وأنتَ تعلمُ حاجتي إلى الحبَّة الواحدة وتأوُّلي على مَنْ لا معاملةَ بيني وبينه، ولا يسبقني الرُّخَّجي إلى مكرُمةٍ، وما كُنْتُ لأُنكِّبَ مثلَكَ، والصواب أن تشتغل بتاريخ أخبار الناس. فاشتغل ابنُ الصابئ من ذلك الوقت بتاريخه الَّذي ذَيَّله على تاريخ سنان بن ثابت، فاستخدمه الملوك، فلم يحتَجْ إلى إنفاق شيء من المال، وخلَفَ ولده أبا الحسن محمد المعروف بغرس النعمة، وظهر له دفائنُ في داره تشتمل على اثني عشر ألف دينار، وما كانوا يظنُّون أنَّ تَرِكَته تبلغ ألف دينار، وتمزَّق الكلُّ في أسرع وقت.
[وفيها تُوفِّي
عبد الملك بن محمد (١)
ابن عبد الله بن محمد بن بِشْران بن مِهْران، أبو القاسم، الواعظ، البغدادي، وهو أخو أبي علي الحسين بن بِشْران، وكان الأصغر، ولد سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة في شوال، وكان فاضلًا، يتكلّم على الناس، وله قبولٌ عظيم، وكان يعِظ بجامع المنصور والرُّصافة، وكان يسكن بالجانب الشرقي من بغداد بدرب الديوان عند جامع المهدي، وكانت وفاته في ثاني عشر ربيع الآخر، ودُفِنَ بمقبرة المالكية إلى جانب أبي طالب المكي بوصيةٍ منه، سمع أحمد بن سلمان النجَّاد وَدَعْلَج بن أحمد وغيرَهما.
قال الخطيب: وكتبتُ عنه، وكان يشهد عند الحكَّام ثم ترك الشهادة رغبةً عنها].
[وفيها تُوفِّي]
الفضل بن منصور
أبو الرِّضا، البغدادي، ويقال له: ابن الظريف، كان شاعرًا فصيحًا، ومن شعره: [من المنسرح]
يا قالةَ الشِّعرِ قد نصحتُ لكُمْ … ولستُ أُدهى إلَّا من النُّصْحِ
قد ذهبَ الدهرُ بالكرامِ وفي … ذاكَ أمورٌ طويلةُ الشَّرحِ
أتطلبونَ النَّوال من رجلٍ … قد طُبِعَتْ نفسُهُ على الشُّحِّ
стр. 8822
وأنتُمُ تمدحونَ بالحُسن والظَّ … ـرفِ وجوهًا في غاية القُبحِ (١)
من أجلِ ذا تُحرَمون رِزْقَكُمُ … لأنَّكمْ تكذِبون في المدحِ
صونوا القوافي فما أرى أحدًا … يَعْلَقُ فيه الرجاءُ بالنَّجْحِ
فإن شكَكْتُمْ فيما أقولُ لكُمْ … فكذِّبوني بواحدٍ سَمْحِ
وقال: [من البسيط]
ومُخْطَفُ الخصرِ (٢) مطبوعٌ على صَلَفٍ (٣) … عَشِقْتُهُ ودواعي البَينِ تعشَقُهُ
وكيفَ أطمعُ منه في مواصلةٍ … وكلَّ يومٍ لنا شمل يُفرِّقُهُ
وقد تسامحَ قلبي في مساعدتي … على السُّلوِّ ولكِنْ مَنْ يُصدِّقُهُ
أهابُهُ وَهْوَ طلْقُ الوجهِ مبتسمٌ … وكيف يُطمِعُني في السيفِ رَوْنَقُهُ
محمد بن الحسين (٤)
ابن محمد بن خلف، أبو خازم، ابن الفرَّاء، أخو القاضي أبي يعلى، سمع الحديث ببغداد، وسافر إلى مصر، فنزل بتِنِّيس، وتوفِّي بها يوم الخميس سابع عشر المُحرَّم، وحُمِل إلى دمياط فدُفِنَ بها، سمع الدارقطنيَّ وغيرَه، وحدَّث بدمشق عن عيسى بن علي الوزير، وقال الخطيب: كتبنا عنه، ولا بأس به.
[وفيها تُوفِّي]
محمد بن عبد الله
أبو بكر، الدِّينَوري، الزاهد، كان جلال الدولة يزوره ويمشي إليه، سأله يومًا في مَكْسٍ كان يُؤخذ من الملح مقداره في كلِّ سنة ألفا دينار، فأطلقه. وكان زاهدًا عابدًا
стр. 8823
وكان ابنُ القزويني أبو الحسن يُثني عليه ويقول: عبر الدِّينَوري قنطرةً، وخلَّفَ مَنْ بعده وراءه.
[وحكى الخطيب أن أبا] الوفاء الواعظ حُمِلَ إلى الدِّينَوري وقد رمدت عينه، وكان الرمد يعتريها كثيرًا، فأدخل خِنصرَه فيها ومسحَ عليها. [قال أبوالوفاء]: فأقمتُ ستين سنة لم أرمد.
تُوفِّي الدِّينَوري في شعبان، وكان يسكن شرقيَّ بغداد، واحتفل الناس بجنازته، وصُلِّي عليه بجامع الرُّصافة، ثم عبروا به إلى جامع المنصور فَصُلِّي عليه، [واجتمع في جنازته] خلقٌ كثير، وحُمِلَ إلى مقابر الإمام أحمد -رحمةُ الله عليه- فدُفِنَ بها.
السنة الحادية والثلاثون وأربع مئة
فيها نهبتِ العرب نهرَ الملك وضِياع بغداد، وساقوا المواشي، وحملوا الأقوات، وأحرقوا عِدَّة قرى ودواليبَ، وخرقوا الهيبة، وسببُه قِرْواش، فإنه جرَّأهم على ذلك وأمرهم به، فغاظ ذلك جلال الدولة، وعزم على قصده، وكان الثلثُ من مَغَلِّ العراق قد جعله جلالُ الدولة لقِرْواش، فقطعه عنه، وجهز أبا الوفاء القائد وخلع عليه، وبعث معه العسكَر وأبا الفتح ابن وَرَّام، فنزل السندية سادس صفر، ولليلةٍ بقيت منه يوم الأحد كان في دار المملكة إملاكان في أحدهما لأبي علي فناخسره بن جلال الدولة على جهان بابويه بنت أبي كاليجار، والثاني لأبي نصر فيروز بن أبي كاليجار على السيدة زينب بنت جلال الدولة، والصَّداق في كلِّ واحد منهما خمسون ألف دينار، وحضر جلال الدولة، وكان وكيلَه في العقد على ابنتِه وقبولِ العقد لابنه المرتضى الموسويُّ، ووكيلَ عزِّ الملوك أبي كاليجار في مثل ذلك أبو القاسم بن عبد العزيز الحسين بن مرشد الفرَّاش سلار (١)، وحضر القُضاة والأعيان والوزراء وخَدَمُ الخليفة والحُجَّاب، وخطب القاضي أبو الحسين ابن الغريق، ونُثرت دراهمُ ودنانير، وكُتب بذلك كتابٌ أنشأه المرتضى.
وفي ربيع الآخر مات شبيب بن وثَّاب النميري صاحب حرَّان، وكان الدِّزْبَري قد قصده فخطب لصاحب مصر بالرقة خطبة واحدة، ثم قطعت، واستنجد ابنُ وثاب بالعرب.
стр. 8824
وفيه ورد أهل الكوفة بغداد يذكرون ما يعاملهم به بنو خفاجة من قَتْلِ النفوس، وأَخْذِ الأموال والحريم، ويحملون الناس إلى حللهم فيعاقبونهم، ويتبعونهم نفوسهم بما يريدون، وأنَّ السُّبُلَ تقطَّعت عن زيارة المشهدين، وخُرِّبَ قصرُ ابنِ هُبيرة، وكان فيه ألوفٌ من الناس ونيِّفٌ وعشرون حمامًا، وكان ضمانُ سوقِ غزله سبعَ مئة دينار في كل سنة، وكانت السفن تتردد إليه من سُوراء (١) بصنوف الأمتعة، فآلَ أمرُه إلى الخراب، ولم يبقَ فيه من أهله إلا نحوُ خمسين نفسًا من رجال ونساء في زقاق واحد، ومضى الباقون على وجوههم، وسألوا جلال الدولة أن يُعيد على بني خفاجة إقطاعاتهم ليأمنوهم، قال: هذا شيءٌ ما إليه سبيل ما دام لي ولاية، ولكن أكاتب أصحاب الأطراف فيهم واستئصالهم. وكاتَبَ حسامَ الدولة ابنَ أبي الشوك وغيره في معناهم، فوعده بكَفِّ شرِّهم.
وفي يوم الجمعة سادس جمادى الآخرة وُلدَ للخليفة أبو العباس محمد، وسُرَّ الناس، وزُيِّنت بغداد من الجانبين، ودُعي له على المنابر، وبعث الخليفةُ إلى البلاد بذلك.
وفيها وردَ الأجَلُّ العادل البصرة، ورتب فيها أبا الفرج بن فَسانْجِس، فسار فيها السيرةَ العادلةَ، وألزمهم بعمارة المساجد، وكانت قد هُجِرَت، وأسقط الوزيرُ المواريثَ الحَشْرية (٢)، ووفر ما يحصل منها على عمارة المساجد.
وفي رجب خرج جلال الدولة من بغداد لزيارة المشهدين الحائر والكوفة، ولمَّا قَرُبَ من كل مشهد مشى مقدار فرسخ حافيًا، وأقام عند قبور آبائه ثلاثةَ أيام، وفرَّقَ في المشهدين أموالًا جليلةً، وعاد إلى بغداد في شعبان، وكان الوزير كمالُ الملك قد خرج مع جلال الدولة إلى الحائر والكوفة فقيل لجلال الدولة: إنَّ بني خفاجة ليس لهم معقل إلا العين، ومتى انتُزِعَت منهم لم يبقَ لهم في هذه الديار مقام، فسار إليها الوزير
стр. 8825
في جماعة من الغلمان، وقال لدُبَيس: تسيرُ معنا. فاحتجَّ وقال: أنا أسير من عسكري؟ مَنْ يقوم مقامي؟ فبعث ستَّ مئة رجل، وكان مع الوزير مئة وعشرون غلامًا وحاشيتُه، فنزل بسفايا وفيها القلعة، وكان بها الحسن بن أبي البركات بن ثِمال قد صار إليها في نحو خمسين فارسًا؛ لأنَّ أهلها راسلوه: بأنك متى لم تحصَلْ عندنا لنقاتل بين يديك سلَّمناها إلى السلطان.
وكان سور المدينة منيعًا، فقاتلهم وقاتلوه، ونصب عليهم المِنْجَنيق، ونقب النقَّابون السور، فرمَوا منه قطعة، وهجم العسكرُ البلد وقد كانوا صعدوا حريمهم وأموالهم إلى القلعة، ولم يتركوا في الرَّبَض إلَّا الثقل والمواشي والغَلَّة، وتشاغل العسكر بالنهب، وطلب القومُ القلعةَ وازدحموا في بابها، فهلك منهم نيِّفٌ وسبعون نفسًا، ورمى العسكرُ النارَ في الدُّور، وهبَّتْ ريحٌ عاصفٌ فساعدتها، ودام الحريقُ ثلاثةَ أيام، حتَّى أتى على المدينة فصاح صائحٌ من القلعة: أتوكم بنو خفاجة. وكان الوزير قد مرض وتفرَّق عنه أصحاب دُبيس إلَّا القليل، فلم يبقَ معه سوى ثلاث مئة رجل، وبعضُ الغلمان مجروح، وبعضهم مريض، ولم يبقَ للوزير طمع في القلعة إلا بالمصابرة والمدد، وعزم على الرجوع عنهم، فكتب الحسن بن أبي البركات إليه يقول: أنا خادم السلطان، وما فارقتُ طاعتَه، وما فَعَلَ ما فُعِلَ إلا طائفةٌ لم يكن لي عليهم أمر، ولو وَثقْتُ لنزلتُ إلى الوزير وطرحتُ نفسي بين يديه، وعوَّلْتُ في إصلاح أمري عليه. فكتب له الوزير جوابًا لطيفًا، وعاد لمرضه، وضَعْفِ مَنْ معه، وفَلِّهم إلى بغداد، وأمَّا العَين فإنها تُعرف بِعَين التمر، لكثرة نخلها ومائها، والقلعة على حدبة منها حصينة مبنية بالحجارة المركبة بعضها على بعض، تحوي ألفَ إنسان وأكثرَ، وكانت في أيام مُعِزِّ الدولة في يد ضبة الأسدي الَّذي هجاه المتنبي بقوله:
ما أنصف القوم ضبَّة
وقيل: إن الشعر بلغه، فأقام له عند رجوعه من فارس مَنْ قتله وقَتَلَ ابنَه معه، وأخذ ما كان معه، والذي جهَّزه ضبة لقتله فاتك بن أبي جهل الأسدي، وكان ضبَّةُ يقطع
стр. 8826
الطريق، ويُخيف السبيل، ويأخذ الأموال، ويشُنُّ الغارات، ويلجأ إلى هذه القلعة فلا يتمكَّنُ منه، فلمَّا ورد عضد الدولة بغداد سنة تسع وستين وثلاث مئة أنفذ مَنْ قبض عليه، وأخذ منه الناحية قهرًا، ورتب في القلعة حُرَّاسًا، فلمَّا مات وقام صَمْصام الدولة قصدها أخو ضبَّة وملكها، وسلك فيها طريقَ أخيه، ووافى شرف الدولة فأرسل إليه مَنْ حاصره خمسة أشهر، وخرج بأمان، فقبض عليه، وانتقلت إلى مبادر بن ضبَّة، فقتله دُبَيس بن مَزْيَد، ثم استولى عليها بنو خَفاجة، فهي معقِلٌ لهم وإلى هَلُّمَّ جرًا.
وفي هذا الوقت حاول أبو الحارث البساسيري قَصْدَ أبي الفتح بن وَرَّام لمشاجرةٍ جَرَتْ بينهما في شيء من أمور النهروانات [فمنعه القائم منعًا أثار ما أثار.
وفي ذي القعدة شغب الأتراك] (١) وضربوا خيامهم ظاهر بغداد من الجانبين، وضجُّوا مِنْ تأخُّر الأرزاق والأقساط ووقوعِ الاستيلاء على إقطاعاتهم، فكتب جلال الدولة إلى دُبَيس وابن وَرَّام وأبي الفوارس بن سعدي بالقدوم عليه ليستظهر بهم على الترك، وراسل الأتراك يعتبهم، ويقول: كان ينبغي أن نجتمع في دار المملكة وتُعرِّفونا أحوالكم لنُزيل شكواكم. فلم يلتفتوا، وقالوا: ما يُزيل شكوانا إلا الخليفة. ثم جاء منهم جماعةٌ فكَمنوا تحت داره، فنزل بعضُ الحاشية فثاوروهم، فقتلوا بعضَهم، وألقى بعضُهم بنفسه في دِجلة، وركبوا على أن يحيطوا بدار السلطان، فأرسل إليهم الملك يقول: إن قنعتُم بما قُرِّر لكم وإلا فأعطوني مقدار ما يقوم بي، وتسلَّموا البلاد. وعبر إلى الجانب الغربي، وبعث حرمه إلى دار الخليفة، وثارت الفتن، وأُحرقت الدواليب، ونهب الناس، ثم سكنت الفتنة.
[وفيها مات شبيب بن وثَّاب النُّميري صاحب حرَّان].
ولم يحجَّ [في هذه السنة] من العراق أحد.
وولَّى صاحبُ مصر على دمشق ناصرَ الدولة الحسن بن الحسين بن حمدان التغلبي.
стр. 8827
وفيها توفي
بُشرى بن مَسيس (١)
أبو الحسن، الرومي [مولى فاتن مولى المطيع لله. قال الخطيب: حدثني أنَّه] أُسِرَ من بلد الروم وهو كبيرٌ، فأهداه بعضُ أمراء بني حمدان لفاتن مولى المطيع لله، فأدَّبه، وأسمعه الحديث. قال: وورد أبي مَسيس إلى بغداد ليسرقني ويحملني إلى بلد الروم، فلمَّا رأى اشتغالي وتردُّدي إلى المشايخ وما أنا عليه عَلِمَ ثبوت الإسلام في قلبي، فيئس مني وانصرف.
توفي بُشرى يوم السبت يوم عيد الفطر، [سمع خلقًا كثيرًا] وكان صدوقًا [فاضلًا] صالحًا [ثقةً].
محمد بن علي (٢)
ابن أحمد بن يعقوب بن مروان، أبو العلاء، القاضي، الواسطي، ولد في صفر سنة تسع وأربعين وثلاث مئة، وأصله من فَمِ الصلح، ونشأ بواسط، وحفظ بها القرآن، وكتب بها الحديث، ثم قدم بغداد فسمع من الشيوخ، ورحل إلى الكوفة والدِّينَور، ثم عاد إلى بغداد، فأقام بها، وقُبِلَتْ شهادتُه، ورُدَّ إليه القضاء بالحريم شرقي بغداد وبالكوفة، وسَقْيُ الفرات، وتُوفِّي ببغداد في جمادى الآخرة، ودُفِنَ بداره.
وكان خرَّجَ أبوابًا وشيوخًا وتراجم كُتِبَتْ عنه، وقد غمزه الخطيب وقال: أخذ بيدي أبو العلاء وقال: أخذ بيدي عبد الله بن محمد بن عثمان المزني الحافظ قال: أخذ بيدي أبو يعلى الموصلي وقال: أخذ بيدي أبو الربيع الزهراني قال: أخذ بيدي مالك بن أنس قال: أخذ بيدي نافع قال: أخذ بيدي ابنُ عباس قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي وقال: "من أخذ بيد مكروب أخذ الله بيده " ثم قال الخطيب: هذا حديث موضوع على النبي ﷺ .
стр. 8828
السنة الثانية والثلاثون وأربع مئة
فيها ورد قِرْواش إلى خُصَّا (١) مُظهرًا للخلاف على جلال الدولة، فأُخِيفَت السُّبُل، واستولت بنو خَفاجة على السواد، وجاؤوا إلى الكوفة، وقاتلهم أهلُها، وخرج الملك إلى قِرْواش، فانهزم، وكان خميس صاحبُ تكريت مع الملك، فنهب أثقال قِرْواش، [ونزل] (٢) الملك كَرْخَ سُرَّ مَنْ رأى، وأقام مُدَّةً يحاصرها، فلم يقدِرْ عليها، ولم يجد الغلمانُ في قتالها، فصالحوه على خمسين ألف درهم، فرجع عنهم، وعاد قِرْواش إلى الأنبار، وواصل أصحابُه إلى السِّندية فنهبوا القلعة.
وفيها وردت الأخبار أنَّ مسعود بن محمود سار إلى غَزْنة وأخلى خراسان، فاستولى عليها الغُزُّ، وسارت منهم فرقة إلى أذربيجان، وبنى أبو جعفر بن كاكويه على أصبهان سورًا عظيمًا، عرض أسفله اثنان وثلاثون ذراعًا، وأعلاه عشرة أذرع، وعمل عليه الأبواب الحديد، ودخل الغُزُّ الريَّ ونهبوها، وقتلوا وفعلوا في بلاد خراسان ما لم يُفعَلْ قبلهم، وكان مسعود بغَزْنة وطُغْرُلْبَك بنيسابور.
ذِكْرُ ما جرى بين مسعود وطُغْرُلْبَك:
لمَّا استولى طُغْرُلْبَك وأخوه داود على نيسابور وخراسان وملكوا البلاد، جمع مسعود عساكره قاصدًا إليهم ليدفعهم عن البلاد، فحادوا من بين يديه، واعتصموا بالمفاوز، وقطعوا السُّبُل، وأقاموا على هذا، فضاقت صدورُ أصحابه بتطاول المدة وانقطاع المادة، فخاطبوه على الرجوع إلى غَزْنة، فلم يُجِبْهم، ففارقوه، وبقي في غلمانه في مفازة على منزلتين من مرو، ولا ماء فيها، فهلك جماعة من أصحابه بالعطش، ورجعوا إلى غَزْنة، وأقام هو في المفازة في نفر قليل، وتبِعَه الغُزُّ طامعين في تخطُّفِ سواده، فقال له مَنْ معه: أنتَ في خطرٍ عظيم، أصحابُكَ قد فارقوك، والعدوُّ
стр. 8829
خلفَكَ. فسار طالبًا غَزْنة على مضضٍ وغيظٍ من أصحابه، فطمع الغُزُّ، واستولوا على خراسان، وفعلوا ما فعلوا، وجاءت طائفة إلى الريِّ، ففعلوا أبلغَ ما فُعِلَ بخراسان.
وفيها اتفق جلال الدولة مع قِرْواش وحلف له.
وفيها سار ابنُ أبي الشوك من البنْدَنيجَين (١) وحلوان إلى دَقوقا ففتحها بعدما قاتله أهلُها، وقتل منهم جماعةً في رجب، ورتب أصحابه فيها وعاد إلى حلوان.
وفيها كانت وقعةٌ عظيمةٌ بين عسكر الدِّزْبَري وبين الروم بناحية حماة وفامية، وقُتِلَ من الروم عددٌ كبير، وسببها أن الهدنة كانت بين صاحب مصر وملك الروم، فنقض ملكُ الروم الهدنةَ، وأنفذ إلى ابن صالح والمقلِّد اللَّذين كانا بقلعة حلب مالًا وثيابًا، وقَصدَ أن يميلا إلى جهته، وعلم الدِّزْبَري فكتب إليهما ينهاهما، فجاء جوابهما بالاعتذار، ثم جرى في حلب ما جرى، وجاء عسكر الروم على ذلك الطمع إلى فامية وحماة، فبعث الدِّزْبَري إليهم جيشًا فقتلوا منهم عدةً كثيرةً، وأسروا خادمًا متقدِّمًا عند ملك الروم وابنَ عمِّ الملك، فبذل فيهما أموالًا عظيمةً، فلم يقبل الدِّزْبَري، وأطلق بهما عددًا كبيرًا من المسلمين، واستعدَّ لغزو الروم، فبعث إليه ملك الروم وهادنه، وصاهر أبو نصر بن مروان صاحب ميَّافارقين الدِّزْبَريَّ، فتزوَّجَ الدِّزْبَريُّ بنتَ أبي نصر، وزوَّجَ ابنَيهِ ببنتَي الدِّزْبَري.
و [في هذه السنة] لم يحجَّ أحد من العراق.
وفيها تُوفِّي
صاعد بن محمد (٢)
أبو العلاء، النَّيسابوري، وَلِيَ القضاء بنيسابور، وانتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بخراسان، وتوفِّي بنيسابور، وكان عالمًا فاضلًا صدوقًا.
стр. 8830
السنة الثالثة والثلاثون وأربع مئة
فيها شغَب الغلمان بواسط على [الملك] (١) العزيز، وسألوه أن يُسلِمَ إليهم وزيرَه أبا الفضل بن الطيب فلم يقبَلْ، وأصعد إلى النُّعمانية، وكاتب أباه جلال الدولة في إنفاذ العساكر إليه ليدفع الغلمان عن واسط ويُكاتب دُبَيسًا والأطرافَ بمعاونته، وكتب إليه أبوه: هذا ما لا تقتضيه سياسة، وقد عرفتَ الأتراك، والرأيُ إبعاد الوزير، وإرضاءُ الغلمان، والسلوكُ بهم طريق اللطف. فقبض على الوزير، وعاد إلى واسط، وأخذ من الوزير ما قيمتُه عشرةُ آلاف دينار، وقرَّر عليه خمسة عشر ألف دينار، وقنع منه بها، ولمَّا عاد العزيز إلى واسط وجد الأتراك على حالهم في الاستيحاش منه، ولم يلتقوه، ونهبوا دور الناس، وقتلوا جماعةً، فكتب إلى أبيه يسأله أن ينحدر إلى واسط لإقامة الهيبة والعمل بالسياسة، وضَمَّنَ الكتابَ أبياتًا، وكان شاعرًا فاضلًا لطيفًا، فأوَّلُها: [من الوافر]
أَجَدَّ اليومَ جيرتُكَ اختلاطًا … غداةَ رمَوا بعيسِهمُ البَلاطا
سَرَوا ونِياطُ قلبِكَ في يديهِمْ … فلمَّا أبعَدوا قطعوا النِّياطا
أحقًّا ما تُطيقُ لآلِ نجدٍ … ولا لفؤادِكَ اليومَ ارتباطا
أسُكَّانَ اليمامةِ هل فؤادي … يُطيقُ على فراقكمُ انبساطا
أحَطْنَ بِدَلِّهِنَّ (٢) على فؤادي … ولم أقدِرْ عليهنَّ احتياطا
ألا يا أيُّها المُزْجي قِلاصًا (٣) … إذا وُجِدَتْ نظنُّ به خِباطا (٤)
زُرِ الزَّورا وأبلِغْ من مقالٍ … رسائلَ ما أُربدَ بها اشتِطاطا
وقُلْ للشيخِ شيخِ بني بُوَيهٍ … وعِزَّ ملوكِها انهَضْ لا تَباطا
فإنَّ الناسَ قد سئِموا ومَلُّوا … دوام العذلِ واختلطوا اختلاطا
стр. 8831
فحَكِّمْ سيفَك الماضي عليهِمْ … فقد ضلُّوا ببغيهِمُ السِّراطا
ولا تضعِ السياطَ تُريدُ عفوًا … فمَنْ رامَ العُلا وضعَ السِّياطا
وخُضْ بالخيل في دمِ مَنْ تُلاقي … تَزِدْها في لقائهمُ نشاطا
وكُنْ بالعفو عنهُمْ ذا انقباضٍ … كما ازدادوا على الملكِ انبساطا
أتنسى فِعْلَهُمْ لمَّا تعاطى (١) … كبيرُهُمُ بعينِكَ ما تعاطى
فزَعْزَعَ عن سريرِ الملكِ رُكنًا … فصيَّرهُ القضاءُ له بساطا
فإن تترُكْ لهم رأسًا يسودوا … فكَمْ راموا برأسهِمُ ارتباطا (٢)
[ولا تغفَلْ عن الجُهَّالِ واجعَلْ … صدورَهُمُ لأرؤسهِمْ سِماطا] (٣)
وخَلِّ كبيرَهُمْ فَرَقًا وخوفًا … يوَدُّ لوَ انَّه سكن القِماطا
بهذا الفعلِ تحذَرُكَ اللَّيالي … وتحظى في ممالِكِكَ ارتباطا
فبرز جلال الدولة من بغداد يوم الخميس سابع صفر إلى باب الأزج منحدرًا إلى واسط؛ ليصلح الحال، ومعه البساسيري، وكان تقرَّر أن الملك يسير إلى واسط، ويسير البساسيري بجماعة من الغلمان إلى بادَرايا (٤) وأعمال أبي الفتح بن وَرَّام، وكان عدوَّه، وعزم البساسيري على قصده غير مرة والخليفةُ والملكُ يمنعانه، وانحدر الملك في ربيع الأول إلى واسط، ودخل دُبَيس في قضية ابن وَرَّام وإصلاح حاله مع الملك.
[وفيها في شهر شعبان ورد الخبر بوفاة مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين بغَزْنة، وسنذكره].
وفيها قدم قوم من البَلْغَر بغدادَ قاصدين الحج، وكانوا خمسين رجلًا، ومعهم بعض رؤسائهم، فأنزلهم الخليفةُ وأكرمهم، وسُئِلوا عن حالهم [وبلادهم ومن أيِّ الأمم] فقال رئيسهم: البَلْغَر قومٌ تولَّدوا بين الترك والصقالبة، وبلادهم أقصى بلاد الترك، ولهم عيونٌ وآبارٌ وزروع، وعندهم العسلُ كثير، ويقصر الليل عندهم حتَّى يصير ستَّ
стр. 8832
ساعات، وكذا النهار، وكانوا كفارًا، وهم مقدار خمسين ألف خَرْكاة، فأسلموا جميعُهم، وصاروا [كلُّهم] على مذهب أبي حنيفة.
[وذكر الفقيه ابنُ الصابئ فقال: خرج هذا البَلْغَري وأصحابه إلى مكة مع أبي القاسم الأقساسي المتولِّي أمرَ الحاجِّ، فلمَّا توسَّط الطريق قطع عليه العرب].
وفيها قُرئ الاعتقادُ القادريُّ في ديوان الخليفة. قال أبو الحسين محمد بن محمد بن الفراء: أخرج القائم بالله اعتقاد أبيه فقُرئ على القضاة والأشراف والعلماء والزُّهَّاد، وحضر أبو الحسن ابن القزويني الزاهد، فمِنْه بعد حمد الله تعالى والصلاة على نبيه ﷺ : فإنه يجب على الإنسان أن يعلم أنَّ اللهَ وحدَه لا شريكَ له، لم يَزلْ أولًا وآخرًا، قادرًا على كل شيء، لا تُخْلِقُه الدهور والأزمان، ولا اختلافُ الليل والنهار، ولا يحويه مكان، وأنه خلق العرش لا لحاجته إليه، ثم استوى عليه كما شاء، لا استواءَ راحة، ولا ما يُشبه المخلوقين، ولا نَصِفه إلا بما وصف به نفسَه ووصفه به أنبياؤه، وأنَّ كلامه قديمٌ غيرُ مخلوق، كلَّم به موسى ﵇ تكليمًا، وأنزله على محمد ﷺ على لسان جبريل ﵇ بعدما سَمِعه جبريلُ ﵇ من الله تعالى، وتلاه على رسوله محمد ﷺ ، وتلاه محمد ﷺ على أصحابه، وتلاه أصحابُه على الأمة، ولم يصِرْ بتلاوة المخلوقين له مخلوقًا؛ لأنه ذلك الكلام بعينه الَّذي تكلَّم به اللهُ تعالى متلوًّا ومحفوظًا ومكتوبًا ومسموعًا، فمن قال بأنه مخلوق فهو كافر حلالُ الدم، وأن الإيمان قولٌ باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأعلاه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا يعلم الإنسان ما يُفعَلُ به، ولا بماذا يُختم له. ثم ذكر الصحابة على طبقاتهم وقرابتهم، وترحَّم عليهم، وقال: مَنْ دخل بينهم فلا حظَّ له في الإسلام، جعلنا الله لآلائِه شاكرين، وبالسُّنَّة معتصمين، وغفَرَ لنا ولجميع المسلمين.
ولمَّا فرغ من قراءته كتب الشيخ أبو الحسن علي ابن القزويني الزاهد قبل أن يكتب
أحد: هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد كفر، وكتب الناس بعده (١).
стр. 8833
وفيها ختن أبو كاليجار ابنَه أبا منصور ختانةً مخفيةً، ولم يشعر بها أحد، وذلك بشيراز، وعمِلَ للنساء سِماطًا ذُبحَ فيه ألفٌ ومئةُ رأس من الغنم، ومن الدجاج خمسة آلاف، ومن الحلوى خمس مئة جام، ومن الفواكه ألف سلة، وحصل للخاتن ما قيمتُه ألف دينار.
وفي رجب عاد جلال الدولة إلى بغداد، وزادت دِجلةُ زيادةً عظيمةً، بحيث دخل الماء من الرواشن، وعاين الناسُ الهلاك، وكان الماء تسع عشرة ذراعًا، وغرق من بلاد العراق عشرون ألف كُرٍّ من الغلَّة.
وفيها تُوفِّي
الأجلُّ العادل بَهْرام بن مافنَّة (١)
ابن سهل، أبو منصور، وزير أبي كاليجار، وولد بكازْرُون سنة ست وستين وثلاث مئة، ونشأ عفيفًا، وعمل بفيروزآباذ (٢) خزانة كتُبٍ تشتمل على سبعة آلاف مجلد، فيها أربعة آلاف ورقة، بخطِّ أبي علي وأبي عبد الله ابني مُقْلة، وتُوفِّي يوم الأربعاء سادس عشر جمادى الأولى (٣) في داره بشيراز بعد عوده من سيراف، وكان مُهذَّبُ الدولة هبةُ الله بن الفضل نائبًا عنه، فكتم موتَه، ودعا وجوهَ الدَّيلم والأتراك إلى داره، ثم خرج إليهم كأنه من عنده، وقال: العادل يقول: قد عرفتُم جميلي إليكم، وحقوقي عليكم، وأنا في غمرات هذه العِلَّة العارضة لي، ولستُ أدري إلى أيِّ شيء يُفضى بي، وفي داري مالٌ وثيابٌ ومتاعٌ وأثاثٌ وغِلمان، وفي إصطبلي دوابُّ وبغال، فإن حسَمْتُم الأطماع عنه وحرستموه ومَنعْتُم منه، ثم تفضَّلَ الله بالعافية لم تَعْدَموني حَسنَ المكافأة، وإن تكن الأخرى فجميعُ ذلك للسلطان، وهو مالكه والمطالبُ بقليله
стр. 8834
وكثيره، والعهدةُ لازمةٌ لكم فيه. فأظهروا الانزعاج والجزع، وبذلوا الخدمة في الحفظ والحراسة، واستدعى كبارَ الديلم وأعيانَهم ورتبهم في الدار والإصطبل، وكان يَثِقُ بهم ويعتمد عليهم، وكان الملك أبو كاليجار بظاهر شيراز، فكتب إليه بخبره، فأمره بالتوقف حتَّى يحضر، ووصل في اليوم الثاني يوم الخميس وقد كُفِّنَ العادلُ ووُضِعَ في تابوته على أن يُدفَنَ بمشهد أم كلثوم، ولحقه فصلَّى عليه بين الظهر والعصر، وتقدم إلى الجماعة بحمله إلى فيروزآباذ ليُدفن عند أهله بعد أن أظهرَ الحزن الشديدَ على فقده، ثم شكر المهذَّب على حفظ الدار وما فيها، وندَبَه إلى القيام مقام العادل فامتنع، وقال: لا أقدر. فندبه ثانيًا، فأجاب، فخلع عليه خِلَعَ الوزارة القميصَ والقَباءَ والفَرَجيَّةَ والعِمامةَ والقصبَ والسيفَ والمِنْطَقة، وحُمِلَ على فرس بمركب ذهب، وقُيِّد بين يديه بغلةٌ بمركب ذهب والسلاح المذهب، ودَواةٍ من ذهب، وأعطاه الملك من يده خاتمين من ذهب فَصَّاهما ياقوت وفيروزج، وبعث إليه دَسْتَ الوزارة، وخلع على الكُتَّاب وأصحابِ الدواوين وغيرِهم، وفقد الناس من العادل ﵀ ما لا يخلف مثله رأيًا وعقلًا وسياسةً وعدلًا وشرفًا ونُبلًا ونباهةً في كلِّ خَلَّةٍ جميلةٍ وفضيلةٍ جليلةٍ كانت فيه.
[وفيها تُوفِّي]
محمد بن جعفر
أبو الحسين [المعروف بالجهرمي]، البغدادي [قال الخطيب: هو أحد الشعراء الذين لقيناهم وسمعنا عنهم]، كان يجيد الغزل، ولد في سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، وسكن دار القطن، وتوفي يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة، ومن شعره: [من الكامل]
يا ويحَ قلبي من تقلُّبِهِ … أبدًا يحِنُّ إلى مُعذِّبِهِ
قالوا كتمتَ هواه عن جَلَدٍ … لو كان لي جَلَدٌ لبُحْتُ بِهِ
بأبي حبيبٍ غيرِ مُكترثٍ … يجني ويُكثِرُ من تَعتُّبِهِ
حسبي رضاهُ من الحياةِ ويا … قلقي وموتي من تَغَضُّبِهِ
стр. 8835
[وفيها تُوفِّي]
مسعود بن محمود (١)
ابن سُبُكْتِكين، أبو سعيد، صاحب خراسان.
[قال جدي في "المنتظم" (٢): تُوفِّي وقام أخوه مقامه، وخرج مودود بن مسعود على عمِّه محمد فقبض عليه، وعاد إلى غَزْنة، واستتبَّ له الأمر. قلت: هذا صورة ما ذكر جدي].
قال هلال بن [المحسن بن] الصابئ: ورد في النصف من شعبان كتابٌ من غَزْنة يذكر فيه وفاة [أبي سعيد] مسعود [بن محمود] في سنة اثنتين وثلاثين ببلاد الهند.
كانت عادةُ مسعود جاريةً بالخروج من غَزْنة في فصل الشتاء، والدخول إلى بلد الهند؛ لكثرة البرد بغَزْنة، فلمَّا كان سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة أخذ أهلَه وولدَه وحرمَه وعسكرَه وقطعةً من ماله وسار إلى بلاد الهند على رسمه، وأخذ معه أخاه محمدًا وهو ضرير، وكان مسعود قد سمله في القلعة خوفًا منه، فلمَّا وصل إلى نهر حالم ويقال: هو سَيْحون، وهو بمقدار دِجْلة، فنزل عليه، وواصل الشرب والسُّكر على رسمه في الإكثار منها، وأمر بعبور حرمِه وولدِه ومالِه، فلمَّا تكامل ذلك عبر بنفسه وسبق إلى قلعة كان أبوه بناها على قرب حالم، فصعد إليها، وتبعه خصيٌّ يُعرف بأبي سُكَين البلخي في ألف غلام إلى الموضع الَّذي نزل فيه، ومدُّوا أيديهم إلى نهب ما كان خارج القلعة من المال والرجال، وسمع مسعود الضجَّةَ، وكان نائمًا فانتبه، وأشرف عليهم من أعلى القلعة، فرآهم قد خرقوا الهيبة، وأظهروا المباينة، فتحصَّن بموضعه، وأغلق أبوابها، فعادوا راجعين إلى بقية العسكر، فوجدهم قد عبروا النهر، فاتَّفقوا بأسرهم على كراهية مسعود والقبض عليه، ووصلوا إلى القلعة ومعهم أخوه محمد أعمى، وقد أركبوه فيلًا وملَّكوه، وطالبوا مسعودًا بالخروج إليهم، فامتنع، فقالت له والدته: لا تفعَلْ، فإنَّ مكانك لا يعصمك منهم، ولأن تخرج إليهم على
стр. 8836
موافقة وعهد أولى من أن يأخذونا أسرى. فخرج إليهم، فقبضوا عليه وسلَّموه إلى أخيه محمد، فلما تسلَّمه قال: يا أخي، واللهِ لا قابلتُكَ بما عاملتني به، ولأعامِلَنَّكَ بالجميل الذي تقتضيه الرَّحِمُ بيني وبينك، فانظُرْ أيَّ مكان تؤثر لأحمِلَكَ إليه، تُقيم فيه، وأُنزلك ومن تختار من حرمك ومالك وثيابك وما تستدعيه. فاختار قلعةً كبرى، فأنفذه إليها محروسًا مُكرَّمًا مصونًا موقرًا، ثم اتفق ابن محمد وابنُ يوسف ابنُ عمهم وابنُ علي خوشاند على قتل مسعود، فأعملوا الحيلة، ولم يعلم محمد، فدخل ابنُ محمد إلى والده وطلب خاتمه ليختم به الخزائن، فأعطاه إيَّاه، فمضى ابن محمد وابن يوسف وابن خوشاند في جماعة إلى القلعة التي فيها مسعود، فأرَوا المقيمَ بها الخاتمَ، وسألوه أن يفتح لهم ليوردوا على مسعود رسالةً يحملوها من محمد إليه، وعلم مسعودٌ فأحسَّ بالشرِّ منهم، فقال له: لا تفتَحْ. ووعدَه وأرغبَه فلم يقبَلْ، وفتح فصعدوا ودخلوا على مسعود، فقتلوه وحملوا رأسه إلى محمد، فوضعه ابنُه بين يديه، فقال: ما هذا؟ قال: رأس مسعود. فلطم وجهه، وشقَّ ثيابه، وجزع جزعًا شديدًا وأنكر على ابنِه فِعْلَه، وقال: واللهِ لنُقتَلَنَّ كلُّنا. ثم انفرد في بيت حزينًا، فاجتمع إليه خواصّه وقالوا: لا تفعل، فإنَّ هذا ممَّا يوحشُ عسكرك منك وينفرهم عنك، وقد مضى ما مضى، ولن يعود الفائت، فأطلق للجند وأعطاهم، وبلغ أبا الفتح مودود بن مسعود، وكان بغَزْنة وبينه وبين المكان الذي فيه محمد والعسكر عشرة أيام، فانتخب من عسكره عشرةَ آلاف فارس، وقيل: خمسة آلاف، وأغذَّ (١) السير ليلًا ونهارًا حتى كبسهم ليلًا، وكانوا عشرين ألفًا، فظهر عليهم، وقبض على محمد وابنِه وابنِ يوسف وابنِ علي خشاوند وجميعِ من كان معهم في القصر، فثقب كعابهم، وجعل فيها الحبال، وجرَّهم ذاهبين وعائدين في أرجل الخيل إلى أن تقطَّعوا، ومناديه يُنادي: هذا جزاء مَنْ غدرَ وكفرَ وأقدمَ على قتل وليَّه ومولاه. ثمَّ قتل عمَّه محمدًا وعددًا كبيرًا من الغلمان ومَنْ شك فيه واستراب منه، وأفنى الغلمان الذين غدروا بأبيه ونهبوه وقبضوا عليه، وعاد إلى غَزْنة مالكًا، ووزر له وزير أبيه أبو نصر بن عبد الصَّمد، وأظهر العدلَ وحُسنَ السيرة، وسلك طريقَ جدِّه محمود في السياسة، وعاد إليه بعضُ خراسان، وكان طُغْرُلْبَك مقيمًا
стр. 8837
بنيسابور مع التركمان، فاستولى (١) على خراسان، وأقام أخوه داود بمرو، وسنذكر القصة إن شاء الله تعالى.
[وفيها تُوفِّي]
أنوشْتِكين الدِّزْبَري
قسيمُ الدولة، نائب صاحب مصر (٢) بالشام، وكان يُدِلُّ على صاحب مصر إدلالًا عظيمًا، بتهذيبه الأمور، وقيام الهيبة، وحُسن السياسة، وطرد العرب عن الشام، وقد ذكرنا وقائعه وأخباره واستيلاءه على الشام.
وصار الرومُ يراعونه، وأصحابُ الأطراف يخافونه ويتَّقونه، ورعيةُ البلاد يُؤثرونه ويُحبُّونه، والتجارُ المتردِّدون يدعون له ويشكرونه، وبلغ أبا القاسم الجَرْجَرائي وزيرَ مصر بأن كاتب الدِّزْبَري أبا سعيد يأمره بالفساد، فكتب إليه بإبعاده عنه، وإنفاذه إلى مصر، فامتنع، فنفر الوزير منه، وشرع في إعمال الحيلة عليه، فكاتب رؤساء الأجناد، وأمرهم بالعصيان عليه، والتخلِّي عنه، واستدعى جماعةً منهم إليه، وعرَّفهم ما في قلبه منه، وعادوا إلى دمشق فأغروا الجندية، وعلم الدِّزْبَري، فقطع أرزاقَ الجند، وكاشف بالعصيان، فاجتمعوا إلى ظاهر دمشق وهو نازل في قصره، وحاولوا الهجوم عليه، فقاتلهم وقاتلوه، وحال بينهم الليل وقد نهبوا الخزائن، فعلم أنه لا طاقة له بهم، فسار إلى بَعْلَبَك في جماعة من غلمانه، وبها رجل يُعرف بالحواري، فأغلق الباب في وجهه، فسار إلى حماة، وبها خليفة بن جابر الكلابي، فأراد نهْبَه، فسار إلى حلب، فتلقَّاه أهلُها إلى جبل جَوْشَن، ولولا المُقلِّد بن منقذ الكفرطابي ما وصل، لأنه سار في خدمته من كفر طاب، ولمَّا دخل حلب فرح به أهلها وزَّينوها، وأقام بها متأسِّفًا على ما فارقه من ملك الشام حزينًا، فلمَّا كان يوم الأحد الرابع عشر من جمادى الأولى تُوفي، ودُفِنَ بحلب، وحزن الناس عليه؛ لإحسانه إليهم، ولم يَلِ الشامَ أعفُّ ولا أعدلُ منه، وولي دمشق بعده ابنُ أبي الجن.
стр. 8838
السنة الرابعة والثلاثون وأربع مئة
فيها جَرَتْ بين الخليفة وجلال الدولة مراسلات ومعاملات ومعاتبات بسبب الجوالي. قال هلال: افتتحت الجوالي في أول المحرم، فمنع الملكُ أصحابَ الخليفة منها، وأخذ ما استخرجوه، وأقام من يتولَّى جبايتها، فعزَّ على الخليفة وراسله، فلم يلتفت، فأظهر الخليفةُ العزمَ على مفارقة البلد، وتقدَّم بإصلاح الطيَّار والزبازب، وأمر القُضاة والأشراف والأعيان بالخروج صُحبَتَه، وراسل الملكَ بأقضى القضاة الماوردي، فكان جوابه: نحن نائبون عن الخلافة نيابة لا تنتظم إلا بقوة اليد (١) وزيادة الهيبة، وقد توالى من الخدم ما أظهر الوهن، وذلك في إلجائهم كلَّ صائر إلى الحريم، وذكروا من ذلك زَوجَةَ أبي الخطاب، وقال: قد احتجزَتْ من أموالنا ما هو مشهور، وما نقدر أن نطالبها به، وهي في حريم الخلافة، ومعلوم أنَّ أقلَّ ما أخذ زوجُها من خزائننا وقلاعنا في دفعة واحدة تسعُ مئة بدرة، قاسَمَ عنبرَ الخادم عليها، إلى غير ذلك، وأمَّا الجوالي فنحن معذورون فيها للضرورة، ولقد كان في عزم الغلمان أخذُها، ولو أخذوها لخرجت عن الإقطاع، وتعدَّى الطَّمَعُ إلى غيرها، فحسَمْنا بهذا الفعل موادَّهم، ونحن على كل الأحوال في الخدمة والطاعة، فكان جواب الخليفة أنه ذكر آيات الوفاء والعهود، ثم قال: وقد عُلِمَ أنَّ قواعد النيابة والتفويض إلى بني بُوَيه إنما كانت مستقرة على الأيمان والوفاء بالعهود، ولا يمكن المقامُ على قصور الموادِّ، فإن أمكن وإلا انتقلنا إلى بعض الموادِّ. فقال الملك في الجواب: أمَّا الجوالي فقد أجَبْنا عنها، وأمَّا إجارة مَن التجأ إلى الحريم فنسأل أن تكون الأمورُ فيها على ما كانت أيام سلطان الدولة. فأجاب الخليفةُ: أمَّا ما التمس من الرجوع إلى أيام سلطان الدولة فالرضا واقع بما كانت الحال جارية عليه، فإن سلطان الدولة كان يخدم في الأيام القادرية كل سنةٍ بثمان مئة ألف درهم، وعشرة آلاف دينار، ومئتي منًا عود، وخمسين منًا كافور، وخمس مئة قطعة من أصناف الثياب الفاخرة، ومن الطيب ما قد نسي مبلَغه، وإذا أَعوَزَ مثلُ هذا فلا أقلَّ من أن لا تُزاحَم في أوساخ أهل الذمة، ولم يُفرِجْ عن الجوالي.
стр. 8839
وفي صفر اختلَّتْ أمورُ الشام، واستولى مُعِزُّ الدولة صالح بن مِرْداس الكلابي على شام حلب وحصرها، وصعِدَ مَنْ كان في البلد من أصحاب الدِّزْبَري إلى القلعة، واستولى حسان بن المفرِّج بن الجرَّاح على شام دمشق -كما كان- والسواحل، وأخذ صاحب مصر في تجريد العساكر إليه، ثم إنَّ صالحًا ملك قلعة حلب بموافقةِ بينَه وبين مَنْ كان فيها؛ لأنهم ضاق عليهم القوت، فصالحوه وصعِدَ إليها.
وفي صفر ورد رسول مودود بن مسعود إلى الخليفة ومعه كتاب يذكر فيه ما جرى على أبيه.
وفيها استولى طُغْرُلْبَك والغُزُّ على خُوارَزم.
وفي جمادى الأولى ورد الخبر الصحيح من توريز (١) أنَّ زلزلةً عظيمةً هدَّمَتْ قلعة توريز وسورَها ودورَها وحماماتِها ومساكنَها وأسواقَها، ونجا أميرُها؛ لأنه [كان في بعض البساتين، وسَلِمَ جندُه؛ لأنه] كان قد أرسلهم إلى أماكن. وأُحصيَ من مات تحت الهدم، فكانوا خمسين ألفا. وأنَّ الأمير جلس على المسوح ولبس السواد (٢)؛ لعظم (٣) هذا المصاب، وأنه على عزم الصعود إلى بعض قلاعه والتحصُّن بها خوفًا من الغُزِّ، وزُلزِلَتْ [تدمر] وبَعْلبَكَ، ومات تحت الهدم معظم أهل تدمر، وجاءت طائفة من الغُز من الريِّ إلى ديار بكر، فنهبوا وقتلوا، واستجاش عليهم أبو نصر ملوكَ الأطراف فأَنْجَدوه، ورجع الغُز إلى خراسان.
وفي ذي الحجَّة قَدِم الملكُ العزيز إلى بغداد، وتلقاه الأشرافُ والقُوَّاد وأخوتُه، ونزل أبوه في الزَّبزب والتقاه وخلعَ عليه فَرَجيَّةً كانت عليه، وعمامةَ ملونة.
وفيه ورد طُغْرُلْبَك من خُوارَزم إلى الريِّ، وأنفذ أخاه من أمه إبراهيم يَنَّال إلى سجستان، وعوَّضه بها عن الريِّ، وكان معه مرداويج بن بسُّو، وكان يأخذ برأيه؛
стр. 8840
لتقدُّمه وتدبيره، وخرج إليه أبو كاليجار بن مجد الدولة والتقاه، وصار في جملته، فأخذ منه قلعة طَبْرَكْ وهو مقيمٌ في خدمته، وولَّى القائمُ على قضاء واسط أبا القاسم علي بن غسان.
ولم يحجَّ أحد في هذه السنة.
وفيها تُوفي
حمزة بن الحسن (١)
ابن العباس بن الحسن بن [أبي الجنّ، واسم أبي الجنّ] (٢) الحسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق ﵀، [وقد تقدم هذا، وكنية حمزة أبو يعلى، وكنية أبيه الحسن أبو محمد القاضي، وتلقَّب حمزة بفخر الدولة، وذكره أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه وقال] (٣): وُلدَ في المُحرَّم سنة تسع وستين وثلاث مئة، ووَليَ قضاء دمشق نيابة عن الظاهر بن الحاكم، وَولي النقابة بمصر، وجدَّد بدمشق منابر ومساجد وقنيًا، وهو الذي أجرى الفوَّارة بجيرون، وبنى قيسارية الأشراف، وتُعرف بالفخرية ووجد في تذكرته صدقة في كل سنة سبعة آلاف دينار وسمع الحديث ورواه [عن أبي عبد الله بن أبي كامل، سمع منه سنة أربع وسبعين وثلاث مئة]، وكانت وفاته بدمشق يوم الأربعاء لعشر خلون من ربيع الأول، وكانت له جنازة لم يرَ الناس مثلها.
وقال [الحافظ ابن عساكر: قرأت في كتاب] الشريف أبي الغنائم عبد الله بن الحسين [بن محمد] النسَّابة الحسني: أردتُ السفر من [دمشق إلى] مصر فأتيته لأودِّعه وأنشدته: [من البسيط]
أستودعُ اللهَ مولايَ الشريفَ وما … يحويه من نعمٍ تبقى ويوليها
فإنَّني عند توديعي بحضرتِهِ … ودَّعْتُ من أجلِه الدُّنيا وما فيها
стр. 8841
فأقسم عليَّ أن لا أُسافر، فأقمت [عنده]، فأنعم عليَّ، وأنشدني [أبياتًا] لقُسِّ بن ساعدة في النجوم: [من الكامل]
علمُ النجومِ على العقولِ وبالُ … وطِلابُ شيءٍ لا يُنالُ ضلالُ
مأوى طِلابُكَ علمُ شيءٍ أُغلِقَتْ … من دونهِ الأبوابُ والأقفالُ
افهَمْ فما أحدٌ بغامضِ فطنةٍ … يدري متى الأرزاقُ والآجالُ
إلا الذي من فوقِ سبعٍ عرشُهُ … فلوجهِهِ الإكرامُ والإفضالُ
وكان فخرُ الدولة مُمدَّحًا مدحه ابن حَيُّوس وغيره.
[وفيها تُوفِّي
عبد الودود بن عبد المتكبِّر (١)
ابن هارون بن محمد بن عبيد الله بن المهدي، وُلدَ في سنة أربعين وثلاث مئة، ومات في شعبان، ودُفن عند جامع المنصور تحت القبة الخضراء، سمع أبا بكر الشافعي وغيره، وكتب عنه الخطيب، وكان ثقةً].
[وفيها تُوفِّي]
عبد الله بن هشام (٢)
ابن عبد الله بن سَوَّار، أبو الحسين، من أهل داريا، أنشد لعبد الله بن عطية: [من الخفيف]
إنَّ مَنْ لم يكُنْ على الناس ذئبًا … أكَلتْهُ في ذا الزمانِ الذئابُ
[وفيها تُوفي]
محمد بن الحسين بن محمد (٣)
أبو الفتح، البغدادي، [قال الخطيب]: ويعرف بقُطَيط. ولد سنة خمس وخمسين وثلاث مئة، وطاف الدنيا، وسمع خلقًا كثيرًا، وكان شيخًا كيِّسًا ثقةً، حسنَ
стр. 8842
المحاضرة، كثيرَ النوادر، وخرج إلى الأهواز فمات بها، وكان يقول: كان جدّي محمد يسكن البادية، فلمَّا وُلدتُ سمَّاني قُطَيطًا على عادة العرب في البراري.
قال المصنف ﵀: إلى هاهنا انتهت المطالعة والانتقاء من تاريخ هلال بن المحسن الصابئ من نسخة في وقف الملك الأشرف ﵀، وقد سقط من ها هنا إلى سنة سَبْعٍ وأربعين وأربع مئة؛ لأنَّ ولدَه غَرْسَ النعمة محمدًا أرَّخَ من سنة ثمان وأربعين وأربع مئة وقال: وإلى ها هنا انتهى تاريخ والدي ﵀.
السنة الخامسة والثلاثون وأربع مئة
فيها دخل أصحاب طُغْرُلْبَك الريَّ فنهبوها، وهدموا منازلها ومساجدها، وسَبَوا الحريم، وقتلوا معظم أهلها، ولم يبقَ فيها سوى ثلاثة آلاف بعد أن كانوا مئة ألفِ أو يزيدون، وكتب طُغْرُلْبَك إلى جلال الدولة كتابًا يقول فيه: من طُغْرُلْبَك بن محمد بن ميكائيل مولى أمير المؤمنين إلى الملك الجليل جلال الدولة، [وكتب إليه جلال الدولة] (١) بمثل ذلك، وكتب الخليفةُ إلى طُغْرُلْبَك كتابا يوبّخه ويلومه على ما فعل أصحابُه بالريِّ، وخرج بالكتاب أقضى القضاة الماوردي، فتلفاه طُغْرُلْبَك من أربعة فراسخ إجلالًا للخليفة، وأعطاه ثلاثة آلاف دينار وخِلَعًا وخيلًا وغيرهما للخليفة وحاشيته.
وفيها دخلت الغُزُّ الموصل، فقتلوا وسبَوا حريم قِرْواش، وخرج قِرْواش منها، واستنجد عليهم بالعرب ودُبَيس وأبي نصر صاحب ميَّافارقين، فتبعوهم، فرجع الغُزُّ عليهم، فقتلوا من العرب (٢) مقتلةً عظيمةً يقال: إنها كانت عشرين ألفًا، وغنموهم.
وفيها تُوفِّي جلال الدولة، وخطب ببغداد للملك أبي كاليجار [صاحب فارس].
ولم يحجَّ في هذه السنة أحد من العراق.
стр. 8843
وفيها تُوفِّي
الحسين بن عثمان (١)
ابن أحمد بن سهل بن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف، أبو سعد، العجلي، سافر إلى خراسان، وعاد فحدَّث ببغداد، وانتقل إلى مكة، فتوفِّي بها في شوال، وكان صدوقًا (٢).
[وفيها تُوفِّي]
عبيد الله (٣) بن أحمد
ابن عثمان بن الفرج بن الأزهر، أبو القاسم، الأزهري، السِّيرافي، ولد في صفر سنة خمس وخمسين وثلاث مئة، ومات في صفر، ودُفِنَ قريبا من نهر عيسى، [سمع أبا بكر القَطيعي وغيره]، وكان صالحًا صدوقًا ثقةً، مكثرًا في الحديث كتابة وسماعًا، [جامعًا] (٤) له مع صدق وأمانة وصحة واستقامة وسلامة واعتقاد جميل، ودَرْسٍ للقرآن، [وكان يسكن درب الآجر بنهر طابق]، ودفن بتربته بنهر طابق [قريبًا من نهر عيسى] عن ثمانين سنة وعشرة أيام.
[وفيها تُوفِّي]
أبو طاهر جلال الدولة (٥)
ابن بُوَيه، وُلدَ في ذي الحجَّة سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة، وقد حكينا سيرته، وكان يحبُّ الصالحين، ويزور الدِّينَوري والقزويني ويتبرَّك بهم، ولقي من الأتراك شدائدَ، ولحقه ورمٌ في كبده فتوفي ليلة الجمعة خامس شعبان، وغسَّله أبو القاسم بن شاهين الواعظ وأبو محمد عبد القادر بن السمَّاك، ودُفِنَ في بيته بدار المملكة في بيت
стр. 8844
دُفن فيه عضد الدولة وبهاء الدولة قبل نقلهما إلى الكوفة، ثم نُقِلَ بعد سنة إلى مقابر قريش، وكان عمره إحدى وخمسين سنة وشهورًا، ومدة ولايته على بغداد ست عشرة سنة وأحد عشر شهرًا، وخلف من الولد إحدى وعشرين؛ من الذكور ستة، ومن الإناث خمس عشرة. ولمَّا مات اطَّلع أولادُه من الزَوشَن على الإسْفَهسلارية والأتراك وغيرهم وقالوا: أنتم مشايخ دولتنا وأصحابنا والقائمون مقام والدنا، فارْعَوا حقوقَنا، وصونوا حريمَنا، وقد علمتُم أن أبانا لم يُخففْ شيئًا ولا مال عندنا، فبكوا بكاء شديدًا، وقبَّلوا الأرض وقالوا: سمعًا وطاعة. وكان ابنُه الملقبُ بالملك العزيز بواسط، وكتب إليه الخليفة بغَزْنة ثانيةً، وجاء الجواب يقول: أنا العبد القِنّ.
السنة السادسة والثلاثون وأربع مئة
فيها نُقِلَ تابوتُ جلال الدولة وابنتِه الكبرى إلى مقابر قريش إلى تربة بناها لنفسه شمالي ضريح موسى بن جعفر رحمة الله عليهما، وآثار القُبَّة باقية.
وفيها نظر رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المُسْلِمة في كتابة القائم، وكان عنده في منزلة عالية، فلا زال يضرب بينه وبين البساسيري ويُسيء التدبير حتى جرى ما نذكره.
وفيها صُرِفَ أبو المعالي بن عبد الرَّحيم [من] (١) وزارة الدَّيلم، ووليها محمد بن جعفر بن العباس بن فَسانْجِس.
وفيها تُوفي الشريف المرتضى، فتقلَّد أبو أحمد عدنان بن الرضي ما كان يتقلَّده عمُّه المرتضى.
وتوفي وزيرُ مصر، فوزر أبو نصر أحمد (٢) بن يوسف، وكان يهوديًّا فأسلم.
وفيها دخل أبو كاليجار بغداد، ولم يخرج الخليفة إلى لقائه، فنزل دارَ المملكة، وأخرج منها عيال جلال الدولة، وضرب الدبادبَ على بابه في أوقات الصلوات الخمس، فروسل بالاقتصار على ثلاثة كما كانت عادة الملوك، فلم يلتفِتْ، وراسل الخليفة بأن يَخلَع عليه على العادة، فقيل له: قد نفذت إليك الخِلَعُ إلى فارس، فيقال:
стр. 8845
إن الخليفة خلع عليه ثيابًا (١) وقيل: لم يَخْلَعْ عليه. وقيل: إنه لم يقدُم بغدادَ أصلًا، وكان مقيمًا بالأهواز، وبها مات، وكانت الخطبة له ببغداد (٢).
ولم يحجَّ في هذه السنة أحد.
وفيها تُوفِّي
الحسين بن علي (٣)
ابن محمد بن جعفر، أبو عبد الله، الصَّيمري، ولد سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة، وكان أحد الفقهاء المذكورين، جيّد النظر، حسن العبارة، وافر العقل، صدوقًا، وكان إمامَ الحنفية ورئيسَهم ببغداد، وليَ قضاء المدائن، ثم وليَ القضاء بربع الكَرْخ، وكان نزهًا عفيفًا فاضلًا، وتُوفِّي ببغداد ليلة الأحد حادي عشرين شوال، ودُفِنَ بداره بدرب الزرَّادين، وكان يحضر مجلس الدارقطني، فقُرئ عليه حديث غُورَك السعدي (٤) في زكاة الخيل، فقيل للدارقطني: غُورَك ضعيف؟ قال: ومن دونه أضعف منه. فقالوا للدارقطني: فراويه عن غُورَك أبو يوسف القاضي؟ فقال: أعور بين عميان. قال الصَّيمري: فهجرتُ الدارقطنيَّ ولم أعُدْ إليه.
[وفيها تُوفِّيت
طاهرة بنت أحمد بن يوسف الأزرق (٥)
التنوخيَّة، ولدت في شعبان سنة تسع وخمسين وثلاث مئة، وسمعت الحديث، وكانت صالحة عابدةً، وتُوفِّيت بالبصرة، سمعت من أبي محمد بن ماسي. ومخلد بن جعفر الباقَرْحي وأبي الحسن بن لؤلؤ وغيرهم، وروى عنها أبو القاسم التنوخي الخطيب والأزهري].
стр. 8846
عبد الله بن محمد بن عبد الرَّحمن (١)
أبو محمد، الأصبهاني، ويعرف بابن اللَّبَّان قال: ختمتُ القرآنَ وأنا ابن خمس سنين. وكان صائمًا قائمًا صدوقًا ثقةً، أحدَ أوعية العلم، وله التصانيف الحِسان، وكانت وفاتُه بأصبهان في جمادى الآخرة.
[وفيها تُوفي]
علي بن الحسن بن إبراهيم (٢)
أبو الحسن، الصوفي، الوكيل، سكن مصر، ومات بها في شعبان [وحدَّث عن القاضي القضاعي وغيره، وحكى عنه أحمد بن عطاء الرُّوذباري] وقال: أنشدنا منصور الفقيه: [من البسيط]
حالُ العيادةِ يومٌ بين يومينِ … وجلسةٌ كممرِّ الميلِ في العينِ
لا تسألنَّ عليلًا عن شكايتِهِ … يكفيكَ ما تنظرُ العينانِ في العينِ
[وفيها تُوفي]
علي بن الحسين (٣)
ابن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق، أبو الحسن (٤)، المرتضى، ذو المجدين، ولد سنة خمسين وثلاث مئة، وهو أسَنُّ من أخيه الرضا، وكان عالمًا فاضلًا، شاعرًا، عاقلًا، جوادًا، ممدحًا، وله المصنفات في مذهب الشيعة والشعر الحسن، وكانت إليه نقابة الطالبيين ببغداد والحجِّ، وكانت وفاته في رجب، ودُفِنَ بداره في الكَرْخ، وحضر الوزراءُ وأربابُ الدولة وخدمُ الخاصة والقُضاةُ والشهودُ والأشرافُ، وصلَّى عليه ابنُ أخيه عدنان بن الرضي، وجلس للتعزية، وجاء
стр. 8847
خدم الخاصة من عند الخليفة فأقاموه من العزاء، وحزن عليه أهل بغداد، وخصوصًا أهلُ الكَرْخ، ولم يُنقل من داره إلى غيرها. وقيل: إنه حُمِلَ إلى مقابر قريش.
ونقل علي بن عقيل عنه مسائل:
منها: أنه لا يجوز السجود على ما ليس بأرض، كالصوف والجلود والوبر ونحوه.
ومنها: أنَّ الاستنجاء يكون من الغائط دون البول.
ومنها: أنَّ الطلاق المُعلَّق بالشرط لا يقع وإن وُجِدَ الشرط.
ومنها: أنَّ الطلاق لا يقع إلا بشهادة شاهدين عدلين كالنكاح.
ومنها: أنَّ من نام عن صلاة العشاء حتى يمضي نصف الليل وجب عليه القضاء، وأن يُصبحَ صائمًا كفارة لذلك.
ومنها: أنَّ المرأة إذا جزَّت شعرها فعليها كفارة قتل الخطأ.
ومنها: أنَّ من شقَّ ثوبه في ابن له أو زوجة فعليه كفارة اليمين.
ومنها: أنَّ من تزوَّج امرأةً لها زوجٌ وهو لا يعلم فعليه أن يتصدق بخمسة دراهم.
ومنها: أنَّ قطع السارق يجب من أصول الأصابع.
ومنها: أنَّ ذبائح أهل الكتاب مُحرَّمة، وكلُّ طعام تولاه اليهودي والنصراني فأكله حرام.
وهذه مسائل خرقوا بها الإجماع، أعجَبُ منها قول المرتضى في تصانيفه في إنكاح علي بن أبي طالب ﵁ عمرَ بن الخطاب ابنتَه أمَّ كلثوم: أنَّه يجوز أن ينكح إلى الفاسق، وكذا إلى الكافر، فإن النبي ﷺ زوَّج ابنتَه من عثمان بن عفان. ثم قال في موضع آخر: وإنَّ اللَّتَينِ زوَّجَ رسولُ الله ﷺ عثمان ما كانتا ابنتيه، إنما هما ابنتا أبي هالة من خديجة.
ثم قال: إن عمر رضوان الله عليه أكره عليًّا رضوان الله عليه حتى زوَّجه أم كلثوم.
وحكى عن جعفر الصادق أنه قال: ذاك فرجٌ أُكْرِهنا عليه.
وحكى أيضًا في مصنفاته أن الصحابة كفروا بجحد النص، وهو خلافة علي رضوان الله عليه.
стр. 8848
قال المصنف ﵀: ثم ذكر جَدِّي من هذا الجنس فُصولًا، وأجاب عنها، وقال في آخر الأجوبة: إذا لم تستحِ فاصنَعْ ما شئت. وقال: كان يميل إلى الاعتزال، ويناظَر عنده في كل مذهب، وله تصانيف وفقه على مذهب الإمامية.
وقال: أنبأنا ابن ناصر عن أبي الحسين بن الطيوري قال: سمعت أبا القاسم بن برهان يقول: دخلتُ على المرتضى في مرضه وقد حوَّلَ وجهه إلى الحائط، فسمعتُه يقول: أبو بكر وعمر وَليا فعدَلا، واستُرحِما فرَحِما، وأنا أقول: ارتدَّا بعدما أسلما. فقمتُ عنه، فلمَّا بلغتُ عتبة الباب سمعتُ الصراخَ عليه.
[وفيها تُوفي]
محمد بن أحمد بن بُكير (١)
أبو بكر، التنوخي، الخياط، الدمشقي، إمام مسجد أبي صالح خارج الباب الشرقي [قال الحافظ ابن عساكر: حدَّث عن عبد الوهَّاب الكلابي وغيره بدمشق، كان صالحًا ثقة.
[وفيها تُوفي
محمد بن الحسين (٢)
أبو طالب، التاجر، البغدادي، تُوفي في جمادى الاخرة، ودُفِنَ في محلة التُّوثة غربي بغداد، وحدَّث عن أبي بكر القَطيعي وغيره، وروى عنه الخطيب].
[وفيها تُوفي]
محمد بن علي بن الطيب
أبو الحسين، البصري، المتكلِّم، سكن بغداد، وكان يُدرِّس على مذهب المعتزلة، وله التصانيف الكثيرة، منها كتاب "المعتمد في أصول الدين"، لم يصنَّف في فنه مثله، وكانت وفاته في ربيع الآخر، ودفن بمقبرة الشونيزية.
стр. 8849
[وفيها تُوفِّي]
محسن بن محمد (١)
ابن العباس بن الحسن بن أبي الحسن، أبو تراب بن أبي طالب، الحسيني، كان نقيب الطالبيين بدمشق، ولي القضاء بها بعد أخيه لأمه فخر الدولة نيابةً عن ابن النعمان قاضي قضاة خليفة مصر، وكانت وفاتُه بدمشق في المُحرَّم، وقيل: في رجب، وكان فاضلًا جوادًا مُمدَّحًا.
السنة السابعة والثلاثون وأربع مئة
فيها جاء إبراهيم يَنَّال إلى قَرْمِيسين، وأخذها من محمد بن فارس [المعروف] بابن أبي الشوك (٢).
وفي جمادى الأولى استوزر القائمُ أبا القاسم علي بن الحسن بن المُسلمة؛ استدعاه إلى داره، وجلس له، وخلع عليه خِلْعة بطيلسان، وحمله على بغلة بمركب ذهب، وخرج بين يديه الخدم والقضاة والعدول والحُجَّاب والأعيان وغيرهم إلى داره بدرب سليم من الرُّصافة.
وفيها مات بواسط رجلٌ نصرانيٌّ يُقال له: ابن سهل، فجلس قومٌ من النصارى على باب المسجد، وأُخرجت جنازتُه نهارًا، فثارت العامَّة، وجرَّدوا الميت من أكفانه وأحرقوه، ورموا رماده في دِجلة، ومضَوا إلى الدير فنهبوه (٣).
وكان الملك العزيز بن جلال الدولة بواسط وأبو كاليجار ببغداد، ولم يكن له تلك الهيبة، وكانوا قد أحسُّوا بانقراض دولتهم بظهور طُغْرُلْبَك، وأمَّا طُغْرُلْبَك فإنه أقام بخراسان، ثم تنقَّل في البلاد، وجاءه الغُزُّ فرحل في طلبهم، فجاؤوا إلى الري، ثم اتفقوا معه على نهب العراق، وأمَّا صاحب مصر فجهز الجيوش إلى حلب، فحصروا ابن مِرْداس فيها، واستظهروا عليه، فاستنجد بالروم فلم ينجدوه.
стр. 8850
ولم يحجَّ في هذه السنة أحدٌ من العراق.
وفيها تُوفِّي
الحسن بن محمد (١)
ابن أحمد، أبو محمد، الدمشقي، ويعرف بابن السكن.
[قال الحافظ ابن عساكر] صام الدهر، وله اثنتا عشرة سنة، وعاش سبعًا وثمانين سنة، وكان لا يشرب الماء في الصيف، وأقام سنة وخمسة أشهر لا يشربه، فقال له طبيب: معدتُكَ تشبه الآبار، في الصيف باردة، وفي الشتاء حارة، اشرَبِ الماء وإلَّا تلفَتْ كبِدُك. وكانت وفاته بدمشق، [حدَّث عن أحمد بن عطاء الرُّوذباري وغيره، وروى عنه أبو علي الأهوازي وغيره] وكان ثقة صالحًا.
[وفيها تُوفِّيت]
خديجة بنت موسى (٢)
ابن عبد الله، الزاهدة، العابدة، البغدادية، وتُكنى أم سلمة، وتُعرف ببنت البقَّال، كانت تروي الحديث، وتعظ النساء، وكانت ورعة، وتُوفيت في جمادى الآخرة، ودُفنت بالشُّونيزية، سمعت أبا حفص بن شاهين وغيره، وروى عنها الخطيب وأثنى عليها، وكانت من الصالحات].
[وفيها تُوفي]
محمد بن محمد (٣)
ابن علي بن الحسن بن علي بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن، العلوي، الحسيني، البغدادي، النسَّابة، شيخ الشرف، ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة، وكان فريدًا في علم
стр. 8851
الأنساب؛ ولهذا سَمَّوه شيخ الشرف، وله تصانيف كثيرة (١)، وله شعر جيد، انتقل من بغداد إلى الموصل، ثم رجع إلى بغداد سنة خمس وثلاثين وأربع مئة، وله إذ ذاك مئة سنة إلا سنتين، ثم تُوفِّي في هذه السنة، ويقال: إنه توفي بدمشق.
السنة الثامنة والثلاثون وأربع مئة
وفيها غارت الترك على ما وراء النهر، واستولَوا على بُخارى وسمرقند وخُوارَزْم، فقطع طُغْرُلْبَك جيحون، وبعث أخاه إبراهيم يَنَّال (٢) إلى العراق، فوصل حُلوان، واستولى عليها، ثم عاد إلى الريِّ والتقى طُغْرُلْبَك بالترك، فقاتلهم، فظهر عليهم وهزمهم، وعاد إلى خراسان، ووقع المُوتان ببغداد في الخيل (٣) فأفناها، وكان أهلها يحضرون الأطباء فيسقونها ماء الشعير ويدبِّرونها كما يدبِّرون المرضى، وكان ببغداد رجل صاحب شرطة يُقال له: أبو محمد بن النَّسوي، حفر في داره بئرًا، وكان يستدعي الصيارف ومن يعرف [أنَّ] معه مالًا فيقتلهم ويأخذ أموالهم، وقتل جماعة من الهاشميين، وعلم العوام، فثاروا ورفعوا المصاحف على [رؤوس] (٤) القصب، ومنعوا الخطباء من الجُمع، فأمر الخليفة بحبسه، وكان القاضي يومئذ أبو الطيب الطبري، وشهد عنده الشهود، وقامت البيِّنة، وكبسوا داره، وأخرجوا القتلى منها وعُرفوا، فبعث السلطان فأخذ منه خمسة آلاف دينار وأطلقه، ولم يقدر الخليفةُ على منعه من الخروج من الحبس.
وفيها مالت الغُزُّ إلى أذربيجان وأرمينية وشهرزور، فقتلوا خلقًا كثيرًا (٥).
وفيها زُلزِلَتْ خِلاط (٦) وديار بكر زلازلَ هدمت القلاع والحصون، وقتلت خلقًا كثيرًا.
стр. 8852
وفيها ورد رسول طُغْرُلْبَك إلى بغداد، فأكرمه الخليفة، وخلع عليه، وكتب لطِغْرُلْبَك عهدًا على خراسان، وأعطى الرسول سرًّا، وقيل له: لا تُظهِرْه ها هنا. ولم يقدم من خراسان حاجٌّ، وقدم من أطراف بغداد، واجتمعوا إلى الحِلَّة فوقفت له بنو خَفاجة بين الكوفة والحِلَّة، فرجعوا إلى بغداد، وحجَّ الناسُ من الشام ومصر، وبعث المستنصر كسوة البيت ونفقات أهل الحرمين، وخُطِبَ له على العادة.
وفيها تُوفِّي
عبد الله بن يوسف (١)
ابن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيُّويه، أبو محمد، الجُويني، الشافعي، والد أبي المعالي، وجُوَين من أعمال نيسابور، وأصلهم من العرب من بني سِنْبِس.
قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقَّه بمرو على [أبي بكر عبد الله بن أحمد] القفَّال، [ثم عاد إلى نيسابور، فدرس مذهب الشافعي وبرع فيه، وكان له مجلسٌ للمناظرة بنيسابور]، وكان مجلسُه مهيبًا كمجلس الملوك لا يجري فيه إلا الجِدُّ، وصنَّف التصانيف الكثيرة في أنواع العلوم، [وكان قد قرأ الأدب على أبيه أبي يعقوب يوسف]، وكان زاهدًا ورعًا، لا يدقُّ وتدًا في حائط مشترك بينه وبين آخر، ويحتاط في أداء الزكاة، فربما أدَّاها في السنة دفعتين، وتوفي بنيسابور، [سمع الحديث بمرو على جماعة، وبنيسابور وبهمذان وبغداد ومكة، وروى عن القَطيعي وغيره، وكتب عنه الخطيب].
محمد بن يحيى (٢)
ابن محمد بن محمد، أبو بكر، من قرية بالعراق يُقال لها: الزيدية، كان عالمًا بالقرآن والفرائض، وسمع الحديث، وكانت وفاته في رمضان. قال الخطيب: كتبتُ
стр. 8853
عنه، وكان ثقةً، وأخرج له عن عائشة ﵂ أثرًا قالت: كُنْ لِما لم تَرْجُ أرجى منك لما ترجو، فإنَّ موسى ﵇ خرج يقتبس نارًا فعاد بالتكليم والنبوة.
السنة التاسعة والثلاثون وأربع مئة
فيها وقع الوباء بالموصل [والجزيرة] وبغداد، ووصل كتابٌ من الموصل أنهم أكلوا الميتة، وصلَّى الجمعة أربع مئة نفس، ومات الباقون، وكانوا زيادة على ثلاث مئة ألف إنسان، وبِيعَتْ الرُّمانة ببغداد بقيراطين واللينوفرة بقيراطين، والخيارة بقيراط، وكان سُرْخاب بن محمد بن عنّاز أميرُ حُلوان قد خطب لإبراهيم ينَّال، ثم غدر به، فأرسل الذهب إلى أصحابه الأكراد، فغدروا به، وسلَّموه إلى إبرا هيم، فقلع إحدى عينيه ومثَّل به، واستولى على حُلوان.
وفيها قُبِضَ على الوزير أبي السعادات أبي الفرج محمد بن جعفر بن فَسانْجِس.
وفيها استولى رئيس الرؤساء على أعمال العراق وانبسطت يده.
وفيها قصدت الغُزُّ نيسابور، فقال لهم إبراهيم ينَّال: هذه البلاد قد خربت وما تحملكم، اطلبوا بلاد الروم فهي أحملُ لكم (١). فساروا إلى الروم، ومرُّوا بأطراف بلاد ابن مروان، فتحصَّن منهم بالقلاع، وخاف الناس منهم، فأوغلوا في بلاد الروم، فقتلوا وأسروا، ونهبوا شيئًا كثيرًا، وعادوا إلى أطراف أرمينية. وقيل: إنهم بلغوا إلى [خليج] القسطنطينية، وكان معهم محمد بن إبراهيم يَنَّال، فغنم وحده مئة ألف رأس، وأخذ من السلاح والمال ما حملوه على عشرة آلاف عجلة. وقيل: بل كان إبراهيم يَنَّال بنفسه معهم، وفي غَيبتهم هذه أُديرت الأسوار على البلاد الخراسانية [بنيسابور وغيرها]، وكذا على شيراز وفارس.
ولم يحجَّ أحد من العراق.
стр. 8854
وفيها تُوفِّي
أحمد بن أحمد بن محمد (١)
أبو عبد الله، القَصْري، من قصر ابن هُبيرة، ولد سنة ست وأربعين وثلاث مئة، وسمع الحديث، وكان من أهل العلم والقرآن، يختم القرآن في كل يوم، مشهورًا بالسنة، وتوفي في رجب، ودُفن بباب حرب، وكان صدوقًا صالحًا ثقة.
[وفيها تُوفِّي]
أحمد بن عبد العزيز بن الحسن (٢)
أبو يعلى، الطاهري، من ولد عبد الله بن طاهر، ولد سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، وقرأ الأدب، وسمع الحديث [قال الخطيب: كتبت عنه]، وكان فصيحًا صدوقًا (٣)، [حدَّث عن المُخَلِّص وابنِ أخي ميمي] (٤) وأَمَةِ السلام بنت أحمد بن كامل، وتوفي في شوال، وأخرج له الخطيب حديثًا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بوجه الله فأعطوه" (٥).
[وفيها تُوفِّي]
أحمد بن محمد (٦)
ابن عبد الله بن أحمد، أبو الفضل، الهاشمي، من ولد هارون الرشيد، ولي القضاء بسجستان، وسمع الحديث وتأدَّب، ومن شعره: [من الكامل]
قالوا اقتصِدْ في الجودِ إنك منصفٌ … عدلٌ وذو الإنصاف ليس يجورُ
فأجبتُهم إني سلالةُ معشرٍ … لهم لواءٌ في النَّدى منشورُ
تاللهِ إني شائدٌ ما قد بنى … جدِّي الرشيدُ وقبلَه المنصورُ
стр. 8855
[وفيها تُوفِّي
الحسين بن علي بن عبيد الله (١)
أبو الفرج، الطَّناجيري.
قال الخطيب: ولد سنة خمسين وثلاث مئة، وكان يسكن بدرب الدنانير قريبًا من نهر طابق، وسمع الكثير، وتُوفِّي في ذي القعدة، ودُفن بباب حرب، حدَّث عن محمد بن المظفر وأبي بكر بن شاذان وغيرهما، وروى عنه الخطيب وغيره، وكان ثقةً].
[وفيها تُوفِّي]
عبد الواحد بن محمد (٢)
ابن يحيى بن أيوب، أبو القاسم، البغدادي، الشاعر، ويُعرف بالمُطرِّز، وكان فصيحًا عالمًا بالأدب، سمع الحديث، وتوفي في جمادى الآخرة ببغداد، [وروى عنه الخطيب شيئًا من شعره فقال: أنشدني المطرِّز لنفسه] في الزهد: [من البسيط]
يا عبدُ كَمْ لكَ من ذنب ومعصيةٍ … إنْ كنتَ ناسيها فاللهُ أحصاها
لابُدَّ يا عبدُ من يوم تقومُ له … ووقفةٍ لكَ يُدمي القلبَ ذكراها
إذا عرضتُ على قلبي تَذَكُّرَها … وساءَ ظني فقلتُ استغفرُ اللهَ
[وفيها تُوفِّي]
محمد بن أحمد (٣)
ابن موسى بن عبد الله، الشيرازي، الواعظ، ويقال له: النذير، سافر إلى الشام وغيره، [وسمع بأكواخ بانياس وغيرها].
стр. 8856
وقال الخطيب: حدثني النذير أنه دخل على أحمد بن فارس اللُّغوي وكان قد وُصِفَ له -فقال له: هاتِ يا أبا عبد الله. قال النذير: فسكتُّ، فقال ابن فارس: ما لَكَ؟ فقال: استولَتْ عليَّ صفاتُكَ فأنسيتني كلَّ شيء. فقال: أشهَدُ أنك من فارس. أراد قولَ النبيِّ ﷺ : "لو كان العِلمُ بالثُّريا لناله رجالٌ من فارس" (١).
[قلت:] وذكر الخطيب رجلًا اسمه:
محمد بن أحمد بن موسى، أبو عبد الله الشيرازي الواعظ، وقال: قدم بغداد، فأقام بها مدةً يعِظُ الناس، ويشير إلى الزهد، ويلبس المرقَّعة، ويُظهر عزوفَ النفس عن طلب الدنيا، فافتتن به الناس [لِما رأوا من حُسن طريقته]، وكان يحضر مجلس وعْظِه خلقٌ لا يُحصَون، وعمر مسجدًا خرابًا بالشُّونيزية وسكنه ومعه جماعة من الفقراء، ثم إنه قَبِلَ بعد ذلك ما كان يُوصل إليه بعد امتناع شديد، فحصل له [ببغداد] مالٌ كثير، فرمى المُرقَّعة، ولبس الثياب الفاخرة، وجَرَتْ له قصص، وصار له أصحاب وأتباع، ثم أظهر أنه يريد الغزو، فحشد الناس إليه، واجتمع له عسكر كثير بظاهر البلد من أعلاه، وكان يُضرَبُ له الطبل في أوقات الصلاة، ثم سار إلى الموصل، ثم رجع عنه جماعة [من أتباعه، وبلغني أنه] صار إلى نواحي أذربيجان، واجتمع إليه جمع، وضاهى أميرَ تلك الناحية [وقد كان حدَّث ببغداد عن علي بن محمد بن عمران الجندي، وكتبت عنه أحاديث يسيرة في سنة عشرة وأربع مئة، وحدَّثني بعض أصحابنا بشيء يدلُّ على ضعفه في الحديث]. قال: وأنشدني لبعضهم: [من الطويل]
إذا ما أطعتَ النفسَ في كلِّ لذةٍ … نُسِبْتَ إلى غير الحِجْى والتكرُّمِ
إذا ما أجبتَ النفسَ في كل دعوةٍ … دعَتْكَ إلى الأمرِ القبيحِ المُحرَّمِ
ويقال: إنه مات بنواحي أذربيجان في هذه السنة.
قال المصنف ﵀: فلا أدري هو صاحب الترجمة أم غيره.
стр. 8857
[وفيها تُوفِّي]
محمد بن الحسين
ابن علي بن عبد الرَّحيم، أبو سعد، وزير جلال الدولة، وزر له ستَّ سنين، ولاقى من المصادرات شدائدَ ومن التُّرك، فخرج من بغداد مستترًا، فأقام بجزيرة ابن عمر، حتى مات في ذي القعدة عن ست وخمسين سنة، وكان فاضلًا عارفًا بأمور الوزارة.
[وفيها تُوفِّي]
محمد بن علي (١)
[بن محمد] بن إبراهيم، أبو الخطاب، الشاعر، الجَبُّلي، من قرية جَبُّل عند النعمانية ببغداد، كان فصيحًا حسن الشعر، [قال الخطيب]: سافر من بغداد إلى الشام، فاجتاز بمعرة النعمان، فمدح أبا العلاء المعري بأبيات، فأجابه أبو العلاء: [من الكامل]
وأرى أبا الخطَّاب نال من الحِجى … حظًّا زواه الدَّهرُ عن خُطَّابِهِ
لا يطلبنَّ كلامَهُ متشبِّهٌ … فالدرُّ ممتنعٌ على طُلَّابِهِ
ألبستَني حُلَلَ القَريض (٢) ووَشْيَهُ … متفضِّلًا فرفلْتَ في أثوابِهِ
وظلمتَ شِعْرَكَ إذ حبَوْتَ بنظمِهِ … رجلًا سواهُ من الورى أولى بِهِ
كَلِمٌ كنظمِ العقد يَحْسُنُ تحتَهُ … معناهُ حُسْنَ الماءِ تحت حَبابِهِ (٣)
[فتشوَّفَتْ شوقًا إلى نغماتِهِ … أفهامُنا ورَنَتْ إلى آدابِهِ]
ثم قدم دمشق فسمع بها، ثم عاد إلى بغداد وقد ذهب بصره.
[قال الخطيب: خرج الجَبُّلي إلى السفر ومعه عينان كأنهما نرجستان، فعاد وقد عمي]، فأقام ببغداد حتى توفي بها في ذي القعدة (٤)، وكان يميل إلى التشيع.
стр. 8858
ومن شعره: [من المنسرح]
ما حكَمَ الحُبُّ فهو ممتثَلُ … وما جناهُ الحبيبُ محتمَلُ
تهوى وتشكو الضَّنى وكلُّ هوًى … لا يُنْحِلُ الجسمَ فهو مُنْتَحَلُ
السنة الأربعون وأربع مئة
فيها رجع الغُزُّ من بلاد الروم إلى أذربيجان بالغنائم التي ذكرناها، وكان معهم إبراهيم يَنَّال.
وفيها تُوفِّيت زوجةُ الخليفة أختُ الأمير أبي نصر بن بُوَيه، وجلس رئيسُ الرؤساء في صحن السلم للعزاء، وقُطِعَ ضربُ الطبل بدار المملكة أيام العزاء.
وفيها تَمَّ سور شيراز، ودوره اثنا عشر ألف ذراع، وارتفاع حائطه عشرون ذراعًا، وله عشرة أبواب، وقبل القاضي عبد الله بن ماكولا شهادةَ القاضي أبي يعلى الفرَّاء.
وفي شعبان خَتَنَ الخليفةُ ابنَه أبا العباس محمد [بن القائم] ويلقب بالذخيرة، وذُكِرَ اسمُه على المنابر، ولم يَلِ الخلافة (١).
وفيها ولَّى المستنصرُ دمشقَ القائدَ طارق الصقلي، فكان عليها ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن حمدان، فقبض عليه وبعث به إلى مصر، ثم صرف المستنصر طارقًا في سنة إحدى وأربعين وولَّاها عدة الدولة رفق المستنصري، ثم صرفه عنها وبعث به إلى حلب، ثم وليها حيدرة بن الحسين بن مفلح، ويُعرَفُ بأبي الكرم المؤيد، فأقام واليًا عليها تسع سنين إلى سنة خمسين وأربع مئة.
ولم يحجَّ أحدٌ من العراق.
وفيها تُوفِّي
الحسن بن عيسى (٢)
ابن المقتدر بالله، أبو محمد، الهاشمي، ولد في المُحرَّم سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة، وقرأ القرآن، وسمع الحديث، وكان عاقلًا، فاضلًا، ديِّنًا، صالحًا،
стр. 8859
حافظًا لأخبار الخلفاء، عارفًا بأيام الناس، زاهدًا، ترك الخلافة عن قدرة، وآثر بها القادر بالله، ولمَّا احتضر أوصى بأن يُصلِّي عليه ويغسِّلَه القاضي أبو الحسين بن الغريق، ويُحمل في النهار إلى باب حرب ويُدفَنَ في غير تابوت، ففُعِلَ ذلك به، ومشى الأمراء والأشراف، منهم البساسيري، مشى من داره إلى قبره، ودُفِنَ بقرب الإمام أحمد -رحمة الله عليه- في رجب على ما قيل، وأمرَ القائمُ بأن يُجلَسَ له في العزاء، فجلس رئيس الرؤساء من الغد في صحن السلم، وحزن القائم عليه ومحني بأمره، وأمر أن يمشي القضاة والأشراف بين يدي جنازته.
[وفيها تُوفِّي]
محمد بن جعفر (١)
ابن أبي الفرج بن فَسانْجِس، أبو الفرج، ويلقب بأبي السعادات، وزر لأبي كاليجار بفارس وبغداد، وكان فاضلًا عادلًا صاحبَ مروءة، كتب إليه بعض شهود الأهواز: إنَّ فلانًا مات وخلف خمسين ألف دينار مغربية، وعقارًا بمثلها، وخلف ولدًا له ثمانية أشهر، فإن رأى الوزيرُ أن يقترض العينَ إلى حين بلوغ الطفل. فكتب على ظهر الرُّقعة: المتوفَّى ﵀، والطفل جبره الله، [والمال ثمرة الله]، والساعي لعنه الله، لا حاجة لنا في أموال اليتامى.
ومن شعره: [من الوافر]
أودِّعكُمْ وإنِّي ذو اكتئابِ … وأرحَلُ عنكمُ والقلبُ آبي
وإنَّ فراقَكُمْ في كلِّ حالٍ … لأَوجَعُ من مفارقةِ الشَّبابِ
أسيرُ وما ذَمَمْتُ لكُمْ جِوارًا … وما مَلَّتْ منازلُكُمْ ركابي
وأشكرُ كلَّما أوطنتُ دارًا (٢) … لياليَنا القصارَ بلا احتسابِ
وأَذكُركُمْ إذا هبَّتْ جَنوبٌ … تُذكِّرني عَلالاتُ (٣) التَّصابي
стр. 8860
لكم منِّي المودةُ في اغترابي … وأنتُمْ إلفُ نفسي في اقترابي
يسَقَى عهدَ الأحبَّةِ حيث كانوا … سجال القطرِ من خِلَلِ السحابِ
فروعاتُ الفراقِ وإن أغامَتْ … تُقشِّعُها مَسرَّاتُ الإيابِ
قد ذكرنا أنه عزل ببغداد، وأُمر أبو كاليجار بحمله إلى قلعة بني وَرَّام بِبَهَنْدَف (١)، فأقام أحد عشر شهرًا، ثم بعث أبو كاليجار مَنْ قتله بها وقد بلغ إحدى وخمسين سنة [فلا رَحِمَ اللهُ من قتله]، ولم يطُلْ عمر قاتله؛ [فإن أبا كاليجار عاش بعده أقلَّ من شهر؛ لأنَّ أبا الفرج] قُتِلَ في صفر، وأبا كاليجار مات في ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى.
محمد بن محمد (٢)
ابن إبراهيم بن غَيْلان، أبو طالب البزَّاز، وُلدَ سنة ست وأربعين وثلاث مئة، وسمع الكثير، وعُمِّرَ حتى بلغ مئة وخمس سنين، وكانت وفاتُه في شوال، وصلَّى عليه أبو الحسين بن المهتدي، ودُفِنَ بداره بدرب عبدة في قطيعة الربيع، وأخرج له الدارقطني أحاديثَ مشهورة وسمَّاها الغيلانيات، وسمعها عليه خلقٌ كثير، وكان ثقةً صدوقًا صالحًا. وقال أبو عبد الله محمد بن محمود الرشيدي: أردتُ الحجَّ، فقلت لأبي منصور بن حيدر: أريد أن أسمع من ابن غيلان. فقال: إنه مريض مبطون. قلت: ومَنْ لي أن يعيش حتى أرجع من الحج وهو ابن مئة وخمس سنين؟ فقال: اذهب، فأنا ضامنٌ لكَ حياتَه. قلت: وكيف؟ قال: [له] ألف دينار حُمرٍ جعفرية، كلَّ يوم يقلِّبها ويتقوَّى بها، فخرجتُ إلى الحجِّ وعُدْتُ وهو في الحياة، فسمعتُ عليه الغيلانيات وغيرها.
[وفيها تُوفِّي]
المَرزُبان بن سلطان الدولة
ابن بهاء الدولة، أبو كاليجار، الملك، ولد بالبصرة سنة تسع وتسعين وثلاث مئة في شوال، مرض بالأهواز في بُرَيه (٣) في جمادى الأولى، وفُصِدَ في يومٍ ثلاثَ مرات،