← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

كان يجلس الوُعَّاظ، وكان له تصانيفُ في الوعظ وأشعارٌ، وكان صاحبَ معاملات وكرامات، وأنشد ليلةَ العيد لنفسه: [من مجزوء الرمل] أنا ما أصنعُ باللَّذَّاتِ … شُغلي بذنوبي إنَّما العيدُ لِمَنْ فا … زَ بحَظٍّ من حبيبِ أصبحَ الناسُ على رُوْ … حٍ ورَيحانٍ وطِيبِ ثمَّ أصبحتُ على نَوْ … حٍ وحُزْنٍ ونحيبِ فرحوا حين أهلُّوا … شهرَهم بعد المغيب وهلالي متوارٍ … من ورا حُجْبِ القُلوبِ فلهذا يا خليلي … قلتُ للذَّاتِ غيبي وجعلتُ الهمَّ والحُزْ … نَ من الدُّنيا نصيبي يا حياتي يا مماتي … يا سَقامي يا طبيبي خُذْ لصَبٍّ يتلظَّى … منكَ من حرِّ اللَّهيبِ وأنشد: [من السريع] أحببتُه فردًا لأنَّ الهوى … توحيدُه أحسنُ من شِرْكِهِ ملكْتَني أحسنَ ملك الهوى … قد يُحسِنُ المولى إلى مِلْكِهِ فلو أرادَ اللهُ سَتْرَ الهوى … ما سلَّطَ الدمعَ على هَتْكِهِ إنْ كان لا يُرضيكَ إلَّا دمي … فقَدْ أذنَّا لك في سَفْكِهِ وكانت وفاته بدمشق في جمادى الأولى، ودُفِنَ بمشهد القدم. [وفيها تُوفِّي] علي بن عبد العزيز بن إبراهيم (١) أبو الحسن، الكاتب، ويُعرف بابن حاجب النعمان، كاتب القادر بالله، ولد في شعبان سنة أربعين وثلاث مئة، وكان أبوه يخدم أبا عمر المُهلَّبي في أيام وزارته، وكتب عليٌّ للطائع لله، ثمَّ للقادر بالله، سنة ست وثمانين وثلاث مئة، فكتب للخليفتين

стр. 8752

أربعين سنة، وهو الَّذي بعثه الطائع ليقبض على القادر، وكان يضرب بين القادر وأبيه القائم، وما كان يؤثر خلافة القائم، فلمَّا خُطِبَ له خاف، واتَّفق موتُه يوم الجمعة وقتَ الظهر لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب، ودُفِنَ ببركة زلزل، ثم نُقِلَ تابوتُه إلى مقابر قريش سنة خمس وعشرين وأربع مئة، وكان كاتبًا فصيحًا بليغًا. [وفيها تُوفِّي] محمود بن سُبُكْتِكين أبو القاسم، يمين الدولة، أمير خراسان، وكان أبوه سُبُكْتِكين -وكنيته أبو منصور- صاحبَ جيش الملوك السامانية ملوك سمرقند وفَرْغانة وما والاها [أكثر من مئة سنة وقد ذكرناهم]، فاستولى سُبُكْتِكين على خُراسان بعد وفاة منصور بن نوح، وتُوفِّي سُبُكْتِكين سنة تسع وثمانين (١) وثلاث مئة. ووُلدَ محمود يوم الخميس الرابع عشر من ذي الحجَّة سنة إحدى وستين وثلاث مئة، ولما تُوفِّي أبوه تنازع محمود وأخوه إسماعيل، فظهر عليه محمود، واستولى على خُراسان، ثمَّ سار إلى السامانية، فاستولى على ملكهم، وأقام الخطبة للقادر، ولم يكونوا يخطبون له، وراسَلَ (٢) بهاءُ الدولة أبا نصر بن بويه بأبي عمر البسطامي، وبعث معه هدايا وفِيَلَة، وسأله خطابَ الخليفة في توليته، فسفر بينهما، وكتب إلى فخر الملك يتولَّى ذلك ويقول: قد خطبَ للخليفة في أماكن لم يخطب له فيها غيرُه. فأجابه القادر، وبعث إليه الخِلَع في شعبان سنة أربع وأربع مئة، ولقبه يمينَ الدولة وأمينَ الملة، ثم أُضيفَ إلى ذلك: بسطامُ الدين ناصرُ الحق. ومَلَكَ [محمود] بلاد سِجِسْتان، ودخل الهندَ والسندَ، وفتح أماكن عظيمةً (٣) لم يصِلْ إليها غيرُه [وقد ذكرنا بعضها]، ونزل على بعض البلاد. [وقيل] (٤): على القلعة

стр. 8753

التي ذكرنا أنها تسَعُ خمس مئة ألف إنسان، فصالحه صاحبُها (١) على خمس مئة فيل وثلاثةِ آلاف بقرة، وبعث محمود إلى الملك قَباءً وعِمامةً وسيفًا ومِنْطَقَةً وفرسًا بمركب ذهب، وخاتمًا عليه اسمُه، وأمره أن يقطع أصبُعَه، وهي عادة التوثُّق (٢) عندهم، وكان عند محمود عِدَّةُ أصابع ممَّن هادنه، فلبس الخِلْعةَ، وأخرج حديدةً فقطع بها أصبعه الصغرى من غير أن يتغيَّر وجهُه، وأحضر دواءً فطرحه عليها وشدَّها. وغَنِمَ محمود من الهند أموالًا لم يغنَمْها غيرُه [وقبضَ على رستم بن علي بن بُوَيه صاحب الريِّ، وكتب إلى القادر أنَّه وجد عنده خمسين امرأةً، وقد ذكرنا القصة]. وخُطِبَ له في عامة بلاد المشرق، وعقَدَ جسرًا على جَيحون غَرِمَ عليه ألفي ألف دينار، ولم يقدِرْ على ذلك غيرُ الإسكندر، وكان في عسكره ألفُ فيلٍ يُقاتل عليها، وبلغَتْ جريدةُ عساكره مئةَ ألف فارسٍ وراجلٍ، وحُمِلَ إليه من النَّسْناس بِغَزْنة (٣) شخصان، والأتراك يصيدون النسناس ركضًا على الخيل؛ لِشدَّة عَدْوهم، فإذا قصروا أخذوهم، وللنسانس قضيبٌ -يخرج من بين الشَّعر الَّذي على جسده إذا أنْعَظَ (٤) - أحمرُ مثلُ قضيب الكلب، ويغوِّط كما تغوِّط البهائم، ولحومُهم أطيبُ اللحوم، فاستفتى محمود الفقهاءَ، فقالوا: لا يجوز أكلُ لحومِهم، وهم يَصْفِرون مثل الوحش، ويَرْعَون الحشيش. ذكر وفاة محمود: عرض له سوءُ مزاج وانطلاقُ بطنٍ، وهو على غزواته لا ينثني، فلمَّا نزل به الموتُ أحضر الجواهرَ التي اقتناها من ملوك خُراسان وما وراء النهر و [عظماء] التُّرك والهند، وكانت سبعين رطلًا، فصُفَّتْ بين يديه، فلمَّا رآها بكى بكاءً [شديدًا]، (٥)، فتحسَّر

стр. 8754

عليها، ومات بغَزْنة يوم الخميس لسبعٍ بَقِينَ من ربيع الآخر وهو ابن ثلاث وستين سنة، ملَكَ منها ثلاثًا وثلاثين سنة، ومات وهو مستندٌ في دَسْتِه، لم يضَعْ جنْبَه إلى الأرض. وكان ديِّنًا، كثيرَ الصدقاتِ والصِّلات والمعروف، وقام ولدُه مسعودٌ مقامَه وله نوادر، منها [ما ذكره محمود الأصبهاني] أنَّه مرض مرضًا مُزْمِنًا، واعتُقِل لسانُه، فاتَّفق الأطبَّاء أن يُحمل على سريره ويُطاف به المارستانات على المرضى ليهون ما به، فأدخلوه بعض المارستانات، فجاء إلى بيتٍ مُقفَلٍ وعليه سلاسلُ، فأشار إليهم بيده أنِ افتحوه، فقال قَيِّم المارستان: فيه مجنون، لو ظهر لتأذَّتْ به المملكة. فقال: لا بُدَّ [من فتحه]. ففتحوه، وإذا بشابٍّ في عنقه سلسلةٌ، وفي رجليه قَيدٌ، ويداه مغلولتان إلى عنقه، فلمَّا رآه ناداه: يا محمود، ما نفعَكَ مِلْكُكَ وسلطانُكَ حتَّى أتيتَ إلى المرضى تطلُبُ عندهم الشفاء؟ فأنطقَ اللهُ محمودًا وقال: نَعَمْ، إنما جئتُ لأضَعَ سلاسِلَكَ في عنقي، وأُفَوِّضَ إليكَ مملكتي. فقال له المجنون: لو فعلَ سيِّدي هذا ما احتَجْنا إلى وساطتِكَ. ثم قال: يا محمود، أنا راضٍ بما أنا فيه عن سيِّدي، فهل أنتَ راضٍ عن سيِّدِكَ؟ فبكى محمود وقال له: قد وجدتُ الشفاءَ ببركتِكَ، فسلني حاجةً. فالتفتَ المجنونُ إلى بعض مماليك محمود وسأله، فقال له محمود: أنا أقولُ لكَ: سَلْني، وأنتَ تسألُ مملوكي؟ فقال له المجنون: وكذا أنا أخافُ غدًا أن يقول لي سيدي: تركتَ المالِكَ وسألتَ المملوكَ. فبكى محمود وقال: لا بُدَّ من حاجة. فقال: عِدْلُ قمح؟ قال: وما قيمةُ عِدْلِ قمح؟ اطلُبْ عِدْلَ جوهر. فقال: ما أُريد إلا عِدْل قمح. فقال: احْمِلوه إليه. فقال: ما أُريد أن يحمله إلا أنت. فقال محمود: واللهِ ما لي طاقةٌ أحمِلُ مُدًّا، فكيف أحمِلُ عِدْلًا؟ فقال: يا مسكين، إذا كنتَ لا تقدِرُ على حَمْلِ مُدٍّ [من] قمح فكيف تقدِرُ غدًا أن تحمل حقوقَ العباد كلِّهم؛ فبكى محمود، وخرج من عنده، وأقام أيامًا وتُوفِّي، وكان كلَّما ذَكَرَ كلامَ المجنون يبكي. وقال هلال بن الصابئ: كان ابنُه مسعود بأصبهان، وبلغه خبرُ موتِه، فلبس السواد، وجلس للعزاء، ورتب صاحبًا له بأصبهان، ورحل طالبًا خراسان، فلمَّا سار قليلًا وثب

стр. 8755

أهلُ البلد على أصحابه، فقتلوا منهم جماعةً، ولحِقَ به مَنْ أفلت، فعاد إلى البلد، فخرج إليه أهله وقاتلوه قتالًا شديدًا، فلم يثبتوا له، فهزمهم ودخل البلد، وألقى فيهم السيف، فقتل أربعين ألفًا في المساجد والجوامع؛ لأنهم لجؤوا إليها، ونهب البلد، وسبى الحريم، وفعل فعلًا قبيحًا، وجاء إلى الريِّ فاستخلف بها بعضَ أصحابه، وسار إلى خُراسان. ولقد عَظُمَ أمرُ محمود عِظَمًا كبيرًا، وقهر ملوكَ الهند قهرًا كبيرًا، وفعل الأفاعيل المذكورة، ووقف المواقفَ المشهورة، وجمع من الأموال ما ملأ به القلاع والخزائن. وكان ظاهِرُه التديُّن والتسنُّن مع شُربِه للنبيذ على الدوام والاتصال، وتصرُّفه على الأخلاق التركية في أكثر الأحوال، وكان في مسيره شديدَ الغِلْظة، ثقيلَ الوطأة، قاصدًا أخْذَ الممالك على أحسن طريقة وأصعب مطالبة، إلَّا أنَّه مع ذلك يحمي النواحي ويحوطُها، ويحرس الطُّرقَ ويضبطُها، ويقيم السياسة على أفضل رسومِها وأكمل شروطِها، وكان مرضُه بالعِلَّة التي كان يُقاسيها منذُ ثلاث سنين، وهي سوء المزاج وانطلاق البطن في الأسبوع أيامًا حتَّى يمسك بالأدوية، وهو في جميع ذلك لا ينثني عن مقاصده وغزواته، ولا يُخِلُّ بأسفاره ونهضاته، ولم يترُكْ إلى آخر أيامه في مرضه الجلوسَ للإذْنِ العامِّ مرتين بالغداة والعشيِّ، وكان أطِبَّاؤه يأمرونه بالرفاهة فيقول لهم: تريدون أن أعتزِلَ الإمارةَ. ولم يضَعْ جنبَه إلى الأرض عند موته، و [لمَّا مات محمود] حُمِلَ تابوتُه من قصره إلى قصرٍ كان بظاهر البلد يُدعى بالفيروزي كان أيامَ مُقامِه بغَزْنَة، يؤثره على سائر قُصوره. وضبط عليٌّ الحاجبُ الأمورَ مع اضطراب البلد، وواصل الكَتْبَ إلى الأمير محمد بن محمود بالحثِّ على التعجيل، وكان بالجُوزْجان، فخرج منها بعسكره، فوصل إلى غَزْنة بعد أربعين يومًا. وقال العباس بن الحسين البَنْدنيجي: كان رجلٌ من السَّامانية يُكنى بأبي إبراهيم، وكان الصعاليك يجتمعون إليه، فيقصِدُ بهم ناحيةً ناحيةً يجبي خَراجها، وربما فعل

стр. 8756

ذلك فيما وراء النهر، وكان محمود يُكاتبه ويستميلُه، وبَذَلَ له أن يُزوِّجَه ابنتَه، فلم يقبَلْ، وقال: يريد مني أن أخْدُمَه، وأقِفَ في مجلسه، وأُقَبِّلَ الأرض بين يديه، وهذا شيء لا تطاوعني نفسي عليه أبدًا، وأنا أجول في هذه البلاد بقيةَ عمري ولا أذِلُّ لأحد. وكان محمود يُنفِذُ السرايا في طلبه، وهو ينتقل من مكان إلى مكان، ويتعرَّف محمود خبرَه، فيسترحِلُه ويستجلِدُه، فجرد إليه أرسلان الحاجبَ أميرَ طوسَ، وقال له: إذا وقع في يدك فلا تُحدِثْ فيه حَدَثًا وأحضِرْنيه حيًّا. وهذه كانت عادتُه في وصاياه بجنوده إذا قصدوا عدوًّا؛ ينهاهم عن قتله. وسار أرسلان، والتقَوا، فانهزم أبو إبراهيم، وأتبعه أرسلان، فلمَّا دنا منه قال: أمَّا تستحيي مني؟ تُريد أن تقتُلَني وأنتَ مولاي ومولى آبائي؟ فرجع عنه؛ لأنه كان من مماليك السَّامانية، فانتهى أبو إبراهيم إلى حِلَّةِ قومٍ من العرب يقال لهم: بنو خَمَّان، فعرفوه وأنزلوه وأكرموه، ونام من شِدَّة التعب، فقال رئيس الحِلَّة: هذا رجلٌ مطلوبٌ، والصواب أن يُقبَضَ عليه، فإنه طَلِبةُ محمود. فقالوا: ما هذا فِعْلُ العرب، ولا يحسُنُ، ولا جرَتْ به عادة. فلم يقبَلْ، وقتَلَه وهو نائم، وجعل رأسه في مِخْلاةٍ، وجاء به إلى محمود، واستأذن وقال: معي سِرٌّ لا أذكرُه إلَّا للملك. فأحضره بين يديه، وأخرج الرأسَ من المِخْلاة، وألقاه إليه، فوجَمَ محمود وقال: كيف فعلتَ به؟ فحكى له صورةَ ما جرى، فبكى بكاءً شديدًا، وأمَرَ بصَلْبِ الأعرابي، وبعثَ أرسلان إلى العرب، فقتل جميعَ مَنْ في الحِلَّة حتَّى النساء والصبيان، وقال: واللهِ لا تركتُ منهم نسمةً تشمُّ الهواء. وقال محمود: هؤلاء قومٌ قتلوا ملكًا، وخرقوا ذِمامًا، وفارقوا رسومَ العرب، أفلا أقتُلُهم؟. وأياز مملوك محمود صاحب الحكايات. ولمَّا عبر محمود وراء النهر ووصل إلى بلاد مَدْرخان وكان ملكًا عظيمًا، مشى السُّفراء بينهما في إصلاح الحال، واستقرَّ أن يركب كلُّ واحدٍ في عشرين غلامًا من خواصِّه ويجتمعا، فلمَّا اجتمعا أخذ أيازُ قوسًا، وفَوَّقَ سهمًا (١)، فقال محمود: ما هذا؟ قال: رأيتُ واحدًا من أصحاب مَدْرَخان قد فَوَّقَ سهمًا، ففعلتُ مثله شفقةً عليك، ثم اجتمعا، وسأله محمود الممالحة، فأبى،

стр. 8757

وقال: هذا يومُ سلام لا يومَ طعام. فلم يزل يُراجعه حتَّى أجاب، وضرب له محمود خَرْكاةً (١) من ذهب، وغشَّاها بالسَّبَج (٢)، وأحضر منقلًا من ذهب، وعِوَضَ الجمر أُكَرًا (٣) من ذهب، فأكلا، وتعاهدا، وقَدِمَ الخَرْكاة، وكشفها حتَّى شاهدها، فقال مَدْرَخان: نحن ما نعرف هذه، ولا تصلح لنا. فقال محمود: الذهب لا يُستغنى عنه. ولم يزل به حتَّى قَبِلها. ولمَّا أوغل محمود في بلاد الهند في السنة التي انقطع فيها خبرُه، وأرجف بهلاكه، عبر جَيحون مع أيلك التركي في مئة ألف غلام، فاستولى على بَلْخ وهَراة ومرو ونيسابور، وهرب نُوَّاب محمود، وعرف ذلك، فرجع إلى غَزْنة في أربعة آلاف رجل، ونزل بقية عسكره وراءه، فتلاحقوا، حتَّى اجتمع عنده خمسون ألفًا، وكان معه فيلٌ عظيمٌ، وسار فقطع جَيحون، وخرج أيلك في مئة ألف من بَلْخ، فقال الفيَّال لمحمود: اركب الفيل فركبه وحمل، فقال محمود للفيَّال: اقصد الراية. فقصدها، فحمل عليه صاحبُ الراية، فأخذها الفيل بخرطومه فكسرها، وانهزموا، وكان مَنْ غرِقَ في جَيحون أكثر ممَّن قُتِل، وغنِمَهم وأخذ جميع ما كان معهم، ولمَّا وصلوا إلى جَيحون أمر محمود أصحابَه بالكفِّ عنهم، وهذه كانت عادتُه، وكان خُوارَزم شاه يومئذٍ من بعض مماليكه، وجيشُه عشرة آلاف. وجلس يومًا بين يديه ولداه محمد ومسعود، فقال لمحمد: إن حدَثَ فيَّ أمرُ الله ما تصنع؟ فقال: ألزَمُ تربتكَ، وأصومُ، وأتصدَّقُ عنكَ، وأقرأُ وأترحَّمُ عليك. فقال لمسعود: وأنت؟ فقال: إنِ اتَّفق أنك تستشهد في أرضٍ قتلتُ أهلَها، ولم أترُكْ فيها أحدًا، وأخذتُ بثأرِكَ، وأُواصِلُ الغزو، وأجعلُ لكَ حظًّا من كلِّ غزوة، وأتصدَّق عنك، وأُخرِجُ في كلّ سنةٍ مَنْ يحجُّ عنك. فقال: فما تعمل مع أخيك؟ قال: ما فعلتَه أنتَ بأخيك. وكان محمود قد أحضر أخاه إسماعيل في قلعة وقبض عليه وقتله، فغضب محمود، وكانت رجله في حجر مسعود، فجذبَها وأقامه، وكان مقصود محمود من فتح

стр. 8758

الريِّ أن يرتب ولده مسعودًا فيها، ويُبعِدَه عن محمد. وضمَّ إليه سبعةَ عشر ألف رجل، لم يُعْطِه مالًا، وقال: استخرِجْ من الارتفاع ما يكفيك. وكان عفيفًا عن أموال الناس، فاحتاج إلى نفقة الجند، فكسر أواني داره، وأنفقها فيهم، واستدعاه وقال: أُريد أن تحلِفَ لي إنْ حدث بي حادثٌ أنك لا تُقاتِلُ محمدًا أخاكَ ولا تنازعُه. فقال: أفعل هذا بعد أن يشهد مولانا عليه أنني لستُ ولدَه. قال: فكيف يكون ذلك؟ قال: لأنني إن كُنْتُ ابنَه فلي حقٌّ في خراسان وفي المال. قال: فهو يحمل إليك حقَّكَ. فقال: إذا حضر هاهنا والتزم هذا فعلتُ، أمَّا أن يكون بغَزْنة وأنا بالريِّ فلا ألتزم له ذلك. وجرَتْ بينهما محاورات، وقال له في آخر كلامه: فاحلِفْ لي أنك لا تتزوج من الدَّيلم. فقال: أمَّا هذا فنعم. وحلف له. وكان أبو القاسم أحمد بن الحسن المِيمَنْدي قريبًا من محمود، ولم يكن نافذًا في الكتابة، وإنما قدَّمه محمود لمقامٍ قام به في خدمته، وذلك لأنه غزا بلادَ قشمير، فنزل على قلعتها، وكانت حصينةً، فتأخَّر عنها إلى بُعْدِ، وركب يومًا في بعض خواصِّه منهم المِيمَندي، وقصد تلًّا قريبًا من القلعة ينظر من أين يصل إليها، ورآه القوم من رأس القلعة، فأرسلوا مَنْ أحاط بالتلِّ، وشاهد محمود وأصحابُه الهلاكَ عيانًا، فقال [له] (١) المِيمَندي: لا تضطرِبْ، فسأحتال في خلاصنا، فتقدَّم إلى الهند وكلَّمَهم، فقالوا: من أنتَ؟ فقال: محمود الملك. فقالوا: لك نريد. فقال: عندي من ملوككم فلانٌ وفلاد، وأنا أفدي نفسي بهم، وأُحضِرُهم هاهنا، وأنزِلُ على حُكمِكُم فيما تقترحونه. فَسُرُّوا بهذا القول، وقالوا: أحضرِ القومَ. فقال لبعض الغلمان: امْضِ إلى ولدي وعسكري، وعرِّفْهم خبري، وأحضِرْ فلانًا وفلانًا وفلانًا؛ لأُخلِّص بهم نفسي. فلمَّا توجَّه ردَّه وقال: هذا صبيٌّ ما يُحسِنُ أن يُؤدِّي ما أُريده. ثم التفتَ إلى محمود وقال: أنت عاقل، فامْضِ وعَجِّل. فمضى، فلمَّا وصل إلى عسكره التقاه قومٌ، وقبَّلوا الأرضَ بين يديه، ورآهم الهنود من أعلى القلعة، فسألوا المِيمَندي عنه، فقال: هو محمود، وقد احتَلْتُ في خلاصه، فأَعْجَبَ الملكَ فِعْلُه وقال: فتوسَّطِ الحال بيننا وبينه. ففعل ذلك، ورحل

стр. 8759

عنهم، وكان محمود يرى للمِيمَندي ذلك، ودخل عليه يومًا وقال: يا مولانا، قد وصلتُ ابنتي بابن أخي، وأريد الغلمان يحضرون عندي. فقال: نعم، وما يُستكثر لك. وكان يوسف أخو محمود حاضرًا، فقال محمود للمِيمَندي: ما اسمُ العروس؟ فقال: أزليخا. قال: والصِّهر؟ قال: أحمد. فقال له محمود: لا تظلِمْها، فإنَّ الله زوَّجَ يوسفَ بأزليخا، وقد رأيتُ أن أُزَوِّجَها بأخي. فقبَّلَ الأرض وقال: هذا أمرٌ ما حدَّثْتُ به نفسي قطُّ؛ لأنه أكبرُ من قدري. وقال محمود ليوسف: ما ترى في هذا الأمر؟ فقال: السلطان المُعظَّم يملك نفسي. فقال محمود للمِيمنَدي: غدًا أجيء عندك. فقبَّلَ الأرضَ ومضى، فلمَّا كان من الغد جاء محمود وأخوه يوسف إلى دار المِيمندي، فأكبر الناسُ ذلك، فقال محمود: لا بُدَّ من تشريف أخي بحضوري. ثم عقد العقد، وأكلوا وشربوا، واستدعى محمودٌ ابنَ أخي المِيمَندي وقال: كسَرْنا قلبَكَ، هذه ألفُ دينار، اشتَرِ بها جاريةً حسناء، ونحن نُحسِنُ إليك فيما بعدُ. وعظُمَتْ منزلةُ المِيمَندي، وتزايد محلُّه، ثم قبضَ عليه محمود بعد ذلك واستأصله، وأخذ منه ألفَ ألفِ دينار، وحبسه في القلعة، وسببُه أنَّه دعاه إلى ضيافته، ووضع بين يديه قرصًا مسمومًا، فغمز بعضُ غِلمان المِيمَندي محمودًا، فأمر برفعه، وتغيَّر وجْهُ المِيمَندي، وقام محمود فأطعم منه حيوانًا فمات، وأراد المَيمَندي أن يقتل محمودًا ويُجلِس أخاه يوسف مكانَه، فقال محمود: ما جازانا المِيمَندي. واستشاره محمود في قطع جَيْحون، فأشار عليه بعبوره، فغرم ألفي ألف دينار، ولم يحصُل له غرض، فقال للمِيمَندي: أنت غرَّرتني، وغرَّمه إيَّاها، ولم يقتُلْه مراعاةً لما فعل معه قديمًا، وأقام محبوسًا في القلعة حتَّى مات محمود، وأطلقه مسعودٌ واستوزَرَه. وكان محمود رَبْعةً من الرجال، صغيرَ العينين، أشقرَ الشعر، مستديرَ اللحية، خفيفَ العارضين، قد وخَطَه الشيبُ فيها، وكان يتوصَّل إلى أخذ الأموال بكل حيلة (١)، وكان بنيسابور رجلٌ تاجرٌ له مالٌ عظيم، فاستدعاه إلى غَزْنة وقال: بلَغَنا أنك قِرْمطيٌّ. فقال: واللهِ

стр. 8760

ما أعرِفُ هذا المذهب، ولا أنا من أهله، بلى لي مالٌ كثيرٌ فخُذْ منه ما تريد، واعفِني من هذه السِّمة. فضحك وقال: اجتمع مع المِيمَندي [-وكان المِيمَندي يستخلص له المال-] فاجتمع به، فَقَرَّر عليه مالًا، فلمَّا عاد إلى محمود قال [له]: أسألك أن تكتب لي كتابًا إلى نيسابور بأنني ما أنا قرمطيٌّ بل سُنَيٌّ. فضحِكَ وكتبَ له. وكان سُبُكْتِكين قد أخرب مشهدَ (١) علي بن موسى الرِّضا بطُوس، وأجرى الخيلَ عليه، ودثره وعَفَّى آثاره، فلمَّا وَلِيَ محمودٌ [ولدُه] رأى أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في المنام وهو يقول له: إلى كم هذا؟ فوقر (٢) في نفسه أنَّ ذلك لأجل المشهد، فتقدَّم ببنائه، وردَّه إلى أحسن ما كان عليه، ورَدَّ أوقافه، وكان أهلُ طُوسٍ يؤذون (٣) أكثر مَنْ يزوره، فزجرهم عن ذلك، وعادَتْ حالُه إلى أجمل ما كانت [عليه]، وقصده الناس بالزيارة من بلاد خُراسان [كلِّها] ما وراء النهر، وأمر أن يُجرى لزوَّاره ما يحتاجون إليه. وأَمَّا ولدُه مسعود فإنَّ كتابَه ورد على الأجلِّ العادلِ بفارس من نيسابور، أنَّه قد استولى على خُراسان، وملَّك أخاه محمدًا، وأبقى عليه وتركه في بعض القلاع مُوسَّعًا عليه، مصونًا، وأنه قد جرد إلى أبي جعفر بن كاكويه إلى الري العساكر، وكان أبو جعفر قد دخلها بسبعة عشر ألفًا يدفعونه عنها، والتمس من الأجَلِّ مخاطبةَ ابنِ كاكويه بالخروج من الريِّ، فأحسن الأجلُّ إلى الرسُلِ وخلع عليهم، وكتب الجواب، وعادوا به إليه. السنة الثانية والعشرون وأربع مئة فيها في المُحرَّم نقب اللُّصوص دارَ المملكة وجلالُ الدولة فيها، وأفضَوا إلى حجرةٍ من حُجَر الحرم وأخذوا منها ثيابًا، ونَذِرَ بهم فهربوا، فرتَّب الملكُ حُرَّاسًا يطوفون حولها كلَّ ليلة (٤).

стр. 8761

وفي آخر ليلة بقيت من المُحرَّم استتر الوزيرُ عميدُ الدولة، ثم هرب إلى تِكريت، وقد كان استترَ قبل ذلك وسكن دارَ الخلافة، ثم توسَّط القادرُ حاله وخرج، ثم استترَ ثانيًا وخرج إلى تِكريت، وسببُه سوءُ رأيِ جلال الدولة وإطماعِه الأتراكَ فيه والمصادرات. وفي يوم الثلاثاء خامس ربيع الأول صرف أبو الفضل محمد بن علي بن عبد العزيز ابن حاجب النعمان عن كتابة القادر، وكانت مدةُ كتابته سبعةَ أشهر وعشرين يومًا، وتوصَّل عميدُ الرؤساء أبو طالب محمد بن أيوب إلى التعلُّق بخدمة القائم، فتمَّتْ له كتابتُه، وعاونَه ريحانٌ خادمُ القائم، ونُقِلَ إلى الخليفة عن أبي الفضل أشياءُ أوحشَتْه منه، فأبعدَه وسلَّم الكتابة إلى أبي طالب. وفيها وَزَرَ النفيسُ مُعِزُّ الملك أبو الفتح محمد بن الفضل بن أزدشير لجلال الدولة. قال هلال: وفي هذا الوقت وردَ مَنْ أخبر بما جرَتْ عليه الأمور بخُراسان بعد وفاة محمود، فقال: لمَّا مات محمود اتَّفق أبو الحسن علي خشاوند الحاجب وأبو علي حُسينك الوزير، وبينهما مودَّةٌ ومصافاةٌ على إمضاء وصية محمود في ترتيب محمدٍ ولدِه من بعدِه، فكاتباه، فورد، واجتمعت كلمةُ الجند على تأميره، وأطلقَ لهم الأموال، واستولى على البلاد والقلاع، وورد مسعود إلى نيسابور، وقد جرَتِ الأمورُ على ذلك فأقام، واختلفت بينه وبين أخيه محمدٌ مراسلاتٌ، ومال الجند إلى مسعود؛ لقوَّةِ نفسه، وزيادةِ فضله، وتمامِ هيبتِه، وكثرةِ حشمتِهِ، وراسلَه القُوَّاد، واستمال عليًّا الحاجبَ واجتذبه، وحدث بين الحاجب وحُسينك الوزير فسادٌ، فقبض عليه، واعتقله في القلعة، وسار محمدٌ يُريد قتال أخيه، فبرك بكساباذ، وقد تغيَّر الجند عليه، ومالوا إلى مسعود، فخاف الحاجبُ أن يعلنوا بذكر مسعود من غير أن يظهر منه أثرٌ في خدمته، فقبض على محمد، وأصعده إلى قلعةٍ هناك، ونَهَبَ العسكرُ سوادَه وكراعَه، وسارَ أكثرُهم إلى مسعود، وبعث الحاجب أخاه مدركًا إلى مسعود يُعرَفه بما فعل، فخلع عليه الخِلَعَ الجليلة، ولقَّبه بحاجب الحُجَّاب، فقال: أيها الملك، إذا عامَلْتَني هذه المعاملة، فأيُّ شيء يبقى لعبدك أخي؟ فقال: ذاك خليفتي على ممالكي، والمقدَّمُ على

стр. 8762

عساكري. فكتب إلى أخيه بذلك، فاغترَّ وسعار إلى هَراة، فلمَّا دخل على مسعود أمر به وبمدرك أخيه، فقبض عليهما، وأخذ أموالهما. وفي رواية: قال ابن الصابئ: لمَّا وَلِيَ محمدٌ انهمك على الشرب واللَّذات، وسلم بابه إلى الحاجب والوزير، واعتمد عليهما، فوثب الحاجبُ على الوزير، فقبضه لمنافسة بينهما، ولم يعلم محمدٌ؛ لاشتغاله بما هو فيه، فلمَّا علم أمرَهما بالمصالحة، فثقُلَ ذلك على الحاجب وتغيَّر عليه، ووافى [مسعودٌ] (١) نيسابور، فخرج محمدٌ لقتاله، ولمَّا وصل إلى بكساباذ يوم الخميس سلخ رمضان أقامَ يومَه صائمًا، ثم عيَّدَ وأفطر، ورجعَ إلى عادته من الشُّرب، واتَّفق الجندُ على عَزْلِه، ووافقهم يوسفُ عمُّه وعليٌّ الحاجبُ، فراسلوه وقالوا: أضعتَ الأموال، وأهملتَ الأمور، وتشاغَلْتَ بالشُّرب على التدبير، ولا يستقيم [بكَ أمرٌ، ولا يستتمُّ] على يدِكَ ملكٌ، فإمَّا مضَيتَ مع عمِّكَ إلى أخيك مسعود، وإمَّا أن تقصد هذه القلعة فتقيمَ فيها، فلمَّا رأى الجندَ عليه، وفارقَه حاشيتُه، صَعِدَ إلى القلعة، فوكلوا به فيها، ومضى يوسفُ وعلى الحاجبُ إلى مسعود، فقبض عليهما وعلى وجوه الدولة وقتلَهم، وأخذ أموالهم، وكان مسعود قد أظهر بنيسابور، وورد كتابُ الخليفة عليه بتقليده خراسعان، وتلقيبِه إيَّاه الناصر لدين الله، الحافظ لعباد الله، ظهير (٢) خليفة الله، ولبس خِلَعًا وتاجًا وطوقًا وسِوارين، وركب وتحته فرسٌ بمركب ذهب، وبين يديه مثلُه، وعلى رأسه لواءان، وادَّعى أنَّها خِلَعُ الخليفة، فكان هذا ممَّا زاد أمرَه قوةً، والناسَ رغبةً فيه وطاعةً له، وكتب إلى الخليفة في هذا المعنى، وأطلق المِيمَندي واستَوْزَره، وكان محمود قد صادره، وأخذ منه خمسة آلاف ألف دينار عينًا، وبألف ألف دينار جوهرٍ وثيابٍ وأثاثٍ وغيرِه، وقتل مسعودٌ عليًّا الحاجبَ وأخاه مدركًا، وهَمَّ بإطلاق الوزير حسينك، فأُغري به، وأظهر ورود كتاب الخليفة بقَتْلهِ وصَلْبِه ورَجْمِه، فصُلِبَ، فكان الرجل يرميه بحجر ويقول: هذا بأمر مولانا أمير المؤمنين. ثُمَّ حُطَّ وسُلِّمَ إلى أهله، فدفنوه، وسَمَلَ محمودٌ أخاه محمدًا في القلعة.

стр. 8763

وفي ربيع الأول تجدَّدت ببغداد فتنةٌ عظيمةٌ، وسببُها أنّ الحركي (١) الصوفي طلب الجهاد من الخليفة، فأذِنَ له، وأُعطيَ المُنْجوقَ (٢) والمنشور (٣) بذلك من دار الخلافة، فاجتمع إليه لفيفٌ كثيرٌ، وعبر إلى جامع المنصور للصلاة فيه وقراءة المنشور، فاجتاز بالمحالِّ العربية -وبين يديه العامة- بالسلاح، وأعلنوا بذكر أبي بكر رضوان الله عليه، فخرج إليهم أهل الكَرْخ، وثارتِ الفتنةُ، ومزَّقوا المُنْجوقَ، ونادى الناسُ: النفيرَ النفيرَ، ووقع القتالُ، ومُنِعَتِ الصلاةُ، ونُهِبَتْ دارُ المرتضى، واحتمى له الأتراك جيرانُه، ووقعتِ الحربُ، واحترق الكَرْخُ، وركبَتِ العساكرُ، وأشرف أهلُ الكَرْخِ على خُطَّةٍ عظيمةٍ، فكتب الخليفةُ إلى الملك والإسْفَهسلارية، وأنكر عليهم إنكارًا عظيمًا، ونسَبَ إليهم تمزيقَ المُنجوق، فركبَ الوزيرُ، ودخل بين الصفَّين، فجاءته آجُرَّةٌ في صدره، وسقطَتْ عِمامتُه من رأسه، وعاد موهونًا، وقُتِلَ جماعةٌ من أهل الكَرْخِ ومن الأتراك، وقُتِلَ الغازي، واحترق الجانبُّ الغربيُّ، وكان السبب سقوطَ هيبة السلطنة. وفيها نقِبَتْ دارُ المملكة ثانيًا، ولم يَبْقَ إلا أخذُ حُرَمِ الملك أبي كاليجار المعتقلين بها وبدربهم، فهربوا، ونُقِلَ الحُرَمُ إلى مكان آخر، ثم أُطْلِقوا بعد ذلك. وفي شعبان لَحِقَتِ الخليفةَ شَكاةٌ، وأُرجِفَ عليه، فانتقل مَنْ كان ملتجئًا إلى داره عنها، ونَقَلوا أموالهم، وطولِبَ القائمُ بمال البيعة، وضجَّ الأتراكُ، ثم عُوفيَ الخليفة، فسكن الناس. وفي رمضان اجتمع الأتراكُ، وشكَوا جلال الدولة وإغفاله أمورَهم، وراسلوا الحُجَّاب بقَطْعِ خُطبَتِه يومَ الجمعة إلى أن يستقِرَّ حالُهم ورأيُهم على من يرونه أهلًا، وعرَفَ الملكُ ذلك، فقَلِقَ، وأرسل إلى الإسْفَهسلارية وجميعِ العساكر، ووعدهم وأعطاهم، وعزَمَ الملكُ على الركوب إلى الجامع ليُطفئَ هذا الأمرَ، وحلفَ لهم، واستمال الكبارَ منهم، فتوقَّفَ الحالُ، ثمَّ اجتمع الغِلمانُ، وعاتبوا المُقدَّمين، وبعثوا إلى الخليفة يقولون: نحن عبيد مولانا، وقد علم ما عليه هذا الملك من اطِّراحنا،

стр. 8764

ونريد [أن] (١) نقطع خطبتَه، فخرج الجواب: أنَّنا على النيَّة التي تعرفونها في المراعاة لكم، وهذا الرجل مولاكم، وشيخُ بني بُوَيه اليوم، وله في عُنُقِنا عهودٌ، وإذا أنكرتم منه أمرًا ردَدْناه عنه. فانصرفوا غيرَ راضين، فلمَّا كان من الغد حضر قومٌ منهم جامع الرُّصافة، ومنعوا الخطيبَ من ذِكْرِ الملك، وضرب أحدُهم يدَه بخشبة زوبين، وخاف الناسُ الفتنةَ، فتفرَّفوا من غير صلاة، وتكرَّرتِ الرسائلُ بالشَّكوى إلى الخليفة والحُجَّاب، ثم تقرَّر الحالُ في التوسُّط بينهم، فاجتمع الأكابر، وضَمِنوا عن الملك ما اقترحَ الغِلمانُ، فسكنوا، وخرج توقيعُ الخليفة يقول بأن لبني بُوَيه علينا حقوقًا وعهودًا يلزمُنا الوفاءُ بها، ولم يَبْقَ منهم إلا جلالُ الدولة شيخُهم المقيمُ عندنا، وأبو كاليجار ابنُ أخيه المقيمُ بالأهواز، والأَوْلى أن تعرِفوا حَقَّ مولاكم الحاضِرِ عندكم، والمتولِّي لأموركم، وتقبلوا من أكابركم، ونحن نكتبُ إلى جلال الدولة بما ذكرتُم، ونبعثُه على النظر في أموركم، وكتب الخليفة إليه، فجاء الجواب: قد كُنَّا في قُطرٍ من المملكة وأمورُنا مستقيمة، وهيبتُنا قائمة، ومواردُنا دارَّةٌ، ومعنا أموالٌ ووزيرٌ وخيلٌ وغِلمانٌ وتجمُّلٌ، فدعونا إلى هذه الحضرة، فتركنا الأمور على حالها، وأقررنا الجماعةَ على رسومها، ولم نتعقب أحدًا بإزالةِ نعمة، ولا أخذناه بتقديم إساءة، ثم اقترح علينا صرفَ الوزير الَّذي كان معنا المتخرم بنا، ففعلنا، وولَّوا من أرادوه، وتوجَّهنا إلى الأهواز، فغنموا ما غنموا من الأموال، ولم يُتعرَّضْ لهم، ولم يقنعوا حتَّى طالبونا مطالبةً أخذوا بها ما كان حصل لنا، وأقمنا على أصعب خِطَّة (٢)، والآن فلا مال في أيدينا، والمطالبة لنا به ضربٌ من العبث، فإن قصدوا الصلاح فطريقه واضح، وإن أرادوا التجنِّي فما يُدفع بشيء، ونسألُ اللهَ حُسنَ المعونة. فقُرئ الكتاب، فبعضُهم قال: صدق، وفريقٌ قالوا: أَيش نعمل. وانفصل الحالُ أنَّ الملك وحاجبَ الحُجَّاب والأكابرَ ينحدرون إلى واسط ليُدبِّروا أمر البصرة، ويكون بعد الإفطار، وسكنت الفتنةُ، واستمرَّت الخطبة للملك.

стр. 8765

وفي سلخ رمضان كان المهرجان، فلم يجلسِ السُّلطان، ولا ضُرِبَتِ البوقاتُ والطبولُ، وأصبح يوم الفطر، واستمرَّ الحالُ ولم يُضرَبْ طبلٌ ولا بوقٌ، ولا نُشِرَ عَلَمٌ [ولا فُعِلَ شيءٌ ممَّا جرت به العادة]، وعادت الفتنُ إلى حالها. وفيها قُتِلَ أبو علي الحسن بن علي بن ماكولا بالأهواز، قتله غلامٌ له يُعرف بعدنان، كان يجتمع مع امرأةٍ في داره [على فاحشةٍ]، وعَلِمَ، فخافا منه، وساعدهما فرَّاشٌ كان في داره، فغَمَّوْه وعصروا خُصاه، فمات، وأظهروا أنَّ قومًا كبسوه ليلًا، وأُخِذَ الغلامُ والفرَّاشُ وضُرِبا، فأقَرَّا، فصُلِبا، وحُبِسَتِ المرأةُ (١). وفي ذي الحجَّة تُوفِّي الإمام القادرُ بالله أمير المؤمنين. الباب السادس والعشرون في خلافة القادر بأمر الله (٢) واسمه عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن جعفر، المقتدر، أبو جعفر، وأمُّه بدر الدُّجى أمُّ ولد، أرمينية. وقيل: قطر الندى، أدركت خلافتَه، وصبرت على الشدائد أيام البابسيري، وتوفِّيت في رجب سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة. ومولده يوم الجمعة ثامن عشر ذي القَعدة سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة، وقُتِلَ يوم الخميس، وبُويع في الحادي عشر من ذي الحِجَّة يوم الاثنين. وقيل: يوم الثلاثاء ثالث عشره وسِنُّه إحدى وثلاثون سنة. وقال هلال بن الصابئ: في ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجَّة على ساعةٍ مضَتْ منها تُوفِّي القادر، وأُظهِرَ موتُه في صبيحتها، وحضر حاجبُ الحُجَّاب أبو المظفر والمتبجِّج (٣) والمختصُّ أبو غانم والإسْفَهسلارية ومؤيَّد الملك أبو علي والأشراف والقُضاة والعدول وطبقات الناس، وقام حاجب الحجاب والمتبجِّج على باب المراتب، والمختص على باب الحلبة؛ إشفاقًا من فتنةٍ تحدث، فلم يكن إلَّا السكون، فلمَّا كان وقت العصر استُدعيَ الخواصُّ ومنهم مَنْ ذكرنا، والشريفُ

стр. 8766

المرتضى، ونظامُ الحضرتين أبو الحسن الزينبي، وقاضي القُضاة أبو عبد الله الحسين بن علي، والأشراف، والعلماء إلى دار السلام، فأُجْلِسوا هناك، وخرج القائم من وراء سَبَنيَّة (١)، فصلَّى بالحاضرين المغرب، وصلَّى بعدها على تابوت القادر، وكبَّر عليه أربعًا، ثم جلس في دار الشجرة على كرسيٍّ، وعليه قميصٌ ورداء، ووصل القومُ إلى حضرته حتَّى بايعوه، وكان يقال للرجل: بايِعْ أميرَ المؤمنين الإمامَ القائمَ بأمر الله على الرضا بإمامته، والالتزام بشرائط طاعته. فيقول: نعم، ويأخذ يدَه فيُقبِّلها، وأول من بايعه الشريف المرتضى، وأنشده شعرًا في المعنى، وحضر من الغد الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر فبايعه، وكتب إلى الآفاق بالبيعة، وأخذ حاجبُ الحُجَّاب البيعةَ على الملك والأسْفَهسلارية والأتراكِ وغيرِهم، ولم يحضُرْ جلالُ الدولة البَيعة؛ لأنَّ الأتراك شغبوا لأجل مال البيعة، وتكلَّم تركيٌّ بما لا يليق في حق الخليفة، فقُتِلَ، وبلغ الأتراكَ، فخافوا وراسلوا حاجبَ الحُجَّاب، وقالوا: إن كان هذا برأي الخليفة انصرَفْنا عن هذا البلد، وإلا فنريد القتال لنُقيدَه بصاحبنا. فطالع الخليفةُ، فخرج الجواب: نحن مُنكِرون من هذا الأمر ما أنكروه، والذي جرى ما كان عن رأي ولا إرادة، وإنما هو من فِعْلِ رَعاعٍ لا يعرفون، وسفهاءَ لا يُضبَطون، وفي مقابلة قولٍ من المقتول تجاوزَ فيه قَدْرَه، وتعدَّى فيه طورَه، والآن فهؤلاء الغِلمانُ جندُنا، وأبناءُ دولتِنا، وأنصارُ دعوتِنا، ونحن لهم حامدون، وما ندبّ أن يتخالجهم شَكٌّ ولا ارتيابٌ بجميل الاعتقاد فينا، وعلى هذا فما يُدفَعُ طلبُ القاتل وإمضاءُ حدِّ الله فيه، والسلام. وقُرِئَتْ عليهم هذه الورقة، فأزالت كثيرًا من نفورهم، وجلسوا للعزاء سبعةَ أيام، وتأخَّر الملك عن البيعة، وأظهر أن ذلك بسبب الأتراك؛ محاماةً لهم، وراسلوا الخليفة بسبب مال البيعة، فقال: إن الخليفة المتوفَّى لم يُخلِّفْ مالًا ولا ذخيرةً، ولو كان عندنا مالٌ لدفعناه لمن هو مقيمٌ عندنا من الغِلْمان، ثمَّ مَنْ تقدَّم من الأمراء لم يُطالبوا الخلفاءَ بمثل هذا، ولا يُفتَحُ هذا البابُ علينا. فأفضتِ الحالُ أن باع الخليفةُ بستانًا وخانًا من أنقاض داره وأعطاهم ثلاثة آلاف دينار.

стр. 8767

وفيها بعث ملكُ الروم عسكرًا فأخذ الرُّها، وسبَبُه أنَّ أبا نصر بن مروان صاحب ميَّافارقين كان قد انتزعها من يد رَجُلٍ -يقال له: عُطير- وابنِ شِبْلٍ كانا من بني نمير، وقتل عُطَيرًا، فتعصَّب لهما صالح بن مِرْداس، وتوسَّط لابن عُطَير ولابن شبل بردِّها عليهما وتكون مناصفةً بينهما، فأجاب ابنُ مروان، وكان بها بُرْجان عظيمان، فأخذ ابنُ عُطَير البُرجَ الأكبر، وابنُ شبل الأصغر، واستناب ابنُ عُطَيرٍ في بُرجه رجلًا يقال له: سليمان الكوجري، فاستوحش من ابن عُطَير، فراسلَ الرومَ، وباع البُرجَ بعشرين ألف دينارٍ روميَّةٍ، وأربعِ ضياعٍ في نواحي الروم، وسلَّمه إليهم، فجاء الرومُ وأقاموا فيه، فاستوحش أهلُ الرُّها، وخرجوا بأولادهم وأموالهم بعد أن نال منهم النصارى وهدموا المساجد، فبعث ابنُ مروان عسكرًا من الأكراد فحصروا الرُّها، وهدموا بعضَ سورها، وانهزم الرومُ إلى البُرج، والنصارى إلى البِيعة المشهورة، فنازلهم العسكرُ حتَّى فتح الكنيسة، وسبى النصارى ونهبَهم، وحاصروا البُرجَ -وكان وثيقًا- ونزل الثلج، فلم يُمكنهم المُقام، وكان مُقدَّمَ العسكر رجلٌ يُكنى أبا سليمان بن بلاسون، فرجع إلى ميَّافارقين، وكتب ابنُ مروان إلى ملك الروم: قد علمتَ ما جرى عليكَ في قصد حلب -وكان قد قصدَها في أربع مئة ألفٍ، فرجع خائبًا، بعد أن أخذوا جميعَ ما كان معه، وقتلوا رجاله- وأنَّ المسلمين لا يفارقونك على أخذ الرُّها، وأُشير عليك بالرجوع عن هذا. فلم يلتفِتْ، وبعث عشرة آلاف رجل، فبنَوا ما هدمه سليمانُ من سورها، وخرجوا فنهبوا صرحها. وكان ابنُ وثَّاب النُّميري بحرَّان (١)، فهادنهم على حرَّان وسَرُوج، وقُرِّر عليه أتاوةٌ في كلِّ سنة يحملها إليهم الدِّزْبِري الَّذي قتل صالح بن مِرْداس، وقد طلبَ حسانَ بن المُفرِّج الطائي وشرَّدَه وشرط فاميا كلَّها، وكان حسان ينتقل من مكان إلى مكان، فألجأتْه الضرورةُ أن دخلَ في طاعة ملك الروم، ورفع الصليبَ على رأسه، وضمَّ إليه ملكُ الروم عسكرًا، وبعثَه إلى أفامية فكبسها، وسبى كثيرًا منها، وبلغ الدِّزْبِريَّ، فنادى في الشام بالاستنفار والغزو.

стр. 8768

وفيها استولَتْ عساكرُ خراسان على الريِّ، وأخرجوا منها علاءَ الدولة بن كاكويه بعد قتالٍ شديد جرى بينهم، وكان مُقدَّمَ العساكر الخراسانية ياسٌ الفرَّاشُ ورَدَ إليها في ذي الحجَّة ومعه ثلاثةُ أفيِلَة من فِيَلَةِ مسعود بن محمود، فهجم الريَّ والفِيَلَةُ بين يديه، فانهزم ابنُ كاكويه. ولم يحجَّ في هذه السنة أحد من العراق. وفيها تُوفِّي القادرُ بالله (١) واسمه أحمد بن إسحاق بن جعفر المقتدر، وكنيته أبو العباس، وأمُّه يمنى مولاة عبد الواحد بن المقتدر، ولد يوم الثلاثاء تاسمع ربيع الأول سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، وتقلَّد الخلافة سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، وكان أبيضَ، حسنَ الجسم، كثَّ اللحية، [وكان] يخضب. [قال الخطيب]: وكان من [أهل] الستر والصيانة، [والعفَّة والديانة، وإدامة الصلوات، وكثرة الصيام] والصدقات، وحُسْنِ الطريقة، وصحةِ الاعتقاد، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر، على مذهب مشهور، وصنَّفَ كتبًا كثيرةً في فنون، منها: كتابٌ في أصول الدين، وكتابٌ في فضائل الصحابة وعمر بن عبد العزيز، وكتابٌ كفَّر فيه القائلين بخَلْقِ القرآن، وكانت كتبه تُقرأ في كلِّ جمعة بجامع المهدي، وبحضرة القُضاة والعلماء والأعيان، و [ذكر محمد بن عبد الملك الهَمْداني أن القادر] كان يتنكَّرُ ويلبَسُ زِيَ العوام، ويقصد الأماكن المعروفة بالبركة، كقبر معروف الكَرْخي وتربة (٢) ابن يسار. وقال الحسين بن هارون القاضي: كان بالكَرْخ يتيمٌ وله دكَّانٌ له قيمة، فأمرني ابنُ حاجب النعمان أن أفُكَّ عنه الحَجْرَ ليبتاع منه الدكَّان، فلم أفعل، فأنفذ يستدعيني،

стр. 8769

فقلت لغلامه: تقدَّمْ حتَّى ألحقَكَ. ففعَلَ، وجئتُ إلى قبر معروف، فدعوتُ الله أن يكفيني شرَّه، وجئتُ إلى قبر ابن يسار، فرآني شيخٌ وأنا أدعو، فقال: أيها القاضي على مَنْ تدعو؟ فقلت: على ابنِ حاجبِ النعمان، أمرني بكذا وكذا. فأمسكَ عني، وجئتُ إلى ابنِ حاجب النعمان، فجعل يخاطبني خطابًا غليظًا في فكِّ الحَجْر عن اليتيم، وأعتذِرُ فلا يقبَلُ عُذري، وإذا قد وافاه خادمٌ بتوقيع، ففتحه وقرأه، فتغيَّر لونُه ثم عدل من الغِلْظة إلى الاعتذار، وقال: كتبتَ إلى الخليفة قصةً؟ قلتُ: لا واللهِ، وعلمتُ أنَّ الشيخ الَّذي التقاني هو القادر، وأنه كتب إليه ينهاه عني. وكان القادرُ يوصل الرسوم في كل سنةٍ إلى أربابها من غير أن يكتبوا له قصصًا، فإن مات أحدٌ منهم أُعيد ما يخصُّه إلى ورثته، وبعث يومًا إلى ابن القزويني الزاهد يسأله أن يُنفِذَ إليه من طعامه الَّذي يأكله، فأنفذ إليه طبقًا من خِلاف (١)، فيه من غضائرَ (٢) لِطاف، بانذنجان، وباقِلَّاء، ودبس، وعليها رغيفان من خبز البيت، وشدَّ ذلك في مئزر قطن، وبعث به إليه، فتناول الخليفة من كلِّ لون، وفرَّق الباقي، وبعث إلى ابن القزويني بمئتي دينار، فلمَّا كان بعد أيام أنفذ يلتمس منه شيئًا من إفطاره، فأنفذ طبقًا جديدًا فيه زباديُّ جِياد، فراريجُ وقطعةُ فالوذٍ وخبزُ سعيد ودجاجةٌ مشوية، وقد غطَّى ذلك بفوطة جديدة، فلمَّا وصل ذلك إلى الخليفة تعجَّب وقال: قد كلَّفْنا الرجُلَ ما لم تَجْرِ له به عادة، وأرسل إليه: لِمَ تكلَّفْتَ؟ فقال: ما تكلَّفتُ، وإنما اعتمدتُ ما أمرني الله به، إذا وسَّعَ عليَّ وسَّعتُ على نفسي، وإذا ضيَّقَ عليَّ ضيَّقتُ، وقد كان من إنعام أمير المؤمنين ما عُدْتُ به على نفسي وجيراني. فعجبَ القادرُ من دينه وعقله، ولم يزَلْ يواصله بالعطاء. وكان القادر يقسم الطعام الَّذي لإفطاره ثلاثةَ أقسام؛ فقِسمٌ يتركه بين يديه، وقِسمٌ يبعثه إلى جامع الرُّصافة، وقِسمٌ إلى جامع المنصور، فاتَّفق أنَّ الفرَّاش حمل إلى جامع المنصور جُؤْنةً فيها طعام، ففرَّقه على المنقطعين، فأخذوا، إلَّا شابٌّ [فإنه] (٣) لم يأخُذْ، فلمَّا صلَّى المغربَ خرج الشابُّ من الجامع، فتبِعَه الفرَّاشُ، فوقف على باب

стр. 8770

فاستطعم، فأطعموه كُسيراتٍ، فأخذها وعاد إلى الجامع، فتعلَّق به الفرَّاش وقال: أما تستحي، يُنفِذُ إليك خليفةُ الله في أرضه طعامًا حلالًا فتردُّه، وتخرج فتستَطْعِمُ من الأبواب؟ فقال: ما ردَدْتُه إلَّا لأنَّك عَرَضْتَه عليَّ قبل الإفطار، وكنتُ غيرَ محتاجٍ إليه حينئذٍ، فلمَّا جاء وقتُ الإفطار استطعَمْتُ وقتَ الحاجة. فعاد الفرَّاشُ وأخبر القادرَ، فبكى، وقال: راعِ مثلَ هذا، واغتنِمْ أجرَه، وأقِمْ إلى وقت الإفطار، وادفَعْ إليه ما يُفطِرُ عليه. وقال أبو الحسن الأبهري: بعثني بهاءُ الدولة من الأهواز برسالة إلى القادر بالله، فلمَّا أذن لي في الدخول عليه، سمعتُه ينشد: [من الكامل] سبقَ القضاءُ بكُلِّ ما هو كائنُ … واللهُ يا هذا لرزقِكَ ضامِنُ تَعنى بما تُكفى وتترُكُ ما بِهِ … تَغْنَى كانَّك للحوادثِ آمِنُ أوَ ما ترى الدنيا ومصرعَ أهلِها … فاعمَلْ ليومِ فِراقِها يا خائِنُ واعلَمْ بأنَّكَ لا أبا لَكَ في الَّذي … أصبحْتَ تملِكُهُ لغيرِكَ خازِنُ يا عامر الدُّنيا أتعمُرُ منزلًا … لم يَبْقَ فيه مع المنيَّةِ ساكِنُ الموتُ شيءٌ أنتَ تعلَمُ أنهُ … حقٌّ وأنتَ بذِكْرِهِ مُتهاونُ إنَّ المنيةَ لا تؤامِرُ مَنْ أتَتْ … في نفسِهِ يومًا ولا تستأذِنُ (١) فقلتُ: الحمد لله الَّذي وفَّقَ أميرَ المؤمنين لإنشادِ مثلِ هذه الأبيات، وتدبُّرِ معانيها، والعملِ بمضمونها. فقال: يا أبا الحسن بل لله مِنَّةٌ علينا إذ ألهَمَنا بذِكْرِه، ووفَّقَنا لِشُكرِه، ألم تسمع قول الحسنِ البصريِّ وقد ذُكِرَ عنده أهل المعاصي، فقال: هانوا عليه فعصَوه، ولو عزُّوا عليه لعصَمَهُم. ذكر وفاته: تُوفِّي القادر [بالله] ليلةَ الاثنين الحادي عشر من ذي الحجَّة، ودُفِنَ ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء في دار الخلافة بعد أن صلَّى عليه ابنُه القائمُ بأمر الله ظاهرًا، وعامَّةُ الناس وراءه، وكبَّر عليه أربعًا، ولم يزَلْ مدفونًا في الدار حتَّى نُقِلَ تابوتُه، وحُمِلَ في الطيَّار

стр. 8771

ليلًا إلى الرُّصافة فدُفِنَ بها ليلة الجمعة لخمسٍ خَلَوْنَ من ذي القَعدة سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة، وعمره ستٌّ وثمانون سنة وعشرةُ أشهر وواحدٌ وعشرون يومًا، و [كانت] مدة خلافته إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر وواحد وعشرين يومًا، ولم يبلُغْ هذا العمر من الخلفاء أحدٌ قبلَه، ولا أقامَ في الخلافة قبلَه هذه المدة، وبيان امرءًا صالحًا، تقيًّا ورِعًا، حسنَ الخليقةِ، جميلَ الطريقةِ، صَلِفَ النفسِ (١)، كثيرَ المعروف، أقام ابنَ حاجب النعمان في كتابته اثنتين وثلاثين سنةً وستةَ أشهرٍ وأيامًا، وحجب جماعة آخرهم منصور بن طاس، وأبو منصور بن بكران، وقاضيه أبو عبد الله الحسين بن هارون الضبِّي، وعبد الله بن محمد الأسدي، وعبد العزيز بن أحمد الجزري، وأحمد بن محمد بن أبي الشوارب، ومحمد بن الحسن الواسطي، ومضَتْ هذه الجماعةُ في أيامه، وآخِرُ من قضى له ووقعت الوفاةُ عنه أبو عبد الله الحسين بن علي ابن ماكولا. [وفيها تُوفِّي] عبد الوهاب بن علي ابن نصر بن أحمد، أبو محمد، القاضي، البغدادي، [المالكي]، الفقيه، المصنِّف، [ذكره الخطيب (٢) وأثنى عليه وقال: كتبتُ عنه]، لم يكُنْ في المالكيين أفقهَ منه، ولي القضاء بباكسايا وغيرِها، وخرج من العراق لإضاقته إلى مصر، فأقام بها. وحصَلَ [له] (٣) من المغاربة مالٌ عظيمٌ، وبيان شاعرًا فصيحًا، قال يتشوَّقُ إلى بغداد: [من الطويل] سلامٌ على (٤) بغدادَ في كلِّ موقفٍ … وحُقَّ لها منِّي سلامٌ (٥) مُضاعَفُ فواللهِ ما فارقتُها عن قِلًى (٦) لها … وإنِّي بشَطَّي جانبيها لَعارِفُ

стр. 8772

ولكنَّها ضاقَتْ عليَّ بأسرِها … ولم تكُنِ الأرزاقُ فيها تُساعِفُ فكانَتْ كخِلٍّ كُنْتُ أهوى دُنُوَّهُ … وأخلاقُهُ تنأى بهِ وتُخالِفُ [قال الخطيب]: وتوفي بمصر في شعبان. [وذكره ابن عساكر (١) وقال]: قدم دمشق سنة تسعَ عشرة وأربع مئة مُجتازًا إلى مصر، فعبر بالمعرَّة على أبي العلاء، فأكرمه وأضافه، ومدحه بأبيات منها: [من البسيط] والمالكيُّ ابنُ نصرٍ زارَ في سفرٍ … بلادَنا فحَمِدْنا النأيَ والسَّفرا [وذكره أبو الحسن علي بن بسَّام في كتاب "الذخيرة " وأبو إسحاق الشيرازي وأثنى عليه. وقال ابن بسَّام والخطيب]: ولمَّا خرجَ من بغداد ودَّعه جماعةٌ من أهلها، فقال: واللهِ لو وجدتُ عندكم كل يومٍ رغيفي خُبزٍ ما طلعتُ (٢) من عندكم. والخبزُ يومئذٍ ثلاثُ مئة رطلٍ بدينار، وهذا [في] غاية الذمِّ [لهم؛ لأنَّه] أرادَ يُعرِّفهم سقوطَ همَّتِهم [وخِسَّةَ نفوسهم، فقال أبو إسحاق الشيرازي: ولمَّا خرج من بغداد] قال: [من البسيط] بغدادُ دارٌ لأهلِ المالِ واسعةٌ (٣) … وللصَّعاليكِ دارُ الضَّنْكِ والضيقِ أصبحتُ فيها مُهانًا في أزِقَّتِها … كانَّني مُصْحَفٌ في كفِّ زِنْديقِ حدَّث عن ابن شاهين وغيرِه، وروى عنه [الخطيب و] أبو إسحاق الشيرازي وغيرُهما، وكان ثقةً. السنة الثالثة والعشرون والأربع مئة فيها في يوم الجمعة لستٍّ خَلَونَ من المُحرَّم خرج الناس يستسقون بأمر الخليفة، فتردَّدوا أيامًا إلى المساجد الجامعة، فلم يُسقَوا. وفي يوم عاشوراء فعل أهل الكَرْخ ما جرت به العادة من النَّوح، وتولَّى ذلك العيَّارون، ولم يلتَفِتوا إلى السَّلطنة (٤).

стр. 8773

[وقال ابن الصابئ]: وفي يوم الاثنين سادس عشر منه خرج توقيعٌ من دار الخليفة من إنشائه وكلامه بإقرار قاضي القضاة على ما يتولَّاه، وفيه دليل على فضل القائم. [وكان منه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله العظيم الوهَّاب الكريم، التوَّاب الواحد، ربِّ الأرباب الماجد، مُعْتِق الرقاب، مُنزلِ القطرِ من السحاب، المنعم على المحسنين بجزيل الثواب، المتفضِّل عليهم بكريم المآب، أحمده كما حمده أولو الألباب، وأستعينه استعانة مخلصٍ أوَّاب، وأتوكَّل عليه وأجعله عُدَّةً ليوم المآب والحساب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالق الخلْقِ من تراب، ومُقدِّرُ آجالهم في الهرم والشباب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اختاره من أطهر الأصلاب، وانتخبه من أشرف الأنساب، فقام بالحقِّ وتعلَّق بالصواب، وقمع به أهل الطغيان، وهدى به إلى أقومِ الأديان، وشرع بعده ولاية الخلفاء المهدييِّن صلوات الله عليهم أجمعين، ولم تزَلْ تتنقَّل في الأئمة الراشدين إلى أن انتقل وآثرَ به اللهُ الإمامَ القائم بأمره أميرَ المؤمنين الذابَّ عن حريم الله، الحافظ لحدود الله، الآمر بأمر الله، النَّاهي عمَّا نهى الله، المجاهد في الله حقَّ جهاده، القائم بعَرْضه (١) في عباده وبلاده، واللهُ تعالى يُثيبه على ما يعمله من صحَّة نيَّتِه، ونقاء سريرتِه، ويعينه على العدل والإحسان إلى رعيتِه، وبعد فإنَّ أميرَ المؤمنين لم يَزَلْ منذ أنهضه الله بالخلافة، وأكرمه بالإمامة، وألقى إليه أزِمَّةَ الأمور، وقلَّده سياسة الجمهور، وكان القَضاءُ أَوْلى الأمور بالترتيب، وأجراها بالتهذيب، وقد أعمل أميرُ المؤمنين فِكْرَه فيمن يُسْنِد إليه الأحكام، ويقلِّده القضاء بين الحلال والحرام، ويجعله حجَّةً بينه وبين الله تعالى في هذا المقام، وبين رسوله ﵇، فكان الحسين بن علي قاضي القضاة منتهى رأيه، ومقرَّ اختياره، لما هو عليه من عفافه وديانته، واستقامت طريقته بعد أن اختبر أحواله فيما ولَّاه، وعرف أنحاءه فيما استقضاه. ثم ذكر كتابًا أوصاه فيه بتقوى الله تعالى واتِّباع رضاه، وفيه: وآسِ (٢) بين الناس في مجلسك، لئلَّا يطمع شريفٌ في حَيفك، ولا يُحافَ ضعيفٌ من جَورِك، البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر، والصُّلح بين

стр. 8774

المسلمين، ولا يمنعك قضاءٌ قضيتَه بالأمس أن تُراجِعَ نفسَك فيه اليوم، فإنَّ مراجعة الحقِّ خيرٌ من التَّمادي في الباطل. وذكر آيات العدل والأحاديث الواردة فيه، وذكر حكاية المأمون والمرأة التي كتبت إليه: يا خير مُنْتَصِفِ يُهدَى له الرشد وأنه حكم لها على ولده، وقد ذكرنا الحكاية في ترجمة المأمون، وذُكِرَ في هذا الكتاب: حُدِّثنا عن الشَّعبيِّ، عن ابن عباس قال: ذُكر عيسى ابنُ مريم عند النبيِّ ﷺ فقال: "بخِ بخٍ، إن عيسى مرَّ بمقبُرةٍ في يومٍ صائفٍ فقال: يا أهل القبور، ما لكم لا تتكلَّمون، إن لم تُخبرونا بما صنع اللهُ بكم فنحن نخبركم أنَّ نساءكم قد استبدلوا بعدكم أزواجًا، وأنَّ أولادكم قد حُشِروا في زمرة اليتامى، وأنَّ دُورَكم التي بنيتُم قد سكنها غيرُكم، وَوزْرُها عليكم. قال: ونظر إلى قبرٍ متَنحٍّ، فسأل اللهَ أن يُكلِّمه. قال: فخرجَتْ من القبر جُمجُمةٌ فقالت: ما لكَ يا روح الله؟ فقال: منذ كم مِتِّ؟ قالت: منذ سبعين عامًا. قال: فكيف رأيتِ الحساب؟ فقالت: ما زِلْتُ أُحاسَبُ حتَّى سمعتُ النداء: أجِبْ عيسى بنَ مريم. فقال له عيسى: لقد كثُرَ بؤسُكَ في الدنيا، فما كانت معيشتُك؟ فقال: كُنْتُ أكتسبُ بلاغًا، وأُنفِقُ قصدًا، ولم أكُنْ أدَّخِرُ لغدٍ شيئًا، وكنتُ حمَّالًا أحمل القصب، فحملتُ يومًا لجارٍ لي قصبًا، فتناولتُ مه شظيَّةً فتخلَّلتُ ورميتُ بها، فقيل لي: لقيتني ولم تستحِلَّ صاحبَها استخفافًا بحقِّي. قال: فشاب مُقدَّم رأس عيسى وقال: هؤلاء أصحاب الشظايا، فكيف بكم يا أصحاب الأجذاع؟ قال: ومرَّ عيسى بقبرٍ يخرج منه دخانٌ، فقال له عيسى: يا صاحب القبر، ما كنت تصنع في الدنيا؟ فقال: كُنْتُ ملكًا جبَّارًا ظالمًا، أسأتُ السيرة، وأضعفتُ الرعية، وجرْتُ في العصبية، وقتلتُ البريَّة. فقال عيسى: فأخبرني بشيءٍ من سيرتك، فقال: كنت آخذُ الباطل، وأدَعُ الحق، أو أمنعُ الحق. فقال عيسى: ومن أعوانُكَ على ذلك؟ قال: شياطين الإنس. قال: فكيف أطاعوك؟ قال: أرغبتُهم بالدنيا، فنسوا الله فأطاعوني. قال: قال لي: ما صار عاقبةُ أمرك؟ قال: جاءني ملَكُ الموت على غِزَةٍ فأخذني بِكَظْمي (١) ما نَهْنَهني (٢) حتَّى أوقفني على ربي، فلم يسمع لي قولًا، ولا قبِلَ لي عملًا،

стр. 8775

وأمر بي إلى النار، فينزعون روحي كما يُنزع السفُّود الكبير من الصوف المبلول. قال: فما فعل أصحابك؟ قال: هم مُقرَّنون في الأصفاد، سرابيلُهم من قطران، وتغشى وجوهَهم النار. قال عيسى: فما دعاؤك فيها؟ قلت: يا ليته كان كلبًا ينهش العظام على المزابل أو خنزيرًا يأكل العذرات، ويا ليته يأكل التراب، ويأوي إلى الخراب. قال عيسى: فما الَّذي أحاط بكم؟ قال: سوء الظنِّ بالله. قال عيسى: فما مُنيتُك منها أن تُعطى؟ فقال: أُرَدُّ إلى الدنيا فآكلُ ترابًا، وأعبدُ ربي حتَّى يَجيئني الموت. فقال عيسى: اللهمَّ إن كان عبدك صادقًا فأعْطِه سؤلَه، وإن كان كاذبًا فأبعِدْ دارَه. قال: فغاب الرجل فلم يُسمع له حِسٌّ. فقال عيسى لأصحابه: انظروا إلى هذا الخبيث لو رُدَّ إلى الدنيا لجاء بالعظمى، ولم يُبالِ بالنُّهبى، ولم يخشَ العُقبى، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ". وفي صفر ورد كتابٌ من أبي كاليجار إلى الخليفة يُعزِّيه ويُهنئه بالخلافة، فقُرئ بدار الخلافة بعد أن عُرض على جلال الدولة. وفي صفر وُلدَ الأميرُ أبو نصر فناخسره ابن الملك أبي كاليجار بأَرَّجان. وفيها وُلدَ بإسكاف ولدٌ له رأس وبقية بدنه كالحيَّة [أو المِصْران]، فنطق ساعةً وقال: الناسُ تحتَ غضب منذ أربع سنين، والواجب أن يخرجوا فيستسقوا ليُكشَفَ عنهم البلاء. [قال ابن الصابئ]: فكتب قاضي إسكاف إلى الخليفة بذلك، [وذكر كلامًا طويلًا بذلك]، واجتمع الناس في الجوامع والمساجد بإسكاف (١) أيامًا فلم يُسْقَوا ولم يُغاثوا. وفي يوم الجمعة ثالثَ ربيع الأول قطع الأتراكُ الخطبة لجلال الدولة بجامع المنصور، وبلغه فانزعج، ونقل ابنتَه السيدة إلى حيثُ أمِنَ عليها، وأنفذَ بعضَ جواريه إلى دار الخلافة، وخيَّر الباقيات في العتق أو الأخذ لنفوسهنَّ، فبعضهُنَ اختار العتق، وبعضهُنَّ مضى إلى من كُنَّ له من قَبْلُ، وتفرَّقَ عنه حواشيه وأصحابُه، واستتروا، فلمَّا كان يوم السبت راسلوه الانحدار إلى واسط، وقالوا: اليومَ موعِدُك فاخرُجْ، فإنَّ الجماعة مجتمعون على هذا الرأي. فامتنعَ، وطلب الخواصَّ من الدولة بالخروج معه، مثل حاجب الحُجَّاب وغيرِه، وشغَبَ التُركُ، فقال القاضي أبو صالح الموقَّر: أيها

стр. 8776

الملك، الصواب خروجُكَ، فقد أخرج المشركونَ رسولَ الله ﷺ من مكةَ إلى المدينة، ثم رجع وفعل بهم ما فعل، وكانت المخاطبةُ له بهذا من تحت رَوْشنِ دارِه؛ لأنه كان قد أغلق الأبواب، فعاتبه الغِلْمان فقال: إنما قصدتُ تطييبَ نفْسِه، وكتب الإسْفَهسلارية رقعةً إلى الخليفة يقولون: قد عرفَ مولانا أميرُ المؤمنين ما عليه الأمورُ من الفساد، وما اجتمع عليه الغِلمانُ من إخراج الملك، والرأيُ أن يشير إليه مولانا بالانحدار على وجه جميل، فإن قَبِلَ وإلَّا كان مولانا شاهدًا لنا عليه. وبلغ جلال الدولة، فلمَّا كان يومُ الاثنين سادسَ ربيع الأول خرج في نفرٍ من غلمانه وأصحابِه، ومضى إلى عُكْبَرا، وعَلِمَ به الغِلمانُ، فبادروا إلى دار المملكة ونهبوها، وأخذ جميع ما كان فيها، وله قيمةٌ وافرٌ، وركب حاجبُ الحُجَّاب ومنعهم من تشعيثها، وكتبوا إلى كمال الدولة أبي سنان يقولون: قد خرج إلى بلدك والي دُبيس يخبرونه بما فعلوا، وكتبوا إلى أبي كاليجار بما فعلوا، وسألوه أن يُرسل إليهم مَنْ ينوب عنه. وأمَّا جلال الدولة فاستقبله كمالُ الدولة أبو سنان، وقتلَ الأرضَ بين يديه وقال: خزائني بين يديك. وزوَّجه ابنتَه، وحمل إليه الأموال والثياب والخيل وغيرَها، ثم إنَّ الأتراك تلاوموا فيما بينهم، وخرج أكابِرُهم إليه واستعطفوه واعتذروا، وأعادوا الخطبة له في جوامع بغداد، وبعثَ الخليفةُ إليه حاجبَه أبا منصور بن طاس وخادمين بكتاب يستوحش له ويهنِّئه باستقامة الأمور، وكان القائمُ قد سيَّر القاضي الماوردي ومبشِّر الخادم إلى الأهواز إلى أبي كاليجار بوفاة القادر وإقامة القائم، فلمَّا كان يومُ الجمعةِ لليلتين خَلَتا من ربيع الآخر قَدِما بغداد، وذكرا أنَّ الملك بعث لتلقِّيهم القُضاةَ والأشراف والقُوَّاد، وحمل إليهما أموالًا كثيرة، ودخلا إليه، فأدَّيا الرسالة، فقام وقبَّلَ الأرض، ثم أقام الخطبة للقائم، والتمسَ أن يُلقَّب بالسلطانِ المُعظَّم مالكِ رقاب الأُمم، فقال له الماوردي: لا يُمكن هذا؛ لأن هذه ألقاب الخليفة. فعدل إلى ملك الدولة، وبعث معهما بمالٍ وثيابٍ وطِيبٍ وغيرِه للخليفة. ثم في ربيع الآخر عاد جلالُ الدولة إلى بغداد، وتلقَّاه الأشرافُ والعساكرُ، فكانت غيبتُه عن بغداد ثلاثةً وأربعين يومًا، وحضر الوزيرُ إلى الخليفة، واستحلَفه بجلال الدولة، وحلف جلالُ الدولة، وخلع على الوزير أبي القاسم، ولمَّا كان يومُ الجمعة

стр. 8777

لسبعٍ بَقِينَ من جمادى الأولى فارقَ الوزيرُ أبو القاسم بغدادَ، وخرج إلى أَوانا (١)، وكانت مدةُ وزارته شهرين وأيامًا؛ لأنه عجز عن القيام بمصالح الغِلْمان وما يطلبونه، ثم وَزرَ عميدُ الدولة واختفى في داره، وقيل: في دار الخليفة، فلمَّا كان يومُ الأربعاء الحادي عشر من شوال نزل جلالُ الدولة من داره على سُكْرٍ في سُميريَّة، وانحدر إلى دار الخلافة ومعه ثلاثةُ نفرٍ من حاشيته، وصَعِد إلى البستان، وجلس تحت شجرة، واستدعى نبيذًا وزامرًا فزُمِرَ له وشرب، فشَقَّ على الخليفة وانزعج، وغُلِّقَتْ أبوابُ الدار، وخرج إليه القاضي أبو علي بن أبي موسى وأبو منصور بن بكران الحاجب، وقالا له: قد سُرَّ مولانا أميرُ المؤمنين بقُربِكَ وانبساطِكَ، لكنِ النَّبيذُ والزمرُ ما هذا موضعه. فلم يمتنِعْ، وقال لابن بكران: قل لمولانا أمير المؤمنين: أنا عبدُكَ، ووزيري في دارِكَ، وقد وقفتُ أموري. فأراد أن يحبسه فقال: ليس الخطاب معكَ، اذهَبْ ورُدَّ الجوابَ، فمضى وعاد وقال: ما تعلَمُ أنَّ وزيرَه في دارنا؟ فقال: أُريد جوابًا أبلَغُ من هذا. فذهب وعاد وقال: يجري الأمرُ على ما تُريده. فقام ونزل في زَبْزَبه، وعاد إلى داره، واستدعى الخليفةُ المستخصَّ أبا غانم وأبا الوفاء القائد، وقال لهما: قد عَرَفْتُما ما جرى أمس، وإنَّه أمرٌ زاد على الحدِّ، وتناهى في القُبح، وقابلناه بالاحتمال والحِلْم، وقد ارتكب معنا هذا حالًا بَعد حال، فإمَّا أن يرجع إلى الأول ويسلك معنا الطريقةَ المُثلى، وإلَّا فارقنا هذا البلد فمضينا إلى الملك. وذكروا له ذلك فاعتذر عمَّا بدا منه، وركب في اليوم في زَبْزَبِه، وجاء إلى باب الغرفة فوقف، ونفذ عميد الرؤساء (٢) فقبَّلَ الأرض بين يدي الخليفة، واعتذر عمَّا جرى، وصلُحتِ الحالُ. وفي شوَّال ورد كتاب مسعود بن محمود من خُراسان بالتعزية والتهنئة. وفي ذي الحجَّة وردتِ الأخبارُ بما كان من الوباء والموت في بلاد الهند وغَزْنَة وخُراسان وجُرجان والرَّيِّ وأصبهان ونواحي الجبل كلِّها، إلى حُلْوانَ والموصل، وفني الناسُ، ولم يشاهدوا مثلَه، وخرج من أصبهان في مدةٍ قريبةٍ أربعون ألف جنازة، وامتدَّ ذلك إلى بغداد، فمات خلقٌ كثير.

стр. 8778

[وورد كتاب من الموصل يذكر فيه أنَّه] مات بالموصل أربعة آلاف صبيٍّ بالجُدري. وقال محمود الأصبهاني: رأى رجلٌ من أهل أصبهان في النوم أنَّ شخصًا وقف على منارة أصبهان وقال: سكت نطق، نطق سكت. فانتبه الرجلُ فَزِعًا، وحكى للناس ذلك، فما عرَف أحدٌ معناه، فقال رجل: يا أهل أصبهان، احذروا فإنَّ أبا العتاهية يقول: [من الرمل] سكتَ الدهرُ زمانًا عنهمُ … ثمَّ أبكاهُمْ دمًا حين نطَقْ فما كان إلا بعدَ قليلٍ ودخلَها عسكرُ مسعود [بن سُبُكْتِكين]، فنهبَ البلدَ، وقتلَ عالمًا لا تُحصى. ولم يحجَّ أحدٌ من العراق ولا [من] خُراسان. وبعث صاحب مصر بكسوة إلى الكعبة (١). وفيها تُوفِّي علي بن أحمد (٢) ابن الحسن بن محمد بن نُعيم، أبو الحسن، البصري، كان حافظًا شاعرًا فصيحًا. قال محمد بن علي الصوري: لم أرَ ببغداد أكملَ منه، جمَعَ بين معرفة الحديثِ، والكلامِ، والأدبِ، والفقهِ، ومن شعره: [من المتقارب] إذا أظمأتْكَ أكفُّ اللئام … كفَتْكَ القناعةُ شِبْعًا ورِيَّا فكُنْ رجلًا رِجْلُه في الثَّرى … وهامةُ همَّتهِ (٣) في الثُّريَّا أبيًّا لنائِلِ ذي ثروةٍ … تراه بما في يديه أبيَّا فإنَّ إراقةَ ماءِ الحياة … دونَ إراقةِ ماء المُحَيَّا وكانت وفاتُه ببغداد في ذي القَعْدة.

стр. 8779

[وفيها تُوفِّي] محمد بن الطيب (١) ابن سعيد بن موسى، أبو بكر، الصبَّاغ، البغدادي، وُلدَ سنةَ ثمانٍ وثلاثين وثلاث مئة، وسمع الحديثَ الكثير، وقال [الخطيب: حدثني] رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن [قال]: تزوَّج محمد بن الطيب زيادة على تسع مئة امرأة، وتُوفِّي ببغداد في ربيع الآخر، [وحدَّث عن أحمد بن سلمان النَّجاد وأبي بكر القَطيعي وغيرهما]. [و] قال الخطيب: كتبتُ عنه، وكان صدوقًا (٢). السنة الرابعة والعشرون وأربع مئة فيها عاد الوزيرُ عميدُ الدولة إلى وزارة جلال الدولة، وكانت الأحوالُ قد توقَّفت، فما زال جلال الدولة يرفق به حتَّى ظهر، وكان مُستَتِرًا. وفي المُحرَّم وردَتْ كتبُ أبي كاليجار والأجلِّ العادلِ أبي منصور بَهْرام بن مافَنَّة الوزيرِ إلى جلال الدولة يذكُرانِ عَوْدَهما إلى الأهواز بعد ما كانا قد عزما على قصد البصرة، وأنهما على الطاعة وإيثار الأُلفة، وكان أصحابُ أبي كاليجار قد حسَّنا له قَصْدَ البصرة، فمال إلى قولهم، فردَّه الأجلُّ العادلُ وكان وزيرًا صالحًا، عاملًا ناصحًا، لم يَزِرْ لبني بُوَيهٍ بعد عبَّاد مثلُه، وكان قد بنى دار كُتبٍ ووقفها على طلاب العلم، وجمع فيها عشرة آلاف مجلدٍ ما فيها إلا أصلٌ منسوب، منها أربعة آلاف ورقة بخطِّ ابن مُقْلة. وفي شهر صفر (٣) ظهر ببغداد عيَّارٌ -يُقال له: البُرْجُمي- يكبِسُ المحالَّ في الجانبِ الشرقيِّ ودربِ أبي الربيع بالحضرتين، وصار إلى مخازنَ فيها مالٌ عظيم، فاستولى عليها، وأخاف الناسَ، فنقلوا أموالهم إلى دار الخلافة (٤)، بحيثُ إنَّ جماعة من

стр. 8780

الإسْفَهسلارية والقُوَّاد أخذوا ذِمامه على منازلهم، وأُقيم الحرسُ على دار الخلافة، وزاد الخوفُ منه، حتَّى ما بقي أحدٌ يتجاسر أن يقول: العيَّار، بل: القائد أبو علي، وما كان يتعرَّض للنساء، ولا يأخذ من امرأةٍ شيئًا، وزاد أمرُه، وتعاظَم خَطْبُه، وشاع فسادُه، وكان يأوي إلى أَجَمَةٍ من قصبٍ شرقيَّ بغداد، وحولَها ماءٌ كثير، وفي وسطها تَلٌّ قد جعله له معقِلًا وملجًا، فاجتمع جماعةٌ من الإسْفَهسلارية وخرجوا إليه في جُملة العساكر، فخرج إليهم البُرْجُمي وعلى رأسه عَلَمٌ، وقال: من العجب أنكم تأتون إليَّ وأنا كلَّ ليلةٍ عندكم، فإن شئتم أن ترجعوا وأنا أجيء إليكم فعلتُ، وإن شئتم أن تدخلوا إليَّ فادخلوا، فراسلَه كُبراؤهم، وقَوَّوا نفسَه، وردُّوا عنه الغِلمان. وفي شوال (١) اشتدَّ فسادُه، وكبسَ الدورَ جَهارًا، فاجتمع العوامُّ يومَ الجمعة إلى الرُّصافة، ومنعوا الخطيب [أبا الحسين بن العريف] من الخطبة وقالوا: إن خطبتَ للعيَّار البُرْجُمي وإلَّا فلا تخطُب للخليفة [-من عِظَم ما نالهم من البُرْجُمي-] ورجموه، وبلغَ من أفعال البُرْجُمي أنَّ أحد وجوه الأتراك بسوق يحيى أراد أن يختِنَ ولدَه فلم يقدِرْ حتى أهدى للبُرْجُمي حملانًا وفاكهةً وشرابًا، وقال: هذا نصيبُكَ من طهور ولدي واستذمَّ منه على داره. [قلت: انظروا يا قوم إلى هذا الوهن العظيم البائن مع وجود الخليفة والملك وعشرين ألفًا من العساكر]. وفي جمادى الأولى تغيَّرت نيَّة الغِلمان على جلال الدولة، وأتَوا إلى بابه، فنهبوا الخيل التي كانت عليه، وشكَوا من إهمالِه أمورَهم، وطالبوه بالانحدار إلى واسط والبصرة، وأن يكون بعضُ أولاده عندهم، وهجمت عليه طائفةٌ من باب البستان، وضربه واحدٌ بآجُرَّة في صدره، وأحاطوا به وأخرجوه إلى دِجلة، وأنزلوه في سُفَارية ثم قالوا: ما هذا مصلحة، فربما عبر إلى الجانب الغربي واحتمى بالكَرْخ، والصواب حَمْلُه إلى مجمع الغلمان لينظروا فيه. ومالتِ السفينةُ، فابتلَّت ثيابهُ، فأخرجوه وشتموه شتمًا قبيحًا، وأقاموه في الشمس، وجاؤوا به، فلمَّا وصل إلى باب داره تكاثر عليهم الناس، فدخل المسجد، وشرع في الصلاة والدعاء، وجاء القائد أبو الوفاء فاستنقذه

стр. 8781

منهم، وعبر به إلى داره، فلمَّا كان في الليل نقل ما بقي في داره إلى الكَرْخ، وعبرَ هو وحُرَمُه، فخرج أهل الكَرْخ والمرتضى فقبَّلوا الأرضَ بين يديه، وأنزله المرتضى في داره مع حُرَمِهَ، وكانت بدرب جميل، ونزل الوزير أبو القاسم في دارٍ مقابلها، ثم اجتمع الغلمان من الغد، وعقدوا الجسور، وعزموا على قصد الكَرْخ ليأخذوه منها، ثم اختلفوا، فقال الخائفون مِنْ عُقبى ما جَنَوا: هذا الملكُ قد أخذ أموالنا، وأجاعنا، وما ينفع فيه عدلٌ، ولا يُصلِحُه قبيحٌ ولا جميل، وقد كان منَّا إليه ما لا تصفو له معنا نيَّةٌ. وقال آخرون: فما الَّذي نفعل؟ فهل ها هنا مَنْ نجعله عوضًا عنه؟ وما بقي من بني بُوَيه إلَّا هو وأبو كاليجار، وقد اصطلحا! ومضى إلى فارس، فاتَّفقوا على أن يكتبوا إليه ورقةً يقولون: نحن عبيدك، وقد ضيَّقْتَ علينا مرةً بعد مرةٍ، وتَعِدُنا ولا نَجِدُ له أثرًا، ولك [ممالكُ كثيرةٌ، فاطرَحْ كَلَّك (١) عليهم مُدَّة، ووفِّرْ علينا هذه الصُّبابة (٢) من المادّة، وانحدِرْ إلى واسط فاجمَعْ لنا ذلك] (٣). فأجاب بأن هذه أيام صومٍ وحَرٍّ، وإذا انقضَتْ خرجنا، فقالوا: هذه مدافعةٌ، وما نتركه إلا ينحدر اليوم أو غدًا، وهو يماطلهم، وبعث إلى أصاغرهم فاستمالهم، وعلموا، فباكروا دارَ المرتضى، ودخلوا فقتلوا الأرضَ بين يديه، وسألوه الرجوعَ إلى داره، فرجع، وارتفعَتْ منزلةُ المرتضى عنده بما فعل معه. قال المصنف ﵀: قبَّح اللهُ همَّة هذا الملك. ولم يحجَّ أحدٌ من العراق. وفيها تُوفِّي أحمد بن الحسين بن أحمد (٤) أبو الحسين، ابن السمَّاك، الواعظ، البغدادي، ولد سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وكان يعظ بجامع المنصور والمهدي، ويتكلَّم على طريقة الصوفية.

стр. 8782

سُئل عن ألِفِ أباييل: هي ألِفُ وصل أم قطع؟ فقال: ألِفُ سخط. وذكر عن أنس بن مالك (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلَّتْ موعظَتُه عن القلوب كما يزِلُّ المطرُ عن الصَّفا". وقد تكلَّموا فيه، وكانت وفاته ببغداد في ذي الحجَّة. السنة الخامسة والعشرون وأربع مئة فيها جرى على بغداد من العيَّارين (٢) ما لم يَجْرِ مثلُه [في بلدٍ]، وسببُه البُرْجُميُّ، فإنَّه واصل العَمْلات، وجعل القطيعةَ في كل يوم على الأسواق، ونهبَ الخاناتِ والدُّور نهبًا جَهارًا (٣)، ولبس الناسُ السلاحَ ليلًا ونهارًا، وجَدَّ الخليفةُ والسلطانُ في طلبه (٤)، ثم راسل [البُرْجُميُّ] أصحابَ المعونة أنَّه يحفظ البلد، ويأخذ منه دَخْلَ الخاناتِ والقِيان، فأُجيبَ [إلى ذلك، وجَرَتْ فضائحُ لم يرَوا مثلَها]، ثم إنَّ العيَّاربن طمعوا وأدخلوا أيديهم في أعمال السلطان، وجَبوا البلد، وعملوا لهم أعلامًا (٥) مُذْهَبة، وسُمُّوا بالقادة، ونهبوا بغداد من الجانبين، فبذل معتمدُ الدولة في البُرْجُمي مالًا كثيرًا، ورصده حتَّى خرج من الأَجَمَة، وقد كَمَنَ له جماعةٌ، فأخذوه غيلةً، فأمر معتمد الدولة بتغريقه، فبذل في نفسه أموالًا عظيمةً وجواهر، فقال [له]: قتلتَ النفوسَ، وأخذتَ الأموال، وأستبقيك؟! لا واللهِ، فغرَّقَه، وسكنتِ الدنيا، وزالتِ الفتن، وتاب بعضُ العيَّارين، وهرب البعضُ. وفيها هبَّتْ بنَصيبين ريحٌ سوداءُ قلعَتْ مُعظمَ شجرها، وبيان بين البساتين قصرٌ من حجارة، فرمَتْه من أصله.

стр. 8783

وحدَثَ في الرملة حادثٌ عظيمٌ جزر البحر مقدار ثلاثة فراسخ، فنزل الناس يصيدون السمك، فرجع فأغرَقَ من لم يُحسِن السباحة، وزُلزِلَتِ الرملةُ زلزلةً هدمَتْ ثلث البلد، ورَمَتِ الجامع [وخرج الناس هاربين بعد أن تلِفَ معظمُهم، وامتدَّت إلى نابلس فهدمتها] (١) وقلبَتْ قريةً من قُراها يُقال لها: جِيت [غربي نابلس] وهي على رأس جبل قلَبَتْها الزلزلةُ فجاست بأهلها وبقرها وغنمها، وسقطت منارة عسقلان وغزة وحائط بيت المقدس والخليل ﵇ وبعضُ محراب داود ﵇، وخُسِفَ بنصف عكا. وفي رمضان جاءت الأعراب إلى جامع المنصور، فسلبوا الرجال عمائِمَهم، والنساءَ ثيابهنَّ في المقابر. وفي ليلة الأربعاء لسبعٍ بَقِينَ من ذي القعدة انقضَّ كوكبٌ عظيمٌ، وسُمِعَ له صوتٌ مثلُ صوت الرعد، وضوءٌ مثل المشاعل، ويقال: إن السماء انفرجت عند انقضاضه، ووقع الوباءُ عقيبه، فيقال: مات مُعظَمُ أهل شيراز [ولم يجدوا حفَّارًا ولا من يغسِّل الموتى، وذلك] (٢) بحيث كانت الدُّور تُسدُّ أبوابُها على أصحابها لا يجدون من يدفنهم، ثم تعدَّى إلى الأهواز والبصرة وواسط وبغداد، فيقال: إنه مات من بغداد سبعون ألفًا. ولم يحجَّ أحدٌ من العراق. وفيها تُوفِّي أحمد بن محمد بن غالب (٣) أبو بكر، البَرْقاني، الخُوارَزمي، الحافظ، وُلدَ سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، ورحل إلى البلاد، وسمع الكثير، وكتب الكثير، وحفظ القرآن والفقه والنحو واللغة، وكان إمامًا عالمًا، ثقة ورعًا فهمًا، وله المصنَّفاتُ الكثيرة. [وذكره الخطيب وأثنى عليه، وقال: سمع خلقًا كثيرًا، واستوطن بغداد، فكتبنا عنه، وحفِظْنا منه]، صنَّف مسندًا اشتمل على صحيح البخاري ومسلم، وجمع حديثَ

стр. 8784

سفيان الثوري وغيره، ولم يقطع التصنيف إلى حين وفاته، وكان عنده ثلاثة وستون سفطًا وصندوقًا مملوءةً كتبًا، ومن شعره: [من المتقارب] أُعلِّل نفسي بكَتْبِ الحديثِ … وأحمِلُ فيه لها المَوْعِدا وأُشْغِلُ نفسي بتصنيفهِ … وتخريجهِ دائمًا سَرْمدا وطَوْرًا أُصنِّفهُ في الشيوخِ … وطَوْرًا أُصنفهُ مُسنَدا وأقفو البخاريَّ فيما نحاهُ … وصنَّفهُ جاهدًا مُجهَدا ومسلمُ إذْ كانَ زينَ الأنام … بتصنيفهِ مُسلِمًا مُرشِدا وما ليَ فيه سوى أنَّني … أراهُ هوًى صادفَ المقصِدا وأرجو الثوابَ بكَتْبِ الصلاة … على السيِّدِ المصطفى أحمدا فأسألُ ربي إلهَ العبا … دِ جَرْيًا على ما لهُ عَوَّدا وقال أبو عبد الله الصُّوري: دخلتُ على البَرقاني أعودُه قبل موته بأربعة أيام، فقال لي: هذا هو اليوم السادس والعشرون من جمادى الآخرة، وقد سألتُ الله أن يؤخِّر وفاتي حتَّى يُهِلَّ رجب، فقد رُوي أنَّ لله فيه عتقاءَ من النارِ (١)، فعسى أن أكون منهم. وكان هذا القول يوم السبت، فمات غُرَّة رجب يوم الأربعاء، وصلَّى عليه القاضي أبو علي بن [أبي موسى الهاشمي، ودُفن عند جامع المنصور مما يلي] (٢) سكة الحربي. [وفيها تُوفِّي] أحمد بن محمد بن عبد الرحمن (٣) أبو العباس، القاضي، الأبيوردي [الفقيه الشافعي]. وُلِدَ سنة سبع (٤) وخمسين وثلاث مئة [وتفقَّه]، وولِيَ القضاء على الجانبين ببغداد [في أيام ابن الأكفاني، ثم عُزِل]، وكان يدرِّس في مسجدٍ بقطيعة الربيع، وله بجامع

стр. 8785

المنصور حلقة للفتوى. [قال الخطيب]: وسمع الحديث ورواه، وكان يصوم الدهر ويفطر على الخبز والملح، وكان فقيرًا ويظهر المروءة، وأقام شتوةً لا يملك جُبَّةً، وعليه ثوب واحد، وعانى من البرد شدَّةً، وكان يقول لأصحابه: بي عِلَّةٌ تمنعني من لبس الحشوة، وكانوا يظنُّونه مريضًا وما كان به إلا الفقر، ولا يظهره تصوُّنًا، ومات في جمادى الأولى، ودُفِنَ بباب حرب. [وفيها تُوفِّي عبد الرحمن بن محمد بن يحيى (١) أبو الحسن، التَّميمي، الدمشقي، كان يسكن زقاق الرمان ظاهر دمشق، سمع الكثير، ومات في صفر بها، حدَّث عن أبي القاسم بن أبي العقب وغيره، وروى عنه أبو العباس بن قُبيس وغيرُه، وكان ثقةً صدوقًا. وفيها تُوفِّي عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر (٢) أبو نصر، الشُّروطي، الدمشقي، ويعرف بابن الجبَّان، وقيل: أصله من أذرعات، فيقال له: الأذرعي، كان إمامًا فاضلًا، له كتب مصنَّفات في علم الحديث وغيره، وكانت وفاته بدمشق، وبالباب الصغير دُفِن، سمع محمد بن سليمان الرَّبَعي، وجُمح بن القاسم، وأبا سليمان بن زَبْر، والدارقطنيَّ، وخلقًا كثيرًا. وروى عنه أبو علي الأهوازي، وعبد العزيز الكتَّاني، وأبو القاسم الحِنَّائي، وغيرُهم، وكان ثقةً صدوقًا حجةً في الحديث]. [وفيها تُوفِّي] عبد الوهاب بن عبد العزيز (٣) ابن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أُكينة بن عبد الله، أبو الفرج، التميمي، الفقيه، الحنبلي، الواعظ، ولد سنة ثلاث وخمسين وثلاث

стр. 8786

مئة، وسمع الحديث [ووعظ]، وكانت له بجامع المنصور حلقةٌ للوعظ والفتوى، وروى الحديث [عن أبيه وغيره]، وكانت وفاتُه في ربيع الأول، ودُفِنَ عند قبر الإمام أحمد رحمة الله عليه في الدَّكَّة، وكان زاهدًا عابدًا فاضلًا، ثقةً صدوقًا، وقد أخرج له الخطيب أثرًا، فقال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب رضوان الله عليه يقول وقد سُئِلَ عن الحنَّان المنَّان، فقال: الحنَّان الَّذي يُقبِلُ على من أعرض عنه، والمنَّان الَّذي يبدأ بالنَّوال قبل السؤال. [قال الخطيب: بين أبي الفرج] (١) وبين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه تسعة آباء آخرهم أُكينة. [وفيها تُوفِّي محمد بن رزق الله (٢) الزاهد، ابن عبيد الله، أبو بكر، المَنِيني، من قرية مَنِين بجبل سَنير شمالي دمشق، وفيها العين المشهورة، قال الحافظ ابن عساكر: لم يكن في الشام من يُكنى أبا بكر سواه. وقال: يحتمل أن ذلك لأجل المصريين في ذلك الوقت، وإلَّا فأبو بكر في الشاميين كثير، مثل: أبي بكر بن أبي الحديد وغيره. وكان ثقة]. [وفيها تُوفِّي] محمد بن عبد الله (٣) أبو عبد الله بن باكويه، الشيرازي، الصوفي، أوحد المشايخ في وقته، وله الكرامات والإشارات والسياحات والحكايات والواقعات، لقي خلقًا من المشايخ، وحكى عنهم، وسمع الحديث، وروى عنه خلقٌ كثير.

стр. 8787

السنة السادسة والعشرون وأربع مئة فيها استولى العيَّارون على بغداد، وملكوا الجانبين، ولم يبقَ للخليفة ولا لجلال الدولة حكم، وهجم بعضُ المماليك على دار الخليفة [ودخل بستانَه، وأكل من ثمرته ثم خرج، فكتب الخليفة إلى] الملك يطلبه، فضَعُف عن تحصيله (١)؛ لقلَّة الهيبة، فتقدَّم الخليفة إلى القضاة والفقهاء بترك الحكم والفتوى، ولا يعقد أحدٌ عقد نكاح، وأمر بغلق أبواب الجوامع والمساجد، وهيَّأ السفن لينحدر إلى البصرة، فحُمِلَ الغلامُ إلى دار الخليفة، فوكل به ساعةً، ثم أُطْلِقَ، وكان العيَّارون في دور الأتراك والحواشي يقيمون فيها نهارًا ويخرجون ليلًا، فيعملون العَمْلات، ومنعوا أهل المحالِّ النائية عن دِجلة شربَ الماء إلا بالخُفارة (٢)، وأخذوا الدراهم عن الزوايا، وكاشف اللصوصُ بالإفطار في نهار رمضان، وشرب الخمور، وارتكاب الفروج قهرًا، ولم يمنعهم من ذلك أحد، وكان الجميع بمواطأة من الأتراك والحاشية، ولا حُكْمَ للخليفة ينفذ. ومن العجائب أن الخليفةَ ببغداد والملكَ والجندَ، وكان الأعراب يأتون إلى حيطان بغداد فيأخذون مَنْ خرج منها [ويبيعون الناس ويفادوهم مثل أسارى الروم، ولا ينتطح فيها عنزان]. وفيها ورد كتابُ مسعود بن محمود بأنه فتح جرجان وطبرستان، وغزا الهند (٣)، ففتح بلادًا كثيرةً، وسبى سبعين ألفًا، وقتل خمسين ألفًا، وغنم ما مقداره ثلاثون ألف ألف درهم. ولم يحجَّ في هذه السنة أحدٌ من العراق [خوفًا من الأعراب] (٤).

стр. 8788

وفيها تُوفِّي أحمد بن كُلَيب (١) الشاعر [الأديب] المغربي. ذكر له أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي في "تاريخه" [حكايةً طويلةً بألفاظٍ سمِجةٍ حاصِلها أنَّه] كان أحمدُ يهوى [غلامًا من أهل الأندلس يُقال له]: أسلم بن أحمد بن سعيد قاضي قضاة الأندلس، وكان أسلمُ من أحسن أهل زمانه، فافتتن به، [وكان أحمد بن كليب أديبًا فاضلًا]، فقال فيه الأشعار، وأهدى إليه كتاب "الفصيح" لثعلب، وكتب معه [هذه الأبيات]: [من المجتث] هذا كتاب الفصيحِ … بكلِّ لفظٍ مَليحِ وهبتُهُ لكَ طوعًا … كما وهبتُكَ روحي وشاع شِعْرُه فيه، [وغُنِّي فيه بالأسواق]، وكان أسلمُ يحضر المجالس للحديث، ويجلس على بابه، فامتنع من ذلك، فمرض أحمد [بن كُلَيب] من محبَّتِه. قال محمد بن خطاب النَّحْوي: فدخلتُ عليه وهو بأسوأ حال، فقلت له: ألا تداوى؟ فقال: دوائي معروف، ولا حيلةَ للأطباء فيَّ. قلتُ: وما هو؟ قال: نظرةٌ من أسلم، فلو سعيتَ في أمري بأن يزورني لأعظمَ اللهُ أجرك. فمضيتُ إلى أسلم وسألتُه فامتنع وقال: يكفي أنَّه فضحني وشبَّبَ بي وهتكني، وواحيائي من أبي. فلم أزَلْ أُرقِّقه حتَّى خرج فمشى معي، ثم خجل وعاد من بعض الطريق. [قال]: فدخلتُ على أحمد وهو ينتظرني، فلما رآني يئس وذهب عقله، [ثم آبَ إليه عقلُه] وقال: [من المخلع البسيط] أسلمُ يا راحةَ العليلِ … رفقًا على الهائمِ النَّحيلِ وصلُكَ أشهى إلى فؤادي … من رحمةِ الخالقِ الجليلِ فقلت له: اتَّقِ الله، ما هذه [الكلمة] العظيمة (٢)؟ فقال: قد كان فخرجتُ من عنده، فما (٣) بلغتُ وسط الزقاق حتَّى سمعتُ الصُّراخَ [والنَّوح] عليه وقد مات، فكان أسلمُ إذا رأى غفلةً من الناس زار قبره. [وإنما أخذ هذا المعنى من المتنبي، وقد ذكرناه في ترجمته].

стр. 8789

الحسن بن أحمد (١) ابن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان، أبو علي، الرزَّاز، مُحدّث مشهور، بغدادي، ولد سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، وسمع خلقًا كثيرًا، وكان صالحًا صدوقًا ثقةً. قال محمد بن يحيى الكرماني: كُنَّا يومًا بحضرة أبي علي بن شاذان [إذ دخل شابٌّ لا يعرفه منَّا أحد، فسلَّم علينا وقال: أيُّكم أبو علي بن شاذان؟] فأشرنا إليه، فقال: أيها الشيخ، رأيتُ رسولَ الله ﷺ في المنام، فقال لي: اذهَبْ إلى أبي علي بن شاذان، وأقرِئْه عنِّي السلام. فبكى أبو علي وقال: ما أعرِفُ لي عملًا أستحِقُّ به هذا إلا أن يكون صبري على قراءة الحديث عليَّ، وتكرارُ الصلاة على رسول الله ﷺ كلَّما جاء ذِكْرُه. قال: ولم يكتُبْ أبو علي بعد ذلك إلا شهرين أو ثلاثة حتَّى مات في المُحرَّم، ودُفِنَ بمقبرة باب الدير. [وفيها تُوفِّي] الحسن بن عثمان (٢) ابن أحمد بن الحسين بن سَوْرة، أبو عمر، الواعظ، البغدادي، ويعرَفُ بابن الفَلْو، وُلِد سنة تسع وأربعين وثلاث مئة، وسمع الحديث، وكان سخيًّا، ومن شعره: [من الطويل] دخلتُ على السلطانِ في دار عِزِّهِ … بفقرٍ ولم أجلِبْ بخيلٍ ولا رَجْلِ فقلتُ انظروا ما بينَ فقري ومِلْكِكُمْ … بمقدارِ ما بين الولايةِ والعَزْلِ وكانت وفاته في صفر، ودُفِنَ بباب حرب.

стр. 8790

السنة السابعة والعشرون وأربع مئة فيها في المُحرَّم ظهر بالعراق جرادٌ أسود لم يُعهد قبلَ ذلك. وفيها قبضَ جلالُ الدولة على الوزير أبي القاسم بن ماكولا، وحبسه في دار المملكة، فشغَبَ الغِلْمان بسببه، فنقله إلى دار المرتضى، ثم نقله إلى دار المملكة، فمرض مرضًا وقع الإياس منه، فرُوسِلَ الخليفةُ في معنى أخيه قاضي القضاة أبي عبد الله بن ماكولا، وقيل: هو يعرف أمواله، فدافع الخليفةُ عنه، فعزم الأتراكُ إمَّا على تسليمه وإلَّا خرقوا خرقًا لا يُتلافى، فخرج جواب الخليفة أنَّه لم يبْقَ من أمرنا إلَّا هذا الناموس في حراسة مَنْ عندنا، وهذا القاضي لم يتصرَّفْ تصرُّفًا سلطانيًّا تلزمه فيه تبِعة، فزاد الشغَبُ، فكتب الخليفة إلى حاجب الحُجَّاب يقول: قد زاد الأمر في اطِّراح مُراقبتنا، وإسقاط حِشْمتِنا، والأَولى أن نُغلِقَ بابَنا، ونُدبِّر أمورنا بما نحرس به جاهنا. فأمسك عن المراجعة (١). وفي يوم السبت الرابع من جُمادى الأولى شغَبَ الغِلمانُ شغبًا عظيمًا، وأخرجوا الخِيَم إلى باب الأزَجِ، ومن الجانب الغربي إلى النَّجمي، ثمَّ اتَّفقوا على أن يكونوا يدًا واحدةً، فعبر مَنْ كان بالنَّجمي إلى الجانب الشرقي، وأشاعوا المسير إلى الأهواز، وأنَّ أبا كاليجار كاتبَهم وبعث إليهم با لأموال، فبعث الملك المرتضى ونظامَ الحضرتين والماورديَّ إلى الإسْفَهسلارية والحُجَّاب فقالوا: أنفذنا الملِكُ إليكم لنتعرَّف أخبارَكم البارحةَ في المطر والريح، وقد اشتغل قلبُه بمفارقتكم منازِلَكم. قالوا: وأيُّ شيء قال: قالوا: هذه الجملة لا غيرُ موجودة. قالوا: انصرفوا في دَعَةِ الله. وعَزَّ عليهم ذلك، وقالوا: هذه لهوٌ وسُخريةٌ بنا. ثم نفروا نفرة قويةً، وقالوا: ما بقي بعد هذا بقيةٌ. فراسلوه: اخرُجْ من بيننا، فقد بالغتَ في هلاكنا، وأعطيتَ إقطاعنا لغيرِنا، وهذا البلدُ ما يحمِلُكَ وإيَّانا. فأبطأَ عليهم الجوابُ، فركبوا بأجمعهم، وأحدقوا بداره، وقالوا للحاجب: نريد المَلِكَ يقف على الرَّوشَنِ يُكلِّمنا، فأخبره، فخرج ووقف على
следующие страницы →