← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

الدين - شرفُ الدولة مؤيِّدُ المِلَّة ومغيثُ الأمة - صفيَّ أمير المؤمنين، وعلَّم القادرُ عليه، وأُحضِرَتِ الخِلَعُ السبعة، وفيها التَّاج، والطوق، والسواران، ولواءان على العادة، ومراكب الذهب، وحلف الخليفةُ لسلطان الدولة، وأعطى الخليفةُ لفخر الملك سيفًا أَحمر الجَفْن، مُحلَّى الحمائل، وقال للخادم: قَلِّده به، فهو فخرٌ له ولعَقِبه، يُفتح به على يديه شرقُ الأرض وغربُها، وكان يومًا عظيمًا جليلًا (١). وسُلِّمتِ الخِلَعُ إلى مردوست وأبي بكر بن المُعلِّم، وبعث الخليفةُ من عنده القاضي أبا حازم محمد بن الحسن وخادمين ناجي ودوام، والعهد من إنشاء ابن حاجبِ النعمان، وكان فِي أوَّله: من عبد الله أبي العباس أحمد الإمام القادر بالله أمير المؤمنين إلى فناخسرو بن قوام الدين بهاء الدولة أبي نصر مولى أمير المؤمنين، وذكر ما جَرَتْ به العادة فِي العهود، ولمَّا وصلتِ الخِلَعُ إلى شيراز لبسها سلطان الدولة. وجاء كتاب محمود بن سُبُكْتِكين يعتِبُ على القادر قولَه لمَّا أعطى السيف لفخر الملك: إنَّك تفتحُ الدنيا من مشرقها إلى مغربها. فاعتذرَ، وبعث إلى محمود بالخِلَع السُّلطانية والتاج والطوق والسوارين. وفيها استولى الحاكم [صاحب مصر] على حلب، وزال ملك بني حمدان عنها. قال هلال بن الصابئ: كان فِي قلعة حلب والٍ يُقال له: الفتح غلامُ ابنِ لؤلؤ، فاتَّهمه أنَّه واطأ صالح بن مِرْداس على الهرب من قلعة حلب، فراسله فِي ذلك، فأنكر الفتحُ، وحلف واعتذر، فلم يقبل عُذْرَه، واستوحش الفتحُ، وفسد قلبُه وخاف، وعزمَ ابنُ لؤلؤ على عزلِ الفتح وإنزالِه من القلعة، وكان مقيمًا لا ينزل، وابنُ لؤلؤ مقيمًا بالبلد، وجميعُ أموالِه وذخائرِه فِي القلعة، ويستدعي منها ما أراد، وكان بحلب شيخ يُقال له: ابن غانم، له مال وثروةٌ، وابنُ لؤلؤٍ طامعٌ فيه ومدبِّرٌ فِي القبضِ عليه ومصادرتِه، وقد عرف ذلك، فهو يخافه ويحذَرُه، وكان بين غانمٍ والفتحِ مودةٌ، فلم يَزلْ يوحِشُه من ابن لؤلؤ ويحسِّنُ له العصيانَ عليه، ثم خلا ابنُ لؤلؤ بأخيه أبي الجيش وقال له: قد علمتَ ما عاملني به الفتحُ، وما يَقِرُّ لي قرارٌ حتَّى أشفيَ غيظي منه، وقد اخترتُ سرورًا غلامي أُوَلِّيه القلعة، وأُنزِلُ الفتحَ منها، فقال له: اكتُمْ هذا الأمرَ؛ لئلا يتِمَّ الأمرُ والخبرُ إلى

стр. 8612

الفتح، فيتولَّد منه فسادٌ لا يُتدارك، فاستحلف سرورًا على ذلك، وأنه يكتم الأمر حتى يصعد أبو الجيش القلعة، كأنه يتفقَّد الخزائن، ويولِّي سرورًا، ويقبض على الفتح. وكان سرورٌ صديقًا لابن غانم، وكثيرَ الأُنس به، فجاءه وشكا إليه خوفه من ابن لؤلؤ، وأنه على وجَلٍ من مصادرته، فقال له سرور: اصبِرْ، فقد تجدَّد أمرٌ، أنا أُبلِّغُكَ ما تُريده. فقال: ما هو؟ فقال: لا يُمكِنُ ذِكْرُه. فألحَّ عليه، فاستحلفه على كتمانه، فحلف له، فاسترسل إليه وأخبره الخبر، فعاد ابنُ غانم إلى ذِكْرِه، وبعث إلى الفتح، فقال: قد تجدَّدَ أمرٌ لا يحتمل الرسائل، ولا بُدَّ من الاجتماع. فقال للفتح: تنكَّرْ والبَسْ ملبوسَ النساء، واصعَدْ إليَّ بين العشاءين. ففعلَ ابنُ غانم، وصعد إليه، فأخبره بما جرى، قال: فما الرأيُ عندك؟ قال: تكتُبُ إلى الحاكم، وتُسلِّمُ إليه القلعة، وتكتبُ إلى علي بن أحمد بن الضَّيف المقيم بفامية وتجعله الواسطة، ففعل الفتحُ ذلك، وأمر ابنُ لؤلؤٍ أخاه أبا الجيش بالصعود إلى القلعة، وأن يستصحب سرورًا، فبعثَ أبو الجيش أحدَ حُجَّابه إلى الفتح يُؤذِنه بصعوده، فقال له الفتح: قد شربتُ دواءً، فيؤخَّر الصعودُ اليوم، فإنِّي ما أسكُنُ إلى أحدٍ ينوب عني فِي فتح الخزائن، وإن لقيتَه فِي الطريق فرُدَّه. فعاد أبو الجيش إلى أخيه وأخبره الخبر، فقَلِق وأحضر والدتَه وعرَّفَها ذلك، فقالت: لا تقْلَقْ، واسلُكْ سبيل المُداراة مع الفتح، وأنا أصعدُ اليوم. وصعدَتْ، فأكرمها الفتحُ، واعتذر إليها من ردِّ أبي الجيش، وقال: أنا على طاعة مولانا مرتضى الدولة، وعُذري واضح. فقالت: اعتقادُكَ معروف، وعذرُك مقبول، وولدي منك على الثقة التامَّة، وإنما خاف أن يسبِقَ إلى قلبِكَ شبهةٌ، أو تعتريكَ وحشةٌ، وقد أنفذني إليك. فقال: أنا مملوكه، وقد كُنْتُ سألتُه إعفائي من هذا الموضع؛ لأني قد كبِرْتُ وضعُفْتُ وأكون ملازمًا خِدْمتَه، فنزلَتْ وهي مسرورةٌ بما سمعت منه، وأغفلَ ابنُ لؤلؤ الأمرَ مدَّةً تأنيسًا للفتح، ثم أرسل إليه يطلب صندوقين كان فيهما جوهرٌ له قيمة، فقال الفتح: هذا يومٌ مذمومٌ، والمصلحةُ لا يُنقَلُ فيه شيء. فعاد الرسول إلى ابن لؤلؤ فأخبره، فقَلِقَ، وعلم أن المكاشفة لا تغني؛ لأنَّ أمواله وذخائرَه فِي القلعة، فقال لأمِّه وأخته: ما الرأي؟ قالتا: أَظهِرْ أنك مريض، واطلُبِ الفتحَ لتوصي إليه، فتمارض أيامًا، وكان ابنُ غانم يبحث عن الأحوال، ويعرف للفتح ما يتجدَّد، فلمَّا تظاهر

стр. 8613

ابنُ لؤلؤ بالمرض حجب الناسَ عنه، واشتدَّ الإرجاف بموته، فصَعِدت والدتُه إلى الفتح، وقالت: إنه فِي حال العدم، يريد أن يُوصي إليك. فأظهرَ الانزعاجَ لمرضه، واعتذر عن النزول بضعف البدن، وربما تولد من نزولي فسادٌ من العامَّة، فيحضر القاضي والشهود ويوصي إلى من يريد، وأكون مساعدًا فِي الأمر، فيئِستْ منه، وعادت وابنُ غانمٍ يُحذِّرُه. وكانت سيرةُ ابنِ لؤلؤ فِي الرعية سيرةً قبيحةً، ونياتُهم له فاسدةً، ففتح بابَه، وأظهر العافية، وجاءت كتبُ الحاكم إلى الفتح بما يريد، وأقطعَه صورَ وصيدا وبيروتَ وارتفاعها نحو مئة وخمسين ألف دينار، وأنه قد كاتب علي بن أحمد بن الضيف بالمسير إلى حلب، فقوي عَزْمُ الفتح، واستشار ابنَ غانم، فقال: هذا أمرٌ قد طال، وابنُ لؤلؤٍ معك فِي البلد، وأخاف عليك منه، ولم يبْقَ للصُّلحِ وجهٌ، فاستَمِلِ الرجال الذين معك فِي القلعة، وابذُلِ المال وكاشِف. فبذلَ المال، واستمال الرجال، وكتب إلى ابن الضيف بالمبادرة، وعزم على المكاشفة فِي ليلة بعينها. وكان للفتح دارٌ بالمدينة، فبعث تلكَ الليلة خادمَه حَفَّاظًا فِي ثلاثين رجلًا من غلمانه بالسلاح، فأخذوا ما كان فِي الدار من مالٍ وأثاثٍ وجَوارٍ، وصَعِدوا القلعةَ، فصادفهم صاحبُ المعونة، فقال: ما هذا؟ فشتموه، ولعنوا ابنَ لؤلؤ، وكاشفوا بالخلاف، فركب ابنُ لؤلؤ بنفسه، وصاح: يا فتح، اللهَ اللهَ أن تُشمِتَ بيَ الأعداء، وتُضيعَ ما أوجبه الله عليك من حقِّي، وأنا أبذل لك كلَّ ما تريد من يمين ووثيقة. فقال له الفتح: هيهاتَ! فاتَ الأمرُ، وخرج عن يدي، ولا يمكنُ التَّلافي، فخُذْ لنفسك، وقد أنظرتُكَ إلى نصف الليل، فإن خرجْتَ عن البلد فقد أفلَتَّ، وإن أقمتَ كنتَ مخاطِرًا مغرورًا. وانصرف الفتحُ، وعادَ ابنُ لؤلؤ إلى داره، وقال لأخيه: ما فعلَ الفتحُ هذا إلَّا عن قاعدةٍ مع المغاربة، والساعةَ نوافي صالحَ بن مِرْداس إلى باب البلد، فإن أقمنا وقاتلنا لم نأمَنْ مَنْ عندنا، وإن حاولنا لم نجدْ مذهبًا، والمصلحة الخروج. فبينما هما فِي الخطاب إذ زحَفت العامَّةُ إلى الدار، وهجموا عليهما، فخرجا هارِبَين على وجههما، وتَرَكا الأموال والحُرَمَ والكُراعَ والنَّعَم، وركب ابنُ لؤلؤ فرسَ النُّوبة، وأخذ معه عشرين ألف دينار، وخرج معه أخَواه، وأربعةُ أولادٍ، وعشرُ غِلْمَةٍ صِغار، وبعضُ حُجَّابه، وجاؤوا

стр. 8614

إلى باب البلد، فكسروا أقفالَه، وخرج وهو يقرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ … ﴾ الآية [آل عمران: ٢٦]. واجتمعَ الجندُ والعامَّةُ فنهبوا الدارَ والخزائنَ، وطرح الجواري النارَ فِي أطراف الدار، ورفعَ الفتحُ الشُّموعَ والمشاعِلَ على سور القلعة، ونادى بشعار الحاكم، وأصبح الناسُ وقد أُحرِقَتْ دارُ ابنِ لؤلؤ، ونُهِبَ ما كان له ولأخوتِه، من مالٍ وغَلَّةٍ وفُرُشٍ وثيابٍ وأثاثٍ وكُراعٍ وغيره. وتوجَّه ابنُ لؤلؤ طالبًا أنطاكية، وذلك فِي آخر رجب من هذه السنة، وضلُّوا عن السكَّة، فالتقَوا رجلًا، فأخذوه، فدلَّهم على الطريق، وأعطاهُ ابنُ لؤلؤ دينارًا، وقال: ما اسمُكَ؟ قال: حَنين. وبلغَ بِطْريقَ أنطاكية وصولُه، فخرج إليه بصُلبانه وعساكره، فتلقَّاه وأنزله دار البُرجيِّ، وأكرمَه، وحمل إليه الضيافات، وكتب إلى بسيل ملكِ الروم يُعَرِّفُه حصولَه عنده وما جرى عليه، وكتب ابن لؤلؤ إلى الملك يَمُتُّ بخدمته وخدمة والده، وأنه قد استجارَ به، وطلب مساعدتَه ونُصرتَه. وأمَّا أمُّ ابنِ لؤلؤ فإنها جمعت بقيةَ أولادِه وحُرَمِه فِي بعض المساجد على حالٍ تُبكي العيون وتَجرح القلوب. وولَّى الفتحُ البلدَ أبا المُرَجَّى بن المستعاد، فركب، وسكَّنَ الناسَ، وأحضرَ فتحٌ القُوَّاد والوجوهَ، وأخبرهم أنَّ ابنَ لؤلؤ غدرَ به، وكان على عزم الفَتْكِ به، فصوَّبوا رأيَه فيما فعل، فأجراهم على إقطاعاتِهم، وأعطاهم الأموال، واستحلفهم للحاكم، فحلفوا، وبعث إلى والدة ابنِ لؤلؤ بالصعود إليه مع الحُرَمِ والجواري ليتولَّى رعايتهنَّ وصيانتهنَّ، وقال: إن شئتِ ألحقتُكِ بوَلَدِكِ. فأجابَتْه بالغِلْظة وقالت: ضيَّعْتَ حقوقَنا، وأخرجْتَنا عن مِلْكِنا، وسلبْتَنا نعمَتَنا، وتُخيِّرني! فقال: هذا بإزاء ما عاملْتُم أولادَ سعد الدولة مولاكم، وكفَرْتُم إحسانَه إليكم. فاختارَتْ أن تخرجَ إلى صالح بن مِرْداس، وجاء إلى الفتح وصَعِد القلعة، وهنَّأْه، وتحالفا، وحملَ إليه الفتحُ مالًا وثيابًا وآنيةَ ذهبٍ وفضَّةٍ، وقاد إليه خيلًا. وأرسلت والدةُ ابنِ لؤلؤ إلى صالح تقول: قد اخترتُ الحصولَ عندك، والمُقامَ معك. فأجابها بأحسن الوعد، فخرجت بالحُرَمِ ومئةِ جارية، وكان سببُ اختيارِها صالحًا أنها كانت

стр. 8615

قد ربَّتْه، وخطب ابنةَ لؤلؤ - وكان يُدافِعُه ولا يراه كفؤًا لها - فظَنَّت أنَّه يتزوج البنتَ وتعتضدُ به، ويكون لها موئلًا وملجأً، فخرجت من حلب ومَنْ معها على الحمير وهُنَّ مُتَّزِراتٍ، فلمَّا حصَلْنَ عند صالح فِي الحِلَّة أحضر الجواري وفرَّقهنَّ فِي بيوته، ووهَبَهُنَّ لنسائه، فقالت له والدة ابن لؤلؤ: ما كان هذا ظنِّي فيكَ، ولقد كُنْتُ أظنُّ الوصلةَ بِكَ، وتنتقلُ الجواري مع البنتِ إليكَ. فقال: أنا رغبتُ فِي مصاهرتكم لمَّا كان ابنُكِ أميرَ حلب وصاحبَ القلعة وله الأموالُ والذخائرُ، فأمَّا الآن فأنتِ والصبيَّةُ ومَنْ معها إمائي. فقالت: يا صالح، سبَيتَنَا ونحنُ اخترناكَ! ما هذا ذِمامُ العربِ، ولا فِعْلُ الناس، وسوف ترى. فأمر بحمل والدة ابنِ لؤلؤ والصبيِّةِ وبعضِ الجواري إلى حِصْنِ مَنْبج، فاعتقلهنَّ فيه. وأمَّا العساكر الحاكمية فجاءت إلى حلب مع علي بن أحمد بن الضيف ومعه توقيع الحاكم بتسويغه (١) جميعَ ما فِي قلعة حلب، إلَّا السلاح، ولقَّبه مبارك الدولة، وأمره بتسليم القلعة والبلد إلى ابن الضيف، فسلَّمها إليه، فدخلَ البلدَ، وعدلَ فِي الناس، وأحسنَ السيرةَ، وأزال المُؤَنَ والرُّسومَ التي جدَّدَها ابنُ لؤلؤ، وسار الفتحُ إلى صور والأماكن التي أُقْطِعها، وخرج معه ما كان فِي القلعة من أموال بني حمدان، وبعثَ إلى الحاكم بهدايا مبلغها خمس مئة ألف دينار، وأقام بصور والأماكن إلى أن تُوفِّي الحاكم وارتُجعَتْ منه. وأمَّا ابنُ لؤلؤ فأحسنَ إليه بسيل ملك الروم، وأقطَعَه ضياعًا كثيرة، وقرَّر له المُقام بناحيةٍ تُعرف بسحلون بينها وبين حلب عشرةُ فراسخ، ووعده بما طابت به نفسُه، واستدعى منه إنفاذ أبي الجيش وطارق أخويه وولديه إلى القسطنطينية رهائن، فبعثهم، وشرع يستميل الحمدانية بموافقةٍ مِنْ بسيل، وكاتب بسيلُ البِطْريقَ المقيمَ بأنطاكية يأمره بأن يُمِدَّه بما يطلبه من مالٍ ورجالٍ، وأقام ابنُ لؤلؤ على هذه الحال، ومات بسيل، وقام أخوه قسطنطين فأقرَّه على ذلك، ولم تزَلْ حلبُ تنتقل من والٍ إلى والٍ إلى أن حصل فيها غلامٌ من الحمدانية ويُلقَّبُ بعزيز الدولة فاتك، كان الحاكم قد رفَعَه واصطنَعَه، فحدَّثتْه نفسُه بالعصيان، فسكنَ القلعةَ، وجعلَها دارَه، ومات الحاكم، ونظرت أختُه ستُّ الملوك فِي الأمور بعدَه، فزاد طمَعُه فِي البلد، فسلكَتْ معه سبيلَ اللُّطفِ والمُغالطة، وواصلَتْه بالخِلَعِ والإحسان، حتَّى وافقت بعضَ أصحابه على قتلِه،

стр. 8616

فقتله على فراشِه، وسيَّرَتْ إلى حلبَ ابنَ الكُتامي فِي البلد، ورتَّبتْ فِي القلعة موصوفًا الخادمَ، وأجرَتْ صالح بن مِرْداس على عادتِه فِي الإقطاعات وزادَتْهُ، فأنفذَ إليها صالح ابنَه، فأكرمَتْه، وخلعَتْ عليه، وبعثَتْ لصالحٍ الهدايا والخِلَع، ولقَّبتْه أسدَ الدولة، وتوفيت، وصار الأمر إلى الطاهر، واستولى عليه معضاد الخادم، فأجرى الأمورَ على ما هي عليه، وسنذكر قصة صالح بن مِرْداس فيما بعدُ إن شاء الله تعالى، فالحاصل أنَّ مُدَّة ملك بني حمدان بحلب نيِّفًا وسبعين سنة؛ لأن سيف الدولة ملكها سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وزال ملكُهم فِي هذه السنة. وفيها تُوفِّي إبراهيم بن عبد الله بن حِصْن (١) أبو إسحاق، الغافقي، محتسبُ دمشق من قِبَلِ الحاكم [ذكره الحافظ ابن عساكر وقال]: سمع الحديث [ببغداد ودمشق ومصر]، وكان شهمًا فِي الحسبة، وأدَّب رجلًا، فلمَّا ضربه [دِرَّةً قال المضروب: هذه فِي قفا أبي بكر. فضربه] أخرى، فقال: هذه فِي قفا عمر. فضربه أخرى، فقال: هذه فِي قفا عثمان. فضربه أخرى (٢)، فسكت، فقال له الغافقي: أنتَ ما تعرِفُ ترتيب الصحابة، أنا أُعَرِّفُكَ؛ وأفضلُهم أهلُ بدر، لأصفعنَك على عددهم. فصفعه ثلاث مئةٍ وستَّ عشرة دِرَّة، وحُمِلَ من بين يديه، فمات بعد أيام، وبلغ الحاكمَ، فكتبَ إليه يشكُرهُ ويقول: هذا جزاء مَنْ ينتقِصُ السلفَ الصالح. [وفيها تُوفِّي] الحسين بن أحمد بن جعفر (٣) أبو عبد الله [ويُعرف بابن البغدادي. قال الخطيب]: كان زاهدًا عابدًا، لا ينام [الليل] إلَّا عن غلَبةٍ، ولا يدخلُ الحمام، ويأكل خبز الشعير، ويقول: هو والحنطة سواء. ويغسل ثيابَه بالماء لا غير، وكانت وفاتُه فِي شعبان، ودُفِنَ بباب حرب.

стр. 8617

[وفيها تُوفِّي الحسين بن عثمان بن علي (١) أبو عبد الله، الضرير، المقرئ، البغدادي، ويعرف بالمجاهد؛ لأنه آخر من بقي فِي الدنيا من أصحاب ابن مجاهد، كان قد قرأ عليه القرآن، توفي بدمشق وقد جاز مئة سنة، ودُفِنَ بباب الفراديس، وكان أوحدَ عصره]. [وفيها تُوفي] علي بن سعيد (٢) الإصْطَخري، أحد شيوخ المعتزلة، صنَّف للقادر "الرد على الباطنية"، وأجرى عليه جراية سنيَّة، وحبَسها من بعده على ابنتِه. السنة الخامسة وأربع مئة فيها (٣) فِي خامس المُحرَّم ورد كتابٌ من مكَّة مع بدوَّيين من بني خَفاجة يخبر فيه بسلامة الناس وتمام حَجِّهم، ثم حضر رجلٌ وذكر أنَّ أباه وردَ من مكة بهذا الكتاب، وأنَّ هذين البدوَّيين قتلاه فِي الطريق، وأخذا الكتاب منه، فحبسهما فخرُ الملك، وأطلق لولدِ المقتول صلةً (٤). وفيها حظَر الحاكمُ على النساء الخروجَ من منازلهنَّ والاطِّلاع من سطحٍ وطاقةٍ، ودخولِ الحمامات، ومنع [الأساكفة] من عَمَلِ الخفاف [لهنَّ] وقَتَلَ عِدَّة نسوةٍ خالفنَ أمره فِي ذلك. [قال هلال بن الصابئ: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن الخضر قال]: وكان قد لهج بالركوب فِي الليل، وطَوْفِ الأسواق، ورتَّبَ فِي كلِّ دربٍ أصحابَ أخبارٍ يُطالعونه بما

стр. 8618

يعرفونه ويسمعونه [ويعطيهم العطاء الكثير]، ورتَّبَ (١) لهم عجائز يدخُلْنَ البيوت ويُشْرِفنَ على أحوال النساء [وأنَّ فلانة تحبُّ فلانًا، وأنَّ فلانًا يحبُّ فلانةً،] فلم يكُن يخفى عليه من أسرار الناس شيءٌ، فإذا بلغَه عن دارٍ فيها شيءٌ بعث يقبض على المرأة التي فيها، فإذا اجتمع عنده جماعة [من النساء] أمر بتغريقهنَ فِي النيل، فافتضحَ النساء، وظهر ما كان مستورًا [من محبهنَّ]، فضجَّ النساء [من ذلك]، فأمر برُقعةٍ، ونادى: متى خرجتِ امرأةٌ من بيتها ليلًا أو نهارًا فقد أُبيح دمُها. ثم رأى بعد النداء عجائزَ خارجاتٍ، فأمر بتغريقهنَّ، فلم تُقدم (٢) امرأةٌ بعد ذلك على الخروج، فكانت المرأةُ إذا ماتَتْ بُعِثَ نساءٌ ثقاتٌ يُشاهِدْنَها، ثم تُغسَّل وتُدفَن. وكتب النساء إليه رقاعًا يذكُرْنَ استمرارَ الضررِ عليهنَّ وعجزَهُنَّ، وأنَّ فيهنَّ مَنْ لا زوجَ لها، ولا وليَّ يُعينها [على أودها]، وأنهنَّ يَمُتْنَ خلف الأبواب فاقةً وفقرًا وجوعًا، فأمر الباعة بالطَّواف [في الدروب] ومبايعةِ النساء على الأبواب، من غير أن تبرز النساء على الرجال، وأقام على هذه الحالة مدةً [حتى ضيَّق على النساء الأرض]. [ذِكْرُ حكايةٍ جرَتْ فِي هذا الباب حكاها هلال بن الصابئ عن إبراهيم بن الخضر، قال]: واتَّفق أنَّه مرَّ قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي فِي بعض المحالِّ، فنادَتْه امرأةٌ من طاقةٍ، وأقسمَتْ عليه [بالحاكم وآبائه] أن يقف [عليها] فوقف عليها، فبكَتْ بكاءً شديدًا، وقالت: لي أخٌ لا أملِكُ غيره [ولا يملك غيري]، وهو فِي آخر رَمَقٍ، وأنا أُقسم عليكَ إلَّا أمَرْتَ بحملي إليه لأراه قبل أن يقضي نحْبَه، [وتبقى فِي قلبي حسرةٌ منه]. فرقَّ لها [ورحمها، ولم يشُكَّ فِي قولها]، وأمرَ رجلين من أصحابه بِحَمْلِها إليه، فأغلقَتْ بابَها، ورَمَتِ المفتاح عند جارةٍ لها، [وأوصَتْها أن تُسلِّمه إلى زوجها عند انصرافه من سوقه]، ومضت [مع الرجلين] حتَّى وقفت على بابٍ فدقَّتْه [وفتح لها]، ودخلت وقالت للرجلين: انصَرِفا [مصاحَبَين]، وكانتِ الدارُ لرجلٍ [تهواه و] يهواها، فلمَّا رآها سُرَّ [بها] وسألها عن حالها، فأخبرته [بالحيلة التي تمَّت لها، وأقامت

стр. 8619

عنده]، وجاء زوجُها [آخر النهار من سوقه] فوجد بابه مغلقًا [فانزعج]، فسأل الجيران [عن زوجته] فأخبروه [بما جرى لها مع القاضي، ودفعوا إليه المفتاح، فدخل بيته] فباتَ على أسوأ حالٍ [وأقبحِه]، وباكَرَ [إلى] دارَ القاضي، [فأعلن بالاستغاثة والظلامة، فأحضره القاضي] وسأله [عن حاله]، فقال: أنا زوج المرأة [التي فعلت بالأمس ما فعلت]، وقد كذَبَتْ. وقال: واللهِ ما لها أخٌ [ولا أحد]، وهي بنتُ عمِّي، وما أُفارِقُ القاضي إلَّا بها [كما أخرجها من داري]. فعَظُمَ على القاضي [ما سمعه]، وخاف سطوةَ الحاكم [إن لم يصدقه على الحال]، فقام من ساعته، ودخل على الحاكم، وقبَّل الأرضَ [بين يديه وهو مرعوبٌ، فسأله عن سبب انزعاجه، فقال]: يا مولانا، أنا لائذٌ بعفوك لِما تمَّ عليَّ أمسِ. قال: وما هو؟ فشرح له الأمر، فأمر [الحاكم] بإحضار الرجل [فأُدخل عليه] فسأله عن حاله، فأخبره وهو يبكي، فقال الحاكم للقاضي: اركَبْ، وخُذْ معكَ الرجلين الَّلذَين أنفذتَهما مع المرأة حتَّى يُرشِداكَ إلى الدار التي دخلَتْ إليها، وخُذْ معكَ أربعة من شهودك وخدمًا من القصر (١) واهجُمْ بهم الموضع، حتَّى يشاهدوا المرأة ومَنْ فِي الدار وما هم عليه، واقبِضْ على الجميع واحمِلْهم إليَّ. فخرج القاضي، وفعل ما أمره الحاكم، ودخلوا الدار، فوجدوا المرأةَ والرجلَ نائمين فِي إزارٍ واحدٍ على سُكْرٍ، فحُمِلا إلى بين يدي الحاكم، وشهد الشهود بما رأَوا، فقال للزوج: هذه زوجتُك؟ قال: نعم. فسألها عما كان منها، فأحالت على الشيطان وما حسَّنه لها، وسأل الرجلَ الَّذي كانت عنده، فقال: [هذه امرأةٌ] هجمَتْ عليَّ، وزعمَتْ أنها خِلْوٌ من زوج، وإنِّي إن لم أتزوَّجْها سعَتْ بي إليكَ [يا مولانا] لتقتلني، فاستَحْلَلْتُها بموافقةٍ جَرَتْ بيني وبينها. فأمر الحاكم بأن تُلَفَّ المرأةُ فِي باريةٍ (٢) وتُحرَقَ، وأن يُحملَ الرجلُ الَّذي كانت عنده إلى باب الجامع، ويُضرَبَ ألفَ سوطٍ، فإن مات فقد مضى لسبيله، وإن لم يمُتْ أُطلِقَ، ففُعِلَ ذلك، وعاد الحاكم إلى ما كان عليه من التشديد على النساء، ومنعِهِنَّ الظهورَ والتصرُّف إلى أن قُتِلَ، ثمَّ ظهَرْنَ حينئذٍ وعُدْنَ إلى ما كُنَّ عليه من قَبْلُ. وفيها قُلِّد أحمد بن أبي الشَّوارب القضاء لمَّا مات ابنُ الأكفاني.

стр. 8620

وفيه تقلَّد علي بن مَزْيَد أعمال بني دُبَيس (١). وفيها جلس القادر، وأحضرَ الطالبيين والعباسيين والقُضاة والشُّهود، وأحضرَ الخِلَعَ السُّلطانية ما عدا التاجَ ولواءً واحدًا. وقويَ عهدُ أبي طاهر ركن الدين بن بهاء الدولة، ولُقِّبَ جلال الدولة، وجمال المِلَّة، وبعث الجميع إليه وهو بالبصرة. وحجَّ بالناس ابنُ الأقساسي العلوي. وفيها تُوفِّي بدر بن حسنويه بن الحسين (٢) أبو النجم، الكردي، من أهل الجبال، ولَّاه عضُدُ الدولة الجبال وهَمَذان والدِّينَور ونهاوند وسابورخست وتلك النواحي بعد وفاة أبيه حسنويه، وكان شجاعًا، مَهيبًا، عادلًا، سائسًا، كثيرَ الصدقة، والقادرُ كنَّاه أبا النَّجم، ولقَّبه ناصِرَ الدولة، وعَقَدَ له لواءً بيده، وكانت أعمالُه آمنةً؛ لو ضلَّ جملٌ عليه مالٌ لم يتعرَّض له أحد، وكانت هيبتُه قوية، رأى يومًا رجلًا يحتطِبُ وهو يبكي وحِمْلُ الحطب على ظهره، فسأله عن حاله، فقال: ما استطعمتُ البارحةَ بطعامٍ، وكان معي رغيفان أُريد أكْلَهُما حتَّى أبيعَ الحطبَ وأتقوَّت أنا وعيالي من ثمنه، فالتقاني فارسٌ فأخذَهما. قال: هل تعرفه؟ قال: نعم. فساق [بدر] إلى مضيق، ووقف بالعسكر، ومرَّ صاحبُه، فقال: هذا هو. فأنزله بدر عن فرسه، وألزمه حَمْلَ الحطب على رأسه إلى البلد وبَيعِه وتسليمِ ثمنِه إلى صاحبه؛ [عقوبة له بما فعل]، فسألَ أن يَزِنَ الرجلُ دراهمَ بوزن الحطب، فقال بدرٌ: لا أفعل (٣). وحمَّله (٤) الحطبَ على ظهره إلى البلد، وفعَلَ ما أمر به بدرٌ، فخافه الناسُ، ولم يُقدِمْ (٥) أحدٌ بعد ذلك على أحدٍ.

стр. 8621

وبلَغَه أنَّ جماعةً من أصحابه [عاثوا بالبلاد، و] أفسدوا الزروع، فعمل لهم دعوةً قدَّم فيها أنواع الأطعمة، ولم يُقدِّم [فيها] خبزًا، فقعدوا ينتظرون الخبز، فقال: كلوا. فقالوا: أين الخبز؟ فقال: أفسدتُموه، واللهِ لئِنْ تعرَّضَ أحدٌ منكم لزرع لأقتُلَنَّه بسيفه. وكانت صدقاتُه جاريةً على القُضاةِ والأشرافِ والعلماءِ واليتامى والمساكين والزَّمنى والضعفاء، وكان يصرف فِي كلِّ سنةٍ ألفَ دينار إلى عشرة رجالٍ يحجُّون عن أبيه وعن عضد الدولة؛ لأنه كان السببَ فِي ولايته، ويتصدَّقُ فِي كل جمعة بعشرة آلاف درهم على الضعفاء والأرامل، ويصرف فِي كل سنة إلى الأساكفة والحذَّائين الذين بين هَمَذان وبغداد ثلاثة آلاف (١) دينار؛ ليقيموا الأحذية للحاجِّ والمنقطعين، و [كان] يصرف إلى تكفين الموتى كلَّ سنة عشرين ألف درهم، ويعمر القناطر والجسور، واستحدث فِي أعماله ثلاثة آلاف مسجدٍ وخانٍ للغرباء، ولم يمُرَّ بماءٍ جارٍ إلَّا وبنى عنده قريةً، وكان يُنفِذُ فِي كلِّ سنة إلى الحرمين الصدقات، ومصالحِ الطريق مئةَ ألفِ درهم، ويُعطي خِفارة الحاجِّ تسعةَ آلاف دينار، ويُنفِذُ إلى بغداد إلى العلماء والأشراف مئةَ ألف درهم، وكذا لأرباب البيوتات، وكان إذا مات أحدٌ أبقى على ولده ما كان له، وكان كثيرَ الصوم والعبادة. ذِكْرُ مقتله: وسببه أنَّ أبا الوضاح حسين بن مسعود الكردي كان مواليًا لبدر، واعتقادُ بدر فيه الجميل، فلمَّا خرج هلالٌ على أبيه قاتله مع هلال وظاهر عليه، فلمَّا عاد بدرٌ إلى حاله سار إلى حسين، وحصره فِي قلعة، ونهبَ أعماله، وأقام بدرٌ مدة طويلة على حصاره، فهمَّ حسين بالنزول إليه لمَّا ضاق عليه الأمر، ثم خافه على نفسه، وكان بدرٌ قد أفنى الأكراد النوربكان، وبقي الجُوزَقان، فهجم الشتاء وهُم على القلعة، واشتدَّ البرد، فتحالف جماعةٌ من الجُوزَقان على قتل بدر، وعرف دُلَف بن مالة الكردي ذلك، فقال له: إن الجُوزَقان قد تحالفوا على الفتك بِكَ، وراسلوا حسينًا وراسلهم، والصواب أن

стр. 8622

تنصرف من ها هنا إلى سابور خواست، وتنظرَ فِي أمرك، وتجمعَ إليك عسكرك اللّورية وتستظهِرَ بهم، ويكونوا حولك. فقال له بدر: لم يبلغ التدبير إليك يا دُلَف، ومن هؤلاء الكلاب حتَّى أخافهم أو يُحدِّثوا نفوسهم بما أشرتَ إليه؟ فلمَّا كان غداةَ اليوم الَّذي قُتِلَ فيه بدرٌ - وقد تحقَّق دُلَف الحال - باكره وأعادَ عليه القولَ، فلم يلتفِتْ، وخرج فنزل بإزاء القلعة على تلٍّ، وإذا بستين رجلًا من الجُوزَقان قد أقبلوا وبأيديهم الخُشوتُ (١)، فحملوا عليه فقتلوه [وكان قد قتل من الأكراد مقتلةً عظيمةً من قبل] وساروا طالبين عيالهم، ونزل حسينٌ فغسَّله وكفَّنَه ودفنَه، ووجدوا فِي خزائنه أربعة عشر ألف بَدْرةً عينًا، وأربعين ألف بَدْرةً ورقًا، ومن الجواهر والثياب والفرش ما لا يُحصى، وكانت إمارتُه اثنتين وثلاثين سنة، وحُمِلَ إلى مشهد (٢) أمير المؤمنين عليٍّ رضوان الله عليه، فدُفِنَ به. ذكر ما جرى لولده هلال: كان محبوسًا فِي القلعة، فلمَّا قُتِلَ أبوه أنزله سلطان الدولة وخلع عليه وأكرمه، وعَقَدَ له علي بنت شرف الدولة؛ تقويةً له على أمره، وأعطاه من المال والثياب والخيل والجمال والسلاح ما يُجمَّل به، وبعث معه من الدَّيلم والتُّركِ جيشًا كبيرًا، وقُراتَكين وأنوشتَكين وغيرَهما، وأقامه مقام أبيه، وقرَّر عليه مالًا وضماناتٍ شرطَها على نفسه، وجعل طريقه على بغداد، فأكرمه فخر الملك، وخلع عليه وعلى أصحابه خِلَعًا عظيمًا، وسار إلى حلوان، فتلقَّاه طوائفُ الأكراد، ووجد خللًا من الجُوزَقان بكرمان شاهان (٣)، فنهبَهم ونزل الدِّينَور، وانصرف مَنْ كان بها من نُوَّاب شمس الدولة - مقيمًا بهَمَذان وعنده الجُوزَقان، فسار إلى هَمَذان، فخرج إليه شمس الدولة والنُّقباء بقنطرةِ النعمان، فاقتتلوا، فكانت الدَّبَرة على هلال، فأُسِرَ وأُسِرَ جماعةٌ من القُوَّاد الذين كانوا معه، ونُهِبَ عسكرُه، وكان مع شمس الدولة جماعةٌ من الدَّيلم، فدخلوا على هلال فِي

стр. 8623

خيمة شمس الدولة فقتلوه بمن قَتَلَ منهم بنهاوند، وورد الخبر على فخر الملك، فانزعَجَ، وكتب إلى سلطان الدولة وأبي الخطاب والأبتر أبي المسك يُخبرهم الخبر، ويُشير على سلطان الدولة بقدومه العراق، ثم ندم على المكاتبة. بكر بن شاذان بن بكر (١) أبو القاسم، المقرئ، الواعظ، البغدادي، ولد سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، وقرأ القرآن، وسمع الحديث، وكان زاهدًا متعبِّدًا، يعظُ الناس، ويقومُ الليل، ويصوم دائمًا، جرى بينه وبين أبي الفضل التميمي كلامٌ، ثم ندم، وقصده وقال: اجعَلْني فِي حِلٍّ. فقال: قد جعلتُكَ. ثم قال التميمي: قال لي والدي: يا عبد الواحد، احذَرْ أن تُخاصم مَنْ إذا نمتَ كان منتبهًا. وكانت وفاته يوم السبت تاسع شوال ببغداد، وله نيِّفٌ وثمانون سنة، لم تَفُتْه جمعةٌ قطُّ إلَّا التي مرض فيها؛ لأنه مات صبيحة السبت، ودُفِنَ بمقابر الإمام أحمد رحمة الله عليه، وأجمعوا على زُهدِه وصِدقِه وثقتِه. عبد الله بن محمد بن عبد الله (٢) أبو محمد، الأكفاني، الحنفي، القاضي، الأسدي، ولد سنة ست عشرة وثلاث مئة، وكان فاضلًا ديِّنًا، ورعًا جوادًا. قال أبو إسحاق الطبري: من قال: إنَّ أحدًا أنفقَ على العلم مئةَ ألف دينار غيرَ أبي محمد الأكفاني، فقد كذب. وقال التنوخي: وَلِيَ ابنُ الأكفاني قضاءَ مدينة المنصور، ثم وَلِيَ قضاء باب الطَّاق، وضمَّ إليه سوق الثلاثاء، ثم جُمِعَ له قضاءُ جميع بغداد سنة ست وتسعين وثلاث مئة، وكانت وفاتُه فِي صفر عن خمس وثمانين سنة، وَلِيَ منها القضاء أربعين سنة نيابةً ورياسةً، ودُفِنَ بداره بنهر البزَّازين (٣)، وكان صالحًا ثقةً.

стр. 8624

[وفيها توفِّي] عبد الرحمن بن محمد (١) ابن محمد بن عبد الله بن إدريس، أبو سعد، الحافظ، وكان أبوه من إسْتِراباذ، وسكن سَمَرْقَند، وصنَّف تاريخ سَمَرْقَنْد، وعرضَه على الدارقطني فاستحسَنه، وكان ثقةً. عبد السلام بن الحسين (٢) ابن محمد، أبو أحمد، البصري، اللُّغوي، ولد سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، وسمع الحديث، وكان فاضلًا، وقارئًا للقرآن، سَمْحًا، جوادًا، يتولَّى النظر ببغداد فِي دار الكتب، وإذا التقاه سائلٌ ولم يكن معه شيءٌ أعطاه بعضَ كتُبِه التي لها قيمةٌ كبيرةٌ، وتوفِّي فِي المُحرَّم، ودُفِنَ بالشُّونيزية، وكان ثقةً. [وفيها تُوفِّي] عبد العزيز بن عمر (٣) ابن محمد بن حُميد (٤) بن نُباتة، أبو نصر [الشاعر] البغدادي، من الشعراء المُجِيدين، ولد سنة سبع وعشرين وثلاث مئة، وكان فصيحًا، وكانت وفاته ببغداد فِي شوال، وله ديوان شعر [رواه بالعراق مشايخ الخطيب. قال الخطيب: أنشدنا علي بن محمد بن الحسن الحربي قال: أنشدنا ابن نُباتة] منه: [من الكامل] وإذا عَجزْتَ عن العدوِّ فَدارِهِ … وامزُجْ له إنَّ المِزاجَ وفاقُ فالنَّارُ بالماءِ الَّذي هو ضِدُّها … تُعطي النِّضاجَ وطبعُها الإحراقُ وقال: [من الوافر] وتأخُذُ من جوانبِنا اللَّيالي … كما أخذَ المساءُ من الصَّباحِ

стр. 8625

أما فِي أهلِها رجلٌ لبيبٌ … يُحِسُّ فيشتكي ألمَ الجراحِ أرى التشهيرَ فيها كالتَّواني … وحِرْمانَ العطيَّةِ كالنَّجاحِ ومَنْ تحتَ التُّرابِ كمَنْ علاهُ … فلا تَغْرُرْكَ أنفاسُ الرِّياحِ وكيف يَكِدُّ مُهجتَهُ حريصٌ … يرى الأرزاقَ فِي ضربِ القِداحِ عبد الغفار (١) بن عبد الرحمن أبو بكر، الدِّينَوري، لم يكن ببغداد من يُفتي على مذهب سفيان الثوري غيرُه، وهو آخر من أفتى بجامع المنصور على مذهب الثوري، وكان يجمع العلماءَ ويتناظرون، ووَلِيَ النظرَ فِي جامع المنصور، وتُوفِّي فِي شوال، ودُفِنَ عند جامع المنصور، وكان ثقةً. محمد بن عبد الله (٢) ابن محمد بن حمدويه (٣) بن نُعيم، أبو عبد الله، الحاكم، النَّيسابوري، الحافظ، الفاضل، ويعرف بابن البَيِّع الضَّبِّي، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، وأول سماعه كان سنة ثلاثين، كان أحدَ أركان الإسلام، وسيدَ المحدثين وإمامَهم فِي وقته، والمرجوعَ إليه فِي هذا الباب، وكان يُشبَّه بالإمام أحمد وسفيان الثوري رحمة الله عليهما فِي سَمْتِهما وورعِهما وزُهدِهما، طاف الدنيا، ولقي المشايخ بخراسان وما وراء النهر والعراق والبصرة والكوفة والحجاز والشام ومصر، وسمع الكثير، وعاد إلى نيسابور فِي شبيبته، ثم عاد إليها وقد عَلَتْ سِنُّه، فحدَّث بها، ثم رجع إلى نيسابور، فجعل دارَه مأوًى للغُرباء والعلماء والصُّلحاء، وكان سخيًّا جوادًا من أهل الفضل والمعرفة والحفظ، وله فِي علوم الحديث عدة مصنفات، منها: "المستدرك على الصحيحين"، وكتاب "الإكليل"، و"المدخل إلى معرفة الإكليل" و"التاريخ" وغير ذلك، روى عنه الدارقطني، وابن أبي الفوارس، والقاضي أبو العلاء الواسطي، والأزهري، وغيرُهم.

стр. 8626

وقال أبو القاسم الأزهري: قدم الحاكم بغداد قديمًا، فقال لأصحاب الحديث: ذُكِرَ لي أنَّ حافِظَكم -يعني الدارقطني- خرَّجَ لشيخٍ واحدٍ خمسَ مئة جزء، وتكلَّم على كلِّ حديثٍ منها، فأروني منها بعضَ تخريجه. فقالوا: نعم. وحملوا إليه بعضَها، فنظر فِي أول جزء من الأحاديث التي خرَّجها الدارقطني لأبي إسحاق الطبري، وأول الأحاديث: عن عطيّة العوفي، فقال: عطية ضعيف. ورمى الجزءَ من يده، وقال: أولُ حديث عن عطية، ولم ينظُرْ فِي شيءٍ منها. قال الخطيب: مات الحاكم بنيسابور فِي صفر، ودُفِنَ بها، وكان يومًا مشهودًا. قال المصنف ﵀: قد وقفتُ على "المستدرك " و"الإكليل" و"التاريخ" و"المدخل إلى معرفة الإكليل"، وذكر فِي كتاب "المدخل" (١) فقال: أهلُ العراق والحجاز والشام وغيرُهم يشهدون لأهل خراسان بالتقدُّم فِي معرفة الصحيح؛ لِسَبْقِ الإمامين البخاري ومسلم إليه، وقد صنَّفتُ على كتاب كل واحد منهما فِي الصحيح والسقيم ممَّا اتَّفقا عليه واختلفا فيه، وأنا مُبيِّنٌ مِنْ ذلك ما فيه مَقْنَع إن شاء الله تعالى: قال: الصحيح من الحديث ينقسم عشرة أقسام؛ خمسةٌ منها متفق عليها، وخمسةٌ منها مختلفٌ فيها: فأمَّا القسم الأول من المتَّفق عليه فأخبار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثالُه الحديث الَّذي يرويه الصحابيُّ المشهورُ بالرواية عن رسول الله ﷺ ، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رُواةٌ ثِقات، ثم يكون شيخُ البخاريِّ أو مسلمٍ حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة بهذه الدرجة الأولى من الصحيح، والأحاديث المرويَّة على هذا الشرط لا يبلغ عددُها عشرةَ آلاف حديث. والقسم الثاني من الصحيح: فهو نقلُ العدلِ عن العدلِ برواية الثقات، وليس لهذا الصحابي إلَّا راوٍ واحد، ومثاله: حديث عروة بن مُضرِّس الطائي قال: أتيتُ رسول الله ﷺ وهو بالمزدلفة، فقلت: أتيتُكَ يا رسول الله من جبل طيِّئ أتعبتُ

стр. 8627

نفسي، وأكْلَلْتُ راحلتي، واللهِ ما تركتُ من حَبْلٍ إلَّا وقد وقفتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ؟ فقال: "مَنْ صلَّى معنا هذه الصلاةَ وقد وقف بعرفة بليلٍ أو نهارٍ فقد تَمَّ حجُّه (١) " قال الحاكم (٢): وهذا حديثٌ صحيحٌ عَمِلَ به الفقهاء، واتَّفقوا على العمل به، ولم يُخرِّجاه فِي الصحيحين لعدم شرطه، وهو ما ذكرناه. القسم الثالث من الصحيح: أخبارُ جماعةٍ من التابعين عن الصحابة، والتابعون ثقاتٌ، إلَّا أنَّه ليس لكلِّ واحدٍ منهم إلَّا الراوي الواحد، مثل: محمد بن حُنين، وعبد الرحمن بن فَرُّوخ، وعبد الرحمن بن مَعْبَد، وغيرُهم، فإنهم ليس لهم إلَّا راوٍ واحد، وهو عمرو بن دينار، إمامُ أَهْلِ مكة المُجْمَع على عدالته، ولم يُخرِّجا عنه فِي الصحيحين؛ لعدم شرطه. والقسم الرابع من الصحيح: الأحاديثُ الأفراد التي يرويها الثقات، وينفرد بها الواحد من الثقات، مثل: حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا انتصفَ شعبانُ فلا تصوموا حتَّى يجيء رمضان" (٣). وقد أخرج مسلمٌ أحاديث العلاء، وتركَ هذا الحديثَ وأشباهَه؛ لأنَّ العلاءَ انفرد به عن أبي هريرة. والقسم الخامس من الصحيح: أحاديثُ جماعةٍ من الأئمة عن آبائهم وأجدادهم، مثل: صحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه. ونحو ذلك. وأما الأقسام المختلف فِي صِحَّتها: فالقسم الأول: المراسيل: وهو قولُ التابعيِّ وتابعيِّ التابعي: قال رسول الله ﷺ ، ولا يذكرُ الَّذي سمع منه، فهذه الأحاديث صحيحةٌ عند أهل الكوفة، مختلفٌ عليها عند أهل الحجاز؛ لما عُرِفَ. والقسم الثاني: رواياتُ المدلِّسين إذا لم يذكروا أسماءهم فِي الرواية، وفيه خلافٌ على نحو خلافهم فِي المراسيل.

стр. 8628

والقسم الثالث: فحديثٌ يرويه ثقةٌ من الثقات عن إمامٍ من أئمة المسلمين، فيُسنده، ثم يرويه عنه جماعةٌ من الثقات فيُرسلوه، كحديث سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "مَنْ سمِعَ النداءَ ولم يُجبْ فلا صلاةَ له إلَّا من عُذْرٍ" (١) رواه عديُّ بن ثابت، عن سعيد بن جُبير، وعديٌّ ثقة، ولكنه خبرُ واحدٍ، وهو مختلفٌ فيه. والقسم الرابع: المُحدِّث إذا كان ثقةً، غيرَ أنَّه لا يَعرِفُ ما يُحدِّث به، فإنه لا يُحتَجُّ به. والقسم الخامس: روايات أهل البدع والأهواء للحديث الصحيح، هل تُقبَلُ أم لا؟ اختلفوا فيه، فأجازها البخاريُّ ومسلم؛ لأن البخاريَّ روى عن عبَّاد بن يعقوب الرَّواجني، وكان صاحبَ بدعة، حتَّى كان محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: حدَّثنا الصدوق فِي روايته، المتَّهم فِي ديانته، عبَّاد بن يعقوب. وكذا مسلمٌ احتجَّ برواية أبي معاوية الضرير -واسمه محمد بن خازم- وقد اشتهر عنه الغلوّ ونحوُ ذلك. وأمَّا غيرُ البخاري ومسلم فلا يأخذون إلَّا برواية العدل غير المتَّهم فِي دينه. قال المصنف ﵀: وعامَّة العلماء وأربابُ السِّير قد اتَّفقوا على صدقه وثقته وورعه وزهادته وحفظه وعبادته، إلَّا الخطيب ومحمد بن طاهر المقدسي فإنهما قالا: كان يميل إلى التشيُّع. وأنكر ابنُ طاهر حديث الطير، وحديث الطير قد أخرجه الترمذي (٢) وصحَّحه، ورواه الإمام أحمد رحمة الله عليه فِي فضائل علي ﵇ (٣). وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي: كان قد تبعه بنيسابور قومٌ من الكرَّامية أظهروا التشبيه، فراموا من الحاكم أن يرويَ لهم أخبارًا فِي التشبيه، فامتنع فكسَّروا منبره، ومنعوه الحديث، فدخلتُ عليه فِي داره فقلتُ له: لو خرجتَ وأمليتَ فِي فضل معاوية

стр. 8629

أحاديثَ لاسترحتَ من هذه المحنة. فقال: كيفَ أفعَلُ هذا، لا يجيء من قلبي. كرَّرها ثلاثًا. هبةُ الله بن عيسى (١) كاتبُ ممهِّدِ (٢) الدولة البطائحي ووزيرُه، كان فاضلًا ظريفًا، راويةً للأخبار، وكان ينادم القادر لمَّا كان مقيمًا عندهم، وهو الَّذي حكى عن القادر المنامَ لمَّا جاءته الخلافةُ، وكانت وفاتُه بالبَطيحَة فِي ربيع الأول، وكان شاعرًا فصيحًا، ومن شعره: [من الطويل] أضِنُّ بليلى وَهْيَ غَيرُ سخيَّةٍ … وتبخلُ ليلى بالهوى وأَجودُ وأُعْذَلُ فِي ليلى ولستُ بِمُنْتَهٍ … وأعلَمُ أنِّي مُخطِئٌ وأَعودُ يوسف بن أحمد بن كجّ (٣) أبو القاسم، قاضي الدِّينَور، كان من شيوخ الشافعية، وله نعمةٌ عظيمة وجاهٌ عند الملوك، وكان قاضيًا على أعمال بدر بن حسنويه، فلمَّا تغيَّرتِ البلادُ بعد قتل بدر قصد هَمَذان، والتجأ إلى كدنابويه زوجة شمس الدولة، وكانت مالكةً أمْرَه، وغالبةً على قلبه، فعُنِيَتْ به، ولاطَفَها، وأهدى إليها وإلى الحاشية، فخاطبت شمس الدولة فيه، وخاطبت الحاشية، فخلع عليه وأدناه، وأعاده إلى الدِّينَور مُكَرَّمًا، وكان أهل الدِّينَور طائفتين من العامة؛ إحداهما القصَّابون، والأخرى معروفةٌ بأبي خلدية، وبينهما ما يكون من السَّفاه والقتال والعصبية، وكان القاضي يميل إلى أبي خلدية، وكانت هيبةُ بدرٍ تمنع كلَّ طائفةٍ من تجاوز الحدِّ، فلمَّا مات بدرٌ وشغَرتِ البلاد، وعاد القاضي وقد استقام حالُه مع شمس الدولة، خافه القصَّابون، فكبسوه فِي الليلة السابعة والعشرين من رمضان، فقتلوه وقَتلوا أبا الفضل ابن أخيه، وكان عنده.

стр. 8630

السنة السادسة وأربع مئة فيها مَنَعَ فخرُ الملك (١) يومَ عاشوراء من النَّوح مخافةَ الفتنة (٢). وكان الشريف الرضي [أبو الحسن محمد بن الحسين بن محمد الموسوي] قد تُوفِّي فِي خامس المحرَّم، فاشتغلوا به. وكان قد وقع بالعراق وباءٌ عظيم، خصوصًا بالبصرة، حتَّى عجز الحفَّارون عن حفر القبور (٣). وفي يوم السبت ثالثَ صفر قُلِّد الشريفُ المرتضى نقابةَ الطالبيين والحجَّ والمظالم بإشارة سلطان الدولة وفخر الملك، وكتب القادرُ تقليدَه، وجمع الناسَ فِي دار المملكة، وحضر فخرُ الملك والناسُ على طبقاتهم، فكان فِي عهد الخليفة: هذا ما عَهِدَ عبد الله أبو العباس أحمد الإمام القادر بالله أميرُ المؤمنين إلى علي بن الحسين بن موسى العلوي، حين قرَّبَتْه إليه الأنسابُ الزكية، وقدَّمَتْه لَدَيه الأسباب القوية، واستظلَّ معه بأغصان الدوحة الكريمة، واختصَّ عنده بوسائل الحرمة الوكيدة، وكان راجعًا من طيب المناصب والعناصر، واستحكام الوصائل والأواصر، إلى ما يفضلُه بالمزيَّة، ويقتضي له توفير العطية، ويُحِلُّه فِي دولة أمير المؤمنين حلولَ التخصيص، ويدخلُه فيها دخولَ التحقُّق حين أوجب له الاستقلالُ المحبورُ، والاضطلاع المشهورُ، تَقَلُّدَ الأعمالِ وولايتَها، وتحمُّلَ الأثقالِ وكفايتَها، وحين رُوعيَ لشيخه الحسين ﵀ حقوقَ الموالاةِ التي قدَّمَها، والطاعةِ التي أسلفَها، وخدمتِه الخلفاء المهديين صلوات الله عليهم أجمعين، وحين مهَّدَ له سلطانُ الدولة عند أمير المؤمنين الأواخي (٤) الكثيرة، وقرَّر لديه المنزلة الكبيرة، ونبَّه على عقلِه الأصيل، ورأيِه الرَّصين، وعلمِه الراجح، وفضلِه الزائد، وحين أثنى عليه فخر الملك - أبو غالب مولى أمير المؤمنين - الثناءَ الطويل، وذكره بالجميل، وشهد له بالخِلال الحميدة، والخِصال الرشيدة، والمقاصد السليمة، واستدعى له من حضرة أمير المؤمنين الإحسانَ الَّذي يستحقُّه بالسالف من ذرائعه، والقديم من وسائله، قلَّده الحجَّ الَّذي هو من معالم أمور الدين، والمظالمَ التي

стр. 8631

هي من أكبر مصالح المسلمين، ونقابةَ الطالبيين، والمتعلقة بالملاحظة من أمير المؤمنين، فِي شرق الأرض وغربها، وقريب الأعمال وبعيدها، متمسِّكًا بالثقة فِي ديانتِه، والنُّصرةِ فِي أمانتِه، ومعتقدًا أنَّ الإمام قد أحكمَتْهُ أحكامُ التثقيف والتهذيب، ووَثَّقَتْهُ أقسام التحنيك والتجريب، وأنَّ الصَّنيعَةَ عنده واقعةٌ فِي الكفؤ الوفي، والعدل الولي، والرَّحِم الواشجة التي تُدنيه، والأرومة الشامخة التي تُعليه، والدواعي التي تُوجِبُ له مزيدَ الاختصاص، وفضيلةَ الاستخلاص، والله يُمِدُّ أمير المؤمنين بالتوفيق المُبلِّغ إلى الصواب، والتأييدِ الموصِلِ إلى الأغراض، ويُعينُه على ما يتوخَّاه من اختيار الوُلاةِ الصُّلحاء، والكُفاةِ النُّصحاء، وحسْبُ أمير المؤمنين اللهُ ونِعْمَ الوكيل. وقُرِئ عهدُ سلطان الدولة بمعناه. وفي آخر صفر ورد الحاجُّ، وقد تلِفَ منهم خلقٌ كثيرٌ من العطش، كانوا عشرين ألف جمل، فوصل منها ستةُ آلاف جمل، وهلك الباقي (١). وفيها وصل سلطان الدولة من شيراز إلى الأهواز، فكتب إلى فخر الملك يستدعيه، فاستشعر من أبي الخطَّاب، وكتب يطلب مردوست، فقدم عليس فعرَّفه إشفاقَه من أبي الخطاب، ثم انحدر إلى الأهواز ومعه المناصح الجُرْجاني، واستحلف له أبا الخطاب، فلمَّا وصل إلى الطِّيبِ (٢) جاءته كتائب سلطانِ الدولة تقول: قد كاتبناكَ بالتعجيل إلى حضرتِنا، وحاجتُنا إلى الاجتماع معك ماسَّةٌ، وبَلَغنا أنَّ الأولياء بواسط خاضوا فِي منعِكَ من الإلمامِ إلينا، فإن كان ذلك كذلك فنحنُ معكَ بين أن تُخالفهم وتُبادِرَ إلى ما أمرناك به، وهو الأَولى، أو تتأخَّر، فالضرورة تدعونا إلى المسيرِ بنفوسنا. فسار مُجِدًّا، فلمَّا وصل الأهواز تلقَّاه سلطان الدولة والعساكر، وأكرمَه واحترمَه، ولمَّا نزل جاءه أبو منصور مردوست، وجمع بينه وبين أبي الخطاب ليلًا، ومشى فخرُ الملك إليه، وعاتبه أبو الخطاب، وتلطَّف به فخرُ الملك، وتحالفا وتعاهدا، وصلحتِ الحالُ صلاحًا تامًّا، وكانت المِيرةُ قد ضاقت على سلطان الدولة، وعدِمَتِ الأقواتُ، فكاتب فخرُ الملك الأطرافَ، وجلب الغِلال والميرةَ، فاتَّسع الشيءُ على الناس، ثم حملَ فخرُ الملك على سلطان الدولة الهدايا والتُّحف والطُّرف،

стр. 8632

وحمل إلى جميعِ الحاشيةِ المال والثيابَ ومراكبَ الذهب والملابسَ الفاخرة، حتَّى قالوا: ما لَبِسْنا مثل هذه. وأقام شهرين ونيِّفًا وعشرين يومًا، ثم وقع الاتفاق على عودِه إلى بغداد ليُقرِّر الأمور، وخلعَ سلطانُ الدولة عليه الخِلَعَ الجليلة فِي شعبان بالسيف والمِنْطَقة، وعليها الجواهر والقَباء، وحملَه على مراكب الذهب، وقادَ بين يديه الجنائب (١)، على كلِّ مركبٍ ألفُ مثقالٍ من الذهب، وخلع على جميع أصحابه الخِلَعَ النفيسة، وحُمِلوا على الخيل بمراكب الذهب. وفيها وصل الأميرُ أبو الفوارس ابنُ بهاء الدولة إلى محمود بن سُبُكْتِكين من كرمان إلى خراسان، فتلقَّاه وأحسن إليه، وأقام عنده أيامًا، وجهَّزه بالمال والعساكر إلى كرمان، ولم يرضَ أمورَه، وبدَتْ منه أسبابٌ أوجبَتْ إبعادَه عنه، فإنه كان إذا ركب إلى خدمة محمود يركب بالمنجوق، ويدخل عليه والدَّيلم يمشون بالسلاح بين يديه، فمنعه من ذلك، وجرى بينه وبين دارا بن قابوس بن وَشْمَكير ما جرى، بأنِ افتخر عليه أبو الفوارس وتعاظم فسقط من عين محمود. وفيها غزا محمود بن سُبُكْتِكين بلادَ الهند على رسمِه، فضلَّ أدِلَّاؤه عن الطريق، وحصل فِي مياهٍ فاضت من البحر، فغرق كثيرٌ ممَّن كان معه، وخاض الماءَ أيامًا بنفسه، وتخلَّص وعاد إلى خراسان، وكان محمود يركب الأخطار فِي أسفاره، ويهلك معه الخلق الكثير من الجند والمطوِّعةِ، والجمالِ والخيلِ وغيرِهما، ورُبَّما صحِبَه خمسون ألفًا وأكثر، فيعود فِي خمسة آلاف، ولمَّا عزم على هذه الغَزاة تخوَّفَ من كثرة الأنهار، وضِيقِ المسالك، فقصد مدينةً على بابها نهرٌ عريض لا يُمكن الخوضُ فيه، فتقدَّم بين يديه جماعةٌ فغرِقوا، فخاض بنفسه معتمدًا على السلامة فِي معظم أوقاته، وقصد أن يطوي خبرَه عن أهل البلد، فخاض بعيدًا عنه، وزاد الماءُ فِي ذلك الوقت، فغرق من الناس والجِمال شيءٌ كثيرٌ، وحمل الماءُ ذلك إلى باب البلد، فقال أهله: هذهِ واللهِ مخائلُ محمودٍ ومكايدُه. فاخذ الملِكُ ما قَدِر عليه من الأموال والجواهر والأهل وصعد الجبل، وكذا فعل أهلُ البلد، واعتصموا بالقلاع، ووصل محمود إلى

стр. 8633

المدينة وقد غَرق أصحابُه، ولاقى شدائدَ، فلم يجِدْ فيه أحدًا، وقد أحرقوا الأقوات والعلوفات، فرجعَ ولقيَ فِي طريقه أهوالًا، حتَّى ورد خراسان. وفيها ولَّى الحاكمُ ساتكين سهمَ الدولة دمشقَ، وعزلَه سنة ثمانٍ وأربع مئة. ولم يحجَّ أحدٌ فِي هذه السنة خوفًا من العرب والعطش [والجوع] (١). وفيها تُوفِّي أحمد بن محمد بن أحمد (٢) أبو حامد، الإسفراييني، الفقيه، الشافعي، قدم بغداد وهو حَدَثٌ، وأقام مشتغِلًا بالعلم، حتَّى انتهت إليه الرياسة، وعظُمَ جاهُه عند الملوك والعامّة، وكان يُدرِّس فِي مسجد عبد الله بن المبارك فِي قطيعة الربيع، ويحضر درسَه من المتفقِّهة سبعُ مئة، وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعيُّ فرح به. وكان يُحمل إليه من البلاد الزَّكوات والصدقات فيُفرِّقها، ويُجري على فقراء أصحابه فِي كلِّ شهرٍ مئة وستين دينارًا، وأعطى الحاجَّ فِي بعض السنين أربعة عشر ألف دينار، وكان يتوسط بين القادر ومحمود بن سُبُكْتِكين، وكان مُقدَّما عند عميد الجيوش، وفخر الملك، وتُوفِّي ليلة السبت لإحدى عشرة ليلةً بقيت من شوال، وله ثلاثٌ وستون سنة، ودُفِن بداره، ثم نُقِلَ إلى باب حرب سنة ست عشرة وأربع مئة، وكان ثقةً دَيِّنًا صالحًا. عبيد الله بن محمد (٣) ابن أحمد بن علي بن مِهران، أبو أحمد، الفَرَضي، المقرئ؛ قال منصور بن عمر الكَرْخي: لم أرَ مَنْ تعلَّم العلم للهِ خالصًا لا يشوبه شيءٌ من الدنيا غير أبي أحمد الفرضي. وكان أورعَ الناس، يبتدئ كلَّ يومٍ بتدريس القرآن، ويحضر عنده الشيخُ الكبيرُ

стр. 8634

وذو الهيبة، فيُقدِّم عليه الحدَثَ لأجل سَبْقِه، ثم يقرأ الحديث بنفسه، فلا يزال كذلك حتَّى يبلغ النِّهايةَ من جهده، وهو جالسٌ على حالةٍ واحدةٍ لا يعبَثُ بشيءٍ من أعضائه، ولا يُمازح أحدًا، وكان مع أهله على هذا الوصف، وأقام عشرين سنة لم يضحك، وكتب إليه أبو حامد الإسفراييني رُقعةَ شفاعةٍ فِي رجل يقرأ القرآن، فغضب ورمى الرُّقعة من يده، وقال: لا أقرأ القرآن بشفاعة. وكانت وفاتُه فِي شوال، وقد بلغ اثنتين وثمانين سنة، ودُفِنَ فِي مقبرة جامع المنصور، وكان إمامًا زاهدًا عابدًا ورعًا ثقةً. محمد بن الحسين (١) ابن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇، أبو الحسن، الشريف، الرضي، الموسوي، ولد سنة تسع وخمسين وثلاث مئة، وحفظ القرآن فِي مدَّةٍ يسيرةٍ بعد أن جاوز ثلاثين سنة، وعرف الفقه والفرائض والنحو واللغة، وقال الشِّعر وترسَّل، وكان عاليَ الهِمَّة، متديِّنًا صالحًا ورِعًا، ولقَّبه بهاءُ الدولة برضي الدين أبي الحسين، ووَليَ نقابةَ الطالبيين ببغداد، وكان جوادًا سمحًا ممَدَّحًا، طاهرَ العِرض، نقيًّا من الدَّنس، وصنَّف كتُبًا كثيرةً، منها: كتابٌ فِي معاني القرآن، يتعذَّر وجودُ مثله. وبلغ من ورعه أنَّه اشترى جزءًا من امرأة بخمسة دراهم، فوجد فيه جزءَ أبي علي بن مُقْلة، فأرسل إلى المرأة وقال: قد وجدتُ جزءًا بخطِّ ابن مُقْلَة قيمتُه خمسةُ دنانير، فإنْ شئتِ خُذي الجزء، وإنْ شئتِ خمسة دنانير. فقالت المرأة: أنا بِعْتُ الجزءَ بما فيه بخمسة دراهم، ولا آخذُ شيئًا. فألحَّ عليها، فأخذتِ الدنانير، ودَعَتْ له. وقال الخالع: مدحتُ الرضيَّ بقصيدةٍ، فجاءني غلامُه بتسعةٍ وأربعين درهمًا، فقلت: لا شكَّ أنَّ الغلام خانني. فلمَّا كان بعدَ أيام اجتزتُ بسوقِ العروس، فرأيتُ رجلًا يقول لآخر: اشترِ هذا الصحن فإنه يساوي خمسةَ دنانير، ولقد أُخرج من دار

стр. 8635

الرضي فبِيعَ بتسعةٍ وأربعين درهمًا، فعلمتُ أني مدَحْتُه وهو مُضيَّقٌ. فباع الصحنَ، وأنفذ ثمنه إليَّ. قال أبو الحسين بن محفوظ: سمعتُ جماعةً من أهل العلم بالأدب يقولون: إنَّ الرضيَّ أشعرُ قريش. قال: وهذا صحيح؛ قد كان فِي قريش مَنْ يُجيد القول، إلَّا أنَّ شِعْرَه قليلٌ، فأمَّا مُجيد مُكثِرٌ فليس إلَّا الرَّضي. وقال أبو غالب بن بِشْران: رُفِعَ إلى القادر أنَّ الرضيَّ قال أبياتًا وهي: [من الخفيف] ما (١) مُقامي على الهوانِ وعندي … مِقْوَلٌ صارمٌ (٢) وأنفٌ حَمِيُّ وإباءٌ مُحَلِّقٌ بي عن الضَّيـ … ـــمِ كما راغَ طائِرٌ وحْشِيُّ أيُّ عذرٍ لهُ إلى المجدِ إن ذُلَّ … غلامٌ فِي غِمْدِه المَشْرَفيُّ ألبَسُ الذُّلَّ فِي ديارِ الأعادي … وبِمصرَ الخليفةُ العَلويُّ مَنْ أبوهُ أبي ومولاهُ مولايَ … إذا ضامني البعيدُ القصيُّ لفَّ عِرْقي بعرقِه سَيِّدا النَّاسِ … جميعًا محمدٌ وعليُّ إنَّ خَوْفي فِي ذلِكَ الرَّبعِ أمْنٌّ … ومُقامي بذلِكَ الورْدِرِيُّ (٣) قد يُذَلُّ العزيزُ ما لم يُشمِّرْ … لانطلاقٍ وقَدْ يُضامُ الأبِيُّ كالذي يقبِسُ (٤) الظلامَ وقد أقْـ … ــــمَرَ مِنْ خلفِهِ الهلالُ المُضِيُّ فلمَّا وقف عليها القادرُ قامَتْ عليه القيامة، واستدعى أبا بكر محمد بن الطيِّب وأنفذه إلى الشريف أبي أحمد والد الرضي، وقال: قُلْ له: قد علمتَ موضِعَكَ مِنَّا ومنزِلتَكَ عندنا، ومعرِفَتَنا بصدق المُوالاةِ منك، وما تقدَّم لك فِي خدمتنا، وما لَكَ على هذه الدولة من حقوق، وليسَ من الجائز أن تكون على خليقةٍ نرضاها، ويكون ولدُكَ

стр. 8636

على ما يُضادُّها، وقد بلَغَنا أنَّه قال شِعرًا هو كذا كذا، فيا ليتَ شعري على أيِّ مُقامِ هَوانٍ وذُلّ هو عندنا، وقد فوَّضْنا إليه أجل المراتب والمناصب، وهي نقابة الطالبيين، وإمارةُ الحج، وعساه لو كان بمصر ما خرجَ عن جُملة الرعية، وما رأينا على بلوغ الامتعاض منَا مَبْلَغه أن تخرج بهذا الولد عن شكواه إليك، وإصلاحِه على يديك. فقال الشريفُ أبو أحمد: واللهِ ما عرفتُ هذا، ولا أنا وأولادي إلا خدمُ الحضرة المقدسة، والمعترفون بالحقِّ لها وبالنعمة منها، وكان مِنْ حُكم التفضُّل أن تهذبَ هذا الولدَ بإنفاذ مَنْ يحمله إلى الدار العزيزة، ثم تتقدم في تأديبه بما تفعل بأهل الغُرَّة والحداثة. فقال له محمد بن الطيب: الشريفُ يفعلُ في هذا ما تراه الحضرةُ المقدَّسة، فيزول ما خامرها به، فاستدعى الشريفُ ولديه الرضي والمُرتضى، وعاتب الرضي العتاب المستوفى، فقال: ما قلتُ هذه الأبيات ولا أعرفها. فقال: فاكتُبْ خطَّكَ للخليفةِ مثل ما كتبتَ في أمر صاحب مصر، واذكُرْه بما ذكَرْتَه من الادعاء في نسبه. قال: لا أفعل. قال: فإنك تكذبني بالامتناع من مثل قولي. فقال: ما أكَذبكَ، ولكني أخاف الدَّيلم، ومَنْ للرَّجُلِ بهذه البلاد من الدعاة. فقال: يا لَلهِ العَجَب، تخاف مَنْ هو منكَ على بلادٍ بعيدةٍ وتراقبه، وتسخط مَنْ أنت بمرأى منه ومَسْمَع، وهو قادرٌ عليكَ وعلى أهلك. وتَرَدَّدَ القولُ بينهما، وغلظَ الرضيُّ الجواب، فصاح أبوه وقام، وحلف أن لا يُقيم معه في بلد، وآلَ إلى أن أنفذَ القادرُ أبا بكر بن الطيب وأبا حامد الإسفراييني، فأخذ اليمينَ على الرضي أنه لم يقُلِ الشعرَ المنسوبَ إليه ولا يعرفه، واندرجتِ القصةُ على هذا. ذكر وفاته: تُوفي في يوم الأحد لستٍّ خَلَوْنَ من المُحرَّم، وحضر الوزير فخرُ الملك وجميعُ الأشراف والقضاة والشهود والأعيان، ودُفِنَ في داره بالكَرْخ، ومضى أخوه المرتضى إلى مشهد موسى بن جعفر؛ لأنَّه لم يستطِعْ أن ينظر إلى تابوته، وصلَّى عليه فخرُ الملك في الدار مع جماعةٍ أمهم أبو عبد الله بن المهلوس العلوي، ثم دخل الناس أفواجًا فصلُّوا عليه، وركب فخر الملك في آخر النهار إلى المشهد بمقابر قريش، فعزى المرتضى، وألزمه العَوْدَ إلى داره، ففعل، ورثاه المرتضى بمراثٍ كثيرةٍ، منها: [من الكامل]

стр. 8637

يا للرِّجال لِفَجْعَةٍ جَذَمَتْ يدي … وَوَدِدْتُها ذهبَتْ عليَّ بِراسي ما زِلْتُ آتي ورْدَها حتى أتَتْ … فحسَوْتُها في بعضِ ما أنا حاسي ومَطَلتُها زمنًا فلمَّا صَمَّمَتْ … لم يَثْنِها مَطلي وطولُ مِكاسي لا تُنْكِرا من فيضِ دمعي عَبْرةً … فالدمعُ خيرُ مساعدٍ ومواسي واهًا لِعُمرِكَ من قصيرٍ طاهرٍ … ولَرُبَّ عُمْرٍ طال بالأرجاسِ وعاش الرضيُّ ستًّا وأربعين سنة. ومن شعر الرضيِّ قال يرثي والدته: [من الوافر] أبكيكِ لو نَقعَ الغليلَ بُكائي … وأقولُ لو ذهبَ المقالُ بدائي وأعوذُ بالصبرِ الجميلِ مُعزِّيًا … لو كانَ في الصبرِ الجميل عزائي طَوْرًا تُكاثِرُني الدُّموعُ وتارةً … آوي إلى أُكْرومَتي وحيائي كم عَبْرةٍ مَوَّهْتُها بأنامِلي … وستَرْتُها مُتجمِّلًا بردائي أُبدي التجَلُّدَ للعدوِّ ولو درى … بتَملْمُلي لقد اشْتَفى أعدائي ما كنتُ أذخَرُ في فداكِ رَغيبةً … لو كان يرجِعُ ميِّتٌ بفداءِ لو (١) كان يُدفَعُ ذا الحِمامُ بقوَّةٍ … لتكدَّسَتْ عُصَبٌ وراءَ لوائي بِمُدَرَّبين (٢) على القِراعِ تفيَّؤوا … ظِلَّ الرماحِ لكل يومِ لقاءِ فارقتُ فيكِ تماسُكي وتَجمّلي … ونسيتُ فيكِ تعزُّزي وإبائي ومنها: كم زفرةٍ ضعُفَتْ فصارَتْ أنَّةً … تَمَّمْتُها بتنَفُّس الصُّعداءِ قد كنتُ آمُلُ أن أكونَ لكِ الفِدا … ممَّا ألَمَّ فكنْتِ أنتِ فدائي وجرى الزمانُ على عوائدِ كَيده … في قلبِ آمالي وعكْسِ رجائي وتفرُّقُ البُعداءُ بعد تألُّفٍ (٣) … صَعْبٌ فكيفَ تفرُّق القُرَباءِ

стр. 8638

وتداولُ الأيامِ يُبلينا كما … يُبلي الرِّشاءَ تطاوُحُ الأرْجاءِ وكأنَّ طولَ العمرِ روحةُ راكبٍ … قَضَّى اللُّغوبَ وجَدَّ في الإسراءِ لو كان مثلَكِ كلُّ أمّ بَرَّةٍ … غنِيَ البنونَ بها عنِ الآباءِ كيفَ السُّلوُّ وكلُّ موقعِ لحظةٍ … أثَرٌ لفضلِكِ خالد بإزائي شهِدَ الخلائقُ أنَّها لنجيبةٌ … بدليلِ مَنْ وَلَدَتْ من النُّجَباءِ قد كنتُ آمُلُ أن يكونَ أمامَها … يَومي وتُشْفِقُ أن تكونَ ورائي آوي إلى بَرْدِ الظِّلالِ كأنني … لتَحرُّقي آوي إلى الرَّمضاءِ يا قبرُ أمْنَحُهُ الهوى وأودُّ لو … نزفَتْ عليه دموعُ كلِّ سماءِ لَهفي على القومِ الألى غادَرتُهم … وعليهمُ طبق من البَيداءِ صُوَرٌ ضنَنْتُ على العيونِ بِلَحْظِها … أمسيتُ أُوقِرُها (١) من البَوغاءِ (٢) قَرُبَتْ ضرائحُهم على زُوَّارهم … ونأَوا عن الطُّلَّابِ أي تنائي معروفُكِ السَّاري (٣) أنيسُكِ كُلَّما … ورَدَ الظلامُ بِوَحْشةِ الغَبْراءِ وضياءُ ما قَدَّمْتِهِ من صالحٍ … لكِ في الدُّجى بَدَلٌ من الأضواءِ كَمْ آمِرٍ لي بالتَّصبُّرِ هاج لي … داءً وقَدَّرَ أنَّ ذاكَ دوائي إنَّ الذي أرضاهُ فِعْلُكِ لا يَزَلْ … تُرضيكِ رحمتُه صباحَ مساءِ من أبيات. وقال أيضًا: [من الخفيف] حيِّ بين النَّقا وبينَ المُصَلَّى … وقَفاتِ الركائبِ الأنضاءِ وَرَواحَ الحجيجِ ليلةَ جَمعِ … وبجَمْعٍ مجامِعُ الأهواءِ وتَذَكَّرْ عنِّي مُناخ مَطِيِّي … بأعالي مِنًى ومَرْسى خِبائي وقال: [من الطويل] ولمَّا أبى الأظعانُ إلَّا فراقَنا … وللْبَينِ وعدٌ ليس فيه كِذابُ

стр. 8639

رجعتُ ودمعي جازع من تجلُّدي … يرومُ نزولًا للجوى فيَهابُ وأثقلُ محمولٍ على العينِ ماؤها … إذا بانَ أحباب وعَز إيابُ وقال من أبيات: [من الطويل أيضًا] هل الطَّرْفُ يُعطي نظرةً من حَبيبِهِ … أمِ القلبُ يَلقى روعةً (١) من وَجيبِهِ (٢) وهَلْ للَّيالي عَطْفَةٌ بعد نَفرةٍ … يعودُ فتُلهي ناظرًا عن غروبِهِ أحِنُّ إلى نورِ اللِّوى في بِطاحِهِ … وأَظْما إلي ريَّا اللِّوى في هبوبِهِ وذاكَ الحِمى يغدو عليلًا نسيمُهُ … ويُمسي صحيحًا ماؤُهُ في قليبِهِ وقال أيضًا: [من الطويل] أحبُّ الثَّرى النَّجديَّ من أجْرَعِ (٣) الحِمى … كأنِّي لِمَنْ بالأجْرَعِينِ نَسيبُ إذا هبَّ عُلْويُّ النَّسيمِ رأيتَني … أَغُضُّ جُفوني أنْ يُقال مُريبُ وقال: [من الكامل] ولقد مررتُ على ديارِهم … وطُلُولُها بيدِ البِلى نَهْبُ فوقفت حتى عجَّ من عجبٍ (٤) … نِضوي (٥) ولَجَّ بِعَذْليَ الرَّكْبُ وتلفَّتَتْ عيني فمُذْ خَفِيَتْ … عنِّي الطُّلولُ تلَفَّتَ القَلْبُ قال المصنف رحمه الله تعالى: حكى لي مؤيَّدُ الدين وزيرُ الخليفة المستعصم ببغداد في سنة أربع وأربعين وست مئة، قال: مَرَّ رجلٌ بالكَرْخ على دارٍ خراب، فوقف عليها، وتمثَّل بهذه الأبيات، فقال له بعضُ الجيران: أتدري لمن هذا الشعر؟ قال: لا واللهِ. قال: هذا للرضيِّ، وهذه دارُه. فقال: [من مجزوء الرمل] مَنْ مُعيدٌ ليَ أيَّا … مي بجَزَعِ السَّمُراتِ ولياليَّ بِجَمْع … ومنًى والجَمَراتِ

стр. 8640

يا وقوفا ما وقفْنَ … في ظِلالِ السَّلَماتِ تتشاكى ما عنانا … بكلامِ العَبَراتِ آهِ مِنْ جيد إلى الدَّا … رِ طويلِ اللفَتاتِ وغرامٍ غيرِ ماضٍ … بلقاءٍ غيرِ آتِ فسقى بطنَ مِنًى والـ … ـخَيفَ صَوْبُ الغادياتِ غرسَتْ عندي غرس الـ … ـشوقِ مَمْرورَ الجَناةِ أينَ راقٍ لغَرامي … وطبيبٌ لِشَكاتي (١) وقال: [من الكامل] ذنْبي إلى البُهمِ الكوادنِ (٢) أنَّني الْطِّـ … ـرفُ (٣) المُطَهَّمُ (٤) والأغرُّ الأقرَحُ (٥) من خِيفَ خَوْفَ اللَّيثِ خُطَّ له الزُّبَى (٦) … وَعَوَتْ لِشُهرَتِهِ الكلابُ النُّبحُ يولونَني خُزْر (٧) العُيونِ لأنَّني … غَلستُ في طلب العُلا وتَصبَّحوا وجَذَبْتُ بالطِّوَلِ (٨) الذي لم يَجْذِبوا … ومَتَحْتُ بالغَرْبِ (٩) الذي لَمْ يَمْتَحوا لو لمْ يكُن لي في العيونِ مهابةٌ … لمْ يطعنِ الأعداءُ فِيَّ ويَقْدَحوا نظروا بعينِ عداوةٍ لو أنَّها … عينُ الرِّضا لاستحسنوا ما اسْتَقْبحوا وقال أيضًا: [من الطويل] خُذي نفَسي يا ريحُ مِنْ جانبِ الحِمى … فلاقي بها ليلًا نسيمَ رُبا نَجْدِ فإنَّ بذاك الجوِّ حبًّا (١٠) عهِدْتُهُ … وبالرغم منِّي أن يطولَ بهِ عَهْدي

стр. 8641

ولولا تداوي القلبِ من ألم الجَوى … بِذِكْرِ تلاقينا قَضيتُ من الوَجْدِ ويا صاحِبيَّ اليومَ عُوجا لِتسألا … رُكيبًا من الغَوْرينِ أنضاؤهم تخدي عن الحيِّ بالجرعاءِ جرعاء مالكٍ … هل ارتَبعوا واخضرَّ واديهمُ بَعْدي شممتُ بنجدٍ شِيحةً حاجِريَّةً … فأمْطَرْتُها دَمْعي وأفرَشْتُها خَدِّي ذكرتُ بها رِيَّ الحبيبِ على النَّوى … وهيهاتَ ذا يا بُعْدَ بينهما عِندي وإني لَمجلوبٌ إلى الشَّوقِ كُلَّما … تنفَّسَ شاكٍ أو تألَّم ذو وَجْدِ تعرَّض رسْلُ الشوقِ والرَّكبُ هاجدٌ … فتُوقِظني من بينِ نُوَّامِهم وَحْدي وما شَرِبَ العُشَّاقُ إلا بَقِيَّتي … وما وَرَدوا في الحبِّ إلَّا على ورْدي وقال: [من البسيط] يا قلبُ ما أنتَ من نجدٍ وساكنِهِ … خلَّفْتَ نَجْدًا وراءَ المُدْلجِ السَّاري أهفو إلى البانِ تعلو لي خمائلُه (١) … من الحِمى في أُسَيحاقٍ وأطْمارِ (٢) تفوحُ (٣) أرواحُ نجد من ثيابهِمُ … عند القدومِ لقُرْبِ العهدِ بالدَّارِ يا راكبانِ قِفا بي واقضيا وَطَري … وحدِّثانِيَ عن نجد بأخبارِ هَلْ رُوِّضَتْ قاعةُ الوعساءِ أمْ مُطِرَتْ … خميلةُ الطَّلْحِ ذاتِ البانِ والغارِ أم هَلْ أبيتُ ودار عند كاظمة … داري وسُمَّارُ ذاكَ الحيِّ سُمَّاري فَلمْ يزالا إلى أن نَمَّ بي نفَسي … وحدَّثَ الركبَ عنِّي دمعيَ الجاري وقال أيضًا: [من الرجز] يا نفسُ إِنْ عَنَّ المُرادُ فخُذي … إن كنتِ يومًا تأخذينَ أو ذَري نُهزةُ مجدٍ كنتُ في طِلابِها … لمثلِها يَنْصُفُ ساقي مئزري وكيفَ بالعيشِ الرَّطيبِ بعدَما … حَطَّ المشيبُ رحْلَهُ في شَعَري عُمْرُ الفتى شبابُهُ وإنَّما … آونةُ الشَّيب انقِضاءُ العُمُرِ

стр. 8642

ألا صديقٌ في الزَّمانِ ماجدٌ … أشكو إليه عُجَري وبُجَري يَعتِقُ من رِقِّ الهوى حُشاشة … عجَّتْ من الضَّيمِ عجيجَ الأدْبَرِ (١) ما أنا إلَّا النَّصْلُ مغمودًا ولَوْ … جرَّدني الرَّوعُ لَبانَ جوهري دونَكَ فانْظُرْ إن جهِلْتَ مَخْبري (٢) … فرُبَّما دَلَّ عليَّ منظري يا قدمي دونَكَ مَسْعاةَ العُلى … قد ضَمِنَ الإقبالُ أن لا تَعثِرِي وقال: [من الطويل] ألا هَلْ إلى ظِلِّ الأثيلِ تخلُّصٌ … وهَلْ لِثَنيَّاتِ الغُوَيرِ طُلوعُ وهَلْ لِليالينا الطِّوالِ تَصَرمٌ … وهَلْ لِلَيالينا الْقِصارِ رُجوعُ (٣) وقال: [من الكامل] لا يُبْعِدِ اللهُ الذين نَأَوا … وقَفَ الغرامُ بنا وما وقفوا لم أنْسَ موقِفنَا وموقفَهمْ … يومَ النَّوى ودموعُنا تَكِفُ حبلٌ غدا بأكُفِّنا طَرَفٌ … منهُ وفي أيدي النَّوى طَرَفُ هَلْ حُسْنُ ذاكَ العهدِ مُرْتَجَعٌ … أمْ طيبُ ذاكَ العيشِ مؤتنَفُ أم هلْ يُباحُ الورْدُ ثانية … وَيَلذُّ ذاك الماءَ مُرْتَشِفُ (٤) وله: [من الخفيف] أيُّها الرَّائحُ المُغِذُّ تَحَمَّلْ … حاجة للمتيَّمِ المشتاقِ أقرِ عنِّي السلامَ أهلَ المُصلَّى … فبلاغُ السَّلامِ بعض التلاقِ وإذا ما مررتَ بالخَيفِ فاشْهَدْ … أنَّ قلْبي إليهِ بالأشواقِ وإذا ما سُئِلْتَ عنِّي فقُلْ: نِضـ … ـو هَوًى ما أظنُّه اليومَ باقِ ضاع قلبي فانشُدْه لي بينَ جَمْعٍ … ومنًى عندَ بعضِ تِلْكَ الحِدَاقِ

стр. 8643

وابْكِ عنِّي فطالما كنت من قَبْلٍ … أُعيرُ الدُّموعَ للعُشَّاقِ (١) وقال أيضًا: [من مجزوء الرمل] اشْتَرِ العِزَّ بما بِيـ … ـع فما العِزُّ بِغَالِ بالقِصارِ البيض (٢) إن شئـ … ت وبالسُّمْرِ العوالي ليس بالمغبونِ عقلًا … من شرى عِزًّا بمالِ إنَّما يُدَّخَرُ الما … لُ لحاجاتِ الرِّجالِ والفتى مَنْ جَعَلَ الأَمـ … وال أثمانَ المعالي وقال: [من الطويل] وإنِّي إذا اصْطَكَّتْ رِقابُ مَطِيِّكُمْ … وثَورَ حادٍ بالرفاقِ عجولُ أُخالِفُ وَضْعَ الرَّاحتينِ على الحشا … وأنظُرُ أنِّي مُلتَمٍ فأميلُ (٣) وقال [من الطويل]: مُقيمٌ بأطرافِ الثَّنايا صبابةً … أُسائِلُ عن أظعانِكُمْ كُلَّ قادِمِ وأسألُ خَفَّاقَ النسيمِ إذا حدا … من الغرب أعناقَ المَطيِّ الرَّواسِمِ وأستشرفُ الأعلامَ حتى تَدُلَّني … على طِيبها مرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ وما أنسُمُ الأرواحَ إلَّا لأنَّها … تمرُّ على تلك الرُّبا والمعالِمِ (٤) وقال أيضًا [من الطويل]: وليسَ الفتى إلَّا الذي إن رأيتَهُ … رأيتَ غنيَّ النَّفْسِ في ثوب مُعْدمِ وفي نظري عنوانُ ما بين أضلُعي … ورُبَّ لَحَاظٍ نائب عن تَكَلُّمِ ومن جعل القلبَ الجريء أمامَهُ (٥) … فكل ظلامٍ عنده غيرُ مُظلِمِ وقال: [من البسيط]

стр. 8644

لا يُذكَرُ الرَّمْلُ إلَّا حَنَّ مُغترِبٌ … لهُ بذي الرمل (١) أوطارٌ وأطانُ تهفو إلى البانِ من قلبي نوازِعُهُ … وما بي البانُ بَلْ مَنْ دارُهُ البانُ أسُدُّ سمعي إذا غنَّى الحَمامُ بِهِ … أَلَّا يُهَيِّجَ سِرَّ الوَجْدِ إعلانُ إذا تلفَّتُّ في أطلالِها ابتدرَتْ … للعينِ والقلبِ أمواهٌ نيرانُ وقال: [من البسيط] يا طائرَ البانِ غِرِّيدًا على فَنَنٍ … ما هاجَ نَوْحُكَ لي يا طائرَ البانِ هل أنتَ مُبْلِغُ مَنْ هامَ الفؤادُ بِهِ … إنَّ الطليقَ يؤدِّي حاجةَ العاني جِنايَةً ما جناها غيرُ مُقْلَتِهِ … يومَ الرحيلِ وَوَاشوقا إلى الجاني لولا تذكُّرُ أيامي بذي سَلَمٍ … وعندَ رامةَ أوطاري وأوطاني لَما قدَحْتُ بنارِ الشَوقِ في كبدي … ولا بَلَلْتُ بماءِ العينِ أجفاني (٢) وقال: [من الطويل] فيا بانتَي بطنِ العقيقِ سُقِيتُما … بماءِ الغَوادي بعدَ ماءِ شُؤوني أُحِبكما والمستجِنَّ بطَيبةٍ … مَحبةَ ذُخْرٍ باتَ عند ضنينِ (٣) وقال: [من الطويل] أقولُ لركْبٍ رائحينَ لعلكُمْ … تَحُلُّونَ من بعدي العقيقَ اليمانيا خُذوا نظرةً منِّي فلاقُوا بِها الحِمى … ونَجْدًا وكُثبانَ اللِّوى والمَطاليا ومُرُّوا على أبياتِ حيٍّ برامةٍ … وقولوا لديغ يبتغي اليومَ راقيا وقولوا لجيرانٍ على الخَيفِ من منًى … تُراكُمْ مَنِ اسْتبدلْتُمُ بجواريا ومَنْ وردَ الماءَ الذي كنتُ واردًا … لهُ ورعى العُشبَ (٤) الذي كنتُ راعيا فوالهفَتي كَمْ لي على الخَيفِ شهقةً … تذوبُ عليها قطعةٌ من فؤاديا

стр. 8645

ترحَّلْتُ عنكُمْ لي أمامي نظرةٌ … وعشرٌ وعشرٌ بَعْدَكُمْ مِنْ (١) ورائيا وقال أيضًا: [من الطويل] فعندي زفيرٌ ما تَرقَّى إلى الحشى … وعندي دموعٌ ما بَلغْنَ المآقيا ولا خيرَ في الدنيا إذا كنتُ حاضرًا … وكان الذي يغرى بهِ القلبُ نائيا وما شِبْتُ من طولِ السِّنينَ وإنَّما … غُبارُ قضايا الدَّهرِ غطَّى سواديا وما كلُّ مَنْ أومى إلى العزِّ نالهُ … ودونَ العُلى ضربٌ يُدَمِّي النَّواصيا (٢) ومن نثره: وما أنا إلَّا غرسُه الذي سقاه ماء الكرم، فأثمر الكَلِم، وحسامُه الذي حَلاه، فأهدى إليه من حُلاه. السنة السابعة وأربع مئة فيها في يوم الجمعة سابعَ مُحرَّم توجَّه فخر الملك من بغداد إلى الأهواز، وقُبِضَ عليه، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها كانت وقعةٌ بين سلطان الدولة أبي شجاع وأخيه أبي الفوارس، فانهزم أبو الفوارس بعد ما دخل شيراز وملَكَها. قال هلال بن الصابئ: في يوم الاثنين سابع مُحرم خرج سلطان الدولة من الأهواز لقتال أبي الفوارس، وقدم بين يديه الدَّيلمَ والعساكرَ، وكان أبو الفوارس في شيراز، فخرجَ منها لسبع بقينَ من ربيع الآخر، ولم يتبَعْه أحدٌ من عسكر سلطان الدولة، ودخلَ سلطانُ الدولة البلدَ، وقصد أبو الفوارس كرمان، وتسلَّل إليه الدَّيلم، وكان سلطانُ الدولة قد استوزَرَ الأوحَدَ أبا محمد، فأساء إلى الدَّيلم، وقبض عليهم، فمضَوا إلى أبي الفوارس، وبعث الأوحدُ الجواسيسَ خلفَه، فعادوا، وأخبروه أنَّه (٣) أخذَ طريقَ إصْطَخر على ضعفٍ وقلَّةٍ، فأشار الأوحدُ بتجريد عساكر خَلْفَه، فقال سلطان الدولة: أنا أتبَعُه. فخرج من شيراز، وبلغ أبا الفوارس، فقيل له: ارجِعْ إلى شيراز، فإنَّ أموال

стр. 8646

سلطانَ الدولة وخزائنَه بها. فلم يقبَلْ، وكان محمود بن سُبُكْتِكين قد جهَّز مع أبي الفوارس عسكرًا كثيفًا مع بعض خواصِّه، فاستشعر منه، فقبضه، وانهزم أبو الفوارس إلى خراسان وقد فسد الحالُ بينه وبين محمود. وفيها احترق مشهد الحسين ﵇، وسببه أنَّ القُوَّام أوقدوا الشمع بالليل، وغفلوا عنه، فوقعت شمعةٌ في أصل التأزير (١) فأحرقَتْه، ودبَّتِ النار إلى القبة وغيرِها فأحرقت الجميع. وفيها تشعَّث الركن اليماني من البيت الحرام، ووقع الحائط الذي بين يدي قبر النبي ﷺ ، وانكشفتِ القبورُ، وطلَعَ كوكبُ الذؤابة، ووقعت القبة الكبيرة التي على صخرة بيت المقدس (٢). و [فيها] تُوفِّي الأُصيفر الذي كان يمكُس الحاجَّ كلَّ سنة ويحقرهم. وفيها ملك محمود بن سُبُكْتِكين خُوارَزم، وسببه أنها كانت لمأمون بن مأمون خُوارَزم شاه، وكان قد صاهر محمود على أخته، وبينهما مودة وصداقة، وكان لمأمون أخٌ يقال له: علي، وله صاحب يُعرف بخمارتاش، وكان عليٌّ يهواه، فلمَّا تُوفِّي عليٌّ انتقل إلى أخيه مأمون، فلم يجِدْ عنده ما كان يجِدُ من مولاه، فشقَّ عليه وراسله، وقال: قد أنزلتني عن منزلتي، والواجب إنْ لم تجِدني عليها أن ترُدَّني إليها. فأجابه جوابًا لم يَرْضَه، فأفسد عليه الغلمانُ الداريَّة، ودسَّ إلى التُّرك مَنْ أوحشَهم، فأقاموا ابنًا لعليِّ وأمَّروه، وألزموا مأمونًا تسليم الأمر إليه، وتقبيل الأرضِ بين يديه، ولم يقنع خمارتاش بهذا، حتى أمرَ الغِلمانَ فقتلوه، وعُرِّفَ محمود، وكان ببَلْخ، فسار إلى خُوارَزم ففتحها، وقتَلَ خمارتاش وقَتَلَةَ مأمودب وصلبَهم، ونقل عامَّةَ أهل البلد والجُند إلى بلاد الهند، ورتب أصحابه بدلًا منهم، وأخذ الأموال والخزائن، وعاد إلى بَلْخ. وفيها خُلِعَ على الأوحدِ أبي محمد الحسن بن الفضل الرَّامَهُرمزي خِلَعَ الوزارة مِنْ قِبلِ سلطان الدولة، وهو الذي بنى سورَ الحائِرِ بمشهد الحسين (﵁).

стр. 8647

ولم يحجَّ في هذه السنة أحدٌ من العراق خوفًا من العرب [والعطش] (١). وفيها تُوفِّي أحمد بن محمد (٢) ابن يوسف بن محمد بن دُوسْت، أبو عبد الله، البَّزاز، ولد في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة، وكان حافظًا متقنًا. وقال حمزة بن محمد بن طاهر: قلت لابن دُوستْ: أراكَ تُملي المجالس من حفظك، فلِمَ لا تملي من كتاب؟ فقال: أنظرُ فيما أمليتُ، فإن كان في ذلك خطأٌ لم أُمْلِ من حفظي، وإن كان جميعُه صوابًا، فما الحاجةُ إلى كتاب؟! وكانت وفاتُه في رمضان، ودُفِنَ عند منارة جامع المنصور، وقد تكلَّموا فيه. سليمان بن الحكم (٣) والي الأندلس، وثب عليه رجلان من عسكره -أحدهما اسمه علي، والآخر القاسم- وادَّعيا أنهما من ولد الحسين بن علي، وتغلَّبا على الأندلس، [وكانت مدَّة ولاية سليمان ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وانقطعت ولايتُه لبني أمية عن الأندلس]، وعادت سنة أربع عشرة وأربع مئة، فكانت مُدَّة خروجها عنهم سبعَ سنين وثمانيةَ أشهر وأيامًا، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. عبد العزيز بن عثمان بن محمد (٤) أبو محمد، القَرْقَساني، الصوفي، شيخ الشام في وقته، وصاحب المجاهدات، سمع الكثير، وسكن دمشقَ حتى ماتَ بها، وكان ثقةً.

стр. 8648

عبد الملك بن محمد بن إبراهيم (١) أبو سعد، النَّيسابوري، الواعظ [ويُعرف بالخَرْكوشي؛ ذكره أبو عبد الله الحاكم في تاريخه، والخطيب، والحافظ ابن عساكر]. وتفقَّه وتزهد، وجالس الزُّهاد والمُجرَّدين، [وسمع بنيسابور القاضي محمد بن يحيى وأبا عمرو، وابن نُجيد، وأبا علي الرَّقاء الهروي، وغيرهم، وتفقَّه للشافعي على أبي حسن الماسَرْجسي، ثم] توجَّه إلى مكة فجاور بها، وسمع الحديث من أهلها والواردين إليها، ثم انصرف إلى وطنه بنيسابور وقد أنجزَ اللهُ موعودَه فيه، على لسان نبيِّه ﷺ [في حديث أبي هريرة (﵁)، عن النبي ﷺ ] أنه قال: "إذا أحبَّ اللهُ عبدًا أمرَ جبريل ﵇ أن يُنادي في السماء: أن الله تعالى يُحِبُّ فلانا فأحِبُّوه" … الحديث (٢). فلزِمَ (٣) منزِلَه، وبذلَ المال والنفس، وعمَّر القناطرَ والجسورَ والحِياضَ، وكسا الفقراءَ، وبنى المساجد، وداوى المرضى، وصنَّف في علوم الشريعة الكتبَ، ودلائلَ النبوة، وسِيَرَ العُبَّادِ والزُّهَّاد، [وأثنى عليه الحاكم ثناءً كثيرًا، وذكره الخطيب فقال: قَدِم بغداد حاجًّا فحدث بها] وكان عابدا زاهدًا ثقة [وحدَّث بدمشق]، وكان له بنيسابور قبول عظيمٌ، وجاهٌ عرض، وقبره بها ظاهِرٌ يُزار. علي بن الحسن بن القاسم (٤) الصوفي، يُعرَفُ بابن المترفِّق، ومن شعره: [من الوافر] وأصبِرُ عن زيارتِكُمْ لأنِّي … إذا ما زُرتُكُمْ زادَ اشتياقي تُنغِّصُني السرورَ بِكُمْ همومي … لِما ألقاهُ من مَضَضِ الفراقِ فما لي راحةٌ في البُعْدِ عنكُمْ … ولا لي سلوةٌ عندَ التلاقي

стр. 8649

[وفيها تُوفِّي] محمد بن أحمد بن القاسم (١) ابن إسماعيل، أبو الحسين، الضبِّي، القاضي، ويعرف بابن المَحامِلي، حفظ القرآن، وسمع الحديث، وكان جامعًا للعلوم، وتوفي ببغداد في رجب، وكان ثقة. [وفيها تُوفّي] محمد بن علي بن خلف (٢) أبو غالب، فخر الملك الوزير، أصله من واسط، وكان أبوه صيرفيًّا، فتنقَّلت (٣) به الأحوال إلى خدمة بهاء الدولة، فاستوزره، وبعثه نائبًا عنه إلى بغداد، وكان جوادًا سمحًا، أثر ببغداد الآثار الجميلة، ولمَّا وَليَ الوزارةَ أعطى كلَّ واحدٍ من حاشية الملك مئةَ دينار، ودستًا من الثياب، وسد البثوق، وعَمَرَ سوادَ الكوفة، وعمل الجسر ببغداد، وعَمِلَ له درابزينات، وكان قد بطل، وعمل المارستان، وكانت دارُه على الحريم الطاهري يُقال لها: الفخرية، وكانت للمتَّقي لله، وابتاعها عِزُّ الدولة بختيار، وخربت، فعَمَرَها فخرُ الملك، وغرم عليها أموالًا كثيرة، وكان الفراغُ منها في رمضان سنة اثنتين وأربع مئة، وعصَفَتْ ريحٌ ببغداد فقصفت أكثرَ من عشرين ألف نخلة، فاستعملَ فخرُ الملك أكثرَها في داره. وكان كثيرَ الصَّلاة والصِّلاتِ، يُجري على الفقراء والعلماء من بغداد إلى شيراز، وكسا في يوم ألف فقير، وسنَّ تفرقة الحلوى في النصف من رمضان، وأهمل بعض الواجبات، فعوقب (٤) سريعًا، وذلك أنَّ بعضَ خواصِّه قتَلَ رجلًا ظلمًا، فتصدَّت له زوجةُ المقتول، فكانت تستغيثُ ولا يلتفتُ إليها، فوقفَتْ له بمشهد باب التبن وقد جاء

стр. 8650

للزيارة، فقالت [له]: يا محمد، القصصُ التي كنتُ أرفعُها إليك ولا تلتفتُ إليها قد رفعتُها إلى الله، وأنا منتظرةٌ خروج التوقيع من جهته. فلمَّا قُبِضَ عليه قال لبعض أصحابه: لا شكَّ أن توقيع تلك المرأة قد خرج. وقتله سلطانُ الدولة بالأهواز، وكان عمرُه اثنتين وخمسين سنة وأشهر، وأخذ من ماله نيِّفًا وست مئة ألف دينار سوى الضياعات والثياب والفرش والآلات، وقيل: إنَّه وُجِدَ له ألف ألف ومئتا ألف دينار، و [كان] الذي أثار هذه الأموال أبو علي الرُّخَّجي الوزير، وكانت ودائعَ عند الناس، وكان فخرُ الملك لمَّا فتح قلعة بدر بن حسنويه وأخذ منها تلك الأموال العظيمة، احتجزَ لنفسه ما يزيدُ على ثلاثة آلاف ألف دينار، وأودَعَها عند جماعة، فوقف الرُّخَّجي على تذكرة بخطِّ فخر الملك، فاستخرجها من غير أن يُفزعَ أحدًا [بعصاة، لما نذكر في ترجمة الرُّخَّجي]. وقيل: أخذ منه -زيادةً على ما ذكرنا- ثلاثين ألف ألف دينار (١)، ومن الجواهر واليواقيت ما يساوي ألفي ألف دينار. وقال هلال بن الصابئ: وفي يوم الجمعة سابع مُحرَّم برز فخر الملك إلى معسكره متوجِّهًا إلى سلطان الدولة إلى الأهواز الدفعة الثانية، وذلك أنَّه لمَّا عاد إلى بغداد أقام فيها ثلاثةَ أشهر، ووردتْ كتُبُ سلطان الدولة، وأبو الخطاب والأمير (٢) أبو المسك يُعلِمونه فيها حصول أبي الفوارس بن بهاء الدولة بفارس (٣)، وتوجّهه إلى أَرَّجان، وانصراف الأوحد وخُمارتكين البهي من بين يديه، ويحثُّونه على المبادرة، فسار إلى واسط، والكتب تتواتر إليه مع الرِّكابِيَّة، ووافى فوَّهة نهر العباس خامس صفر، وشغَبَ الجندُ، وطلبوا الأرزاق، فاتَّهمه أبو الخطاب أنه وضعهم على ذلك، وتجدَّدت الوحشة أضعافَ ما كانت، وسكَّنَ فخرُ الملك الغِلْمانَ، واتَّفق أنَّ أبا الخطاب مرض وأُرجِفَ عليه، ونُقل إليه أنَّ فخر الملك أحضر المُنجِّمين وقالوا: عليه قطع. فقال أبو الخطاب: سوف نرى مَنْ عليه القطع. قال أبو منصور بن مردُوسْت: فقلتُ لفخر الملك: أبو الخطاب متنكِّرٌ عليك، وقد بلغه عنك ما أوغر صدرَه، فقُمْ بنا الليلةَ نمضي
следующие страницы →