بالأموال، كتبَ إليه ابن سُكَّرة -وكانُ مُعِزُّ الدولةِ أشلَّ، وقيل: أقطع-: [من مجزوء الخفيف]
أيُّها السيِّدُ الذي … هو في جُوده مَثَلْ
والذي سَيبُ (٢) كفِّه … طبقَ السهلَ والجبَلْ
جئتُ أدعو على يدٍ … أثَّرت فيكَ بالشَّلَلْ
وتأمَّلْتُ أمرَها … فإذا اللهُ قَدْ فعَلْ
فلما وقف عليها المُهلَّبي قال: إيَّاك أن يقِفَ على هذه الرُّقعة أحدٌ، فنقعَ في أكثر ممَّا نحن فيه.
стр. 8479
وكان ابن سُكَّرة ينوب عن أبي القاسم الزّينبي في نقابة العلويين، فأرسل إليه الزَّينبي أن يحكم بين امرأة ورجل تنازعا في جمل، فأخَّرَ ذلك، فبعثَ إليه يُعاتِبُه، فكتب إليه: هذه المرأة اسمها عائشة، والرجل اسمه علي، والخصومة في جمل، وأخاف أن أحكم بينهما فتعود الحال جَذَعَةً. فضحِكَ أبو القاسم.
وكانت وفاتهُ في ربيع الأول.
يوسف بن عمر (١)
ابن مسرور، أبو الفتح، ابن القوَّاس، البغدادي، ولد سنة ثلاث مئة.
[قال الخطيب]: وكان من الأبدال، مُجاب الدعوة، أخرج يومًا جزءًا من كتُبه، فوجد فيه قرض فأرة، فدعا على الفأرة التي قرضَتْه، فسقطَتْ من السقف فارةٌ، فلم تزَلْ تضطرِبُ حتَّى ماتت. وقال محمد بن [علي] العلاف: حضرتُ مجلس الوعظ عند ابن شمعون، وهو يتكلَّم على كرسيِّه وابن القواس حاضرٌ إلى جنب الكرسي، فغشِيَه النُّعاسُ، فأمسكَ ابن شمعون عن الكلام ساعةً، فاستيقظ أبو الفتح، فقال له ابن شمعون: رأيتَ رسولَ الله ﷺ في المنام؟ قال: نعم. قال: فلذلك أمسكتُ عن الكلام؛ لئلَّا ينقطع عنك ما كنت فيه.
وكانت وفاةُ ابن القوَّاس في ربيع الآخر، ودُفِن قريبًا من الإمام أحمد [بن حنبل] رحمة الله عليه. سمع البغويَّ وغيرَه، وروى عنه الجوهريُّ وغيرُه، واتَّفقوا على صلاحِه وثِقَتِه. [وحكى الخطيب عن] الدارقطني [أنَّه قال]: كنَّا نتبرَّك بيوسف بن القوَّاس وهو صبيٌّ.
يوسف بن أبي سعيد (٢)
أبو محمد، السِّيرافي، النحوي، كان فاضلًا صالحًا، تمَّم كتاب "شرح سيبويه" لأبيه، وتوفِّي ببغداد عن خمس وخمسين سنة.
стр. 8480
السنة السادسة والثمانون وثلاث مئة
[ذكر هلال بن الصابئ أنَّ] فيها في المُحرَّم ادَّعى أهلُ البصرة أنهم كشفوا عن قبر عتيق، فوجدوا فيه ميتًا طريًّا بثيابه وسيفه، وأنه الزبير بن العوام، فأخرجوه وكفَّنوه، ودفنوه بالمِرْبد، وبنى عليه الأمير أبو المسك عنبر بناءً، وجعله مشهدًا، ونُقِلَتْ إليه القناديلُ والحصيرُ والآلاتُ، وأُقيم [فيه] قُوَّامٌ وحفَظةٌ، وأُوقِفَتْ عليه وقوفٌ (١).
وفي المُحرَّم أيضًا توفيت بنت عضد الدولة زوجةُ الطائع وحُمِلتْ تركتُها إلى بهاء الدولة، وفيها جواهر كثيرة.
وفي شوَّال خَلَعَ الخليفةُ على أبي الحسن ابن حاجب النعمان واستكْتَبَه.
وفيها قُلِّد أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن المهتدي الصلاةَ [في جامع المنصور، وأبو بكر التمام بن محمد بن هارون الصلاة في] (٢) جامع الرُّصافة.
[وفيها] حجَّ بالناس أبو عبد الله بن عبيد الله العلوي، وحمل أبو النجم بدر بن حسنويه [والي الجبل] خمسة آلاف دينار مع وجوه القوافل الخراسانية؛ ليدفع إلى الأُصَيفِر عوضًا عما كان يُجبى إليه من الحاجِّ في كل سنة، وجعل ذلك رسمًا، وزاد فيه من بعد، حتَّى بلغ تسعة آلاف دينار إلى حين وفاته.
وفيها تُوفِّي
أحمد بن إبراهيم بن محمد (٣)
أبو حامد، النيسابوري، المُزَكِّي، وُلدَ سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة، وصام الدهرَ تسعًا وعشرين سنة، وتوفِّي ثالث عشر شعبان. قال الحاكم: وعندي أنَّ المَلَكَ لم يكتُبْ
стр. 8481
عليه خطيئة. سمع أبا العباس الأصمَّ وطبقتَه، ولم يزل معروفًا بالعبادة من زمن الصبا إلى أن توفي، وروى عنه محمد بن المظفر الحافظ وغيره. وقال الحاكم: حدثني أبو عبد الله ابن إبراهيم أنَّه رأى أخاه أبا حامد في المنام في نعمةٍ وراحةٍ، ووصفها، فسأله عن حاله، فقال: لقد أنعمَ اللهُ عليَّ، فإن أردتَ اللَّحاقَ بي فالزم ما كُنْتُ عليه.
أحمد بن علي بن أحمد (١)
أبو علي، المدائني، ويُلقَّب بالهائم، روى عن السَّري الرفَّاء ديوانَه، وكان شاعرًا فاضلًا، مات ببغداد في صفر، ومن شعره في كَوْسَج: [من المنسرح]
وَجْهُ اليمانيَّ مَنْ تأمَّلَهُ … أبصرَ فيه الوجودَ والعَدَما
قد شابَ عُثْنونُهُ (٢) وشارِبُهُ … وعارضاه لم يبلُغا الحُلُما
محمد بن إبراهيم بن أحمد
أبو بكر، السُّوسي، شيخ الصوفية بدمشق، الزاهد، العابد، ما عقدَ على درهمٍ ولا دينارٍ، ولا اغتسلَ من مباشرةِ حلالٍ ولا حرام، ومات بدمشق، حدَّث عن أحمد بن عطاء الرُّوذْباري وأقرانه، ولقي المشايخ، وروى عنه أبو نصر بن الحُباب وغيره.
محمد بن علي بن عطية (٣)
أبو طالب، المكي [لزاهد]، صاحب "قوت القلوب"، من أهل الجبل، نشأ بمكة، ودخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن بن سالم، فانتمى إلى مقالته. وقال العَتيقي: كان أبو طالب رجلًا صالحًا [مجتهدًا]، صنَّف كتابًا سمَّاه "قوت القلوب"، ذكر فيه أحاديثَ لا أصل لها، وكان يعِظُ الناس ببغداد في الجامع. وقال ابن العلَّاف: قدم أبو طالب بغداد، فاجتمع إليه الناس في مجلس الوعظ، فخلط في كلامه، وحفظ عنه أنَّه قال: ليس على المخلوقين أضرُّ من الخالق. فبدَّعه الناس وهجروه، فامتنع من الكلام على
стр. 8482
الناس بعد ذلك، ودخل عليه عبد الصمد الزاهد ولامه على إباحة السماع، فأنشد: [من المتقارب]
فيا ليلُ كَمْ فيكَ من متعةٍ … ويا صبحُ ليتَكَ لم تقرَبِ
فخرج عبد الصمد مُغضَبًا.
ذكر وفاته:
قال أبو القاسم بن بِشْران: دخلتُ على شيخنا أبي طالب المكي [في] وقت وفاته، فقلتُ: أوصني. فقال: إذا علمتَ أنَّه قد خُتِمَ لي بخير، فإذا خرجت جنازتي فانثُرْ عليَّ اللوز والسُّكَّر وقُلْ هذا للحاذف. فقلت: من أين أعلم؟ فقال: خُذْ بيدي عند وفاتي، فإذا أنا قبضتُ بيدي على يدك، فاعلَمْ أنَّه قد خَتَمَ الله لي بخير، وإذا أنا لم أقبِضْ على يدك وسيَّبتُ يدي من يدك، فاعلم أنَّه لم يَختِمْ لي بخير. فقعدتُ عند رأسه عند وفاته، فقبض يدي قبضًا شديدًا، فلمَّا أُخرِجَتْ جنازتُه نثرتُ عليه السُّكر واللوز، وقلتُ هذا للحاذف كما أمرني، وكانت وفاتُه في جمادى الآخرة، ودُفِنَ قريبًا من جامع الرُّصافة شرقيَّ بغداد.
حدَّث عن علي بن أحمد المِصِّيصي وغيرِه، وروى عنه محمد بن المظفر وغيرُه.
ولا خلافَ أنَّه كان صالحًا عابدًا زاهدًا، وله مصنَّفاتٌ في التوحيد، والأحاديثُ التي أُنكِرَتْ عليه إنما هي مما يتعلَّق بالصِّفات وغيرِها، وكتابُ "القوت" كتابٌ مفيدٌ صدَرَ عن مجاهداتٍ وذَوْقٍ، ومعاملاتٍ وتَوْقٍ، ورياضاتٍ وشَوْقٍ (١)، ولم يصنَّف قبلَه في فنِّه مثلَه، وانتفع به الغزالي، فإنه سَلَكَ أسلوبه في كتاب "الإحياء"، وقد انتفع به خلق كثير، وأمَّا ما نُقِلَ عنه من الشَّطح فمحمولٌ -على ما يبدو- من القوم في حالة القبض -إن ثبت عنه- فإنه كان أورعَ من أن يتلفَّظ بمثل هذه الكلمات التي تُوقعه في المحظورات.
стр. 8483
نزاز بن مَعَدّ (١)
أبو منصور، ويُلقَّب بالعزيز صاحب مصر، ولد بالمهديَّة بالقيروان، سنة أربع أو اثنتين وأربعين وثلاث مئة، يوم عاشوراء، في ربيع الآخر، وخرج إلى القاهرة مع أبيه أبي تميم مُعَدّ الملقب بالمُعِزّ، ولمَّا مات أبوه وَليَ الأمرَ وله اثنان وعشرون سنة، وقد ذكرنا وقائعه، وكان حسنَ التدبير، كثيرَ الحلم، قليلَ سفكٍ للدماء لا يرى ذلك، عادلًا جوادًا، وكانت وفاته بالقاهرة في رمضان -وقيل: بالشام، وقيل: ببِلْبيس- في الحمَّام، وعمره اثنان وأربعون سنة وثمانية أشهر، وكانت أيامُّه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، وولي مكانَه ولدُه أبو علي منصور، ولُقِّبِ بالحاكم بأمر الله، المنتقمِ من أعداء الله، وسِنُّه يومئذٍ خمسٌ وعشرون سنة.
السنة السابعة والثمانون وثلاث مئة
فيها توفِّي أبو العباس فيروز بن ركن الدولة بالرَّيِّ، وكان بهاء الدولة بواسط، فجلس في العزاء، وجلس ابنه أبو منصور ببغداد، وقيل: إن فخر الدولة سمَّه وسمَّ ولديه من بعده، فمات الكلُّ.
وفي رجب توفِّي فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة بن بُويه، وعادت طبرستان وجرجان إلى أبي الحسين قابوس بن وُشْمَكير، وكان فخر الدولة لمَّا مَلَكَ البلاد عزَمَ على ردِّها إلى قابوس، وكان أخوه مؤيَّد الدولة قد أخذها منه، فقال له الصاحب بن عبَّاد: هذه بلادٌ عظيمةٌ قد حصَلَتْ بيدك، ومتى أخرجتَها عنك ضيَّعتَ على نفسك من أموالِها ما لا تقتضيه السياسة والاحتياط للدولة. فأصغى إلى قوله، فلمَّا مات كتب أهل جرجان إلى قابوس يستدعونَه، فصار إليهم، وملَكَ إلى باب الريِّ، وجَرَتْ بينه وبين مجد الدولة -أبي طالب علي بن حمولا نائب فخر الدولة بجرجان- حروبٌ، فكان الاستظهار لقابوس، وكان مقيمًا بضياعٍ اشتراها بناحية أسفرايين، فكاتبَه أهلُ جُرجان، فصار إليهم، وقاموا معه فملكوه، وكان حسنَ السيرة، ناظرًا في حقِّ الرعية، ولمَّا ملَكَ رَفَع عنهم الرسومَ الجائرةَ والمكوسَ، فازدادوا حبًّا له.
стр. 8484
وفيها مات صندل مولى بهاء الدولة وصاحبُ خيله، وقام أبو مسك الأثير عنبر مقامَه.
وفيها استولى الحاكمُ صاحبُ مصر على السواحل والشامات، وحجَّ بالناس أبو عبد الله العلوي.
وفيها تُوفِّي
الحسن بن إبراهيم (١)
أبو محمد، المصري، ويعرف بابن زُولاق، العالم الفاضل، صنَّف "تاريخ مصر"، وكتاب "القضاة" جمع فيه أخبار بكَّار بن قتيبة وغيره، و [له] كتاب "المفاخرة بين مصر وبغداد"، و "فضل مصر بنيلها وهوائها وأماكنها وفَنارها (٢) وعلمائها". سمع الحديث ورواه، وكان ثقةً صدوقًا، ومات بمصر في رجب.
[ذِكْرُ طرف من أخبار مصر]:
قال: إنَّ مصر أُسِّست قبل الطُّوفان، وإنَّ الطُّوفان كان مرَّ على الهرمين، واختارها نوحٌ لولده، ودعا لهم. قال: وبغداد أُسِّست في سنة خمس وأربعين ومئة على يد أبي جعفر المنصور.
قلت: لا يلزم من هذا فضلُ مصر على بغداد، فإنَّ البيتَ المُقدَّسَ أقدَمُ من الكعبة، وفيه حديث أبي ذر، والكعبة أفضل بالاتفاق، ونبيُّنا ﷺ آخر الأنبياء، وهو أفضل من الكلِّ.
قال: ومنها نيل مصر وحلاوته ومنافعه وما يغلُّ من الأموال، وكونه أنَّه من آيات الله، وأنَّ مَنْ شرب من مائه زادت قوَّتُه. واحتجَّ بقول الشافعيِّ: دخلتُ مصر وأنا كالخَصيِّ، فرُزِقتُ بها الولد. قال: وماء دِجلة تُقلِّل شهوة الرجال، وتزيد في شهوة النساء، وتقطع صهيل الخيل، حتَّى إنَّ جماعةً من الأعراب لا يسقون خيلهم منها، ولا ينتفع بمائها إلا أسفلُ العراق، ومسافة ما يَعُمُّ البلاد من زيادة النيل دون الشهر، وإنَّ دِجْلة والفرات تنقسم ببغداد، إنها يحصل منها مثل مصر، فإن ارتفاع العراق كارتفاع مصر.
وذكر الأطباء أنَّه لولا ما عندهم من الليمون والحوامض ما عاش بها أحد؛ لحلاوة الماء.
стр. 8485
قال: ومن فضائل مصر أنَّ الله ذكرها في ثمانية عشر موضعًا، وثبت أنَّ النبي ﷺ قال: "استوصوا بأهلها خيرًا، فإنَّ لهم ذِمَّةً ورَحِمًا" وقد ذكرنا الحديث.
قال: ومنها أنَّ حرَّ مصر لا يمنع التصرُّف، وكذا شتاؤها ربيع، وبغداد يمنع حرُّها التصرُّفَ، وكذا شتاؤها.
وفيها الأقوات، فإن مصر تُمير الحجاز واليمن والحرمين والهند والشام والجزيرة، وبَغداد لا تُميرُ أهلَها فضلًا عن غيرها.
قال: ومنها ما يعمل بمصر من الثياب؛ الدَّبيقي والشرب والقصب، وليس في الدنيا بلدٌ يبلغ قيمة الحُلَّةِ فيه ألفَ دينارٍ وأكثرَ غيرَ مصر.
قال: ومنها علماؤُها وزُهَّادُها؛ مثل الشافعي، ويوسف بن يحيى البُويطي ونُعيم بن حماد، والرَّسْعَني، والطحاوي. وفي القُضاة: بكار بن قُتيبة. وفي الزُّهَّاد: ذو النون المصري وغيرهم.
وذَكر من علماء بغداد أحمدَ بن حنبل، قال: ضُرِبَ في زمن المحنة، ولم يجرِ عليه ما جرى على يوسف البويطي ونُعيم بن حماد، فإنَّ البُويطي مات في قيوده في أيام الواثق، وحُمِلَ من مصر إلى بغداد.
وأما نُعيم بن حماد فحُمِلَ أيضًا في قيوده إلى بغداد، وامتُحِنَ فلم يُجِبْ، ومات في قيوده. وذكرَ موازنةً طويلةً.
[وفيها توفِّي]
الحسن بن عبد الله بن سعيد (١)
أبو أحمد، العسكري، العلامة، الراوية، صاحب التصانيف الحِسان في اللغة والأدب والأمثال. قال أبو الحسن علي بن المظفر: قدمتُ البصرةَ، فقرأتُ على أبي أحمد العسكري، فقدم البصرةَ فخرُ الدولة، ومعه الصاحب بن عبَّاد، فبينا أنا أقرأ عليه إذ جاءت رُقعةٌ من الصاحب، فقرأها وكتب في ظَهرِها، وردَّها مع القاصد، فسألتُه عن ذلك، فقال: كتب إليَّ: [من الطويل]
стр. 8486
ولمَّا أبيتُم أن تَزوروا وقُلتُمُ … ضَعُفنا فما نقوى على الوَخَدانِ (١)
أتيناكُمُ من بعد أرضٍ نزورُكم … وأشواقُنا تحْدو بِجَذْبِ عِنانِ (٢)
نُناشِدُكُمْ هل مِنْ قرًى لِنَزيلِكُم … بقرب جوارٍ (٣) لا بِمِلءِ جِفانِ
فكتبتُ إليه: [من الطويل أيضًا]
أرومُ نهوضًا ثم يَثْني عزيمتي … تاؤُّدُ (٤) أعضائي من الرَّجَفانِ
فضمَنتُ بيتَ ابنِ الرشيدِ كأنما … تعمَّدَ تشبيهي به وعَناني
أَهُمُّ بأمرِ الحزمِ لو أستطيعُهُ … وقد حِيلَ بين العَيرِ والنَّزَوانِ
ومعنى ابن الرشيد الأمين لمَّا احيط به في حصار طاهر تمثل بهذا البيت.
قلت: صوابه: ابن الشَّريد؛ فإن البيت لصخر بن الشَّريد (٥)، في جملة أبيات، والقصة مشهورة، وكون الأمين تَمَثَّلَ به، لا يُقال: بيت الرشيد، بمجرَّدِ تمثلِه به، والله أعلم.
قال: ثم نهضَ وقال: لا يقنع الصاحب مني هذا، ثم ركب دابةً إلى الخِيام، فوجدها مشتبِكَةً، فلم يصِلْ إليه، فصعد على تلٍّ ورفع صوته يقول أبي تمام: [من البسيط]
ما لي أرى القُبَّةَ الفيحاءَ مُقْفَلةً … دوني وقد طال ما استَفتحتُ مُقْفَلَها
كأنَّها جنَّةُ الفردوسِ مُعرِضَةً … وليسَ في عملٌ زَاكٍ فأدخُلَها
قال: فناداه الصاحب: ادخُلْها أبا أحمد، فلكَ السابقةُ الأولى. فتبادر [إليه] (٦) أصحابُه فحملوه حتى أجلسوه بين يديه، فسأله عن مسألةٍ، فقال [له] (٧) أبو أحمد: الخبير فصادفت. فقال الصاحب: يا أبا أحمد، تُغرِبُ في كلِّ شيء، حتى في المثل؟ فقال: حاشا مولانا من السقوط؛ لأن المثل: على الخبيرِ سَقَطْتَ، فغيَّر العبارة وأتى بالمقصود، وكانت وفاتُه يوم التروية بالبصرة.
стр. 8487
[وفيها توفِّي]
الحسن (١) بن مراون
أبو علي، الكردي، الأمير، صاحب مَيَّافارقين، قد ذكرنا (٢) بدايتَه وما فعل بأهل مَيَّافارقين [وإخراجهم من البلد]، فلمَّا تمكَّن من ديار بكر أرسل إلى حلب فخطبَ سِتَّ الناس بنت الأمير سعد الدولة شريف بن سيف الدولة بن حمدان، ونقدَها مئتي ألف درهم، وشرطوا عليه أن يدخل بها في آمِد، ويكونُ مُقامُه بها، فبعث إليها أعيانَ نساء ديار بكر وفي جملتهم بنت الخطيب أبي طاهر محمد بن عبد الرحيم (٣) بن نُباتة، وجُهِّزتِ العروسُ أحسنَ [جَهاز]، وخرجت من حلب، وخرج الأمير أبو علي الحسن من ميَّافارقين إلى آمِد ليدخُلَ بها هناك، فوصلتِ العروسُ إلى الرُّها، فنزلت بظاهرها، وقد بعث إليها عسكرًا عظيمًا يتلقَّاها، وكانت ليلةً مقمرةً، فخرجت من المخيَّم في ضوء القمر، فسمعَتْ قائلًا يقول تسمع صوتَه ولا ترى شخصَه: [من المنسرح]
لهفي على فارسٍ فُجِعتُ بِهِ … أرملَني قبلَ ليلةِ العرسِ (٤)
فارتاعت وعادت إلى الخيمة وهي حزينة، فقالت لها بنت [ابن] نُباتَة: ما الذي بِكِ؟ فأخبرتها، فقالت: لا تَتوهَّمي، فكأنِّي بكِ غدًا مَلِكةَ ديار بكر. فسمعَتْ قائلًا يقول من وراء الخيمة: قد بقي إن تمَّ. فازدادت وهمًا (٥)، وسارت يومين، وإذا بغبرةٍ قد أقبلت من أصحاب الأمير، فقالت لها: أبشري، [فهذه بشارة خير]، فلمَّا قَرُبوا خَبَّروا أنَّ الأمير قُتِلَ على باب آمِد، فرجعتِ المرأة (٦) إلى حلب، وعاد النساء (٧) إلى ميَّافارقين.
стр. 8488
وسبب قتله أنه خرج من مَيَّافارقين وأبقى الحاجب حمو بها، واستحجبَ ولده شروه، وسار بعساكره ومعه إخوته، فقال أخوه أبو نصر أحمد في نفسه وقد لاقَوا من الوحل والطين شدةً: لئِنْ ملَّكني اللهُ لأبنيَن ها هنا جسرًا يعبر الناس عليه. وساروا حتى وصلوا إلى تل العلوية قريبًا من آمِد، فنزل الأمير أبو علي هناك، فخرج إليه عبد البر شيخ آمِد، فقدم له هدايا وتُحفًا كثيرةً، وخَلَع عليه الأمير، فانفرد به شروه، وكان يحب الأمير أبا نصر، ويكره أبا علي، فقال له: أيها الشيخ، لا تغترَّ باكرام الأمير إيَّاكَ، فإن هذا خديعةً منه، وما جاء إلا ليوقِع بكم كما أوقع بأهل مَيَّافارقين، فخذوا حِذْرَكم. فقال عبد البر: نحن عبيد الأمير، وتحت طاعتِه، وحكمه فينا نافذٌ، ثم أقام إلى آخر النهار، واستأذن الأميرَ في دخول البلد ليحصل ما يحتاج إليه من الإقامة، ويرتِّبَ أهل البلد للقائه، وقد حَصَل في نفسه من كلام شروه [شيء] (١)، فلمَّا دخل البلد جَمَع المُقدَّمين والشُّطَّار وقال: قد علمتُم جَوْرَ هذا الأمير وظلمَه وما فعلَ بأهل مَيَّافارقين. وعرَّفهم ما قال الحاجب، وقال: أنا [إذا] دخلَ البلدَ غدًا نثرتُ عليه الدنانير، فيشتغلُ بها أصحابُه، فاكفونا أمْرَه، ومن باشر القتل فهو أمير المدينة. وتحالفوا على ذلك، فلمَّا طلَعَ الفجر ركب الأمير، وجاء يدخل من باب الماء، فصار في موضع ضيق لا يمشي فيه إلا واحدٌ بعد واحد، فنثر عبد البر على وجهه كفًّا من دنانير، فغطَّى وجهه بِكُمِّه، فوثب أبو طاهر يوسف بن دِمْنة، فصار خلفه على الفرس، وضربه بِسكِّين في خاصرته، ثم مالوا عليه بالسيوف، فقتلوه وقتلوا جماعةً من الذين دخلوا معه البلد، ولم يدخل معه شروه ولا أحدٌ من إخوته، وركبتِ العساكر، فرموا برأسه وجُثَّته إلى أرْزَن (٢) فدُفِنَ بها، وبُني عليه قُبَّةٌ، ومَلَكَ أبو نصر أخوه ولُقِّبَ مُمهِّدَ الدولة، وفوَّض الأمورَ إلى شروه وأبيه، وجاء مروان الكردي أبو الأمراء وكان قد عميَ ومعه زوجته أمُّ أولاده، فأقام عند قبر ابنه أبي علي، والقبة فوق رأس المسجد، شرقيَّ الجسر، ولقال: إن أثرها باقٍ إلى هلُمَّ جَرًّا.
стр. 8489
وخلَّف أبو علي المقتولُ ولدًا له اسمه الفضل -وقيل: سِنحاريب- وكنيته أبو دُلَف، وكان صغيرًا، فنشأ مع أعمامه، فلمَّا بلغ زوَّجه عمُّه نصرُ الدولة ابنتَه، فأولدَها ابنةً سمَّاها فاطمة، وأقام مُمَهِّد الدولة مالكًا لديار بكر غير آمِد، وبَعَثَ إلى حلب، فخطب ستَّ الناس على النقد الذي تزوَّجها عليه أخوه، وحُمِلَتْ إلى مَيَّافارقين، فدخلَ بها.
وأمَّا عبد البرِّ ففوَّض بعض أمور آمِد إلى ابن دِمنة -وكان غلامَ عبد البرِّ- وسلَّم إليه العسكر، وعَظُمَ شأنُ عبد البرّ عند الناس حيثُ وفَّى لابن دِمْنة ولم يشْرَه إلى الملك، وكان الناس يتردَّدون إلى عبد البر، فحدَّثَ ابنُ دِمْنة نفسَه بقَتْلِه؛ لأنه اتَّهمه بشروه وتسليم آمِد إلى مُمهِّد الدولة، فصنع طعامًا، ودعا عبد البر، وأدخله في حجرةٍ صغيرةٍ وقتله، ثم جمع الناس وقال لهم: إنَّ عبد البر كان قد عزم على تسليم آمِد إلى ابن مروان، وقد فعلتُ أنا وأنتم ما فعلنا، فلو تمكَنَ أبو نصر منَّا لَقَتَلنا كُلَّنا ولم يُبقِ منَّا أحدًا، وهذا رأسُه. وأخرجه إليهم، فأجابوه بالسمع والطاعة، وفتح الخزائنَ، وفرَّق الأموال، وأحسنَ إليهم، فقويَ أمرُه، وكتب إلى شروه يقول: إنك كنت قد اتفقت أنت وعبد البر على مال يحمله إليك في كلِّ سنة، وأنا أحمل إليك ذلك المال. فأجابه شروه، فأمن من ناحيته، وهادى ممهِّدَ الدولة والخلفاءَ والملوكَ، فقبِلوا هديّتَه، وبعث إليه القادر بالخِلَع من بغداد ومن مصر، وأقام حاكمًا على آمِد من غير مُنازع، وبنى القصرَ شرقيَّ آمِد على دِجلة، وفتح له بابًا إلى الشطِّ وسمَّاه: باب الهُوة، وكان إذا ركب تُقاد بين يديه الجنائب بمراكب الذهب، وقصده الشعراءُ والعلماءُ، ومدحه التِّهامي بقصائد وأجازه، وكان في أول عمره قد حملَ كارةً من طعام، وأخرجها إلى الطاحون فطحنها، ثم عاد بها إلى دارِ صاحبِها في يومٍ شديدِ الحرِّ، فجلس يستريح بين السُّورين، فنظر فرآه قصيرًا، فقال: اللهمَّ إن ملَّكتني آمِد لأرفعنَّ السُّور. فلمَّا ملك رفعه وعلَّاه، وزاد في بنائه، وغَرِم عليه أموالًا كثيرة، فيقال: إنه القائم الآن، ولم يزل مقيمًا بآمِد على أحسن حال إلى سنة إحدى أو اثنتين وأربع مئة، وقُتِلَ، وسنذكره إن شاء الله تعالى في موضعه.
стр. 8490
عبد الله بن محمد (١)
ابن عبد الله بن الثلَّاج، أبو القاسم، البغدادي، كان جدُّه عبد الله مسرفًا؛ يُجمع له الثلج في الشتاء، ويأكله في الصيف، فمرَّ به الموفَّق في يومٍ حارٍّ، فطلبَ الثلج، فلم يوجَدْ إلا عند جدِّه، فطلبوه منه، فكان يحمل إليهم، فسُمِّي الثلَّاج. سمع الكثير، وحدَّث ببغداد، ومات بها فجأةً في ربيع الأول، وقد تكلَّموا فيه؛ قال الخطيب: لمَّا قدم أبو سعيد الإدريسيُّ بغداد سأل عن الشيوخ، فقالوا: ها هنا ابن الثلَّاج. فقال: نمضي إليه ونستفيدُ منه. فجاء إليه، فأخرج له حديثَ قبض العلم، وفيه: حدَّثني أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي، فقال له: أين سمعتَ من هذا الشيخ؟ فقال: هذا شيخٌ قدِمَ علينا حاجًّا، فسمعْنا منه. فقال: أنا أبو سعيد الإدريسي، وهذا حديثي، وواللهِ ما رأيتُكَ قبل هذه الساعة. فخجل ابن الثلَّاج.
عبيد الله بن محمد بن حمدان (٢)
أبو عبد الله، العُكبَراوي، الحنبلي، ويُعرف بابن بطَّة، ولد في شوال سنة أربع وثلاث مئة، وسافر إلى البلاد البعيدة؛ الكوفة والبصرة والشام وغيرها، وكان فقيهًا حافظًا، له التصانيف الحِسان، منها كتاب "الإبانة" وغيره، وأثنى عليه العلماء.
قال الخطيب: حدثني القاضي أبو حامد أحمد بن محمد قال: لما رجع ابن بطَّة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة، فلم يُرَ فيها في سوق، ولا رُؤيَ مُفطرًا إلا في يوم الأضحى والفطر، وكان أمَّارًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، لم يبلُغْه خَبَرُ مُنكَرٍ إلا غيَّره. وقال: حدَّثني العَتيقي قال: كان ابن بطَّة شيخًا صالحًا، مستجابَ الدعوة، لم أرَ في أصحاب الحديث ولا في غيرِهم أحسنَ هيئةً منه، وكانت وفاتُه في يوم عاشوراء بعُكْبَرا، وبها دُفِن، وقبره ظاهرٌ يُزار. سمع البغويَّ ويحيى بن محمد بن صاعد وابن أبي العقب وغيرَهم.
وروى عنه أبو الفتح بن قوَّاس والبرمكي وأبو نعيم الحافظ وغيرهم. وقال أبو عبد الله الحسين بن علي الجوهري: رأيتُ النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول
стр. 8491
الله، قد اختلفَتْ علينا المذاهبُ، فبِمَنْ نقتدي؟ قال: عليكَ بابي عبد الله بن بطَّة.
فلمَّا أصبحتُ صعدتُ إلى عُكْبَرا، فدخلت على أبي عبد الله، فلمَّا رآني تبسَّم وقال: صدقَ النبيّ ﷺ . قالها ثلاثًا.
[وفيها توفِّي]
علي بن أبي علي بن بُوَيه
أبو الحسن (١)، الأمير فخر الدولة بن ركن الدولة، الدَّيلمي، قد ذكرنا أنَّ أباه أَقطَعَه بلادًا كثيرةً، فلمَّا مات أخوه مؤيَّد الدولة أرسل إليه الصاحب بن عبَّاد، فقَدِمَ الريَّ فسلَّم إليه المملكة، وكان شجاعًا، ولقَّبَه الطائعُ بفلك الأمة، وكانت وفاته في هذه السنة، في عاشر شعبان، بالريِّ.
[قال هلال بن الصابئ: حدثني القاضي أبو العبَّاس أحمد بن محمد البارودي قال]: لما اشتدت العِلَّةُ [بفخر الدولة] وصف له الأطبَّاء مكانًا مرتفعًا لأجل الوباء، فأصعدوه إلى قلعة طَبَرَك (٢)، فبقي [فيها] (٣) أيامًا يُداوى، ثم مضى لسبيله، وكانت الخزائنُ مُقفلةً مختومةً، وقد جُعِلَتْ مفاتيحُها في كيسٍ من حديد وسُمِّرت بمساميرَ، وجُعِلَتْ عند (٤) أبي طالبٍ رستمَ ولدِه، فلم يوجَدْ له في ليلة وفاته ما يُكفَّنُ فيه؛ لوقوع الأقفال على الخزائن، وتعذُّر النزول إلى البلد؛ خوفًا من شَغَبِ الجُند، حتى ابتيعَ له من قيِّم الجامع -الذي تحت القلعة- ثوبٌ، ولُفَّ فيه، ووقع الشَّغبُ، فأرادوا حملَ تابوتِه والنزولَ به من القلعة فلم يَقْدِروا، ولم يُمكِنِ القربُ منه، فشدُّوا تابوتَه بالحبال، وجَرُّوه على درج القلعة حتى تكسَّر، وتَقطَّع فخرُ الدولة - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات: ٢٦]- وكان عمرُه ستًّا وأربعين سنةً وخمسةَ أيام، وكانت إمارتُه ثلاث
стр. 8492
عشرةَ سنةً وعشرةَ أشهرٍ وسبعة وعشرين يومًا، وكان يقول: قد جمعتُ من المال ما يكفيني وولدي وعساكري خمس عشرةَ سنةً إذا لم يكن لهم مادة إلَّا من الحاصل.
[ذكر ما خَلَّف من المال وغيره ابنُ الصابئ على التفصيل، فنذكره جملةً]:
قال ابن الصابئ: وجدت نسخةً بما خلَّفه فخرُ الدولة من المالِ عينًا ووَرَقًا، من الجواهرِ وأواني الذهبِ والفضة، والثيابِ، والفُرُشِ، والسلاح، وغيرِ ذلك إلى يوم مات؛ فمن العين على اختلاف أجناسها: العتق، والركنية (١)، والفخرية، والعدلية، والأبهرية، والمؤيدية، والأميرية، والأهوازية، والمعونية (٢)، والمُعِزِّية، والعَضُدية، والبهائية، وغير ذلك ألفي ألف وثمان مئة ألف وخمس وسبعين ألفًا ومئتين وأربعة وثمانين دينارًا، ومن الوَرَق والنُّقْرة (٣) والفضة مئة ألف ألف وثمان مئة ألف وستين ألفًا وسبع مئة وتسعين درهمًا … وذكر نقودَها. ومن الجواهر واليواقيت الحمر والصُّفر والكحلي واللؤلؤ والبَلْخَش (٤) والماس (٥) وغير ذلك أربعةَ عشر ألفًا وخمس مئة وعشرين قطعة، قيمتُها ثلاثة آلاف ألف دينار [ومن أواني الذهب ما وزنه ألف ألف دينار] ومن أواني الفضة ما وزنه ثلاثة آلاف ألفِ درهم، ومن البلُّور والصِّيني ونحوه ثلاثة آلاف حمل، ومن السلاح والثياب والفرش ثلاثة آلاف حمل.
وذكر غير ابن الصابئ أنه خلَّف من الخيل والبغال والجمال ثلاثين ألف رأس، ومن الغِلْمان والمماليك خمسةَ آلاف، ومن السراري خمسَ مئة، ومن الخيام عشرةَ آلاف خيمة، وذكروا شيئًا كثيرًا، وكان شحيحًا، فكانت مفاتيح خزائنه في الكيس الحديد مُسفَرًا بالمسامير لا يفارقه، وبلغ وفاتُه بهاءَ الدولة وهو بواسط، فجلس للعزاء، وجلس ابنُه أبو منصور ببغداد أيضًا.
стр. 8493
ذِكْرُ ما جرى بعد وفاته:
رُتِّبَ ولدُه أبو طالب رستُم في الأمر بعده وله أربع سنين، وبايعه الناس، وأُطلقتِ الأموال، فيقال: إنَّ الأمر أعجلَهم في إطلاق المال عن انتظار ما يَحُطُّ من القلعة على رؤوس الرجال، فنصبوا البَكَر والحبال، وحُطَّ المالُ، والوزير يومئذٍ أبو العباس الضبِّي ويُلقَّب بالكافي الأوحد، وأبو علي بن حمولة ويلقَّب بأوحد الكفاة، وبينهما عداوةٌ شديدة، وكان أبو العباس يترفَّع عليه؛ لأنه كان قبل اشتراكهما في الوزارة عاملًا له، فلمَّا مات فخر الدولة انبسط أبو علي في إطلاق المال واستمالة الرجال، وامتنع أبو العباس من مثل ذلك، واستخلف خليفة في التوقيع عنه، فمال الجند إلى أبي علي وأحبُّوه، وحصلت له عندهم أياد، وفي رقابهم مِنَن، إلا أنَّ لأبي العباس المنزلَة القديمةَ والمرتبةَ السابقةَ الجليلةَ، والناس يرونه بتلك العين، وما فيهم إلَّا مَنْ قد خدمه على مرَّ السِّنين الطويلة، وجرى الخوض في إخراج العساكر لانتزاع جُرجان وطَبرستان من يد قابوس، وكُوتِبَ بدر بن حسنويه يُستشار في ذلك، فقال: إنَّ الأميرَ الذي ورث هذا المال والملك حديثُ السِّنِّ، ولا وجه لإضاعة المال فيما لا تُعلَم عواقبُه، والصواب أن يُترك هذا الأمرُ على حاله إلى حين بلوغه، فإن خرج نجيبًا على ما عُهِدَه من خلائق آبائه قَدَرَ على ارتجاع ما أُخِذَ منه، وإن ضَعُفَ لم تكونوا قد جمعتُم عليه ذهاب مالِه وأعمالِه. فخالفوه، وجرَّدوا العساكر، وقال أصحاب أبي علي بن حمولة: الرأيُ أن تخرج إلى هذا الوجه وتستصحب الخزائن والأموال، فإنك إذا ملكت جُرجانَ كنتَ أميرًا مستقلًا لا وزيرًا مشاركًا، وكانت الحاجةُ إليك داعية، والآمالُ بكَ متعلقةً، وبَعُدتَ عن الحضرة التي أنتَ مُجاذِبٌ الأمرَ عنها. فعَمِلَ على ذلك، وخرج بالعساكر والأموال، والتقاه قابوس، فقال أبو علي لأصحابه: لا تحملوا حتى آمركم. وأخذ بيده أسطرلابًا، ووقف على فرسه ينظر فيه، يرصُد الوقتَ الذي يصلح، فلمَّا حصل الوقتُ الذي اختاره قال لأصحابه: احْمِلوا. فَحَملوا، وحمل عليهم قابوس فهزمهم، فقال أبو علي لأصحابه: لا تحملوا سوادًا، ولكن احملوا المال من الخزائن، فمن حمل شيئًا كان له نصفُه. فحملوا ما قَدَروا عليه، وغَنِمَ قابوسُ وأصحابُه الغنيمةَ العظيمةَ، وعاد أبو علي إلى الريِّ مفلولًا، وشرع في تجريد العساكر مرةً ثانية،
стр. 8494
وقال: هذه نوبة أبي العباس. وتوقَّف الحال، ثم اتَّفق رأيُ السيدة وبدر بن حسنويه على القبض على أبي علي؛ ليقرِّروا أمر جُرجان، فلمَّا جاء قبضوا عليه، وقُيِّد في دار أبي عيسى شادي بن محمد، وكان من الخواصِّ، وبلغ الدَّيلَم، فثاروا وقصدوا دار أبي عيسى، فهدم حائطًا منها، فخرج إلى الصحراء ومعه ابن حمولة، وسار به إلى الدِّينَور، فاعتقله في قلعةٍ، ثم أرسل إليه مَنْ عَصَر خَصيتَيه حتى مات، وكان في الصلاة قد سجد.
وكبس الديلم دار أبي العباس وقبضوا عليه، وقيَّدوه وحملوه إلى القلعة، فراسلهم وطيَّب قلوبهم، ثم صالحوه بعد ذلك وردُّوه إلى الوزارة، وقالوا: الوزير الذي فعَلْنا لأجله ما فعَلْنا قد مضى لسبيلِه، وما يجوز أن يُفعَلَ في حقِّ أبي العباس ما فعلنا مع تقدمته ورئاسته، وما يقوم أحدٌ مقامَه. فأطلقوه، وشاوروا السيدة عليه، فأجابتهم، وركب، وقبَّلَ الناسُ الأرضَ بين يديه، وفرحوا بِعَودِه إلى الوزارة.
محمد بن أحمد (١)
ابن إسماعيل بن عَنْبَس، أبو الحسين، البغدادي، الواعظ، ويعرف بابن سمعون، ويسمى: الناطق بالحكمة، وُلدَ سنة ثلاث مئة، وذكره العلماء في تواريخهم، وأثنَوا عليه.
قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: هو من مشايخ بغداد، له لسان عالٍ في العلوم، لا ينتمي إلى أستاذ، وهو لسانُ الوقت، والمرجوعُ إليه في آداب المعاملات، وهو إمامُ المتكلِّمين والمُعبِّرين عن الأحوال بألطف بيان، مع ما يَرجع إليه من صحَّةِ الاعتقاد وصحبةِ الفقراء.
وقال الخطيب: كان أوحدَ دهره، فريدَ عصره في الكلام على الخواطر والإشارات ولسان المواعظ، وكان له فِراسات وكرامات، دوَّنَ الناسُ كلامَه، وكان القاضي أبو بكر الباقلاني وأبو حامد إذا رأياه قبَّلا يده، وكان أبو بكر يقول: ربما خفي عليَّ
стр. 8495
بعضُ كلامه لِدِقَّته.
طرفٌ من أخباره:
قال أبو بكر الأصفهاني خادم الشِّبلي: كنت بين يدي الشِّبلي يوم الجمعة في الجامع، فدخل ابن سمْعون وهو صبيّ وعلى رأسه قَلَنْسوة وهو مُطَيلَش فوقَها بفوطة، فجاز علينا وما سلَّم، فنظر الشِّبليُّ إلى ظهره وقال لي: يا أبا بكر، هل تدري أيَّ شيءٍ للهِ في هذا الفتى من الذخائر؟.
وقال أبو الفتح بن القَّواس: أضقتُ إضاقةً شديدةً، ولم يكن عندي غير قوسٍ وخُفَّين، فقلتُ: أبيعُهما. وحضرتُ مجلسَ ابنِ سَمْعون، فالتفتَ إليَّ وقال: لا تَبِعِ القوسَ والخُفَّين، فإن الله يأتيك بالرزق من عنده.
وقال رجاء مولى الطائع لله: أمرني الطائعُ أن أُوَجِّه إلى ابن سَمعون فأُحضِرَه إلى دار الخلافة، ورأيتُ الطائع على صفةٍ من الغضب -وكان ذا حِدَّة (١) - فبعثتُ إلى ابن سَمعون وأنا مشغولُ القلب لأَجلِه، فلمَّا حضرَ أعلمتُ الطائعَ، فجلسَ مجلِسَه، وأذِنَ له في الدخول، فدخَلَ وسلَّم عليه بالخلافة، ثم أخذ في وَعْظِه، فأوَّلُ ما قال: رُويَ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (﵁) … وذكر عنه خبرًا، ولم يزَلْ يجري في ميدان الوعظ حتى بكى الطائع وسُمِعَ شهيقُه، وابتلَّ منديلٌ بين يديه بدموعه، وأمسك ابن سَمْعون حينئذٍ، ودفع إلى الطائع دُرجًا فيه طيبٌ وغيرُه، فدفعتُه إليه وانصرف، وعُدتُ إلى حضرة الطائع فقلت: يا مولاي، رأيتُكَ على صفةٍ من شدة الغضب على ابن سَمعون، ثم انتقلْتَ عن تلك الصفة عند حضوره، فما السبب؟ فقال: رُفِعَ إليَّ أنه ينتقص عليَّ بن أبي طالب، فأحببتُ أن أتيقَّن ذلك لأُقابِلَه عليه إن صحَّ، فلمَّا حضر افتتَحَ كلامَه بذكر عليٍّ ﵇، وأعاد وأبدى في ذلك، وقد كان له مَنْدوحة في الرواية عنه وترك الابتداءِ به، فعلمتُ أنهُ وُفِّقَ لما تزول به عنه الظنَّةُ، وتَبْرأُ ساحتُه عندي، ولعلَّه كوشِفَ بذلك.
وقال أبو الثناء شُكْر المعتضدي: لمَّا دَخل عضُدُ الدولة بغداد -وقد هلَكَ أهلُها قتلًا
стр. 8496
وخوفًا وجوعًا؛ للفتن التي اتصلت بها بين السُّنَّة والشيعة -فقال عضد الدولة: آفة هؤلاء القُصَّاص، يُغْرُون بعضَهم ببعض، ويُحرِّضون على سفك دمائهم. فنادى في البلدان: لا يَقُصُّ أحدٌ في جامع ولا في طريق، ولا يتوسَّلْ أحدٌ بأحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن أحب التَّوسُّلَ ففي قراءة القرآن، ومن خالفَ أُبيحَ دمُه. فرُفِعَ إليه أنَّ ابن سَمعون جلس إلى يوم الجمعة على كرسيِّه بجامع المنصور، وتكلَّم على الناس. قال شُكْر: فأمرني أن أبعَثَ إليه من يُحضِرُه ففعلتُ، فدخل عليَّ رجل له هيبة وعلى وجهه نورٌ، فلم أملِكْ أن قمتُ إليه وأجلستُه إلى جانبي، فلم يُنكِر ذلك، وجلس غيرَ مُكترِثٍ، وأشفقتُ -والله- أن يجريَ عليه مكروة على يدي، فقلت: أيها الشيخ، إنَّ هذا الملِكَ عظيم، وما كنتُ أوثرُ مخالفةَ أمرِه، وتجاوزَ رَسْمِه، والآن فأنا موصِلُكَ إليه، فكُلَّما تقع عينُكَ عليه فقبِّلِ التُّراب، وتلطَّفْ في الجواب إذا سالكَ، واستعِنْ بالله عليه، فعسى أن يُخلِّصَكَ منه، فقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (١) [الأعراف: ٥٤].
ومضيتُ به إلى حجرةٍ في الدار قد جلس فيها الملك منفردًا خِيفةَ أن يجري من أبي الحسين بادرةٌ بكلام غليظ، فتسير به الرُّكبان، فلمَّا دنَوْتُ من الحجرة أوقفتُه وقلت: إياكَ أن تبرَحَ من مكانك حتى أعودَ إليك، وإذا سلَّمتَ فَلْيكُنْ بخشوع وخضوعٍ.
ودخلتُ لأستأذنَ له، فالتفتُّ وإذا به واقف إلى جانبي قد حوَّل وجهه نحو دار بختيار، واستفتح فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]، ثم حوَّل وجهه إلى الملك وقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [يونس: ١٤]، وأخَذَ في وَعْظِه، فأتى بالعجب، فدمعَتْ عينُ الملك، وما رأيتُ منه ذلك قطُّ، وترك كُمَّه على وجهه، وتراجع أبو الحسين فخَرَجَ ومضى إلى حجرتي، فقال الملك: امْضِ إلى بيت المال، وخُذْ ثلاثةَ آلاف درهم، وخُذْ من خزانة الكسوة عشرةَ أثواب، وادفع إليه الجميع، فإنِ امتنعَ فقل له: فَرِّقْها في أصحابك، فإن قَبلَها فجِئْني برأسه. فاشتدَّ جَزَعي، وخشيتُ أن يكونَ هلاكُه على يدي، فأتيتُه بالمال والثياب، وقلت: مولانا يقول: استعِنْ بهذه الدراهم في نفقتِكَ، والبَسْ هذه الثياب. فقال: أمَّا هذه الثياب التي
стр. 8497
عليَّ فَمِنْ ثيابٍ قَطَعها لي، إنَّني منذُ أربعين سنة ألبَسُها يوم خروجي إلى الناس، وأطويها عند انصرافي عنهم، فما أصنَعُ بهذه؟ فقلتُ: فإنه يأمُركَ أن تصرِفَها في فقراء أصحابِكَ. فقال: ما في أصحابي فقيرٌ، هو وأصحابُه أفقَرُ مني. وخرج ولم يأخُذْ شيئًا، فعدتُ إلى الملك فأخبرتُه فقال: الحمد لله الذي سلَّمنا منه وسلَّمه منَّا.
وقال الخطيب: ذكر ابن سَمْعون على كرسيِّه ليلةَ نصف شعبان الحلواءَ، وكانت مزنةُ جاريةُ أبي سعيد الصائغ حاضرةً، وكان الصائغ تاجرًا موسرًا، ومنزله بدرب رياح، فلمَّا أمسى ابنُ سَمعون جاءه غلامٌ ومعه طبق فيه خُشْكَنانك (١)، فقال: من أين هذا؟ قال: من مُزنة. فكسر واحدةً، فوجد فيها دينارًا، ثم كسر أخرى، فوجدها كذلك، فعدَّ الجميع، فإذا بها خمس مئة خُشْكَنانكة، وفيها خمس مئة دينار، فأخذه وأتى به إلى الصائغ، وقال له: قد وجدتُ هذه الدنانير، وأريد أن يكون جوابُكَ أن لا يعلم أهلُ دارِك، فلعلَّ هذا عُمِلَ ولم تعلم به. فقال: مَعاذ الله أن يحضر مجلسَكَ من فيه ريبة، واللهِ ما تركتْ مزنةُ الدنانير في الخشْكَنانك إلا بحضرتي، ولقد ساعدتُها على ذلك.
وقال ابن سَمعون: كنتُ أنسخ بالأجرة، وأُنفِقُ عليَّ وعلى أمي، فقلت لها يومًا: أشتهي الحجَّ. فقالت: وأين النَّفقة التي توصِلُكَ؟ ثم نامت، وانتبهت فقالت: رأيتُ النبي ﷺ وهو يقول: دَعيه يَحُجُّ، فهو خير الدنيا والآخرة. قال: فحججتُ، فلمَّا دخلتُ البيتَ سألتُ الله الغنى. فلمَّا عُدْتُ إلى بغداد وجدتُ الخليفةَ قد حرَّمَ على نفسه جاريةً له، وكرِة أن يَشيعَ ذلك، فسأل عن رجلٍ صالح يُزوِّجه إيَّاها، فدلَّ عليَّ، فزوَّجني إيَّاها، ونقل إليَّ من الأموال والطِّيب والثياب ما أغناني به عن الناس.
وكان الرَّصَّاصُ الزاهدُ يُقبِّل رِجْلَ ابنِ سَمعون دائمًا، فلا يمنعه، فقيل له في ذلك، فقال: كانت في داري صبيَّةٌ خرج في رجلها ريح الشوكة (٢)، فرأيتُ النبيَّ ﷺ في المنام، فقال لي: قُلْ لابن سَمعون يضَعْ رِجْلَه عليها، فإنَّها تبرأ. فأتيتُه فأخبرتُه، فجاء إلى داري ووضع رِجلَه عليها، فقامت تمشي، وبَرِئت، فأنا أُقَبل رجلَه أبدًا.
стр. 8498
وقال محمد بن أحمد المَرَّار: رأيتُ رسولَ الله ﷺ في المنام في جامع الخليفة، وإلى جانبه رجلٌ مُتكهِّل، فسألتُ عنه، فقيل: هو عيسى ابن مريم ﵇، وهو يقول: أليسَ من أمتي الرُّهبان؟ أليسَ منهم أربابُ الصوامع؟ أليسَ منهم الأحبار؟ فدخلَ ابنُ سَمْعون، فقال له رسول الله ﷺ : "ففي أمتك مثل هذا؟ " فسكتَ، وانتبهتُ.
وقال الحسن بن محمد الخلَّال: قال لي ابن سَمعون: ما اسمك؟ فقلت: حسن.
فقال: قد أعطاك اللهُ الاسمَ فسَلْه أن يُعطيك المعنى.
وقال ابن سَمعون: رأيتُ المعاصي نذالةً فتركتُها مروءةً، فاستحالتْ ديانةً.
وقال: اخذَروا الصغائر، فإنَّ للنُّقَط الصِّغار آثارًا في الثوب النَّقي.
وقال: من الوقاحة تمنِّيك مع توانيك، استَوْفِ من نفسك الحقوقَ، ثم وَفِّها الحُظوظ.
وقال: كلُّ من لم يَنْظُر بالعلم فيما لله عليه فالعلم حُجَّةٌ عليه.
وقال: الصادقون الحُذَّاق هم الذين نظَروا إلى ما بذَلوا في جنب ما أمَّلوا، فصَغُر ذلك عندهم.
وقال: تظَلَّمْ إلى ربِّكَ مِنْكَ، واستنصِره عليكَ يَنْصُركَ.
وأنشد: [من البسيط]
لو كلُّ جارحةٍ مني لها لُغةٌ … تُثني عليكَ بما أوليتَ من حَسَنِ
لكانَ مازانَ شُكري إِذْ أشَرتُ بهِ … إليك أَزْيَدَ في الإحسانِ والمِنَنِ
وقال الحسين بن غالب الحربي: كنا جلوسًا عند ابن سمعون في مسجده، فجاء قومٌ معهم كلابُ الصيد، فنبحَتْها كلابُ المحَلَّة، فقال ابن سَمْعون: سبحان الله! هل تدرون ما قالت هذه لتلك؟ قلنا: لا. قال: قالت كتاب المَحلَّة: يا مساكين، رغبتُم في مطاعم الملوك فسَوْجَروكم (١) بالحديد، ولو قَنِعْتُم بالمنبوذ مثلَنا لخلَصْتم من رِقِّ العبودية. فقالت لها كلاب الصيد: لمَّا رأَوْنا أهلًا للخدمة جَبَنونا عليها (٢)، وقاموا لنا بالكفاية. فقالت كتاب المحلَّة: لو كان كما قلتُم لكان أحدُكم إذا كَبِرَ عرفوا له حقَّ
стр. 8499
الخدمة، ونرى أحدَكم إذا كَبِرَ طردوه. فقالت كلاب الصيد: ما تركونا لِما ذكرتُم، ولكن لمَّا قَصَّرنا في الخدمة طردونا، وكلُّ مقصرٍ مطرود.
وقال البَرقاني: قلت لابن سَمعون: أنت تدعو الناس إلى الزهدِ في الدنيا والتركِ لها، وتأكل أطيبَ الطعامِ، وتلبَسُ أحسنَ الثيابِ، فكيف هذا؟ فقال: إذا أصلحتَ حالكَ مع الله فكُلْ ما شِئْتَ، والبَسْ ما شِئْتَ، فإنه لا يضرُّكَ. قال: وكان في دار ابن سَمعون حائطٌ واقف، فأقام مدَّة سنين، فلمَّا مات جاءت امرأةٌ فرأت في ثقبٍ منه خرقةً فجذبَتْها، فوقع الحائط، وكانت الخرقة من ثوبه، وكانت له ثياب أقامت أربعين سنة لم تتَّسِخْ ولم تَبْلَ، فقيل له في ذلك، فقال: إنما يقطعُ الثيابَ ويوسخها الذنوب. وقال لجاريته: احضُري المجلس. فحضرَتْه، فسألها: كيف رأيته؟ فقالت: مجلسًا حسنًا، إلا أنكَ تُعيدُ ما تقول. فقال: إنما أُعيدُ ليفهمَ مَنْ لا يفهم. فقالت: إلى أن يفهمَ مَنْ لا يَفْهم يَمَلُّ من قد فَهِمَ. وقال أبو غالب الحربي: سمعته يقول على كرسيِّه في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٣]: مواعيد الأحباب، وإنِ اختلفَتْ إنها لا توحِش بل تؤنِس، وأنشد: [من مجزوء الخفيف]
ماطِليني وسَوِّفي … وَعِديني ولا تَفي
واتْرُكيني مؤمِّلًا (١) … أو تجودي وتَعطِفي
ذكر وفاته:
تُوفِّي يوم الخميس منتصف ذي القَعدة، ودُفِنَ بداره بشارع العباسيين، فلم يزَلْ فيها حتى نُقل في حادي عشرين رجب سنة عشرين وأربع مئة -وقيل: سنة ستٍّ وعشرين- إلى مقابر الإمام أحمد رحمة الله عليه، فدُفِنَ بباب حرب، وأكفانُه تتقعقع لم يَبْلَ منها شيء، وبين نقله ووفاته أربعٌ وثلاثون سنة.
سمعَ الحديثَ الكثيرَ وأملاه، فحدَّث عن أبي بكر بن أبي داود السِّجِسْتاني وغيرِه، وروى عنه القاضي أبو علي بن أبي موسى الهاشمي وغيرُه، وأجمعوا عليه.
стр. 8500
نوح بن منصور (١)
ابن نوح، أبو القاسم، السَّاماني، كانوا ملوك ما وراء النهر وسمرقند، ووَلي نوحٌ هذا وله ثلاثة عشر سنة، وتعصَّبَ له عَضُد الدولة، وأخذ له من الطائع العهدَ على خُراسان والخِلَع، فأقام على خُراسان إحدى وعشرين سنة، وتوفِّي في رجب، فأقاموا بعدَه ولدَه أبا الحارث منصور، [فبقي] (٢) سنة وتسعةَ أشهر، ثم قبض عليه خواصُّه، وأقاموا أخاه عبد الملك، فقصدهم محمود بن سُبُكْتِكِين فهزمهم، وهربوا منه إلى بخارى، ثم أتاهم أَيْلَك مُظهرًا لِنُصرتهم، فقبض على جميعهم في سنة تسع وثمانين وثلاث مئة، وانقرض ملك السَّامانية، وكان نيفًا ومئة سنة.
السنة الثامنة والثمانون وثلاث مئة
فيها في يوم الأربعاء لِستٍّ بَقينَ من المُحرَّم وُلدَ الأمير أبو محمد علي بن القادر بالله، وتوفِّي في شوَّال من هذه السنة.
وفي رمضان قَبضَ الخليفةُ على أبي الحسن علي بن عبد العزيز ابن حاجب النعمان، وقلَّد كتابتَه أبا العلاء سعيد بن الحسن بن تُرَيْك، فأقام في الخدمة نيِّفًا وسبعين يومًا، ثم صرفه وأعاد أبا الحسن إلى الكتابة (٣).
وفي شوال جلس القادرُ لرسلِ أبي طالب -فخرِ الدولة وبدر بن حسنويه- بإشارة بهاء الدولة، وذلك لأنَّ بدرَ بن حسنويه خدَمَ بهاءَ الدولة عند مقامه بالقنطرة البيضاء من الأهواز، وحمل إليه الميرة والعلوفة والهدايا، وأظهر له الموالاة والطاعة، وسأل بهاءَ الدولة ينجز الخِلَع السُّلطانية والعهد لأبي طالب رستم بن فخرِ الدولة وله، وبعث أبا القاسم مادرجواران رسولًا من أبي طالب، وأبا القاسم يوسف بن أحمد بن كج قاضي دَينَور رسولًا من بدر، فكتب بهاء الدولة إلى القادر في هذا الأمر، فأضاف في لقب رستم مجد الدولة وكهف الأمة، وبدر بن حسنويه ناصرَ الدينِ والدولة (٤)، وبعث إليهما بالخِلَعَ المعهودة والعهد.
стр. 8501
وفيها هرب عبد الله بن جعفر المعروف بالوثَّاب من الاعتقال من دار الخلافة، وكان يَقْرُبُ بالنَّسب إلى الطائع، فلمَّا قُبِضَ على الطائع هرب، وتنقَّل في البلاد، وصار إلى البَطِيحة، فأقام عند مُهذب الدولة، فكاتبه القادر في إخراجه من بلده، فأخرجه، فصار إلى المدائن، فبعث إليه القادر مَنْ قَبَضَ عليه وحمله إلى دار الخلافة، فحُبِسَ في بعض المطامير، فهرب ومضى إلى الموصل، وعاد إلى دَقوقا، وبها جبريل بن محمد، فبعث إليه القادر بالقبض عليه، فقَبَضَ عليه، وبعثَه إلى بغداد، فخرج لصوص على الرِّفقة التي كان فيها، فسألوه عن حاله، فحدَّثهم، فأفرجوا عنه، ومضى إلى الجيل، وادَّعى أنه الطائع، ومَخْرَقَ (١) عليهم بعلامات في دار الخلافة، فقبِلوه وعظَّموه، وزوَّجه محمد بن العباس -أحدُ أمرائهم- ابنتَه، وعاونَه، وأقام له الدعوة في بلده، فأطاعوه، وأعطوه عُشر أموالهم، [الذي يؤدُّونه إلى من] (٢) وُلُّوا أمر دينهم، فاستقام أمرُه، وعظُمَتْ حالُه.
ثمَّ ورد جماعةٌ من هؤلاء من الجِيل إلى بغداد، فأوصلهم الخليفةُ إليه، وعرَّفَهم كَذِبَه، وكُتِبَتْ على أيديهم كتبٌ إلى متولي الجيل، فلم يقدح ذلك في أمره؛ لاستقرار قَدَمِه، وتعصُّب محمد بن العباس له بالمصاهرة، وكان أهل جيلان يرجعون إلى القاضي أبي القاسم بن كَجّ، وله عندهم وجاهةٌ وقبول، فكتب إليه القادر يُعرِّفه حال ابن جعفر، فاجتمع بأعيانهم وعرَّفهم حاله، فقالوا: انصرِفْ عنا. فانصرفَ عنهم.
وفيها توفِّي
محمد بن أحمد بن إبراهيم (٣)
أبو الفرج، المقرئ [المعروف بغلام] (٤) الشَّنَبوذي، ولد سنة ثلاث مئة. قال: أحفظ خمسينَ ألف بيتٍ من الشعر شواهدَ للقرآن. قال ابن عرفة: أنشد أبو الفرج: [من السريع]
стр. 8502
الإلْفُ لا يصبِرُ عَنْ إِلْفِهِ … أكثرَ من يومٍ ويومينِ
وقد صَبَرْنا عنكُمُ جُمعةً … ما هكذا فعلُ المُحِبينِ
وكانت وفاته في صفر ببغداد.
[وفيها قُتِل] (١) المَرْزُبان صَمْصام الدولة بن عَضُد الدولة، وكنيته أبو كاليجار، وقد ذكرنا (٢) استيلاءَه على الممالك بعد أبيه، واستيلاءَ أخيه شرف الدولة عليه، واعتقاله وكحله، ولمَّا مات شرف الدولة نزل من القلعة وهو أعمى، وسار إلى فارس، وملك شيراز، وأقام بها إلى هذه السنة.
ذكر مقتله:
اضطربت أمورُه بفارس، واشتدَّ تبسُّط الدَّيلم عليه، وقَصُرتْ مَوادُّه عمَّا يُرضيهم به، وامتدَّتْ عيونُهم إلى إقطاعاتِ والدتِه وقائدٍ له يقال له: الرضيع والحاشية، وإلى ما كان في أيديهم، فأخذوها وانحازوا ناحيةً عن العسكر، ونزلوا بظاهر شيراز، فخرج إليهم، فثاروا في وجهه ورَمَوه، فثبَتَ لهم على بغلتِه ولاطَفَهم، وقال: ما الذي تريدون؟ قالوا: قد رقَّتْ أحوالُنا، وتأخَّرَتْ أرزاقُنا، واستولى الحاشيةُ على الضياع وغيرها. فطيَّبَ قلوبَهم، وردَّهم إلى مواضعَ بِفَسا (٣) مدينةٍ من فارس، ثم زاد الأمر، وعَظُمَ الحالُ والمطالباتُ من الدَّيلم، فأسقط منهم نحوَ الألف، وكانوا أهلَ بأسٍ ونجدةٍ، فبقَوا مُتَحيِّرين ليس لهم موضع يأوون إليه، وكان أبو نصر شهفيرون وأبو القاسم لسنام ابنا عز الدولة بختيار محبوسَين في قلعة من قلاع فارس، فخدَعا الموَكَّلين بها، وشرطا لهم الإقطاعات، فساعدوهما وصارت القلعة في حكمهما، وسار إليهما جماعةٌ من الأكراد، وانضمّ إليهم الدَّيلم -الذين أشرنا إليهم- وسارا لطلب الملك في جيش كثيفٍ، فأخذوا أَرَّجان، وانصرف مَنْ كان بها من أصحاب صَمْصَام الدولة، وأقام أبو نصر وأبو القاسم يجبيان الأموال، ويستخدمان الرجال، ويُلقَّب أبو نصر بِنور
стр. 8503
الدولة ومحيي الدولة، وأبو القاسم بحسام الدولة وسيد الأمة، وأصبحت حضرة صَمصام الدولة خاليةً ممَّن يُعنى في أمر، وكان بمدينة فَسا أستاذُ هُرمُز الدَّيلمي، من كبار القُوَّاد، فاجتمع إليه أصحاب صَمصام الدولة، وقالوا: قد علمتَ حال ابني بختيار، والظاهر أنهما يَغلِبان على هذه البلاد، وأول ما يبدآن بِكَ، والصواب أن تُفرِّقَ ما معك من مال وسلاحٍ وكُراعٍ على الدَّيلم الذين عندك، وتأخذهم وتمضي إلى شيراز، وتحمل صَمصام الدولة إلى الأهواز، فتُخلِّصه من الخطر الذي يتوقعه، فإنك إذا فعلتَ ذلك أحييتَ الدولةَ، وقضيت حقَّ النعمة، وتُقرَّبُ من رجالنا الذين هناك، وإن لم تفعَلْ هذا وثَبَ عليك هؤلاء الدَّيلم الذين عندك، وأخذوا مالكَ، وأسلموك إلى ابن بختيار. فشحَّ بالمال على حفظ نفسه، وبعد أيام وثَبَ الدَّيلم عليه، فأخذوا ماله، وحملوه إلى ابن بختيار، وتمكَّن ابنا بختيار من فارس، واستطالا.
[وفيها حجَّ بالناس العلوي].
واتَّفق موتُ ابن صَمصام الدولة (١) يقال له: [أبو] شجاع، وقد ترعرع ونشأ، و [كان] أبوه يحبُّه حبًّا شديدًا، فعدِمَ الصبرَ عليه، وكان يوم خروج جنازته يومًا عظيمًا، لم يبقَ ببلاد شيراز إلَّا من لبس السواد، وصَمصام الدولة يبكي ويتمرَّغ، وما كان يبكي إلا من أُذنه، وهذا من العجائب (٢).
ثم جاءه خبر نزول ابني بختيار من القلعة، فقال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ذهب -والله- مُلكي وولدي. ولم يبقَ عنده من أصحابه من يعتمد عليه، فأشار عليه خواصُّه أن يصعد القلعةَ التي على باب شيراز، فحاول ذلك، فلم يَفتَح له الذي هو فيها بابَها، فقال له مَنْ بقي معه وهم نحوٌ من ثلاث مئة (٣): الرأيُ أن نَدَعَكَ أنت ووالدتَك في عَمّارِيَّة، وتَسيرَ إلى الأهواز، فتلحقَ بعسكرِكَ الذي فيها مع هُرمُز، وتنظرَ ما تراه، ونفوسُنا دونَك. فقال الرضيع: هذا فيه غَرَرٌ وخَطَرٌ، والوجه أن تستدعي الأكراد وتتوثَّق منهم، وتسيرَ معهم. فمال إلى ذلك، واستحضرَ الأكراد، واستوثقَ منهم، وأخذ أمواله
стр. 8504
وجواهرَه وأسبابَه، وساروا معه، فلمَّا بَعُدوا عن شيراز نهبوا جميع ما كان معه، وهرب إلى الدودمان على مرحلتين من شيراز، وعرف أبو نصر خبرَه، فبادر إلى شيراز، ونزل بِرُوذَبار (١)، وبعث جماعةً من الدَّيلم إلى صَمصام الدولة، فأخذوه وقتلوه في يوم الأربعاء الرابع عشر من ذي الحجة، وحملوا رأسَه إلى أبي نصر، فوضع في طَسْتٍ، وتُرِكَ بين يديه، فقال ابن بختيار: هذه سُنَّةٌ أبوك سنَّها؛ أشار إلى أنَّ عَضُد الدولة قتل عِزَّ الدولة بن بختيار، وحملَ رأسَه إلى بين يدي عَضُد الدولة، فكان مدة عمره خمسًا وثلاثين سنة وسبعة أشهر وسبعة عشر يومًا، ومدة إمارته بفارس تسع سنين وثمانية أيام، وقبضوا على والدته وحاشيته، وحملوهم إلى شيراز، وخرجت امرأةٌ من الدودمان يقال لها: فاطمة، فغسلت جُثَّته ودفنَتْه، وأمَّا والدته فسلَّموها إلى بعض الدَّيلم فعذَّبها حتى قتَلها، وبنى عليها دَكَّةً في داره.
ولمَّا حصل بهاء الدولة بشيراز استدل على موضعها، واستخرجها وهي بخفّها ونقابها وإزارها، فنقلَها إلى تربة بني بُويه، فدُفِنت بها، ولمَّا نزل بهاء الدولة بالدودمان نهبَها وحرقها، وقتل مَنْ وَجَدَ من أهلها، وكانوا قد أعانوا على صَمصام الدولة، وأحسن إلى فاطمة ووصلَها حيثُ غسلت جثَّته، وكشف عن جُثة صَمصام الدولة، وأحسن إلى فاطمة وجدَّد أكفانه، ونقله إلى شيراز عند تربة بني بُوَيه، فدفنَه عندهم.
ذكر أولاد بختيار:
كان أولاد عزِّ الدولة بختيار بن مُعِزّ الدولة الذين حصلوا في قبضة عضد الدولة وحُمِلوا إلى فارس، واعتقلوا في النواحي بها: أبو عبد الله الحسين، وأبو العباس سالار، وأبو الحسين أحمد، وأبو علي الحسن، وأبو سهل كفهيار، وأبو القاسم لسنام، وأبو نصر شهفيرون، فلمَّا ملك شرف الدولة أطلقهم، وأراد الخروج إلى الأهواز، فرتب كل واحد في بلد، فتوفّي أبو عبد الله بالصِّيمَكان (٢) في حياة شرف الدولة -وقيل: إنه سُمَّ في رُمَّان- وكانوا على ذلك إلى أن توفّي شرف الدولة، وورد صَمصام الدولة وأخوه أبو طاهر فيروز شاه إلى فيروز آباد، فجاؤوهما وخدموهما،
стр. 8505
وساروا إلى شيراز في صُحبتهما، وأقاموا على بابهما، ومات أبو طاهر، فأشفق صَمصام الدولة منهم؛ لأنه بالعمى كأنه مقصوص الجناح، فقبض عليهم، وحملهم إلى قلعة خُرُستا (١)، ثم نقلهم من القلعة إلى قرية، وجرَتْ لهم خُطوبٌ، إلى أن آل أمرهم إلى ما ذكرنا، ثم قصد بهاءُ الدولة فارسَ بعد ذلك، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
السنة التاسعة والثمانون وثلاث مئة
فيها عمل بختيار يوم عاشوراء من النَّوح [مثلَ] ما كان يعْمَلُ، فاجتمع أهلُ بابِ البصرة وبابِ الأزج والحربيةُ في العشرين من المُحرَّم، ومضوا إلى قبر مصعب بن الزبير بدُجَيل بمكان يُقال له: مسكن، وقالوا: هذا في قُبالة (٢) يوم عاشوراء. وبدا منهم [في حق أهل البيت ﵈] ما لا يليقُ، وكذا فعلوا في مقابلة يوم الغدير، فقد كانت الشيعةُ تجتمع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجَّة بقبر موسى بن جعفر، ويقرؤون ويُصلُّون، ويقولون: هذا يومٌ آخى فيه رسولُ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، ويضربون القباب بالكَرْخ، ويُظهرون الزينة، فاجتمع أهل باب الأزج وباب البصرة، وجعلوا مُقابلة الغدير اليومَ الثامن والعشرين من ذي الحجَّة، وقالوا: في هذا اليوم اجتمع النبي ﷺ وأبو بكر رضوان الله عليه في الغار، وهو خطأ (٣)؛ لأن اجتماعهما في الغار كان في سلخ صفر [وقد ذكرناه]، وإنما كان المقصودُ الفتنَ [ونهبَ الأموال]، وكان بهاءُ الدولة بواسط، فطمعوا.
وفيها وصل بهاء الدولة إلى الشيراز. قد ذكرنا توجُّه بهاء الدولة إلى واسط وخروجَ ابني بختيار وقتلَهما صَمصام الدولة، وكان الدَّيلم الذين بالأهواز مع الصاحب أبي علي بن أستاذ هرمز في طاعة بهاء الدولة، وسار بهاءُ الدولة فنزل على القنطرة البيضاء؛ ليكون قريبًا من أعمال بدر بن حسنويه، وليمتار من السوس، وبينها وبين السوس ثلاثة فراسخ، ثم ركبَتِ العساكرُ وقصَدَتِ السوسَ، والدَّيلم قد تحصَّنوا
стр. 8506
بالبلد، فأقاموا شهرين ومُقدَّمُ عسكر بهاء الدولة (١) بالقنطرة يمدُّهم بالإقامات، وسار بهاء الدولة يطوي البلاد، حتى قَدِمَ شيراز، وقَدَّم في مُقدِّمته الوزيرَ الموفقَ، فخرج إليه أبو نصر بن بختيار فقاتلَه، فهزمه الموفَّق، وتفرّق بنو بختيار، فصار أبو نصر إلى بدر بن حسنويه هو وأخوه أبو القاسم، ثم صار أبو نصر إلى قزوين وبلاد الدَّيلم، وأبو القاسم إلى البَطيحَة عند مهذَّب الدولة، وكتب الموفق إلى بهاء الدولة بالفتح، فسار حتى دخل شيراز، وجاءه الدَّيلم من كل مكان، وقبلَ أن يدخُلَ الدارَ وقف تحت القلعة التي على باب شيراز، وأنزل كما أختَ صَمصَام الدولة وردَّها إلى دارها، وقد كان بختيار اعتقلها، وكان الموفَّق يدلُّ على بهاء الدولة دائمًا ويتجنَّى عليه، وبهاء الدولة يداريه ويحتمله.
وفيها استولى أبو القاسم محمود بن سُبُكْتِكين على أعمال خراسان بعد أن هزم عبدَ الملك بن نوح والسامانية، وأقام الدعوةَ للقادر، بعد أن كانت للطائع، وكتَبَ إلى بغداد كتابًا بالفتح.
و [في هذه السنة] (٢) حجَّ بالناس [أبو الحارث] محمد بن محمد بن عمر، وكان في الحجِّ الشريفان الرضيُّ والمرتضى، فاعترضَ الرَّكبَ أبو الجراح الطائي، فأعطوه تسعة آلاف دينار من أموالهما، وأطلق الحاجَّ.
وفيها توفِّي
يحيى بن [علي بن محمد
ابن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين] (٣) بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين الزيدي، سمع الكثير، [وحدَّث عن أبي بكر بن مجاهد وغيره]، وخرج إلى الشام، فاجتاز بسيف الدولة بن حمدان بحلب، فأكرمَه وأقطعَه أرضًا بشَيزر (٤)، ثم قدم
стр. 8507
دمشق فأعقب بها، وكانت وفاتُه فيها، وأما أبوه علي بن محمد (١)، فكان زاهدًا منقطعًا في بيته ببغداد.
ويقال: إنَّ المسجدَ الذي ببغداد -بدرب دينار (٢) الصغير- مسجدُه، وبه قبرُه، وله فيه كتُب حِسان موقوفة على أهل العلم الشريف [ينتفعون بها].
السنة التسعون وثلاث مئة
فيها ارتفعت منزلة الموفق، وكان بشيراز مع بهاء الدولة، وخرج إلى جبل جبولة في طلب أبي نصر بن بختيار، فانتهى إلى أبروقية، وعاد في صفر فلُقِّب بعمدة الملك، مضافًا إلى الموفق، وضُرِبَتِ الطُّبول في أوقات الصلوات الخمس على بابه، ولُقِّب ولدُه المعمر ابن بيت النعمة.
وفي ربيع الآخر وُلدَ أبو الفوارس بن بهاء الدولة بشيراز.
وفي جمادى الأولى خَلَعَ بهاءُ الدولة على الموفق خِلَعَ السلطنة؛ الفَرَجيَّة (٣)، والعمامة، ومراكبُ الذهب تحتَه وبين يديه، وخرج لقتال أبي نصر بن بختيار بالعساكر، وكان أبو نصر قد صار في أطراف الدَّيلم، وكاتَبَ الدَّيلم الذين بفارس وكرمان والأتراك، وصار إلى أبروقية، فسار إليهم منهم جماعة، وانضاف إليه الزُّطُّ والأكراد وقُطَّاع الطريق، وصار يغارُ في أطراف فارس، فخرج إليه الموفق، وانتهى إلى أبروقية، فصار يراوغ ويدافع، ومضى إلى السِّيرجان (٤)، وكان بها ديلم، فلم يقبلوه، وكرهوا مُقامَه عندهم، وواقَعَ أبا جعفر أستاذ هرمز من خواصِّ بهاء الدولة، فهزَمَه أبو نصر، واستولى على عسكره، وسار الموفق يطوي البلاد، وكلُّ بلدٍ يصل إليه يستأمن إليه من به من الدَّيلم والمقاتِلة، وهرب ابن بختيار منه يريد كرمان، فأخذ على طريق بَمْ (٥)
стр. 8508
وبَرْدَسير (١)، فخلف الموفقُ أثقاله بِفَسا، وخاطر بنفسه وبالملك وبمن معه، وسار مُجِدَّا ليلًا ونهارًا لا يلوي على شيء، فلمَّا كَلَّ العسكرُ قالوا له: انزِلْ حتى نستريحَ فقد كلَّتْ دوابُّنا. فنزل، ودعا منجِّمًا كان معه من شيراز، فقال: ألستَ القائل: قد حكمتُ لك أن تأخذ ابن بختيار يوم الاثنين الآتي؟ قال: بلى. قال: فأين ذاك، ونحن على هذه الصورة ولا خبر له ولا أثر؟ فقال المنجم: قد بقي خمسة أيام، فإن لم تأخذه، وإلا فدمي لك حلال، وإن أخذْتَه فأيش تعطيني. فتضاحكوا منه، واستهزؤوا به، فكان كما قال.
وفي رواية: أنه لمَّا عَظُمَ أمرُ ابن بختيار واستولى على أطراف فارس وملك كرمان واجتمع إليه الديلم، قلق بهاء الدولة لذلك، وطالب الموفَّقَ بالخروج إلى قتاله، فاستعفى، فقال له: لو أجبتُكَ إلى الاستعفاء لَما حسُنَ بك أن تَقبَلَ في مثل هذا الوقت، وقد علمتَ أنني ما خرجتُ إلا برأيِكَ، ولا وصلتُ إلى ما وصلتُ إليه من هذه الممالك إلا باجتهادك، وإذا قعدت في مثل هذه الضغطة فقد أسلمتَني إلى عدوي، ولكن تمضي في هذا الوجه، ويكون الاستعفاء بعده إذا دفعت هذا العدو. ولم يُمكِنْه في جواب هذا إلا القبول، فسار بالدَّيلم والتُّرك وغيرهم، حتى كان يرِدُ قومًا منهم، فيسألونه ويضرعون إليه حتى يخرجوا معه، وسار الناس يستأمنون إليه، فجاءه مَنْ أخبره أن ابن بختيار بمكان يقال له: بلازفاد، فانتخبَ ثلاثَ مئة من خواصِّ القُوَّاد والدَّيلم، وسار على الجمَّازات، فلم يجده، فسار تبيعه في الذين ذكرنا فلحقه بموضع يقال له: داروين -وهو جبل- جريدة، فقاتلهم، وانهزم ابن بختيار، فلحقه جماعة من الدَّيلم، فتنافسوا فيه، وأراد بعضهم حملَه إلى الموفق. وقال آخرون: نحن أولى. فضربَه بعضُهم فأبانَ رأسَه، وحمَلَه إلى الموفق، فقال بعض الدَّيلم: رأيتُ البارحَة صَمصمامَ الدولة في المنام وهو يقول: قُلْ للموفَق يأخذ بثأري من ابن بختيار، وكتب الموفق كتاب الفتح إلى بهاء الدولة، وسار إلى شيراز، فخرج بهاء الدولة للقائه، فلمَّا رجعا داخِلَين البلد مضى العسكر بأسره في خدمة الموفق إلى داره، وبقي بهاء الدولة في خواصِّه، فشقَّ عليه، وبلغ به كلَّ مبلَغٍ، ولم يتلق بعدها وزيرًا من وزرائه، ودخل شيراز يوم الأربعاء الثاني عشر من شعبان، وقُبِضَ لعشرٍ بَقين منه.
стр. 8509
ذِكْرُ سبب قَبْضِه:
لمَّا عاد إلى شيراز بعد قتل ابن بختيار أقام على الاستعفاء وكرَّره، وكان في قلب بهاء الدولة منه أمورٌ قد ملأت قلبَه وغَيَّرَتْه، ونال ما كان يراعيه لأجله، وخافَه خواصُّ الملك وحاشيتُه، فأغْرَوه به، وحضر عنده أبو سعد فناخسره وأبو دُلَف بكرستان [وكانا] (١) يختصان به في الليلة التي قُبض في صبيحتها، فقالا له وأبو العلاء الإسكافي حاضر: أيها الموفَّق، أيُّ شيء آخر ما أنتَ عليه من ركوب الهوى ومخالفة الرأي في هذا الاستعفاء؟ وما الذي تُريده لِنُبلغه لك؟ إما بالملك أو بنفوسنا -وإن كان قد غاظَكَ أحد- وضعنا عليه مَنْ يفتِكُ به، أو كان في نفسك شيء فأطلِعنا عليه، حتى نتبع فيه [هواك. قال: ما أطوي عنكم شيئًا وقد خدمت هذا الملك وبلغت] أغراضَه، وما أريد الجندية بعدها. فقالا له: دَعْ هذا اللَّجاج، فإنه يؤدي إلى ما تندم عليه، ولا تقدِر في نفسك أنك إذا أُعفيتَ تقيم في منزلك، وقد بلغت من المنزلة ما بلغتَ، وأنك تنزل على ما تريد، هذا مُحالٌ، فَدَعنا نمضي إلى الملك ونُعرِّفَه مقامك في خدمته. فقال: لا بُدَّ. فقالا له: فأخِّر ركوبك في غَدٍ، وراجِعْ نفسَك. فلم يقبَل وبكَّر من غدٍ إلى دار الملك على عادته، وبعث يستعفي وبهاء الدولة يدفعه عن ذلك وهو مُصِرٌّ عليه، فخرج إليه جماعةٌ، وقبضوه وحبسوه في بيت وزرقوه (٢)، وبعث بهاء الدولة إلى داره، فأخذ جميعَ ما كان فيها من المال والثياب والسلاح والخدم والغِلمان، وأخذ من إصطبلاته جميع ما كان فيها، وفوَّض بهاءُ الدولة الأمورَ إلى أبي علي الحسن بن أستاذ هُرمُز، وكان بعد فتح الأهواز قد اعتزل في منزله، وكتب بهاءُ الدولة إلى ابنه أبي نصر سابور ببغداد أن يقبض على أولاد الموفق وأسبابِه، فاستعمل الجميل، وبعث فأنذرهم فانصرفوا عن دورهم، فأنفذ إلى منازلهم فرآها خالية، فكتب إلى أبيه بأن القوم أُنذروا فاستتروا.
وفيها استولى ابن سُبُكْتَكين على بُخارى، وطرد السامانية، وذلك أنَّه لمَّا نازلها صعِدَ خُطباؤها المنابرَ يستَنفِرون الناس للسامانية، ويقولون: قد عرفتُم حُسن سيرتهم فيكم، وقد
стр. 8510
أظلَّهم هذا العدو، فقاتِلوا بين أيديهم. فسأل أهلُ بخارى الفقهاءَ، فقالوا: لو كانوا يُنازِعون في الدين لَوَجَبَ قتالُهم، أمَّا المنازعةُ في الدنيا فلا تُجَوِّزُ قتالهم. فهربَتِ السامانية، وانقرض ملكهم، ولمّا دخل أصحاب [ابن] سُبُكْتَكين البلد أحسنوا السيرة، ورَفقوا بأهلها.
وفي شوَّال قُلِّدَ القاضي أبو عبد الله الحسين بن هارون الضبِّي مدينة المنصور مضافًا إلى الكَرخ وما بيده، وقلد القاضي أبو محمد عبد الله بن الأكفاني الرُّصافة وأعمالها، وقُلِّد أبو الحسن الحريري طريقَ خراسان، وقُلِّد أبو حازم محمد بن الحسن القضاء بواسط وأعمالها، وكُتِبَتْ لهم العهود، فقُرِئَت بدارِ الخلافة (١).
[وفيها] حجَّ بالناس أبو الحارث العلوي.
وفيها توفِّي
محمد بن عبد الله (٢)
ابن الحسين بن عبد الله بن هارون، أبو الحسين، الدقاق، البغدادي، ويُعرف بابن أخي ميمي، ولد في صفر سنة أربعة وثلاث مئة، وكتب الحديث الكثير، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا، ثقة، مأمونًا، مقيمًا في بيته أربعين سنة، لم ينَف على سطحٍ مع حرِّ بغداد. وكتب الحديث إلى أن مات، وكان حسنَ الأخلاق، كريمَ العشرة، وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر من شعبان ببغداد، سمع أبا القاسم البغوي، وابن صاعد، وغيرهما. واتَّفقوا عليه.
وفيها توفِّي
أحمد بن محمد بن أبي موسى
أبو بكر، الهاشمي، القاضي، ولد سنة خمس عشرة وثلاث مئة، وكان مالكيَّ المذهب، تقلَّد قضاء المدائن، وسُرَّ من رأى، والجزيرة، وديار ربيعة، وغيرَها من البلاد، وولي خَطابة جامعٍ المنصور مدَّةً، ومات ببغداد في المُحرَّم، ودُفن بداره، وكتب الناسُ عنه، وكان ثقة مأمونًا (٣).