← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

على جاري العادة ويدعو له، فقال: أمَّا بعد، فأطال الله بقاء سيِّدنا ومولانا الإمام، وأدام له العِزَّ والتأييد، والعلوَّ والتمهيد، والبسطةَ والسُّموَّ والغبطة، وأمضى شرقًا وغربًا أحكامَه، ونصر برًّا وبحرًا أعلامَه، ولا أخلى من الدولة مكانَه، ومن النضارة زمانَه، ثم ذكر آدم والأنبياء صلى الله عليهم وسلم بألفاظ طويلة، منها: والحمد لله الذي خلق صفة آدم ﵇ لاتِّحاد البريَّة، وأجراه في أحواله على سابق المشيَّة، وشرَّفه بسجود ملائكته الكرام، فخصُّوه بالتحية والإعظام، وابتلاه بمواقعة خطيئته، ثم تاب عليه عقيب إنابته، ورحِمَه عقيب استغفاره، وجعل الدنيا دار قراره، ثم صلَّى على النبي ﷺ ]. ومن جُمْلَتِه: أصدر العبدُ كتابَه من مستقرِّه ببلْخٍ لخمسٍ بَقِين من المُحرَّم [من هذه السنة]، وقد تناهى إلى الموقف (١) الأشرف ما يسَّره اللهُ من الفتوح التي زهَتْ على سائر الأنام، وانتهت راياتُها إلى بقاعٍ من (٢) بلاد الكفار ما كانت تخطر على الأوهام، وكُسِرتْ أصنامُها التي كانت تُعبد من دون الله؛ اغترارًا بطول زمانها، وانقراضِ القرونِ بعدَ القرونِ على تعظيم شانها، حتى فقدَ الكفارُ كلَّ صنمٍ منحوتٍ من الحجر والخشب، ومصوغٍ من الفضة والذهب، وأيقنوا ببُطلان اعتقاداتهم في معبودهم، وتحيَّروا في أمرِ دينهم الذي ورثوه عن آبائهم وجدودهم، وكان لهم صنمٌ عظيم يقال [له]: سومنات، وهو أعظمُ أصنامهم، وجاهروا بأنَّه يُحيي ويميت، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأنَّه إذا شاء أبرأ من جميع العلل، حتى من البرص والعمى والشَّلل، وربما كان يتَّفق لسُفائِهم إبراءُ عليلٍ يقصِدُه، فيزدادون به افتتانًا، ويأتونه من أقصى البلاد رجالًا ورُكبانًا، ويزعمون أنَّ الأرواح إذا فارقتِ الأجسامَ اجتمعت لديه على مذهب التناسخ، فينشِّئها فيمن شاء قبل الولادة، ويُجريها بعد دخولها في الوجود على ما يختاره لها من أسباب الشقاء والسعادة، وأنَّ ظهورَ مَدِّ البحر المتَّصل به وجَزْرِه عبادةٌ له على قَدْر طاقتِه ووُسْعِه، فكانوا بحكم هذا الاعتقاد يحجُّونه من كل صَقْعٍ [بعيد]، ويأتونه من كلِّ فَجٍّ عميق، ويُتحِفونه بكلِّ مالٍ جزيل، ويتصدَّقون على سَدَنتِه بكل مُدَّخرٍ جليل، ولم يَبْقَ في بلاد الهند والسِّند -على تباعُدِ أقطارِها، وتبايُنِ

стр. 8717

أمصارها- مَلِكٌ ولا سوقةٌ إلَّا وقد تقرَّب إلى هذا الصنم بما عزَّ (١) عليه من أموالِه وذخائِره وحُليِّه وجواهرِه، حتى بلغت أوقافُه عشرةَ آلاف قرية من مشهورات القُرى في تلك البقاع، وامتلأت خزائِنُه من أصناف الأموال والمتاع، ولأهل الهند نهرٌ كبير [يُعرف بكَنك] يُعظِّمونه غاية التعظيم، ويُلقون فيه عظامَ كُبرائهم [على تقدير أنها تُساق إلى جنَّات النَّعيم]، وبينهم وبين سومنات الصنم المذكور مسافةُ مئتي فرسخ على التحقيق، وكانوا يغسلون وجهَ هذا الصنم كلَّ يوم بماء هذا النهر إكرامًا يخصُّ به على طول الدهر (٢)، فرتبوا في كلِّ مرحلةٍ قاصدين يتعاقبون البِدار بهذا الماء في بُكرة كلِّ يوم إلى الصنم [المذكور]، وقد وقفوا الأوقافَ على هذا البريد [المأمور]، فكانوا كلَّ يومٍ يغسلون وجَه [هذا] الصنم بالماءِ الجديد، المشوبِ بالعسل واللبن الحليب، ورتبوا حولَه ألفَ رجل من البراهمة لخدمتِه، وتقديم الوفودِ إلى عبادتِه، وأقاموا ثلاثَ مئةِ رجلٍ يحلقون رؤوسَ حجيجه ولحاهم عند الوفود، وثلاثَ مئة رجلٍ يُغنُّون ويرقصون على باب بيت الصنم [المعبود] (٣)، وثلاثَ مئة جارية برسم زوَّاره، وقيل: خمس مئة. وكان العبد يتمنَّى طولَ عمره قلْعَ هذا الوثن الفتَّان، ويطلب فيه فُرصة الإمكان، ويسأل الصادرَ والواردَ، ويستقصي عن ممالِكها، ويخبر عن مفاوزِها، وصعوبةِ مسالِكها، واستيلاءِ الرمل السيَّال على طرقِها، ما يُحيِّر المسامع، ويُبلِّد العزائم، فاستخار العبدُ اللهَ تعالى في الانتداب لهذا الواجب، ومَثَلَ في وَهَمه أضعافُ المسموعِ من المتاعب، فنهض من غرَّته صبيحةَ يوم الأربعاء لثمانِ ليالٍ بَقِين من شعبان سنة ست عشرة وأربع مئة، فسلَكَ سَمْتَ المُلْتَان، فانتهى إليها في نصف [شعبان أو] (٤) رمضان، وسأل عن سلوك المفازات، فأُخبِرَ بصعوبتها من جميع الجهات، فاختار من جماهير الأولياء الذين هذَّبَتْهم الحروب، وثقَّفتْهُم الخطوب، ثلاثينَ ألف فارس، بعد أن رتب في كلِّ ثغرٍ وأطرافِ كلِّ بلدٍ من العساكر جمعًا لدفع من غشاه، يتطلب فرصةً في امتداد هذه الغيبة، وفرَّق في المُطَّوِّعة خمسين ألف دينار، بعد أن أخبرهم بصعوبة المفازات،

стр. 8718

فاختاروا الجهاد في سبيل الله، وسار من المُلتَان يقصد الصنم [المعبود]، وجهادَ أهلِ الشرك، وذلك يوم الجمعة الثاني من شوال، فاخترق المفاوزَ الموصوفة، فوجدها أعظمَ ممَّا وُصِفَتْ به من صعوبة المسالك المتلفة للسالك، وسارت المواكب والنفوس راضيةٌ بدرك الشهادة، والقلوب خاليةٌ من الأوطار المعتادة، وكان بين يديه قلاع كثيرة، فيسَّر اللهُ افتتاحَها بعد قَتْلِ سُكَّانِها، وقَلْعِ أوثانِها، وعَرَضَ في بعض الغَدَواتِ ضَبابٌ سدَّ الآفاق، ومَنَعَ ضوءَ الشمس من الإشراق، فزعمت طائفةٌ من الهنود أن هجوم هذا الظلام من مكايد [هذا] الوثن المقصود. وذكر في الكتاب أنه فتح بلادًا (١) كثيرةً، وقطع مفازاتٍ عظيمةً، وقتل خلقًا من الأمم والملوك، وذكر قلعة سومنات، وأنها قلعة عظيمة قد بُنِيَتْ على جانب البحر المحيط، وبحيث يبلغها إمدادُه إذا جزَرَت (٢)، [ويضرب أمواجُه حيطانَها إذا اضطربت]، وصَعِد أهلُها على أسوارها بأكمل عدة، وأيقنوا من معبودهم بالنَّصر والتأييد، والظَّفر والتسديد (٣) في قتالهم، فلمَّا عاينَ أحزابُ الشياطين من قتال المسلمين شأنًا، وشاهدوا من معبودهم خذلانًا، خابَتْ آمالُهم، وتغيَّرتْ أحوالُهم، ووافق الوقتَ الذي نطقت (٤) فيه ألسنُ الخطباء بالدعاء لجيوش الإسلام بالنصر [في أقطار الشرق والغرب والحضرة]، فزلَّت حينئذٍ أقدامُهم، ونُكِّسَتْ أعلامُهم، وخلَتِ البروج من أبطالهم، فنصب المسلمون عليها السلالمَ، وما كان إلا قليلٌ، حتى دُرِسَتْ منها المعالم، والتجؤوا إلى وثنهم يقبِّلونه تقبيلًا، فأُخذوا عليه وقُتِّلوا تقتيلًا، وحين خَلَتِ القلعةُ من سُكَّانها [وصفَتْ عن اتِّباع شيطانها]، صُرِفتِ الأبصارُ إلى مشاهدة الصنم [المذكور]، وكان بيتُه في صدر القلعة على جانب البحر المحيط، وأساس البيت من الصخور العِظام، وارتفاعُه على ستٍّ وخمسين سارية، وعلى شرافاته رُمَّان الذهب يلوح من بعيد كالشموس [ويحلُّ محل لمعانها من القلوب والنفوس]، وحولَه

стр. 8719

أصنامُ الذهب والفضة، وكلُّ صنمٍ قد بولِغَ في نقْشِه، ووُضِعَ الأصنامُ حولَه بمنزلة الملائكة حولَ عَرْشِه، وعلى بابه ستورٌ مُرخاةٌ، ومواقفُ الحُجَّاب مُهيَّأةٌ، وكان يجتمع إليه أيامَ الكسوف نحوٌ من مئة ألف إنسان، [ويحجُّون من كلِّ مكان]، وبين يديه جرسٌ معلَّقٌ من ذهب، في سلسلةٍ وزنُها مئتان وسبعون منا (١)، يُحرِّكونه في أوقات الصلوات [وساعات العبادات، وكان] إلى جانب الصنم خزانةٌ فيها من الأصنام الذهبية والفضِّية والمَناطق والقلائد وغيرِها ما بلغت قيمتُه عشرين ألف ألف درهم، غير الذهب (٢)، ثم أَمر العبدُ بكسر الصنم وقَلْعِه، فأُزيلَ في ساعةٍ (٣) عن قرارِه، [واستولى المحوُ على آثاره]، وأُوقِدَتْ عليه النارُ حتى صار جُذاذًا، وتقطَّع أفلاذًا، ولعبتِ النارُ في القلعة وجدرانِها، واشتمل القتلُ على خمسين ألف قتيل من سُكَّانها، [وهو كتاب طويل حاصله ما ذكرناه]. وفيها في رمضان دخل جلالُ الدولة بغداد، وخرج القادر لتلقِّيه على العادة، وصَعِد إلى طيار الخليفة، وقبَّل الأرض، ثم نزل في زَبْزَبه إلى دار المملكة، وضُربَ الطبلُ على بابه في أوقات الصلوات، فراسله الخليفةُ، وقال: هذا فيه مماثلةُ الخلافة. فاقتصر على الثلاث، وقيل: إنه دام على الخمس مدة أيام، وقال (٤): لي أسوةٌ بعضد الدولة والصَّمْصام وبَهاء الدولة وغيرهم، فأجابه الخليفة لمَّا أصرَّ. وفي شوال قُبِضَ على شمس الملك أبي الحسين بن علمكار، وكان في داره نخلةٌ غضَّةٌ صحيحة، والدار بدرب النخلة ببغداد، فلمَّا قُبِضَ عليه بالحِلَّة يبست النخلة في ذلك اليوم ببغداد. وفيها توجَّه أبو كاليجار من شيراز إلى الأهواز، فدخلها في رمضان، واستخلف على فارس بَهرام بن مافنة، وسببه أنَّ أبا كاليجار كان قد صالح أبا الفوارس واتَّفقا،

стр. 8720

وعَلِم بخروج العراق عن يده، وأنَّ وزيره أبا محمد ابن بابشاذ أتسز خاطب أبا منصور بَهرام في النيابة عنه بفارس، فامتنع واعتذر، فراجعه مرارًا، فأجاب على شروط أنَّه لا يُلَقَّب لقبًا، ولا يلبَس خِلْعةً، وأن يُدبِّر الأمورَ على ما يقتضيه رأيُه، من غير توقُّفٍ على إذنٍ ينتظره، إذْ كان بُعْدُ المسافة لا يحتمل تأخير ما يوجب الصلاحُ إنجازَه، وأن تُجعلَ الأعمالُ كلُّها إليه من غير مشاركة ولا مشارفة، فأجابه إلى جميع ذلك، وسار يوم السبت تاسع عشر شعبان، ولمَّا فصل عن فارس رتبَ أبو منصور الأمورَ الترتيبَ الحسن، ورفعَ المصادراتِ، وأفاض العدلَ، وأمَّنَ الناسَ كافَّةً، وأسقطَ التأويلات، حتى سُمِّي الأجل العادلَ، واستناب الوزيرَ أبا علي بن بُندار في ذلك، وكان الأكرادُ قد أفسدوا البلاد، فجمع العسكر وخرج إليهم، فلمَّا بلغَهَم سيرتُه أطاعوه، وجاؤوا إلى خدمته، فزال الفساد، وارتفع شَنُّ الغارات على الأطراف، وأمِنَتِ السُّبلُ، وأحسن إليهم، وأقطعهم الإقطاعات، ولزموا خدمته، ومما فعل أنه كان بفارس معايشُ ورواتبُ وتَشريفاتُ الأكابر من الكُتَّاب وذوي الحرُمات والبيوتات ما هو مُجرًى على طول الزمان، ما مقداره ألف ألف درهم في كل سنة، فلمَّا ضاق المالُ على السلطان قطعَ هذه الرسوم، وأحال على أربابها بما عسفوا فيه أشدَّ العسف، فأعادَ أبو منصور الرسومَ إلى أربابها، وأزال عنهم العَسْف والظُّلمَ، فأحبَّه الناس. وفي ذي القَعدة شغب الجند ببغداد على جلال الدولة، وقالوا: كم مواعيد؟ وخرجوا إلى ظاهر البلد، وسُئلوا (١) فلم يلتفتوا، فقبضَ جلالُ الدولة على جماعةٍ من الأعيان، وصادرهم، وأرضى به الترك. وفيها نُقِضتْ دارُ مُعِزِّ الدولة بباب الشَّماسية، وكان غرم عليها اثني عشر ألف ألف درهم، سوى ما أخذ من أنقاض البلاد [ولم يبقَ لها أثر إلا مسناتها، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم]. ولم يحُجَّ أحدٌ من خراسان ولا من العراق.

стр. 8721

وفيها تُوفِّي أحمد بن محمد ابن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي، أبو عبد الله المعدَّل، الخطيب، [سمع أبا عمر الزاهد، وكتب عنه الخطيب (١)]: كان زاهدًا ورعًا عفيفًا صالحًا، أقام خطيبًا بجامع المنصور ثلاثًا وثلاثين سنة، [من سنة ستٍّ وثمانين إلى هذه السنة، يخطب بخطبةٍ واحدةٍ [لم يُغيِّرها]، وإذا سمع الناس ضجُّوا وبكوا، [وقامت عليهم القيامة، ومات في هذه السنة]، ودُفِنَ بباب حرب (٢). الحسين بن علي (٣) ابن الحسين، أبو القاسم، الوزير، المغربي. ولد بمصر في ذي الحِجَّة سنة سبعين وثلاث مئة، وهرب منها لمَّا قتل الحاكمُ أباه عليًّا وعمَّه محمدًا. وقيل: [إنَّ] (٤) أباه وَزَرَ للعزيز بمصر، وللحاكم بعده مُدَّة قَبْضِه وحَبْسِه، فهرب إلى العراق، وخدمَ بني بُوَيه مُشرِّف الدولة وغيرَه، وولَّى الحاكمُ ولدَه أبا القاسم، ثم قبَضَ عليه وسَجَنه في خزانة البنود، فهرب منها، ويقال: إنه ما هرب منها سواه، وقصد العراق، وأقام عند أبيه مدةً، ومات أبوه بالعراق، فأصعد إلى الموصل، فخدم قِرْواشًا مدةً، ثم قبضه، وقبض معه سليمان بن فهد، ثم أطلقه، فخرج إلى ديار بكر، وقصد نصر (٥) الدولة بن مروان، فأقامَ عنده، وطلبه قِرواشٌ فمنعه، وقال: واللهِ لا سلَّمتُه إليكَ بعد أن استجارَ بي. ومات وزير نصر الدولة أبو القاسم خواجا صاحب أرْزَن سنة ستَّ عشرة وأربع مئة في رمضان، فاستوزَرَ صاحبَ هذه الترجمة، ورُدَّتِ الأمورُ إليه، وفي "تاريخ

стр. 8722

مَيَّافارقين" أنَّ الحسين بن علي خرج من الموصل ومعه سليمان بن فهد، وأنَّ قِرواشًا لم يقتُلْه، وأنَّ سليمان أقام عند ابن مروان في ضيافته حتى أصلح حالهُ مع قِرْواش، وعاد إليه. وقيل: إن الحسين قَدِمَ بغداد ووَزَرَ لمشرِّف الدولة، ثم عاد إلى ميَّافارقين، فأقام عند مروان [حتى مات] (١) عنده، وكان [الحسين] عاقلًا فاضلًا، شهمًا شجاعًا، شاعرًا، كافيًا في فنِّه، حتى قيل: إنَّه لم يَلِ الوزارةَ لخليفة ولا لملك أكفى منه، ولا أحسنَ سياسةً، وكان إذا دخل عليه الفقيهُ سأله عن النَّحْو، والنحويُّ سأله عن الفرائض، والشاعرُ سأله عن القراءات تبكيتًا لهم، فدخل عليه شيخٌ صالحٌ، فسأله عن العلم، فقال: ما أدري، ولكني رجلٌ يُودِعني الغريبُ الذي لا أعرفهُ الأموال العظيمةَ، ويعودُ بعد سنين وهي بختومها [قال] فأخجله لذلك. وزار رجلًا من المنقطعين إلى الله، فقال له: أيها الشيخ، لو صحِبْتَنا لاستَفَدْنا منكَ، واستَفدْتَ مِنَّا. فقال: رَدَّني عن هذا بيتٌ [من] شعر، وهو قول القائل: [من الطويل] إذا شِئْتَ أن تَحيا غنيًّا فلا تكُنْ … بمنزلةٍ إلَّا رضيتَ بدونها فقال له: يا شيخ، ما هذا بيتُ شعر، ذا بيتُ مال. ثم قال: اللهمَّ أغْنِنا كما أغنيتَ هذا الشيخ. واعتزل السلطانَ، وانقطع إلى العبادة، فقيل له: [لو] تركتَ المناصب في عنفوان شبابِكَ. فقال: [من الخفيف] كنتُ في سفرةِ البطالةِ والغـ … ــــيِّ زمانًا فحانَ مني قدومُ تُبْتُ عن كلِّ مأثمٍ فعسى يُمْـ … حي بهذا الحديثِ ذاكَ القديمُ بعد خمسٍ وأربعينَ لَقدْ ما … طَلْتُ إلَّا أنَّ الغريمَ كريمُ [وله الأشعار المستحسنة، وذكر الخطيب (٢) وابن عساكر طرفًا منها، وأنبأنا غير واحدٍ عن أبي القاسم السمرقندي قال: أنشدني أبو محمد التميمي للوزير أبي القاسم بن المعزى هذه الأبيات] فقال: [من المجتث]

стр. 8723

الدَّهْرُ سهلٌ وصعبُ … والعيشُ مُرٌّ وعَذْبُ فاكسِبْ بمالِكَ حَمْدًا … فليسَ كالحمدِ كَسْبُ وما يدومُ سرورٌ … فاختِمْ وطينُكَ رَطْبُ وقال: [من الطويل] وما ظبيةٌ أدماءُ تحنو على طَلى (١) … ترى الإنسَ وحشًا وهي تأنسُ بالوحشِ غدَتْ فارْتَعَتْ ثمَّ انثنَتْ لرضاعِهِ … فلم تُلْفِ شيئًا من قوائمه الحُمشِ فطافَتْ بذاك القاعِ وَلْهى فصادَفَتْ … سباعَ الفَلا يَنْهَشْنَهُ أيَّما نَهْشِ بأوجَعَ منِّي يومَ ظَلَّتْ أنامِلٌ … تُودِّعني بالدُّرِّ من شبَكِ النقشِ وأجمالُهم تحدى وقد خَيَّل الهوى … كأنَّ مطاياهُمْ على ناظري تمشي وأعجَبُ ما في الأمرِ أنْ عِشْتُ بعدَهُمْ … على أنَّهم ما خَلَّفوا فيَّ مِنْ بَطْشِ وقال أيضًا: [من الطويل] أيا وطني إنْ فاتَني بِكَ فائِتٌ … من الدَّهرِ فلْتَنْعَمْ بساكنِكَ الحالُ وإن أستطِعْ في الحشر أنَّكَ زائري … وهيهاتَ لي يومَ القيامةِ أشغالُ وقال: [من مجزوء الكامل] إني أبُثُّكَ عن حَديـ … ـثي والحديثُ لهُ شجونْ غيَّرْتُ موضعَ مرقدي … ليلًا فنافرني السُّكونْ قُلْ لي فأَوَّلُ ليلةٍ … في القبرِ كيف تُرى تكونْ ذكر وفاته: [ذكر جدي ﵀ في "المنتظم" قال]: لمَّا أحسَّ بالموت كتب كتابًا إلى كل مَنْ يصل إليه من الأمراء والرؤساء الذين بين ديار بكر والكوفة أن حَظيَّةً للوزير توفِّيت، وأنَّ تابوتها يجتاز بهم إلى مشهد أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه، وخاطبهم في المراعاة لمن يصحبه [ويَخْفرهُ]، وكان قصدُه أن لا يتعرَّض أحدٌ لتابوته، وأن ينطوي خبرُه، فتَمَّ [له] ذلك، ومات بميَّافارقين عن ستٍّ وأربعين سنة، وحُمِلَ إلى مشهد علي ﵇ فدُفِنَ هناك.

стр. 8724

وفي "تاريخ ميَّافارقين" أنه كتب كتابًا إلى النقيب بالكوفة ليدفنه في عتبة باب المشهد، وقال للنقيب في الكتاب: وقد أوصيتُ أن يُجعلَ في التابوت ألف دينار في كيس، فإذا وصل إليك التابوتُ فافتَحْه، فهي العلامة، وأوصى إلى أبي طاهر محمد بن عبد الرحيم بن نُباتة صاحب الخُطَب وعرَّفه بما يجعل في التابوت، ومات، فغسَّله الخطيبُ، وجعل المال في التابوت، فلما وصل [إلى] الكوفة قال النقيب: من هذا؟ قيل: الوزير المغربي. [فأنكر ذلك و] قال: [أنا] لي فيه علامةٌ: ففتح التابوتَ فوجدَ الكيس، فأخذه ودفنه تحت العتبة، وكتب عند رأسه: يا جامع الناس لميقات يومٍ معلوم، اجعَلِ الحسين بن علي من الفائزين. ورأيت في "تاريخ ميَّافارقين" عن أبي الحوار الواسطي قال: أوصى الوزير أن يُحمَلَ إلى مشهد الحسين بن علي ﵇، ويُدفَنَ تحت رجلَي الحسين ﵇، وأن يُكتَبَ عند رأسه بيتين وهُما له فقال: [من مجزوء الرجز] سقى الإلهُ الأزلي … من السحابِ الهُطَّلِ قبرَ الحسينِ بنِ علي … عندَ الحسينِ بنِ علي ففعلوا به ذلك. [قلت: وهذه الرواية أحسن] وقيل: إنه مات [في] سنة ثمان وعشرين وأربع مئة. وقال ابن عساكر: كان مع أبيه بمصر، فلمَّا قَتلَ الحاكمُ أباه وعمَّه بمصر هرب، فاستجار بحسان بن المُفَرِّج بن دَغْفَل بن الجرَّاح الطائي، ومدحه، فأجازه، وأقام عنده مُكرَّمًا، ثم رحل عنه، وتوجَّه إلى العراق، واجتاز بالبلقاء، ووَزَرَ لِقِرْواشٍ أميرِ بني عقيل، ولابنِ مروانَ صاحبِ ديار بكر. وكان أديبًا، شاعرًا، فاضلًا، مترسِّلًا، ذا معرفةٍ بصناعة الكتابة والإنشاء والحساب، ومن شعره: [من الكامل] من بعْدِ وصلٍ رُمْتُمُ أنْ تهجُروا … من بعد فرقٍ بائعين تخيَّروا ردُّوا الفؤادَ كما عهدتُ إلى الحشا … والمُقلتين إلى الكرى ثم اهجروا وزعمتمُ أنَّ اللَّيالي غيَّرَتْ … عهدَ الهوى لا كانَ مَنْ يتغَيَّرُ

стр. 8725

عبد الرحمن بن هشام والي الأندلس، الذي لقَّب نفسَه في سنة أربع عشرة وأربع مئة بالمستظهر والمستكفي والمعتمد، وعاد مِلْكُ بني أمية إلى الأندلس بسببه، فلمَّا كان في هذه السنة وثبَ الجندُ عليه فقتلوه، وانقطعَتْ ولاية بني أمية عن الأندلس، واختلَّتِ الأمورُ إلى سنة ثلاثٍ وأربعين وأربع مئة، أو إحدى أو اثنتين وأربعين وأربع مئة، فخطب ابن باديس الصنهاجي للقائم بها، وما زالتِ الدعوةُ لبني العباس قائمةً بها أيامَ المقتفي، وانقطعت لما نذكرُ إن شاء الله تعالى. فصل في ولاية الأندلس من بني أمية: وعِدَّةُ ملوكهم أربعةَ عشر على عددِ أسلافِهم، ومُدَّة سنينهم مئتان وثمانون سنة، فأوَّلهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان أبو المُطرِّف، [ويُسمَّى] الداخل، بُويعَ [في] سنة تسع وثلاثين ومئة، في أيام [أبي جعفر] المنصور، وكان المنصور يُثني عليه، ومات [في] سنة اثنتين وسبعين ومئة في أيام [هارون] الرشيد، فأقام واليًا ثلاثًا وثلاثين سنة، ثم وَليَ بعدَه ابنه هشام بن عبد الرحمن [في] سنة اثنين وسبعين ومئة، ومات في صفر سنة ثمانين ومئة في أيام هارون [الرشيد أيضًا]، فكانت ولايتُه سبع سنين وعشرة أشهر، ثم وَليَ ابنُه الحكم بن هشام سنة ثمانين [ومئة]، وتوفِّي سنة ستٍّ ومئتين في أيام المأمون، فأقام واليًا [سبعًا وعشرين سنة، ثم وَلِيَ ابنُه عبد الرحمن بن الحكم في سنة ستٍّ ومئتين، ومات في سنة ثمان وثلاثين ومئتين، فأقام واليًا] (١) اثنتين وثلاثين سنة، وكانت وفاته في أيام المتوكِّل، ثم وَلِيَ ابنُه محمد بن عبد الرحمن سنة ثمانٍ وثلاثين [ومئتين]، ومات [في] سنة ثلاث وسبعين ومئتين في أيام المعتمد، فأقام واليًا أربعًا وثلاثين سنة، ثم وَليَ ابنُه المنذر (٢) بن محمد، فأقام واليًا سنتين، واستُشهد في غَزاةٍ له سنة خمس وسبعين [ومئتين] في أيام المعتمد، ولم يكن له ولد [ذَكَر]، فانقرَضَ نسلُه، ثم وَلِيَ عبد الله بن

стр. 8726

محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل أخو المنذر [بن محمد بن عبد الله بن محمد]، فأقام واليًا إلى سنة ثلاث مئة [و] خمسًا وعشرين سنة، ثم وَلَيَ [بعدَه ابنُ] ابنه عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد [بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل] في سنة ثلاث مئة في أيام المقتدر، فأقام واليًا خمسين سنة، ثم مات [في] سنة خمسين وثلاث مئة في أيام المُطيع، ثم وَليَ بعدَه الحكم بن عبد الرحمن [بن محمدٍ]، فأقام واليًا خمس عشرة سنة، ومات في أيام الطائع (١) [في] سنة ستٍّ وسبعين وثلاث مئة، ثم وَليَ بعدَه ابنُه هشام بن الحكم المؤيد (٢)، فأقام واليًا تسعًا وثلاثين سنة، ومات [في] سنة تسع وتسعين وثلاث مئة في أيام القادر [بالله]، وقد كان غلب عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الملقَّب بالناصر [وغيَّبه] (٣)، ولقَّبَ محمدٌ نفسَه بالمهدي، ثم قويَ عليه سليمان بن الحكم، وغلبَ على الأمر، فهربَ محمد بن هشام إلى المُشرِّف، ثم عاد إلى الأندلس. وقيل: قَتَلَه سليمان، والأشهر أنه عاد إلى المغرب، وَوَليَ مدَّةً، ثم قتلَه سليمانُ في أيام القادر، ووَلِىَ هشام بن الحكم بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن هشام أخي محمد بن هشام المتغلِّب على المؤيَّد، فقُتِلَ، وزالتْ أيامُ بني أمية. وقيل: إن محمد بن هشام المتغلِّب على المؤَّيد لمَّا هرب من سِليمان بن الحكم أقام ببيت المقدس سنتين يتقوَّت من عمل الحُصَرِ، فلمَّا عاد إلى الأندلس واقعَ سليمانَ بن الحكم مرارًا، فسُمِّي الحُصَرِي. وقيل: إنَّ الحُصَرِيَّ لم يكُنْ من بني أمية. قال ابن عبد البر: الذي ظهر بالمغرب وقيل له: الحُصَرِي، رجلٌ من آحاد الناس، لا يؤبَهُ إليه، خُطِبَ [له] (٤) على المنابر بجميع الأندلس بعد نيِّفِ وعشرين سنة من موت هشام الملقَّب بالمؤيد، فأقام الحُصْري نيِّفًا وعشرين سنة تتصادم الجيوش بسببه، وهو حُصْريٌّ.

стр. 8727

[وفيها تُوفِّي] عبد الوهاب بن جعفر بن علي (١) أبو الحسين، الميداني، الدمشقي [ذكره الحافظ ابن عساكر وقال]: وُلدَ سنة ثمان (٢) وثلاثين وثلاث مئة، وسمع الكثير (٣)، وكتب بقنطار حبر (٤) بالشامي، ومات بدمشق، ودُفِنَ بمقبرة باب الفراديس، [سمع أبا سليمان بن زَبْر والدارقطني وخلقًا كثيرًا، وروى عنه رشَأ بن نظيف وأبو العبَّاس بن قُبيس وجَمٌّ غفير]، وكان عظيمًا صدوقًا ثقةً. [وفيها تُوفِّي] أبو القاسم بن القادر بالله (٥) تُوفِّي ليلةَ الأحد لليلةٍ خلَتْ من جمادى الآخرة، وصلَّى عليه أخوه أبو جعفر، ومشى أربابُ الدولة [والخلق] في جنازته إلى الرُّصافة [وأعاد الصلاة عليه أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر]، وحزن الخليفةُ عليه حزنًا شديدًا، وامتنع من الطعام والشراب، وقطع ضرب الطَّبلِ ببابه (٦) في أوقات الصلاة أيامًا (٧). أبو الحسن بن طباطبا العلوي (٨) كان فاضلًا شاعرًا فصيحًا، تُوفِّي ببغداد في ذي القعدة، كتب إليه رجلٌ ورقة فأجابه في ظهرها بديهًا: [من الخفيف] وقرأتُ الذي كتبتَ وما زا … لَ نَجيِّي ومُؤْنِسي وسميري

стр. 8728

وغدا الفألُ في امتزاجِ السُّطورِ … حاكمًا بامتزاجِنا في الضَّميرِ واقترانُ الكلامِ لفظًا وحظًّا … شاهدًا باقترانِ وُدِّ الصُّدورِ وتبرَّكتُ باجتماعِ الكلامَيْـ … نِ رجاءَ اجتماعِنا في سرورِ وتفاءلتُ بالظُّهور على الوا … شي فصارَتْ كتابتي (١) في الظُّهورِ السنة التاسعة عشرة وأربع مئة فيها في يوم الأحد ثاني عشر المُحرَّم اجتمع الأتراكُ بسوق يحيى، وتحالفوا على اجتماع كلِمتهم، وأخرجوا الخيم إلى ظاهر البلد، وبعثوا رسالةً إلى الخليفة يقولون: نحن عبيدُ مولانا وخدَمُه، وكان اختيارُنا لهذا الملك الوارد إلينا على ظنِّ أنه ينظُر في حالنا، وأنَّه رجلٌ متوفرٌ على لذَّاته، ومستعملٌ بما لا تنتظم سياسةٌ بمثلِه، ونسأل أميرَ المؤمنين أن يتوسَّط بيننا وبينه، ويوعِزَ إليه بالعَوْد إلى البصرة، وإنفاذِ ولدِه يقيمُ بيننا نائبًا عنه في مراعاتنا، ومتى لم يفعل هذا لم نأمن أن يجري من الغلمان ما يتطرَّقُ إلى القباحة والوهن، فاستدعى الخليفةُ الشريفَ المرتضى ونظامَ الحضرتين أبا الحسن الزَّينبي، وأنفذَهما إلى الملك ومعهما أبو نصر بن طاس الحاجب بما قاله الأتراك ويوصيه بهم، فلمَّا أعادوه عليه (٢) قال: كلُّ ما ذكروه من إغفالنا لهم صحيحٌ، ونحن معترفون ومُعتَذِرون منه، وعفا الله عما سلف، ونستأنفُ الطريقةَ التي ترضيهم، ونُطْلِق لهم الآن ما يُمكن إطلاقُه. وعاد الرسلُ إلى الخليفة وبلَّغوه ما قال، فأرسل إليهم وأخبرهم بما قال، فقالوا: نريد ما وعدنا به عاجلًا. فباع من الضياعات بمئة ألف درهم، وبعث بها إليهم، فلم يَقنعوا، وعادوا في اليوم الثاني، وشَغَبوا ونهبوا دارَ الوزيرِ يمينِ الدولة، ودُورَ الخواصِّ والعامَّة، وعظُمَتِ الفتنةُ، وانخرقَتِ الهيبةُ، وظهر العيَّارون ونَهَبوا، وكبسوا الدُّورَ، وجاء جماعةٌ من الأتراك، فوكِّلوا بباب دار المملكة، ومَنعوا من دخول الطعام والماء إليها، واشتدَّ الحصار بجلال الدولة،

стр. 8729

وشربوا الماء المالح من الآبار، ففتح جلالُ الدولة باب الميدان، ودعا الموَكَّلين بالأبواب، فامتنعوا وبعُدوا عنه قليلًا، فكتب رقعةً إلى الإسْفَهسلارية بيده يقول: أنا أرجِعُ إلى كلِّ ما تريدون، وأُطلِقُ لكم قسطًا في ثلاثة أيام، وأُحضِرُ الأموال من البصرة وأُعطيكم فوقَ ما تريدون. فعاد جوابهم: لو أعطيتنا ملء (١) بغداد ما صَلُحْتَ لنا ولا صَلُحنا لك. فأعاد الرسالة إليهم: إذا كنتم قد كرهتموني هذه الكراهة فمكِّنوني من الانحدار، وأعطوني من السُّفن ما يَحمِلُني ويَحمِلُ حرمي، ولا يحلُّ لكم أن تمنعوني الماء والطعام. فقالوا: تنحدر. وابتيع له زبْرَبٌ شَعِبٌ (٢) من بعض الغِلمان، وأكتَرَوا له سُفنًا، وبكَّروا فأحاطوا بالدار، وراسلوه بالانحدار، ودخل قومٌ منهم فختموا الخزائن، وكان جلال الدولة قد نقل ما كان فيها سرًّا وخبأه، فأرسل إليهم وقال: يا قومِ، أنْظِروني إلى الليل، فإنه أستر للحُرَمِ. فأبَوا، وقالوا: لا، بَلْ يكون في هذه الساعة، فإنَّا لا نأمن من الغلمان أن ينهبوك. فأنزل في الزَّبْزَبِ بعضَ قِماشِه وفي السفن، وشدَّ سُرادِقَين في سفينة، وأنزل الجواري فيها وهُنَّ على حالِ تهتُّكٍ، والجندُ والعامَّةُ وقوفًا صفَّين على دجلة، وهربَتْ حاشيتُه، وبقي وحدَه، والأتراكُ في الدار وقريبٌ منه، ولا يُسلِّمون عليه، ويدعوهم فلا يَلوون عليه، وجاء قومٌ من الغلمان إلى السُّرادق، فظنَّ أنهم يريدون النساء، فخرج وبيده طَبَرْزين، وقال: يا فتيان، قد بلغَ الأمرُ إلى الحُرَم. فقال له بعضهم: ارجِعْ يا ملك يا شاهِنشاه، فأنتَ ملِكُنا ومولانا. وصاحوا بأجمعهم: جلال الدولة يا منصور. وانتُضيَتْ السيوفُ، وجُرِّدت اللُّتوت، وأركبوه فرسًا، وجاؤوا كلُّهم فقبَّلوا الأرضَ بين يديه، ولمَّا رأى الأكابرُ والإسْفَهسلارية ما فعلَ التركُ خافوا على نفوسهم، فَلَوَوا رؤوس خيولهم، وخرجوا إلى معسكرهم، ثم قال الترك للملك: نريد السلاح. فقال: خُذوا ما في الخزائن. فنهبوها، ثم طالبوه بقصد الإسْفَهسلارية، فامتنع وقال: هؤلاء شيوخُكم وأعوانُ

стр. 8730

الملك. وأنفذَ إليهم القاضي أبا صالح المُوَقَّر وجماعةً بخاتمه وقال: أنتم العُمُد، وعليكم المُعَوَّل، ونحنُ لكم على أفضل ما عهدتموه، وما خرج أحدٌ عن طاعة، وإنما طلبوا أرزاقَهم، وجرى مقدورُ الله إلى غاية، ومضى القاضي والرسلُ إليهم، وأبلغوهم الرسالة، وقبَّلوا قرابيسَ (١) سروجهم، وقالوا: نحنُ عبيد شاهِنْشاه ومماليكُه، وما كان هذا الانحياز والتفرُّد منا إلَّا للقبيح الذي عامَلَنا به صاحبُنا، فإنهم أكرهونا على الخروج معهم، ثم عدلوا عن رأيهم الأول، من غير أن يؤذنونا بما يُجدَّدُ من رأيهم، فنساعدهم عليه، وقد بلغَنا أنهم أشاروا على مولانا بقصدنا والإيقاع بنا، ونحنُ وإيَّاهم عبيده، فليعتزِلْ عنَّا وعنهم. فأعاد الرسُلُ إليه الرسالة، فبعث إليهم رسالةً أخرى يقول: إن لم يُعجِبْكم مقامي بينكم انحدرْتُ عنكم. فدعوا له، وأخرج الملِكُ ما بقيَ في داره من الصياغاتِ والأواني وحُليِّ الجواري وجواهرِهم والطُّسوتِ والأباريقِ والسُّفَرِ، ولم يَفِ بما لَهم، وسكتوا على مضض، وحلَفَ للإسْفَهسلارية وحلفوا له بمحضر من القُضاة والأعيان والمرتضى وغيرِه، وكانوا قد نزلوا في الجانب الغربيِّ مجاهرين، وأصبح الملِكُ وجلسَ لهم في داره ليعبروا إلى الخدمة، فهبَّتْ ريحٌ عاصفٌ، فأغرقَتِ السفُنَ، وأرسل إليهم، فاحتجُّوا بالريح، فاحتاج أن خاطَرَ بنفسه وعبَرَ إليهم في زَبْزَبٍ وكاد يغرق، فالتقَوْه من المَشْرَعة (٢)، وقبَّلوا الأرضَ بين يديه واعتذروا، ولم يكُنْ معهم أحدٌ، وحلف لهم وحلفوا له، وعادوا إلى دُورهم، واستقرَّ المُلكُ له. وفي ربيع الأول فتح حسام الدين ابن أبي الشوك بلدة دَقُوقا وأخرج مالك بن بدران (٣) بن المُقَلِّد منها. وفيها بيعَ ببغداد التمرُ كلُّ ثلاثة أرطال (٤) بدينار، وسببُه أنَّ ريحًا سوداءَ هبَّتْ فأحرقتِ النَّخلَ، وجمَّدَتِ المياه، وكثُر الجليدُ.

стр. 8731

وفي شوَّال قُبِضَ على أبي منصور بن طاس حاجب القادر. وبطل الحجُّ من العراق ومصر، ولم يحُجَّ إلَّا قومٌ من خُراسان ركبوا البحر من البحرين ومُكْران (١)، فأرسوا على جدَّة، وحجُّوا. وفيها تُوفِّي حمزة بن إبراهيم أبو الخطاب، بلغَ من بهاء الدولة منزلةً لم يبلُغْها غيرُه، كان يُعلِّمه النجوم، وكان حاكمًا على الدولة، و [كان] الوزراءُ والقُوَّادُ يخافونه، والخلفاءُ يَألفونه، وحكم على الملوك، وما كان يقنعُ من الوزراء بالقليل لمَّا فتح فخرُ الملك قلعةَ سابور وحُمِلَ إليه مئة ألف دينار فاستقلَّها، وما كان بهاءُ الدولة يخالفُه أبدًا، وآلَ أمْرُه إلى أن مات بكَرْخ سامرَّا غريبًا وحيدًا، وذهب مالُه وجاهُه. وقال هلال بن الصابئ: وُلدَ سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، وكان في بدايته عاملًا لأبي جعفر بن المُكتفي بالله، ربَّاه وخرَّجه وعلَّمه علم النجوم الذي كانت معيشته منه، وكان يُحوِّل المواليد للوزراء والكُبراء، وتدرَّج إلى أن خدم في دار بهاء الدولة، في جملة المنجِّمين، فتقلَّبت به الأحوال، حتى صار من خواص بهاء الدولة، لا يفارقه إلا وقتَ النوم، وكانت فيه جلادةٌ وتوصُّل وحِيَلٌ، فاستولى على بهاء الدولة، وأدخل يده في المعاملات، ومات بهاءُ الدولة وأكثرُ أموره متعلِّقةٌ به، وقام سلطان الدولة فاستولى على الأموال والخزائن والقِلاع، وفُوِّضَ إليه الحَلُّ والعقدُ، والولايةُ والعزلُ، واستمرَّت به السعادةُ إلى آخر عمره، وكان مع هذا متوسِّطًا في مأكوله ومشروبه وملبوسه، وخلف أموالًا عظيمةً، وكان فخر الملك يقول: حملتُ إليه مرةً مئةَ ألف دينار فاستقلَّها، فجعلتُها مئةً وخمسين ألفًا، وهذا في دفعة واحدة. ولمَّا وَليَ سلطانُ الدولة لم يقبَلْ، فخرج إلى سُرَّ مَنْ رأى لما نذكر. وقال بعض أصحابه: استأذنْتُ عليه، وإذا به يبكي، فمسح عينيه، فقلت له: ما لي أرى مولانا على هذه الصورة؟ فقال: انعكسَ ما كنتُ عليه من الإقبال، وآذَنَت مُدَّتي

стр. 8732

وسعادتي بالزَّوال، وإذا أراد الله بامرئٍ خيرًا وفَّقه للخير، وإذا أراد به سوءًا حسَّن له السوء، وقد كنتُ أحرسُ الناسَ من الملوك والوزراء وأدفعُ عنهم، وأسعى في حفظ نفوسهم ونَعَمِهم، وقد دُفِعْتُ إلى ضرب الأبشار (١)، وأخذِ الأموال، وهذا علامة الإدبار، ولو كنتُ سعيدًا لعفَوْتُ عمَّن عاملني بالقبيح، إما لله تعالى، وإمَّا للقدرة، أو لاتِّباع مكارم الأخلاق. ولمَّا أصعد سلطانُ الدولة من واسط إلى بغداد خرج أبو الخطاب والأمير إلى سُرَّ مَنْ رأى، وكان الأمير مُقدَّمًا في الدولة، فلمَّا انحدرَ سلطانُ الدولة إلى واسط واستقرَّ الأمر لمشرِّف الدولة قال أبو غالب الحسن بن منصور الوزير لبعض أصحابه: ما انحدر سلطان الدولة إلى واسط إلا ليُدبِّر الأمر علينا. وراسل الأميرَ وأبا الخطاب، وتحالفوا وتعاهدوا على أن تكون كلمتُهم واحدةً، وأن يوفوا الأتراك أقساطهم، وعزم أبو الخطاب على العود إلى بغداد، فأصبح وقد ضربه الفالجُ، وكانت منيَّتُه فيه، فسبحان الله الذي أطال مُدَّته، وأدام سعادتَه، وأعلى منزلتَه عند اعتقادِ الخيرِ وفِعلِه إيَّاه، ومحافظتِه على حقوق الناس، ومنعِه المصادرات، وحؤولِه بين الملوك والوزراء وبين ما كانوا يرومونه من ذلك، ثم رماه بهذه العلة التي قاسى منها الزَّمانةَ والآلامَ وغربةً في البلاد، وشتَّتَه في الأسفار لمَّا غيَّر النيَّة، وعدلَ عن تلك الطريقة، وهمَّ بما همَّ به من الشرِّ والقبيح، فترامت به الحالُ إلى الوفاة من غير أن يحضر أهلُه وولدُه، وتشتَّتَ بعدَه ولدُه أبو سعد، ومات وانقرض عقبُه، وتمزَّقت أموالُه، وذهبت ذخائرُه، إن في ذلك لعبرةً. عبد المحسن بن محمد (٢) ابن أحمد بن غالب بن غَلْبون، أبو محمد، الصُّوري، الشاعر، له ديوانٌ مشهور، ومن شعره: [من الخفيف] وأخٍ مسَّه نزولي بقَرْحٍ … مثلَ ما مسَّني من الجوعِ قَرْحُ

стр. 8733

بِتُّ ضيفًا له كما حكمَ الدَّهـ … رُ وفي حُكْمه على الحرِّ قُبْحُ فابتداني يقولُ وهو من السَّكْـ … رة بالهمِّ طافحٌ ليسَ يَصحو لِمْ تغرَّبْتَ قلتُ قال رسولُ اللـ … ـــــهِ والقولُ منهُ نُصْحٌ ونُجْحُ سافِروا تَغْنموا فقال وقَدْ … قال تمامَ الحديثِ صوموا تصِحُّوا (١) وقد ذكر ابن السمعاني في "الذيل" بمعناه، فقال: أنشدني حامد بن صالح بن عبد الله: قد نزَلْنا بصالحِ بنِ جُرَيجٍ … وبأكبادِنا من الجوعِ قَرْحُ قال قَدْ جئتمُ وفي الحال ضِيقٌ … وطعامُ العيالِ خبزٌ ومِلْحُ قلتُ نَرْضى بهِ فهاتِ وعَجِّلْ … قال لا يُفْلِحُ السَّؤولُ المُلِحُّ لِمْ تغرَّبْتُمُ فقُلنا لِما قا … لَ رسولُ اللهِ والقولُ نُجْحُ سافروا تغنموا فقال وقد قا … لَ تمامَ الحديثِ صوموا تصِحُّوا وقال الصوري في المعنى: [من المنسرح] إذا عزمْتُمْ على زيارتِهِ … فودِّعوا الخبزَ حيثُ ما كنتمُ فليس يحتاجُ أن يقول لكُمْ … صوموا أضيفوا بهِ وقد صُمْتُمُ وقال: [من السريع] يا حارِ إنَّ الركبَ قد حاروا … فاذهَبْ تحسَّسْ لمنِ النَّارُ تبدو وتخبو إن خبَتْ وقَفوا … وإنْ أضاءَت لهم ساروا ما نظرةٌ إلَّا لها سَكرةٌ … كأنَّما طَرْفُكَ خمَّارُ وقال: [من المتقاربُ] صددتَ فكُنتَ مليحَ الصُّدودِ … وأعرضْتَ أفديكَ مِنْ مُعْرِضِ ومَنْ كان في سُخطِهِ محسنًا … فكيفَ يكونُ إذا ما رضي

стр. 8734

وقال: [من السريع] عهدتُكمُ من يومِ عاهدتُكُمْ … ما تعرِفوا شيئًا سوى الغَدْرِ فما لكم حينَ نذرتُمْ دمي … صِرْتُمْ من الموفينَ بالنَّذرِ [ومن الكامل] يا حامليهِ توقَّفوا بسريرهِ … للهِ في ذاكَ السَّريرِ سرائِرُ قال ابن عساكر: كان عبد المحسن قد سمع الحديث بعسقلان، غير أنه لم يُحدِّث، وكان أبو الفتيان بن حيُّوس مُغْرًى بشعره، يُفضِّله على أبي تمام والبحتري وغيرِهما من المتقدمين، واجتمع بأبي العلاء المعَرِّي، وكان يعيب الصوري بقِصَر النَّفَس، فأنشد المعَرِّيُّ أبياتًا للصُّوريِّ وقال: هذا القصيريُّ. فقال له أبو الفتيان: هذا أشعَرُ من طويلِكَ يعني المتنبي. فقال المعرِّي: الأمراء لا يُناظَرون. وكان أبو الفتيان يقول: إنَّ أغزَلَ ما قيل قولُ جرير (١): إنَّ العيونَ التي في طَرْفِها مَرَضٌ (٢) … قتَلْنَنا ثم لم يُحيينَ قَتلانا يَصْرعْنَ ذا اللُّبِّ حتى لا حَراكَ بهِ … وهُنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا (٣) قال الصوري: أغزل [منها] (٤): [من مجزوء الرمل] بالذي أَلْهَمَ تعذيـ … بي ثناياكَ العِذابا ما الذي قالتْه عينا … كَ بقلبي فأجابا وكان أبو الفتيان يقول: إنِّي لَيعرُض لي الشيءُ من شعر أبي تمامٍ والبُحتريِّ وغيرِهما من المتقدِّمين، ولا أقدر على أن أبلغ موازنة الصُّوري؛ لسُهولة لفظه، وعُذوبة معانيه، وقِصَرِ أبياته. وقال الصُّوري: [من الكامل]

стр. 8735

وتُريكَ نفسُكَ في مُعاندةِ الورى … رُشْدًا ولستَ إذا فعلْتَ براشدِ شغلَتْكَ عن أفعالِها أفعالُهُمْ … هلَّا اقتصرتَ على عدوٍّ واحدِ توفِّي الصوري يوم الأحد تاسع عشر شوال عن نيِّف وثمانين سنة، ويقال: إنه مات بصور. [وفيها تُوفِّي] مبارك (١) الأنماطي، البغدادي، التاجر، كان له مالٌ عظيمٌ، فخرج إلى مصر، فتوفِّي بها، وكان معه ثلاثُ مئة ألف دينار، فسأل صاحبُ مصر: هل له وراث؟ قالوا: نعم، له بنتٌ ببغداد. فترك ذلك كُلَّه للبنت. [وفيها تُوفِّي] محمد بن محمد ابن إبراهيم بن مَخْلَد، أبو الحسن، البغدادي، الفقيه، الحنفي، وُلِدَ سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، وسمع الحديثَ الكثيرَ ورواه، وكان يتَّجر، وله مالٌ عظيمٌ، خرج إلى مصر فأقام بها، ثم عاد إلى بغداد، واتَّفقتِ المصادراتُ بسبب الأتراك والتقسيط، [وصودِرَ أهلُ الكَرْخ، وكان في الجملة] (٢) فأُخِذَ جميعُ مالِه وافتقر، وتُوفِّي ولم يكن له كفنٌ، فبعث له الخليفة إهابًا (٣) من عنده، سمع إسماعيل بن محمد الصفَّار ومحمد بن عمرو الرزَّاز وعمر بن الحسين الشيباني، وهو آخر من روى عنه، ويقال: إن الخطيب كتب عنه] ولم يكن في زمانه أعلى إسنادًا منه، وكان صدوقًا، صالحًا، ثقةً، فاضلًا، فقيهًا، [عارفًا بفنون العلوم].

стр. 8736

[وفيها تُوفِّي] أبو الفوارس قِوامُ الدولة بن بهاء الدولة [أخو أبي كاليجار]، توفِّي في نصف ذي القَعدة، وقد سار قاصدًا فارسَ عازمًا على نقض الصُّلح بينه وبين أخيه أبي كاليجار، وعَمِلَ على كبس فارس، وبلغَ الأجلَّ العادلَ أبا منصور، فاستعدَّ له، فجاءه الخبرُ بوفاتِه وإقامةِ الخطبةِ لأخيه أبي كاليجار، وأنَّهم احتاطوا على ما في قلعة كرمان من الخزائن والأموال وغيرها، وكان أبو الفوارس كثيرَ الإقدامِ والهجمِ، شديدَ البطشِ والفتكِ، وإذا سكر هجم على حاشيته بالقبيح ووزرائه وحُجَّابه ومُدبِّري دولَتِه وأوقَعَ بهم، وربما ضرب أحدَهم مئتي مِقْرَعة، فإذا فرغ منه حلَّفه بالطلاق والمصحف أنَّه لا يُشعِرُ أحدًا بذلك، ولا يتأوَّه، ولا يتأخَّر في غدٍ عن الخدمة، وربما جرح وقطَّع الأيدي، وكان إذا بلغه أنَّ امرأة جميلةً عند بعض الحاشية أحضرها في مجلسِه ومدَّ يدَه إليها، وبدا منه ما لا يليق، ووُلدَ له ولدٌ في آخر عمره، فاجتمع بعض خواصِّه إلى طبيبين نصرانيين كانا له يقال لأحدهما: العُدَّة، والآخر: العُمدة، وقالوا: قد عرفْتُما صورتَنا مع هذا الملك وقُبْحِ أفعاله وما يبدو منه، ونحن خائفون منه، وضرره عامٌّ لنا ولكم، وقد حصل له هذا الولد، والرأيُ أن ندفعَ شرَّه عنَّا وعنكما، ونُقيمَ الولدَ مَقامَه ونستريحَ منه. فقالا: نعم. وأشار [الطبيبان] عليه بشُربِ دواءٍ مسهل، وعَمِلا فيه ما يُزمِنُه منه، فشربه فكانت فيه منيَّتُه، وأراح اللهُ الناسَ منه، وحُمِلَ تابوتُه إلى شيراز، فدُفِنَ في تربة عماد الدولة علي بن بُوَيه، وحُمِلَ ولدُه إلى الأهواز صغيرًا، فيقال: إنَّه وُضِعَ على وجهه مَخَدَّة فمات، ومات أحدُ الطبيبين، وانهزم الآخر. [وفيها تُوفِّي] قُسطنطين (١) أخو بَسيل ملك الروم، مات وانتقل الملك إلى بنتٍ له وزوج لها -هو ابنُ خالها- ويُسمَّى أرمانوس، ولم يكن من بيت الملك، وجُعلت [له] ولاية العهد في أرمانوس، ولبس الخُفَّ الأحمر، وتسمَّى بقيصر، وبرزَ هو وزوجتُه الملِكة في تاجين.

стр. 8737

السنة العشرون وأربع مئة فيها وقع بالعراق بَرَدٌ في الواحدة مئةٌ وخمسون رطلًا، كانت كالثور النائم، ونزلت في الأرض مقدار ذراع. وفيها قَبَضَ جلالُ الدولة على وزيره عميد الدولة، وبعث إلى القادر يقول: أرسِلْ من يتسلَّمه. فقال القادر: وكيف بأيماننا التي حلفناها له؟ هذا ممَّا لا يجوز فِعْلُه، والصوابُ إطلاقُه. فلم يفعل، فركب الأتراكُ إلى دار المملكة وهجموها، وصاحوا، واجتمع الناسُ، فخرج الملكُ والوزيرُ معه، فقالوا له: قد عَدلْتَ أيُّها الملكُ عمَّا كنتَ قررَّته معنا في الإحسان إلى هذا الوزير، ولم تَفِ بيمينك التي حلفْتَ. فقال: إنما أمسكتُه عندي ليقوم لكم بمالكم، ولأفاوضه في أمورٍ. فجذبوه من يدِه، وعبروا به إلى داره بالجانب الغربيِّ، واستبشر الجندُ والرعيةُ بخلاصه؛ لأنه كان محسنًا إليهم، وطالبوه بالمال، فقال: أجِّلوني أيامًا وأحمِلُه إليكم. فدَعَوا له، وجلسَ في داره، وأصبح الجندُ والإسْفَهسلارية، فراسلوا الملك بأن يخرج إلى واسط ويُقيم بها ليجمع المال، فإن العرب قد استولوا على البلاد، فأرسل إليهم: لا بُدَّ من الاجتماع بأكابركم لنُقرِّرَ الأحوال، فاستشعروا منه، وبلغهم أنَّه قد استمال الأصاغِرَ من التُّركِ، وقد اتَّفقوا على الأكابر، فراسلوه في ذلك، فأنكر وحلف، فصدَّقوه، وشرع الوزيرُ في مصادرات الكُتَّاب والحُجَّابِ، ومات جماعةٌ منهم تحت الضرب، وخلع الملكُ على الوزير خِلْعةً الوزراء؛ ليمحوَ آثارَ ما فعلَ من اعتقاله. وفيه فسدَ الحالُ بين قِرواشٍ صاحبِ الموصل وأبي نصر بن مروان صاحبِ ميَّافارقين، وسببُه أنَّ قِرواشًا زوَّج ابنتَه أبا نصرٍ، وحملَها إليه، فأقامت عنده مدةً فأضارها وهجرها، فكتبت إلى أبيها تطلب نقلها إليه، فنقلها، ثم كتب أبو المنيع إلى نصر يطلب صداقَها عشرين ألف دينار، ويطلب منه نَصيبين، وجمعَ جمعًا كبيرًا [من الأكراد وغيرهم، ونزل برقعيد] (١) بمرج الروم، وبعث قِرواشٌ فحاصر نَصيبين، فقاتله مَنْ بها، وطال عليه الأمرُ، وضاقت به المِيرةُ، فقال أبو الحسن بن الجُلْبان

стр. 8738

لابن مروان: لا طاقةَ لكَ بهذا الرجل، فاجعل المِنَّة لكَ عليه. فقبِلَ منه، وأعطاه نَصيبين، ومِنْ صَداقِ ابنتِه عشرةَ آلاف دينار، واصطلحا. وفي جمادى الآخرة وردَ الخبرُ بأنَّ محمود بن سُبُكْتِكين نزل الريَّ، وقبض على مجدِ الدولة أبي طالب بن فخر الدولة وولدِه أبي دُلَف، وأَسَرَ [رؤساءَ] الدَّيلم ووجوهَهم، وورد كتابُ حسام الدولة ابن أبي الشوارب إلى حاجِبِ الحُجَّاب أبي المُظفَّر في هذا المعنى يقول فيه: كتابي هذا من ظاهر قَرْميسين يتضمَّن حصولَ صاحبِ خراسان بجرجان وولدِه مسعود بالريِّ، وقبضَه على مجد الدولة بن فخر الدولة، واستيلاءَه على البلاد، وأنهما سائران إلى بغداد، وهم في خمسين ألف فارس، ومعهم مئتا فيل، وأربعون ألف حمارة، عليها خزائن السلاح، وكان مجد الدولة قد أطلق النظر في أمور دولته، وكل ذلك إلى السيدة والدته، واشتغل هو بالنسخ والدفاتر، وصرفَ زمانَه كلَّه إلى ذلك وإلى النساء، حتَّى جعل لنفسه خيولًا من الجوار، وكانت السيدةُ والدتُه تُراعي الأمورَ، وتُباشر الحروبَ، ولها هيبةٌ قائمةٌ، وسطوةٌ مخوفةٌ، فتوفِّيت في السنة الماضية، فانحلَّ النِّظام، وطمع فيه الدَّيلم، وزادوا في الشغْب، وتمادَوا في الطلب، فضاق صدرُه بما يسمعه ويُلاقيه منهم، وكانت معه بقيةٌ من المال والجواهر الَّذي خلَّفه أبوه، وكان وزيرُه أبو العلاء بن كليل لا يُوصِلُ إلى الجند إلَّا ما يأخذه من المصادرات، مع تسلُّطِ الدَّيلم، ورفعِهم الحشمة، فدعَتْ فخرَ الدولة الضرورةُ إلى أنْ كاتبَ محمود بن سُبُكْتِكين يشكو ما هو فيه، ويبذلُ الطاعة، وإقامةَ الخُطبة، وأن يتولَّى تدبير أمورِه، فطمع محمود في أعمال الريِّ، وكان قد ورد نيسابور بسبب الأتراك، فإن طائفةً منهم أفسدوا في البلاد، وجاء إلى جُرجان فنزل بظاهرها، وانصرف منوجهر بن قابوس بن وَشْمكير من بين يديه خوفًا منه، وأقام له الضيافاتِ والهدايا، وحمل إليه ثلاث مئة ألف دينار، واعتذرَ عن حضوره، ووقف الأمر، وبعث محمودٌ إلى فخر الدولة رسالةً مع فقيهٍ يقول: أنت أيها الأمير بين جندٍ قد فارقوا طاعتَك، وخرقوا هيبتَك، وملكوا عليكَ أمرَك، وحالوا بينك وبين رأيِكَ، وهذا السلطان المُعظَّم يعتقد فيكَ الجميل، وناظِرٌ في حقِّك، وإذا رجعتَ إلى رأيه كنتَ واحدًا من أولادِه، وزوَّجَكَ إحدى بناتِه، وشملَكَ من ظِلِّه ما ينتظم به أمرُكَ، ويخافه

стр. 8739

أعداؤك. فقال: أنا عبدُهُ مهما فعل، فقد رضيتُ به على هذا الشرط. وعاد الفقيه إلى محمود فأخبره، فأرسل مُقدَّمَ عساكره أبا الحسن عليًّا خشاوند في عدَّةٍ كبيرةٍ من العسكر إلى الريِّ، فخرج مجدُ الدولة لتلقِّيه على القاعدة المقرَّرة مع الفقيه، ومعه طائفةٌ من وجوه الدَّيلم، فلقيه بظاهر الريِّ وقد ضرب خيمةً، فقال: تنزل فيها لننظر في الأمر، فأحسَّ بالغدر، وامتنع من النزول، فقال له عليٌّ: لا تخَفْ، نحن ما جِئْنا إلا لنصرِكَ وخدمتِكَ. فنزل، فقبض عليه وعلى ولده الأكبر أبي دُلَف، وانهزم الدَّيلم، وورد محمود بعد أيام، وخرج الدَّيْلم لاستقباله، فقبض على أكابرهم، وقتل بعضَهم، وصلب آخرين، وأرسل إلى فخر الدولة يطلب المال، فأنكر، فضربه مقارع، وأخذ منه ما قيمتُه ألف ألف دينار، وصادر الحاشية وشتَّتهم قتلًا وأسرًا، وأخذ أموالهم، وبحث بأعيانهم إلى خراسان، وبعث مجدَ الدولة وابنَه أبا دُلَف إلى بعضِ قلاع خُراسان مُضيِّقًا عليه، وقتل الوزيرُ أبو العلاء نفسَه؛ لأنه طُولِبَ بمالٍ لم يكُنْ عنده، وكان الَّذي حمل فخر الدولة إلى خُراسان ملك الهند، فقال له في الطريق: هل لعبتَ بالشِّطرنج قَطُّ؟ قال: نعم. قال: هل رأيتَ شاهًا يدخلُ على شاه؟ وما الَّذي حملك على أن سلَّمتَ نفسَك إلى هذا الملك؟. ولمَّا بلغ محمودًا قتلُ الوزيرَ نفسَه، قال: لعنَهُ الله، أهلك نفسَه، وشنَّع علينا. وقد كان محمود في تلك الليلة رفع المطالبةَ عنه، وأمر له بالخِلَع السنيَّة، ولمَّا فارق مجدُ الدولة الريَّ قال الشاعر (١): [من الطويل] لنا ملِكٌ ما فيه للملْكِ آلةٌ … سوى أنَّه يومَ السَّلامِ (٢) مُتوَّجُ أُقيمَ لإصلاحِ الورى وهْوَ فاسِدٌ … وكيفَ استواءُ الظلِّ والعودُ أعوَجُ وكتب محمود إلى القادر كتابًا من الريِّ، منه: أصدر العبدُ كتابَه من معسكره بظاهر الريِّ غُرَّة جمادى الأولى سنة عشرين وأربع مئة، وقد أزال الله عن أهل تلك البقعة أيدي الظلمة، وطهَّرها من دعوةِ الباطنيَّةِ الكفَرَةِ، والمبتدعةِ الفَجَرة، فالحَقُّ في أكنافها باهرُ الأنوار، والباطلُ في أرجائها داثرُ الآثار، وقد تناهت إلى الحضرةِ المُقدَّسة حقيقةُ الحال ممَّا قصَّرَ العبدُ عليه سعيَه واجتهادَه، من غَزو أهل الكفر والضلال، وقَمْعِ مَنْ

стр. 8740

نبغ ببلاد خُراسانَ، وصَقْع المولتان من الفئة الباطنية الفجَّار، حتَّى خلَتْ بقاع الهند والسند من فراعنة أغتامها (١)، وطُهِّرت من عُبَّاد أصنامها، وبُدِّد من الباطنية في البلادِ والممالكِ المعصومةِ برأيه وحسامه الموكولة إلى نقضه وإبرامه كلُّ شملٍ كاد يلتَئِم، وفُرِّق كلُّ جمعٍ كاد ينتظِم، وتشرَّد الناجون منهم إلى أبعد الأقطار، وتساقطوا إلى أغمض البقاع وأبرح الأمصار، وكانت مدينةُ الريِّ من بين البلاد مخصوصةً بالتجائهم إليها، واجتماعِهم بها، وإعلانهم فيها بالدعاء، إلى كفرِهم وإلحادِهم وغيِّهم وفسادِهم، يختلطون بالمعتزلةِ المبتدعةِ والغاليةِ والروافضِ المخالفةِ للكتاب والسنة، فيُجاهرون بشتم الخلفاء الراشدين من الصحابة، ويسِرُّون اعتقادَ الكفر ومذهبَ الإباحة، وكان زعيمهم رستم بن علي الدَّيلمي -يعني فخر الدولة- يُحيي عادةَ سلَفِه من المحاماةِ عليهم، والموافقةِ لهم، لا ينكر عليهم قولًا ولا فعلًا، ولا يُغيِّر فيهم مثالًا ولا رسمًا، قد نضَّبوه بينهم صنمًا كالأصنام، واقتسموا مملكتهم فيما بينهم، قِسمة الجزور بالأزلام، وكان العبدُ يعزم على هذا الجهاد، فيحول القضاءُ بينه وبين المراد، فحين بلغ الكتابُ أجلَه، واستكملَ منتهاه وأملَه، سار العبد بالعسكر نحو جُرجان، وتوقَّف بها إلى انصراف كلَبِ الشتاء، ثم سار منها إلى الدامغان، ووجَّه غالِبًا الحاجبَ في مُقدِّمة العساكر إلى الريِّ، فأحاط بها في نهار الاثنين التاسع من جمادى الأولى، وبرز رستم بن علي من وجاره (٢) على حكم الاستسلام، فقبض عليه وعلى أعيان الباطنية من قُوَّداه، وخرج الدَّيالمة من خيامهم معترفين بذنوبهم، شاهدين على نفوسهم بالكفر والرفض، فبرِئَتْ منهم الذمَّة، وحلَّت بهم النقمة، وبَرِمَتْ بهم النِّعمة حين أساؤوا جوارَها، ونفرَتْ عنهم العامَّةُ حين أغفلوا مقدارَها، واستعفَتْ من ألقابهم المنابرُ، واشتاقَتْ إلى قَتْلِهم وصَلْبِهم القلوبُ والنواظر، وحين رُجعَ إلى الفقهاء والأعيان في تعرُّف أحوالِهم -بعد ما عمَّتْ منهم أنواعُ الأذيَّة، ووضح من إقدامهم على هَتْكِ المحارِم، وسَفْكِ الدماء واغتصابٍ لأموال طبقات الرعية، فاتفقت فتاواهم على أنَّ جميع الدَّيالمة داخلون في أهل الفساد، مستمِرّون على السرقة والغارة

стр. 8741

والعِناد، خارجون عن طاعة واليهم في عامة الأحوال، غاصبون لصنوف الأموال، وأنه يجب عليهم القطعُ والقتلُ والنفيُ على مقدار جناياتهم، ومراتب حالاتهم، هذا إذا لم يكونوا من أهل الإلحاد، فكيف واعتقادهم يؤول إلى الفساد؛ لأنهم لا يَعْدون ثلاثةَ أوجهٍ تسوَدُّ بها الوجوهُ يومَ القيامة: الإلحاد، والرفض، وخُبْث الباطن، لا يُقيمون الصلاةَ، ولا يُؤتون الزكاةَ، ولا يعرفون شرائطَ الإسلام، ولا يُميِّزون بين الحلال والحرام، وأنَّ الأكثر من هذه الطوائف يُقلِّدون في الكلام مذاهب الاعتزال، ويتكثَّرون بهذا الانتحال، وأن الباطنيَّةَ منهم لا يؤمنون باللهِ وملائكتهِ وكتبِه ورُسُلِه واليومِ الآخرِ والثوابِ والعقاب، وأنَّهم يعتقدون ذلك من مخاريق الحكماء، ويعتقدون مذهب الإباحة في الفروج والدماء، فحكَمَ الفُقهاء عليهم بما ذكرنا، وحكموا بأنَّ رستم بن علي كان يُظهر التسنُّنَ في مذهبه، ويتميَّز به عن سلفه، إلا أنَّ في حياله زيادةً على خمسين (١) امرأة من الحرائر، وَلَدْنَ له ثلاثة وثلاثين نفسًا من الذكور والإناث، ولمَّا سُئِلَ عن هذا ذَكَرَ أنَّ الرسم الجاري لسلفه في ارتباط الحرائر، وكان مستمرًا على هذه الجملة، فاعترف بأنَّ أمرَ الدَّيلم لم يكن أَسَدَّ، وأنَّهم ما كانوا في دينهم على بصيرة، وأنَّ هذا مذهب المزدكية وأهل التناسخ، ولمَّا أفتى الفقهاءُ بقتْلِهم وصَلْبِهم، ونفيِهم صُلِبوا على شوارع مدينةٍ طالما ملكوها غصبًا، واقتسموا أموالها نهبًا، فأمسوا هباءً منثورًا، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وحُمِلَ رستم بن علي وابنُه وجماعةٌ من الدَّيالمة إلى خُراسان في الاحتياط التام، وضمَّ إليه أعيانَ المعتزلة والغُلاةَ من الروافض، ليَسْلَم من فتنتهم وإغوائهم الخاصُّ والعامُّ، ونظَرَ فيما احتجزه رستُم لنفسه، فعُثِرَ من الجواهر على ما يقارب قيمتُه خمسُ مئة ألف دينار، ومن النقد على مئتين وستين ألف دينار، ومن الذهبيات والفضيات على ما بلغ قيمتُه ثلاثين ألف دينار، ومن أنواع الثياب النسيج والثياب الفاخرة على خمسة آلاف ثوب وثلاث مئة ثوب، وأُحرِقَ من الكتب خمسون حملًا من كتب الفلاسفة والمعتزلة والنجوم والمبتدعة تحت خُشُبِ المُصَلِّين، وخلَتِ البُقعةُ من دُعاة البدع، وانتصرتِ السُّنَّةُ وقد كانت من وراء حجاب، وخمدَتْ نيرانُ الكفر من هذا الجناب، وخرسَتِ الألسنُ عن سبِّ الصحابة

стр. 8742

بعد الانطلاق، واختصَّ العبد بشرف هذه الفضيلة من بين ملوك الآفاق، وطالعَ العبدُ بحقيقةِ ما يسَّره الله تعالى من هذا الفتح العظيم، وإباحة ما يسَّره الله تعالى لأنصار الدولة القاهرة، أدامَ الله لها السموَّ والبسطة، والعلوَّ والرفعة، وأمضى شرقًا وغربًا أحكامَه، ونصرَ برًّا وبحرًا أعلامَه. وفي رمضان عاد محمود بن سُبُكْتِكين من الريِّ إلى خراسان، واستخلفَ بالريِّ ولدَه أبا سعيد مسعودًا. وفيها جمع القادر كتابًا فيه أحاديثُ رسول الله ﷺ ، والردُّ على المبتدعة، وفِسْقُ من يقول بخلق القرآن، وفي آخره مواعظُ وزواجرُ، وجُمِعَ القُضاةُ والعلماءُ والأعيانُ، وقُرئ عليهم في داره، وكان يخطب بجامع براثا خطيبٌ يذكر مثالبَ الصحابة، فقبض القادرُ عليه، وتقدَّم إلى أبي منصور بن تمام الخطيبُ بجامع براثا، وبعث معه جماعةً من الشُّرَط، فخطب خطبة قصيرةً، ولم يذكر ما جرَتْ به العادة من فضائل عليٍّ رضوان الله عليه، فرُجِمَ بالآجُرِّ، وأدْمَوا وجهَه، ونزل وصلَّى ركعتين خفيفتين، وحماه الشُّرَطُ، وإلا قُتِلَ، وبلغ القادرَ فعزَّ عليه، وأحضرَ الشريفَ المرتضى وأبا الحسن الزينبي والأشرافَ، فأنكر عليهم، وكتب كتابًا عامًّا إلى جلال الدولة، والوزير أبي علي بن ماكولا، وإلى الإسْفَهسلارية يقول من جملته: إذا بلغَ الأمرُ، أطال اللهُ بقاءَ صاحب الجيش إلى الجرأة على الدين، وتسليط الأوباش على الدولة، فلا صبرَ دون ما تُوجِبُه الحميَّةُ والسياسة، وقد بلَغَنا ما جرى بالأمسِ بجامع بَرَاثا الَّذي يجمع الكفَرةَ والزنادقةَ ومَنْ قد برئ الله [منه] (١) ورسوله، فصار أشبهَ شيء بمسجد الضرار، وقد ذكر خَطيبٌ بالأمس فيه ما جاءت به السُّنَّةُ، وقد كان الخطيبُ الماضي -قبَّحه الله- يقول بعد الصلاة على النبي ﷺ : وعلى أخيه أميرِ المؤمنين مُكلَّمِ الجُمْجُمة، ومُحيي الأمواتَ البشريَّ الإلهيَّ. فلو كان عليٌّ حيًّا لقتَلَ قائِلَه، كما فعلَ في الغُواةِ أمثالِ هؤلاء الغوغاء الجُهَّال، والعملِ على الركوب في الجمعة الآتية بالعساكر، وإقامةِ الدعوة بالخطبة الإسلامية على ما جرَتْ به العادةُ في الجوامع والمنابر، فإنَّ هؤلاء الشِّيَعَ قد درسوا الإسلام، وقد بقيت منه بقيةٌ، وإن لم يُدفَع هؤلاء الزنادقة وإلا ذهبتِ البقية، وذكر كلامًا في هذا المعنى.

стр. 8743

ولمَّا وقفوا عليه أشاروا بأن لا تُقام خطبةٌ بجامع بَرَاثا خوفًا من الفتنة، وتأهُّبِ الأحداث والسُّفهاء، وامتنع شيوخُ الشِّيعة من الحضور، وبَطَلتِ الخطبةُ في تلك الجمعة (١). وانحدرَ جلالُ الدولة مع الأتراك إلى واسط، وبها أبو كاليجار والدَّيلم، فلم يقدِرْ عليها. وفيها قُلِّد القضاءَ أبو عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا، وخُلِعَ عليه، وقُرئ عهدُه بجامع الرُّصافة وجامع المنصور، وحضر المرتضى وشيوخُ الشيعة إلى دار الخليفة، وسألوه الصَّفح، وأنَّ ما بدا من الجُهَّال، وقالوا: لا ينبغي أن يُخلى هذا الجامع من خطيب، فأذن لهم في ذلك بعد أن عُمِلَتْ خطبةٌ ووقفَ عليها القادرُ، وأعفاهم الخطيبُ من دَقِّ المنبر بعقب سيفه؛ لأنهم لا يَرون ذلك، وكانوا قبل هذا كَبسوا دارَ أبي تمام بالمشاعل على أنهم لصوص، وأخذوا كلَّ ما كان فيها، وما انتطَحَ فيها عنزان. ولم يحجَّ في هذه السنة من العراق أحد. وجهَّز صاحبُ مصر الحجَّ من مصر. وفيها تُوفِّي أحمد بن إبراهيم ابن إسماعيل بن الحسين بن أبي الجِنِّ، أبو القاسم، العلوي، الدمشقي، كان فاضلًا جليلًا، وكانت وفاته بدمشق، فاوصى أن يُحمَلَ تابوتُه إلى الكوفة فيُدفنَ في المشهد، فحُمِلَ. [وفيها تُوفِّي] الحسن بن أبي الهُبَيش (٢) أبو علي، الكوفي، الزاهد، لم يكن في زمانه أعبدَ منه، دخل عليه الوزير [أبو القاسم بن] المغربي، فقبَّل يده، فقيل له في ذلك، فقال: كيف لا أُقَبِّلُ يدًا ما امتدَّتْ قطُّ إلا لله تعالى.

стр. 8744

وقال أبو عبد الله محمد بن علي العلوي: بِتُّ عنده ليلةً فلم أتمكَّنْ من النوم؛ لكثرة البَقِّ وهو قائمٌ يُصلِّي، فلا أدري أَمُنِعَ البقُّ منه أم صبرَ عليه؟ ورأيتُ مئزره قد انحَلَّ وسقط عن كعبه، ثم استوى وعلا إلى سُرَّته، فلا أدري أرتفع المئزرُ أم طالتْ يدُه حتَّى أعادته؟ ولمَّا مات بنى عليه أهل الكوفة قُبَّةً، وقبرُه بها ظاهرٌ يُزار (١). [وفيها تُوفِّي] صالح بن مِرْداس (٢) أسد الدولة، ويُعرَف بابن الزَّوقلية. قال هلال بن الصابئ: في هذه السنة جهَّزَ صاحبُ مصر جيشًا مع القائد أنوشْتِكين الدِّزْبِري التركي أمير الجيوش؛ لقتال صالح وحسان بن المُفرِّج بن الجراح، وكانا قد جمعا الجموعَ، واستوليا على الأعمال، وانتَهيا إلى غزَّة، فلمَّا بلغهما خبرُ الدِّزْبِري انصرفا من بين يديه وتبِعَهما إلى الفجاوين أسفل عقبة فِيق واقتتلوا، فانهزم حسان بن المُفَرِّج، وقُتِلَ صالحٌ وابنُه الأصغر، وبعث الدِّزْبِري برأس صالح إلى مصر، وأُفلِتَ نصرُ بن صالح الأكبر إلى حلب، واستولى الدِّزْبِري على الشام، ونزل دمشق، وكتب إلى صاحب مصر كتابًا مضمونه: إلى سيدنا ومولانا، ونوضح للعلوم الشريفة أنَّه كان قد عرف اصطناع الدولة لآل الجرَّاح، ومقابلتِهم إحسانهَا بسوء الاجتراح، وكان أخلقَهم بالشُّكر لما أولاه حسان، وأحقَّهم بالكفِّ عن الإساءة إذ لم يكن منه في الطاعة إحسان، ولكن أبي إلَّا طبعَه اللئيم، ومعتقدَه الذميم، وكم له من غَدْرةٍ في الدين واضحة، ومَرْزِئةٍ في أموال المستضعفين قادحة، وأمَّا صالح بن مِرْداس زعيمُ بني كلاب فإنه اتَّفق مع حسان مُدِلًّا بحدِّه وحديدِه، مُجلِبًا على الدولة بعد إحسانها إليه بعمده وعديدِه، فتوامرا على الفساد، وتَوازرا علة العِناد، ونهبا البلاد، وكان صالحٌ أشدَّهما كفرًا، وأعظمَهما أمرًا ومكرًا، ووافى الملعونان الأقحوانة الصغرى عند

стр. 8745

شاطئ كفر الأردن، ووقعتِ الحرب، واشتدَّت بالطعن والضرب، فانهزم حسان مفلولًا، والعاقبةُ للمتقين، ومَنْ أصدقُ مِنَ الله قيلًا. وأمَّا الخائن صالح فلم يزَلْ يواصل الحملات حتَّى أتعسَ اللهُ جَدَّه، وأخذ سيفُ الله منه حَدَّه، فخرَّ صريعًا، قد أزهق الله نفسَه، وأخبَثَ مغرسَه، وغنِمَ المجاهدون سيفَه وفرسَه، وأنفذوا إلى الحضرة رأسَه، وقُتِلَ عامةُ أصحابه ممن كفر النِّعمةَ وفجر، ولم يُقْتَل من الأولياء الميامين عليه غيرُ ثلاثة نفر. والدِّزْبِري أنوشْتِكين لقبه منتخب الدولة، وقيل: مصطفى الدولة، مظفر الدين، مدحه ابن حَيُّوس في هذه الوقعة بأبيات: [من الكامل] هَلْ للخليطِ المستقلِّ إيابُ … أمْ هَلْ لأيامٍ مضَتْ أعقابُ يا مَيُّ هَلْ لدنوِّ داركِ رجعةٌ … أمْ للعتابِ لديكمُ إعتابُ لا أرتجي يومًا سُلوِّي عنكمُ … هيهاتَ سُدَّتْ دونَه الأبوابُ أوصابُ جسمي من جنايةِ بُعدِكُمْ … والصبرُ صبر بعدكُمْ أوصابُ ولمصطفى الملكِ اعتزامُ المصطفى … لمَّا أحاطَ بيثرِبَ الأحزابُ يومان للإسلامِ عزَّ لَدَيهِما … دينُ الإلهِ وذلَّتِ الأعرابُ طلبوا العُقابَ ليسلَموا بنفوسِهمْ … فابتزَّهم دونَ العُقابِ عِقابُ واستشعروا نصرًا فكانَ عليهمُ … وتقطَّعَتْ دونَ المُرادِ رِقابُ كانوا حديدًا في الورى لكنَّهُمْ … لمَّا اصطَلَوا نارَ المُظَفَّرِ ذابوا مَنْ يُبلِغِ الأتراكَ أنَّ أميرَهُمْ … بفَعالِهِ تتجمَّلُ الإنسابُ وقد أخطأ ابن حَيُّوس في التشبيه غايةَ الخطأ، والله أعلم، والعُقاب عُقاب فِيق. ولمَّا انهزم شِبلُ الدولة نصرُ بن صالح إلى حلب طَمِعَ صاحبُ أنطاكية في حلب، فجمع الرومَ، وسار إليها، وأحاط بها، فكبسه نصرٌ وأهلُ البلد، فقتلوا مُعظمَ أصحابه، وانهزم هو إلى أنطاكية في نفرٍ يسير، وغنِمَ أموالهم وعسكرَهم. وقيل: كبسه على إعزاز، فغنم منه أموالًا عظيمة.

стр. 8746

علي بن عيسى بن الفرج (١) أبو الحسن، الرَّبَعي، صاحب أبي علي الفارسي، ولد سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، وقرأ الأدب ببغداد على السِّيرافي، وخرج إلى شيراز، فدرس بها النحو على الفارسي عشرين سنة، ثم عاد فأقام ببغداد باقي عمره. خرج يومًا يمشي على جانب الشطِّ، فرأى الرضيَّ والمرتضى في سفينة ومعهما عثمان بن جني، فصاح: من أعجب أحوال الشريفين أن يكون عثمانُ جالسًا في صدر السفينة، وعليٌّ يمشي على الحافَة. فضحكا وقالا: بسم الله. وكان فاضلًا، فكان أبو علي الفارسي يقول: قولوا له: لو سِرْتَ من الشرق إلى الغرب لم تجد أحدًا أنحى منك. وكانت وفاته عن اثنتين وتسعين سنة، ودُفِنَ جوار معروف في المُخرِّم. قال ابن خيرون: لم يتبع جنازته سوى ثلاثة أنفُس. السنة الحادية والعشرون وأربع مئة فيها في يوم عاشوراء علَّق أهلُ الكَرْخ المُسوح، وعطلوا البيوع والشراء؛ رجوعًا إلى العادة الأولى، وأطمعهم بُعدُ (٢) الأتراك، فقامت الفتن، وقُتِلَ بين الفريقين جماعة. وفيه خُطِبَ للأمير أبي سعيد مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين بعد والده بأرمينية والأطراف، ولقبه شهاب الدولة. وفي صفر وردتِ الأخبارُ إلى الأجل العادل أبي منصور بشيراز أنَّ مسعود [بن محمود بن سُبُكْتِكين] وصل [إلى] أصبهان، وانهزم علاء (٣) الدولة بن كاكويه (٤) من بين

стр. 8747

يديه، ووافتِ الأجلَّ رسلُ (١) مسعود، فأكرمهم وردَّهم بالجواب الجميل، وشرع في الاستعداد، وتقدَّم إلى العساكر بأَخْذِ الأُهبة، وبينا هو يستعدُّ لهذا الخَطْبِ جاءه كتابٌ أنَّ جلال الدولة دخل الأهواز، فسار إليها مساعدًا لأبي كاليجار، لثلاثٍ بَقِينَ من ربيع الآخر، فوصلها سلخ جمادى الأولى، فوجد البلدَ منهوبًا، والسلطانَ منكوبًا، فرجع إلى فارس بسبب الخراسانية. ومن العجائب أنَّه اتَّفق في هذه السنة اجتماعُ خمسةِ ملوك، كلُّ واحدٍ منهم يرومُ صاحبَه، ولم يتهيَّأ لواحدٍ منهم ما أراد، [وهم]: جلال الدولة، وابنه أبو منصور، وأبو كاليجار، ومسعود بن محمود، وابن كاكويه، ثم عاد جلال الدولة إلى العراق، وأبو كاليجار إلى الأهواز، ومسعود إلى خُراسان، وابن كاكويه إلى الريِّ، واستولى مسعود على أصبهان والريِّ وهَمْدان. وفي ربيع الأول خرج أبو كاليجار والدَّيلم من واسط إلى الأهواز، وقد ذكرنا أنَّ جلال الدولة لمَّا وصل إلى واسط لم يقدِرْ على مقابلة أبي كاليجار، فقصد الأهواز، فخرج أبو كاليجار إلى الأهواز، وتأخَّر جماعة من التُّرك، فخُطِبَ بها لجلال الدولة، ومضى إلى الأهواز، فشاور أبو كاليجار أصحابَه، فاتَّفقوا أنَّه يُنفِذُ بعضَ العسكر إلى بغداد، فيستولي عليها، ويُحيطُ بدار الخلافة، ويأخذُ ما فيها، ويُقيمُ هو بواسط، فإن رجع الأتراكُ إليها دفعهم، فبينا هم (٢) كذلك وقعوا بكتاب من حسام الدولة ابن أبي الشوك إلى جلال الدولة وأصحابه، مضمونه أنَّهم مشغولون بأمر مُصَغَّر في جنب ما قَدْ دَهَمَ الدولةَ، هذا مسعود بن محمود قد استولى على الريِّ وأصبهان وهمدان، وأطاعه الخلقُ، وهو عازمٌ على قصد العراق، والمصلحةُ الصلح، وتكونون يدًا واحدةً وتدافعون هذا العدو. فوقف عليه أبو كاليجار والجماعةُ، ورأوا أن يبعثوا بالكتاب إلى جلال الدولة وإلى الإسْفهسلارية، ويتَّفقوا على الصلح، فكتبوا الكتاب، وبعثوا به، وقال الدَّيلم لأبي كاليجار: المصلحةُ أن تُدرِكَهم، فقد مضَوا إلى بلدٍ فيه أموالُكَ وخزائِنُكَ وأولادُكَ ووالدتُكَ، وتدافعهم وتمنعهم من ذلك. فقال: هذا هو المصلحة.

стр. 8748

ومالت الدَّيلم الخوزستانية إلى هذا لأجل أهلهم وأوطانهم، وجاء كتاب جلال الدولة: أنت ولدي، وسلطانُ الدولة أبوكَ أخي. ومال إلى الصلح، إلا أنَّه قال: اخرُجْ من بلادي ليتقرَّر الأمرُ. وبلغ أبا كاليجار أنَّ التُّركَ قد وصلوا إلى المأمونية، فسار مُجِدًّا والدَّيلم، فورد كتاب الطير إلى بغداد في حادي عشر ربيع الآخر أنَّ جلال الدولة دخل الأهواز فضُربَتِ البشائر. فصل: قد ذكرنا أن الأتراكَ البغادِدة لمَّا وصلوا إلى واسط وجدوا أبا كاليجار قد احترز بها، وأطلق المياه، فحالت بين الفريقين، وخاف الإسْفَهسلارية أن يطول المُقامُ فيهم بين أن ينصرفوا إلى بغداد، فتكون الهزيمة، أو يدخلوا في طاعة أبي كاليجار بحكم الضرورة، فعملوا على قصد الأهواز، وأطمَعوا صغارَهم فيما ينهبون من الأموال، فساروا [على كلمةٍ مختلفةٍ، ودعائم ضعيفة، وخافوا على أهلهم ببغداد، فساروا] يطوون المنازل، وينهبون كلَّ ما يجدونه، إلى أن وصلوا إلى المأمونية لسبعٍ بَقِين من ربيع الأول، فوجدوا الماء زائدًا، والسُّفنَ معدومةً، والمِيرةَ متعذِّرةً، فتحيروا، ثم حصلوا مِصْرين من بعض السواد، وكان بها جماعةٌ من الدَّيلم والأتراك، فواقعوهم، فانحاز التُّرك إلى التُّرك، وانهزم الدَّيلم وقُتِلَ بعضُهم، وهجموا البلد، فنهبوا المنازل والخانات والدُّور، وأخذوا من الحُليِّ والجواهر والأمتعة ما يتجاوز الحصر، واستمرَّ النَّهبُ ستة عشر يومًا، حتَّى أتَوا على كل مذخور، وارتكبوا كلَّ محظور، وأخذوا من دار رجلٍ واحدٍ -يُقال له: ميمون البيع- ما مِقدارُه سبع مئة ألف دينار، فيقال: إنهم أخذوا من البلد زيادةً على خمسة آلاف دينار، وألفَي جاريةٍ رقيقًا، وأمُّهاتِ أولادٍ وحرائرَ من أبكارٍ وثُيَّبٍ، وأتلفوا من الأمتعة بمقدار ما أخذوا، وكان المُقامِرون يُقامرون بالجواهر والسبائك من الذهب، ولحِقَ هذا البلد من هذه المصيبة ما أهلَكَه واستأصَلَه، وأتلفَ أهلُ البلد جماعة من الأعيان كانوا يدخلون الدُّور فيقتلونهم، ودخل جلالُ الدولة دارَ الملك فوجدها مملوءةً بالثياب والفُرش والأواني، فاستولى على الجميع، وقبض على والدةِ أبي كاليجار وأختِه -المُزوَّجة من أمير الأمراء أبي منصور- وابنتِه وأمِّ ولدِه وزوجتِه، ولجا باقي الحُرَمِ إلى دار الأخت بنت بهاء

стр. 8749

الدولة، فدخل الأميرُ أبو منصور فأخذهُنَّ من يدها، ورجع الأتراك إلى المأمونية فطالبوه بالقسط، فقال: قد نهبتُم ما نهبتُم، وقد عرفتُ مقدارَه، فما هذه المطالبة؟ وإنما ينبغي أن أُقاسِمَكم. وركب وخرج من بينهم، فأرضاهم ببعض القسط، وبينما هم على ذلك -وقد امتلأت أيديهم من الغنائم- جاءهم الخبرُ بنزول علاء الدولة بن كاكويه تُسْتَر منهزمًا من أصبهان، ووصولِ الملكِ أبي كاليجار، فأشفقوا من المقام وساروا، فالتقوا بأبي كاليجار، واقتتلوا، فانهزم، وقتلوا من الذيلم مقتلةً عظيمةً، وأسروا أعيانَ أصحاب أبي كاليجار، وكان من المأسورين أبو الفرج بن أبي القاسم بن فَسانْجِس، وعاد جلال الدولة إلى واسط والأتراكُ معه، وأمَّا أبو كاليجار فإنه لمَّا انصرف من الوقعة وراسل جلال الدولة، وأعطاه بلدَ واسط والبصرة وأماكنَ، وأن يحمل إليه ما لا ويخطب له، وانفصل جلالُ الدولة على هذا، ودخل أبو كاليجار الأهوازَ، فوجدها خاويةً على عروشها، ثم خرج منها إلى عسكر مكرم، وعزم على أَرَّجان، فوافاه الأجَلُّ العادلُ أبو منصور بَهْرام بمالٍ من فارس، وعساكرَ وخيلٍ وفُرُشٍ ومتاعٍ، فتعمَّرت خزائنُه وإصطبلاتُه، وتراجعت حالُه، فكتب إلى جلال الدولة في معنى المأخوذات من حرمة والدته وغيرها، وما أخذ منهنَّ، وكانت أمُّه لمَّا وصلت إلى واسط ماتت، ولم يُفرِجْ عن الباقيات، وأُجيب بجواب التعليل وتسليم ما استقرَّ. وفيها خطب القادرُ لابنه أبي جعفر عبد الله بولاية العهد، وكان مذ توقَّف قبل ذلك مرض، فجلس للناس، فدخلوا عليه، وظهر لهم، فسأله الخواصُّ والإسْفَهسلارية أن يُخطَبَ له، فأمر بالخطبة، ومرت السِّتارةُ بينه وبين الناس، وتقدَّم أبو الحسن بن حاجب النعمان فقبَّلَ يده وهنَّاه، فقال الأمير أبو جعفر: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] وكان يتَّهمه بأنه هو الَّذي أفسد ما بينَه وبين أبيه، فجعل يبكي ويُقبِّل الأرضَ بين يديه، فلمَّا كان يوم الجمعة لسبعٍ بقين من جمادى الأولى خُطِبَ له على المنابر، ولُقِّب بالقائم بأمر الله، وضُرِبَ اسمُه على الدراهم والدنانير، وفي السنة الماضية ما كان يُصرَّح باسمه، بل يُقال بعد الدعاء للقادر: اللهمَّ وأمْتِعْه بذخيرة الدِّين المرجوِّ لولاية العهد في العالمين، ثم جاء عقيب هذا كتابُ جلال الدولة إلى القادر يسأله أن يعهد إلى القائم، فكان في كتابه: عِلْمُ سيِّدنا ومولانا الإمام القادر

стр. 8750

بالله أميرِ المؤمنين -أطال اللهُ بقاءَه، وأدامَ عليه نعماءَه- مُحيطٌ بانَّ الله سبحانه قد جعل لكلِّ شيء أمدًا، لا يزال أبدًا، وسوَّى بين العالم في قضائه المحتوم، وقدَرِه المبروم، فلم يُخْلِ منه نبيًّا ولا صفيًّا ولا وليًّا، وقد سار مولانا في العالم أحسنَ السِّيَر، حاميًا للخواصِّ والعوامِّ من الغِيَر، والأولى إنعامُ النَّظر في حاضر يومه لغدِه، واعدادُ ما يُستظهر به من عُدَدِه؛ لئلَّا يسألَه الله يوم المَعادِ عن حقٍّ أهمَلَه من أمر العباد، والحضرةُ الأميريةُ الجعفريةُ مستحِقَّةٌ لولاية العهد بعد الأمد الفسيح، الَّذي نسأل الله أن يُطيله، والعبدُ يرغب إلى المواقف المقدسة النبوية المحفوفة بالأسرار الإلهية، أن يشُدَّ أزْرَ الخلافة بإمضاء العهد لها، وذكر كلامًا طويلًا. وفيها غزا فَضْلُون الكردي، فوصل إلى الخزر، فقتل وسبى، وغنم أموالًا كثيرةً، وخرج من بلادهم، فنزل بمكانٍ قريب منهم، ولم يحترز، ونام هو وأصحابه، وكانوا قد تبعوه، ولم يكن له طلائعُ فكبسوه، وقتلوا من أصحابه عشرة آلاف، واستعادوا الغنائم والأسرى، وأفلَتَ في نفرٍ يسير. وفيها وقعت فتنةٌ عظيمةٌ بين الأتراك والهاشميين ببغداد، ورفع الهاشميون المصاحف على رؤوس القصب، ورفع التُّركُ الصُّلبانَ على الرِّماح، وكانت الفتنة بين أهل باب البصرة والكَرْخ، وكان الأتراكُ مع أهل باب البصرة، والهاشميونَ مع أهل الكَرْخ، وركب نائبُ السلطنة فلم يقدِرْ أن يفصل بينهم حتَّى قُتِلَ من الفريقين جماعةٌ، وانفصلوا، وأصلح الوزيرُ بينهم. وفيها عاد جلالُ الدولة إلى بغداد من واسط. ولم يحجَّ أحدٌ من العراق في هذه السنة (١). وفيها تُوفِّي أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو الحسن، يُعرَف بابن الرَّان، أصله من الجزيرة، وأذكره الحافظ ابن عساكر فقال]: سكن دمشق، وكان يعظ في باب الزيادة بجامع دمشق تحت اللازوردية وهناك

стр. 8751

كان يجلس الوُعَّاظ، وكان له تصانيفُ في الوعظ وأشعارٌ، وكان صاحبَ معاملات وكرامات، وأنشد ليلةَ العيد لنفسه: [من مجزوء الرمل] أنا ما أصنعُ باللَّذَّاتِ … شُغلي بذنوبي إنَّما العيدُ لِمَنْ فا … زَ بحَظٍّ من حبيبِ أصبحَ الناسُ على رُوْ … حٍ ورَيحانٍ وطِيبِ ثمَّ أصبحتُ على نَوْ … حٍ وحُزْنٍ ونحيبِ فرحوا حين أهلُّوا … شهرَهم بعد المغيب وهلالي متوارٍ … من ورا حُجْبِ القُلوبِ فلهذا يا خليلي … قلتُ للذَّاتِ غيبي وجعلتُ الهمَّ والحُزْ … نَ من الدُّنيا نصيبي يا حياتي يا مماتي … يا سَقامي يا طبيبي خُذْ لصَبٍّ يتلظَّى … منكَ من حرِّ اللَّهيبِ وأنشد: [من السريع] أحببتُه فردًا لأنَّ الهوى … توحيدُه أحسنُ من شِرْكِهِ ملكْتَني أحسنَ ملك الهوى … قد يُحسِنُ المولى إلى مِلْكِهِ فلو أرادَ اللهُ سَتْرَ الهوى … ما سلَّطَ الدمعَ على هَتْكِهِ إنْ كان لا يُرضيكَ إلَّا دمي … فقَدْ أذنَّا لك في سَفْكِهِ وكانت وفاته بدمشق في جمادى الأولى، ودُفِنَ بمشهد القدم. [وفيها تُوفِّي] علي بن عبد العزيز بن إبراهيم (١) أبو الحسن، الكاتب، ويُعرف بابن حاجب النعمان، كاتب القادر بالله، ولد في شعبان سنة أربعين وثلاث مئة، وكان أبوه يخدم أبا عمر المُهلَّبي في أيام وزارته، وكتب عليٌّ للطائع لله، ثمَّ للقادر بالله، سنة ست وثمانين وثلاث مئة، فكتب للخليفتين

стр. 8752

أربعين سنة، وهو الَّذي بعثه الطائع ليقبض على القادر، وكان يضرب بين القادر وأبيه القائم، وما كان يؤثر خلافة القائم، فلمَّا خُطِبَ له خاف، واتَّفق موتُه يوم الجمعة وقتَ الظهر لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب، ودُفِنَ ببركة زلزل، ثم نُقِلَ تابوتُه إلى مقابر قريش سنة خمس وعشرين وأربع مئة، وكان كاتبًا فصيحًا بليغًا. [وفيها تُوفِّي] محمود بن سُبُكْتِكين أبو القاسم، يمين الدولة، أمير خراسان، وكان أبوه سُبُكْتِكين -وكنيته أبو منصور- صاحبَ جيش الملوك السامانية ملوك سمرقند وفَرْغانة وما والاها [أكثر من مئة سنة وقد ذكرناهم]، فاستولى سُبُكْتِكين على خُراسان بعد وفاة منصور بن نوح، وتُوفِّي سُبُكْتِكين سنة تسع وثمانين (١) وثلاث مئة. ووُلدَ محمود يوم الخميس الرابع عشر من ذي الحجَّة سنة إحدى وستين وثلاث مئة، ولما تُوفِّي أبوه تنازع محمود وأخوه إسماعيل، فظهر عليه محمود، واستولى على خُراسان، ثمَّ سار إلى السامانية، فاستولى على ملكهم، وأقام الخطبة للقادر، ولم يكونوا يخطبون له، وراسَلَ (٢) بهاءُ الدولة أبا نصر بن بويه بأبي عمر البسطامي، وبعث معه هدايا وفِيَلَة، وسأله خطابَ الخليفة في توليته، فسفر بينهما، وكتب إلى فخر الملك يتولَّى ذلك ويقول: قد خطبَ للخليفة في أماكن لم يخطب له فيها غيرُه. فأجابه القادر، وبعث إليه الخِلَع في شعبان سنة أربع وأربع مئة، ولقبه يمينَ الدولة وأمينَ الملة، ثم أُضيفَ إلى ذلك: بسطامُ الدين ناصرُ الحق. ومَلَكَ [محمود] بلاد سِجِسْتان، ودخل الهندَ والسندَ، وفتح أماكن عظيمةً (٣) لم يصِلْ إليها غيرُه [وقد ذكرنا بعضها]، ونزل على بعض البلاد. [وقيل] (٤): على القلعة

стр. 8753

التي ذكرنا أنها تسَعُ خمس مئة ألف إنسان، فصالحه صاحبُها (١) على خمس مئة فيل وثلاثةِ آلاف بقرة، وبعث محمود إلى الملك قَباءً وعِمامةً وسيفًا ومِنْطَقَةً وفرسًا بمركب ذهب، وخاتمًا عليه اسمُه، وأمره أن يقطع أصبُعَه، وهي عادة التوثُّق (٢) عندهم، وكان عند محمود عِدَّةُ أصابع ممَّن هادنه، فلبس الخِلْعةَ، وأخرج حديدةً فقطع بها أصبعه الصغرى من غير أن يتغيَّر وجهُه، وأحضر دواءً فطرحه عليها وشدَّها. وغَنِمَ محمود من الهند أموالًا لم يغنَمْها غيرُه [وقبضَ على رستم بن علي بن بُوَيه صاحب الريِّ، وكتب إلى القادر أنَّه وجد عنده خمسين امرأةً، وقد ذكرنا القصة]. وخُطِبَ له في عامة بلاد المشرق، وعقَدَ جسرًا على جَيحون غَرِمَ عليه ألفي ألف دينار، ولم يقدِرْ على ذلك غيرُ الإسكندر، وكان في عسكره ألفُ فيلٍ يُقاتل عليها، وبلغَتْ جريدةُ عساكره مئةَ ألف فارسٍ وراجلٍ، وحُمِلَ إليه من النَّسْناس بِغَزْنة (٣) شخصان، والأتراك يصيدون النسناس ركضًا على الخيل؛ لِشدَّة عَدْوهم، فإذا قصروا أخذوهم، وللنسانس قضيبٌ -يخرج من بين الشَّعر الَّذي على جسده إذا أنْعَظَ (٤) - أحمرُ مثلُ قضيب الكلب، ويغوِّط كما تغوِّط البهائم، ولحومُهم أطيبُ اللحوم، فاستفتى محمود الفقهاءَ، فقالوا: لا يجوز أكلُ لحومِهم، وهم يَصْفِرون مثل الوحش، ويَرْعَون الحشيش. ذكر وفاة محمود: عرض له سوءُ مزاج وانطلاقُ بطنٍ، وهو على غزواته لا ينثني، فلمَّا نزل به الموتُ أحضر الجواهرَ التي اقتناها من ملوك خُراسان وما وراء النهر و [عظماء] التُّرك والهند، وكانت سبعين رطلًا، فصُفَّتْ بين يديه، فلمَّا رآها بكى بكاءً [شديدًا]، (٥)، فتحسَّر

стр. 8754

عليها، ومات بغَزْنة يوم الخميس لسبعٍ بَقِينَ من ربيع الآخر وهو ابن ثلاث وستين سنة، ملَكَ منها ثلاثًا وثلاثين سنة، ومات وهو مستندٌ في دَسْتِه، لم يضَعْ جنْبَه إلى الأرض. وكان ديِّنًا، كثيرَ الصدقاتِ والصِّلات والمعروف، وقام ولدُه مسعودٌ مقامَه وله نوادر، منها [ما ذكره محمود الأصبهاني] أنَّه مرض مرضًا مُزْمِنًا، واعتُقِل لسانُه، فاتَّفق الأطبَّاء أن يُحمل على سريره ويُطاف به المارستانات على المرضى ليهون ما به، فأدخلوه بعض المارستانات، فجاء إلى بيتٍ مُقفَلٍ وعليه سلاسلُ، فأشار إليهم بيده أنِ افتحوه، فقال قَيِّم المارستان: فيه مجنون، لو ظهر لتأذَّتْ به المملكة. فقال: لا بُدَّ [من فتحه]. ففتحوه، وإذا بشابٍّ في عنقه سلسلةٌ، وفي رجليه قَيدٌ، ويداه مغلولتان إلى عنقه، فلمَّا رآه ناداه: يا محمود، ما نفعَكَ مِلْكُكَ وسلطانُكَ حتَّى أتيتَ إلى المرضى تطلُبُ عندهم الشفاء؟ فأنطقَ اللهُ محمودًا وقال: نَعَمْ، إنما جئتُ لأضَعَ سلاسِلَكَ في عنقي، وأُفَوِّضَ إليكَ مملكتي. فقال له المجنون: لو فعلَ سيِّدي هذا ما احتَجْنا إلى وساطتِكَ. ثم قال: يا محمود، أنا راضٍ بما أنا فيه عن سيِّدي، فهل أنتَ راضٍ عن سيِّدِكَ؟ فبكى محمود وقال له: قد وجدتُ الشفاءَ ببركتِكَ، فسلني حاجةً. فالتفتَ المجنونُ إلى بعض مماليك محمود وسأله، فقال له محمود: أنا أقولُ لكَ: سَلْني، وأنتَ تسألُ مملوكي؟ فقال له المجنون: وكذا أنا أخافُ غدًا أن يقول لي سيدي: تركتَ المالِكَ وسألتَ المملوكَ. فبكى محمود وقال: لا بُدَّ من حاجة. فقال: عِدْلُ قمح؟ قال: وما قيمةُ عِدْلِ قمح؟ اطلُبْ عِدْلَ جوهر. فقال: ما أُريد إلا عِدْل قمح. فقال: احْمِلوه إليه. فقال: ما أُريد أن يحمله إلا أنت. فقال محمود: واللهِ ما لي طاقةٌ أحمِلُ مُدًّا، فكيف أحمِلُ عِدْلًا؟ فقال: يا مسكين، إذا كنتَ لا تقدِرُ على حَمْلِ مُدٍّ [من] قمح فكيف تقدِرُ غدًا أن تحمل حقوقَ العباد كلِّهم؛ فبكى محمود، وخرج من عنده، وأقام أيامًا وتُوفِّي، وكان كلَّما ذَكَرَ كلامَ المجنون يبكي. وقال هلال بن الصابئ: كان ابنُه مسعود بأصبهان، وبلغه خبرُ موتِه، فلبس السواد، وجلس للعزاء، ورتب صاحبًا له بأصبهان، ورحل طالبًا خراسان، فلمَّا سار قليلًا وثب

стр. 8755

أهلُ البلد على أصحابه، فقتلوا منهم جماعةً، ولحِقَ به مَنْ أفلت، فعاد إلى البلد، فخرج إليه أهله وقاتلوه قتالًا شديدًا، فلم يثبتوا له، فهزمهم ودخل البلد، وألقى فيهم السيف، فقتل أربعين ألفًا في المساجد والجوامع؛ لأنهم لجؤوا إليها، ونهب البلد، وسبى الحريم، وفعل فعلًا قبيحًا، وجاء إلى الريِّ فاستخلف بها بعضَ أصحابه، وسار إلى خُراسان. ولقد عَظُمَ أمرُ محمود عِظَمًا كبيرًا، وقهر ملوكَ الهند قهرًا كبيرًا، وفعل الأفاعيل المذكورة، ووقف المواقفَ المشهورة، وجمع من الأموال ما ملأ به القلاع والخزائن. وكان ظاهِرُه التديُّن والتسنُّن مع شُربِه للنبيذ على الدوام والاتصال، وتصرُّفه على الأخلاق التركية في أكثر الأحوال، وكان في مسيره شديدَ الغِلْظة، ثقيلَ الوطأة، قاصدًا أخْذَ الممالك على أحسن طريقة وأصعب مطالبة، إلَّا أنَّه مع ذلك يحمي النواحي ويحوطُها، ويحرس الطُّرقَ ويضبطُها، ويقيم السياسة على أفضل رسومِها وأكمل شروطِها، وكان مرضُه بالعِلَّة التي كان يُقاسيها منذُ ثلاث سنين، وهي سوء المزاج وانطلاق البطن في الأسبوع أيامًا حتَّى يمسك بالأدوية، وهو في جميع ذلك لا ينثني عن مقاصده وغزواته، ولا يُخِلُّ بأسفاره ونهضاته، ولم يترُكْ إلى آخر أيامه في مرضه الجلوسَ للإذْنِ العامِّ مرتين بالغداة والعشيِّ، وكان أطِبَّاؤه يأمرونه بالرفاهة فيقول لهم: تريدون أن أعتزِلَ الإمارةَ. ولم يضَعْ جنبَه إلى الأرض عند موته، و [لمَّا مات محمود] حُمِلَ تابوتُه من قصره إلى قصرٍ كان بظاهر البلد يُدعى بالفيروزي كان أيامَ مُقامِه بغَزْنَة، يؤثره على سائر قُصوره. وضبط عليٌّ الحاجبُ الأمورَ مع اضطراب البلد، وواصل الكَتْبَ إلى الأمير محمد بن محمود بالحثِّ على التعجيل، وكان بالجُوزْجان، فخرج منها بعسكره، فوصل إلى غَزْنة بعد أربعين يومًا. وقال العباس بن الحسين البَنْدنيجي: كان رجلٌ من السَّامانية يُكنى بأبي إبراهيم، وكان الصعاليك يجتمعون إليه، فيقصِدُ بهم ناحيةً ناحيةً يجبي خَراجها، وربما فعل
следующие страницы →