← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

السنة السادسة والخمسون والأربع مئة فيها في مستهل المُحرَّم استقرَّ أمر مسلم بن قريش، وأُعطي من البلاد ما رضي به، وطلب أن يحضر إلى بيت النُّوبة ليخلع عليه، فأجاب ثم امتنع وتعلَّل، فبعثوا إليه بالخلَع، فلبسها وحلف، وزالت الوحشةُ، واطمأنَّ الناسُ، ورجعت العساكر إلى بلادها، ودخل أبو علي بن موسك وأبو الحسين بن عيسكان إلى الديوان، وخلع عليهما الفَرَجيَّات المُذهَبات والعمائم، وبعث لمسلم اللواء والمركب الذهب وغير ذلك، فلمَّا عاد عميد الملك من حصار قُتُلْمِش بكَرْدكوه نزل قُتُلْمِش من القلعة، وسار إلى التركمان، فنزل عليهم، واستجاش بهم، فنزل إليه أكبرهم، فقوي جأشُه، وانصرف إليه كلُّ مفسد، فسار إلى ساوة ومعه خمسون ألف فارس، وكاتب الأمراء بالاستمالة، فأجابه سُرْخاب بن كامرو، ورحل في الليل هاربًا إليه، وبعث إليه أخاه فجسر على قصد الري، وكان أبو نصر الدِّهِسْتاني الملقب نظام الملك عند قُتُلْمِش معتقلًا، ولمَّا علم عميد الملك ما فعل قُتُلْمِش، وأنَّ ألب أرسلان قد توجَّه من نيسابور يريد الري، كاتبه واستمدَّه، واستخرج أمره فيما يفعل، وأقيمت له الخطبة بالري كما ذكرنا، وجاء قُتُلْمِش حادي عشرين ذي القعدة، فأشرف على الري، فخرج إليه عميد الملك والعسكر، فالتقوا، وقصدهم، وكان في المقدمة الأمير ابنابجيل، فأُسِرَ وأُسِرَ معه جماعةٌ خمسُ مئة غلام، وانهزم عميد الملك، ودخل البلد، وعاد العسكر إلى البلد فضبطوه، وجاء التركمان فحاصروه، وقطعوا الموادعة، وأشرف الناس على خِطَّة صعبة، وأنفد عميد الملك عدة جَمَّازات إلى ألب أرسلان، فجاء جوابه: لا تخرجوا من البلد، فأنا واصلٌ إليكم. وعمل التركمان كلَّ قبيح ومنكر، ووصلت مقدمات ألب أرسلان إلى الدامغان مع الحاجب أردم، فرحل قُتُلْمِش سلخ ذي القعدة بمن معه، وساروا يطلبون العسكر الوارد ليفرغوا منه ويعودوا إلى الري، فصادفوا أردم بمكان يقال له: قرية الملح، فقتلوا جماعةً من أصحابه، وتحصَّن بالقرية، وبعث إلى ألب أرسلان يخبره، وكان على فرسخين منه، فرحل إليه فلحقه، ووقع القتال، واشتدَّ الأمر، وكثرت القتلى، وأنزل الله نصره على ألب أرسلان، فانهزم قُتُلْمِش والتركمان، وركبهم السيف مسيرة أربعة فراسخ، وأُرسِلَ رسول تكين أخو قُتُلْمِش وابن قُتُلْمِش

стр. 9067

الأكبر وعدةٌ من الأكابر، واستخلصوا نظام الدين والأمير ابنابجيل ومن أُسِرَ بباب الري، وغنموا أموالهم وجميع ما كان معهم، وسار ألب أرسلان يطلب الري، وبعث إلى عميد الملك بالخِلَع، ورسم بأن ينقل طُغْرُلْبَك من الدار إلى التربة وينظف الدار لينزل بها، فكان عميد الملك ينزل في دهليز الدار في حجرة، فاستأذن في الانتقال منها، فقال ألب أرسلان: سروري قربُكَ، فكيف تبعُد عنا؟ ولم يأذن له في الانتقال، وأما قُتُلْمِش فإنه أفلتَ من الوقعة، وترك الطريق المسلوك، وتعسَّف الجبال والمضائق، ومرَّ على بعض قلاع السلطان، فأرسل صاحبُ القلعة وراءه، فساق فرسه، فسقط به وداسه، فتقيَّأ الدم ومات، فحُمِل إلى الري يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجة، وخرج عميد الملك للقائه، فأكرمه وقرَّبه وأدناه، ونزل إليه ألب أرسلان في دار المملكة، ولازم عميد الملك خدمته طول النهار على عادته مع السلطان، وثقُلَ ذلك على نظام الملك أبي علي الوزير، وشرع عميد الملك في قبض جماعة من حواشي طُغْرُلْبَك وخدَمِه، فجمع منهم خمس مئة ألف دينار، وسببه أن ألب أرسلان عتب عليه فيما أخرجه من مال القلعة، وأطلقه للعساكر، فقال: ما أمكنني غيرُ ما فعلتُه، وأنا أردُّ بمقدار ما أخرجتُ. فصادر الأعيانَ والخُدَّام. وفي يوم الخميس خامس المُحرَّم من هذه السنة عمل السلطان بالري سِماطًا عظيمًا في دار المملكة، ومَدَّ بين يديه السِّماط الذي كان لطُغْرُلْبَك ووزنه ألفا ألف مثقال، وجلس في مرتبة عظيمة، وخلع على جميع الأمراء والحُجَّاب، ولمَّا بلغ خبرُ عميد الملك واستقامةُ أحواله إلى بغداد سأل دُبيس في العميد أبي سعيد والإفراج عنه [فأفرج عنه] (١) في المُحرَّم، فخلع عليه ابنُ جَهير جُبَّة ديباج وعمامةً بيضاء، وانصرف إلى داره، وكان يبدو منه تهدُّدٌ على ما عُومِل به. وفي يوم السبت سابع عشر المُحرَّم قبض ألب أرسلان على عميدِ الملك آخر النهار، واستولى على أعماله وأمواله، وبعث به إلى مرو الرُّوذ فاعتقله بها، وخلع على وزيره نظام الملك أبي علي الحسن بن إسحاق الطوسي في هذا اليوم، وراسل السيدةَ بنت الخليفة بالإذن لها في المسير إلى بغداد، وقيل: إنَّ تعويقها كان من عميد الملك،

стр. 9068

فخرجت من وقتها إلى دار المرتضى نقيب العلويين بالري، ثم سارت من عنده إلى ساوة، وبعث إليها خمسة آلاف دينار للنفقة، فامتنعت من قبولها، فقيل لها: هذا قبيح فقبلتها، وقيل لها عن نظام الملك الوزير: إنما قبض على عميد الملك لما فعله في حقِّكِ ونقلكِ إلى الري. وسيَّر في خدمتها جماعةً من الأعيان إلى بغداد، وأنفذ أبا سهل محمد بن هبة الله -ويُعرف بابن الموفق- في صحبتها، والخطاب في إقامة الدعوة لألب أرسلان، وترتيب مَنْ يقوم بالنظر في الحضرة، فتوفي ابن الموفق بالموذقان، فعدل إلى رئيس العِراقَين (١) أبي أحمد النهاوندي، وتقدَّم إليه بالمسير معها، فامتنع، فأُلزِم، فسار مسيرَ مُكْرَهٍ على غير اختيار، وكتب معه كتابًا إلى الخليفة بإقامة الخطبة، ووصلت إلى بغداد في ثالث عشر ربيع الأول، ودخلت ليلًا إلى الدار، وخرج الخدم والحاشية لتلقِّيها، وكانت قد نزلت بالراوودية على نصف فرسخ من بغداد، فخرجت إليها والدتها والخدم والقَهْرمانة، ودخلت ليلًا، وسُرَّ القائمُ بدخولها، وكان قد وصل في خدمتها القاضي أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن وأسكين الحاجب، وحضرا بيت النُّوبة، وسأل قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني أن لا يقعد القاضي أبو عمرو فوقه، فقيل: هذا ضيف، وقد وصل بالجهة، فلا سبيل إلى ذلك. وقام أبو الحاجب وسلَّم إلى الوزير كتابين كانا معه، كتاب إلى الخليفة، وكتاب إلى الوزير، فخرج الجواب يتضمن الشكر للملك عضد الدولة ألب أرسلان، ويفيد بخدمته في شبيه السيدة، فإنه وقع في موقعه، وتقدَّم إلى الخطباء بالخطبة على المنابر، وأقيمت الدعوة يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر، وكانت الخطبة على المنابر: اللهمَّ وأصلِحِ السلطانَ المعظَّم شاهنشاه الأعظم ملك العرب والعجم، سيد ملوك الأمم، ضياءَ الدين، غياثَ المسلمين، ظهيرَ الإمام، كهفَ الأنام، عضُدَ الدولة، وتاجَ المِلَّة، أبا شجاع الدين، رسلان محمد بن داود برهان أمير المؤمنين. وصحب هذا القاضي كتبٌ إلى الأطراف إلى: مسلم بن قريش، ودُبيس بن مَزْيَد وابن ورَّام وغيرهم، فأجابوه بالسمع والطاعة، وكان ورد قبل السيدة صاحبٌ لرئيس العِراقَين النهاوندي يُعرف بمظفر، فكتب إلى الديوان والوزير فخر الدولة متضمنةً للخدمة، وأنه قدِمَ مظفرٌ أمامه إلى حين وروده، فتقدم إليه الوزير بتسليم المعاملات وتمكينه من النظر والتصرف الذي يتعلَّق

стр. 9069

به، وتمادت الأيام بوصول رئيس العِراقَين، ثم ورد من أخبر أنه مقيم بهَمَذان، ولا رأيَ له في العراق. وفي هذا الوقت وردت الكتب بأن السلطان ألب أرسلان دخل خلف الأكراد اللوذية، وكانوا يقطعون الطرق، فأوغل خلفهم في الجبال، فظفر بهم، وغنم العسكرُ أموالهم، وأقام بمكانه، وكتب إليه من بغداد بإقامة الخطبة، فسُرَّ سرورًا عظيمًا، وسجد شكرًا لله تعالى، وبعث العميدُ أبا الحسن علي بن عيسى، وأصحَبَه عشرة آلاف دينار ومئتي ثوب إبريسمية أنواعًا، وحوالةً على الناظر ببغداد بعشرة آلاف دينار أخرى وعشرة أفراس وعشر بغلات، ووصل العميد إلى بغداد تاسع جمادى الأولى، والتقاه عميد الدولة بن فخر الدولة بن جَهير، ووصل إلى باب النُّوبي، ونزل وقبَّل العتبة، ثم مضى إلى دار المملكة فنزل بها، وكان معه توقيعٌ لخاتون السفرية لألب أرسلان بما كان من الإقطاع لزوجة طُغْرُلْبَك التي صار إلى السيدة بنت الخليفة، فامتنع الخليفة من الإفراج عنها، وقال: في هذا غضاضة وقباحة، ولهذه في أموال ركن الدين الذي خلفها حقٌّ بحسب هذا القدر منه. فوقع الإمساك حينئذ عنها، وطلب القاضي النقش على السِّكَّة والخِلَع، فنقش اسم ألب أرسلان على السِّكَّة، وأمَّا الخِلَع فتوقَّف أمرُها، واحتجَّ بأن منها صناعاتٍ وآلاتٍ تحتاج إلى مدة طويلة، والخزائن خالية، فإن كان المراد التعجيل نفذنا فَرَجيَّةً وعمامةً ولواءً، وإن أردتم الخِلَعَ السلطانية فأقِمْ يا محمد بن عبد الرحمن -يعني القاضي- حتى تستوي وتُكمل، وهذا أمرٌ مردودٌ إليك، ثم استقرَّ الأمر على ما يُذكر إن شاء الله تعالى. وكان ألب أرسلان قد سأل أن يكاتبه الخليفة بالولد المؤيَّد، فنقشوا على السِّكَّة كما يدعون في الخطبة، ومن جانبٍ اسمَ القائم، وما جرت به العادة، ولقَّب الخليفةُ إلياسَ بن ألب أرسلان الأميرَ، شهابَ الدولة، قطبَ الملة. وملك شاه طريدَه (١) جلال الدولة وجمال الملة. وبِيعَ بواسط دارٌ بدرهم ودانقين ونصف، فاستزاد البائع [المشتريَ] قيراطًا ليتمَّ ذلك درهمًا ونصفًا، فلم يفعل، وسببه استيلاء (٢) الخراب عليها [واتصال ما يقتضي من قبيح الأسباب].

стр. 9070

وقد بيعت دارٌ من نهر طابق ببغداد سنة ثمان وأربعين وأربع مئة بثلاثة (١) قراريط. وفي ربيع الأول شاع ببغداد أنَّ قومًا من الأكراد خرجوا متصيِّدين، فرأوا في البرية خِيمًا سودًا سمعوا منها لطمًا شديدًا، وعويلًا كبيرًا، وقائلًا يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأيُّ بلدٍ لم يُلْطَمْ عليه فيه، ويُقام المأتم، قُلِعَ من أصله، وأُهلِكَ أهلُه. فخرج النساء العواهر إلى قرب الحَلْبة وباب أبرز يلطِمْنَ ويُمزقْنَ ثيابهنَّ وينشرن شعورهنَّ، ويخمِشْنَ وجوههنَّ، وأقمْنَ ثلاثة أيام على ذلك، [واجتمع إليهنَّ العدد الكثير] (٢). وقال القاضي ابن السماك أنه شاهد رجالًا قد شوَّشوا عمائمهم، وفتقوا جيوبهم لذلك، ثم وردت الأخبار بأن واسطًا وأعمالها وبلاد العراق جميعَها وخوزستان وغيرَها من البلاد على مثل ذلك، وتعدَّى إلى بغداد، وأصعد إلى الموصل وديار بكر وغيرها من الأقطار (٣). ذِكْرُ إنفاذ الخلع إلى ألب أرسلان: لمَّا وقع الفراغ من الخلع سأل العميد الخليفة الجلوسَ العامَّ والمشافهةَ بتقليد ألب أرسلان وتسليم الخلع إلى الرسول بمشهدٍ من الخاصِّ والعام، فجلس يوم الخميس في دار الخلافة في البيت المتصل بالتاج المشرف على دجلة، واستدعى الوزير والقاضي والعميد، وسلَّم إليهم الخلع والعهد على ما جرت به العادة، وشافههم بأنه قد فوَّض الأمور إلى عضد الدولة، وجهَّز معهم الكاملَ نقيبَ العباسيين وأبا محمد التميمي وموفق الخادم الخاص، وخرجوا بذلك، وكان في كتاب الخليفة بعد البسملة: من عبد الله أبي جعفر الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى الوليد المؤيد شاهنشاه الأعظم، ملك العرب والعجم، سيد ملوك الأمم، ضياء الدين، غياث المسلمين، ملك الإسلام، ظهر الإمام، كنف (٤) الأنام، عضد الدولة القاهرة، وتاج الملة الباهرة، ألب أرسلان، أبي شجاع، محمد بن داود بن ميكائيل، سلطان ديار

стр. 9071

المسلمين، برهان أمير المؤمنين، سلام الله عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يُصلِّيَ على محمد عبده ورسوله ويُسلِّمَ تسليمًا، أما بعد، أطال اللهُ بقاءَك، وأدامَ عِزَّك وتأييدَك ونعمتك، وأحسنَ رعايتَك وكلاءتك، وأمتع أميرَ المؤمنين بك، ولا أخلاه منك، ثم ذكر بَعْثَ النبي ﷺ وما جرَتْ به العادة، وأنه وارِثُه وما أشبه ذلك، ثم قال: وإن أمير المؤمنين بما وكَلَه الله إليه من الأمور العامة للبلاد والعباد، وملَّكَه من زمام الإصدار والإيراد، وناطَه به من حفظ النظام، وفرضه عليه من السعي في الصلاح الشامل العام، يرى استنفاذ الوُسع في اختيار مَنْ يستنيبه في الأراضي، ويلقي إليه مقاليدَ البسط والقبض، ويحبوه بالمرتبة التي طال ما امتدت نحوها الآمالُ فخابَتْ، وطمع في وفاء الأقدار في وعود المني فحابَتْ، وإذا لاحت شواهدُ الكمال فيمن استدعى العزَّ فأجابه، ورمى الغرض فأصابه، وعضد ذلك بالإخلاص في الطاعة، وبلغ أقصى الثناء والحمد داخلًا في نظام الجماعة، غدا (١) التوفيق زائرًا في اختصاصه بالمنزلة التي تعجز الأماني عن ارتقاء هضابها، ويقصر الباع عن الامتداد إلى التشبُّث بأهدابها، فأهَّلَتْه لما يجتني به ثمرةَ سوابقه ولواحقه، ويجتلي به العزُّ في أنضر رياضه وحدائقه إبداعًا للصنائع عند الأكفاء، وإبداء للمواضع بأعباء الإخلاص الناهضين والاستكفاء، ولمَّا احتويتَ عليه هذه الخلال وأوفيتَ، وحَمَيتَ منهلَ الطاعة من القذى وأصفَيتَ، وأعدْتَ في الهدى وأبديتَ، وحُزْتَ قَصْبَ السَّبَق وانتهيت، فوَّض إليك أميرُ المؤمنين أزِمَّة الحلِّ والعقد، وأمطاك ذُرى العلا والمجد، وأوصلك إلى ما لم يُدَرَّ له به أمل، ولا فاز بثوابه عمل، واستنابك فيما وراء بابه شرقًا وغربًا، وحصل بما تملك به نواصي الأعداء سلمًا وحربًا، وبعث إليك بالتشريف مبالغةً في الإكرام، ودلالة على فضل الشغف بك والغرام، والعهد الذي يضمن الولاية، وبلَّغك به منتهى العناية، فأسعدكَ اللهُ بهذه الموهبة التي لا توازيها نعمةٌ وإن جلَّتْ، والمنحة (٢) التي بدَتْ في جلال الكمال وتجلَّتْ، وذكر كلامًا طويلًا، ثم لقَّب الخليفةُ للعميد أبا الحسن شيخ الدولة ثقة الحضرتين، ولقَّب نظامَ الملك قُوام

стр. 9072

الدين والدولة، رضيَّ أمير المؤمنين، وهو يذكر في تلك الديار نحو آغابزرك، وكان مسيرهم ثاني عشر جمادى الآخرة، وخرج معهم أبو سعيد النائب في العراق، كان وجماعة من رسل الأطراف والأمراء من العرب وغيرهم. وفي هذا الشهر قدم رئيس العِراقَين أبو أحمد النهاوندي وأيتكين السليماني إلى بغداد، وأخرج الخليفةُ لتلقيهما الخدمَ والحجَّابَ، ولمَّا وصل أبو أحمد إلى باب النُّوبي نزل وقبَّل العتبة، وانصرف إلى دار المملكة، واعترض كلَّ مصعد ومنحدر، وأدخل يده في الأعمال، فعزَّ على الخليفة، فاستدعاه إلى بيت النُّوبة، وخاطبه الوزيرُ ابنُ جَهير وأغلظ له، وكذلك فعل بأيتكين، وانصرفا على هذه الحال، وراسل رئيس العِراقَين الخليفةَ بالشكوى من ابن جَهير والاستعفاء من الحضور معه، وقال: إن هذا قد نقل الدولة التركية إلى العربية، واستدعى بني عقيل إلى العراق، وفعل في ذلك ما سار في الآفاق، والسلطان غيرُ مؤثرٍ له، فعزَّ على الخليفة، وخرج الجواب بالثناء على الوزير والشكر له، وقال: قد كان له في ذلك الأمر المقام المحمود، وإنما له أعداء يتخرَّصون عليه، وأدخل النهاونديُّ يدَه في إقطاع الوزير وأسبابه، وأوقع الهوانَ بأصحابه، ومدَّ يده إلى الضياع العليا والسفلى. وفي هذا الوقت عاد محمود ابن أخي عطية إلى حلب، فانكسر عطية، وعاد إليها مفلولًا، وحاصره محمود حصارًا شديدًا، وعدمت الأقوات. وفي شعبان هجم قوم من أصحاب عبد الصمد الزاهد ببغداد على أبي علي بن الوليد المعتزلي، وسبُّوه وقالوا: هذا يقول: القرآن مخلوق، ويعتقد اعتقاد الفلاسفة، وأنَّ الإنسان قادرٌ على أفعاله، وأنَّ الله يُخلِّد في النار على الذنوب اليسيرة، ولا يَرى يوم القيامة، ولا يصلي في الجامع، ويدرس مذهب المعتزلة، واعتقلهم النهاوندي وقال: يقدمون على الفتن. وأجاب ابن الوليد عن ما قالوه عنه، وأنهى حاله إلى الخليفة، فخرج الجواب بالإمساك عنه، وجلس في بيته وأغلق بابه، ووردت أخبار الرسل أنهم نزلوا توريز، وأن نظام الملك إلى نَخْشُوان (١) وهي آخر ثغور الإسلام، وأن أخبار

стр. 9073

السلطان مستعجمة، وأنه منذ دخل بلاد الأرمن قد مضى له شهران لم يوقَفْ له على خبر. وفيها وقعت فتنةٌ عظيمةٌ بين عبيد مصر والترك [قال محمد بن هلال: وفي ثاني عشر جمادى الآخرة أو الأولى ورد كتاب من مصر من بعض التجار يقول: إن العبيد اجتمعوا بالجيزة منافرين للأتراك، عازمين على القتال، وغلبوا على الجزيرة التي في وسط النيل بين مصر والجيزة] واتصلت الحرب بين الفريقين، ووصل ناصر الدولة بن حمدان [من أعمال الإسكندرية ومعه عرب من بني سيس وقطعة من الأتراك البغدادية، واجتمع مع المشارقة] (١)، والتقى بالعبيد يوم الخميس ثالث ربيع الأول في موضع يعرف بالكوم، فقتل من العبيد ألف رجل، وهزم الباقين، [ولولا أن الليل هجم ما أبقى من العبيد أحدًا، وقد عادت مصر مثل ما كانت بغداد، عند دخول عسكر خراسان إليها من الخوف والنهب والقتل]، وتردَّدت الرسلُ في إصلاح ذات البين، فتمَّ. وفي رمضان ورد كتاب نظام الملك، وأن السلطان أوغل في بلاد الخزر، وبلغ فيها مواضع لم تجرِ العادةُ ببلوغها، وفتح بلدًا عظيمًا، وقتل فيه نحو ثلاثين ألفًا، وسبى ما يُوفي على خمسين ألف مملوك، وغنم غنائم لا تُحصى، وقد عاد منصورًا، ونزل على آبى -وهي أول أعمال الروم- مُحاصرًا لها، ولن يتأخَّر فتحُها له إن شاء الله تعالى، وأنه وصل إليه ما بدأ من أبي أحمد النهاوندي فيما يتعلَّق بالخليفة، وأنكره ورسم له بالتذلُّل أن لا يخرج عن مراسم الخليفة، ويكون طوعَ أمير المؤمنين، ولا يجري على العوائد السالفة، ثم بعد أيام وصل كتاب السلطان بالفتح، فجلس الوزير في بيت النُّوبة، وقُرئ، وخرج من الخليفة ما دلَّ على الوزير، ولم يحضر رئيس العِراقَين، ثم حضر من بعدُ ببيت النُّوبة، وخرج الوزير إليه، فقام وخدمه، وزاد في التودُّد لما ورد من الإنكار عليه، وأنهى خبره، فخرج ما يدلُّ على تطييب قلبه، فقام وقبَّل الأرض، ثم واصل الخدمة، ورفع يده عما كان اعترضه، وفي كتاب الكامل نقيب النقباء أبي الفوارس، وكان قد شهد هذا الفتح، قال: شاهدتُ من هذا البلد المذكور منظرًا هائلًا، وأنه لا يخطر بالبال فتْحُه، ولا يُذكر أنَّ أحدًا من الملوك قصَدَه، فإنَّ ثلاثة

стр. 9074

أرباعه على نهر الترس الكبير، وربعه الآخر على خندق قد استخرج من الترس، والماء ينزل إليه من عُلوٍّ بعيد بدويٍّ شديد، وله جِريةٌ قويةٌ، بحيث لو طُرِحَتْ فيه الحجارة العظيمة لدحاها وقطعها، والطريق إلى بابه على قنطرة بإزائه وأسواره من الحجر الأصم الشديد، ومراميهِ بعيدة. وقيل: إنه يشتمل على سبع مئة ألفِ دار، وألفِ بِيعة ودير، وليس عليه محالُّ ولا موضعُ قتال ولا فيه مطمعٌ حتى جاء من الله ما ليس له مَدْفَعٌ ممَّا خالف المعهود، ودلَّ على فعل المعبود، واستحرَّ القتلُ وكثُر، وملَّ العسكر وضجر، فأحجموا عن القتال؛ لأن الظفر لم يخطر لهم ببال، ولم يمضِ إلا ساعةً حتى انسلخ من السُّور قطعةٌ من غير مُوجِبٍ أوجبَه، ولا فِعْلٍ به أوهنَه، فدخل العسكر البلد، فقتلوا أهلَه، ونهبوه وأحرقوه وأخربوه، وأسروا من سلِمَ من السيف وتملَّكوه، وانسدَّت الطرقات بالقتلى، حتى لم يكن مسلكٌ إلا عليهم، ولم يخْلُ عددُ الأسارى عن خمس مئة ألف إنسان، وأحببتُ أن أدخلَ البلد وأشاهدَه، فاجتهدت أن يكون لي طريقًا على غير القتلى، فلم يكن، وحدَث أنه وُجِدَ في بعض البِيَع إجانةُ بِلَّور تَسَعُ راويةً من الماء، فكسروها واقتسمها العسكر، ووُزِنَتْ قطعةٌ منها فكانت ثماني عشر رطلًا. وفي رمضان لمَّا هرب بدر بن مهلهل أمير الجيوش من دمشق ولَّى المستنصر حيدرة بن بروا، ثم صرفه عنها بدري المستنصري، ثم صُرِف عنها، فعاد إلى الرملة. وفيها جرَتْ مراسلةٌ بين قاروت بك وأخيه ألب أرسلان، وذلك أنه لمَّا مَلَكَ ألب أرسلان الريَّ وبلاد عمه، واستولى على الخزائن والأموال، وكان قاروت بك على أصبهان رجع إلى كرمان، وخطب لألب أرسلان ولنفسه من بعده بشيراز: ولي فيها حصةٌ معلومةٌ، ويدي خاليةٌ من المال، وقاصرةٌ عمَّا أحتاج إليه ومن معي من الرجال، فإن أنصفتني فيما يقتضيه دينك ومروءتك فهو المعهود منك، وإن لم تفعل شكرتُك ووكلتُك إلى الله تعالى، ورضيتُ بجميل الرأي منك، وقد كان بينهما منافسةُ الأخوة، فندب ألب أرسلان أختهما كوهر خاتون زوجة الأمير أريسيغي، وكان يحبُّها حبًّا شديدًا، فأراد إرسالها إليه في أمر لا يظهر خبرُه، فقيل له: قد مضى إلى كرمان لمَّا

стр. 9075

حلَّتْ فارس لبُعد قاروت بك عنها، وكتب فضلويه إلى ألب أرسلان بالانتماء إليه، وخطب له، وطلب منه النجدة، وكان فضلويه مقيمًا بِنَسا، وكتب إلى هزارسب وهو بالأهواز يطلب منه النجدة؛ ليستعين بها على أخذ شيراز، فأنفذ إليه النجدة من الديلم والأتراك، فنهب أعمال شيراز، فأعلم قاروت بك بعد أخيه إلى بلاد الروم ومسير فضلويه إلى شيراز، فسار نحوه وواقعه على بابها، فانهزم فضلويه بعد أن قُتِلَ معظمُ أصحابه، وعاد مفلولًا، ودخل قاروت بك إلى شيراز منصورًا، ووردت الكُتب بعقد بغداد على أبي سعيد الفاسي مدة ثلاث سنين بخمس مئة ألف دينار، وعزل رئيس العراقَين عنها، فراسل الخليفة بالتنصُّل مما فعله في الإقطاعات ومع الوزير والحاشية، فخرج الجواب: لم تزل نعمة الله عندنا في كلِّ من مرق عن الطاعة، واطَّرح رسومَها، إن ردَّه الله إليها خاضعًا عابدًا، وسائلًا العفو لائذًا، فليسكن روعه وليطيب قلبه مما يدرك غايةً فيما يعود عليه بصلاحه شأنُه، ووصل سلطانه، وأمر رئيس العراقَين بردِّ ضياع الوزير وإقطاعه وإقطاع الحاشية وما أخذ منها، فردَّ الجميع. وفي رابع ذي القعدة ورد تابوت موفق الخادم، فخرج الخليفة، فصلَّى عليه، وحزن عليه، وحُمِل إلى الرُّصافة، وعُمِلَ له العزاء ثلاثة أيام، فأُعطي الأميرُ عُدَّةُ الدين ما خلَّفه. وفي ذي القعدة ورد الكامل أبو الفوارس والتميمي وأبو سعيد الفاسي من عند السلطان، فتقدَّم الخليفة بالدخول إلى منازلهم ليلًا؛ استيحاشًا لموفق الخادم وغمًّا عليه، وكان تألَّم لأجله؛ لأنه كان دَيِّنًا عفيفًا صالحًا ناصحًا، وأما أبو سعيد فرأى أن لا يُوحَش، فخرج الحجَّاب والخدم للقائه، فلمَّا وصل إلى باب النُّوبي نزل وقبَّل العتبة. وفي سلخ ذي القعدة خلع الخليفةُ على الشريف أبي المعالم المعمر بن محمد بن عبيد الله العلوي في بيت النُّوبة العمامة والدرَّاعة المُذهَبتين، وردَّ إليه نقابةَ الطالبيين ورعايةَ الحاجِّ والمظالم، وقُرئ عهدُه، ولُقِّب بالطاهر ذي المناقب. وفي هذا الوقت عاد السلطان من بلاد أرمينية، فلم يبلغه أهلُها على الوجه، وغلَّقوا دكاكينهم، ولم يُبايعوا الجند، فضاق عليهم الشيء، وشكوا إلى السلطان، وكانوا قد استطالوا وقتلوا عميد بن طُغْرُلْبَك على ما تقدَّم ذِكْرُه، فأمر السلطانُ العسكرَ بالنزول في

стр. 9076

مساكنهم وإكرامهم، فدخلوا البلد واستأمنوا، واستباحوه ونقضوا أخشابه، وقتلوا جماعةً من الأشرار، وانهزم الباقون، وبعث السلطان من هَمَذان بُرْشُق الخادم إلى هزارسب يحمل ما عليه من الضمان، واستصحاب صدقة بن منصور المعتقل عنده، فإن فعلَ وإلَّا قصدَه السلطان، وكان مقلِّد أخو صدقة وولدُه ليث بن صدقة قد خرجا مع الخِلَع إلى ألب أرسلان، وسألا شفاعته في صدقة، فوعدهما بذلك، فلمَّا رجع الرسل إلى بغداد لم يرجعا، وأقاما على باب السلطان، وسار الحاجب إلى هزارسب وهو بخوزستان، فأجابه بالسمع والطاعة، وأن يُطلِقَ صدقة، وكان السلطان قد أخذ قُمْ وقاشان من الأمير أبي علي بن الملك أبي كاليجار بن بويه، وأقطعه في البصرة من جملتها بخمسين ألف ألف دينار، وبعث به إلى البصرة، وكانت البصرة في يد هزارسب، فلمَّا بلغَتْه الرسالة في ذلك اليوم لم يُفرِجْ عن البصرة، وقال: ما فعلتُ ما يُوجِبُ كسر جاهي. ولم يبقَ أحدٌ من الأطراف إلَّا وقد أجري على ما في يده، فلم أُحرم من دونهم، وأشار بأن الأمير أبا علي لا يمكن من المقام بالبصرة، فإنها بلدُ أبيه وبلدُه من بعده، وأهلُها له مُحِبُّون، وربما تمَّ منه ما يصعب تلافيه، وورد على السلطان بباب هَمَذان أبو العباس فضلويه بن علويه الشوابكاري لما اتصل عليه من قاروت بك من الغارات والهزائم وقتل أصحابه، وأخذ البلاد منه، فخلع السلطان عليه الخلع السنية، وأكرمه وقرَّر معه أنه يأخذ بلاد فارس، وينيب فضلويه فيها. وقيل: إنما ورد على السلطان في أول سنة سبع وخمسين، وفيها قصد مسلم بن قريش هَمَذان ودخل على نظام الملك، وتعلَّق بذيله، فأصلح حاله مع السلطان، وأعطاه الأنبارَ وأماكنَ، ورجع إلى بغداد، فالتقاه الوزير، وقبَّل عتبة باب النُّوبي، وخلع عليه الخليفةُ، ورضي عنه، وسار إلى بلده. وفيها تُوفِّي الحسن بن عبد الله بن أحمد (١) أبو الفتح، الحلبي، الشاعر، ابن أبي حصينة، كان فاضلًا شجاعًا فصيحًا، يخاطَبُ بالأمير، ومن شعره: [من الوافر] أتجزَعُ كُلَّما خفَّ القَطِينُ … وشطَّتْ بالخَليطِ نَوًى شَطُونُ

стр. 9077

وهُمْ صرموا حبالكَ يومَ سلْعٍ … وخانكَ منهمُ الثقةُ الأمينُ تسَلَّ عنِ الحِسانِ وكيفَ تسلُو … وبينَ ضُلوعِكَ الداءُ الدفينُ وفي الأظعانِ من جُشَمِ بن بكرٍ … ظباءٌ حشوُ أعيُنِها فُتُونُ عليهنَّ الهوادجُ مُطبقاتٌ … كما انطبقتْ على الحَدقِ الجُفونُ جلبن لنا برامَةَ كُلَّ حينٍ … ألا إنَّ الحوائِنَ قد تحينُ عشيَّةَ مِسْنَ غير مصَنَّعاتٍ … كما ماسَتْ منَ الأيكِ الغُصونُ ضنيناتٌ عليك وكيف يُرجى … زوالُ يدٍ وصاحِبُها ضنينُ جُنِنَّا بالحِسان البِيضِ دَهرًا … وإنَّ هَوى الحِسان هُوَ الجُنونُ كأنَّ أُمامَة حلفت يَمِينًا … لنا ألا يَصِحَّ لها يمينُ أغِيٌّ بَعدَ ما ذهبَ التصابي … وشابَتْ بعد حُلكَتِها القُرونُ وعندكَ يا ابنَ وثَّابٍ جميلٌ … فإن تُشكَرْ فَمَمحُوقٌ قَمِينُ فتًى أولاكَ مكرُمةً وفَضلًا … وعَزَّ به حماكَ فما يهونُ أبا الصَّمصامِ صُنْتَ عليَّ جاهي … ومثلُكَ من يَذُبُّ ومَن يَصونُ ولولا أنت لاتَّسَعَتْ خُروقٌ … على ما في يدي وجرَتْ شُجونُ ولكن أنت لي وزرٌ (١) منيعٌ … وحِصنٌ أستجِنُ به حَصِينُ وقال: [من الكامل] ريمٌ بِرامَةَ لا يصيدُ بضعفِهِ … إلَّا الرِّجال الصِّيد عند صُدودِهِ أهوى الدُّجى من أجلِ أنَّ هِلالهُ … كسِوارِهِ ونُجومَهُ كعُقودِهِ وقال: [من الطويل] شرطتُ عليهنَّ الوفاء فمُذْ بَدا … بياضُ عِذاري للعذارى مضى الشَّرطُ فلا أبعدَ اللهُ المشيبَ فإنَّهُ … مَطيّةُ حُكمٍ في الخطيئَةِ لا يخطُو وكانت وفاته بحلب (٢).

стр. 9078

[وفيها تُوفِّي] عبد الواحد بن علي بن بَرْهان (١) أبو القاسم، النَّحْوي، كان عالمًا فاضلًا بعلوم شتى، منها علم العربية والنحو، ولولا شراسة أخلاقه لكانت له آثارٌ باقية، وكتبٌ مرويَّة، ولم يلبس سراويلَ قطُّ، ولا يُغطِّي رأسَه، ولا يقبل لأحدٍ عطاءً، وهو القائل: من قال: إن [الباء] (٢) للتبعيض، فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه. وتوفي ببغداد في جمادى الأولى وقد أناف على الثمانين، وقد طعن فيه [أبو الوفاء علي] بن عقيل [فقال: كان يختار مذهب المرجئة من المعتزلة]. وقال محمد بن عبد الملك الهَمَذاني: إنه كان يميل إلى المُرْدِ الصِّباح ويُقَبِّلهم عن غير ريبة. [وفيها تُوفِّي علي بن الحسن بن محمد أبو الحسن، الصَّيداوي، من أهل صيدا، ذكره الحافظ ابن عساكر (٣) وقال: كان يتردَّد من صيدا إلى دمشق، فقُتل في وادٍ بأودية صيدا يُقال له: الحريق، فيه أُتْرُجٌّ وليمون، حدَّث عن أبيه الحسن وغيره، وروى عنه الخطيب، وهو روى إلى الأوزاعي أنه قال: خرجت من دمشق أريد البيت المقدس، فوافقتُ يهوديًّا، فلمَّا وصلنا إلى بحيرة طبرية استخرج منها ضفدعًا وشدَّ في عنقه خيطًا، فصار خنزيرًا، فمضى إلى طبريَّة، وباعه من النصارى، وجاء بطعام، فسِرْنا غير بعيد، وإذا بالقوم أدركونا، فقال: أحسبه قد صار ضفدعًا، فحانت مني التفاتةٌ، وإذا ببدن اليهودي ناحيةً ورأسه ناحية أخرى، فلمَّا نظروا إليه عادوا خوفًا من السلطان، وجعل الرأسُ يقول لي:

стр. 9079

رَجَعوا؟ رَجَعوا؟ قلت: نعم. فعاد الرأس إلى البدن، فقلتُ: واللهِ لا رافقتُكَ بعد اليوم. وقد ذكرنا الحكاية في ترجمة الأوزاعي. وفيها تُوفِّي محمد بن علي بن يوسف (١) أبو عبد الله، الطَّرَسوسي، ويُعرف بابن السَّنَّاط، إمام جامع دمشق، كان قارئًا للقرآن، ملازمًا على الصلاة، حافظًا، سمع الكثير، وتوفي بدمشق، حدَّث عن محمد بن أبي نصر وغيره، وروى عنه الحسن بن أحمد الكرماني وغيره، وكان صدوقًا صالحًا]. السنة السابعة والخمسون وأربع مئة فيها في المُحرَّم حضر من عند ألب أرسلان مَنْ أخبر عنه أنه سار من هَمَذان إلى أصبهان في رابع عشر ذي الحجة، فكانت مدة إقامته بها أربعين يومًا، وأن فضلويه وصل إليه في هَمَذان فأكرمه وخلع عليه الخِلَع الجليلة وعلى كل من ورد من صحبته، وأعطاه الخيم والخركاوات والخيل بمراكب الذهب والصاغات وشيئًا كثيرًا، وأمره أن يضرب الطبول على بابه في أوقات الصلوات، ورتب جماعة من العسكر للمسير معه إلى شيراز، وصرف من بها من أصحاب أخيه قاروت بك إلى أن يلحق بهم السلطان، وفي خامسه سار هزارسب مع بُرْشُق الحاجب مظهرًا لما (٢) قصد ألب أرسلان، وقد بلغه مسيرُه إلى شيراز، واستصحب معه حملًا. وفي المُحرَّم وصل ألب أرسلان إلى شيراز، وكان أخوه قاروت بك بها، فعلم، فأنفذ ثقله وحرمه وأمواله نحو كرمان، وتحصَّن بقلعة على جانب البحر يقال لها: البئر، فثار به بعض عسكره، واستأمنوا إلى ألب أرسلان فأحسن إليهم، وبعث إلى طريق كرمان لأجل رحيل قاروت بك، فأخذه وكان على خمسة آلاف جمل وبغل،

стр. 9080

وحمل إلى ألب أرسلان، فسُرَّ به سرورًا عظيمًا، وبعث خلف نظام الملك وكان بأصبهان، فخرج منها مُستهلَّ صفر، ومعه مسلم بن قريش في الخدمة، وورد كتابٌ من هَمَذان فيه أنَّ ألب أرسلان سقط من الفرس بين أصبهان وشيراز، فوقع في نفسه أن ذلك مقابلة فعله بأهل هَمَذان، فكتب إلى أبي محمد الدِّهِستاني الناظر فيها برفع الضرائب والمكوس، وأن يُحسن إلى أهل البلد، ويردَّ ما أخذه منهم، فأخفى الكتاب وقال: إذا بطلت المكوس، ورددتُ ما أخذتُ، فأيُّ ارتفاع يبقى في يدي أحمله إلى الخزانة وأصرفه في مصالح السلطان؟ فطرقته الخوانيق في حلقه فمات، ووجد الكتاب في تركته، فقال أهلُ هَمَذان: إنَّ هذا الذي لحقه عقوبةً له على سوء نيته فينا. وورد الخبرُ أن عطية بن الزَّوقلية صاحب حلب استدنى بُرَّجان (١) التركماني ومن معه من الغُزِّ، وكانوا نحو خمس مئة غلام، وقرَّر لهم في كل شهر أحدَ عشر ألف دينار، وأنزلهم بالحاضر ظاهر حلب، وكانوا في الثغور متردِّدين، وبما يأخذونه من الروم عن كفِّ الأذية عن أعمالهم متقوتين، وفعل عطية ذلك لمَّا تواتر من قصد محمود ابن أخيه، ومظافرة بني كلاب لهم، ثم ثار أحداثُ حلب عليهم، وقتلوا منهم في البلد جماعةً بأمر عطية؛ لأنه خاف منهم، ومضى بُرَّجان ومَنْ سَلِمَ معهم إلى محمود بن شبل الدولة خصم عطية. وفيها ورد كتاب ملك الروم إلى الوزير ابن جَهير، فكان منه: لقد كثُر تعجُّبُنا -أطال اللهُ بقاءَ الوزير الخطير والبشير، حسن الأثير- كيف رأى استعمال الصمت وإهمال المكاتبة طول هذا الزمان، وما تحرَّك لتجديد العهد بنا بالمناجاة والمخاطبة مع ما هو متجمِّلٌ به من الأدب الزائد، والعقل الراجح الفائض، والحِجا المستوثق الطائل، لكنا وإن كان الوزير -أدام اللهُ كفايتَه- لما قد احتفَتْه من المهمات، ونِيطَ به من التدبُّرات، لم يتمكن ممَّا ذكرناه، فنحن لم نتمكَّن من الصبر هذه المدة عن مكاتبته، بل أصدرنا هذا الكتاب مستعلمين خبرَه وجريَ الأمور بساحته، وذكر كلامًا بمعناه، وبعث الوزيرُ بالكتاب وكتاب آخر إلى ألب أرسلان يسير بالهدية وتقريرها والجواب عنها.

стр. 9081

وفي يوم الخميس لسبعٍ بَقينَ من رجب حدَّث أبو يعلى بن الفراء في جامع المنصور بأحاديث لا أصل لها، وكان هناك قوم من المعتزلة، فأنكروا ذلك، واستبُّوا، وخرجوا إلى الضرب بالآجُرِّ، واجتمع من الغد الحنابلة إلى دار الخليفة، وشكوا المعتزلة، فخرج جواب الخليفة بالإنكار لمذهب المعتزلة. وفي رمضان قدمت قافلة الحاجِّ من خراسان، وكان نظامُ الملك أحبَّ أن تنفتح طريقُ مكة، وشاور العميدَ أبا سعيد لمَّا ولَّاه بغداد، وفسح له في إطلاق ما يحتاج إليه الخفراء بالغًا ما بلغ، واجتمع العميد في بيت النُّوبة مع الوزير دفعاتٍ بهذا السبب، واستقرَّ أن يسير بالحاجِّ ابن حمزة الهاشمي، وورد مع الحاجِّ العلويُّ المرتضى، كان نقيب العلويين بالري في أيام طُغْرُلْبَك، وتبعه خلقٌ كثير، وتلاه علويٌّ آخرُ ممَّا وراء النهر ومعه عدد وافر، وأحضر ابنُ حمزة الهاشمي نيفًا وستين خفيرًا من القبائل، فخلع عليهم العميدُ ثيابَ القطن المُصبَّغات، فكانوا لها كارهين، وحضر جماعةٌ من بني خفاجة، وأكْرَوا الجمل بأربعين دينارًا إلى مكة ذاهبًا وراجعًا، وعلم المرتضى بأن الخفراءَ غيرُ راضين، فأحضر جماعةً من العرب، وقرَّر الخُفارة معهم، وأن يسير وحده، وعلم العميدُ فخاف على الحاجِّ، فحصل خمسة آلاف دينار وأنفقها فيهم، واستحلفهم على حفظ الحاجِّ، فحلفوا يمينًا ظهر معها سوءُ نيَّاتهم، فشهد عليهم الشهود، فكتب الظاهر أبو الغنائم نقيبُ الطالبيين إلى الخليفة بأنَّ أمر الحجِّ مردودٌ إليَّ، ومتى تولَّاه غيري كان عزلًا لي، وأمراء مكة علويون، ومتى خرج ابن حمزة لم يُمكَّنوا من رعاية الحاج، فقال الخليفة: الأمرُ إليك في هذا. فندب أخاه أبا الحسين، وخرج الناسُ، وخرج الكامل نقيبُ العباسيين والسهيلية القَهْرمانة في دار الخليفة، وساروا، فغدر الخُفراء بهم، وأخذوا المال والجِمال والزادَ، واتفقوا على نهبهم، وكانوا قد ساروا عن الكوفة أربعَ مراحل، فعادوا إلى بغداد ثاني ذي القعدة، وبطل الحجُّ. وفي يوم الخميس منتصف ذي الحجة عاد المرتضى العلويُّ والحاجُّ الذين كانوا معه من فَيْد، فإنَّ الخُفراء غدروا بهم، وجَبَوا منهم ضِعفَ ما كان العميد أعطاهم، واختلفت آراؤهم، فرجعوا وعاد العلويون إلى بلادهم.

стр. 9082

وفيها بعث الخليفةُ خادمين وحاجبًا إلى أصبهان يقبروا زوجته أرسلان خاتون. وفي شوال عاد بدر بن مهلهل من نيسابور، وكان ألب أرسلان قد استدعاه ليحضر عرس ولده ملك شاه على ابنة ملك الترك طنغاج، وملَّكه من وراء النهر، وتزوَّج السلطان ببنت قدرخان التي كانت زوجة محمود بن مسعود بن سُبُكْتِكين بمرو، وأنفذها إلى بَلْخ، وكان قد تزوَّج عند دخوله الري زوجة طُغْرُلْبَك واسمها عكَّة. وفيها نزل عطية من قلعة حلب وسلَّمها إلى محمود ابن أخيه من زيادة الغلاء والحصار، وأنَّ ابن خاقان والغُزَّ تولَّوا الحرب، فلم يثبُتْ عطيةُ وأهلُ حلب لهم، وشرط أهلُ حلب على محمود ألا يُمكِّنَ الغُزَّ من الدخول إليهم، فأجابهم وأعطاهم المعرَّة، فنزلها خاقان والغُرُّ، ونزل عطية علي بني كلاب. وقيل: إن ابن خاقان سار بعسكره إلى العراق إشفاقًا من أحداث حلب. ووقع بين الكلبيين وبين قائد دمشق الأرمني خلافٌ، وأخرج معهم عسكرًا لدفعهم، فاستظهر الكلبيُّون، وقتلوا جماعةً منهم، وأسروا سبعة عشر أميرًا وقائدًا باعوهم بعد أن نكَّلوا بهم وعذَّبوهم، وقرَّر عليهم البدويُّ الذي أسره عشرةَ آلاف دينار، أخذ خطَّه بها، فاستشار زوجتَه، فقالت: إن أطلقتَه أعطاك أضعافَ ما تَقرَّر، وفعلت الجميل وراءه، وإن أخذتَ المال شاطرَتْكَ العشيرةُ ولم تظفر بطائل، فأطلقه، وأعاد الخطَّ إليه، وحمله إلى منزله بدمشق، فخلع عليه وأكرمه، وأعطاه ألفي دينار، وقال: هذه لك عليَّ كلَّ سنة. فأخذها وانصرف، وزاد تبسُّطُ الكلبيين في السواد، وأخذوا الغَلَّات ونهبوا، فخرب الشام، ودخل حصن الدولة بن منزو قائد الرملة إلى طرابلس وملكها، وقبض على بني أبي الفتح المتغلبين عليها، ولمَّا خرج إليها قصد إليه ابن عمار وقاضيها، وكان في حيِّز السلطان، فأشار إلى بني أبي الفتح أن يخرج أحدُهم معه للقاء ابن منزو، ففعلوا، فأولى ابنُ منزو ابنَ أبي الفتح الجميل ليخدع بذلك أخوتَه، فبان له ذلك، وأنَّ القاضي خدعه حتى حصله عنده، وكتب إلى إخوته بذلك، وراسل أبو الفتح بما تطيبُ به نفوسُهم، وسامهم الخروج إليه، فامتنعوا، وجدُّوا في الحرب، وكان ابنُ عمار قد أصلح جماعةً من أحداث البلد ومقاتلته، فاستأمن منهم ثمانيةٌ وعشرون نفسًا، فضعف أمر بني أبي الفتح، واختلف أهل البلد، ففتحوا الأبواب، ونادوا بشعار

стр. 9083

المستنصر، فقيَّدَ ابنُ منزو بني أبي الفتح، وبعث بهم إلى صور، وعاملهم بالمكروه، وطلب المال الكثير، وقسط على أهل البلد مئة ألف دينار جزاءً عن طاعتهم لبني أبي الفتح، وكونهم خلعوا صاحب مصر، ومنع الذين استأمنوا إليه من سُكنى البلد، وأمرهم بالانفساح في الشام، فطلبوا منه العطايا والخِلَع، فوعدهم بالجميع، وقبض عليهم ليلًا وصلبهم، وهم الذين كانوا يعاونون بني أبي الفتح، فاستقام أمرُ طرابلس. وفي هذا الوقت ورد الخبرُ أنَّ المستنصرَ صاحبَ مصر ضرب ابنَ أبي كُدينة أحدَ الوزراء المصريين والقضاة المستورين، وعاقبه ودهقه في المعصار حتى كاد يموت، فمنعَتْه والدتُه عنه، وأخذَتْه منه، وقالت: ما تريد من هذا الرجل؟ قال: المال. قالت: ما هذا طريقه، وربما هلك في تضاعيف ذلك، وأنا أقرِّر لك عليه ما تريده منه. فغضب وخرج من القصر ماشيًا إلى الجامع الأنور، وهو أول جامع بُني في القاهرة، وعرف وجوهُ الدولة فانزعجوا، وجاؤوا إليه وقالوا: ما هذا الفعل الشنيع؟ فقال: أنا مغلوبٌ على أمري، ومدفوعٌ عن أغراضي، وقد تركتُ الأمر لمن غلبني عليه، وعزمتُ على المُقام بهذا المكان والانقطاع فيه إلى الله تعالى. فقالوا: يا مولانا، اللهَ اللهَ فينا وفيك، ومتى لم ترجعِ الساعةَ إلى القصر نُهِبَ ونُهِبَ البلدُ جميعُه، وتفاقم الأمر تفاقمًا لا يمكن استدراكُه، ورفقوا به حتى محاد إلى القصر. وفي يوم الأربعاء حادي عشر ذي الحجة اقترن زُحل والمريخ في برج السنبلة حادي عشر ذي الحجة، فحكم المنجِّمون بأن يكون يوم العيد فتنةً عظيمة، فغلب ذلك على العقول، حتى صار كالحقِّ الذي لا شبهةَ فيه، وتأخَّر خلقٌ عن صلاة العيد، وأنَّ الفتنة تكون في يوم العيد وغدِه في دار الخلافة (١)، فخرج الخليفةُ ليلًا من داره إلى الحريم الطاهري على وجَلٍ (٢)، وامتنع العميد من التصرف [وانتظر الناس ذلك العيد وغدَه] ولم يجْرِ غيرُ الخير، وعاد الخليفة إلى داره في الليل. وفي ذي الحجة بُدئ بعمل [مدرسة للشافعية على دجلة بنهر مُعلَّى، بأمر نظام الملك، وهي التي تُسمَّى] المدرسة النظامية، ونقض لبنائها في الدور التي كانت للناس

стр. 9084

بمشرعة الزوايا والفُرْضَة وباب الشعير ودرب الزعفراني، وتوفي أبو منصور بن بكران حاجب الخليفة، وتولى الحجابة مكانَه أبو عبد الله المردوسي. وفيها تُوفِّي سعيد بن أحمد (١) ابن محمد [بن نُعيم] (٢) بن إشكاب [أبو عثمان] الصوفي [ويُعرف بالعيَّار؛ لأنه كان في أول أمره يسلك مسلك الشُّطَّار، ثم رجع إلى الطريق، وهو أحد الجواليق في طلب الحديث، ثم رجع إلى غزنة فمات بها] (٣) واتفقوا على فضله وثقته (٤). [وفيها تُوفِّي] محمد بن منصور (٥) أبو نصر، عميد الملك الكُنْدُري (٦)، وزير السلطان طُغْرُلْبَك، وكُنْدُر: قرية من طُرَيثيث. [وبقزوين قريةٌ يقال لها: كُنْدُر، منها أبو غانم وأبو الحسين] كان فاضلًا مدبرًا حازمًا [وقد ذكرنا طرفًا من أخباره] وكان طُغْرُلْبَك قد بعثه ليخطب له امرأةً فتزوَّجها هو، فخصاه، ثم أقرَّه على خدمته، فاستولى عليه، وكان يَشْعُر، ومن شعره: [من البسيط] الموتُ مُرٌّ ولكنِّي إذا ظمِئَتْ … نفسي إلى العزِّ تستحلي لمشربهِ رياسةٌ باضَ في رأسي وساوسُها … تدورُ فيه وأخشى أن تدورَ بهِ وقال عند قتله: [من البسيط] إنْ كان بالناسِ ضِيقٌ عن مزاحمتي … فالموتُ قد وسَّعَ الدنيا على الناسِ قضيتُ والشامتُ المغرورُ يتبعُني … إن المنيةَ كأسٌ كلُّنا حاسي

стр. 9085

ذِكْرُ مقتله: قد ذكرنا أنه لمَّا مات السلطان خطب لابن أخيه سليمان، وفرَّق الأموال في العساكر، وكتب إلى ألب أرسلان كتابًا أرعد فيه وأبرق، بناءً على أنَّ ألب أرسلان يقنع بخراسان، فلم يقنَع، وسار من نيسابور يريد الري، ولمَّا رأى عميد الملك الغلبة خطب لألب أرسلان، وجاء إلى الري وملكها، ولم يظهر لعميد الملك ما في قلبه، وكان ملازمًا لخدمته. وقال محمد بن هلال الصابئ: حدثني بعض أصحاب عميد الملك بخبره منذ يوم قبض عليه إلى حين قُتِل -وكان في خدمته- قال: لمَّا كان يوم السبت السابع عشر من المُحرَّم أمر ألب أرسلان بإخراجه من حضرته، وخلع على وزيره نظام الملك من ساعته، وجاء عميدُ الملك إلى داره، فسأله أبو البدر كاتِبُه عن حاله، فقال: كنت جالسًا عنده على عادتي في مجلس الشرب، فخاطبه حاجبٌ في تركمانيٌ ممَّن أُسِر من أصحاب قُتُلْمِش. قال: ومَنْ ذاك الكلب حتى تخاطبني فيه؟ امْضِ يا غلام فأتِني برأسه. فقمتُ وقبَّلتُ الأرضَ وقلت: ما يَحسُنُ في مقابلةِ الحاجبِ ذهابُ نفسِ مَنْ خاطب لأجله. فاغتاظ، وقال: أنت قد تعوَّدتَ أن يكون المِلْكُ من قِبَلِكَ، والأمرُ والنهيُ لك، وما عندي شيء من ذلك، فارجع عما عهِدْتَه، واعدِلْ عما ألِفْتَه، وتصوَّر أنني قصدتُ إيحاش الحاجب منه، وكان قبل ذلك قد خلع على سرخاب قَلنسوةَ ذهب وقَباءَ نسيج كانا للسلطان، فقلت: أنتَ أمرُكَ من أمر الباري سبحانه، لا يُسألُ عمَّا يفعل، وإلَّا فمَنْ سرخاب حتى تعطيه قَلنسوةَ السلطان وقَباءه. فازداد غيظًا، ودخل سرخاب وجلس وركبتُه على ركبتي، فضايقني، وقد كان من قبلُ يقف بين يديَّ ويُقبِّلُ الأرضَ، فعزَّ عليَّ ما فعل بي، ثم التفت السلطانُ إليَّ وقال: ضيَّعتَ المال عليَّ ومزَّقتَه. فقلت: يا سلطان، لا تفعَلْ هذا، فلولا ما فعلتُه من بذلِ المال وإعطاءِ الغلمان ما حصل لكَ مالٌ، ولا قلعة ولا الري، ثم إنني قد أخلفتُ من حاشية السلطان عِوَضَه. فقال: كذبتَ وما قصدتَ هذا، وأنت بمنزلة البازي الذي يصيد، وعنده أنَّ الصيد له، فيجيء صاحبُه فيأخذُه منه، وأنت ضيَّعتَ المال طمعًا في الملك أن يصحَّ لك، ويجتمعَ الغلمان عليك، وكيف تصوَّرتَ وأنت تدَّعي الحكمةَ وفصل الخطاب، وقراءةَ الكتب ودراسةَ

стр. 9086

الآداب، أن يموت عمِّي وأن ابن يسابور في مدّة ألف فارس، وأخي قاروت بك بفارس في عساكره وقُتُلْمِش بإزائك في خمسين ألفًا، ويمكنك الخلاص منا، والاستبداد بالملك دوننا؟ ولكن هذا هو الجهل الصريح (١). ثم غضب، وكان منتظرًا السلاحَ ليقتلني، وأنا اجيبه بما أستوفيه، فأمر بإخراجي وإبعادي عنه، وأراد الفتك بي، ثم قام فدخل حجرته، وردَّ الأمورَ إلى نظام الملك، وتأخرتُ إلى بعض الأماكن في الدار، فخرج وقال: أين أبو نصر؟ فقمتُ وقبَّلتُ الأرضَ بين يديه، وتذللتُ وتضرَّعتُ إليه، فقال: ما لك قد خُدِشْتَ؟ أردتَ أن تكون ملكًا بهذا القلب! فقلت: وكيف لا أجزع من سلطان مثلك، ولئِنْ فزِعْتُ منك أن تعاقبني، فكذا أرجو أن تعفو عني وتسامحني. فقال: امضِ إلى دارك، واعلَمْ أنني لم أخرُجْ إليك بما في قلبي وعندي ما تخافه. فقبَّلتُ الأرض، وخرجتُ إلى داري، فقيل لي: باكِرْ خدمتَه ولا تُرِه انقباضًا، ولا أنك مستوحشٌ منه. فباكرتُ إلى الخدمة، فلمَّا وصلتُ إلى باب الحجرة لم يؤذَنْ لي، فقمتُ إلى نظام الملك فهنيتُه وخدمتُه بخمس مئة دينار، فوعدني بما طيَّب به قلبي. قال: وخرج من الدار، فتبعه أكثر العسكر، وبلغ السلطان فقيل له: إذا كانت طاعةُ العسكر له هذه الطاعةَ مع غضبك عليه وإهانتك له، فكيف إذا كان في حالة الرضا، وهو معك في البلد الذي قد ملك قلوب أهلِه بالمال وغيره؟ وفي داره ثلاث مئة غلام، وهو في دارك يشرب معك دائمًا، وربما لاحَتْ له فرصةٌ فيك، فأرسل إليه يقول: هؤلاء الغلمان الذين عندك لا حاجة لك إليهم، فأرسِلْهم إلينا. فأرسلهم إلا أربعة، فإنه سأل أن يبقَوا عنده، ففرَّق الغلمان في الحُجَّاب، ولم يشعر إلا بعميد خراسان قد هجم عليه ومعه خمسون رجلًا، فتوكل به، وبعث عميدُ الملك إلى نظام الملك، وسأله الاجتماع به، فجاءه نظام الملك، فسأله أن يخاطب السلطانَ فيه، فوعده وطيَّب قلبه، ثم بعث إليه السلطان يقول: أثبِتْ جميع مالك ونفِّذه إلى الخزائن. فأخرجَ جميعَ ما كان في داره من الثياب والمصاغ، ولم يجد عنده سوى ألف دينار وسبعين ألف درهم -قيل: كان قدور المطبخ- وتقدَّم إليه بالمسير إلى مَرو الرُّوذ إلى أن يمضيَ السلطانُ إلى الروم إلى الغزاة، ثم يعودَ فيُحضِرَه إلى خدمته. وكان له صبيٌّ تركيٌّ قد تبنَّاه، ويحبُّه محبةً عظيمةً، بحيث

стр. 9087

إنه لا يفارقه، فاتَّفق أنه مات، فانزعج وقال: قد ولَّتِ السعادةُ، وانقضتِ الدولةُ. وأنفذ إليه السلطانُ كتابه الذي دافعه فيه عن المجيءِ إلى الري، والمُقامِ بنيسابور، والتصريحِ بالمحاربة، ثم أتبعه بالكتاب الذي بخطِّه وهو يرعد فيه ويبرق، وقال: أما هذه مكاتبتُكَ إليَّ وهي خلافُ ما ادَّعيتَه من كونِكَ بذلْتَ المال في خدمتي. فقال: عفوُ السلطان أعظمُ من ذنبي. قال صاحبه: وخرج إلى مَروالرُّوذ في يوم الثلاثاء خامس صفر، وخرجتُ معه، وحمل [معه] (١) زوجته وابنته وجواريه والأربع غلمان، وكتب معه كتابًا إلى مَروالرُّوذ، فيه: الشيخُ الجليلُ عميدُ الملك يخدُمُ خدمةً مرضية، ويُجري عليه في كل شهر مئة دينار، فخرج وهو طيِّب النفس بهذا الكتاب، منظورٌ أنه يعود إلى ما كان فيه، ووصل إلى نيسابور، ودخل إلى خاتون زوجة ألب أرسلان أم خفجاق ولدِه، وخدمه، وأخذ ولدَها فأجلسه في حُجرِه، وتعلَّق بذيله وذيلها، واستجار بها وسألها المكاتبة إلى السلطان في العفو عنه، وحمل إليه خمسَ مئة دينار وفرسًا، فوعدته بالجميل، وكتبت له إلى مروالرُّوذ وهي داخلة في إقطاعها بألف دينار، وكتبت له إلى السلطان كتابًا، وأنه قد استجار بها وبولدها، ومضى إلى مروالرُّوذ فنزل بدار رئيسِها، ثم وصل إلينا الخبرُ بأن محمود بن أبي علي المَنيعي رئيس نيسابور ورد إلى مكانٍ بينه وبين مروالرُّوذ سبعُ فراسخ، وجاء كتابُه إلى أخيه عبد الرزاق النائب عنه في البلد أنَّ السلطان كتب إليه مع غلام تركي يأمره بقتل عميد الملك (٢)، وأنه أنفذ الكتابَ والغلامَ إليه ليقف عليه، ويُمكِّن الغلامَ مما جاء فيه، وأنه ما تأخَّر إلا حياءً من أن يجري ذلك على يده. قال: فانزعج عبد الرزاق -وكانت بين عميد الملك وبين المَنيعي مودةٌ مؤكَّدةٌ، وصداقة شديدةٌ- وحضر الغلامُ عند عميد الملك، وأمره بالصعود إلى القلعة، وأنَّ السلطان إنما أنفذه لهذا، فصعد وحُرَمه إليها، وكان عبد الرزاق خطيبَ البلد متقدِّمَه، وكان ذلك في يوم جمعة، فصَعِد المنبر ولم يدْرِ ما يقول، فذكر الكلمتين ونزل، واطَّلعتُ أنا على الخبر، فصَعِدتُ إليه وعرَّفتُه وقلتُ: انظُرْ هل من حيلةٍ؟ فأبلس وجَفَّ لسانه، وقال: الحيلةُ أن تجمع بيني وبين عبد الرزاق. فنزلتُ إليه وقلتُ له: قد

стр. 9088

علمتُ ما بينكم وبينه، وقد علم بالخبر، ويسألك الاجتماع ليوصيَ إليك بأهله وحرمه. فقال: ما لي قلبٌ أشاهده. فلم أزَلْ به حتى أصعدتُه إليه، فتعلَّق بذيله وقال: ما أعرف خلاصي إلا منكَ. فقال: وأيُّ حيلةٍ لي؟ قال: تكتب إلى أخيك بأنني لا أُقدِمُ على هذا الأمر حتى تحضر، فهذا حضر قلتَ له: هذا أمر عظيم، ما ينبغي أن تُقدِمَ عليه بأول كتاب، ولعلَّ السلطان كان سكرانَ، والرجل مريض، وربما قضى نحْبَه، وكُفيَ السلطانُ إثمَه، وأكتب أنا ورقةً أُرقِّقه فيها. فقال: سمعًا وطاعة. ونزل من القلعة، وكتب إلى أخيه محمود كتابًا، فجاء إليه واجتمعا، وعرَّفه ما قال عميد الملك، وقال: علينا الحقوق. فقال: سمعًا وطاعة. وكتب إلى السلطان يبذل له الأموال العظيمة، ويخضع ويَذِلُّ، وبعث محمود بالكتابين، ووهب عميدُ العراق الغلامَ الوارد مالًا، فتوقَّف إلى حين يجيء الجواب، وسال عميدُ الملك عبدَ الرزاق أن يوقفه على الكتاب، فبعث به إليه، ومضمونه بأننا أنفَذْنا الشيخَ أبا نصر إلى مجلسه (١)، وأبقينا على نفسه؛ تصوُّرًا منا أنَّ فساده منحسم، وأذاه منقطع، وأنه يشغله خوفُه على مُهجتِه عن سوء فعله وطريقته، وما نراه إلا ازداد عتوًا وفسادًا، وأنَّ عقارِبَه تدِبُّ إلينا، وقد اجتمعت آراءُ محتشمي دار الخلافة وآراءُ دولتنا على أنَّ الصلاحَ في الراحة منه، فيُخنَقُ بسلسلة، ويُعلَّق على باب القلعة سبعةَ أيام، فلما قرأه يئس من الحياة، وأقمنا مدةً، فجاء غلامان من غلمان السلطان ومعهما إلى محمود كتابٌ يُنكر عليه إقدامَه على المخالفة، وبؤمَرُ بقتله وحَمْلِ رأسِه إليه، وصَعِد الغلامان إليه، فقام إليهما، وسلَّم عليهما، وقال: في أيِّ شيء جئتما؟ فقالا: قُمْ وصَلِّ ركعتين، وتُبْ إلى الله تعالى مما أسلفتَ. فقال: أدخُلُ وأُودِّعُ أهلي. فقالا: ادخُلْ. فدخل، وارتفع الصُّراخُ من زوجته وابنتيه وجواريه، وكشَفْنَ رؤسهُنَّ، وحثَينَ التراب عليها، فدخلا عليه وقالا: اخرُجْ. فقال: خُذا بيدي فقد منعني هؤلاء النساء من الخروج. فأخْرَجاه وأغلَقا الباب، وخرج إلى مسجد هناك، ومشى حافيًا، وخلع فَرَجية سَمُّورٍ (٢) كانت عليه، فأعطاهما إيَّاها،

стр. 9089

ومزَّق قميصَه، وأخذوا عمامتَه، وجاؤوا بسارقة (١) قُطِعَتْ من سُرادق، فقال: ما أنا بعيَّارٍ ولا لِصٍّ فأُخنَق، والسيف أروَحُ لي، وهو أمحى للذنوب، ومن قُتِلَ به فهو شهيد. فشدُّوا عينيه بخرقة من طرف كمِّه وضربوا رأسه فطار، فأخذوا رأسه فتركوه في مِخْلاةٍ (٢)، وحملوه إلى السلطان، وسألت أختُه أن تُسلَّم إليها جُثَّتُه فسُلِّمتْ إليها، فحملتها إلى كُنْدُر، فدفنتها عند أهله وابنه، وأبوه مات مقتولًا، وكان ألب أرسلان بكرمان، فحمل إليه الرأس، وبعثت أختُه تستقصي عن الرأس، فقيل لها: أُلقي في بئر. و [قال ابن الصابئ]: لمَّا قُتِلَ صَعِد عبد الرزاق ليلًا فغسَّله وكفَّنه بقميص دبيقي كان القائم أعطاه إياه من ملابسه، مع قطعة من بُردة النبي ﷺ ، ولفَّه فيها، وأنزله إلى مقبرة البلد فدفنه فيها، وكانت سنُّه نيفًا وأربعين سنة، وكان الذي وضع الحاشية على أن يسيروا بقتله نظامُ الملك، والعجبُ بأنَّ ألب أرسلان ونظام الملك ماتا مقتولَين (٣). السنة الثامنة والخمسون والأربع مئة فيها في يوم عاشوراء أغلق أهلُ الكَرْخ دكاكينهم، وعلَّقوا المسوح على ما كانت عادتُهم جاريةً به في القديم، فثار أهلُ تلك المحالِّ، وجاؤوا إلى دار الخليفة واستطالوا، فخرج الأمر (٤) إلى المُعمَّرِ نقيبِ النقباء بإنكار ذلك، فقال: ما علمتُ. وحبس جماعةً أيامًا ثم أطلقهم، وقال القائم: هذا شيء قد كان فلا تُعاودوا إليه. وفيه ورد الخبر أنَّ السلطان انفصل عن مرو إلى خُوارَزم، ومعه تاج الملوك أبو كاليجار هزارسب عاملُ الأهواز، وأنه طُولِبَ بالأموال التي عليه من ضمان البصرة وخوزستان وأَرَّجان منذ وفاة طُغْرُلْبَك مدة ثلاث سنين وهي ألف ألف دينار، فطلب العَوْدَ إلى بلاده ليجمع المال، فقيل: لو أسرعتَ في حمل المال لأسرعنا إلى إطلاقك، فلا بُدَّ من المقام على الباب حتى يُحمل المال، وكان السلطان مُبطنًا سوءَ

стр. 9090

الرأي فيه، مُظهرًا الجميل له، وحضر ليلةً عنده والسلطان سكران، فسمع صوتَ طبول بعد طبوله، فقال: ما هذه؟ قيل: طبول تاج الملوك. فقال: ومَنْ هو هزارسب حتى يفعل هذا من غير إذن؟ فانكسر هزارسب، ثم أصبح السلطان فخلع عليه واعتذر إليه، وبعث السلطان إلى العراق مَنْ يقبض على كتَّابه، فهرب أبو يعلى كاتبُه إلى حِلَّةٍ لأبي الأغر دُبَيس، ونَهَبتِ الديلمُ دُورَه ودُورَ المتعلِّقين به بالأهواز، وكان السلطان قدم خُوارَزم، واستقبلَتْه الخِدَم (١) في جملتها سَبيخة دَبيقي (٢) فيها دنانير قدَّمها نظام الملك، فأخذ السلطانُ منها كفًّا، ومدَّ يدَه إلى ولده الأكبر إلياس، فسعى على ركبتيه، وقبَّل الأرض بين يديه، فأخذها وعاد إلى موضعه على ركبتيه، وكان هزارسب حاضرًا، فأوما إليه السلطان بكفِّ آخر، فقام قائمًا، وقبَّل الأرض ومشى إليه، وأخذها منه، فثَقُل على السلطان، حيثُ إنه لم يسْعَ على ركبتيه، وقال له: أنت قد طار في رأسك الملكُ ومكاتبةُ الخليفة بطلبه، وبذلِ المال والاشتغالِ بنيسابور على الأهواز للتحصُّن، فانزعج واعتذر، وقال: واللهِ ما أحللتُ بذلك، إلا لأنها عادةٌ لا نعرفها، والقيامُ على أرجُلِنا هو أقصى نهاية الخدمة. واندرج المجلسُ على هذا. وركب السلطانُ من الغد، والتقاه أيتكين الحاجبُ حاجبُ أخيه سليمان، فلما رآه قال: أحسنت يا مؤاجر، تأخَّرتَ عني ولم تتبَعْني طلبًا للسلامة وتوقُّعًا لسوء المنقلب. وأمر به، فنكس من فرسه، ونزل إليه فضربه، فقدَّه نصفين، وقال: هاتوا هزارسب ليبصره. فارتاع هزارسب، ومضى إلى نظام الملك، وطرح نفسه عليه، وقال: ما أعرف إصلاح حالي إلا منك. وحمل إليه مالًا، وإلى خاتون زوجة السلطان، فحمله نظام الملك إلى السلطان، فلمَّا دخل عليه قال: ما أعرفُ لي ذنبًا أستوجب به هذا، وأما السُّور الذي أردتُه على الأهواز فركن الدين أمرني به، وأما ما حُكي عني من طلب الملك فإنما هو زورٌ اخْتَرَصَهُ (٣) أعدائي، حتى أفسدوا جميل رأي السلطان فيَّ. فقال

стр. 9091

السلطان لنظام الملك: قُلْ له يقعدُ، ويزيلُ روعَه، ويُطيِّبُ نفسه. ثم قال: ما أقول لك قولًا إلا وهو دليل على صفاء النية لك، ولو كان عن سوء رأيٍ لما أوحشتُكَ وداجيتُكَ (١)، ثم وعده بإطلاقه إلى بلاده. وفي ربيع الأول ولدتِ امرأةٌ بباب الأزج صبيةً لها رأسان، ووجهان، ورقبتان مفترقتان، وأربع أيدي، على بدن كامل، وماتت البنت (٢). وفيه حَصِبَ الأميرُ عُدَّةُ الدين أبو القاسم بن الذخيرة، وتعدَّى ذلك إلى جده القائم، وانزعج الناس، ولحقهم أمر عظيم؛ لأنه لم يبقَ من بني العباس من يصلح للخلافة غيرُهما، ثم منَّ الله تعالى عليهما بالعافية، فسُرَّ الناس. وفي ربيع الآخر وصل خيلٌ ناشئٌ من خُوارَزم إلى نظام الملك بكتاب من السلطان يُخبر بما فُعِلَ مِنْ وراء النهر وخُوارَزم من الفتوح، وقمع المفسدين، وتهديد تلك البلاد. قال: وكان التركمان قد اختلطوا بالكفار، وكانوا ينهبون التجار، وكانوا على طرف البحر عند القفجاق، ولمَّا سمعوا بنا عبروا إلى جزيرة في البحر، وتركوا أموالهم ونساءهم ومواشيهم، ولا نَقدر على إحصائها، فاستولينا على الجميع، وعاد إلى خراسان، فخرج الجماعة الذين تخلَّفوا عنه للقائه مع نظام الملك، وقيل: إنما كانوا تأخَّروا عنه بخُوارَزم. وفي ربيع الآخر لأربعٍ بَقِينَ منه حدثت ببغداد فتنةٌ بين الشافعية والحنابلة واقتتلوا. وفي العشر الأول من جمادى الأولى في نيسان ظهر في أواخر برج الحوت كوكبٌ كبيرٌ له في المشرق ذؤابة عرضها نحو ثلاثة أذرع [وطولها أذرع كثيرة] (٣) إلى حدِّ المجَرَّة من وسط السماء مادَّةً إلى المغرب، ولبث إلى ليلة الأحد لستٍّ بَقِينَ منه، وكانت الشمس في برج الثور، ثم ظهر في برج السرطان عشيةَ يوم الثلاثاء عند غروب الشمس من المغرب [كوكب] قد استدارَ نورُه عليه كالقمر، فارتاع الناسُ وانزعجوا، ولمَّا أعتَمَ الليلُ رمى ذؤابةً نحو الجنوب، وكان مسيره كسرعة مسير القمر إلى أن انتهى

стр. 9092

إلى برج الأسد ومقارنة زُحَل مارًّا نحو القبلة، في مدة عشرة أيام، وثبت مكانَه إلى أن اضمحلَّ وذهب في أيامٍ مضتْ من رجب. وورد من بعض التجار كتبٌ من عُمان بأن ستة عشر مركبًا خُطِفت من سواحل البحر طالبةً لعمان، وأنها غرقت ليلة طلوع هذا الكوكب الأخير، وهلك فيها ثمانية عشر ألف [إنسان، وجميعُ المتاع الذي حَوَتْه، وكان من جملته عشرة آلاف] طبلة كافور. [وقال ابن الصابئ: ووجدتُ بخطِّ جعفر بن المكتفي ما يتضمَّن ذكر ما حدث من طلوع هذا الكوكب، وكان هذا الرجل مُبَرِّزًا في علم هذه الصناعة إلى أبعد غاية. قال: يذكرون خبرًا يطول، وجملته أن كوكب الذنب طلع في وقت قتل قابيل هابيل، وفي وقت الطوفان، وفي وقت نار إبراهيم الخليل، وإحراق نمروذَ أباه، وعند هلاك قوم عاد وثمود وقوم صالح، وعند ظهور موسى وهلاك فرعون، وفي غزاة بدر، وعند قتل عثمان وعلي، وفي سنة سبع وعشرين وثلاث مئة في خلافة الراضي. قال: وقد ظهر أيضًا في خلافة المستعين، فقيل: وقُتل بعده المعتز والمهتدي والمقتدر، وذكر الأحداث عند ظهور هذا الكوكب. قال: وأدناها الزلازلُ والأهوال. قال: وقد ذكر الكندري من هذا الباب أشياء منها أن في سنة خمس وعشرين ومئتين في خلافة المعتصم ظهر في الشمس نكتةٌ سوداء قريبة من وسطها، فأقامت في وجه الشمس أحد وتسعين يومًا، ومات المعتصم بعدها، وقد طلع هذا الكوكب عند موت الرشيد، وذكر الكُندري كلامًا طويلًا في تأثير هذا الكوكب، يدلُّ على حدوث شرٍّ عظيم، وزوال الممالك منذ آدم وإلى هلُمَّ جرًّا، وكذا سماع الأصوات الهائلة من السماء، ورمي الحجارة، وظهور العمرة، وقد ظهر هذا الكوكب في هذه السنة في أشياء عُرف منها الكواكب التي ذكرنا، ومرض الخليفة وولد ولده]. وكانت زلازل بخراسان في هذه السنة تصدَّعت منها الجبال، ورمَت القلاع الشاهقة، وأخربت البلدان، وخسفت بعدة قرى، وأهلكت خلقًا عظيمًا، ولم يسلَمْ إلا من خرج إلى البرية، وغار ماءُ البحر أيامًا ثم عاد، ووقع حريقٌ ببغداد أتى على معظمها.

стр. 9093

وورد الخبر بأنه قد ملكت جزيرة أُوال المسمَّاة بالبحرين، وهي من أعمال القرامطة، غلب عليها أهلها، وأمَّروا عليهم أبا البهلول عزام بن محمد بن يوسف بن الزجاج، فخطب بها للقائم، وكان يخطب بها لصاحب مصر، وبعث إليهم القرامطةُ جيشًا فهزموه، وكان أبو البهلول وأخوه أبو الوليد من أهل الدِّين، فأبْقَوا من القرامطة، واجتمع أهلُ الجزيرة عليهما، وبذلوا للقرامطة ثلاثةَ آلاف دينار حتى يُمكِّنوهم من بناء جامع يأوي إليه المجاورون والمسافرون والغرباء، ويُصلُّون فيه الجمعة، فأجابوهم، فلمَّا تكامل الجامع صَعِد أبو الوليد المنبر، فخطب للخليفة القائم، فقال من يهوى القرامطة: هذه بدعة، ويجب أن يُمنع بنو الزجاج من الخطبة، ويُصلُّون بغير خطبة، وتقدَّموا إليهم بذلك، فقالوا: ما بذَلْنا إلا ليجلب إلينا التجارَ والعجمَ والمسافرين، فإن كرهتم ذلك فادفعوا إلينا ما بذلناه، فمعيشتنا من هذا الباب. وكوتب القرامطة بذلك، فجاء الجواب بأن لا يعترض عليهم، فمال إليهم أهل تلك النواحي، فلمَّا أخرج الخليفةُ من بغداد نوبةَ البساسيري قال المخالفون لهم: الخليفةُ الذي كنتم تخطبون له زالت أيامه، والخطبة لصاحب مصر. فلم يمتنعوا من الخطبة للقائم، وبعثوا إلى القرامطة هديةً، وسألوهم أن لا يعترضوا عليهم، فجاء جوابُهم أن يجروا على عادتهم في الخطبة لمن أراد، وقويَ أمرُ أبي البهلول، ثم كتب القرامطةُ إلى نائبهم بأن يصادر أهلَ البلد، وكان عاقلًا، فامتنع، وعلم بنو الزجاج بذلك، فولَّوا عليهم أبا البهلول، وكانوا ثلاثين ألفًا، وقدم والٍ جديد، فعزم على القبض على أبي البهلول ومَنْ وافقه، فبادروه بالقتال، وكان بالجزيرة رجلٌ يقال له: ابن أبي العريان، كبير القدر، فوافقهم، وانحاز إلى أبي البهلول، وزحفوا إلى الوالي الجديد، فقتلوا من أصحابه جماعةً، وهرب، وكان الوالي العتيق الذي لم يُصادرهم يقال له: ابن عرهم، فجاء الجواب بأنَّا لا نردُّه والعساكر واصلةٌ. وبعث أبو عبد الله بن سَنْبَر -وزيرُ القرامطة- أحدَ أولاده إلى عمان لحمل مال وسلاح منها، وعَرَفَ أبو البهلول وابن أبي العريان ذلك، فكتما، وكمنا له في الطريق عند عوده، فقتلاه وأربعين رجلًا معه صبرًا، وأخذ ما كان معه وهو خمسة آلاف دينار وثلاثة آلاف رمح، ففرَّق المال والسلاحَ على أصحابهما، وبلغ ابنَ

стр. 9094

سَنْبَر، فمال إلى ابن أبي العريان، وكاتبه سرًّا، وبذل له الأموال، وأن يُولِّيه الجزيرة فمال إلى قوله، وأجابه إلى الفتك (١) بأبي البهلول، وأنه إذا بعث عسكرًا في البحر إلى الجزيرة وقَرُب منها وثب على أبي البهلول فقتله وقتل أصحابه، ثم قال لأهله وعشيرته: هذا الذي نحن فيه أمرٌ لا يتمُّ، وما لنا بالقرامطة قُدرة، ويجب أن نُدبِّر أمرنا معهم. فقالوا: افعَلْ ما تراه، فنحن تبَعُكَ وبدأ في نقض ما اتَّفقوا عليه، وعرف أبو البهلول ذلك، فانزعج، وجمع أهلَه وعشيرتَه، وأطلَعهم على الحال، وقال: ما لنا قدرةٌ بابن أبي العريان، هو أقوى وأكثر رجالًا ومالًا، فاطلبوا قتله غيلةً بوجه لطيف، وإلا يتقرَّب بنا إلى القرامطة. فرصدوه حتى نزل إلى عين تسمى عين ثَور يغتسل، فنزل إليه رجل فقتله. وقيل: بل قاتله أحدُ بني أعمامه، وجاء أصحابه فرأوه قتيلًا، فجاؤوا إلى أبي البهلول واتَّهموه بقتله، فحلف لهم أنه ما قتله، فصدَّقوه، وجاء ابن سَنْبَر وزيرُ القرامطة بالعسكر على ما كان استقرَّ بينه وبين ابن أبي العريان في مئة وثمانين شذاة (٢)، وجاء على فرسه فوقع، فانكسرَتْ ساقُه، فأقسم عليه أخوه أبو الوليد أن يرجع فأبى، ونزل على حاله في شذاة، وأمره بضرب الدبادب والبوقات ونشر الأعلام، واتفق لابن سَنْبَر من السوء أنه كان معه في الشَّذاة خمسُ مئة غلام وفرسٌ لعامر وربيعة؛ تصوُّرًا منه أنه يدخل البلد في غير حرب، ولم يشعر بقتل ابن أبي العريان، فلمَّا ضرب البوقات والطبول وسمعها الخيل ورأت المطارد (٣) نفرت، وغرق بعض الشذا، ووقعت الحرب في البحر، وهرب ابن سَنْبَر إلى الساحل، واستولى أبو البهلول على باقي (٤) الشَّذا، فأخذ منها نحو مئتي فرس وسلاحًا كثيرًا، واستأمن إليه مَنْ كان فيها من أهل السواد، وحلفوا أن ابن سَنْبَر أخذهم قهرًا، وظفر بأربعين رجلًا من القرامطة فقتلهم صبرًا، وعاد وقد برئت ذمَّتُه، وقوي أمرُه، وانتظم حالُه، واستوزر أخاه أبا الوليد، وكتب إلى بغداد بالفتح، وشرح الحال إلى أبي منصور بن يوسف.

стр. 9095

وقال محمد بن هلال الصابئ: حدثني أبو حفص الريحاني أحدُ المتفقِّهة حديثَ القرامطة، وكان قد اجتاز بهم [في بعض أسفاره]. قال: إن جزيرة أُوال ثلاثة عشر فرسخًا ضياعًا ومزارعَ ونخيلًا وأشجارًا، ونفَسُ البلد لطيف، وعددُ قُراه مدّة وثلاثون قرية، منها قرية تشتمل على مئة وثلاثين مسجدًا تُسمَّى تُسْتَر، وهم يخطبون قديمًا لبني العباس والقرامطة من بعدهم في بلد يُعرف بالقَطيف على ساحل البحر، وجميع السواد، إلا الأحساء فلا يُخطَب فيها لأحد، ولا يُصلَّى فيها جمعةٌ ولا جماعةٌ إلا صلاة التراويح؛ تعظيمًا لأبي سعيد الجَنَّابي المدفون بها، وفيها قوم يُعرَفون بالسَّادة من أولاد القرامطة، من ظهر أبي سعيد الجَنَّابي، كلَّما نقص من عددهم واحدٌ أقاموا واحدًا مكانه، وهم على سَنَنٍ من العدل، يقيمون الحدود، ويحافظون على الصلوات، ويُبطلون المذاهب الفاسدة، ولهم ستة وزراء من سنين لا يستبدلون بهم؛ لأن أبا سعيد لمَّا ظهر عاهدوه وشرطوا عليه أن تكون الوزارةُ فيهم والرياسةُ فيه. ومن مذهبهم إسقاط الجزية عن أهل الذمة، ويُصلُّون على أبي سعيد ولا يُصلُّون على النبي ﷺ ، وإن صلَّى عليه أحدٌ صفعوه وقالوا: لا تأكل رِزْقَنا ورِزْقَ أبي سعيد وتُصلِّي على أبي القاسم. واعتقادهم أن أبا سعيد يعود إليهم ويخرج من قبره عليهم إذا طار طائر من حصن معمول في رألس قبة على ضريحه من دارهم بالأحساء، وعند القبر فرس مشدود، وخلعة ثياب، ودَسْتُ سلاح مُعَدٌّ لخروجه. وفي جمادى الآخرة حدثَتْ زلزلةٌ بنيسابور لبِثَتْ أيامًا أهلكَتْ خلقًا عظيمًا، وخَسفَتْ عِدَّة نواحٍ، وخرج الناس إلى الصحراء هربًا من البنيان. [وورد من هناك إلى بغداد كتابٌ شرح الحال يقول فيه: كتابي -أطال اللهُ بقاء الشيخ- عن نفسٍ زاهقة، وأحشاءٍ راجفة، وعقلٍ ذاهِب، وقلبٍ ذاهل، وعينٍ ممطرة، ودموعٍ منسكبة، وغمومٍ في الصدر مقيمة، وهمومٍ على الفؤاد مُخيِّمة، ممَّا دُهينا به خصوصًا، أهل هذه البلدة عمومًا، في زلزلةٍ شديدةٍ، وهدَّةٍ عظيمة، تصدَّعَتْ منها الجبال، وتشقَّقتْ منها التلال، وانقلبَتِ القرى بأهلها، واستُؤصلَتْ مواصِلُها، ولم يسلَمْ من ساكنيها إلا القليل، وهذا لَعمري الخطبُ الجليل، وخرب أكثر بنيان البلد، وهلك خلقٌ لا يأتي عليهم العدد، وقامَتِ القيامة قبل أوانها، وبدَتْ آثارُ الساعة قبل أيامها، وكثُرَ الويلُ

стр. 9096

والعويل، ولم يحجَّ من الناس إلا القليل، والناس حيارى على المزابل، سكارى من الهول الهائل، والأرض تفرع وتميد، وليس عمَّا قضاه الله محيد]. وورد كتاب من خراسان بِعَوْد ألب أرسلان من خُوارَزم إلى نيسابور، وأنه أذِن لهزارسب في العود إلى خوزستان يحمل ما بقي عليه من المال إلى الخزانة، بعد أن أدَّى مئةَ ألف دينار. وفي شعبان ورد أميرُ الجيوش بدر إلى دمشق واليًا، وهذه ولايته الثالثة، فنزل في مرج باب الحديد أيامًا، وبلغه قتلُ ولده بعسقلان، فدخل إلى القصر وأقام فيه، فوقعت الفتنة بين أهل دمشق وعسكره سنة ستين وأربع مئة، فخرج من القصر، فنزل عند مشهد القدم، فأحرق أحداثُ دمشق القصرَ. وفيها خلع الخليفةُ على وزيره ابن جَهير خِلعةً نفيسةً، فطاب قلبُه، فكان الخليفة هو المباشر بنفسه الأمور، فأحبَّ ابنُ جَهير أن يستبدَّ بالأمور على جاري عادة الوزراء. وفي رابع ذي القعدة خرج خادمٌ من عند الخليفة رسولًا إلى السلطان يهنيه بسلامته، ومعه خلع للسلطان، وأُضيف إليه أبو محمد التميمي الحنبلي، وأصحبهما يُذكِّره بِعَود خاتون زوجة الخليفة إليه، وشكايةً من النواب وما يتعرَّضون له في إقطاعه وإقطاع حاشيته، ولمَّا وصل هزارسب إلى الأهواز استأصل الدَّيلم، وأخذ أموالهم وإقطاعاتهم، وحصل له منهم مال عظيم. وفي رمضان كُسي جامع المنصور بالبواري، فدخل فيه أربعة وعشرون ألف ذراع بواري، وثلاث مئة منًّا من الخيوط، وأخذ الصنَّاعُ أجرتَهم عشرين (١) دينارًا. [قلت: وهذه بَوارٍ لو كانت حصر سامان (٢) أُفرش في أرضه اللؤلؤ والمرجان لكان قليلًا في جنب من صلَّى فيه من العلماء والفضلاء والفقهاء والزُّهَّاد والعُبَّاد والأولياء].

стр. 9097

وفيها توفِّي أحمد بن الحسين (١) ابن علي بن عبد الله، البيهقي، الحافظ، أبو بكر، ولد سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، وكان أوحدَ زمانه في علم الحديث والفقه والأصول، وله التصانيف الكثيرة، وجمع نصوص الإمام الشافعي ﵁ في عشر مجلدات، وتوفي بنيسابور في جمادى الآخرة، ونُقِلَ تابوتُه إلى بيهق، وكان مُتعفِّفًا، زاهدًا، ورعًا، صدوقًا، ثقةً. [وفيها تُوفِّي] محمد بن الحسين (٢) ابن محمد بن خلف بن أحمد، ابنُ الفرَّاء، أبو يعلى، القاضي، الحنبلي، ولد في المُحرَّم سنة ثمانين وثلاث مئة، سمع الحديث وتفقَّه على أبي فلان، وانتهت إليه رئاسة الحنابلة، وصنَّف الكتب، وشهد عند (٣) قاضي القضاة أبي عبد الله بن ماكولا وعبد الله بن الدامغاني، فقَبِلا شهادته، وتولَّى الحكم بحريم دار الخلافة، وتُوفِّي ليلةَ الاثنين، ودُفِنَ يوم الاثنين العشرين من رمضان وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وغسَّله الشريف أبو جعفر بوصية منه، وأوصى أن لا يدخل معه القبر غير ما عزله لنفسه من الأكفان، وعُطِّلت الأسواقُ لجنازته، ومشى فيها الأعيان: القاضي الدامَغاني، ونقيب الهاشميين أبو الفوارس طراد الزينبي، وأبو منصور بن يوسف، وأبو عبد الله بن جردة، والفقهاء، وصلَّى عليه ابنُه أبو القاسم عبيد الله، وهو يومئذٍ ابنُ خمس عشرة سنة، ودُفِنَ بباب حرب، وكان إمامًا في الفقه، وأفتى سنين، وانتهى إليه المذهب، وانتشرت تصانيفُه وأصحابُه، وجمع بين الأمانة والصدق وحُسن الخلق والسمت والتعبُّد والتقشُّف والخشوع والصمت عن ما لا يعنيه، واتباع السلف، وخلَّفَ من الولد ثلاثةً: عبيد الله، وأبا حازم، وأبا الحسين.

стр. 9098

وقال أبو يعلى البَرَداني: رأيتُه في المنام فقلت له: ما فعلَ الله بك؟ فقال وهو يعدُّ بأصابعه: غَفَر لي، ورَحِمني، ورفع منزلتي. فقلت: بالعلم؟ فقال لي: بالصدق. وأفطر يوم جنازته خلقٌ كثيرٌ؛ لأنَّ الحرَّ كان شديدًا. ولمَّا غلب البساسيريُّ على بغداد ولَّاه القضاء، فاستأذن أبا عبد الله الدامغاني [ثم] (١) دخل عليه وأخبره، واستأذنه فأذِنَ له، وكان في اعتقال البساسيري، وكان فيمن بايع المستنصر صاحب مصر. قال الحافظ ابن عساكر (٢): سمعتُ أبا غالب بن أبي علي بن البناء الحنبلي يقول: لمَّا مات أبو يعلى ذهبتُ مع أبي إلى داره بباب المراتب، فلقِيَنا أبو محمد التميمي الفقيه الحنبلي، فقال: إلى أين؟ فقال أبي: مات القاضي أبو يعلى. فقال أبو محمد: لا ﵀، فقد بال على الحنابلة -يعني البولةَ الكبيرة- لا تُغسل إلى يوم القيامة -يعني المقالة في التشبيه-. السنة التاسعة والخمسون والأربع مئة فيها في المُحرَّم ورد ألب أرسلان إلى الريِّ من نيسابور. وفيه بعث صاحب مصر إلى محمود بن الزَّوقلية المتغلِّب على حلب يُطالبه بحملِ مالٍ إلى خزانته، وبغزو الروم الذين هم في مجاورتِه، وصرفِ سُرْخاب ومن معه من الغُزِّ إن كان على طاعته، فأجاب: يا بُنيَّ قد ألزمتُ على أخذ حلبَ من عمي أموالًا اقترضها، وأنا مطالبٌ بها، وليس في يدي ما أقضيها، فضلًا عما أصرفه في غيره، فإذا قضيتُ ديوني، واستقام أمري، حملتُ وخدمتُ، وأما الرومُ فقد هادنتُهم مدةً، وأعطيتُهم ولدي رهينةً على مالٍ اقترضتُه منهم، فلا سبيل إلى محاربتهم حتى أوفيَهم المال، وأُخلِّصَ ولدي، وتنقضي الهدنة، وأما ابنُ خان (٣) والغُزُّ الذين معه فيَدُهم فوق

стр. 9099

يدي، وإنما استخدمتُهم مصانعةً لهم، وكفًّا لفسادهم، فإن رأيتَ صرْفَهم فلتُنفِذْ إليهم مَنْ هو أقوى عليهم مني، وأنا أُساعده، فلمَّا وصل الجواب كوتِبَ بدرٌ الجمالي أميرُ الجيوش المقيم بدمشق، بأن ابن الزَّوقلية قد خلع الطاعة، وأنه مال إلى الجهة العراقية، فنسيرُ إليه ونقاتِلُه، فكتب بدرٌ إلى عطية وهو بالرحبة أن يسير إلى حلب، ووعده المساعدة، فسار ومعه [من] (١) بني كلاب عِدَّةٌ قويةٌ إلى حماة، وعلم محمود، فخرج من حلب، واستصحب معه الرجال والغُزَّ إلى بني كلاب، فنزل عليهم؛ لئلا يذهبَ الباقون إلى عطية ويُحِسَّ بهم، ولم يبقَ إلا الحرب، فدخل القاضي ابنُ عمار المقيم بطرابلس بينهم، وأصلح الحال، واستحلف محمود وعطية لصاحب مصر، وحلف كلُّ واحد منهما لصاحبه على أنَّ الرحبةَ وبالِس والرقة والبلاد الفراتية لعطية، وحلبَ لمحمود، وسار عطيةُ إلى دمشق، فأقام في خدمة صاحب مصر، وبلغ مسلمَ بنَ قريش، فسار إلى الرحبة فملكها بمواطأةٍ من أهلها؛ لقُبحِ ما عاملهم به عطيةُ، وأقام مسلمٌ الخطبةَ بها للخليفة، ثم للسلطان، ثم لنفسه. وتُوفِّي ابنُ البساسيري يوم الأحد بدمشق، واتُّهِمَت به مغنيةٌ كانت له، وأولَدَها ولدًا، وأنها وافقَتْ فَرَّاشه وطبَّاخه على سمِّه، فسمُّوه، فصلبهم أميرُ الجيوش ورماهم بالنُّشَّاب، واتَّفق موت أخيه في هذا الشهر، وكان مقيمًا بمصر، فتنمَّر (٢) عليه ناصر الدولة ابن حمدان، فهرب منه قاصدًا دمشق، فواصل السير خوفًا من اتباعه، فلحقه من المشقة ما كان سببًا لموته بعد وصوله إلى دمشق بستة أيام. وفي يوم الاثنين ثامن عشر صفر ورد العميد أبو سعد المستوفي من باب السلطان ومعه هدية للخليفة؛ خيلٌ وثيابٌ ومصحفٌ وجوهرٌ وكتابلٌ، ففرح أهل بغداد بقدومه؛ لأنه كان عفيفًا عن المال والحريم، أقام السياسة، وأمَّن الناس. وفي صفر قصد أبو عبد الله بن أبي هاشم مكة، وقتل من بني سليمان جماعةً، وهرب حمزة بن وهاش أميرُها، وخطب ابنُ أبي هاشم لصاحب مصر والصُّليحي.

стр. 9100

وفي ربيع الآخر ورد الخبرُ بمسير أرسلان خاتون زوجة الخليفة إلى بغداد ومعها تواقيع بجميع ما التمسه القائم من الإقطاعات وغيرها، وأنَّ ألب أرسلان توجَّه إلى أصبهان بنية المُضيِّ إلى كرمان. وفي غُرَّة جمادى الأولى دخلت السيدة أرسلان خاتون إلى بغداد مع الخادم، وخرج الناسُ لتلقِّيها، ومعهم الوزير ابنُ جَهير على فرسخ من بغداد، ودعا لها وهو على ظهر فرسه، ودخلت دارها، وحضر العميد بيت النُّوبة، وقُرئت الكتبُ التي كانت معها، وتشتمل على الطاعة والتصرُّف على قوانين الخدمة والإجابة إلى جميع ما التمس الخليفة، فكان فيها كتابٌ إلى ابن جَهير، عنوانه: الوزيرُ الأجَلُّ، شرفُ الوزراء، فخرُ الدولة. وقبل هذا كان يكتب إليه: الرئيس الأجَلّ. وعزم العميد على العود إلى باب السلطان، فسار يوم الاثنين السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وبنى في هذه المدة التي أقام بها ببغداد على قبر أبي حنيفة ﵁ قُبَّةً عاليةً عظيمةً، وأنفق عليها أموالًا كثيرةً، وعمل لها ملبنًا وعلَّاه على مثال قبور آل أبي طالب في المشاهد، وعمل بين يديه رواقًا وصحنًا، وجعله مشهدًا كبيرًا، وعمل بإزائه مدرسةً لأصحاب أبي حنيفة، ورتب لهم مدرسًا، وأوقف عليهم ضيعةً يُصرف مغلُّها إليهم، وفعل في ذلك فِعْلةً حسنةً، ولُقِّب: العميد شرف الملك، ولمَّا انتهت دخل ابن البياضي الشاعر لزيارة المشهد، فقال ارتجالًا: [من الطويل] ألم ترَ أنَّ العلمَ كان مُبدَّدًا … فجمَّعَهُ هذا الموسَّدُ في المهدِ (١) كذلِكَ كانتْ هذهِ الأرضُ ميتةً … فأنشرَها جودُ العميدِ أبي سعدِ [قلت: وقد ذكر علي بن عقيل في كتابه المسمَّى بـ "الفنون" في هذا المعنى فصلًا، فقال: وُضِعَ أساسُ مسجدٍ بين شريح أبي حنيفة في سنة ست وثلاثين وأربع مئة وأنا ابنُ خمس سنين، وكان المنفقُ عليه رجلٌ تركيٌّ قدم حاجًّا، ثم قدم أبو سعد المستوفي -وكان حنفيًّا متعصِّبًا- وكان قبرُ أبي حنيفة تحت سقفٍ عَمِله بعضُ أُمراء التركمان،

стр. 9101

وكان قبله خَرْبُشت (١)، فلمَّا دخل الغُزُّ بغداد وجاء شرفُ الملك إلى بغداد عزم على بناء القُبَّة، فهدم جميع أبنية المسجد وما يحيط بالقبر، وبنى هذا المشهد، وجاء بالقطَّاعين والمهندسين، وابتاع دُورًا من جوار المشهد وحفر أساس القُبَّة، وكانوا يطلبون الأرض الصلبة، فلم يبلغوا إليها حتى حفروا سبعة عشر ذراعًا، فخرج من هذا الحفر عظامُ الأموات الذين كانوا يطلبون جوار النعمان أربع مئة عين، ونُقِلت جميعُها إلى بقعةٍ كانت لقوم ملكًا، فحفروا فيها ودفنوها، وخرج في ذلك الحَفْر -يعني الأساس- شخصٌ منتظم العظام له ريحٌ كريح الكافور. وقال ابن عقيل: فقلت: وما يدريكم لعلَّ النعمان خرجت عظامه في هذه العظام وبقيت القبة فارغة، وبلغ شرفَ الملك، وكانت العمارة في سنة تسعٍ وخمسين وأربع مدّة، وساجُه وأبوابُه غصبٌ من بعض بِيَع سامراء. قلت: قد كان ابنُ عقيل من أكبر المتعصِّبين على أبي حنيفة وأصحابه. وقوله: وأنا ابن خمس سنين، وهل يُدرك هذا الإدراكَ ابنُ عشرين سنة؟!. وذكر ابن العميد أنه جمع الصنَّاع والمهندسين وغرم على القُبَّة ألوفًا، وكيف يخفى عليهم موضع الضريح؟ ثم أوهم أن الشخص الذي فاحت منه رائحة الكافور هو الإمام. وما مقصودُه إلا الإبهام. وقوله: غصبوا الأبواب والساج من بعض البِيَع، فيحتمل أن أهل تلك البيع نقضوا العهد أو كانت خرابًا، ولو صحَّت دعواه فإن الغاصب عند أبي حنيفة يملك الساحة؛ فإنه لا معتبر في الدنيا بالعظام، وإنما الاعتبار بالأرواح، وهي في دار السلام، والله سبحانه أعلم]. وفي شعبان وردت الأخبار أن ألب أرسلان لمَّا توسَّط بلادَ كرمان طلب أخاه الأمير قاروت بك، وكان قد تحصَّن ببلد حصين، وعليه سورٌ مكين، ويحيط به خندقٌ عميق، ويُسمى البلد بردشير، فبعث إليه أرسلان مقدِّمتَه، وسار خلفها، وخرج قاروت بك من البلد، فلقي المُقدِّمة، وفيها الحاجبان الطباش وجاولي، والتقَوا، فقُتِل بينهم عددٌ كبير، وجاءت رايات صاحب مصر على والدته وأخيه، فضمَّها إلى قصره، وكان في العسكر أميرٌ تركيٌّ يقال له: سلطان الجيوش، فاستمالوه بولاية تِنِّيس ودمياط وأعمالها، وولي سنان الدولة أماكن، وفرَّقوا البلاد في المقدمين خوفًا من ابن

стр. 9102

حمدان، وحصل الشام في يد بدر الجمال، والصعيد في يد المغاربة، والإسكندرية في يد ابن حمدون، ودمياط وما والاها في يد سلطان الجيوش، ولم يبقَ لصاحب مصر إلَّا ما حول القاهرة وقَرُبَ منها. وفي ذي القعدة لبس الوزير ابن جَهير خِلعةَ السلطان ألب أرسلان، وبعث بها إليه، وكانت فَرَجيةَ طميم وعمامةً مُذهَبة ومركبَ ذهب على فرس، وكتب إليه كتابًا يتضمن الشكرَ وحقدَ القائم عليه، حيث لبسها في داره، وجلس الوزيرُ ابنُ جَهير في بيت النُّوبة للهناء، وخرج إليه توقيع الخليفة، ومضمونه: لمَّا اتَّضح للسلطان الأعظم -وذكر ألقابه- لُطْفُ محلِّكَ يا فخر الدولة أبا نصر محمد بن محمد بن جَهير، وتأثُّلُ مكانِكَ، وتخصيصُكَ بشريف آراء أمير المؤمنين فيك بما تجاوزت به مراتب مَنْ تقدَّمك من أمثالك وألقابك، رأى أن يَحبوك بما يقصد به التقرب إلى الخدمة الشريفة، ومضايفة الآراء في اعتمادك بالآلاء الجسيمة، ويقابل مواقفك في الخدمة التي وضحت دلائلُها، وراقت من الأقذاء مناهلُها، ومقاصدك الرضية التي أنبَتْ عن حميد الجلال، وقطعت أطماعَ من يروم إدراك شأوِكَ من النظر أو الأمثال، مع ما في ظن ذلك مما يدلُّ على جميلِ رأيه فيك، واعتدادِه بمساعيك، وقد أذِنَ أميرُ المؤمنين في ادِّراع ما يحصل لك الشرف به والبروز فيه، ويلقى ذلك بما يلائم الصواب ويضاهيه، ويُبدي الكافةُ ما لا يزال الإمام يُظهِره من تضاعف حصونك بحضرة الخليفة المعظَّمة، ووجاهةِ منزلك من الإمامة المكرَّمة، والله تعالى يُمتع أمير المؤمنين بعضد دولته التي تفرد بها في الزمان، وطال بها مناكبَ الأقران. وفي يوم السبت عاشر ذي القعدة جمع أبو سعيد القايِني الناس على طبقاتهم إلى المدرسة النظامية، وكان نظام الملك بناها برسم أبي إسحاق الشيرازي، فلمَّا تكاملوا فيها تأخَّر مجيءُ أبي إسحاق، وطُلِبَ فلم يظهر، فوقع العدول إلى أبي نصر بن الصباغ الشاهد، وضمن له أبو منصور بن يوسف أن لا يعدل عنه، فركن إلى قوله، وذكر الدرس، وتفرَّق الناس، وخجل ابنُ الصباغ لتأخُّر أبي إسحاق، وأجرى المتفقِّهة لكلِّ واحد منهم أربعة أرطال خبز في كل يوم، وظهر أبو إسحاق في مسجده بباب المراتب، فدرَّس على عادته فيه، واجتمع إليه العوامُّ، ودعَوا له وأثنوا عليه، وكان قد بلغهم عنه أنه قال: إنني لم أطِبْ

стр. 9103

نفسًا بالجلوس في هذه المدرسة لما بلغني عن آلَتِها، وأنَّ أبا سعيد القايِني غصب أكثرها، ونقض قطعة من البلد لأجلها، ولحِقَ أصحابَ أبي إسحاق قصورٌ، وبأن فيهم فتورٌ، وراسلوه بما عرضوا فيه بالانصراف عنهم، والمضيِّ إلى ابن الصباغ إن لم تُجِب وترجِعْ عن الأخلاق الشرسة، فأجابهم تطييبًا لقلوبهم، وتسكينًا لنفورهم، وغيظًا من ابن الصباغ، حيث جلس في موضعه، وسعى هو وهم حتى صرَفَ ابن الصباغ، وكان نظام الملك لمَّا بلغه امتناعه من التدريس فيها أقام القيامة على عميد القايِني، وكتب يلومه ويوبِّخه ويتهدَّده، ويقول: لمن بنَيتَ هذه المدرسة إلا لأبي إسحاق؟! فجاء إليه أبو سعيد، وأراه الكتاب، فلم يُجِبْ، فمضى إلى بيت النُّوبة، وراسل الخليفةَ، فبعث إلى أبي إسحاق يقول: قد عرفتَ حالنا مع الأعاجم، وأخافُ أن يُنسَبَ ذلك إليَّ. فجاء أبو إسحاق وبيده آجُرَّةٌ كبيرةٌ كان يجلس عليها إذا قعد في المدرسة، وجلس بها يوم السبت غُرَّة ذي الحجة، وكان إذا حضر وقت صلاة خرج منها وصلى في بعض المساجد، فكانت مدةُ مقام ابن الصباغ فيها عشرين يومًا. وقال أبو علي المقدسي: رأيتُ أبا إسحاق الشيرازي بعد موته في النوم، فقلت له: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: طُولِبتُ بهذه المبنية -يعني المدرسة النظامية- ولولا أني ما أدَّيتُ فيها الفرض لكنتُ من الهالكين (١). وفي ذي القعدة قُتِلَ الصُّليحي أميرُ اليمن بالمَهْجَم، قتله سعيد ولد نجاح أحد أمرائها المتقدِّمين، وأُقيمت الدعوة العباسية باليمن، وقُطعت الخطبة المصرية، وورد بذلك كتاب من مكة -حرسها الله تعالى- معلمًا لحضرة الوزارة، ومهنيًا بالدولة الإمامية القائمية لِما فتح اللهُ من إقامة الدعوة على منابر اليمن فيما قَرُبَ وما بَعُدَ، وذلك لأنه لمَّا كان في رابع عشر ذي القعدة ورد إلى مكة مَنْ أخبر أن سعيد بن نجاح كان أبوه واليًا على اليمن، وأنه خرج هذا الزمان في عصابة من الخيزُرانية (٢) بزَبيدٍ فاستولى عليها، وأنه سار إلى الصُّليحي في عدد يسير، وكان الصُّليحي قد عزم على الحجِّ فبلغه وهو بالمَهْجَم، فبعث بنعيم الصَّيمري في عسكر كبير، فحذَّرهم قتال

стр. 9104

الصُّليحي، وخوَّفهم بأسه، فخرجوا إليه في سبع مئة راجل وخمسة عشر فارسًا، وسار بعدهم الصُّليحي فالتقوا، فكبا به فرسُه، فوقع وقُتِلَ رجالُه، واخذت أموالُه وحرمُه، وأصبح عِظةً للمعتبرين. وفيها تُوفِّي سعيد بن محمد بن الحسن (١) أبو القاسم، إمام جامع صور، من رواياته عن الحسن البصري أنه قال: لا تشتروا مودَّة ألف رجل بعداوة رجل واحد. [وفيها تُوفي] علي بن الخَضِر بن أبي الحسن (٢) العثماني، الدمشقي، الحاسب، له تصانيف في علم الحساب، وكانت وفاته بدمشق في شوال، وكان أخوه قد مات بتِنِّيس، فقال يرثيه: [من الخفيف] قُرَّة العينِ لم تدَعْ لي قرارا … كنتَ جاري فصِرْتَ للتُّربِ جارا كنتَ لي مؤنسًا فأوحشني مِنْـ … ـكَ زمانٌ مسترجِعٌ ما استعارا في دمشقَ بعضي وبعضي بتِنِّيـ … ـسٍ بَنَوا فوقَهُ من التُّربِ دارا يا بعيدَ المزارِ ليتَ خيالًا … منكَ في النَّومِ لو ألَمَّ فزارا إن تكُنْ ذُقْتَ من غَصَّةِ الموْ … تِ فقد ذُقْتُها عليكَ مرارا جعلَ اللهُ ظلمةَ القبرِ نورًا … لكَ والجنةَ الفسيحةَ دارا السنة الستون والأربع مئة فيها في ربيع الأول وردت الأخبار بنزولِ السلطان على حيرة، ودخولِ نظام الملك إلى فضلون بن أبي الأسوار صاحبها وإخراجِه، حتى داس بساط السلطان، وخلع عليه وعاد إلى بلده، وخدم السلطان بألف جمل، وخمسين فرسًا، وخمس مئة ثوب من

стр. 9105

أجناس، وسُرُرٍ من ذهب وفضة مُلَبَّسَين بهما، وبستانٍ أشجارُه من ذهب، وثمارُه اليواقيت والجواهر، ووزنه مئة ألف مثقال. وقصد ألب أرسلان دخول اللَّان، فوقع ثلجٌ عظيم، فأتلف العساكرَ والدوابَّ والخيامَ وغيرَها، فعزم على العود إلى حيرة، وجاء ابن جعفر أمير تَفليس إلى الخدمة بمال وخيل، وبذل فضلون في تِفليس مالًا، فسلَّمها إليه السلطان، وبقي أميرُها على باب السلطان مقيمًا، وكان السلطان قد تزوَّج ابنةَ أخت بُقراط ملك الأنجار، ودخل بها في هذه المرة بهَمَذان، وحملها معه، وطلَّقها وزوَّجها فضلون، وحملها إليه. وفي ربيع الآخر وردَتْ كتب مسلم بن قريش بأنه كسر بني كلاب ونهبهم ودفعهم عن الرحبة، ومعها قصبة فضة مصريَّة عليها علم، عليه اسم صاحب مصر، مكسورة منكسة، فطِيفَ بها في بغداد، وبعث الخليفة إلى مسلم بالخلع والتشريفات. وفي يوم الثلاثاء حادي عشر جمادى الأولى على ساعتين ونصف كانت زلزلةٌ بأرض فلسطين أهلكت بلد الرملة، وبلغ حِسُّها إلى الرحبة، ولم يسلَمْ من الرملة إلا دربان فقط، وهلك فيها خمس عشرة نسمة، وكان في مكتب الرملة نحو مئتي صبي، فوقع المكتب عليهم، فما سأل أحدٌ عنهم لموت أهاليهم، وانشقَّت صخرة بيت المقدس، ثم عادت. وقيل: ما انشقَّت، بل زالت من موضعها، ثم عادت، وغار البحر مسيرة يوم، ودخل الناس إلى أرضه يلتقطون، فرجع عليهم، فأهلك خلقًا عظيمًا، وخربت بانياس، وسُمِعَ من السماء رعود وأصواتٌ هائلةٌ غُشي على الناس منها، وشقَّت هذه الزلزلة الفرات، ورفعت الماء إلى جوانبها. وقال علويٌّ من الحجاز: كانت زلزلةٌ عندنا في الوقت المذكور، فرمت شُرَّافتين (١) من منارة مسجد النبي ﷺ ، فانزعج أهلُ المدينة، وقالوا: هذا نذيرٌ بآيةٍ تُصيبنا، فتابوا وأقلعوا، وأرا قوا الخمور، ونفوا الخواطئ من البلد، ولحقت الزلزلةُ وادي الصفراء ويَنبُعَ وبدرًا وخيبرَ ووادي القرى، وعمَّتِ الحجازَ، وانشقَّتِ الأرضُ عن كنوزٍ وجدوا فيها الذهب والفضة والمصاغ، ووزن الدينار مثقال ونصف، ونبعَتْ فيها عينٌ تستغل كلَّ سنة ألفي دينار، وظهر بتبوك ثلاثة عيون غير العين التي كانت بها، وأخذتِ الزلزلةُ في شرقي الحجاز
следующие страницы →