سلطانَ الدولة وخزائنَه بها. فلم يقبَلْ، وكان محمود بن سُبُكْتِكين قد جهَّز مع أبي الفوارس عسكرًا كثيفًا مع بعض خواصِّه، فاستشعر منه، فقبضه، وانهزم أبو الفوارس إلى خراسان وقد فسد الحالُ بينه وبين محمود.
وفيها احترق مشهد الحسين ﵇، وسببه أنَّ القُوَّام أوقدوا الشمع بالليل، وغفلوا عنه، فوقعت شمعةٌ في أصل التأزير (١) فأحرقَتْه، ودبَّتِ النار إلى القبة وغيرِها فأحرقت الجميع.
وفيها تشعَّث الركن اليماني من البيت الحرام، ووقع الحائط الذي بين يدي قبر النبي ﷺ ، وانكشفتِ القبورُ، وطلَعَ كوكبُ الذؤابة، ووقعت القبة الكبيرة التي على صخرة بيت المقدس (٢).
و [فيها] تُوفِّي الأُصيفر الذي كان يمكُس الحاجَّ كلَّ سنة ويحقرهم.
وفيها ملك محمود بن سُبُكْتِكين خُوارَزم، وسببه أنها كانت لمأمون بن مأمون خُوارَزم شاه، وكان قد صاهر محمود على أخته، وبينهما مودة وصداقة، وكان لمأمون أخٌ يقال له: علي، وله صاحب يُعرف بخمارتاش، وكان عليٌّ يهواه، فلمَّا تُوفِّي عليٌّ انتقل إلى أخيه مأمون، فلم يجِدْ عنده ما كان يجِدُ من مولاه، فشقَّ عليه وراسله، وقال: قد أنزلتني عن منزلتي، والواجب إنْ لم تجِدني عليها أن ترُدَّني إليها. فأجابه جوابًا لم يَرْضَه، فأفسد عليه الغلمانُ الداريَّة، ودسَّ إلى التُّرك مَنْ أوحشَهم، فأقاموا ابنًا لعليِّ وأمَّروه، وألزموا مأمونًا تسليم الأمر إليه، وتقبيل الأرضِ بين يديه، ولم يقنع خمارتاش بهذا، حتى أمرَ الغِلمانَ فقتلوه، وعُرِّفَ محمود، وكان ببَلْخ، فسار إلى خُوارَزم ففتحها، وقتَلَ خمارتاش وقَتَلَةَ مأمودب وصلبَهم، ونقل عامَّةَ أهل البلد والجُند إلى بلاد الهند، ورتب أصحابه بدلًا منهم، وأخذ الأموال والخزائن، وعاد إلى بَلْخ.
وفيها خُلِعَ على الأوحدِ أبي محمد الحسن بن الفضل الرَّامَهُرمزي خِلَعَ الوزارة مِنْ قِبلِ سلطان الدولة، وهو الذي بنى سورَ الحائِرِ بمشهد الحسين (﵁).
стр. 8647
ولم يحجَّ في هذه السنة أحدٌ من العراق خوفًا من العرب [والعطش] (١).
وفيها تُوفِّي
أحمد بن محمد (٢)
ابن يوسف بن محمد بن دُوسْت، أبو عبد الله، البَّزاز، ولد في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة، وكان حافظًا متقنًا.
وقال حمزة بن محمد بن طاهر: قلت لابن دُوستْ: أراكَ تُملي المجالس من حفظك، فلِمَ لا تملي من كتاب؟ فقال: أنظرُ فيما أمليتُ، فإن كان في ذلك خطأٌ لم أُمْلِ من حفظي، وإن كان جميعُه صوابًا، فما الحاجةُ إلى كتاب؟!
وكانت وفاتُه في رمضان، ودُفِنَ عند منارة جامع المنصور، وقد تكلَّموا فيه.
سليمان بن الحكم (٣)
والي الأندلس، وثب عليه رجلان من عسكره -أحدهما اسمه علي، والآخر القاسم- وادَّعيا أنهما من ولد الحسين بن علي، وتغلَّبا على الأندلس، [وكانت مدَّة ولاية سليمان ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وانقطعت ولايتُه لبني أمية عن الأندلس]، وعادت سنة أربع عشرة وأربع مئة، فكانت مُدَّة خروجها عنهم سبعَ سنين وثمانيةَ أشهر وأيامًا، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
عبد العزيز بن عثمان بن محمد (٤)
أبو محمد، القَرْقَساني، الصوفي، شيخ الشام في وقته، وصاحب المجاهدات، سمع الكثير، وسكن دمشقَ حتى ماتَ بها، وكان ثقةً.
стр. 8648
عبد الملك بن محمد بن إبراهيم (١)
أبو سعد، النَّيسابوري، الواعظ [ويُعرف بالخَرْكوشي؛ ذكره أبو عبد الله الحاكم في تاريخه، والخطيب، والحافظ ابن عساكر]. وتفقَّه وتزهد، وجالس الزُّهاد والمُجرَّدين، [وسمع بنيسابور القاضي محمد بن يحيى وأبا عمرو، وابن نُجيد، وأبا علي الرَّقاء الهروي، وغيرهم، وتفقَّه للشافعي على أبي حسن الماسَرْجسي، ثم] توجَّه إلى مكة فجاور بها، وسمع الحديث من أهلها والواردين إليها، ثم انصرف إلى وطنه بنيسابور وقد أنجزَ اللهُ موعودَه فيه، على لسان نبيِّه ﷺ [في حديث أبي هريرة (﵁)، عن النبي ﷺ ] أنه قال: "إذا أحبَّ اللهُ عبدًا أمرَ جبريل ﵇ أن يُنادي في السماء: أن الله تعالى يُحِبُّ فلانا فأحِبُّوه" … الحديث (٢). فلزِمَ (٣) منزِلَه، وبذلَ المال والنفس، وعمَّر القناطرَ والجسورَ والحِياضَ، وكسا الفقراءَ، وبنى المساجد، وداوى المرضى، وصنَّف في علوم الشريعة الكتبَ، ودلائلَ النبوة، وسِيَرَ العُبَّادِ والزُّهَّاد، [وأثنى عليه الحاكم ثناءً كثيرًا، وذكره الخطيب فقال: قَدِم بغداد حاجًّا فحدث بها] وكان عابدا زاهدًا ثقة [وحدَّث بدمشق]، وكان له بنيسابور قبول عظيمٌ، وجاهٌ عرض، وقبره بها ظاهِرٌ يُزار.
علي بن الحسن بن القاسم (٤)
الصوفي، يُعرَفُ بابن المترفِّق، ومن شعره: [من الوافر]
وأصبِرُ عن زيارتِكُمْ لأنِّي … إذا ما زُرتُكُمْ زادَ اشتياقي
تُنغِّصُني السرورَ بِكُمْ همومي … لِما ألقاهُ من مَضَضِ الفراقِ
فما لي راحةٌ في البُعْدِ عنكُمْ … ولا لي سلوةٌ عندَ التلاقي
стр. 8649
[وفيها تُوفِّي]
محمد بن أحمد بن القاسم (١)
ابن إسماعيل، أبو الحسين، الضبِّي، القاضي، ويعرف بابن المَحامِلي، حفظ القرآن، وسمع الحديث، وكان جامعًا للعلوم، وتوفي ببغداد في رجب، وكان ثقة.
[وفيها تُوفّي]
محمد بن علي بن خلف (٢)
أبو غالب، فخر الملك الوزير، أصله من واسط، وكان أبوه صيرفيًّا، فتنقَّلت (٣) به الأحوال إلى خدمة بهاء الدولة، فاستوزره، وبعثه نائبًا عنه إلى بغداد، وكان جوادًا سمحًا، أثر ببغداد الآثار الجميلة، ولمَّا وَليَ الوزارةَ أعطى كلَّ واحدٍ من حاشية الملك مئةَ دينار، ودستًا من الثياب، وسد البثوق، وعَمَرَ سوادَ الكوفة، وعمل الجسر ببغداد، وعَمِلَ له درابزينات، وكان قد بطل، وعمل المارستان، وكانت دارُه على الحريم الطاهري يُقال لها: الفخرية، وكانت للمتَّقي لله، وابتاعها عِزُّ الدولة بختيار، وخربت، فعَمَرَها فخرُ الملك، وغرم عليها أموالًا كثيرة، وكان الفراغُ منها في رمضان سنة اثنتين وأربع مئة، وعصَفَتْ ريحٌ ببغداد فقصفت أكثرَ من عشرين ألف نخلة، فاستعملَ فخرُ الملك أكثرَها في داره.
وكان كثيرَ الصَّلاة والصِّلاتِ، يُجري على الفقراء والعلماء من بغداد إلى شيراز، وكسا في يوم ألف فقير، وسنَّ تفرقة الحلوى في النصف من رمضان، وأهمل بعض الواجبات، فعوقب (٤) سريعًا، وذلك أنَّ بعضَ خواصِّه قتَلَ رجلًا ظلمًا، فتصدَّت له زوجةُ المقتول، فكانت تستغيثُ ولا يلتفتُ إليها، فوقفَتْ له بمشهد باب التبن وقد جاء
стр. 8650
للزيارة، فقالت [له]: يا محمد، القصصُ التي كنتُ أرفعُها إليك ولا تلتفتُ إليها قد رفعتُها إلى الله، وأنا منتظرةٌ خروج التوقيع من جهته. فلمَّا قُبِضَ عليه قال لبعض أصحابه: لا شكَّ أن توقيع تلك المرأة قد خرج.
وقتله سلطانُ الدولة بالأهواز، وكان عمرُه اثنتين وخمسين سنة وأشهر، وأخذ من ماله نيِّفًا وست مئة ألف دينار سوى الضياعات والثياب والفرش والآلات، وقيل: إنَّه وُجِدَ له ألف ألف ومئتا ألف دينار، و [كان] الذي أثار هذه الأموال أبو علي الرُّخَّجي الوزير، وكانت ودائعَ عند الناس، وكان فخرُ الملك لمَّا فتح قلعة بدر بن حسنويه وأخذ منها تلك الأموال العظيمة، احتجزَ لنفسه ما يزيدُ على ثلاثة آلاف ألف دينار، وأودَعَها عند جماعة، فوقف الرُّخَّجي على تذكرة بخطِّ فخر الملك، فاستخرجها من غير أن يُفزعَ أحدًا [بعصاة، لما نذكر في ترجمة الرُّخَّجي]. وقيل: أخذ منه -زيادةً على ما ذكرنا- ثلاثين ألف ألف دينار (١)، ومن الجواهر واليواقيت ما يساوي ألفي ألف دينار.
وقال هلال بن الصابئ: وفي يوم الجمعة سابع مُحرَّم برز فخر الملك إلى معسكره متوجِّهًا إلى سلطان الدولة إلى الأهواز الدفعة الثانية، وذلك أنَّه لمَّا عاد إلى بغداد أقام فيها ثلاثةَ أشهر، ووردتْ كتُبُ سلطان الدولة، وأبو الخطاب والأمير (٢) أبو المسك يُعلِمونه فيها حصول أبي الفوارس بن بهاء الدولة بفارس (٣)، وتوجّهه إلى أَرَّجان، وانصراف الأوحد وخُمارتكين البهي من بين يديه، ويحثُّونه على المبادرة، فسار إلى واسط، والكتب تتواتر إليه مع الرِّكابِيَّة، ووافى فوَّهة نهر العباس خامس صفر، وشغَبَ الجندُ، وطلبوا الأرزاق، فاتَّهمه أبو الخطاب أنه وضعهم على ذلك، وتجدَّدت الوحشة أضعافَ ما كانت، وسكَّنَ فخرُ الملك الغِلْمانَ، واتَّفق أنَّ أبا الخطاب مرض وأُرجِفَ عليه، ونُقل إليه أنَّ فخر الملك أحضر المُنجِّمين وقالوا: عليه قطع. فقال أبو الخطاب: سوف نرى مَنْ عليه القطع. قال أبو منصور بن مردُوسْت: فقلتُ لفخر الملك: أبو الخطاب متنكِّرٌ عليك، وقد بلغه عنك ما أوغر صدرَه، فقُمْ بنا الليلةَ نمضي
стр. 8651
إليه وتعتذرُ إليه عمَّا نُقِلَ عنك. فقال: عُدْ إليَّ آخرَ النهار. فعُدْتُ، وإذا به غيرَ الذي أعهدُه، فتعلَّل عليَّ وقال: حتى أنظُر. فلمَّا كان يوم الاثنين لأربعٍ بَقِين من ربيع الأول ركبَ -على عادته- إلى مضرب سلطان الدولة، فعُدِلَ به إلى خَركاة (١)، وأُخِذَ قَباؤه وعِمامتُه، واعتُقِلَ فيها، واحتاطوا على خيمته وما فيها من الخزائن والأموال والغِلْمان والخيل وجميع ما فيها، وقُبِضَ على ولده الأشرف أبي الحسين وعلى حُجَّابه وخواصِّه، ثمَّ حُمِلَ من الخَركاة إلى مكانٍ فقتلوه، فكانت مدةُ عمره اثنتين وخمسين سنة وأحدَ عشر شهرًا وأربعة أيام قمرية، ومدَّةُ نظره في العراق خمس سنين وأربعة أشهر واثني عشر يومًا.
وكان عزَمَ سلطانُ الدولة أن يحمِلَه معه إلى أَرَّجان ويعتقله في بعض القلاع هناك، فخُوِّفَ منه، وقيل له: ما الذي يؤمِّنُكَ أن يعمل حيلةً يتخلَّص بها ويكون شرًّا على دولتك من كلِّ أحدٍ. فاستقرَّ الأمرُ على أن يَكْحُلَه ويحمِلَه مكحولًا إلى بعض القلاع، فقال له بعض أعدائه: قد عزَمَ الغِلْمان على أن يهجموا ويأخذوه من أيديكم. ولم يكُنْ لذلك أصلٌ. فقال أبو محمد بن سهلان وأبو منصور بن مَرْدوست: ما الفائدةُ في إبقائه؟ فقُتِلَ.
وكان طلق الوجهِ، حُلوَ اللفظِ، كثيرَ البِشْرِ، واسعَ الصدرِ، تنقَّل بين صغيرِ الأعمالِ وكبيرِها، واستُعمِلَ بيسير الأمور وكبيرِها، بفطنةٍ كشفت له عن بواطنِ الأسرار وخوافيها، وحنكةٍ عرَّفته مُتصرَّفاتِ الأمورِ ومجاريها.
وكتب سلطانُ الدولة إلى مؤيد الدولة (٢) ببغداد بالقبض على الأعزِّ أبي القاسم ولدِه وأسبابِه وآثارِه وودائعِه وذخائرِه، فكتم المؤيَّدُ الحال، وأرسل سِرًّا مع بعض خدمه إلى والدة الأعزِّ بأن تأخذ لنفسها وولدها قضاءً لحقِّ فخر الملك، ورعايةً لِما كان بينه وبينه، ففعلت، وصارت إلى دار الخلافة مستترة فيها، وبعث بعد ذلك مَنْ ختمَ على الخزائن وما في الدار، وقد ذكَرْنا أنَّ جُملةَ ما وُجِدَ له من العين ببغداد ستُّ مئةِ ألف ونيِّفًا وثلاثين ألف دينار، غير الجواهر والمصاغ، ووجدوا وصيَّته مكتوبةً، وفيها:
стр. 8652
يُخرَجُ الثلثُ من أموالي يُتصدَّقُ به على الطالبيِّين والعباسيِّين والفقراء والمساكين -وسماهم كلَّ واحدٍ باسمِه ونسبِه- وفي أبواب البرِّ. ثم نُقِلَ فخرُ الملك في السنة الآتية في تابوت إلى الكوفة، فدُفِنَ في جوار المشهد، بشفاعة عينِ الكُفاة أبي القاسم فَسانْجِس، في تربةٍ بناها فخرُ الملك.
ورثاه الشعراء والمرتضى أخو الرضي بقصائد منها: [من المتقارب]
ألا هَلْ لِما فاتَ من مَطْلَبِ … وهَلْ عَنْ ردى المرءِ من مهرَبِ
وهَلْ لامرئٍ يبتغيهِ القضا … ءُ مِنْ مُستجارٍ ومن مَذْهَبِ
عذيريَ مِنْ حادثاتِ الزمانِ … أجِدُّ بهِن ويلْعَبْنَ بي
وإنْ هُنَّ صَفَّينَ لي مَشْربًا … رجَعْنَ فَرَنَّقْنَ من مَشْربي
فَكَمْ ذا أُعَلَّلُ بالمُبْرِضات (١) … وأُخْدَعُ بالبارقِ الخُلَّبِ
ولو كنتُ أعجبُ من حادِثٍ … عجِبْتُ من الحادثِ الأقرَبِ
أتاني على عُدَاوءِ (٢) الديارِ … لواذِعُ من نبأٍ مُنْصِبِ
فكيفَ عَلقْتُمْ على ما بِكُمْ … مِنَ العجْزِ بالحُوَّلِ القُلَّب
وأينَ يمينكُمُ والعهودُ … تطايَحْنَ في نفنفٍ (٣) سَبْسَبِ (٤)
وأصبحَ مُلْكُكُمُ بعدَهُ … بغيرِ ذراعٍ ولا مَنْكبِ
أمِنْ بعد أنْ قادها نحوَكُمْ … ذَلولًا مُحرَّمةَ المركَبِ
تُجازونَهُ بجزاء العدوِّ … وتجزونَه أُسوةَ المُذْنِبِ
ولما مَرَرْنا على رَبْعِهِ … خرابِ الأنيسِ ولم يخرِبِ
تبدَّلَ بعد عجيجِ الوفودِ … لحاجاتهم صُرَّةَ الجُندُبِ
بَكَيْنَ على غَفَلاتٍ بِهِ … سُرِقْنَ وعيشٍ به طيِّبِ
أيا دارُ كيف لبستِ العفاءَ … وماءُ النَّضارةِ لم يَنضُبِ
стр. 8653
وكيف نسيتِ الذي كان فيكِ … من العزِّ والكرمِ الأرحَبِ
فإنْ تَكُ يا واحدًا في الزمانِ … ذهبتَ ففضلُكَ لم يذْهَبِ
وإنْ حجَّبوكَ بنسجِ الصَّفيحِ (١) … فغُرُّ مساعيكَ لم تُحْجَبِ
فلا خيرَ بعدَكَ في الطيباتِ … فما العيشُ بعدكَ بالطَّيِّبِ
حرامٌ عليَّ اكتسابُ الإخاءِ … فمِثْلُ إخائِكَ لم أكْسِبِ
من أبيات طويلة.
السنة الثامنة وأربع مئة
فيها ورد كتاب سلطان الدولة بتوجُّهه إلى العراق، كان قد مضى إلى فارس، وبعث عساكره إلى كرمان، وهرب أخوه أبو الفوارس إلى شمسِ الدولة بعد أن تمزَّقَتْ أموالُه، وتفرَّقَتْ عنه جندُهُ ورجالُه، فأحسن إليه شمسُ الدولة، وزوَّجه ابنتَه، وانتقل إلى حسام الدولة بن أبي الشوك، فنزل عليه، وراسل الغِلْمان ببغداد واستمالهم، فأجابه البعضُ، وأخرج المناصحُ أبو الهيجاء والسعيدُ أبو طاهر والأتراكُ خيمَهم إلى المُصلَّى ليقصدوا ابنَ أبي الشوك، ويدفعوا أبا الفوارس، وكان أبو منصور [مَرْدُوست ببغداد، فكاتبه أبو الفوارس، وطلبه إليه، فخرج إليه، واجتمع معه عند أبي الشوك، وتقرَّر الحال على أن ينحدر أبو الفوارس إلى البَطيحة وينحدر أبو منصور] إلى الأهواز، ويصالح بينه وبين أخيه سلطان الدولة وإعادته إلى كرمان، وسار أبو الفوارس إلى البَطيحَة، فالتقاه مُهذَّب الدولة، وأكرمه، وأنزله معه في داره، وحمل إليه من الأموال واللطائف (٢) والهدايا شيئًا كثيرًا، وتوجَّه مَرْدُوست إلى الأهواز، ووفَّق (٣) بين سلطان الدولة وأخيه، واستخلص له كرمان، وحمل إليه سلطانُ الدولة من الأموالِ والثيابِ والخيمِ وغيرِها شيئًا كثيرًا.
стр. 8654
ومضى أبو الفوارس إلى كرمان، وزالت الوحشة، ولمَّا عاد من كرمان تلفاه الأوحد الوزير، وترجَّل له، فأعظم ذلك مَرْدُوست، ثم أنزله دارًا فيها أنواع الثياب والآلات، وسيَّر إليه المال والخيلَ والبغال والخِلَعَ السنيَّة والمراكبَ عليها الذَّهبُ، وانصرف مَرْدُوست داعيًا، وفي نفس الأوحد منه؛ لكونه ردَّ أبا الفوارس إلى كرمان، وتوسَّط له بها.
وفيها عقد سلطان الدولة على جبارة بنت معتمد الدولة أبي المنيع في دار المملكة ببغداد، بوساطة أبي منصور مَرْدُوست، على صَداق مبلغُه خمسون ألف دينار (١)، وحضر القضاةُ والأشرافُ. وقيل في الخطبة: وهذا الأمير الأجلُّ معتمد الدولة، ذو العز، ابن ناصر الدولة (٢)، أبو المَنيع قِرْواش، ممَّن رغب إليه مولانا شاهنشاه ملك الملوك عمادُ الدين سلطانُ الدولة في تشريفه بقبول عقدٍ لنفسه الكريمة على الحرة جبارة بنت أبي المنيع، فكرَّمه وحباه، وأهَّلَه لذلك، واصطفاه بقبول هذا العقد، ونَحَلَها من العين كذا كذا، فهنيئًا للأمير بهذه النعمةِ التي ألبِسَها، والرتبة التي ارتقاها، والدرجةِ التي علاها، قرن الله ذلك بالحَبْرَةِ التامة، والسعادة العامة، إن شاء الله تعالى.
وفيها سار أبو الحسن بن مَزْيَد إلى نواحي الطِّيب ليقصد سلطان الدولة بالأهواز، فمرض، فكاتبَ الأميرَ وأبا الخطاب في ولاية العهد لابنه دُبَيس على أعماله، وبعثَ بالكتاب مع دُبَيس، فأجابه إلى ذلك وخلع عليه، وكتب له المنشور بالولاية، ومات أبو الحسن في ذلك الوجه في شوال، وولي دُبيس (٣).
وفيها استتاب القادرُ بالله أهلَ البدع والأهواء من المقالات الفاسدة، ونهى عن المناظرة والجدال في علم الكلام، وما يتعلق بالمذاهب الخارجة عن الإسلام، وأخذ خطوطَهم بذلك، وأنهم متى عادوا حلَّت دماؤهم، وبلغ محمود بن سُبُكْتِكين، ففعل في بلاده مثل ذلك، نفى المشبِّهةَ والجهميةَ وغيرَهم، وأمرَ بلَعْنِهم على المنابر، وصار ذلك سنةً في الإسلام.
стр. 8655
وفيها عزلَ الحاكمُ صاحبُ مصر سهمَ الدولة سُبُكْتِكين عن دمشق، [وكان قد ولَّاه إياها في سنة ستٍّ وأربع مئة]، وكان ظالمًا غشومًا فاتكًا، وهو الذي بنى جسر الحديد تحت قلعة دمشق على بردى، سخَّرَ الناسَ فيه، وأخذَ أموالهم، فكتب الناس (١) إلى الحاكم يشكونه، واتَّفق أن يوم فراغ الجسر قال: لا يَعْبُرْ غدًا أَحدٌ عليه. فلمَّا أصبحَ جلس على باب القلعة ينظر إليه، وقد عزم على أن يكون أولَ مَنْ يركب ويعبُرَ عليه، وإذا بفارس قد أقبل فعبر عليه، فأنكره (٢)، وقال: مِنْ أينَ؟ قال: من مصر. وناوله كتاب الحاكم بعزلِه وظلمِه، فقال [أحمد بن عبيد الله] الماهر: [من مجزوء الرمل]
عقَدَ الجسرَ وقد … حَلَّ عُراهُ بيديه
ما درى أنَّ عليهِ … يعبرُ العزلُ إليهِ
[ولم أقف في هذا الباب على أحسن من هذين البيتين، ولا أرشق من هذين الشّكلين].
ولم يحجَّ أحدٌ إلى سنة اثنتي عشرة.
وفيها توفِّي
شباشي السعيد
ويُكنَّى أبا طاهر المُشطَّب مولى شرف الدولة [أبي الفوارس] بن عضد الدولة، ولقَّبَه بهاءُ الدولة بالسعيد ذي الفضيلتين، ولقب أبا الهيجاء بخُتَكين [الجرجاني] بالمناصح، وأشرك بينهما في مراعاة أمور الأتراك ببغداد، وكان السعيد [سعيدًا -كما سُمِّي-] كثيرَ الصدقات، فائضَ المعروف، [كثيرَ] الإحسان، حتى إنَّ أهل بغداد إذا رأوا مَنْ لبس قميصًا جديدًا قالوا: رحمَ اللهُ السعيد؛ لأنه كان يكسو اليتامى [والمساكين] والضعفاء، وهو الذي بنى [قنطرة العراق و] قنطرة الخندق عند باب حرب، والياسرية والزياتين وغيرها، وكان الناس يَلْقَون منها شدة، وأخرج الإسفهسلاريةُ يومَ العيد الجنائبَ بمراكب الذهب، وأظهروا الزينة، فقال [له] بعض أصحابه: لو كان لنا شيءٌ أظهرناه. فقال [له] السعيد: إنه ليس في جنائبهم قنطرة الخندق والياسرية والزياتين.
стр. 8656
ووقف قنطرةً كبيرةً بنهر عيسى بالعراق -يُقال لها: دباها- على المارستان العضدي، وارتفاعها في كل سنة أربعون كُرًّا وألفُ دينار، ووقف على الجسر خانَ النرسي بالكَرْخ، وضيعةً بالقُفْص، وسدَّ بَثق الخالص، وحفر ذُنابة (١) دُجَيل، وساق الماء منها إلى مقابر قريش، وعمل المشهد بقرب واسط، وحفر عنده المصانع، وله آبار كثيرة بطريق مكة، وكانت وفاتُه في شوال، ودُفِنَ بباب حرب، وتربتُه مشهورة قريبة من الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وتُزار كثيرًا [ويتبركُ به]، وأوصى أن لا يبنوا عليه شيئًا، فخالفوه، وبنَوا عليه قبةً مزارًا، وسقطت (٢)، واتَّفق أنَّ بعد مدةٍ من وفاته حُمِلَتْ جنازةٌ، فدخلت عجوزٌ إلى قُبَّة السعيد [وقت الحر]، ومعها نساء يطلُبْنَ الظِّلَّ، فلطَمْنَ ونِمْنَ في التربة، فانتبهتِ العجوزُ مذعورةً، وقالت: رأيتُ تركيًّا خرج من هذا القبر وبيده دبُّوسٌ، فأراد أن يضربني، وقال: بيني وبينكن قرابة [حتى أتيتنَّ من القصد] إلى عندي أنتِ وصواحِبُكِ توذونني؟ [فسألوا عن التربة، فقالوا: هي للسعيد]، فتجنَّبها النساء بعد ذلك [اليوم].
وكان يحصل له من إقطاعه في كل سنة مئة ألف دينار، فينفِقُها في أبواب الخير والبر، وأغنى فقراء الحرمين وغيرهم.
[قال هلال بن الصابئ]: وتُوفي يوم السبت التاسع من شوال، فاحتاط مؤيد الملك [أبو علي] على تركته للسلطان، وحضر للصلاة عليه [مؤيدُ الملك] والقضاةُ والأشرافُ والعدولُ، ولم يتخلَّف أحد [وذكر من مناقبه ما ذكرنا وقال]: وكان بينه وبين المناصح أبي الهيجاء الجُرجاني تباعد، فقعد في العزاء، فلمَّا فرغ العزاء وقام، قال: واللهِ لقد فَتَّ فَقْدُ هذا الرجل في عضُدي، وهَدَّ رُكني، وخُيِّلَ إليَّ أني لاحقٌ به. فعاش بعده ستة أشهر.
[قال]: وكان المناصح [هذا] من رجال الزمان وعقلائهم، ومن أعلاهم همة، [و] لم يخلف مثله في علوِّ الهمَّة وشدة الهيبة [وكان شجاعا] مطاعًا مهيبًا ذا همة عالية]، ولو تُصفِّحَ كلامُه ما كان فيه سقط.
стр. 8657
[وفيها تُوفِّي
خلف بن محمد (١)
ابن القاسم بن عبد السلام بن مُحْرِز، أبو القاسم، العبسي، قاضي داريا، كان حسن السيرة، عفيفًا، زاهدًا، مات بداريا، سمع أبا الحسن بن حذلم وغيره، وكان ثقة].
محمد بن إبراهيم (٢)
ابن محمد، أبو الفتح، الطَّرَسوسي، المجاهد في سبيل الله، استوطن البيت المقدس بنيَّة الرباط، وتوفِّي به، وكان صالحًا ثقةً.
السنة التاسعة وأربع مئة
فيها في المُحرَّم سار أبو محمد بن سهلان من الأهواز متوجِّهًا إلى العراق ليُدبِّر الأمورَ، وسبُبه أنَّ سلطان الدولة لما حصل بالأهواز عظُمَ أمرُ العيَّارين ببغداد وواسط، وتجاوزوا الحدَّ، وأحرقوا بغداد، ونهبوا دار المملكة، وأخذوا الأموال، وسبَوا الحريم، ووقع بين السنة والشيعة وقعاتٌ، فَنِيَ من الفريقين خلقٌ كثيرٌ، وكذا بواسط، فاحتاج سلطان الدولة إلى من ينفذه ليوطئ الأمور لمورده، فاستدعى مؤيَّدَ الملك إلى الأهواز، فانحدر في الماء، ودخل البَطيحَةَ والبصرةَ مجتازًا، واجتمع بأبي الخطاب، فدعاه إلى الوزارة مستقلًّا بها؛ لأنه كان قد لقي من شراسة أخلاق ابن سهلان وضعفه ما أشغله به، فامتنع مؤيَّدُ الملك، وقال: لا أصلح لها. قال: ولمَ؟ قال: لأنها أمرٌ فيه تغرير ومخاطرة، ويحتاج إلى البطش، وابن سهلان أولى. فقال: فإذا كان الأمرُ على هذا فتعود معه إلى بغداد تتَّفِقا على التدبير. فقال: نعم، فرجع معه، وخلَعَ على ابن سهلان الخِلَعَ الجليلة، ولُقِّبَ بفلك الملك، وأُعطيَ ألفَ ألفِ درهم برسم التدبير والنوائب، ووصل إلى واسط، فقتل جماعة من العيَّارين، فقامت الهيبةُ، والتقاه دُبَيس، فقرَّر عليه مالًا يحمله في كل سنة، ودخل بغداد في ربيع الأول، وهرَّب
стр. 8658
العيَّارين والشُطَّار، وأنزل الدَّيلم في أطراف البلد وبين الكَرْخ وباب البصرة، وقبض على ابن القصار القاص، ونفى أبا عبد الله بن النعمان فقيهَ الشيعة، ورتبَ الرَّجالة في المراكز، وأمن الناسُ، واجتمع المستورون، وهرب المفسدون، وصادر جماعة من الأعيان اتَّهمَهم بودائع لفخر الملك، وكان معه خلق من الدَّيلم، وطالبَه الأتراكُ بأرزاقهم المجتمعة، فقال: ما يلزمني إلا ما كان في أيامي. وأخذَهم بالسياسة، فاستوحشوا منه، وحدَّثوا نفوسهم بالفتك به، ووقع الفساد بين الترك وبينه وبين الديلم، وقدم سلطان الدولة واسطًا، فتولَّد بذلك طمع متجدِّدٌ، فخرجوا بخيامهم إلى ظاهر البلد، وشغبوا، واستهان ابنُ سهلان بأمرهم، وقيل له: إنك إن لاطَفْتَهم صلحوا من غير ركونٍ إليهم، وإن ركنتَ إليهم رجعوا، فلم يقبَلْ، وخرجوا من بغداد قاصدين واسطًا، فأرسل وراءهم واستعطفهم، فلم يرجِعوا، وكتب إلى سلطان الدولة يقول: قد وردتَ قبلَ أوانِ الورود، وقبلَ انتظامِ الأمور، وعدلتَ عمَّا اقتضاه الرأيُ، وقد انحدر الأتراك إليك على منافرةٍ لي، فإن قدَرْتَ أن ترُدَّهم فرُدَّهم، فإن رَدَدْتَهم إليَّ أصلحتُهم، وأقمتُ الهيبةَ، ومَهَّدتُ لكَ المُقامَ بينهم، وإن تكُنِ الأخرى فادفع بالأمر إلى أن أنحدِرَ بمَنْ معيَ من العسكر.
وانحدَرَ الغِلْمانُ إلى واسط، ونزلوا بالجانب الشرقي، وسلطان الدولة في الجانب الغربي ومعه الديلم، فركب الغلمانُ بالسلاح، وشغَبوا وصاحوا، وكثرت الزعقات منهم، فبعث إليهم سلطانُ الدولة أبا بكر المعلِّم وأحَدَ الجاندارية (١)؛ ليَعْلَما أخبارَهم، فقتلوهما، وزالتِ الهيبةُ، وانتهتِ القصةُ، إلى أن أعفوا من ابنِ سهلان، وأن يسير معهم سلطان الدولة إلى بغداد، ويعبر إليهم، وبلغ ابنَ سهلان، فخرج من بغداد بالدَّيلم يريد واسطًا، وكان أبو الخطاب فاسدَ الرأيِ فيه؛ لتهوُّره وإقدامه، وأراد أن يقبض عليه من الاستيحاش، [وعلِمَ أنه متى كان بين الدَّيلم لا يقدر عليه، فكتب إليه يقول: قد علمتَ الأتراكَ وما هم فيه وعليه] (٢) من الاستيحاش منك، والاستعفاءِ من نظرِك، والرأيُ أن تخرج كأنك قاصدٌ إلى الجبل، ثم تعرج إلى الأهواز، وتكون بها خليفة سلطان الدولة،
стр. 8659
فعَلِم ابنُ سهلان باطنَ الحال، فأخذ من المال ما قَدَرَ عليه، وسارَ بغلمانِه إلى الحائر مشهد الحسين ﵇، فاستجارَ ببني خَفاجة، وأقام عندهم.
وفيها قُرئ في الموكب بدار الخلافة كتابٌ فيه مذاهب أهل السنة، ومن قال بأنَّ القرآن مخلوق، فهو كافرٌ، حلالُ الدم (١).
وفيه دخل سلطانُ الدولة بغدادَ لليلتين بقِيَتا من جمادى الأولى، والتقاه القادر ولم تكن زُيِّنتِ القباب على العادة، وعلِمَ بقدومه معظمُ الأولياء، فنزل في زَبْزَبِه إلى دار المملكة، وأمرَ بضربِ الطبول على بابه في أوقات الصلوات الخمس، ولم تكن العادةُ جاريةً إلّا في الأودات الثلاثة، وإنما زادَ هو الظهر والمغرب (٢)، فراسله الخليفةُ، فلم يلتفِتْ، وبقي على حاله إلى أن عاد شرف الدولة، فردَّها إلى الثلاث.
وفيها استوزرَ سلطانُ الدولة أبا القاسم جعفر بن محمد فَسانْجِس (٣).
ولم يحجَّ أحد (٤).
وكان علي بن أحمد بن أبي الشوارب على قضاء البَطيحَة، فقُلِّد قضاء البصرة (٥).
وفيها تُوفِّي
عبد الله بن محمد بن أبي عَلَّان
أبو محمد، قاضي الأهواز، أحد شيوخ المعتزلة، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، وصنَّف الكتبَ الكثيرة في الكلام وغيره، من جملتها كتابٌ جمَعَ فيه فضائلَ النبي ﷺ ، ذكر له فيه ألف معجزة، وكان له مالٌ عظيمٌ، وضياعٌ كثيرة، فكان يؤدِّي خراجَ ضِياعِه في كلّ سنة تسعين ألف دينار، وكان أصهارُه يؤدُّون في كلّ سنةٍ خَراجَ ضِياعهم ثلاثينَ ألف
стр. 8660
دينار، وكانت وفاتُه بالأهواز في ذي الْحِجَّة، وكان حنفيًّا من أهل الستر والديانة والنزاهة والعِفَّة (١).
عبد الغني بن سعيد (٢)
ابن علي بن سعيد بن بشر بن مروان بن عبد العزيز بن مروان، أبو محمد، الحافظ، المصري، وُلدَ لليلتين بقِيَتا من ذي القَعدة سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة، وسمع الكثير، وبرَعَ في علم الحديث، وصنَّف الكتُبَ، منها كتاب "المؤتلف والمختلف"، وكان عالِمًا بأسامي الرجال وعلل الحديث، ولما قدم الدارقطني مصر أوقفَه عليه، فقال له: اقرَأه عليَّ. قال: فعنك أخذتُ أكثَرَه. وقرأه عليه، فأعجبه.
وكتب عبد الغني إلى الحاكم أبي عبد الله يطلب منه "المستدرك على الصحيحين"، فبعث به إليه، فعلَّم على مواضعَ منه وهَمَ فيها الحاكم، فكتب إليه يدعو له ويشكره ويعترف له بالفضل، وكان الحاكم إذا أملى يقول: أفادني أبو محمد الحافظ عبد الغني بن سعيد كذا كذا.
ولمَّا خرج الدارقطني من مصر يريد بغداد وخرج معه الناس يُودِّعونه، فبكوا، فقال: ممَّ تبكون؟ قالوا: لِما عَدِمناه من فوائدك. فقال: تقولون هذا وفيكم عبد الغني بن سعيد، وفيه الخَلَف.
وكان الدارقطني يُعظِّم شأنَه ويقول: ما رأيتُ في طريقي مثلَه، ما اجتمعتُ به فانفصلتُ عنه إلَّا بفائدة.
تُوفِّي بمصر في شوال، وكان له جنازة لم يُرَ قطُّ مثلُها، سمع خلقًا كثيرًا، وحدَّث بطرابلس الشام، واتَّفقوا على فضلِه وثقتِه وصدقِه، وروى عنه [خلقٌ] (٣) كثيرٌ من مشايخه.
стр. 8661
علي بن نصر (١)
أبو الحسن، مُهذِّب الدولة، صاحبُ البَطيحَة، كان جوادًا مُمدحًا، صاحبَ ذِمَّةٍ ووفاءٍ وعهد، وهو الذي استجارَ به القادرُ بالله، فأجاره، ومنعه من المطيع والملوك، وقام في خدمته أحسنَ قيام، وله يقول الوزير أبو شجاع: توَّجتِ الأيامُ مَفْرِقَ فخارِه، بمقام القادر في جوارِه، وصاغَتْ له هذه المنقبة من الفخار حسبًا، وصارت إلى استحقاق المدح سببًا، وكان الناس يلجؤون إليه في الشدائد، فيُجيرهم ويقوم بأمرهم، ويبذل نفسَه وماله لهم، وكان يرتفع له في كل سنة من المَغَلّ ثلاثون ألف كُرٍّ على اختلافِ أنواعها، ومن الوَرِق (٢) ألفُ ألفٍ وسبعُ مئة ألف وخمسون ألف درهم، يُنفق مُعظَمَها على القُصَّادِ وأربابِ البيوت، وكان القادرُ يُعظِّمه ويحترمه، ويرى خدمتَه له، ولم يَزلْ معترِفًا له بذلك، وكان بهاء الدولة قد احتاج إلى مالٍ فأقرضه شيئًا كثيرًا، وأعانه وزوَّجه بهاءُ الدولة ابنتَه، وأقام بالبطائح اثنتين وثلاثين سنةً وشهورًا، وعاش نيِّفًا وسبعين سنة.
وسببُ وفاتِه أنَّه افتصد، فانتفخ ساعدُه وأخذه داءُ الحُمْرة، فمات يوم الثلاثاء لثمانٍ خَلَوْنَ من جمادى الأولى، ومولده سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة، ولمَّا كان قبل وفاته بثلاثة أيام اجتمع الجند والملَّاحون فتفاوضوا في أمر ولده أبي الحسين وإقامتِه مقامَه، ثم اتَّفق الجُندُ على أبي محمد عبد الله ابن أخت مُهذِّب الدولة، وكان أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر الشرابي خِصيصًا بمُهذِّب الدولة، فنازعته نفسُه إلى الإمارة، فتوقَّف لأجل أبي الحسين بن مُهذّب الدولة وأبي محمد عبد الله بن أخت مُهذَّب الدولة، فمال الشرابي إلى ابن مُهذِّب الدولة؛ لكونه أسلمَ جانبًا وأولى، وبلغ أبا محمد ذلك، واستدعى الأتراكَ والدَّيلمَ ومَنْ مال إليه من البطائحيين واستحلفهم لنفسِه، ووعدَهم الإحسانَ، وقرَّروا القبضَ على أبي الحسين وتسليمَه إليه، ولمَّا قبضوا
стр. 8662
عليه صارت والدته إلى الحجرة التي فيها مُهذِّب الدولة، وأصحابُه قيام على رأسه، وهتكَتْ إزارَها، فقال: ما هذه الفضيحة؟ قالت: ابنُ أختِكَ قبض على ابني. فقال: وأيُّ قُدرةٍ لي على خلاصه، وأنا على هذه الصورة؟. وتوفِّي من الغد.
واجتمع العسكر على أبي محمد، وأنفذ من ضبط الخزائن، ودُفِنَ مُهذِّب الدولة في داره، وضرب أبو محمد أبا الحسين ضربًا مات فيه، وأخرجه بعد ثلاثة أيام ملفوفًا في كساءٍ إلى والدته، فدفنته عند والده، وأخذ أبو محمد الناسَ بالعَسْفِ (١)، وكانت له زوجةٌ مُغنيةٌ يُقال لها: ابنة الكَرْخي، فانبسطت يدُها في أخذ الأموال، وجاءته الخِلَعُ السُّلطانية، واستقام أمرُه، فاتَّفق أنه أكل في بعض الأيام شيئًا عُمِلَ له من البَطِّ الصغار، فأخذته الذَّبْحةُ في حلقِه، واشتدَّ به الأمرُ، وقال قبل ذلك: رأيتُ مُهذِّب الدولة في منامي وقد أمسك على حلقي ليخنِقَني، ويقول: قتلتَ ابني أحمد، وقابلتَ نعمتي عليك بذلك. ولمَّا أشرف على الموت عمدت زوجتُه إلى ابنٍ صغيبر له، فأجلسَتْه موضعه في داره، وحلَّفَتْ له الجند، فلمَّا مات أبو محمد قصد الجندُ والملَّاحون الدار والخزائن وأحرقوها، وانتقضَ أمرُ الصغير، ولم يكن بالبَطيحَة مثلُ الشرابي، فأتوا إليه وسألوه وقالوا: أنتَ الثقةُ الأمينُ العدلُ. فامتنع وقال: أبصِروا غيري. فما زالوا به حتى ولي، وكتب إلى سلطان الدولة يُخبره بأنه ما أراد ذلك، فبعث إليه بالخِلَع والتقليد، واستقامَ أمرُه.
محمد بن القادر بالله (٢)
أبو الفضل، كان أبوه قد رشَّحه للخلافة، وجعله وليَّ عهده، ولقَّبه الغالب بالله، ونقشَ اسمَه على السِّكَّة، ودُعي له على المنابر بولاية العهد، ومولده في شوال سنة اثنتين وثمانين وثلاث مئة، وتوفِّي في رمضان عن سبع وعشرين سنة، وكان شهمًا يصلح للخلافة، وحزن عليه القادر [حزنًا عظيمًا، وصلَّى عليه، ودُفن بالرُّصافة، وأقام القادر] (٣) أيامًا لا يأكل ولا ينام.
стр. 8663
محمد بن الحسين
أبو عبد الله، العلوي، ولَّاه الحاكمُ القضاءَ والنقابةَ والخطابةَ بدمشق سنة ثمانٍ وتسعين وثلاث مئة، وكان في القضاء نائبًا عن مالك بن سعيد ابن أخت الفارقي قاضي قُضاة الحاكم، فأقام بدمشق إلى هذه السنة، وتوفِّي في رمضان، وكان طاهرًا، عفيفًا، نزِهًا، حافظًا لكتاب الله، وله ديوانُ شعر، [ومن] قوله: [من مجزوء الرمل]
أنا إِنْ رُمْتُ سُلُوًّا … عنك يا قُرَّة عيني
كُنْتُ في الإثمِ كَمَنْ شا … رَكَ في قَتْل الحُسينِ (١)
السنة العاشرة وأربع مئة
فيها جلس القادرُ، وحضر القضاةُ والشهودُ، وكتبَ عهدَ أبي الفوارس على كَرْمان وأعمالِها، وبعثَ إليه الخِلَع السلطانية، على ما جرت به العادة.
وفيها ورد كتابُ [يمين الدولة أبي القاسم] محمود بن سُبُكْتِكين على الخليفة بما فتحه من بلاد الهند ووصل إليه من غنائمهم، ومن مضمونه: أنه نظر فأدَّاه البحثُ والتفحيص إلى مملكةِ وَجّ، وهي أفخمُ بلاد الهند شأنًا، وأحكمُها بُنْيانًا، وكانت مملكةَ مَنْ سلفَ من ملوك الهند، ومن جملة كُوَرِها كورةُ وَرام وهودب وكلجند … وذكَرَ كُوَرًا كثيرة، وقال: ولهم قلاع حصينة، وجنودٌ كثيرة، وهم يعتقدون أنَّ الأصنامَ آلهَتُهم، وذكر أنه رتب ابنَ خاله في الثُّغور، فبعث إلى المولتان عشرةَ آلاف فارس ومثلَها راجل، وإلى خُوارَزم عشرين ألف فارس وعشرين ألف رجل، وانتخب ثلاثينَ ألف فارس وعشرة آلاف راجل (٢) لصحبة راية الإسلام، كلُّهم طُلَّابٌ للشهادة، وجماعةٌ من المُطَّوعةِ، وكان مسيرُه من خُراسان في جمادى الأولى سنة تسع وأربع مئة، ولم يزلْ سائرًا حتى قطعَ أنهار سَيحون، وجعلها وراءه، وفتح قلعةَ سرساوة،
стр. 8664
وهرب ملكُها، وأسلم مِنْ أهلها زُهاءَ عشرين ألفًا، وأخذ من أموالها ألفَ ألفِ درهم، وثلاثين فيلًا، وجواهرَ كثيرةً … وذكر فتوح القلاع والبلاد إلى أن قال: فأتينا مدينةً يُقال لها: عائن، وحولها ألفُ قصر، وألفُ بيتٍ للأصنام، وهي مدينة كبيرة لها سبعةُ أبواب، [عدد أبواب الجحيم، وكان سكَّانها في العذاب الأليم، حتى] كانَّها منحوتة من حجرٍ واحد [ومصنوعة من صخرٍ جامد] فلمَّا فتحت أبوابها وجدنا فيها خمسةَ أصنامٍ من الذهب، طولُ كلِّ صنمٍ تسعةُ أذرُع، وجْهُ كلِّ واحدٍ منهم مثلُ وجهِ أسدٍ عظيم، له نابان مثلُ ناب الخنزير، وعيونُهم من الياقوت الأحمر، وكلُّ أبدانهم مُرصَّعة بالجواهر، وبلغ وزنُ ياقوتة منها ستَّ مئةِ مثقال، ووُزِنَ (١) منها صنم فوُجِدَ فيه ثمانية وتسعون ألف مثقال وثلاثُ مئة مثقال، وقُلِعَ من الأصنام الصغار الفضية زيادةً على ألف صنم. قال: ومُلِئت بيوتُ المدينة بالحطب، واضرِمَتِ النارُ فيها [بضرام اللهب، وتقرّر عند عُبَّاد الأصنام أنَّهم كانوا في ضلالٍ مبين، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين].
ثم ذكر أنه سار إلى مركز فَرْغانة، وأنه فتحها وفتح قلاعها، ثم قال: وتحصَّل من الغنائم عشرون ألف ألف درهم، وأفرد خمس الرقيق، فبلغ ثلاثةً وخمسين ألفًا و [استعرضَ] ثلاثَ مئةٍ وستين فيلًا، وذكر أشياء كثيرة (٢).
وفيها توجَّه ابنُ سهلان إلى البصرة، قد ذكرنا أنه خرج إلى (٣) الحائر، وأقام بقصر ابن هُبيرة مدَّة، فلمَّا دخل سلطان الدولة بغداد مضى إلى الأنبار، واجتمع مع معتمد الدولة أبي المنيع، وأخذ ذِمامَه وكتب إلى بغداد، واجتهد في إصلاح أمره مع أبي الخطاب، وأمَرَه أن يصعد إلى هِيت ويُقيم بها؛ خوفًا عليه، فطال مُقامُه، فاصعد إلى الموصل، وقُبِضَ على الوزير أبي القاسم جعفر بن محمد بن فَسانْجِس، واستقرَّ الأمرُ لأبي غالب، فانحدر ابنُ سهلان في الفرات إلى البَطيحة، وركب أخطارًا
стр. 8665
عظيمةً، ولمَّا قَرُبَ منها راسل الشرابيَّ صاحِبَها، فأخرج إليه الجندَ والحاشيةَ، ولم يخْرُجْ إليه بنفسه؛ مراعاةً للسلطان، وأنزله معه في داره، فقيل له: قد علمتَ حال هذا الرجلِ ومكانتَه، وقد عزَّ (١) عليه كونُكَ ما استقبلْتَه، ومن المروءةِ أن تنهض إلى الحُجرة التي أنزلْتَه فيها وتقضي حقَّه. فقام، ودخل إليه، فجلس قليلًا وخرج، وإذا بحاجبٍ قد ورَدَ من بغداد في معناه، فقال: سلطانُ الدولةِ والأميرُ وأبو الخطابِ والوزيرُ يقولون: قد انحدرَ ابنُ سهلان من الأنبار طالبًا للبَطيحَة، فإن حصل عندك فتحتاط عليه إلى أن ينفذ من يتسَلَّمه، وإن انحدرَ إلى البصرة فأقِمْ له الرَّصَدَ في الطريق، واجتهِدْ في تحصيله، وكانت الرسالةُ مع بختيار حاجبِ الوزير، وهؤلاء المذكورون يُسمَّون المدبِّرون للدولة، فقال لبختيار: قد وصل في هذه الساعة وأنا أنظرُ في أمره.
وانصرف بختيار من حضرته، فقال الشرابي لأصحابه: قد تحيَّرتُ في أمره، إن أسلمتُه كان فضيحةً وقباحةً، وإنْ لم أُسْلِمْه عاديتُ سلطانَ الدولة والمدبِّرين. فلمَّا كان بعدَ أيامٍ وَرَدَ تكين من بغداد رسولًا عن الملك والمدبِّرين والأتراك يطلبون ابنَ سهلان، فتحيَّر الشرابيُّ، وجمع إليه وجوه البطائحيين، وقال: ما ترون؟ فقالوا: قد علمتَ أنَّ ناموس بلدنا هذا أن من لجأ إليه واستجار به يُجار، وما جرتِ العادةُ بتسليم مَنْ يحصل عندنا، لا في قديم الزمان ولا في حديثه، فدافع عن الرجل، وعرف أبو محمد، فراسله، وقوَّى نفسَه، وعقَدَ لابنه على ابنتِه سرًّا، وتحالفا وتعاهدا، وطلب من الشرابي أن يجمعَ بينه وبين تَكين، فأرسل به إليه، فلمَّا دخل عليه قبَّل الأرضَ كما كان يفعل، وابنُ سهلان صاحبُ الأمر، فلاطفَه ابنُ سهلان، وقال: قد عرفتَ إحساني إليك، فأُريد [أن] تُقبِّلَ الأرضَ عنِّي بين يدي الملك، وتقول: أنا ذلكَ العبدُ الذي لا يتغيَّر، وواللهِ ما اعتقدتُ سوءًا قطُّ، لا لكَ ولا لغلمان الأتراك، ولستُ أعرف للنُّفرة مني سببًا، إلا قولَ الأعداء وتخرُّصَهم. ثمَّ استماله ولاطفَه، فقام يمين وقد صارَ معه بعد أن كان عليه، وردَّ الشرابيُّ رسالةً إلى بغداد يقول: قد عُرِفَ عادةُ بلدنا في إجارة مَنْ استجار بنا، وما يُمكننا نقضُ هذه السُّنَّة، فإن كان الغرضُ حِفْظَ هذا الرجل ومنعَه من الإفساد فهو في داري كالمعتقل، وما أُمَكِّنُه من أمرٍ تخافه منه.
стр. 8666
وقيل: إنَّ سلطان الدولة نفذَ فرَّاشًا في الباطن إلى صاحب البَطيحَة يوصيه بابن سهلان ويرسم له ترك الالتفات إلى ما يصدر منه في بابه، وقام ابنُ سهلان عند الشرابيِّ على ما يريد، إلى أن قصدَ صدقةُ بنُ فارس البَطيحَةَ وأخذَها، ومضى ابنُ سهلان إلى البصرة، وسببُ أخْذِها أبو الخطاب، فإنه حَقَد عليه، وبعثَ صدقةَ إلى البَطيحَةِ فحصره، وقاتل ابنَ سهلان قتالًا عظيمًا، فلمَّا علِمَ سار إلى البصرة في زبزبٍ، فتلقَّاه الدَّيلم وخدموه، وأقام الشرابيُّ معتقلًا عند صدقةَ على أحسنِ حال.
ولم يحجَّ في هذه السنة من العراق أحد.
وفيها تُوفِّي
إبراهيم بن مَخْلَد (١)
ابن جعفر بن مَخْلَد (٢)، أبو إسحاق، الباقَرْحي، ولد سنة خمس وعشرين وثلاث مئة، وسمع الحديثَ، وكان صدوقًا، جيِّدَ النقل، حسنَ الضبط، من أهل الديانة والعلم والأدب، وكان ينتحل مذهبَ ابنِ جرير الطبري، وسكن بالجانب الشرقي من بغداد، ومات في ذي الحجة، ودُفِنَ قريبًا من أبي حنيفة، ومن شعره: [من البسيط]
ما لي جُفيتُ وعندي عادةٌ لكُمُ … موفورة من حِباء الجاهِ والمالِ
أعوذُ باللهِ مِنْ حالٍ يُغيِّركُمْ … أبوءُ منها بسوءِ القصدِ والحالِ
قد أكثرَ الناسُ من عُربٍ ومن عَجَمٍ … على وليِّكُمُ في القِيلِ والقالِ
هذا يقولُ عصى أمرًا لسيِّدِهِ … أعوذُ باللهِ من زيغٍ وإضلالِ
وذا يقولُ لجُرْمٍ منهُ قابلَهُ … فقد أطالوا لَعَمْرُ اللهِ بلبالي (٣)
واللهُ يشهدُ لي أنِّي أُحِبُّكمُ … ديانةً ولوَ أنَّ الدَّهرَ مُغتالي
وما أُسَرّ بأنَّ الأرضَ تُجمَعُ لي … وأنت مُنحرِفٌ عنِّي ولا قالي
إن كانَ ذَنْب فعفوٌ منكَ يغفِرُهُ … وذاك أسبَقُ في ظنِّي وآمالي
стр. 8667
فانظُرْ لعبدِكَ لا تُشمِتْ أعاديَهُ … بتَرْكهِ بين إغفالٍ وإهمالِ
واجعَلْ له في ذراك اليومَ منزلةً … تُعليهِ إنَّ الذي أعليتَهُ عالي
محمد بن المطفر بن عبد الله (١)
أبو الحسن، المعدَّل، كان فاضلًا، توفِّي ببغداد في جمادى الأولى، قال: أنشدني إبراهيم بن الصابئ لنفسه: [من السريع]
قد كنتُ للحِدَّة مِنْ ناظري … أرى السُّها في الليلةِ المقمِرَهْ
فالآنَ ما أُبصِرُ بدرَ الدُّجى … إلَّا بعينٍ تشتكي الشَّبْكرَهْ (٢)
لأنَّني أنظرُ منه وقَدْ … غيَّرَ منِّي الدهرُ ما غيَّرَهْ
ومن طوى السنينَ من عُمرِهِ … رأى أمورًا فيه مُسْتَنْكَرَهْ
وإن تخطَّاها رأى بعدَها … مِنْ حادثاتِ الدَّهرِ ما حيَّرَهْ
[وفيها توفِّي]
هبة الله بن سلامة (٣)
أبو القاسم، الضرير، [المفسِّر]، البغدادي، كان من أحفظ الناس لتفسير القرآن، وكانت له حلقةٌ في جامع المنصور، وسمع الحديث ورواه، [وكتب عنه الخطيب، وحكى جدّي عنه في "المنتظم" منامًا، فقال بإسناده عن أبي طالب العشاري، عن هبة الله بن عبد الله المقرئ، عن هبة الله بن سلامة المفسِّر] قال: حدَّثني شيخ كنَّا نقرأ عليه القرآن بباب مُحوِّل. قال: مات بعضُ أصحابه، فرآه الشيخُ في المنام فقال له: ما فعلَ اللهُ بِكَ؟ فقال: غفَرَ لي. قال: فكيفَ كان حالُكَ مع منكرٍ ونكير؟ فقال: يا أستاذ، لمَّا أجلساني وقالا لي: مَنْ ربُّكَ؟ ومن نبتكَ؟ ألهمني الله بأن قلتُ لهما: بحَقّ أبي بكر وعمر دعاني. فقال أحدهما للآخر: قد أقسمَ علينا بعظيم (٤)، دَعْه. وتركاني وانصرفا.
стр. 8668
توفِّي في رجب، ودُفن عند جامع المنصور، وكان صالحًا ثقةً (١).
السنة الحادية عشرة وأربع مئة
فيها في المُحرَّم عزَمَ سلطانُ الدولة على الانحدار إلى واسط، فمنعه الغلمان وشغَبوا، وطلبوا ما استحقُّوه من الأقساط، وتكلَّم الناس في أمر شرف الدولة، وأنَّ الغِلمان قد اتَّفقوا على تقليده الأمر، وأُشير على سلطان الدولة باستدعائه إلى داره، والاحتياط عليه، فأرسل إليه، فاعتذر بمرض، وخاف على نفسه، وكان أبو منصور مردوست يتولى النظر في أموره، ولما امتنع من الحضور أرسل إليه بالانحدار إلى واسط، فأجاب وحَطَّ بعضَ رَحْلِه في السفن، فجاء الغِلمان إلى بابه، ومنعوه وردُّوا رَحْلَه إلى داره، وأقام سلطان الدولة على الخروج، فقال له الغِلمان: إذا كنتَ على عزم الخروج فابعَثْ إلى ولدك أبي كاليجار، فاستخلِفه عندنا نائبًا عنك، واذهَبْ إن (٢) شئتَ، أو اترُكِ الأمير أبا علي أخاك بيننا نائبًا عنك. فأرسل سلطانُ الدولة إلى شرفِ الدولة في ذلك، فامتنعَ وقال: إذا لم ينهَضْ سلطانُ الدولة بهذا الأمر وهو الملك وربُّ الخزائن، فكيف أنهَضُ أنا مع ضعفي وقصور مادَّتي؟ فألَحُّوا عليه، فأجابَ، واستحلَفَ كلَّ واحدٍ منهما على الوفاء والمخالصة بمحضرٍ من وجوه الدَّيلم والتُّرك، وحلَفَ سلطانُ الدولة للغِلمان على الحراسة لهم، وأن لا يستخدم ابنَ سهلان، وركب شرفُ الدولة إلى أخيه لتسعٍ بَقِين من المُحرَّم، فدخلَ إلى دار المملكة -وبين يديه الغلمان والدَّيلم- راكبًا، ونزل قريبًا من الصُّفَّة، وخرج سلطانُ الدولة من القُبَّة ومعه غِلمانُه وحاشيتُه بالعُدَد، وكلُّ واحدٍ منهما يرعد مخافةَ الآخر، فقبَّل الأرضَ شرفُ الدولة، ووقف وقفةً خفيفةً، ولوى رأسَه، وخرج ودخل سلطانُ الدولة القُبَّة، ومضى العسكرُ مع شرف الدولة، وسار سلطانُ الدولة يوم السبت لخمسٍ بَقِينَ من المُحرَّم إلى واسط، وضُرِبَتِ القبابُ لشرف الدولة، وركب واخترقَ بغداد، ونزل بدار المملكة لثلاثٍ بَقِينَ من المُحرم.
стр. 8669
وكان أبو المِسْكُ وأبو الخطَّاب قد خرجا إلى سُرَّ من رأى مستوحِشين من سلطان الدولة، ظنًّا أنه يريد منهما مالًا، فكوتِبا، فرَجعَا إلى أوانا، وخرج للقائهما مردوست والمرتضى وابنُ أبي الشوارب والأشراف والناس، وخرج شرف الدولة فتلقاهما، وعرض لأبي الخطاب مرض الفالج، فعُولج وعُوفي، ونظر أبو الخطَّاب والأمير على عادتهما، وقدمَ سُلطانُ الدولة واسطًا، وراسله ابنُ سهلان من البصرة في الورود وتدبيرِ الأمورِ، حتى استقرَّ ذاك، وسار سلطانُ الدولة، ووافاه ابنُ سهلان إلى الطيب، وسار إلى تُسْتَر وابنُ سهلان معه، وبلغ شرفَ الدولة عن سلطان الدولة كلامٌ فأوحشه وأوحش الجماعة، وقَوَّى الوحشةَ خروجُ ابنِ سهلان من البصرة، فكتب شرفُ الدولة إلى سلطانِ الدولة يتواضعُ له، ويعترفُ بالطاعة، ويذكر أنَّ الغلمان طلبوا مال البَطيحة؛ لأنها من أعمال العراق، وكان سلطان الدولة قد أخذه لمَّا حصل بواسط، ويذكر شَغَبَ الغلمان، فلمَّا وقف عليه قال للرسول: مالُ البَطيحَة ما هو داخلٌ في أعمال العراق، ولا للغلمان فيه [حق] وصرفَ الرسولَ.
وأمَّا ابنُ سهلان فسار مع سلطان الدولة إلى تُسْتَر يتولَّى النظرَ في الأمور، وشرع في قصد العراق، وقرَّر ذلك مع سلطان الدولة، وخلع عليه الخِلَعَ الجليلة، ووفَّاه المكرُماتِ الكاملة، وأعطاه من مجلسه دستَ السلاح الذي كان على كرسيه لخاصَّته، ولقَّبه عميدَ الدولة وزعيمَ الأمة شمسَ الدين مضافًا إلى فلك الملك، وأمرَ بضرب الطُّبول على بابه أوقات الصلوات الخمس، وهذا شيء لا يكون إلا لملك، ووصل إلى الأهواز، وأقام ينظر في الأمور ويستخدم الدَّيلم، وكتب إلى الأطراف يطلبهم، وبذَلَ المال، وخلَعَ الخِلَعَ، ووالى مَدَّ السُّمُط (١)، وعزم على قصْدِ العراق، ثمَّ عبر على فوهة نهر العباس، فخيَّم بها ليتوجَّه إلى واسط وبلغ ذلك إلى بغداد، فكتب شرفُ الدولة إلى الحضرة الجلالية، وأعلمها ما عليه الغِلمان من النُّفرة، وسأله التوسُّط مع سلطان الدولة، وبعث جماعةً من الأعيان، وقال: عَرِّفوا سلطانَ الدولة الحال، وأقيموا بالبصرة حتى يأتي كتابُ جلال الدولة ورسولُه، وكتبوا كتابًا عن لسان الأتراك يستعطفونه ويخضعون له، فلمَّا وقف سلطانُ الدولة على الكتاب، وسمع الرسالة،
стр. 8670
قال: الأمر في هذا إلى وزيري ومدبِّر أموري (١) أبي محمد بن سهلان، فاقصدوه، وأنهوا إليه الحال. فمضوا إلى الأهواز، واجتمعوا بابن سهلان، فكان جوابُه: قد أمرني سلطانُ الدولة بالمسير إلى جهتكم، وإذا صِرْتُ بينكم توسَّطْتُ أمرَكم وخدمتُ أمير الأمراء أبا علي، وتحمَّلْتُ الأثقال دونه. وخَلَع عليهم ووصلَهم ورَدهم.
ثمَّ سارَ ابنُ سهلان من الأهواز إلى واسط، وخرج مَنْ كان بها من الأتراك إلى بغداد، وبعث شرفُ الدولة في مقدِّمته أرسلان الطويل، وسار شرفُ الدولة بالأتراك والأعراب، فنزل شرقيَّ واسط، وابنُ سهلان في غربيها، وجرَتْ بينهم حروبٌ، وأوحش ابنُ سهلان جماعةً من الدَّيلم، فصاروا إلى شرف الدولة، وجاءته العساكر من كلِّ مكان، ولمَّا تطاولتِ الحربُ بين الفريقين قيل لشرف الدولة: لو أظهرتَ نفسَكَ في تقلد الأمر، وبرزْتَ إلى المَصافِّ لدخل الدَّيلم في طاعتِكَ. وكان مِنْ قبلُ يمتنع ويقول: إنما أنا نائبٌ عن أخي، وإذا أطاع أخي مَنْ حملَه على قَطْعِ رَحِمي ونَقْضِ ما بيني وبينه، فأنا لا أدَعُ التمسكَ بطاعتِه. فما زالوا به حتى ركب يوم الخميس لسبع (٢) بقين من شوال، فحين رآه الدَّيلم قاتلوا قتالًا شديدًا، ثم استأمنوا إليه واحدًا بعد واحد، وتقدَّم شُجعانُهم، وصار معظمُهم عنده، وانحلَّ أمرُ ابنِ سهلان وضَعُفَ، وكان بواسط، واشتد الغلاء، فأكل أصحابُه الجِيَف، فكتب إلى سلطان الدولة يستنجد به، فلم يُنْجِدْه، وشرعَ أعداؤه في الوقيعة عنده فيه وتسفيه رأيهِ، بتعزيزه بالعساكر والأموال، وإخراجِه شرف الدولة والأتراك عن الطاعة، وعلمَ ابنُ سهلان أنَّ الهربَ غيرُ مُنْج له، وأنَّ باقي الديلم لا يُمكِّنونه منه، ويُسلِمون نفوسَهم بعده، عدلَ إلى استصلاح شرف الدولة وراسلَه، واستمال أصحابه، فأجابوه، وتحالفوا، وخرج ابنُ سهلان إلى خيمةٍ ضُرِبَتْ له، وخرجَ شرفُ الدولة، ودخل عليه ابنُ سهلان، وقبَّل الأرضَ بين يديه، وذكر كلامًا معناه الاعتذارُ عما جرى، وأنه يخدُم شرفُ الدولة والأتراك الخدمةَ المستأنَفة، ثم نصب لابنِ سهلان خيمة صغيرةً، فخلا به شرفُ الدولة فيها، فقال له ابنُ سهلان: إنْ شِئْتَ كاتبتُ الدَّيلم الذين بالأهواز أن يأخذوا سلطانَ الدولة ويحملوه إليك فعلتُ.
стр. 8671
وأقام ابنُ سهلان في مضاربَ ضُربِتْ له عند شرف الدولة، وحلف له جميعُ العسكر إلا قسيمُ الدولة، فإنه قال: ما حاجة إلى يميني مع يمين الجماعة. ونهض ابنُ سهلان ليركب، فقيل له: للملك إليك شُغْلٌ، فاقعُدْ. فقعد، والأتراكُ غير راضين بما جرى، فلمَّا كان في الليل قُبِضَ على ابنِ سهلان وقُيِّد، وثُقِّل في الحديد، وأُخِذَ جميعُ ما كان له من مالٍ وخيلٍ وجِمالٍ وغِلمان، ونحو ذلك، وكُتِبَ بالفتح إلى سائر الآفاق، وخوطب شرفُ الدولة شاهِنْشاه، وضُرِبَتْ له الطُّبولُ على بابه في الصلوات الخمس.
ولم يحجَّ أحدٌ من العراق في هذه السنة.
وفيها تُوفِّي
أحمد بن موسى بن عبد الله (١)
أبو بكر، الرُّوشنائي من أهل مَصْراثا قرية تحت كلواذى، كان نِعْمَ العبد، فيه فضلٌ وديانة، وزهدٌ وعبادة، وكان له بيت إلى جانب مسجده يُغلِقُه على نفسه يشتغل بالعبادة، ولا يخرج منه إلَّا لصلاة الجماعة، كان ابن بِشران يزوره، ويقيمُ عنده أيامًا متبرِّكًا برؤيته، ومستريحًا إلى مشاهدتِه، وتوفِّي بمَصْراثا في رجب، فخرج الناسُ من بغداد حتى حضروا للصلاة عليه، وكان الجمعُ كثيرًا جدًّا.
[وفيها تُوفِّي]
محمد بن عبد الله بن أحمد (٢)
أبو الفرج، الدمشقي، ويعرف باب المُعَلِّم، وهو الذي بنى الكهف بقاسيون، ويقال له: كهف جبريل، وفيه المغارة التي يُقال: إنَّ الملائكة عزَّتْ آدمَ ﵇ فيها لمَّا قتلَ قابيلُ هابيلَ، وكان محمدٌ هذا شيخًا صالحًا زاهدًا متعبِّدًا، [ذكره الحافظ ابن عساكر، وكان نسيبَ الحافظ] وتُوفِّي في رجب، ودُفِنَ بمقبرة الكهف بقاسيون.
стр. 8672
[وفيها تُوفِّي]
منصور بن العزيز (١)
أبو علي، الحاكم، صاحب مصر، كان يكتب في مكاتبته: المنصور، وكذا في خطبته.
[ذِكرُ طرف من أخباره:
قال هلال بن الصابئ]: تُوفِّي يوم الثلاثاء لليلتين بَقِيتا من شوال، وكان فيه كسوف الشمس [فُقد الحاكم على ما أخبرني به أبو الفرج بن زكري القرموني، وكان يومئذٍ هناك. قال]: ومولده يوم الخميس لأربع ليال بَقِينَ من ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلاث مئة بالقاهرة. وقيل: ثالث عشرون منه، وولاه أبوه العهدَ في شعبان سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة، وتقلَّد الخلافة يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة ست (٢) وثمانين وثلاث مئة، وكانت مدةُ عمره سبعًا وثلاثين سنة، ومدة ولايته خمسًا وعشرين سنة، ووليَ الخلافة وله إحدى عشرة سنة ونصف. وقيل: عشر سنين ونصف وستةُ أيام.
وكانت أخلاقُه متضادَّةً؛ بين شجاعةٍ وإقدام، وجُبنٍ وإحجام، ومحبةٍ للعلم وانتقامٍ من العلماء، وميلٍ إلى الصلاح وقَتْلِ الصلحاء، وكان الغالبُ عليه السخاء، ورُبما بخِلَ بما لم يبخَلْ به أحد قَط، وأقام يلبَسُ الصوفَ سبع سنين، وامتنع من دخول الحمَّام، وأقام سنين يجلس في الشمع ليلًا ونهارًا، ثم عنَّ له أن يجلس في الظُلمة، فجلس فيها مدةً، وقتَلَ من العلماء والكُتَّاب والأماثلِ ما لا يُحصى، وكتب على المساجد والجوامع سب أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعائشةَ وطلحةَ والزبيرِ ومعاويةَ وعمروَ بنَ العاص - (﵃) - في سنة خمس وتسعين وثلاث مئة، ثم محاه في سنة سبع وتسعين، وأمر بقتل الكلاب، وبيع الفُقَّاع (٣)، ثم نهى عنه، ورفعَ المكوسَ عن البلاد وعن ما يُباع فيها، ونهى عن النجوم وكان ينظر فيها، ونفى المنَجِّمين وكان يرصدُها، ويخدُم زُحَل وطالِعَه المريخ؛ ولهذا كان يسفك الدماء، وبنى جامع القاهرة، وبنى
стр. 8673
جامع راشدة على (١) النيل في مصر، ومساجدَ كثيرة، ونقل إليها المصاحفَ المُفضَّضةَ، والسُّتورَ الحريرَ، وقناديلَ الذهبِ والفضة، ومنع من صلاة التراويح عشر سنين، ثم أباحها، وقطع الكروم، ومنَعَ من بيعِ العِنَب، ولم يُبْقِ في ولايته كرمًا، وأراق خمسةَ آلاف جرَّةٍ من عسل في البحر؛ خوفًا من أن يُعمَلَ نبيذًا، ومنعَ النساءَ من الخروج من بيوتهنَّ ليلًا ونهارًا، وجعل لأهل الذِّمَّة علامات يُعرفون [بها] (٢)، وألبسَ اليهودَ العمائم السُّودَ، وأمرَ أن لا يركبوا مع المسلمين في سفينة، وأن لا يستخدموا غلامًا مسلمًا، ولا يركبوا حمارَ مسلم، ولا يدخلوا مع المسلمين حمَّامًا، وجعل لهم حمَّاماتٍ على حِدة، ولم يُبْقِ في ولايته ديرًا ولا كنيسةً إلا وهدمها، وهدم القمامة، وبنى مكانها مسجدًا، ونهى عن تقبيل الأرض بين يديه، والصلاةِ عليه في الخُطب والمكاتبات [ثم رجع عن ذلك]، وجعل مكان الصلاة ﵇ على أمير المؤمنين، ثم رجع عن ذلك، وأسلم خلقٌ من أهل الذِّمَّة؛ خوفًا منه، ثم ارتدُّوا، وأعاد الكنائس إلى حالها.
وقال ابن الصابئ: [حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن الخضر، قال]: كان الحاكم يواصل الركوبَ ليلًا ونهارًا، ويتصدَّى له الناسُ على طبقاتهم، فيقف عليهم (٣)، ويسمع منهم، فمن أراد قضاء حاجته قضاها في وقته، ومن منعه سقطَتِ (٤) المراجعة في أمره، وكان المصريُّون موتورين منه، فكانوا يدسُّون إليه الرِّقاع المختومة بالدعاءِ عليه، والسبِّ له ولأسلافه، والوقوع فيه وفي حُرَمِه، حتى انتهى فِعْلُهم إلى أن عملوا تمثال امرأةٍ من قراطيسَ بِخُفٍّ وإزار، ونصبوها في بعض الطّرق، وتركوا في يدها رُقعةً كأنَّها ظُلامةٌ، فتقدَّم وأخذَها من يدِها [ولم يشُكَّ في أنها امرأة]، فلمَّا فتحها رأى في أوَّلها ما استعظمَه، فقال: انظروا هذه المرأة مَنْ هي؟ فقيل له: إنَّها معمولةٌ من قراطيسَ، فعلم أنهم قد سخروا منه، وكان في الرّقعة كلُّ قبيح، فعاد من وقته إلى
стр. 8674
القاهرة، ونزل في قصره، واستدعى القُوَّادَ والعُرفاءَ، وأمرَهم بالمسير إلى مصر، وضربها بالنار ونهبها، وقتل مَنْ ظفروا به من أهلها، فتوجَّه إليها العبيدُ والرومُ والمغاربةُ وجميعُ العساكر، وعلِمَ أهلُ مصر، فاجتمعوا وقاتلوا عن نفوسِهم، وأوقعوا النارَ في أطراف البلد، واستمرَّت الحربُ بين العبيد والعامَّة والرعية ثلاثةَ أيام، والحاكمُ يركبُ في كلِّ يومٍ إلى القَرافة، و [يطلعُ إلى] (١) الجبل، ويشاهدُ النار، يسمعُ الصياحَ ويسألُ عن ذلك، فيُقال له: العبيد يحرقون مصر وينهبونها، فيُظهِرُ التوجُّعَ ويقول: لعنَهم اللهُ، مَنْ أمرهم بهذا؟! فلمَّا كان اليومُ الرابع اجتمع الأشراف [والعلماء] والشيوخ إلى الجوامع، ورفعوا المصاحف، وضجُّوا (٢) بالبكاء، وابتهلوا إلى الله بالدعاء، فرحِمهم العامَّة والأتراك والمشارقة، ورَقُّوا لهم، فانحازوا إليهم، وقاتلوا معهم، وكان أكثرُهم مخالطًا لهم، ومُداخِلًا ومصاهِرًا، وانفرد العبيد، وصار القتالُ معهم، وعظُمتِ القِصَّةُ، وزادتِ الفتنةُ، واستظهرت كُتامةُ والأتراكُ والمشارقةُ عليهم، وراسلوا الحاكم، وقالوا: نحن عبيدٌ ومماليكٌ، وهذا البلد بلدُكَ، وفيه حُرَمُنا وأموالُنا وأولادُنا وعقارُنا، وما علِمْنا أنَّ أهله جنَوا جنايةً تقتضي سوء المقابلة، وتدعو إلى مثل هذه المعاملة، فإن كان هناك باطنٌ لا نعرفه فأخبِرْنا به، وأنظِرْنا حتى نُخرِجَ عيالنا وأموالنا منه، وإن كان ما عليه هؤلاء العبيد مخالفًا لرأيِكَ فأطلِقْنا في معاملتهم بما يُعامَلُ به المفسدون والمخالفون، فأجابهم بأنه ما أراد ذلك، ولعنَ الفاعلَ له، والآمِرَ به، وأنتم على الصواب في الذبِّ عن المِصريين، وقد أذنتُ لكم في نصرتهم والإيقاع بمن تعزَض لهم. وأرسلَ إلى العبيد سرًّا يقول: كونوا على أمركم. وحمل إليهم سلاحًا قوَّاهم به، وكان غرضُه في هذا أن يطرح بعضًا على بعض، وينتقم من فريقٍ بفريق، وعَلِمَ القومُ بما فعَلَ، فراسلَتْه كُتامَةُ والأتراكُ: قد عرفنا غرضَكَ، وهذا هلاكُ هذا البلد وأهلِه وهلاكُنا معهم، وما يجوز أن تُسلِّم بنفوسنا والمسلمين لفتك الحريم وذهاب المُهج، ولئن لم تكُفَّهم لنُحرِّقَنَّ القاهرة، واستنفرتِ العربُ وغيرُهم، فلمَّا سمع الرسالة -وكانوا قد استظهروا على العبيد- ركب حمارَه، ووقف بين الصفين، وأومأ إلى العبيد بالانصراف،
стр. 8675
فانصرفوا، واستدعى كتامَةَ والأتراكَ ووجوه المِصريِّين، واعتذرَ إليهم، وحلف أنه بريء ممَّا فعل العبيد، وكذَبَ، فقبَّلوا الأرضَ بين يديه، ودعَوا له وشكروه وسألوه الأمان لأهل مصر، فكتب لهم، وقُرئ [الأمان] (١) على المنابر، وسكنتِ الفتنةُ، وفتح الناسُ أسواقَهم، وراجعوا معايشَهم، واحترق من مصر مقدارُ ثُلثِها، ونُهِبَ نصفُها، وتتبَّع المصريُّون مَنْ أُخذَ مِنْ أزواجهم وبناتهم وأخواتهم، وابتاعوهنَّ من العبيد بعد أن فضحوهُنَّ، وقتَلَ بعضُهنَّ نفوسَهُنَّ؛ خوفًا من عار الفاحشة المرتكبة منهنَّ، واستغاث قوم من العلويين إلى الحاكم، وذكروا أن بعض بناتهنَّ في أيدي العبيد على أسوأ حال، وسألوه أن يستخلصهنَّ، فقال: انظُروا ما يُطالبونكم به عنهن لِأُطْلِقه لكم. فقال له بعضهم: أراكَ اللهُ في أهلِكَ وولدِكَ مثلَ ما رأينا في أهلِنا وأولادِنا، فقَدِ اطَّرحا الديانةَ والمروءةَ بأن رضيتَ لبناتِ عمِّك بمثلِ هذه الفضيحة، ولم يلحَقْكَ منهنَّ امتعاضٌ ولا غَيرة. فحَلُم عنه الحاكم، وقال: أنتَ أيُّها الشريفُ مُحْرَجٌ، ونحن حقيقون باحتمالِكَ، والإغضاء عنك (٢)، وزاد الأمر على الناس فيما يفَجؤُهم به حالًا بعد حال، من كلّ ما تنخرق به العادات، وتَفسد الطاعات.
قال ابن الصابئ: ثم عنَّ له [الأمر] أن يَدَّعي الربوبية، وقرَّب رجلًا -يُعرف بالأخرم- ساعَدَه على ذلك، وضمَّ إليه طائفةً بسطهم للأفعال الخارجة عن الدِّيانة، فلما كان في بعض الأيام خرج الأخرم من القاهرة راكبًا في خمسين رجلًا من أصحابه، وقصد مصر، ودخل الجامع راكبًا دابَّته، ومعه أصحابُه على دوابّهم، وقاضي القُضاة ابنُ [أبي] (٣) العوام جالس فيه ينظر في الحكم، فنهبوا الناسَ، وسلبوهم ثيابَهم، وسلَّموا إلى القاضي رُقعةً فيها فتوى، وقد صُدِّرت: باسم الحاكم الرحمن الرحيم، فلما قرأها القاضي رفع صوتَه مُنكِرًا، واسترجع، وثارَ الناسُ بالأخرم، فقتلوا أصحابَه، وهرب [هو] (٤).
стр. 8676
وشاع الحديث في دعواه [الربوبية] (١)، فتقرَّب إليه جماعةٌ من الجُهَّال، فإذا لقوه قالوا: السلام عليك (٢) يا واحد يا أحد، يا مُحيي يا مُميت، وصارَتْ له دُعاةٌ يدعون أوْباشَ الناس ومَنْ سَخُفَ (٣) عقلُه إلى اعتقاد ذلك، ومال إليه خلقٌ كثيرٌ طمعًا في الدنيا والتقرُّب إليه، وكان اليهودي والنصراني يلتقيه وقد أسلم، فيقول له: [إلهي] (٤) قد رغبتُ في شريعتي الأولى، فيقول [الحاكم]: افعَلْ [ما بدا لك] فيرتدُّ بعد إسلامه وزاد الأمر [بالناس].
قال المصنف ﵀: ورأيتُ في بعض التواريخ بمصر أن رجلًا يُعرف بالدُّرْزي قَدِمَ مصر، وكان من الباطنية القائلين بالتناسخ، فاجتمع بالحاكم وساعده على ادعاء الربوبية، وصنَّف له كتابًا ذكر فيه أنَّ روح آدم ﵇ انتقلت إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وأنَّ روح علي انتقلت إلى أبي الحاكم، ثم انتقلت إلى الحاكم. فنفَقَ على الحاكم، وفوَّضَ الأمورَ إليه، وبلغ منه أعلى المراتب، بحيث إنَّ الوزراء والقُوَّاد والعُلماءَ كانوا يقِفون على بابه ولا ينقضي لهم شُغْلٌ إلا على يده، وكان قصدُ الحاكم الانقيادَ إلى الدُّرْزي فيطيعونه، فأظهر الدرزيُّ الكتابَ وقرأه بجامع القاهرة، فثار الناسُ عليه، وقصدوا قَتْله، فهرب منهم، وأنكر الحاكم أمره خوفًا من الرعية، وبعثَ إليه في السرِّ مالًا، وقال: اخرج إلى الشام وانشُرِ الدعوةَ في الجبال، فإنَّ أهلَها سريعو الانقياد. فخرج إلى الشام، ونزل بوادي تيم الله بن ثعلبة غربيَّ دمشق من أعمال بانياس، فقرأ الكتاب على أهله، واستمالهم إلى الحاكم، وأعطاهم المال، وقرَّر في نفوسهم التناسخ، وأباحَ لهم شُربَ الخمر والزنا وأخذ مال مَنْ خالفهم في عقائدهم وإباحةَ دمه، وأقام عندهم يُبيح لهم المحظورات، إلى أن مات بينهم، فيُقال: إنهم على اعتقاده وإلى هلُمَّ جرًّا.
ذكر هلاك الحاكم:
стр. 8677
ذكر هلال بن الصابئ [في تاريخه، والتِّنِّيسي في تاريخ مصر، والقضاعيّ] وغيرُهم أنَّ الحاكم لمَّا بدَتْ منه هذه الأمور الشنيعة استوحش الناس منه، وكان له أختٌ يُقال لها: سِتُّ الملك، و [كانت] من أعقل النساء وأحزمهنَّ، فكانت تنهاه [عن مثل هذه الأشياء] وتقول: يا أخي، احذَرْ أن يكون خرابُ هذا البيت على يدك. فكان يُسمِعُها غليظَ الكلام، ويُهدِّدها بالقتل، وبعث إليها يقول: قد رفع إليَّ أصحابُ الأخبار أنكِ تُدخِلين الرجال إليكِ وتمكِّنيهم من نفسك. وعَمِلَ على إنفاذ القوابل لاستبرائها، فعلِمتْ أنها هالكةٌ معه. وكان بمصر سيفُ الدولة بنُ دَوَّاس من شيوخ كُتامَة، وكان شديد الحذر من الحاكم، وممتنعًا من دخول قصره ولقائه إلا في الموكب على ظهر الفرس، واستدعاه الحاكمُ إلى قصره فامتنع، فلمَّا كان يومُ الموكب عاتبه على تأخُّره، فقال له: قد خدمتُ أباك، ولي عليكم حقوقٌ كثيرة يجب لمثلها المراعاةُ، وقد قام في نفسي أنَّكَ قاتلي، فأنا مجتهدٌ في دفعك بغاية جهدي، وليس لكَ حاجة إلى حضوري في قصرك، فإن كان باطنُ رأيِكَ في مثل ظاهره فدَعْني [على] حالي، فإنه لا ضرر عليك في تأخُّري، وإن كنتَ تريدُ بي سوءًا فلأَنْ تقتلني في داري وأنا بين أهلي وولدي يُكفِّنوني ويتولَّوني أحبّ إليَّ من أن تقتلني في قصرك وتطرحني [حتى] تأكلَ لحمي الكلاب. فضحِكَ الحاكمُ وأمسكَ عنه.
وراسلَت ستُّ الملك ابنَ دَوَّاس مع بعض خواصِّها: لي إليكَ أمرٌ لا بُدَّ فيه من الاجتماع، فإمَّا تنكَّرتَ وجئتني ليلًا، أو فعلتُ أنا ذلك. فقال: أنا عبدُكِ والأمرُ لَكِ. فصارت إليه ليلًا في داره متنكِّرة، ولم تصحَب معها أحدًا، فلمَّا دخلت عليه قام وقبَّل الأرض بين يديها دفعاتٍ، ووقف في الخدمة، فأمرَتْه بالقعود، وأخلى المكان، فقالت: يا سيفَ الدولة، قد جئتُكَ في أمبر أحرس به نفسي ونفسَكَ والمسلمين، ولك فيه الحظُّ الأوفر، وأُريد مساعدتَكَ فيه. فقال: أنا عبدُكِ. فاستحلفَتْه واستوثَقَت منه، [فلمَّا حلف] قالت له: أنتَ تعلَمُ ما يقصِدُه (١) أخي فيك، وأنه متى تمكَّن منكَ لم يُبْقِ عليك، وكذا أنا، ونحنُ على خطرٍ عظيم.
стр. 8678
وقد انضاف إلى ذلك تظاهُرُه بادِّعاء الإلهية، وهَتْكُه ناموسَ الشريعةِ وناموسَ آبائه، وقد زاد جنونُه، وأنا خائفةٌ أن يثورَ المسلمون عليه فيقتلوه ويقتلونا معه، وتنقضي هذه الدولة أقبحَ انقضاء. فقال: صدقتِ يا مولاتَنا، فما الرأيُ؟ قالت: نَقتلُه ونستريحُ منه، فإذا تمَّ لنا ما نُريده أقمنا ولدَه موضِعَه، وبذلنا المال، وكنتَ أنتَ صاحبَ جيشه ومُدَبِّرَه، وشيخَ الدولة، والقائمَ بأمره، وأنا امرأةٌ من وراء الحجاب، وليس غرضي إلا سلامة المهمة، وأن أعيش بينكم آمنةً من الفضيحة.
ثم أقطعَتْه إقطاعاتٍ كثيرةً، ووعدَتْه الأموال والخِلَعَ والمراكبَ السنيَّة، فقال: مُري بأمركِ. فقالت: أُريد عبدينِ من عبيدكَ تثقُ بهما في سرِّكَ وتعتمدُ عليهما في مُهمَّاتِكَ. فأحضر عبدَينِ، ووصفهما بالشهامة، فاستحلفَتْهما ووهبت لهما ألفَ دينار، ووقَّعت لهما بثياب وإقطاع وخيل وغيرها، وقالت لهما: أُريد منكما أن تصعدا غدًا إلى الجبل، إنها نوبة الحاكم في الركوب، وهو ينفرد ولا يبقى معه غيرُ الرِّكابي وفَيد القَرافي وصبي (١)، وربما ردَّ القَرافيَّ [وبقي معه الصبي] ويدخل الشِّعب وينفرد بنفسه، فاخْرُجا عليه واقتُلاه، واقتُلا القَرافيَّ والصبيَّ إن كانا معه. وأعطَتْهما سِكينين من عمل المغاربة تُسمى يافورت، ولها رأسٌ كرأس المِبضع الذي يُفْصَدُ به، ورجعَتْ إلى القصر، وقد أحكمتِ الأمرَ وأتقنَتْه.
وكان للحاكم مولدٌ وقد حُكِمَ عليه بالقَطْع في هذا الوقت، فإن تجاوزه عاش نيِّفًا وثمانين سنة، وكان لا يترك الركوبَ بالليل وطَوْف القاهرة، فلمَّا كانت تلك الليلة [التي قُتل في آخرها] قال لوالدته: عليَّ في هذه الليلة وفي غدٍ قَطْعٌ عظيم، والدليلُ عليه علامةٌ تظهرُ في السماء وطلوع نجمٍ سمَّاه، وكأنِّي بِكِ وقد انتُهكتِ وهلكْتِ مع أختي، فإني ما أخاف عليكِ أضرَّ منها، فتسلمي هذا المفتاح، فهو لهذه الخزانة، وفيها صناديقُ تشتمل على ثلاث مئة ألف دينار، خُذيها وحوِّليها إلى قصركِ تكونُ ذخيرةً لكِ. فقبَّلتِ الأرضَ وقالت: إذا كنتَ تتصوَّرُ هذا فارحَمْني، واقْضِ حقِّي، ودَعْ ركوبَكَ
стр. 8679
الليلة. وكان يُحِبُّها، فقال: أفعَلُ. ولم يزل يتشاغل حتى مضى صدرٌ من الليل، وكان له قومٌ [من أصحابه] ينتظرونه كلَّ ليلةٍ على باب القصر، فإذا ركب ركبوا معه، وتبعه أبو عروس صاحب العسس، ومن رَسْمِه أن يطوف كلَّ ليلة حول القصر في ألف رجل بالطُّبول الخِفاف، والبوقاتِ البحرية، فإذا خرج الحاكم من باب القاهرة قال له: ارجِعْ وأغلقِ الأبوابَ، فلا يفتَحُها حتى يعود. وضجِرَ الحاكمُ من تأخُّره عن الركوب، ونازعَتْه نفسُه إليه، فسألَته أمُّه وقالت: نَمْ ساعة. فنام، ثم انتبه وقد بقي من الليل ثلثُه وهو ينفخ ويقول: إن لم أركبِ الليلةَ وأتفرَّجْ، وإلَّا خرجَتْ روحي. ثم قام فركب حماره وأختُه تراعي ما يكونُ منه. وكان قصْرُها مقابلَ قصْرِه، فإذا ركب عَلِمَتْ.
ولمَّا ركب سارَ في دربْ يُقال له: درب السِّباع، وردَّ صاحبَ العَسسِ ونسيمًا [الخادم] (١) صاحبَ السَّتْر والسيف، وخرج إلى القَرافة ومعه القَرافي والرِّكابيُّ والصبيُّ، فحكى أبو عروس أنَّه لمَّا صَعِد الجبلَ وقف على تلٍّ كبيرٍ (٢) ونظر إلى النجوم، وقال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وضربَ بيدٍ على يد وقال: ظهرت يا مشؤوم، ثم سار في الجبل، فعارضه عشرُ فوارس من بني قُرَّة، وقالوا: قد طال مُقامُنا على الباب وبنا من الفاقة والحاجة ما نسألُ معه حُسنَ النظرِ والإحسانَ، فأمرَ القرافيَّ أن يحمِلَهم إلى صاحب بيت المال، ويأمرَه أن يُعطيَهم عشرةَ آلاف درهم، فقالوا له: لعلَّ مولانا يُنكِرُ تعَرُّضَنا له في هذا المكان فَيُوعِزَ فينا بمكروه، ونحن نريد الأمان قبل الإحسان، فما وقَفْنا إلَّا من الحاجة. فأعطاهم الأمان، ومضى القرافيُّ معهم، وبقي هو والصبيُّ، وسار إلى الشِّعب الذي جرَتْ عادتُه بدخولِه، وقد كَمَنَ العبدانِ الأسودانِ له، وقد قرُبَ الصباحُ، فوثَبا عليه وطرحاه إلى الأرض، فصاح: ويلَكُما ما تُريدان؟ فقطعا (٣) يديه من رأس كتفيه، وشقَّا جَوْفَه، وأخرجا ما فيه، ولفَّاه في كساء، وقتلا الصبيَّ، وحملا الحاكم إلى ابنِ دوَّاس بعد أن عرقبا الحمار، فحمله ابنُ دَوَّاس مع العبدين إلى ستِّ الملك، فدفنَتْه في مجلسها، وكتمَتْ أمرَه، وأطلقَتْ لابنِ دوَّاس
стр. 8680
والعبدين مالًا كثيرًا، وثيابًا [وإقطاعًا]، وأحضرت خطيرَ الملك الوزير، وعرَّفَتْه الحال، واسْتَكْتَمَتْه واستَحْلَفَتْه على الطاعة والوفاء، ورسمَتْ له مكاتبة (١) وفي العهد، وكان مُقيمًا بدمشق نيابةً عن الحاكم بأن يحضر إلى الباب، فكتب إليه بذلك، وأنفذت عليَّ بنَ داود أحدَ القُوَّاد إلى الفَرَما مدينةٍ على ساحل البحر، وقالت له: إذا دخل (٢) وليُّ العهد فاقبِضْ عليه، واحمِلْه إلى تِنِّيس، وفيه خلافٌ نذكره إن شاء الله تعالى، وكتبت إلى عامل تِنِّيس عن الحاكم بإنفاذِ ما عنده من المال، فأنفذه، وهو ألف ألف دينار وألف ألف درهم، خراجَ ثلاثَ سنين كان بتِنِّيس.
وجاء وليُّ العهد إلى الفَرَما، فقُبِضَ عليه، وحُمِلَ إلى تِنِّيس، وفقدَ الناسُ الحاكمَ في [اليوم الثاني، ومنعَ أبو عروس من فتح أبواب القاهرة انتظارًا للحاكم على حسب ما أمره به، وخرج الناسُ في] (٣) اليوم الثالث إلى الصحراء، وقصدوا الجبل، فلم يقِفوا له على أثر، وأرسل القُوَّادُ إلى أخته وسألوها عنه، فقالت: ذَكرَ لي أنه يغيبُ سبعة أيام وما هنا إلا الخير، فانصرفوا على سكون وطمأنينة، ولم تزل أختُه في هذه الأيام ترتِّب الأمورَ، وتُفرِّقُ المال، وتستحلفُ الجندَ، وبعثت إلى ابن دَوَّاسٍ فقالت: استحلِفْ لابنِ الحاكم كُتامَةَ وغيرَها. ففعل، فلمَّا كان اليوم السابع ألبَسَتْ أبا الحسن عليَّ بن الحاكم أفخرَ الملابسِ واستدعَتِ ابنَ دواس، وقالت: المُعَوَّل في قيام هذه الدولة عليكَ، وتدبيرُها موكول (٤) إليكَ، وهذا الصبيُّ ولدُكَ، فابذُلْ في خدمته وُسْعَكَ. فقبَّلَ الأرضَ، ووعدها بالطاعة، [وبلوغ ما في القدرة والاستطاعة]، ووضعتِ التاجَ على رأس الصبي، وهو تاجٌ عظيمٌ، فيه من الجواهر واليواقيت ما لم يوجَدْ في خزانة خليفة، وهو تاج المُعِزِّ جدِّ أبيه، وتحتَه مركبٌ من مراكب الخليفة، وخرج بين يديه الوزيرُ وأربابُ الدولة، فلما صار على باب القصر صاح خطيرٌ الوزيرُ: يا عَبيد الدولة، مولاتُنا السيدة (٥) تقول لكم: هذا مولاكم، فسلِّموا عليه. فقبَّلوا الأرضَ بأجمعهم،
стр. 8681
وارتفعتِ الأصواتُ بالتكبير والتهليل، ولقَّبَتْه الظاهرَ لإعزاز دين الله، وأقبلَ الناسُ أفواجًا فبايعوه، وأطلقَ المال، وفرِحَ الناسُ، وأُقيم المأتمُ على الحاكم ثلاثة أيام.
وقال القاضي القضاعي: خرج الحاكم إلى الجبل المعروف بالمُقَطَّم (١) ليلةَ الاثنين السابع والعشرين من شوَّالِ هذه السنة، فطاف ليلتَه كلَّها، وأصبح عند قبر الفُقَّاعي، ثم توجَّه شرقيَّ حُلوانَ؛ موضعٌ بالمُقطَّم، ومعه ركابيان، فردَّ أحدَهما مع تسعة نفرٍ من العرب -كانت لهم رسومٌ، ويُقال لهم: السُّويديُّون- إلى بيت المال، وأمَرَ لهم بجائزة، ثم أعاد الركابيَّ الآخر، وذكر أنه فارقه عند قبر الفُقَّاعي والقصبة، وأصبح الناسُ على رسْمِهم، فخرجوا ومعهم الموكِبُ والقضاةُ والأشرافُ والقُوَّادُ، فأقاموا عند الجبل إلى آخر النهار، ثم رجعوا إلى القاهرة، وعادوا ففعلوا ذلك ثلاثة أيام، فلمَّا كان يوم الخميس سَلْخَ شوَّال خرج مُظفَّرٌ صاحبُ المِظَفَةِ، ونسيمٌ صاحبُ السّتْر، وابنُ مسكينٍ صاحبُ الرمح، وجماعةٌ من الأولياء الكُتامِيين والأتراكِ والقُضاةِ والعُدولِ وأربابِ الدولة، فبلغوا دَيْر القَصير، والمكانَ المعروف بِحُلْوان، وأمعنوا في الجبل، فبينما هم كذلك بصُروا بالحمار الذي كان راكبَه على قَرْن الجبل قَدْ ضُربَتْ يداه بسيف فقُطِعتا، وعليه سَرْجُه ولجامُه، فتتبَّعوا الأثر، [فإذا أثرُ راجلٍ خلف أثرِ الحمار، وأثرُ راجلٍ قُدَّامَه، فقصوا الأثر] (٢)، حتى انتهوا إلى البركة التي شرقي حُلْوان، فنزلها بعضُ الرجَّالة، فوجَدَ فيها ثيابَه، وهي سبع جبابٍ مُزَرَّرةٍ لم تُحَلَّ أزرارُها، وفيها أثرُ السكاكين، فتيقنوا قتله، وكان عمرُه ستًّا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، وولايته خمسًا وعشرين سنة وشهرًا واحدًا.
ذكر ما جرى بعد فقده
قد ذكرنا ما فعلت أخته. وكان وليُّ عهده بدمشق، واسمه إلياس، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عبد الرحيم بن أحمد، وكنيته أبو القاسم، ويُلقب بالمهدي، ولَّاه الحاكم العهدَ سنة أربع وأربع مئة.
стр. 8682
قال القضاعي وغيره: إنَّ ستَّ الملك أمرت بخِلَعٍ عظيمةٍ ومالٍ كثيرٍ ومراكبَ ذهبٍ وفضةٍ، وأمرتِ ابنَ دَواس أن يشاهِدَها في الخزانة وقالت: غدًا يَخلع عليك. فقيل الأرض، وفرح، وأصبح من الغد، فجلس عند الستر ينتظر الإذن، ويأمر وينهى، وكان للحاكم مئةُ عبدٍ يختصُّون بركابه، ويحملون السيوف بين يديه، ويقتلون من يأمرهم بقتله، فبعثَتْ بهم ستُّ الملك إلى ابن دَوَّاس يكونوا في خدمته، فجاؤوا في هذا اليوم، ووقفوا بين يديه، فقالت ست الملك لنسيم صاحب الستر: اخرُجْ قِف بين يدَي ابنِ دَوَّاس، وقُلْ للعبيد: يا عَبيد، مولاتُنا تقول لكم: هذا قاتلُ مولانا الحاكم، فاقتلوه. فخرج نسيم وقال لهم ذلك، فمالوا على ابنِ دواس بالسيوف، فقطعوه، وقتلوا العبدين اللذين قتلا الحاكم، وكلُّ من اطلع على سرها [قتلَتْه] (١)، فقامت لها الهيبة في قلوب الناس.
قال ابن الصابيء: ولمَّا قتلَتِ ابنَ دَوَّاس قتلتِ الوزيرَ الخطير (٢) ومَنْ كانت تخاف منه.
وقد حكينا عن ابن الصابيء أنه قال: إنَّ ستَّ الملك قبضت على وليِّ العهد وحبسته بتنيس.
وقال القضاعي: إنَّها لمَّا كتبت إلى دمشق بحمل وفي العهد إلى مصر لم يلتفت، واستولى على دمشق، ورخَّص للناس ما كان الحاكم حظره عليهم؛ من شُربِ الخمر، وسماعِ الملاهي، فأحبَّه أهلُ دمشق، وكان بخيلًا ظالمًا، فشرع في جمع المال، ومصادرات الناس، فأبغضه الجند وأهل البلد، فكتبَتْ أختُ الحاكم إلى الجند، فقبضوه، وبعثوا به مُقيَّدًا إلى مصر، فحُبِس في القصر مكرمًا، وأقام مُدةً، وحُمِلَ إليه يومًا بِطِّيخٌ ومعه سِكِّين، فأخذ السِّكين فأدخلها في سُرَّته حتى غابت، وبلغ ابنَ عمِّه الظاهر [بن الحاكم]، فبعث إليه القُضاةَ والشهودَ، فلما دخلوا عليه اعترف أنه هو الذي فعل ذلك بنفسه، وحضر الطبيبُ، فوجد طرف السكين ظاهرًا فقال: لم تُصادِفْ مَقتلًا. فوضع وليُّ العهد (٣) يدَه عليها فغيَّبها ومات (٤).
стр. 8683
قال ابن الصابئ: كانت قد نقلت [إلياس] وليَّ العهد [-كذا سمَّاه ابن الصابئ-] إلى دارٍ، وأقامت له الإقامات، ووكلت بخدمته خواصَّ خَدَمها، وواصلته بالملاطفات والافتقاد، فلمَّا يئست من نفسها أحضرت الظاهرَ ابنَ أخيها وقالت له: لقد علمتَ ما عاملتُكَ به وأقَلُّه حراسةُ نفسِكَ من أبيك، فإنه لو تمكَّنَ منكَ لقتلَكَ، وما تركتُ [لك] (١) أحدًا تخافه إلَّا وليَّ العهد. فبكى بين يديها هو ووالدتُه، وسلَّمت إليهما مفاتيح الخزائن، وأوصَتْهما بما أرادت، وقالت لمعضاد الخادم: امْضِ إلى وليِّ العهد وتفقَّد خدمته، فإذا دخلتَ عليه فانكبَّ كأنك تُسائله بعد أن توافق الخدَمُ على ضربه بالسكاكين، فمضى إليه معضاد وقتله ودفنه وعاد فأخبرها، فأقامت ثلاثة أيام وماتت، وتولَّى أمرَ الدولة معضاد الخادم ورجل علويّ من أهل قزوين وآخرون.
قال ابن الصابئ: وكان على حلب -عند هلاك الحاكم- عزيزُ الدولة فاتِك الوحيدي، وقد استفحلَ أمرُه، وعظُمَ شأنه، وحدَّث نفسه بالعصيان، فلاطفَتْه ست الملك [وآنسته]، وراسلته، وبعثت إليه بالخِلَع والخيل بمراكب الذهب وغيرِها، ولم تَزلْ تُعمِلُ الحيلةَ حتى أفسدت غلامًا له يُقال له: بدر، وكان مالكَ أمرِه، وغلمانُه تحت يده، وبَذَلَتْ له العطاءَ الجزيل على الفتك به، ووعدَتْه أن تولِّيه مكانَه، وكان لفاتك غلامٌ هنديٌّ يهواه [ويحبُّه حبًّا شديدًا]، فاستغواه بدر، وقال (٢): قد عرفتُ من مولاكَ مللًا لكَ وتغيُّرَ نيةٍ فيكَ، وعزمَ على قتْلِكَ، ودافَعْتُه دَفَعات، وأنا أخافُ عليك. ثم تركه أيامًا، ووهبَ له دنانيرَ وثيابًا، ثم أظهر له المحبةَ وقال: إن عَلِمَ بنا الأميرُ قتَلَنا. فقال الهندي: فما أفعل؟ فاستحلَفَه واستوثق منه، وقال: إن قبلتَ ما أقولُ أعطيتُك مالًا وأغنيتُكَ، وعِشنا جميعًا في أطيب عيش. قال: فما تُريد؟ قال: نقتُلُه ونستريحُ منه. فأجابه فقال: الليلةَ يشربُ وأنا أسقيه وأميلُ عليه، فإذا سكر فاقتُله. وجلس فاتك على الشُّرب، فلمَّا قام إلى مرقده حمل الهنديّ سيفَه وكان ماضيًا، فلمَّا دخل في اللِّحاف وبدرٌ على باب المجلس واقف، فلمَّا ثقُلَ في نومه غمزَ بدرٌ الهنديَّ فضربه بالسيف فقطع رأسَه، فصاح بدرٌ واستدعى الغِلمان، وأمرهم بقتل الهنديِّ، فقتلوه، واستولى
стр. 8684
بدرٌ على القلعة وما فيها، وكتب إلى أخت الحاكم بما جرى، فأظهرتِ الوَجْدَ على فاتك، وشكرَتْ بدرًا على ما كان منه في حفظ الخزائن، وبعثَتْ له بالخِلَع، ووهبت له جميع ما خلَّف مولاه، وقلَّدَتْه (١) موضِعَه، ونظرَتْ في الأمور بعد قتل الحاكم أربع سنين، أعادتِ المُلكَ فيها إلى غضاريه، وغمرتِ الخزائنَ بالأموال، واصطنعَتِ الرجال، ثم اعتلَّت عِلَّة لَحِقَها فيها ذَرَبٌ، فتوفِّيت.
قال المصنف ﵀: وفي أيام الحاكم كان أبو الحسن علي بن محمد التِّهامي الشاعر. [ذكره الحافظ ابن عساكر (٢) وقال]: وكان عليَّ الهِمة، شريفَ النَّفس، قارئًا لكتاب الله تعالى، طلب الخلافة بالشام، وخرج معه جماعة، فغدر به آل الجرَّاح الطَّائيين، وتقرَّبوا به إلى الحاكم، وحملوه إليه [إلى مصر]، فحبسه في خزانة البنود إلى أن مات بها. وقيل: إنَّ الحاكم عفا عنه وخلَّى سبيله، ومن شعره مرثيَّة في ولده: [من الكامل]
حُكْمُ المنيَّةِ في البريَّةِ جارِ … ما هذه الدنيا بدارِ قرارِ
بينا يُرى الإنسانُ فيها مُخْبِرًا … حتى يُرى خبرًا من الأخبارِ
طُبِعَتْ على كدَرٍ وأنتَ تُريدُها … صَفوًا من الأقذاءِ والأكدارِ
ومكلِّفُ الأيامِ ضِدَّ طباعِها … مُتطَلِّب في الماءِ جَذوةَ نارِ
وإذا رجوْتَ المستحيلَ فإنَّما … تبني الرجاءَ على شفيرٍ هارِ
فالعيشُ نومٌ والمنيةُ يقظة … والمرءُ بينهما خيالٌ سارِ
والنفسُ إنْ رضِيَتْ بذاكَ وإنْ أبَتْ … منقادةٌ بأزِمَّةِ المقدارِ
فاقضوا مآرِبَكُمْ عِجالًا إنَّما … أعمالُكُمْ سَفَرٌ من الأسفارِ
وتراكضوا خيلَ الشبابِ وبادِروا … أن تُستَرَدَّ فإنهنَّ عَوارِي
فالدَّهرُ يَخدع بالمنى ويُغِصُّ إنْ … هنَّا (٣) ويهدِمُ ما بنى ببوارِ
ليس الزمانُ وإن حرصتَ مُسالمًا … خُلُقُ الزمانِ عداوةُ الأحرارِ
стр. 8685
يا كوكبًا ما كانَ أقصَرَ عُمْرَهُ … وكذا تكونُ كواكبُ الأسحارِ
وهلالُ ليلاتٍ مضى لم يستَدِرْ … بدرًا ولم يُمْهَلْ ليومِ سِرَارِ (١)
عَجِلَ الخسوفُ عليهِ قبلَ أوانهِ … فمحاهُ قبلَ مَظِنَّةِ الإبدارِ
فاستلَّ من أثوابهِ ولدَاتِهِ … كالمُقلَةِ اسْتلتْ من الأشفارِ
فكأنَّ قلبي قبرُهُ وكأنَّهُ … في طيِّهِ سِر من الأسرارِ
إنَّ الكواكبَ مع علو مَحلها … لتُرى صغارًا وَهْيَ غيرُ صغارِ
ولَدُ المُعَزَّى بعضُهُ فإذا مضى … بعضُ الفتى فالكلُّ في الآثارِ
جاورتُ أعدائي وجاورَ ربَّه … شتَّانَ بينَ جوارِه وجواري
أشكو بِعادَكَ لي وأنتَ بموضعٍ … لولا الرَّدى لسمِعْتَ فيه سِراري (٢)
والشَّرقُ نحوَ الغربِ أقرَبُ شُقَّةً … مِنْ بُعْدِ تلكَ الخمسةِ الأشبارِ
ولقد جَرَيتَ كما جَرَيتُ لغايةٍ … فبلغتَها وأبوكَ في المضمارِ
فلئِنْ نطقْتُ فأنتَ أولُ منطقي … ولئِنْ سَكَتُ فأنتَ في إضماري
ثوبُ الرياءِ يَشِفُّ عمَّا تحتَهُ … فإذا التحفْتَ بهِ فإنَّكَ عارِ
والهُوْنُ في ظِل الهُوَينا كامِنٌ … وجلالةُ الأخطارِ في الإخطارِ
قَدْ لاحَ في ليلِ الشبابِ كواكِبٌ … إنْ أَمْهَلَتْ آلَتْ إلى الإسفارِ
وَتَلهُّبُ الأحشاءِ شَيَّبَ مَفْرِقي … هذا الضياءُ شُواظُ تِلْكَ النَّارِ
من أبيات. وقال يمدح الشريف أبا عبدا لله محمد بن الحسين النَّصيبي نقيب النقباء بدمشق: [من الخفيف]
زارنا في دمشقَ من أرضِ نجدٍ … لكَ طيفٌ سرى ففَكَّ الأسرا
وأرادَ الخيالُ لَثْمي فصيَّرْ … تُ لِثامي دونَ المراشِفِ سِتْرا
فاختلينا بُدُورَ نجدٍ بأرضِ الشَّآ … مِ بعد الرُّقادِ بدرًا بدرا
ارحلي إنْ أردْتِ أوْ فأقيمي … أعظمَ الله للهوى فيَّ أجرا
لا تقولي لقاؤُنا بعدَ عشرٍ … لستُ ممَّنْ يعيشُ بعدكِ عشرا