← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

وقال الخطيب: حدثني النذير أنه دخل على أحمد بن فارس اللُّغوي وكان قد وُصِفَ له -فقال له: هاتِ يا أبا عبد الله. قال النذير: فسكتُّ، فقال ابن فارس: ما لَكَ؟ فقال: استولَتْ عليَّ صفاتُكَ فأنسيتني كلَّ شيء. فقال: أشهَدُ أنك من فارس. أراد قولَ النبيِّ ﷺ : "لو كان العِلمُ بالثُّريا لناله رجالٌ من فارس" (١). [قلت:] وذكر الخطيب رجلًا اسمه: محمد بن أحمد بن موسى، أبو عبد الله الشيرازي الواعظ، وقال: قدم بغداد، فأقام بها مدةً يعِظُ الناس، ويشير إلى الزهد، ويلبس المرقَّعة، ويُظهر عزوفَ النفس عن طلب الدنيا، فافتتن به الناس [لِما رأوا من حُسن طريقته]، وكان يحضر مجلس وعْظِه خلقٌ لا يُحصَون، وعمر مسجدًا خرابًا بالشُّونيزية وسكنه ومعه جماعة من الفقراء، ثم إنه قَبِلَ بعد ذلك ما كان يُوصل إليه بعد امتناع شديد، فحصل له [ببغداد] مالٌ كثير، فرمى المُرقَّعة، ولبس الثياب الفاخرة، وجَرَتْ له قصص، وصار له أصحاب وأتباع، ثم أظهر أنه يريد الغزو، فحشد الناس إليه، واجتمع له عسكر كثير بظاهر البلد من أعلاه، وكان يُضرَبُ له الطبل في أوقات الصلاة، ثم سار إلى الموصل، ثم رجع عنه جماعة [من أتباعه، وبلغني أنه] صار إلى نواحي أذربيجان، واجتمع إليه جمع، وضاهى أميرَ تلك الناحية [وقد كان حدَّث ببغداد عن علي بن محمد بن عمران الجندي، وكتبت عنه أحاديث يسيرة في سنة عشرة وأربع مئة، وحدَّثني بعض أصحابنا بشيء يدلُّ على ضعفه في الحديث]. قال: وأنشدني لبعضهم: [من الطويل] إذا ما أطعتَ النفسَ في كلِّ لذةٍ … نُسِبْتَ إلى غير الحِجْى والتكرُّمِ إذا ما أجبتَ النفسَ في كل دعوةٍ … دعَتْكَ إلى الأمرِ القبيحِ المُحرَّمِ ويقال: إنه مات بنواحي أذربيجان في هذه السنة. قال المصنف ﵀: فلا أدري هو صاحب الترجمة أم غيره.

стр. 8857

[وفيها تُوفِّي] محمد بن الحسين ابن علي بن عبد الرَّحيم، أبو سعد، وزير جلال الدولة، وزر له ستَّ سنين، ولاقى من المصادرات شدائدَ ومن التُّرك، فخرج من بغداد مستترًا، فأقام بجزيرة ابن عمر، حتى مات في ذي القعدة عن ست وخمسين سنة، وكان فاضلًا عارفًا بأمور الوزارة. [وفيها تُوفِّي] محمد بن علي (١) [بن محمد] بن إبراهيم، أبو الخطاب، الشاعر، الجَبُّلي، من قرية جَبُّل عند النعمانية ببغداد، كان فصيحًا حسن الشعر، [قال الخطيب]: سافر من بغداد إلى الشام، فاجتاز بمعرة النعمان، فمدح أبا العلاء المعري بأبيات، فأجابه أبو العلاء: [من الكامل] وأرى أبا الخطَّاب نال من الحِجى … حظًّا زواه الدَّهرُ عن خُطَّابِهِ لا يطلبنَّ كلامَهُ متشبِّهٌ … فالدرُّ ممتنعٌ على طُلَّابِهِ ألبستَني حُلَلَ القَريض (٢) ووَشْيَهُ … متفضِّلًا فرفلْتَ في أثوابِهِ وظلمتَ شِعْرَكَ إذ حبَوْتَ بنظمِهِ … رجلًا سواهُ من الورى أولى بِهِ كَلِمٌ كنظمِ العقد يَحْسُنُ تحتَهُ … معناهُ حُسْنَ الماءِ تحت حَبابِهِ (٣) [فتشوَّفَتْ شوقًا إلى نغماتِهِ … أفهامُنا ورَنَتْ إلى آدابِهِ] ثم قدم دمشق فسمع بها، ثم عاد إلى بغداد وقد ذهب بصره. [قال الخطيب: خرج الجَبُّلي إلى السفر ومعه عينان كأنهما نرجستان، فعاد وقد عمي]، فأقام ببغداد حتى توفي بها في ذي القعدة (٤)، وكان يميل إلى التشيع.

стр. 8858

ومن شعره: [من المنسرح] ما حكَمَ الحُبُّ فهو ممتثَلُ … وما جناهُ الحبيبُ محتمَلُ تهوى وتشكو الضَّنى وكلُّ هوًى … لا يُنْحِلُ الجسمَ فهو مُنْتَحَلُ السنة الأربعون وأربع مئة فيها رجع الغُزُّ من بلاد الروم إلى أذربيجان بالغنائم التي ذكرناها، وكان معهم إبراهيم يَنَّال. وفيها تُوفِّيت زوجةُ الخليفة أختُ الأمير أبي نصر بن بُوَيه، وجلس رئيسُ الرؤساء في صحن السلم للعزاء، وقُطِعَ ضربُ الطبل بدار المملكة أيام العزاء. وفيها تَمَّ سور شيراز، ودوره اثنا عشر ألف ذراع، وارتفاع حائطه عشرون ذراعًا، وله عشرة أبواب، وقبل القاضي عبد الله بن ماكولا شهادةَ القاضي أبي يعلى الفرَّاء. وفي شعبان خَتَنَ الخليفةُ ابنَه أبا العباس محمد [بن القائم] ويلقب بالذخيرة، وذُكِرَ اسمُه على المنابر، ولم يَلِ الخلافة (١). وفيها ولَّى المستنصرُ دمشقَ القائدَ طارق الصقلي، فكان عليها ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن حمدان، فقبض عليه وبعث به إلى مصر، ثم صرف المستنصر طارقًا في سنة إحدى وأربعين وولَّاها عدة الدولة رفق المستنصري، ثم صرفه عنها وبعث به إلى حلب، ثم وليها حيدرة بن الحسين بن مفلح، ويُعرَفُ بأبي الكرم المؤيد، فأقام واليًا عليها تسع سنين إلى سنة خمسين وأربع مئة. ولم يحجَّ أحدٌ من العراق. وفيها تُوفِّي الحسن بن عيسى (٢) ابن المقتدر بالله، أبو محمد، الهاشمي، ولد في المُحرَّم سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة، وقرأ القرآن، وسمع الحديث، وكان عاقلًا، فاضلًا، ديِّنًا، صالحًا،

стр. 8859

حافظًا لأخبار الخلفاء، عارفًا بأيام الناس، زاهدًا، ترك الخلافة عن قدرة، وآثر بها القادر بالله، ولمَّا احتضر أوصى بأن يُصلِّي عليه ويغسِّلَه القاضي أبو الحسين بن الغريق، ويُحمل في النهار إلى باب حرب ويُدفَنَ في غير تابوت، ففُعِلَ ذلك به، ومشى الأمراء والأشراف، منهم البساسيري، مشى من داره إلى قبره، ودُفِنَ بقرب الإمام أحمد -رحمة الله عليه- في رجب على ما قيل، وأمرَ القائمُ بأن يُجلَسَ له في العزاء، فجلس رئيس الرؤساء من الغد في صحن السلم، وحزن القائم عليه ومحني بأمره، وأمر أن يمشي القضاة والأشراف بين يدي جنازته. [وفيها تُوفِّي] محمد بن جعفر (١) ابن أبي الفرج بن فَسانْجِس، أبو الفرج، ويلقب بأبي السعادات، وزر لأبي كاليجار بفارس وبغداد، وكان فاضلًا عادلًا صاحبَ مروءة، كتب إليه بعض شهود الأهواز: إنَّ فلانًا مات وخلف خمسين ألف دينار مغربية، وعقارًا بمثلها، وخلف ولدًا له ثمانية أشهر، فإن رأى الوزيرُ أن يقترض العينَ إلى حين بلوغ الطفل. فكتب على ظهر الرُّقعة: المتوفَّى ﵀، والطفل جبره الله، [والمال ثمرة الله]، والساعي لعنه الله، لا حاجة لنا في أموال اليتامى. ومن شعره: [من الوافر] أودِّعكُمْ وإنِّي ذو اكتئابِ … وأرحَلُ عنكمُ والقلبُ آبي وإنَّ فراقَكُمْ في كلِّ حالٍ … لأَوجَعُ من مفارقةِ الشَّبابِ أسيرُ وما ذَمَمْتُ لكُمْ جِوارًا … وما مَلَّتْ منازلُكُمْ ركابي وأشكرُ كلَّما أوطنتُ دارًا (٢) … لياليَنا القصارَ بلا احتسابِ وأَذكُركُمْ إذا هبَّتْ جَنوبٌ … تُذكِّرني عَلالاتُ (٣) التَّصابي

стр. 8860

لكم منِّي المودةُ في اغترابي … وأنتُمْ إلفُ نفسي في اقترابي يسَقَى عهدَ الأحبَّةِ حيث كانوا … سجال القطرِ من خِلَلِ السحابِ فروعاتُ الفراقِ وإن أغامَتْ … تُقشِّعُها مَسرَّاتُ الإيابِ قد ذكرنا أنه عزل ببغداد، وأُمر أبو كاليجار بحمله إلى قلعة بني وَرَّام بِبَهَنْدَف (١)، فأقام أحد عشر شهرًا، ثم بعث أبو كاليجار مَنْ قتله بها وقد بلغ إحدى وخمسين سنة [فلا رَحِمَ اللهُ من قتله]، ولم يطُلْ عمر قاتله؛ [فإن أبا كاليجار عاش بعده أقلَّ من شهر؛ لأنَّ أبا الفرج] قُتِلَ في صفر، وأبا كاليجار مات في ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى. محمد بن محمد (٢) ابن إبراهيم بن غَيْلان، أبو طالب البزَّاز، وُلدَ سنة ست وأربعين وثلاث مئة، وسمع الكثير، وعُمِّرَ حتى بلغ مئة وخمس سنين، وكانت وفاتُه في شوال، وصلَّى عليه أبو الحسين بن المهتدي، ودُفِنَ بداره بدرب عبدة في قطيعة الربيع، وأخرج له الدارقطني أحاديثَ مشهورة وسمَّاها الغيلانيات، وسمعها عليه خلقٌ كثير، وكان ثقةً صدوقًا صالحًا. وقال أبو عبد الله محمد بن محمود الرشيدي: أردتُ الحجَّ، فقلت لأبي منصور بن حيدر: أريد أن أسمع من ابن غيلان. فقال: إنه مريض مبطون. قلت: ومَنْ لي أن يعيش حتى أرجع من الحج وهو ابن مئة وخمس سنين؟ فقال: اذهب، فأنا ضامنٌ لكَ حياتَه. قلت: وكيف؟ قال: [له] ألف دينار حُمرٍ جعفرية، كلَّ يوم يقلِّبها ويتقوَّى بها، فخرجتُ إلى الحجِّ وعُدْتُ وهو في الحياة، فسمعتُ عليه الغيلانيات وغيرها. [وفيها تُوفِّي] المَرزُبان بن سلطان الدولة ابن بهاء الدولة، أبو كاليجار، الملك، ولد بالبصرة سنة تسع وتسعين وثلاث مئة في شوال، مرض بالأهواز في بُرَيه (٣) في جمادى الأولى، وفُصِدَ في يومٍ ثلاثَ مرات،

стр. 8861

فجُعِلَ في المهد، فشَقَّ عليه، فحُمِلَ على أعناق الرجال في مِحَفَّةٍ (١)، فمات ليلة الخميس منتصف جمادى، وانتهب الغلمانُ الخزائنَ والسلاحَ والكُراعَ ما قيمتُه ألفُ ألفِ دينار، وأحرقت الجواري الخِيَم والخَرْكاوات، فما تركْنَ خيمةً ولا خركاة إلا أحرقنها سوى الخَرْكاة التي كان فيها والخيمة، وكان قريبًا من قرية (٢) له فيها ألف ألف دينار، فصعد الغلمان وأخذوا ما فيها، وحُمِلَ في تابوت فدُفِنَ بالأهواز، وقيل: حُمِلَ إلى شيراز، فدُفِنَ عند آبائه. وكانت مدةُ عمره إحدى وأربعين سنة، وقيل: أربعين، ومدة ولايته على العراق أربع سنين وشهرين وأيامًا، ومدة ولايته على فارس والأهواز خمسًا وعشرين سنة، وكان شجاعًا فاتكًا، مشغولًا بالشرب واللهو، ولمَّا مات كان ولدُه أبو نصر ببغداد نازلًا في دار المملكة نيابةً عن أبيه، وأكان، العسكر حوله، فوقع المُوتان في الخيل والدواب [فمات منهم اثنا عشر]، وكانت أختُ أبي نصر [مع الخليفة، وهي التي تُوفِّيت أول هذه السنة، فلقَّبَ الخليفةُ ولده أبا نصر] الملك الرَّحيم، وخلَعَ عليه خِلَعَ السلطنة، واستدعاه في صحن السلم، وكان الخَلْعُ سبعَ جِباب كاملة، والتاج والطوق والسِّوارين واللِّواءين كما فُعِلَ بعضد الدولة، وقُرئ عهدُه بين يدي الخليفة، وخرج [من دار الخليفة] ومراكب الذهب بين يديه، والعساكر والقُضاة والأشراف والخَدَم بين يديه إلى الشطِّ، فنزل في زَبْزَبه، وعاد إلى دار المملكة، وجلس في اليوم الثاني وهنَّأه الناس [وكان يومًا مشهودًا] (٣). السنة الحادية والأربعون وأربع مئة فيها جرى ببغداد بين السُّنَّة والشيعة فتنةٌ عظيمةٌ حاصِلُها أنَّ أهل الكَرْخ بنَوا عليه سورًا من أنقاض دكاكين الناس، فعمل أهلُ نهر القَلَّائين مثلَ ذلك، واجتمع الدَّيلمُ إلى الكَرْخ والغِلمانُ إلى نهر القَلَّائين، وجرى بين الفريقين شيءٌ لم يجرِ قبلَه، وامتنع على

стр. 8862

السلطان إصلاحُ الفريقين، وأُلقيت النيرانُ في المحال، وزاد الأمرُ والنَّهبُ، فقال القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي: أهل الكَرْخ طائفة نشأت على سبِّ الصحابة، وليس للخلافة عليها أمرٌ، ولقد أذكر وأنا أحمل رقاع القادر وهي بخطِّ ابن حاجب النعمان إلى الشريف الرضي فلا يقرؤها، ويقول: إن كانت لكَ حاجةٌ قضيتُها. وبلغ الخليفةَ، فعزَّ عليه، وتقدَّم إلى قاضي القضاة أن لا يسمع شهادةَ التنوخي، ثم رضي عنه، فتعجَّب الناسُ من الإنكار عليه في أمر ظاهر. وفيها هبَّتْ رِيحٌ سوداءُ ببغداد، فأظلمت الدنيا، وقُلِعَتْ رواشنُ دار الخلافة (١) ودارُ المملكة ودورُ الناس، وقلعَتْ من الشجر والنخل شيئًا كثيرًا، [فلو دامت ساعةً لمات الناس، ودَرست آثار بغداد]. وفيها نزل طُغْرُلْبَك الريَّ، ولم يتيقَّنْ وفاةَ أبي كاليجار، فأقام يفحص عن ذلك. وفيها لمَّا بَعُدَ طُغْرُلْبَك عن نيسابور دخل مودود بن مسعود الهندَ وغزا، ووصل إلى الأماكن التي وصل إليها جدُّه، وكتب إليها جدُّه، وكتب إلى الخليفة بذلك. ولم يحجَّ أحد من خراسان ولا العراق. وفيها تُوفي أحمد بن حمزة ابن محمد [بن حمزة] بن خزيمة، أبو إسماعيل، الهروي، الصوفي، ويُعرف بعمُّويه، وُلدَ سنة سبع وأربعين وثلاث مئة، وكان شيخ الصوفية بهَراة، سمع الكثير بالعراق والشام، وتوفي بهَراة في رجب، وأنشد بطرابلس المرشديُّ إسماعيل بن أحمد: [من الطويل] يُعيِّرني قومي على المَلْبسِ الدُّونِ … وما أنا فيما قد لبستُ بمغبونِ إذا كنتُ مولًى للقناعةِ مالكًا … فإنَّ ملوكَ الأرضِ كُلَّهم دوني

стр. 8863

[وفيها تُوفِّي] إسماعيل بن أحمد بن محمد (١) أبو البركات [بن أبي سعد] الصوفي، المعروف بشيخ الشيوخ، [كان أبوه من أهل نيسابور، واستوطن بغداد، ووُلِدَ له أبو البركات ببغداد]، وسافر إلى الشام. [قال الحافظ ابن عساكر]: ونزل بخانكاه السُّمَيساطي بدمشق، وحدَّثَ بها وعاد إلى بغداد، فمات في جمادى الأولى، ودُفِن بالشُّونيزية، [سمع أبا الفوارس وأبا نصر الرئيس ومالكًا البانياسي وغيرهم، وكتب عنه الخطيب وغيره]، وكان صالحًا ثقة. [وفيها تُوفِّي] محمد بن علي بن عبد الله (٢) أبو عبد الله، الصُّوري، الحافظ ولد بصور سنة ست وسبعين وثلاث مئة، وقدم بغداد سنة ثماني عشرة وأربع مئة، وسمع الحديث على كِبَر السِّن، وعُني به حتى صار فيه إمامًا. [قال الخطيب: لم يقدم علينا من الغرباء أفهمَ منه بعلم الحديث]، وكان صحيحَ النقل، دقيقَ الخطِّ، يكتب في الوجهة من الكاغَد الخراساني ثمانين سطرًا، ويكتب المجلَّدة في جزء، وكان صائمًا قائمًا لا يفطر إلا في العيدين وأيام التشريق، وكان من أحرص الناس على طلب الحديث وأورعهم في تحصيله، وربما كرَّر الحديث على شيخه مرات، ومضى إلى الكوفة فسمع بها من أكثر من أربع مئة شيخ، وكان يُظهر هناك السُّنَّة ويترحَّم على الصحابة، فثار عليه أهل الكوفة ليقتلوه، فالتجأ إلى أبي طالب بن عمر العلوي فأجاره، وقال له: اقرأ عليَّ فضائل الصحابة. فقرأ عليه، فتاب من سبِّهم، [وقال أبو طالب: قد عشتُ أربعين سنة في سبِّهم] (٣) تُرى أعيشُ مثلَها حتى أذكرهم بخير.

стр. 8864

[وقال جدي في "المنتظم": حدثنا جماعة من أشياخنا عن أبي الحسن الطيوري قال]: أكثر كتب الخطيب سوى "تاريخ بغداد" [هي] مستفادة من كتب الصوري، ابتدأ بها، وكان قد قسم أوقاته في نيِّفٍ وثلاثين فنًّا، وكانت له أخت بصور خلف عندها اثني عشر عدلًا من الكتب، فأعطاها الخطيبُ شيئًا وأخذ بعض الكتب، وكان الصوري حسن المحاضرة، وذهبت إحدى عينيه. ومن شعره: [من المتقارب] تولَّى الشبابُ بريعانِهِ … وجاء المشيبُ بأحزانِهِ فقلبي لفقدان ذا مؤلمٌ … كئيبٌ بهذا ووُجدانِهِ وإنْ كان ما جار في سيرِهِ … ولا جاء في غير إبَّانِهِ ولكِنْ أتى مُؤْذِنًا بالرحيل … فويليَ من قُرْبِ إيذانِهِ ولولا ذنوبٌ تحمَّلْتُها … لمَا راعني حال إتْيانِهِ ولكِنَّ ظهري ثقيلٌ بما … جناهُ شبابي بطُغيانِهِ فمَنْ كان يبكي زمانًا مضى … ويندب طَيِّبَ أزمانِه وليس بكائي وما قد تَرَوْ … نَ مني لوَحشةِ فُقدانِهِ ولكِنْ لِما كان قد جَرَّهُ … عليَّ بوثباتِ شيطانِهِ فولَّى وبقَّى عليّ الهموم … بما قد تحمَّلْتُ من شانِهِ فوَيلي وعَوْليَ إنْ لمْ يَجُدْ … عليّ مَليكي برضوانِهِ ولم يتغمَّدْ ذنوبي وما … جنيتُ بواسعِ غفرانِهِ ويجعَلْ مصيري إلى جنة … يَحُلُّ بها أهلُ قُربانِهِ وإنْ كنتُ ما ليَ من قُربةٍ … سوى حُسنِ ظنِّي بإحسانِهِ فإنِّي مُقِرٌّ بتوحيدِهِ … عليمٌ بعزَّةِ سُلطانِهِ وقال الخطيب (١): أنشدنا الصوري: [من الخفيف] قُلْ لمنْ عاندَ الحديثَ … وأضحى عائبًا أهلَه ومَنْ يَدَّعيهِ

стр. 8865

أبِعِلْمٍ تقولُ هذا أبِنْ لي … أم بجهلٍ فالجهلُ خُلْقُ السَّفيهِ أتعيب الذين هم حفظوا … الدِّين من التُّرَّهاتِ والتَّمويهِ وإلى قولهم وما قَد روَوْهُ … راجعٌ كل عالمٍ وفقيهِ قال (١): وأنشدني لنفسه: [من المجتث] نِعْمَ الأنيسُ كتابُ … إنْ خانَكَ الأصحابُ تنالُ منه فنونًا … تحظى بها وتُثابُ لا مُظِهرٌ لكَ سرًّا … ولا عليه حجابُ ولا يصُدَّكَ عنُه إن … جئتهُ بَوَّابُ ولا يسوؤُكَ منهُ … تغضُّبٌ أو عِتابُ ولا يَعيبُكَ (٢) يومًا … إنْ كان شيءٌ يُعابُ خلافُ قومٍ تراهم … ليست لهم ألبابُ لكنَّهمْ كذئابٍ … طِلْسٍ (٣) عليها ثيابُ إذا تقرَّبْتَ منهم … أرضاكَ منهم خطابُ وإن تباعدْتَ عنهم … فكلُّهم مُغتابُ فالبُعدُ عنهم ثوابٌ … والقُربُ منهم عِقابُ ذكر وفاته: قال الخطيب: وسبَبُ موته أنه افتصد فتورَّمت يده، وكان الطبيب قد أُعطيَ مِبْضَعًا مسمومًا ليفصِد به غيرَه، فغلط ففصد به، فمات في المارستان العَضُدي في تاسع عشرين جمادى الأولى، وصلَّيتُ عليه، ودُفِنَ بمقبرة جامع المنصور، سمع خلقًا كثيرًا [منهم أبو الحسن بن جُميع، سمع منه بصيدا]، وروى عنه خلقٌ كثير [الخطيب وقاضي

стр. 8866

القضاة أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني وغيره]، وأجمعوا على حفظه وفضله وصدقه وثقته ودينه. السنة الثانية والأربعون وأربع مئة فيها من العجائب أنه اصطلح السُّنَّة والشِّيعة، وصارت كلمتُهم واحدة، وسببه أن السلطان وَلَّى شُرط بغداد من الجانبين أبا محمد بن النَّسَوي الذي ذكرنا أنه كان يقتل الناس في داره، وكان فاتكًا، [فلمَّا ولَّاه السلطان] اجتمع أهلُ باب البصرة والكَرْخ وتلك المحالُّ التي كان يجري بينهم القتال على أنه متى عبر إليهم ابن النَّسوي قتلوه وأحرقوا الجانب الغربيِّ وانصرفوا، واجتمعوا وتحالفوا، وأُذنَ في باب البصرة بحيَّ على خير العمل، وقُرئ في الكَرْخ فضائل الصحابة، وترحَّموا عليهم، ومضى أهل السُّنَّة والشيعة إلى مقابر قريش، واجتمعوا عند موسى بن جعفر، وقُرئ بباب البصرة فضائلُ أهل البيت، وخرج أهلُ باب البصرة والكَرْخ وتلك المحال إلى زيارة المشهدين الحائر والكوفة، وهذا من العجائب، فإن الفتنَ كانت قائمةً، والدماء تُسفَك، والأموال تُنهَب، وكان الملوك والخلفاء يعجزون عن رذهم، وإنما حملهم على ذلك بُغْضُ ابن النَّسوي، وعند الحفائظ تذهب الأحقاد، فلمَّا كان يومُ [عيد] الغدير أقبل أهلُ المحالِّ بالأعلام المذهبة والبوقات والطبول، واختلط الفريقان [السُّنَّة والشيعة والدَّيلم والأتراك]، وجاء أهل نهر القلَّائين وبين أيديهم رايةٌ سوداء، عليها مكتوب اسم الخليفة، والدَّبادب بين يديها، فمرُّوا بالكَرْخ، فنثر عليهم أهلُ الكَرْخ الدنانيرَ والدراهم، وكذا فعل أهل باب البصرة، [وخرج معهم من أهل السُّنَّة إلى زيارة المشهدين الحائر والكوفة من لم تجْرِ له عادةٌ بالخروج]. وفيها وصل الغُزُّ إلى نيسابور والأهواز، فقتلوا مَنْ كان بهما من الدَّيلم والترك، فاضطربت بغداد، وراسل الخليفةُ طُغْرُلْبَك، وهرب أهل البصرة وواسط إلى بغداد. ولم يحجَّ في هذه السنة أحد من العراق.

стр. 8867

وفيها تُوفِّي علي بن عمر (١) ابن محمد بن الحسن، أبو الحسن، الزاهد، المعروف بابن القَزويني، وُلِدَ بالحربية ببغداد في المُحرَّم سنة ستين وثلاث مئة الليلة التي مات فيها أبو بكر الآجري الزاهد [البغدادي]، وأبوه من قزوين، قرأ القرآن [على أبي حفص الكتَّاني]، وتفقَّه [على أبي القاسم الداركي الشافعي]، وقرأ النحو [على عثمان بن جِنّي] وسمع الحديث الكثير، و [ذكره الخطيب فقال: كان أبو الحسن] أحدَ الزُّهَّاد المذكورين، ومن عباد الله الصالحين، وكان يُقرئ القرآن، ويسمع الحديث، ومنذ نشأ كان حسنَ الطريقة، ملازمًا للصمت عمَّا لا يعنيه، وافرَ العقل، لا يخرج من بيته إلا إلى الصلاة، وله الكرامات الظاهرة، والكلام [الحسن] على الخواطر، وكان القائم يأتي إلى زيارته ليالي الجُمع، وتجتمع عنده قصص الناس فيوقع على الجميع. [وحكى أبو غالب البرَدَاني قال:] قام [أبو الحسن] ليلةً يستقي ماءً لوَضوئه، فصعد الدلو وهو ملآنُ دنانير، فأعادها إلى البئر، وقال: ما طلبتُ إلا ماءً، أيش أعمل بالدنانير [وقد وقفت بالحربية على مجلد من كراماته، ورواها شيخنا عبد المحبّ الحربي ﵀، وقد حكينا أن القادر كان يبعث إليه في وقت يطلب من إفطاره يتبرَّك به]. ذكر وفاته: قال أبو ياسر عبد الله بن محمد البَرَداني: انتبه أخي أبو غالب يوسف في الليلة التي مات [فيها أو] في صبيحتها ابنُ القزويني وهو يبكي، فسكَّن والدي منه، وكانت قد أخذَتْه رعدةٌ، فقال له: ما لكَ يا بُني؟ فقال: رأيتُ الساعةَ في المنام كأنَّ أبوابَ السماء قد فُتِحَتْ، وابنَ القزويني يصعد فيها، فلمَّا كان صبيحة تلك الليلة سمعنا المنادي ينادي بموته، وكانت وفاته في شعبان، وتولَّى أمره أبو منصور بن يوسف، وغسَّله أبو محمد التميمي [وكانت وفاته بمحلة الحربية]، واجتمع أهل بغداد، وغُلِّقت أسواقها، ولم يتخلف أحد، ولم تَسَعِ

стр. 8868

الحربية الناس للصلاة عليه، فصُلِّي عليه بين الحربية والعتابيين ولم يُحَطَّ على الأرض؛ لكثرة الخلق، وإنما كان على أيدي الرجال حيث اتَّجهوا صلُّوا عليه. وقال أبو الوفاء بن عقيل: شهدتُ [جنازته، وكان يومًا لم يُرَ في الإسلام مثلُه بعد] جنازة الإمام أحمد رحمة الله عليه، غُلِّقت له المكاتب والحمامات، وبلغت المعبرة بباب الطاق مع كون الجسر ممدودًا أربعة دنانير، ولم يمكن أن يُصلِّي عليه إمامٌ مُعيَّن، فجُعِلَ كلّ قبيلٍ فيه ألوف من الناس يُصلِّي بهم رجل يصلح للتقدّم. وكانت الضجَّةُ تمنع التبليغَ بالتكبير، فصلَّى عليه أكثر الناس وحدانًا. [وقال ابن عقيل: ورأيت عدة سلاسل فيها مداساتٌ كثيرة يُنادى عليها: ليأخُذْها أصحابُها، فما يأخذها أحد]. وقال عبد العزيز بن عبد الله الصائغ: صلَّيتُ على ابن القزويني، فهالني كثرةُ الخلق الذين حضروا جنازته، فرأيتُه في المنام في تلك الليلة، فقال لي: يا عبد العزيز، استعظمتَ الخلقَ الذين قد صلُّوا عليَّ؟ قد صلى عليَّ في السماء ملائكةٌ أكثرُ من ذلك. ثم ردُّوه إلى الحربية فدفنوه في داره، وقبره ظاهرٌ يُزار، ويُقال: إنَّ الدعاء عنده مستجاب. [قلت: وقد أقمتُ في الحربية مدة سنتين وجاورتُه، وكنت كل وقت أزوره، ورأيتُ بركة زبارته. أسند الحديث عن ابن كيسان النحوي وأبي عمر بن حيُّويه وابن شاذان وأبي الحسين بن سمعون وغيرهم، وروى عنه الخطيب وأقرانه]. وقال ابن عساكر: قدم دمشق، وكانت له كرامات ظاهرة، وكلام على الخواطر [وكان يتفقَّه على مذهب الشافعي، واتفقوا على أنه كان أوحدَ عصره]. [وفيها تُوفِّي] قرواش بن المُقلِّد (١) أبو المَنيع، صاحب الموصل والكوفة والأنبار وسقي الفرات، جلس له القادر في سنة ست وتسعين وثلاث مئة ولقَّبه معتمد الدولة، وخلع عليه وزارةَ نهر الملك، وكان قد جمع بين أُختين، فلامه الناس، فقال: خَبِّروني ما الذي نستعمله مما تبيحه

стр. 8869

الشريعة؟ وكان الحاكم صاحب مصر قد استماله، فخطب له بالموصل وسقي الفرات، ثم قطع خطبته، ولمَّا دخل الغُزُّ إلى الموصل سَبَوا حريمه، وأخذوا من داره ما يزيد على مئتي ألف دينار، ولمَّا مات ولي مكانه قريش بن بدران بن المُقلِّد. [وفيها تُوفي] مودود بن مسعود (١) ابن محمود بن سُبُكْتِكين، مرض بغَزْنة فتوفي، وقام مقامَه عمُّه عبد الرَّشيد بن محمود، اختاره أهل المملكة فأقاموه. السنة الثالثة والأربعون وأربع مئة فيها هبَّتْ بالعراق ريح [سوداء] عظيمة، فقلعت النخل والشجر ورواشِنَ دار الخلافة ودارِ المملكة وغيرها، وغرقت السفن. وفي صفر تجدَّدت الفتنة بين السُّنَّة والشيعة ببغداد؛ [لأن ذلك الاتفاق على الفساد، لما في النفوس من الضغائن والأحقاد، وتبقى حزازات النفوس كما هي]، وكتب أهل الكَرْخ على برج الباب مما يلي باب البصرة: محمدٌ وعليّ خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر، فثارت الفتنة، وغلقت الأسواق (٢)، وبطلت المعايش، وجاء أهل باب البصرة ومَنْ تبعهم (٣) إلى باب دار الخلافة، وهجموا دهليزها، وخرقوا الهيبة، ولم يقدر على منعهم الخليفةُ ولا السلطانُ [ولا العساكرُ]، واستُنجد بعيار من أهل درب ريحان، فأُحضِرَ إلى الديوان، واستُنيب [وسُلِّط] على أهل الكَرْخ، فقتل منهم جماعةً، ورمى برؤوسهم إلى الكَرْخ، وقال: يا أهل الكَرْخ، أنا الطقطقي، فعُدُّوا رؤوس هؤلاء. وأتى جماعةٌ إلى مشهد موسى بن جعفر ﵄ فنهبوه وأخذوا ما فيه، وأخرجوا جماعةً من قبورهم فأحرقوهم، مثل: العَوْني الشاعر، والناشئ، والجُذوعي، وطرحوا النار في

стр. 8870

[الضريحين] ضريح موسى ومحمد، فاحترق الضريحان والقباب والساج، وحفروا ضريح موسى ليخرجوه ويدفنوه عند الإمام أحمد، فمنعهم النقيب والعلويُّون، وبلغ أهلَ الكَرْخ، فجاؤوا إلى قطيفة الربيع، فأحرقوا الدور ونهبوها، وجلسوا في العزاء لما جرى على المشهد، وعلَّقوا المسوح، وناحوا وبكَوا، وجرى ما تعمُّ به البلوى. وفيها عَمَّرَ طُغْرُلْبَك بالريِّ دارًا وهدم دورًا إلى جانبها، فوجد في بعضها أموالًا عظيمة، وبراني (١) صينية فيها جواهر نفيسة، ودخل أصبهان واستولى عليها. وسار الغُزُّ إلى فارس، فنزلوا على شيراز، فخرج إليهم الملك الرَّحيم بن أبي كاليجار في الترك والديلم، فقتل الغُزُّ منهم مقتلةً عظيمةً، وانهزم ابنُ أبي كاليجار في الترك والدَّيلم، فقُتِلَ منهم وفُقِدَ وزيرُه كمال الملك (٢). وفيها أقام ابنُ المُعِزِّ بن باديس الصَّنهاجي الدعوةَ بالمغرب للقائم، وكان المُعِزُّ الفاطمي لمَّا خرج من المغرب سَلَّمها إلى المعز بن باديس، فأقام بها حتى توفي، وقام ابنُه، فأقام مدةً، ثم خطب بها للقائم، فلم تزل قائمةً حتى ظهر محمد بن تُومَرْت بالمغرب، وتلقَّب بالمهدي، وقام بعده عبد المؤمن بن علي، فقطع الدعوة في أيام المقتفي. ولم يحجَّ في هذه السنة أحد من خراسان [ولا العراق]. [وفيها تُوفي] أحمد بن عثمان ابن عيسى، أبو نصر الجلَّاب (٣) ولد سنة اثنتين وستين وثلاث مئة، وكان ثقة، ومنزله بدرب الزعفراني، وأخرج له الخطيب حديثًا عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قُرِئت عنده سورةُ الرَّحمن، فقال: "ما ليَ أرى الجِنَّ أحسنَ جوابًا لردِّها منكم؟ " قالوا:

стр. 8871

وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "ما أتيتُ على قول الله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا وقالت الجِنُّ: ولا بشيءٍ من نِعَمِك يا ربَّنا نكذِّب". [وفيها تُوفِّي] إسماعيل بن علي (١) ابن الحسين بن زنجويه، أبو سعد، الرازي، الحافظ، الحنفي، طاف الدنيا، ولقي الشيوخ، وأثنى عليه العلماء، وكان ورعًا زاهدًا فاضلًا، أقام زمانَه بغير مدافعة، وما رأى مثلَ نفسه في كلِّ فن، ولم يكن لأحد عليه مِنَّة، ولم يضَعْ يده في قصعة أحد طول عمره، ووقَفَ كُتبَه التي لم يوجد مثلُها على المسلمين، وكان يقال له: شيخ العدلية (٢)، ومات بالريِّ، ودُفِنَ بجبل طَبْرَك إلى جانب محمد بن الحسن (٣)، وقرأ على ألف وثلاث مئة شيخ، وقرأ عليه ثلاثة آلاف، وصنَّف كتبًا كثيرة، ولم يتزوج، وتُوفِّي في شعبان وله أربع وتسعون سنة، لم تفُتْه فريضةٌ، وقال ابن عساكر: سمع نحوًا من أربعة آلاف شيخ. [وفيها تُوفِّي] محمد بن محمد بن أحمد (٤) أبو الحسن، البُصروي، [الشاعر]، وبُصرى: قرية بِدُجيل دون عُكْبَرا، وكان شاعرًا، فصيحًا، فاضلًا، ظريفًا، مطبوعًا، وله نوادر، منها أنه قال له رجل: لقد شربتُ الليلةَ كثيرًا، فاحتجْتُ القيامَ للبول كلَّ ساعة، كأنِّي جَدْيٌ. فقال له: لِمَ تُصغَرْ نفسَك يا سيدنا؟ وكانت وفاته ببغداد في ربيع الأول، ومن شعره: [من الوافر] ترى الدنيا وزهرتَها فتصبو … وما يخلو من الشَّهواتِ (٥) قَلْبُ فضولُ العيشِ أكثرُها همومٌ … وأكثرُ ما يضرُّكَ ما تُحِبُّ

стр. 8872

فلا يغرُرْكَ زخرفُ ما تراهُ … وعيشٌ لَيِّنُ الأطرافِ (١) رَطْبُ إذا ما بُلْغَة جاءتْكَ عفوًا … فخُذْها فالغنى مرعى وشُربُ (٢) إذا حصلَ القليلُ وفيه سِلْمٌ … فلا تُرِدِ الكثيرَ وفيه حربُ [وذكر جدي هذه الأبيات الخمسة، ووقفت على ثلاثة أبيات، ولم يذكر هذه الثلاثة منها]: ولكن في خلائقها نِفاز … ومطلبُها بغيرِ الحظِّ صعبُ كثيرًا ما نلومُ الدهرَ فيما … يمرُّ بنا وما للدهر ذنبُ ويُعتِبُ بعضُنا بعضًا ولولا … تعذرُ حاجةِ ما كان عَتْبُ [وفيها تُوفِّي] المُفضَّل بن محمد بن مِشعر (٣) أبو المحاسن، التنوخي، المعرِّي، الفقيه، الحنفي، ناب في القضاء بدمشق عن ابن أبي الجِن، وولي القضاء ببعلبك، قرأ الفقه على القُدوري، والأدب ببغداد على علي بن عيسى الرَّبَعي، وعاد إلى الشام، وصنف "تاريخ النُحاة وأهل اللغة"، وتُوفِّي بدمشق، وكان فاضلًا جليلًا نبيلًا نزِهًا عفيفًا صدوقًا. السنة الرابعة والأربعون وأربع مئة فيها برز محضرٌ من ديوان الخليفة بالقَدْح في أنساب المصريين، وأنهم دِيصانية (٤) خارجون عن الإسلام، من جنس المحضر الذي برز في أيام القادر، وأخذ فيه خطوط القضاة والشهود والأشراف وغيرهم.

стр. 8873

وفيها كانت بأَرَّجان والأهواز زلازلُ عظيمةٌ ارتجَّت منها الأرض، وقُلِعت الجبال، وخربت القلاع، فحُكي أن رجلًا كان جالسًا بأَرَّجان في إيوان داره، فانفرج حتى رأى منه السماء، ثم عاد إلى حاله، وامتدَّت هذه الزلازل إلى قنطرة أرْبَق (١) فأخربَتْها، وغاض ماءُ البحر من الأُبُلَّة ثلاثة أيام، ثم عاد. وفيها استولى طُغْرُلْبَك على هَمَذان ونواحيها، وطمع في قصد العراق، وكُوتِبَ منها بالقدوم إليها سرًّا، فتوقَّف بسبب خوفه على البلاد من الغُزّ. ولم يحجَّ أحد من العراق. وفيها تُوفِّي الحسن بن علي (٢) ابن محمد بن علي، أبو علي، التميمي الواعظ، ولد سنة خمس وخمسين وثلاث مئة، وسمع الحديث الكثير، وروى "مسند الإمام أحمد" رحمة الله عليه عن القَطيعي، وتُوفِّي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر، ودُفِنَ بباب حرب، وروى عنه أبو القاسم بن الحصين "مسند الإمام أحمد" وغيره، وكان خَيِّرًا دَيّنًا لا يُعرف منه إلا ذلك، وقد غمزه الخطيب. [وفيها تُوفِّي] رشا بن نظيف بن ما شاء الله (٣) أبو الحسن، أصله من المعرَّة، وسكن دمشق، [قرأ القرآن على جماعة من أهل الشام والعراق ومصر بروايات كثيرة، وقرأ بدمشق على الحسن بن داود الداراني

стр. 8874

بحرف ابن عامر، وقرأ عليه جماعة]، وانتهت إليه رئاسة القراءة في حرف ابن عامر، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا، وتُوفِّي بدمشق في المُحرَّم، ودُفِنَ بالباب الصغير، [سمع عبد الوهَّاب الكلابي وعبد الوهَّاب الميداني والشريف أبا القاسم الميمون بن حمزة الحسني وخلقًا كثيرًا، وروى عنه أبو علي الأهوازي وغيره]، وأجمعوا على فضله وصدقه، وثقته وأمانته، [وجميل طريقته]. [وفيها تُوفي] سهل بن محمد بن الحسن أبو الحسن، الفاسي، الصوفي، سمع الكثير وحدَّث بالعراق ودمشق وصور، وكانت وفاته بمصر، ومن شعره: [من الطويل] إذا كنتَ في دارٍ يُهينُكَ أهلُها … ولم تَكُ محبوسًا بها فتَحوَّلِ وأيقِنْ بأنَّ الرزقَ يأتيك أينما … تكونُ ولو في قعرِ بيتٍ مُقفَّلِ ولا تَكُ في شَكٍّ من الرزقِ إنَّ … مَنْ تكفَّلَ بالأرزاقِ فَهْو بها مَلِي وقال: [من المتقارب] كفاني لذنبيَ عند الإله … محمدٌ المصطفى شافعي وقَولي بمذهبِ أهلِ الحجاز … ورأيِ ابنِ إدريس الشَّافعي وقال: [من الوافر] شفيعي في القيامةِ عند ربي … محمدٌ النبيُّ الهاشميُّ وقُدوتيَ الذي اختارَ ربي … محمدٌ الإمامُ الشافعيُّ قال المصنف: ومرَّ بي بيتان في هذا المعنى: [من الخفيف] [مَنْ أراد الهدى بقولِ ابنِ إدريـ … ـس هداهُ وأين كالشافعي] (١) وشفاءُ العِيِّ السؤالُ وأنَّى … بإمامٍ سواهُ كشَّافِ عِيّ

стр. 8875

[وفيها تُوفي] محمد بن أحمد بن محمد (١) أبو جعفر، السِّمناني، ولد سنة إحدى وستين وثلاث مئة، وسكن بغداد، وسمع الحديث، وداخل بني بويه، وعاشر الوزراء، وصنَّف الكتب، وكان فاضلًا سخيًّا، وولي قضاء الموصل، ومات بها وهو على قضائها في ربيع الأول بعدما أضرَّ، وكان يعتقد الأصول على مذهب الأشعري. السنة الخامسة والأربعون وأربع مئة فيها وصل الغُزُّ (٢) إلى حُلوان، فقتلوا وسَبَوا، واضطربت بغداد؛ [لأنه لم يكن بها من يدفعهم، ونقل معظمُ الناس رحالهم إلى الجانب الغربي]، وأظهروا أنهم قاصدون بغداد، ثم انكفؤوا راجعين [حيث جاؤوا]، ويقال: إن طُغْرُلْبَك هو الذي نهاهم عن قصد بغداد. وفيها وقف طُغْرُلْبَك ﵀ بنيسابور على مقالة الأشعري، [وكان طُغْرُلْبَك على مذهب أبي حنيفة، فأمر بلعن الأشعري] (٣) على المنابر وقال: هذا يُشعر بأن ليس لله في الأرض كلام، فعزَّ ذلك على أبي القاسم القُشيري، وعمل رسالة سمَّاها "شكاية أهل السُّنَّة لما نالهم من المحنة"، وقال فيها: أيُلعن إمامُ الدين ومُحيي السُّنَّة؟ وأنكر أصحابُ الأشعري بنيسابور مقالة الأشعري، وقالوا: هذه المقالة مُحال (٤)، فقال طُغْرُلْبَك ﵀: نحن إنما نوغر بلعن الأشعري الذي قال هذه المقالات، فإن لم تَدينوا بها ولم يكن الأشعري قال شيئًا منها فلا عليكم مما نقول. قال القشيري: فأخَذَنا

стр. 8876

في الاستعطاف، فلم (١) يسمع لنا حُجَّةً، ولم يقْضِ لنا حاجةً، فأغضينا على قذى الاحتمال، واحِلْنا على بعض العلماء، فحضرنا عنده وظنَنَّا أنه يُصلح الحال، فقال: الأشعريُّ عندي مبتدعٌ يزيد على المعتزلة؛ لأنهم أثبتوا أنَّ القرآن في المصحف، وهو نفاه. قال القشيري: فقلتُ: يا معاشر المسلمين، الغياثَ الغِياث. قال الشيخ أبو الفرج الجوزي (٢): لو أنَّ القشيريَّ لم يعمل في هذا رسالةً كان أسترَ للحال؛ لأنه إنما ذكر فيها أنه وقع اللعنُ على الأشعري، وأن السلطان سُئِلَ أن يرفع ذلك فلم يُجِب، ثم لم يذكر له حجةً، ولا دفع للخصم شُبهةً، وذِكْرُ مثلِ هذا نوعُ تغفُّل. وفيها (٣) جهَّز ملكُ الروم الجيوشَ إلى الشام، وأمرهم أن يطلبوا الغُزَّ أينما كانوا، فخرجوا على (٤) ناحية أرمينية، فقيل لهم: إن الغُز قصدوا عسكر مكرم فرجعوا، وخاف أهل الشام من الروم، ونزل الثلج فحال بينهم. ولم يحجَّ من العراق أحد. وفيها تُوفِّي إبراهيم بن عمر بن أحمد (٥) أبو إسحاق، الفقيه، الحنبلي، ويُسمى البرمكي؛ لأن أهلَه كانوا يسكنون البرمكية، ولد في رمضان سنة إحدى وستين وثلاث مئة، وكان عارفًا بمذهب الإمام أحمد ﵀، وله حلقةٌ للفتوى بجامع المنصور، وتوفي يوم الأحد سابع ذي الحجَّة، ودُفِنَ بباب حرب، سمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه الخطيب وغيره، وكان صالحًا، زاهدًا، ورعًا، دَيِّنًا، صدوقًا، ثقةً.

стр. 8877

[وفيها تُوفي] أحمد بن عمر بن روح (١) أبو الحسين، النَّهْرواني، كان فاضلًا شاعرًا، توفي في ربيع الآخر ببغداد، قال: كنت على شاطئ دِجلة، فمرَّ بي إنسان في سفينة وهو يقول: [من مجزوء الوافر] وما طلبوا سوى قتلي … فهانَ عليَّ ما طلبوا فقلتُ له: قِفْ ثم قلت بديهًا: أضِفْ إليه: على قتلي الأحبة بالتَّـ … ــمادي في الجفا غلَبُوا وبالهجران طِيبَ النَّو … مِ من عينيَّ قد سلبوا وذكر البيت الأول. مُطهَّر (٢) بن محمد بن إبراهيم أبو عبد الله، الصوفي، الشيرازي، أحد الشيوخ الصالحين، جاور بمدينة النبي ﷺ أربعين سنة، وقدم بغداد، وكانت وفاته بدمشق في رجب. السنة السادسة والأوبعون وأربع مئة فيها استوحش القائمُ من البساسيري، واستوحش البساسيريُّ منه، وكان البساسيريُّ قد عظُمَ أمرُه، واستفحل لعدم النظر، واستولى على البلاد، وطار اسمُه، وهابه أمراء العرب والعجم، ودُعي له على كثير من منابر العراق والأهواز، وجبى الأموال، ولم يكن القائمُ يقطع أمرًا دونه، ثم صحَّ عند الخليفة سوءُ عقيدته، وشهد عنده جماعة من الأتراك أنه قال لهم بواسط: لا بُدَّ لي من نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة. فكاتب الخليفة طُغْرُلْبَك وهو بنواحي خراسان يستنهضه إلى المسير إلى العراق،

стр. 8878

فانتقض أكثرُ مَنْ كان مع البساسيري وعادوا إلى بغداد، وسنذكر تمام القصة في السنة الآتية إن شاء الله تعالى. ولمَّا دخلت هذه السنة اجتمع الأتراك في دار المملكة، وتفاوضوا فيما بينهم الشكوى من وزير السلطان وما يُسعِّره عليهم من الأمتعة، وأنه قد اعتصم بحريم الخليفة، ثم خرجوا إلى ظاهر البلد، وضربوا خيامهم بباب الشَّمَّاسية، وراسلوا الخليفةَ: إمَّا أن تقوم بأمورنا، أو تُسلِّم إلينا الوزير، وشغبوا، وركبوا بالسلاح، وقصدوا دار الخليفة، فغُلِّقت أبوابها، ولم تُصَل فيها في ذلك اليوم جُمعُة، وخاف أهل بغداد، فنقلوا أموالهم إلى دار الخليفة، ونُودي في البلد: من وجد الوزيرَ ولم يُطلِعْ به حَل دمُه ومالُه، ومن دلَّ عليه كان له كذا وكذا. فلم يقنع الأتراكُ بهذا حتى خرجوا إلى دار الروم وعندها دارُ أبي الحسن بن عبيد وزيرِ البساسيري وكاتِبه وقد استولى عليه، فنهبوها ونهبوا البيعة التي في دار الروم ودور كثيرة، وخاف أهلُ الجانب الغربي على دار الخليفة، فعَبروا بأجمعهم، أهلُ باب البصرة والكَرْخ والسُّنَّة والشيعة، وجاؤوا فباتوا بباب الغربة، وأرسل الخليفة إلى الأتراك يقول: قد عرفتُم طلبَنا للوزير، وقَبْضَنا على أصحابه، وهذا غاية ما يُمكنَّا، ولم يبقَ إلا الفتنة التي تهلك فيها النفوس، فإن كانت مطلوبَكم فأمهلونا أيامًا نتأهَّب فيها للسفر، ونفارق [فيها] (١) هذا البلد إلى مكان يُعرف فيه حقُّنا، وقرَّر لهم مالًا، فأجابوه بالسمع والطاعة، وسكنوا، وكان البساسيري غائبًا قد خرج لقتال بني خَفاجة، فقدم بغداد وبلغه ما فُعِلَ بكاتبه، فسار إلى داره بالجانب الغربي، ولم يلمَّ بدار الخليفة على رسمه، وتأخَّر عن الخدمة، وخرج إلى أوانا وعاث في الأرض، فراسله الخليفة، وطيَّب قلبه، فلم يلتفت، وسار إلى الأنبار ومعه دُبيس، ففتحها وقتل بها جماعة عصوا عليه، وقطع أيدي آخرين، وأحرق ضياعًا من نهر عيسى الفلوجة ودِمِمَّا وغيرهما، فراسله الخليفة ولاطفه، فاستقرَّ أنه يحضر إلى بيت النُّوبة ويخلع عليه، وجاء إلى الجانب الغربي، فوقف بإزاء بيت النُّوبة، وخدم ولم يعبر، ومضى إلى داره، وبعث إلى الخليفة يقول: ما أشكو إلا من النائب بالديوان. يعني رئيس الرؤساء. ولم يحجَّ أحد من العراق.

стр. 8879

وفيها تُوفِّي الحسن بن علي بن إبراهيم (١) أبو علي، الأهوازي، ولد سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، قرأ القرآن بالروايات الكثيرة، وصنَّف كتبًا كثيرة في القراءات، وانتهت إليه الرئاسة بالشام في القراءة، وسمع الحديث الكثير، قدم دمشق سنة أربع وتسعين فأقام بها، حتى توفي في ذي الحجَّة، وكانت له جنازة عظيمة. وقال ابن عساكر: صنَّف كتابًا سمَّاه "البيان في شرح عقود أهل الإيمان" أودعه أحاديث منكرة، منها: أنَّ الله تعالى لمَّا أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل فأجراها حتى عرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق وما أشبه. هذا من الأحاديث المنكرة، وهذا حديث موضوعٌ، ركيكُ الألفاظ، تنفِرُ منه الطِّباع، وما قصد واضعُه إلا شَينَ الشريعة. قال ابن عساكر: كان أبو علي من السالمية: وهم قوم يتمسَّكون بالظواهر، ويقولون: هي أسلم. وكان يُزيِّف مذهب الأشعري ويُضعِّفه، ومن أجله صنف ابنُ عساكر كتابه المسمى بـ "تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري" (٢). الحسين بن جعفر بن محمد (٣) أبو عبد الله، السَّلَماسيُّ، كان مشهورًا بأفعال البر والصدقات، ينفق ماله على الفقراء والصالحين وأرباب البيوت، وما كانت النفقة على أبي الحسن بن القزويني الزاهد تُعلَمُ من أين هي حتى توفي السَّلَماسي، فوجدوا في رُزمانجه في كل شهو عشرة دنانير نفقة أبي الحسن بن القزويني، وكان له بساتينُ، فجاء قومٌ فضمنوا منه بستانًا بخمس مئة دينار، فسكت، ودخل قوم آخرون. فأضعفوا الضمان، فقال: خاطري قد سكن للأول، فلا أُغيِّر نيتي. ودخل السلطانُ بغداد، فاستقرض من التجار، وأخذ من

стр. 8880

السَّلماسي عشرة آلاف دينار، واشترى السَّلماسي زيتًا بعشرة آلاف دينار، فباعه بعشرين ألف دينار، فلمَّا بعث إليه السلطان بمال القرض ردَّه وقال: قولوا للسلطان: أنت في حِلٍّ منها. فقال السلطان: وما سبب هذا؟ ومن ذا الذي يهون عليه مثلُ هذا؟ فسألوه، فقال: إنني رجل يأكل من مالي قومٌ لو علموا أنني أخذت من مال السلطان لامتنعوا من أكل مالي، وقد أخلَفَها اللهُ من ثمن الزيت. وكانت وفاته في جمادى الأولى، وكان ثقة أمينًا ورعًا. [وفيها تُوفِّي طرفة بن أحمد (١) ابن محمد بن طرفة، أبو صالح، الماسح، قال الحافظ ابن عساكر: كان من أهل قرية حرستا من أعمال غوطة دمشق، سمع عبد الوهَّاب الكلابي وغيره، وروى عنه نجاء بن أحمد العطار وغيره، وكان ثقةً صدوقًا]. [وفيها تُوفِّي] عبد الله بن محمد (٢) ابن عبد الرحمن، [أبو عبد الله، الأصبهاني، [ويُعرف بابن اللبَّان]، سمع الحديث الكثير، ودرس فقه الشافعي [على أبي حامد الإِسفراييني، وولي قضاء إيْذَج]، وكان زاهدًا، ورعًا، صائمًا، قائمًا، يصلي بالناس التراويح في رمضان بمسجده بدرب الآجر [في نهر طابق]، ثم يقوم إلى الفجر، ولا يضع جنبه إلى الأرض في رمضان ليلًا ولا نهارًا، وتُوفِّي في جمادى الآخرة [سمع بأصبهان أبا بكر بن المقرئ، وببغداد المخلِّص، وبمكة أبا الحسن بن فراس، وغيرهم]، وكان ثقةً.

стр. 8881

السنة السابعة والأربعون وأربع مئة فيها عظُمت نوبة البساسيري، ما زال به القائم حتى أحضره الديوان واستحلفه على الطاعة وإخلاص النية، ثم إن الأتراك شغَبوا بسببه، وقالوا: إنه كان يأكل أرزاقنا ولا يوصلها إلينا، وحضروا في الديوان، وضجُّوا منه، ثم استأذنوا الوزير في نهب داره ودور أصحابه، فأطلق لهم ذلك، وقال: هذا قد بان فسادُه. وكاتب صاحبَ مصر، وخلع ما في عنقه من طاعة الخليفة، وأطلق لسانه فيه بالقبيح، وروجع الخليفةُ فيه، فقال: ليس إلا هلاكُه بعد أن سعى في هلاك الدولة، وكاتب أعداءها، فقصد الأتراكُ دارَه بالجانب الغربي بقرب الحريم الطاهري في درب صالح، فنهبوها وأحرقوها وأهدموا أبنيتَها، وقدم السلطان طُغْرُلْبَك ﵀ بغداد فهرب البساسيري إلى الرَّحبة، ولحق به خلقٌ كثير من الأتراك البغداديين، وكاتب صاحب مصر يذكر كونَه في طاعته، وأنَّه على عزم إقامة الدعوة له ببغداد، فأمدَّه بالأموال والرجال، وولاه الرحبة والرقة. قال المصنف ﵀: وحدثني بعض أشياخنا أن أصحاب الخليفة لمَّا نهبوا دار البساسيري وهدموها وأحرقوها وكان بواسط، فخرج أهلُه منها ومعهنَّ زوجته كاشفات الوجوه، ناشرات الشعور، يُنادين بالويل والثبور، وأخذوا كاتبَه ابنَ عبيد النصراني فألقوه في مطمورة، وسُبيتْ نساؤه، فلمَّا بلغه ذلك قال: [من الطويل] هُمُ هدَّموا داري وجرُّوا حليلتي … إلى سجنهِمْ والمسلمونَ شهودُ وهُمْ مَنعوها أنْ تلوثَ خمارَها … فللهِ درُّ الدَّهرِ كيفَ يعودُ فكان كما قال، وسار على الفرات، فنهب الأنبار وهِيت، وصار إلى الرَّحبة، وبعث إلى صاحب مصر يطلب منه شفاعةً إلى القائم، فكتب: نَشْفَع فيه، فكتب القائم على رأس الكتاب بخطِّه: من أنتم؟ من أنتم؟ خبِّرونا من أنتم؟ فحنق صاحبُ مصر، وقوَّى البساسيري بالمال والرجال، حتى أخرج القائم من بغداد، وجرى ما جرى، وكل ذلك مضاف إلى سوء تدبير رئيس الرؤساء.

стр. 8882

ذكر دخول طُغرُلْبَك بغداد: لمَّا قرُبَ من بغداد انزعج الناس وخافوا، فكتب إلى القائم يقول: إنما قصدُ العبد الخدمةُ الشريفة؛ ليتبرَّك بها، ويسير إلى الحجِّ وعمارة الطريق، ثم يتوجَّه إلى قتال أهل الشام ومصر. فطابت قلوبُ الناس، ولمَّا وصل النَّهروان خرج إليه وزير القائم أبو القاسم وأرباب الدولة لتلقِّيه، ولم يتخلَّف إلا القائم، فلقيه حاجب السلطان ومعه شهري (١)، وقال: هذا الفرس من مراكب السلطان الخاصة، وقد رسم أن تَرْكبَه. فنزل عن بغلته وركبه، واستقبله عميد الملك أبو نصر الكُنْدُري وزير السلطان ورام أن يترجَّل، فمنعه أبو القاسم، وتعانقا على ظهور دوابهما، ووصل إلى السلطان فأكرمه، وسلَّم عليه عن القائم، فأومأ إلى تقبيل الأرض، وقال: ما وردتُ إلا امتثالًا للمراسيم العالية، ومتميزًا عن ملوك خراسان بالقرب من السُّدَّة الشريفة، ومنتقمًا من أعدائها، فقال له الوزير: إن الله تعالى قد أعطاك الدنيا بأسرها فاشترِ نفسَك ببعضها ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ﴾ الآية [القصص: ٧٧] وسأله في الملك الرَّحيم أن يُجريه مجرى أولاده ولا يُغيِّر عليه شيئًا، فإنَّ لأسلافه حقوقًا قديمة، فأعطاه يدَه على أن لا يؤذيه، وكان دخولُه إلى بغداد في رمضان، وخطب له وبعده للملك الرحيم، ثم قطعت خطبة ابن بُوَيه سلخ رمضان، وحُمِلَ إلى قلعة فاعتُقل فيها اعتقالًا جميلًا، فطُغْرُلْبَك ﵀ أولُ من ملَكَ العراق من السلجوقية، والملكُ الرَّحيمُ آخرُ مَنْ مَلَكها من بني بُوَيه، وانتهت دولة الدَّيلم، فكانت أيامهم مئةً وتسعًا وعشرين سنة، وعددُ ملوكِهم أربعةَ عشر ملِكًا، فأوَّلهم الثلاثة الأخوة الذين استولَوا على فارس وما والاها، وهم: عمادُ الدولة أبو الحسن علي بن بُوَيه، وكان أكبرَهم، ولم يدخل بغداد، والمستكفي لقَّبه وبعث إليه بالخِلَع. وركنُ الدولة أبو علي الحسن، وكان له أربعة أولاد: عَضُد الدولة، ومؤيَّد الدولة، وفخر الدولة، وأبو العباس، وتوفِّي ركن الدولة سنة ست وستين وثلاث مئة، فكانت إمارتُه أربعًا وأربعين سنة وشهورًا. ومُعِزُّ الدولة أحمد بن بُوَيه، وهو أول من دخل بغداد من ملوكهم سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، وتوفِّي سنة ست وخمسين وثلاث مئة، وقام

стр. 8883

بعده ولدَه عزُّ الدولة بختيار، ثم ملك عَضُد الدولة سنة ست وستين، ومات سنة اثنتين وسبعين وثلاث مئة، فكانت إمارتُه على بغداد خمسَ سنين وشهورًا، ثم وَليَ ابنُه صمصام الدولة، اعتقله أخوه شرف الدولة وسَمَلَه، وقتله أبو نصر بن بختيار سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، وملَكَ شرفُ الدولة بن عَضُد الدولة بغداد سنة سبع وتسعين، فأقام سنتين وثمانية أشهر، ثم مات سنة تسع وسبعين، ومؤيَّد الدولة أخو عَضُد الدولة لم يدخل بغداد، ومات بجُرجان بعد عَضُد الدولة بسنة، فكانت إمارتُه أربعَ سنين، ووَلِيَ أخوه فخر الدولة فأقام واليًا ثلاث عشرة سنة، ولم يدخل بغداد، ومات سنة سبع وثمانين، ولمَّا مات شرفُ الدولة ببغداد سنة تسع وسبعين عهد إلى ولده أبي نصر بهاء الدولة فأقام حاكمًا على بغداد أربعًا وعشرين سنة، وتوفِّي سنة ثلاث وأربع مئة، وولِيَ ابنُه سلطان الدولة فيها واستناب جلال الدولة سنة خمس وثلاثين وأربع مئة، وكان لجلال الدولة الملك العزيز، ثم وَلِيَ أبو كاليجار المَرْزُبان بن سلطان الدولة، ومات سنة أربعين وأربع مئة، وقام بعده ولده الملك الرَّحيم، وبه زال ملكُهم، وفي ثاني شوال نزل السلطان دار المملكة، وتفرَّق أصحابُه في دور الأتراك والناس، واستدعاه القائم، فقبَّل الأرضَ بين يديه، ونصب له كرسيًّا، فلم يقعد عليه، فأقسم عليه، فجلس وخلع عليه الخِلَع السلطانية المعهودة وزاده، وخطب له على المنابر، ولقَّبه ركن الدولة شاهنشاه، وقُرِئ عهدُه بين يدي الخليفة، ثم عاد إلى دار المملكة وجلس للتهنئة، ثم نظر في إقطاع الخليفة فاستقلَّه، فزاده في كل سنة خمسين ألف دينار وخمس مئة كُرٍّ غَلَّةً، وزاد الوزير خمسة آلاف دينار وخمسين كُرًّا، وزاد الحُجَّاب والخدم وغيرهم، وقال: واللهِ لولا أنَّ هذه البلاد تحتاج إلى العساكر وكثرة الأعداء لمَّا تعرَّضْتُ لملك العراق، وكان كتب بعضُ شعراء العراق إلى طُغْرُلْبَك ﵀ إلى خراسان: [من الخفيف] العراقَ العراقَ يا طُغْرُلْبَكي … سِرْ إليها ولو تلكَّمت فَكِّي قد سَئِمنا ملكَ الدَّيالمِ فينا … فعسى بملك الممالكِ تُرْكي فقوي عزمُه على ذلك، فصعد العراق، وقبض على أبي الحسن بن سعيد بن نصر النصراني -كاتب البساسيري- وأموالِه وأسبابِه، وحُمِلَ إلى دار الخليفة، وكان في عسكره ثمانية أفْيِلة، وعسكرُه ستين ألفًا.

стр. 8884

وفي عاشر ذي القعدة قُلِّد الخليفةُ محمد بن علي الدامغاني قضاءَ القضاة، وخَلَع عليه السلطان أيضًا. وفيها استولى أبو كامل علي بن محمد الصُّلَيحي (١) على اليمن، وانتمى إلى صاحب مصر وخطب له، وأزال خطبة القائم في بلاد اليمن. وفيها تُوفي الحسين بن علي (٢) ابن جعفر بن عَلَّكان بن محمَّد بن دُلَف، أبو عبد الله، العجلي، القاضي، ويُعرف بابن ماكولا، من أهل جُرْباذقان، ولد سنة ثمان وستين وثلاث مئة، وولي قضاء البصرة، ثم استدعاه القادر سنة عشرين وأربع مئة فولَّاه القضاء على بغداد، وولي القائمُ فأقرَّه إلى حين وفاته، وكان شافعيًّا، مَهيبًا، نَزِهًا، عفيفًا، لم يُرَ قاضٍ أعفَّ ولا أنزهَ منه ولا أشرفَ نفسًا. قال ابن عبيد المالكي وكيل القائم: أمرني الخليفة أن أحمل نَبْقًا عيَّن عليه في مراكن إلى النقيبين وقاضي القضاة ابن ماكولا، وإلى جماعة، ففعلتُ، فكلُّهم قبِل غير ابن ماكولا واجتهدت به فلم يفعَلْ، فعُدْتُ بالنَّبْق وكتبتُ إلى الخليفة بشرح الحال، فلمَّا قرأ الورقة جعل يقول: ما أغثَّه! أتُرى تقع لي إليه حكومة فيحابيني فيها؟!. ومن شعر ابن ماكولا يقول: [من الوافر] تصابى بُرهةً من بعدِ شيب … فما أغنى المشيبُ عن التَّصابي وسوَّدَ عارضيه بلونِ خَضْبٍ (٣) … فلم ينفَعْهُ تسويدُ الخِضابِ وأبدى للأحبَّةِ كلَّ لُطفٍ … فما ازدادوا سوى فرطِ اجتنابِ سلامُ الله عودًا بعد بدءٍ … على أيامِ رَيعانِ الشَّبابِ

стр. 8885

تولَّى غيرَ مذمومٍ وأبقى … بقلبيَ حسرةً تحت الحجابِ وتوفِّي في شوال ودُفن في داره بحريم الخلافة قريبًا من باب العامة، وولي القضاء سبعًا وعشرين سنة. [وفيها تُوفِّيت سُتيتة بن القاضي أبي القاسم (١) عبد الواحد بن محمد بن عثمان، المعروف بابن أبي عمرو. قال الخطيب: كانت فاضلةً زاهدةً عابدةً صالحة، توفِّيت في رجب، وسمعت أبا القاسم عمر بن محمد بن سنبك وغيره، وكتبتُ عنها]. [وفيها تُوفي] علي بن المُحسِّن (٢) ابن علي بن محمد بن أبي الفهم، أبو القاسم، التنوخي، ولد بالبصرة في شعبان سنة خمس وسبعين وثلاث مئة، وأول سماعه سنة سبعين، وقُبِلتْ شهادتُه عند الحكَّام في حداثته، وتقلَّد القضاء في عدة نواحي منها المدائن ودَرْزيجان (٣) وقِرْمِيسين وغيرها، وسمع الحديث الكثير، وصنَّف الكتب، وتوفِّي ببغداد في المُحرَّم، ودُفِنَ بداره في درب التل، وكان صدوقًا، محتاطًا في الحديث. وقيل: كان معتزليًّا يميل إلى الرفض. [وفيها تُوفِّي] محمد بن القائم بالله (٤) ذخيرة الدين، أبو العباس، كان قد نشأ نشوءًا حسنًا، ورشَّحه القائم للخلافة، فتوفِّي في ذي القَعدة، وحزن عليه أبوه حزنًا شديدًا، وخرج بنفسه فصلَّى عليه وبينه

стр. 8886

وبين النَّاس سرادق وهم يصلون خلفه بصلاته، وجلس رئيس الرؤساء للعزاء ثلاثة أيام، وحضر أرباب الدولة، ومنع القائم من ضرب الطبول ثلاثة أيام، وكذا السلطان، فلمَّا كان اليوم الرابع حضر عميد الملك وزير السلطان بين يدي القائم، وأدَّى عن السلطان رسالةً تتضمَّن التعزيةَ والسؤال بقيام الوزير والجماعة من مجلس التعزية، فقاموا، ثم حُمِلَ تابوتُه بعد ذلك إلى الرُّصافة. السنة الثامنة والأربعون وأربع مئة فيها من أول هذه السنة ابتدأ أبو الحسن محمَّد بن هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابئ الكاتب -ويُسمَّى غرس النعمة- تاريخَه وذيلَه على تاريخ أَبيه هلال، وزعم أن تاريخ أَبيه انتهى إلى هذه السنة، فقال: وفي أول سنة ثمان وأربعين وأربع مئة يوم الخميس عقد عميد الملك أبو نصر منصور بن محمَّد الكُنْدُري وزيرُ السلطان رُكنِ الدين طُغْرُلْبَك أبي طالب محمَّد بن ميكائيل بن سلجوق لتاج الملوك أبي كاليجار هزارسب بن بَنكير بن عياض الكردي على ضمان البصرة والأهواز وأعمالها لهذه السنة، بثلاث مئة أَلْف دينار وستين ألفًا، وأُطلِقَتْ يدُه في جميع الإقطاعات والمعاملات بالبصرة وخوزستان، وأُقطِعَ أَرَّجان، وأُذِن له في ذكر اسمه في الخطبة بهذه الأعمال دون غيرها، وعرَفَ الدَّيلم البصرية والخوزستانية الواردون إلى باب طُغْرُلْبَك، فقلقوا، فقال السلطان: يفعل تاج الملوك فيها ما يراه. فانصرفوا وقد يئسوا، وثقُلَ ذلك على الأمير أبي علي بن أبي كاليجار بن بُوَيه؛ لأنه كان ورد باب السلطان مؤمِّلًا لذلك، وراسل السلطان بزوجته وولده بحكم قرابتهما منه، وكان السلطان قد زوَّج أخاه فلم يُجِبْه، وعوَّضه قُوماسين إقطاعًا عوضًا مما أخذ منه، وخرج جماعة من الغلمان البغدادية إلى البساسيري، فغمز عليهم، فكمن لهم خُمارتِكين الطُغْرُلْبي خادمُ السلطان ومعه جماعة بأمر رئيس الرؤساء، فقتلوهم وكانوا أكثر من عشرين من الأعيان والمُقدَّمين، فلم يُفْلِتْ منهم إلَّا قليل، ولم يتجاسر أحدٌ من أهل المُقتَّلين بقربهم من رئيس الرؤساء، فغُسِّلوا في سقاية بباب الأزج ودُفنوا.

стр. 8887

وفي المُحرَّم كتب السلطان كتابًا إلى خراسان يخبرهم بدخوله بغداد وما جرى له، وولى الكُنْدُريُّ أَبا الغنائم بن فَسانْجِس واسطًا وأعمالها، فسار إليها. وفي ليلة الخميس لثمانٍ بَقِينَ من المُحرَّم عقد الخليفة على خديجة المدعوَّة أرسلان خاتون بنت الأمير جُغْري بك أبي سليمان داود أخي طُغْرُلْبَك، وحضر في التاريخ الخليفة وعميد الملك وأبو علي بن الملك أبي كاليجار وأعيان الدَّيلم والدولة والقضاة والعدول، واجتمعوا في بيت النوبة ما عدا الخليفة، وكتب الوزير إلى الخليفة يُعَرِّفه حضورهم، فأمر بوصول مَنْ أراد منهم، وقام الوزير رئيس الرؤساء فقال: أطال اللهُ بقاءَ سيدنا ومولانا الإِمام أمير المُؤْمنين، هؤلاء أكابر المشرق قد حضروا داعين شاكرين. فقال عميد الملك: نحن عبيدُ مولانا وخدمُه وغرسُه وصنائعُه. فقال الخليفة: بارك الله لنا فيكم. وقرأ رئيس الرؤساء خطبة النكاح، ثم قال: إن رأى سيدنا ومولانا أن يُنعِمَ بالقبول فعلتُ. فقال: قد قبِلْنا هذا النكاح بهذا الصَّداق، جعل الله لنا ولكم ما فيه الخير (١) والنجاح. وكان الصَّداقُ مئة أَلْف دينار، وخرج القوم. وفي صفر أخرج السلطان المبارك الخادم إلى هَمَذان ليُحضِرَ بنتَ أخيه زوجةَ الخليفة إلى بغداد، وزُفَّت إلى الخليفة في شعبان، وسبب هذه الوصلة لمَّا ورد السلطان بغداد أراد الاتصال بالخليفة بمصاهرة يتجمَّل بها على الملوك، فسمَّى خاتون على الذخيرة بن القائم، فتوفي، فعدل إلى القائم وتكررت رسائل الخليفة بطلبها، فجمع السلطانُ الأمراءَ والقضاةَ والشهودَ والعلماءَ والتجارَ إلى داره، وأُدخلوا إلى بيوت مزينة قد عبئ فيها الجهاز حتى شاهدوه. وفي يوم الأحد سادس شعبان نُقِلَ إلى دار الخليفة -وكان شيئًا لم يُرَ مثلُه- من الجنائب والبغال والعَماريات والمال والجواهر واليواقيت وأواني الذهب والفضة، وثمانون جارية من الأبكار، عليهنَّ أقبية الديباج والمناطق المجوهرة، وتحتهنَّ الخيل المسوَّمة والبغلات الرومية، وستُّ عَماريات على البغال، على قَبائها الجواهر وغيرُ ذلك، ودخل رئيس الرؤساء على السلطان، وقال: أمير المُؤْمنين يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وقد أذِنَ في نقل الوديعة إلى الدار المعمورة،

стр. 8888

فقال: سمعًا وطاعةً للأوامر الشريفة. ومضت السيدةُ والدةُ الخليفة في الزبازب إلى دار المملكة، وراسلت (١) زوجةَ السلطان في تسليم خاتون، فأرسلت (٢) بها إليها من غير أن تخرج إلى أم الخليفة، فانحدرت بها، ودخلت من باب الغربة، وقد ضربَتْ سُرادقاتٍ على دِجْلة، ودخلت خاتونُ على الخليفة، وقبَّلتِ الأرضَ مرارًا، فأدناها إليه، وأجلسها إلى جنبه، وطرح عليها فَرَجِيّةً مطمومةً بالذَّهب كانت عليه، وتاجًا مُرصَّعًا بالجواهر، وأعطاها من الغد مئةَ ثوب من الديباج وقصب الذهب، وطاسةَ ذهب مُثبتًا فيها الياقوت والفيروزج، وعِقْدَ حَبٍّ له قيمة، وبعث السلطان لزوجته بنت أبي كاليجار بن بُوَيه هديةً عشرةَ أحمال ثيابًا وآلاتٍ وصناعاتٍ وغيرَها، وأمر بحملها إلى الري، وأمر السلطانُ الأتراكَ الذين ببغداد بالمسير إلى خراسان، فشقَّ عليهم، وتضرَّعوا فلم يُغْنِ شيئًا، ووقفوا للسلطان، فخاطبهم بالجميل ثم سكت عنهم، وهؤلاء هم الذين أخذوا بغداد، وابتدأ طُغْرُلْبَك بعمارة سور عريض على داره، دخل فيه قطعة كبيرة من الحرم ودار الفيل، وجمع الصنَّاع لتجديد دار المملكة العَضُدية، وبنى عليها الأبراج، وخَرِبت الدور والمحالُّ والأسواق المجاورة لها بالجانب الشرقي، وقُلِعت أخشاب دور الأتراك من الجانب الغربي وحُمِلت إليها. وفيها عمَّ الوباء والقحط ببغداد والشَّام ومصر والدنيا، وكان النَّاس يأكلون الميتة، وبلغت الرمانةُ والسفَرْجَلَةُ دينارًا، وكذا الخيارة واللينوفرة، وانقطع ماء النيل بمصر، فكان يموت كلَّ يوم عشرةُ آلاف، وباع عطارٌ بمصر في يوم ألفَ قارورة شراب، وعمَّ القحط في الدنيا كلها. [وقال محمَّد بن هلال بن الصابئ: وقفت على كتاب ورد من مصر] (٣) أن ثلاثة من اللصوص نقبوا نقبًا، فوُجِدوا عند الصباح موتى [كلُّهم] أحدهم على باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثِّيابِ المكوَّرة (٤).

стр. 8889

وفي غُرَّة صفر كان بين مَنيع بن شبيب بن وثَّاب النُّميري صاحب حَرَّان وبين مُعِزِّ الدولة أبي علوان ثِمال بن صالح بن الزَّوقلية صاحب حلب حربٌ على الرقة، وكانت لشبيب والد منيع، واتَّفق أنَّه مات وخلف منيعًا صغيرًا، وتزوجت أمُّه بثِمال، وسلَّمتِ الرقة إليهِ، فلمَّا كبر ولدُها وانضافت إليه القبائل واسترجع حَرَّان، وكتب [له] (١) طُغْرُلْبَك المنشور وبعث إليه الخِلَع أرسل إلى ثِمال يطلب الرقة، فمنعه، فقامت الحربُ بينهما. وفي يوم الأربعاء ثاني عشر صفر تقدَّم رئيس الرؤساء بنصب أعلام سود في الكَرْخ، فخاف أهلُه، وكان مجتهدًا في هلاكهم وعميد الملك يمنعه. وفي صفر ورد الخبرُ بأنَّ البساسيري على عزم المسير إلى بغداد، فعزم السلطان بنفسه على المسير إلى الرحبة، فمنعه رئيس الرؤساء، وقال: بعض الإسْفَهسلارية يفعل هذا. وفيها سار مقبل [بن بدران] (٢) أخي قُرَيش (٣) من بغداد إلى الجزيرة والخابور والرحبة ومعه ابن وَرَّام وجماعة العرب والأكراد إلى البساسيري، داخلين في طاعته، ومفارقين قريشًا، نافرين عنه، وسببه أنَّ البساسيري كان اصطنع مقبلًا، وأخذ له خِلْعةً من الملك الرَّحيم لمَّا كان بواسط، وسلَّم إليه البلاد العليا التي كان البساسيري انتزعها من قريش، وحصلت بينه وبين أخيه وحشة، فلمَّا قرب طُغْرُلْبَك من بغداد ومضى البساسيري إلى الرحبة خاف مقبلٌ من أخيه، فصالحه ونزل عليه، وفي نفس كلِّ واحد منهما على صاحبه، فلمَّا سار البساسيري إلى الرحبة صار قريش ونور الدولة بن مَزْيَد في طاعة طُغْرُلْبَك طمعًا في حراسة بلادهما من النهب، فوضع مقبل العرب على أن قالوا لقريش: أليس هؤلاء الغُزَّ الذين قتلنا في سنة خمس وثلاثين أولادَهم وأصحابَهم وسبيناهم، ولهم في رقابنا دماءٌ يطلبونها؟ فإن دخلنا في زمرتهم سلَّمنا إليهم أرواحَنا وأهلَنا وأموالنا وبلادَنا. فقال لهم قريش: أنتم مُحِقُّون في قولكم، غير أنَّ هذا سلطانٌ

стр. 8890

عظيم، ومعه عسكر كبير، ومتى لم ندخل معهم أخربوا بلادنا، ونهبوا أموالنا، ولم يكن لنا قدرة على دفعهم، والرأيُ ملاطفتُه وخدمتُه، فإننا نتعجَّل السلامة، وندفع الأذى. فلم يقبَلْ أكثرُهم، وشاع ورودُ مال من مصر إلى البساسيري، وأنه على تفريقه في العرب، وانحدر إلى بغداد، فمالوا إلى البساسيري، وعدلوا عن قريش، وكان صاحب مصر مائلًا إلى قريش وهو له كاره، وكان الوزير اليازوري يكاتبه ويستعطفه، وكان عنوان كتابه إليه: من الناصرِ للدين، غياثِ المسلمين، الأجلّ، الأوحدِ، المكينِ، سيدِ الوزراء، وتاجِ الأصفياء، وقاضي القُضاة، وداعي الدُّعاة، علمِ المجد، خليلِ أمير المُؤْمنين وخالصِه، أبي محمَّد الحسين بن عليّ بن عبد الرَّحيم، إلى الأمير مصطفى الدولة وخِصِّيصِها أبي المعالي قريش بن بدرانَ -أدام الله سلامته وسعادته ونعمته- أما بعد، فإنك بِبَيتٍ أَهلُهُ على الولاء لأهل البيت ﵈ نَبَتتْ لُحومُهُم، وإلى محبتهم انتمت أرواحُهم وجسومُهم، وإن الدولة النبوية -أدامها الله- على غاية من حُسن الرأي فيك، وقد تعجب (١) لمفارقتك صاحب الجيش -يعني البساسيري- ومصيرك إلى محلٍّ لو كان آمنًا الأمنين وملجأ الأبدين لكان الواجبُ يكون بينه وبينك بُعدُ المشرِقَين والمغرِبَين، وذكر كلامًا طويلًا. وفي ربيع الأول وردت هدية أبي نصر بن مروان إلى السلطان، وكانت ثيابًا ألوانًا، وخيلًا، وثلاث زواريق طعم، وشيئًا كثيرًا. وفي سلخ ربيع الأول تقدم الخليفة إلى السلطان بالمسير إلى الشَّام، ويبدأ بالرحبة، ويأخذ البساسيري ويعبر الفرات، ويقيم الدعوة على منابر الإِسلام، فأمر السلطانُ العساكرَ بأن يتجهَّزوا ويبعثوا ليحضروا خَرْكاواتهم، وأولادهم وأهلهم يكونوا بالعراق، ويتوجَّهوا معه إلى الشَّام، فقالوا: هذه بلاد خَرابٍ، وليس بها أقوات ولا عُلوفات، ولم يَبْقَ معنا نفقات، ونحن عاجزون عن المُقام على ظهور خيولنا، فكيف إذا جاء أهلونا وخيولُنا ودوابُّنا وقد طالت غيبتُنا، ولا بُد لنا من الإلمام بأهلنا، ونحن نستأذن في العَودِ إليهم، ونعود حيث يُرسَمُ لنا، فقبض السلطان على جماعة منهم، وضربهم وقيَّدهم واعتقلهم أيامًا، ثم شفع فيهم فأُطلقوا، وضمن عليهم أنَّهم بعد

стр. 8891

المهرجان يسيرون إلى الشَّام، وأمرهم أن يستصحبوا الملك الرَّحيم من قلعة السيروان إلى قلعة الري فيعتقلونه بقلعة طَبْرك، ففعلوا. وفي يوم السبت ثاني عشر ربيع الآخر ورد ديلمٌ من دار السلطان إلى زوجة البساسيري المعتقلة بباب المراتب، وقد أُحيلوا بأرزاقهم عليها فعاقبوها، فضمنها حاجب باب المراتب على ألفي دينار، وأخذها منهم إلى داره، فلم يقدِرْ على إبقائها، فأعادها إلى اعتقالها، فاتصلت العقوبةُ والمطالبةُ لها. وفي هذا الوقت قَلَّ العسكرُ ببغداد، ومضى أكثرهم إلى خراسان، وشنَّتْ بنو شيبان الغارات، وطلبوا الخفارات، وكثرت الأراجيف بانضمام جماعة من العرب إلى البساسيري ووصول أبي نصر بن أبي عمران الداعية رسولًا من مصر إليه بمالٍ كثيرِ وخِلَعٍ وألقاب، وأنه أخذ البيعة عليه وعلى من معه من الأتراك والأكراد والعرب، وأنهم على عزم قصد بغداد، وبعث السلطانُ عميدُ الملك إلى الخليفة يقول: إن العساكر قد تفرَّقت، وبقي منهم نفرٌ يسير، ولا بُدَّ لهم مما يقوم بهم، وإلا لحقوا بالباقين وخلا البلد، وكان رئيس الرؤساء قد ضمن لي ثلاثَ مئة أَلْف دينار إذا قدمتُ العراق، فأوصل إليَّ مئة وثمانين ألفًا، وارتدَّ الباقي، وتردَّد الكلامُ، فقال رئيس الرؤساء: إنما كنتُ أُحصِّلُها من أموال البساسيري وأصحابه، وقد ذهبت، ولكن أنا أقوم في هذا الوقت بعشرين أَلْف دينار. ثم صادر النَّاس حتَّى حصلَها، واعتقل زهرة جارية البساسيري وأولادها منه، وطُولِبَتْ بمال، فلم يكن لها شيء. وفي سابع جمادى الأولى ولدت جاريةٌ كانت للذخيرة بن القائم ولدًا ذكرًا، وكان قد تُوفِّي عنها وهي حامل، يُكنى أَبا القاسم، وسُمِّي عبدَ الله، ولُقِّب عدة الدين عماد الإِسلام والمسلمين، وفرح الخليفة، وجلس وزيره للتهنئة، ولم يكن للقائم ولدٌ، ووَليَ هذا المولود الخلافةَ، وحمل السلطان وخاتون والوزير للخليفة أموالًا وثيابًا. وفي هذا الوقت تجدَّدت العقوبة على زوجة البساسيري. وفي هذا الشهر وردت طائفة من عسكر السلطان فأُنزلوا في دور النَّاس، وفرض عليهم لهم خمس مئة دينار، فاجتمعوا إلى عميد العراق، فقال: هذه عادتنا في بلادنا، وأنتم تُرجفون على الدولة وبُعدِ العساكر، وقد أعاد السلطانُ العساكرَ إليكم، فإقامتُها

стр. 8892

عليكم، فبادروا إلى جمعِه وحملِه، فجمعوا خمس مئة، وقسطوها على الكَرْخ وما حوله، فاجتمعوا إلى دار الخليفة وقالوا: هذا شيء ما ألِفْناه، وقد أفنى الحريقُ والنَّهبُ أموالنا. فبعث الخليفة إلى الكُنْدُري يقول: قد قَبُحَتِ السيرةُ، وساءتِ السُّمعةُ، وكثُرتِ الشَّناعة. فيُقال: إنه أسقطها عنهم. وفي هذا الوقت مضى قوم من الخراسانية إلى محلَّة الحربية فطالبوهم بمال، فقالوا: نحن قوم مستورون، وبمساجدنا مشتغلون، ولما تقصَّدَنا [الناسُ] (١) به من زكواتهم وصدقاتهم محتاجون، فلم يلتفتوا إليهم وضربوهم، وأخذوا ما وجدوا لهم، وباع أهل الحربية نفوسَهم بما جمعوه من معارفهم، ثم جاؤوا إلى قصر عيسى فأخرجوا أهلَ الدور ورمَوْهم على الشوارع، فبَنَوا أكواخًا من قصب تحت دار الخليفة، وأقاموا بها، وفرشوا البواريَ على باب الغربة والمسوحَ وضجُّوا، وكان فيهم جماعةٌ من أهل البيوتات لهم حالٌ، فقُبِضَ عليهم من باب الدار، وصُودروا على قدر أحوالهم من الألف دينار إلى عشرة دنانير، واشتدَّ النبلاء على أهل بغداد وشحذوا، ومات أكثرهم تحت الضرب وفي الحبوس. وفي هذا الوقت ورد الخبرُ من واسط بأنَّ أَبا الغنائم بن فَسانْجِس والتُّرك عصَوا على السلطان، وكان عميد الملك قد ولَّاه، فبلغه أنَّهم على عزم عزله ومصادرته، فاستمال الأتراكَ، وورد عليه طائفةٌ من الديلم والأكراد والرجَّالة فقدَّموه عليهم، فأنفق فيهم الأموال، وزوَّر كتبًا عن البساسيري يَعِدهم الإحسان والإقطاعات، ويَعِد أهلَ البلد العدل، وكان الترك قد نفروا من السلطان؛ لأنه قتل منهم جماعةً، وكاتبَ أهلَ البَطيحة فوافقوه، وحفر الخنادق حول واسط، وبنى أسوارًا عاليةً، وركَّب عليها أبوابَ الحديد، وبعث الكُنْدُريُّ رسولًا يصلح الحال، فاجتمع ابن فَسانْجِس والأتراك، فقالوا: نحن الخدم الطائعون، إلَّا أنَّ السلطان غيرُ محتاجٍ إلينا، ولا مهتمٍّ بنا، ومعه من العساكرِ الجمَّةِ المختلفة ما نصغُر نحن فيهم، وقد رأينا ما جرى على إخواننا البغدادية -وهم أعزُّ جانبًا منا- كيف أُخرجوا من ديارهم وأموالهم، وصُودرت إسْفَهْسَلاريتُهم، وقُتِلَ من قُتِلَ منهم، وبَقُوا مُطرحين على الطرق، وقد نفرت قلوبُنا من

стр. 8893

هذا، فإن قنع منا بإقامة الخطبة ونقشِ السَّكَّة، وحَمْلِ مالٍ من غير أن يُولِّي علينا خراسانيًّا، فنحن سامعون مطيعون، وإلا خلعنا الطاعة، واغتربنا إلى غير هذه الجهة، فإمَّا أن نعيش أعِزَّاء، أو نهلك عزيزين. وفي ثاني عشر جمادى الآخرة استدعى الخليفةُ رئيسَ الرؤساء، وأظهر التذمُّرَ والامتعاض مما الرعية عليه، وقال: قد أُنهي إليَّ ما سمِعَتْه أُذني وشاهدَتْه عيني، ومن ارتفاع الدعاء ما أنا به مُطالب، هذا إلى ما أخافه من سريع المكافأة، وأنا مع ركن الدين بين قسمين؛ إمَّا اعتمادُ الحقِّ، واستعمالُ العدل، وإنصافُ الرعية وإعفاؤهم من كل أذيَّة، وإعادتُهم إلى مساكنهم، وصيانتُهم في معيشتهم، وأمانُهم على نفوسهم، وحراسةُ أموالهم، أو المساعدةُ على مفارقتي لهذا البلد، وبُعدي عن هذه البدع، ولا أقلَّ من اعتزالٍ عنها، والتبرِّي عند الله منها. فيستدعي منصور بن محمَّد الكُنْدُري، ويعرفه ذلك من غير مراقبةٍ في إيرادِهِ يستعملها، ولا مجافاةٍ في شَرحِهِ يقصدها، ويُحقِّق ما يكون من الجواب ويطالع به، فأرسل إلى الكُندُريّ فحضر، وأعاد عليه ما جرى، فمضى الكُنْدُريُّ إلى السلطان، وأعاد عليه ما قال، فردَّه بالجواب، وقال: أنا الخادم الطائع في كلِّ حال، وما علمتُ بما جرى، ولا أمرتُ به، ولا هو من عادتي، إلَّا أن هذا العسكرَ كثيرٌ لا قدرةَ لي على حفظه، وربما بدَتْ منهم أفعالٌ لا أرضاها، وسأتقدم بما يَبينُ أَثَرهُ، ويَحسُنُ موقعُه. قال الكُنْدُريُّ: ومضيتُ من عنده، فلما كان وقت السحر استدعاني وقال لي: اعلَمْ أنني نِمْتُ البارحةَ وأنا مشغولُ الفكر في الرسالة، عالمٌ بأن ما يجري من هذا العسكر في رقبتي، وأنني مسؤولٌ عنه، فرأيت في منامي كأنني بمكة إذ شاهدتُ شخصًا وقع لي أنَّه رسول الله ﷺ ، فقصدتُه لأُسَلِّمَ عليه، فلوى وجهه عني، وبَعُدَ مني، وقال: قد ملَّكَكَ اللهُ البلاد والعباد، وجعل يدَكَ عليهم عالية، وأوامركَ فيهم نافذة ماضية، فأحسِنِ السيرةَ فيهم، وأجمِلِ المعاملةَ معهم، وامنعِ الأذى عنهم، وارفَعِ الظلمَ، واستأمِنْ هذا الجيش [، ثم استيقظتُ فزعًا من هذه الرؤيا التي] (١) قد روَّعتني، فاذهب إلى الديوان، واشرَحْ ما جرى، ففعل ذلك، فخرج جواب الخليفة

стр. 8894

ببشارة السلطان بما رآه من مشاهدة النَّبِيّ ﷺ ، وهي أعظم مِنَّةً، ثم كتب توقيعًا إلى السلطان يتضمن العدل والإنصاف والوعظ، فقرأه رئيسُ الرؤساء، فبكى السلطان، وتقدم بالعدل وإخراج العساكر من دور النَّاس، وعاد إليها أربابُها، وطابَتْ قلوبُهم، وفتحوا دكاكينَهم، وعادوا إلى ما كانوا عليه. وفي يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة برز بعض العساكر السلطانية إلى الشَّمَّاسِية، وأمر أَبا الفوارس قُتُلْمِش بالتقدمة عليها. وسبب ذلك تردُّد الرسائل (١) بين السلطان وبين قريش ودُبيس تتضمَّن الشكوى من الجند، ويسألان أن ينحدرا إلى تِكريت، ويخرج إليهم عميد الملك، ويُقرِّر ما يجب تقريره في بلادهما أُسوةً بتاج الملوك، وأعفاهما من الغُزِّ، فأرسل إليهما أن عميدَ الملك خارجٌ إلى تِكريت لتعزُّز ذلك، فجمعا أصحابهما وانحدرا، فأُشيع بأنَّ انحدارهما على نية فاسدة، وقاعدةٍ بينهما وبين البساسيري مستقرة، فتقدم عميد الملك إلى العسكر بالخروج إلى عُكْبَرا، ونهب الأعمال العليا والبلاد المريدية، فنُهِبَتْ سُوراء (٢) ومطارياد (٣) وغيرُهما، وحُمِلت المواشي إلى بغداد فبِيعت، وخربت البلاد، واندرست آثار القرى، وهَجَّ من كان بقي فيها، وجاء كتاب قريش يقول: بلغنا أنَّه أُرجِفَ علينا أنَّنا سِرْنا على نيةٍ فاسدةٍ وطويَّةٍ مخالفة، ومَعاذَ الله أن نشُقَّ عصا، أو نعِدَ وعدًا وما نفي به، وما نحن إلَّا الخدم الطائعون. فبعث عميدُ الملك إلى قُتُلْمِش أن يتوقف بعُكْبَرا حتَّى تتضح الحال. وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السَّحر في مطالع برج الأسد الجنوبية ذؤابةٌ بيضاءُ طولها في رأي العين نحوُ عشرة أذرع في عرض الذراع، ولبثت على هذه الحالة إلى نصف رجب، ثم اضمحلَّت وقيل: لرئيس الرؤساء [أبي القاسم]

стр. 8895

أنَّه كان بمصر ويسمع مستفاضًا بين أهلها أنَّه لمَّا طلعت هذه الذؤابة ملك الغُزُّ مصر. قال: وأظنُّ أن القوم يملكون بغداد، فكان كما قال. قلت: وقد ظهر مثلُ هذه الذؤابة من ناحية الشرق، إلَّا أنها كانت ذوائب [مثل هذه] (١) فكان خروج التتر عقبها [وذلك في] سنة سبع عشرة وست مئة. ولما تحقَّق السلطان أنَّ ما قيل عن قريش وابن مَزْيَد لا أصل له أمر الكُنْدُري بإنفاذ أبي الفتح المظفر بن محمَّد العميد وجماعة من الأعيان إلى تِكريت ليجتمعوا بقُريش ودُبيس، فاجتمعوا في خيمة قريش، فقال العميد: السلطان على نية الانحدار إلى شيراز، فهذه البلاد ما تحمله، ويفوِّض الأمور إليكما لتكونا نائبين عنه بالعراق، ويريد أن تخلُفا. فقال قريش: هذا ولدي يكون في دار الخلافة رهينةً. فطلبوا من دُبَيس رهينة. فقال: السلطان قد أعفاني. فقال العميد: فهذا قريش قد أعطانا رهينةً، ولستَ بخير منه. فقال: ما أعطيكم شيئًا. فقال له العميد: فأحد أولادك عند اللعين البساسيري، وأعيان أصحابك، وهذه أمور تُوجِبُ الارتياب بك، وقلَّةُ السكون إليك، وهذا علم الدين أبو المعالي المبرَّأُ من هذه الأسباب، والموالي للسلطان في كل حال، والذي يجب أن نكون به واثقين، قد أعطانا الرهائن، وحلف لنا بالأيمان المؤكدة مع أننا لا نرتاب بصحة موالاته وخالص طاعاته، فأنت أولى. فقال: ما انحدرتُ إلَّا معتقدًا للطاعة، وأنتم الذين رجعتم عمَّا قررتموه، ونهبتم بلادي بعد انحداري، وكسرتم جاهي، وقطعتم معاشي، وإذا كان هذا حالي معكم فلِمَ أغِلُّ يدي وأنت خليٌّ (٢) ممن يبذل الأموال، ويوسعني في الأعمال؟ وأغلق للرسل، ثم قام فركب راحلته ومضى إلى البساسيري، وسلَّم قريشٌ ولدَه عليًّا إلى الرسل رهينةً وعمره ثلاث سنين، ومعه دابة وبدوي، وقال: تكون في الدار العزيزة عند الخليفة. ثم إن العرب نفرت عن قريش، وصوَّبَتْ رأي دُبيس، وأصعد قريش إلى الموصل خائفًا منهم ومن أخيه مقبل، ثم بعث إلى بغداد في رجب يطلب نجدةً ومالًا يُفرِّقه في العشيرة، فإن البساسيري على قصْدِه، فجهَّز إليه خمسَ مئة غلام، فأقاموه بباب الشَّمَّاسية مع باتكين الحاجب.
следующие страницы →